← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

كل النوافل في هذين الوقتين بمكة، فيلزم إيقاع (١) القياس عليه، وإدخالَ وقت الاستواء في جواز النفل مطلقاً، حتى يدخل وقت الاستواء؛ لأن الأصلَ إذا لم يصحَّ، لم يصحَّ الفرعُ. وطريق هذا النزاع أن يقول: "لا صلاة" سلبٌ كليٌّ، فيقتضي العموم لكل صلاة؛ فإما نافلة، أو فريضة على الاختلاف، والاستثناء إيجاب لما بعده، والسلب والإيجاب يتقابلان تقابلَ التناقض، ويكفي في مناقضة السلب الكليّ الإيجابُ الجزئيُّ، ولا يشترط الإيجاب الكليُّ، فالمتيقَن هو الإيجاب الجزليُّ، فمقتضى ذلك: أن تجوز صلاةُ نافلة بمكة في هذين الوقتين. فإذا قلنا بذلك في ركعتي الطواف، فقد وفَّينا بمقتضى اللفظ، فتنقطع الدلالة عن العموم في جواز كل نافلة في هذين الوقتين. فان توهَّمَ متوهِّمٌ: أن النفي دخل على مسمَّى الصلاة، واقتضى العمومَ، والأيجابُ دخل على ما دخل عليه النفي، فيقتضي العموم في الإباحة لكل نافلة، قلنا له: [لا] (٢) نسلم أن الإيجاب دخل على ما دخل عليه النفي بعينه، وهو ماهية الصلاة، وما يحصل به مسمَّاها، والنفي (٣) إذا دخل على الماهيه، نفى جميع أجزائها، لوجودها في كل جزء من الأجزاء التي يفرض وجودها، وأما الإثبات إذا تعلق بالماهيَّة، فلا يقتضي الثبوتَ في كل أجزائها.

стр. 2347

[ولئن] (١) قال: نحن إذا قلنا: لا عالم في البلد إلا في الجامع مثلاً، اقتضى العموم في كل عالم في البلد، ووجب أن يكونوا في الجامع، فأما (٢) إن كان قولُه: (في الجامع) صفةً للعالم، فالاستثناء مُفرَّغ، والأمر كما قلت، وإن لم يكن صفةً له، بل خبراً، فحينئذ يكون النفي دخل على كل عالم بالنسبة إلى البلد، وحينئذ نقول: لا يلزم أن يكون كل عالم في الجامع، بل يكفي وجود عالم واحد في الجامع. الثانية والستون: قوله ﵊: "ثمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصلاةِ، حَتي تُصَلِّيَ العَصْرَ" قد يعارضه عموم قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، بعد تحقيقه دلالته على الإباحة في جميع هذه الأوقات، فإذا تحقق ذلك، كان هذا الحديث مخصِّصاً لذلك العموم على قاعدة تقديم الخاص على العام، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك في قوله ﷺ : "لا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ" ويُنظر هناك في تحقيق العموم المخالف لهذا الخصوص إن شاء الله تعالى. الثالثة والستون: روى سفيان، عن أبي الزبير المكي، عن عبد الله ابن باباه، عن جبير - وهو ابن مطعم - يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: "لا تَمْنَعُوا

стр. 2348

أَحَدً يَطُوفُ (١) بهذا البَيْتِ، ويُصَلِّي أَيَّ (٢) ساعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" أخرجه أبو داود، وهو عند الترمذي: "يا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لا تَمْنَعُوا أَحَداً طَافَ بهذا البَيْت، وَصَلَّى" الحديث، وأخرجه النسائي، وقال: "لا تَمْنَعُنَّ" (٣). والحديث صحيح صححه الترمذي، وهو يقتضي استثناءَ مكة، لكنَّه عامٌّ في الأوقات بها، وهو عموم قويٌّ، وحديث النهي الذي نحن فيه خاصٌّ بالوقت، عام في الأماكن، فهو من باب تعارُضِ عمومين، كل واحد منهما عامٌّ من وجه خاصٌّ من وجه، فيحتاج إلى الترجيح بالمقصود الذي يظهر من الحديث بقول: إن المقصودَ بحديث مكةَ منعُ الولاة من الحجر على الناس في العبادة، ولو تخصَّص المنع ببعض الأوقات، فيبقى كالمُجمل في الإباحة بالنسبة إلى الأوقات المكروهة، فيعمل المنع منها عمله، فإن لم يرجَّح بالمقصود، فلا بدّ من الترجيح بوجه آخر قبل الجزم بالحكم، وسيأتي

стр. 2349

في الكلام على الصلاة بعد العصر حديثٌ فيه استثناء مكة، ونتكلم عليه إن شاء الله تعالى، فيمكن من يقول بهذا القول، إذا ثبت له الاستثناءُ فيما بعد العصر، أن يقيس بقيةَ الأوقات بمكة عليه، والله أعلم. الرابعة والستون: لقائل أن يقول: حديثُ جبير بن مطعم ﵁ لا يدل على ما ادَّعيتموه من جواز النوافل في هذين الوقتين بمكة من غير حاجة إلى ترجيح حديث الجواز على حديث النهي، وذلك أنه لو قال: رأيت زيداً وعمراً، لم يُكذَّبْ برؤية أحدهما، وأما في الإنشاء فإذا قال: والله! لا كَلَّمْتُ زيداً ولا عمراً، لم يحنَثْ بكلام أحدهما، وإذا قال: والله لاكلمنَّ زيداً وعمراً، لم يبَرَّ إلا بكلامهما، وإذا قال: إن كلَّمتُ زيداً وعمراً فأنتِ طالق، لم يحنَثْ بكلام أحدهما، وإذا قال: لتكلمنَّ زيداً وعمراً وإلا فأنت طالق، لم يَبَرَّ إلا بكلامهما، هذه قاعدة مذهب الشافعي ﵀، قال بعض المحققين: فهذه هي (١) القاعدة التي يبنى (٢) عليها السؤال. الخامسة والستون: فإذا بنينا على ذلك، فنقول: الحديث دلَّ على النهي عن المنع لمن أراد أن يطوف ويصلِّي، لأنَّ العطف بالواو في قوله ﵇: "لا تَمْنَعُوا أَحَداً طَافَ وَصَلَّى" بمعنى أراد أن يطوف ويصلي، فلا يتعلَّق النهي بمن أراد أن يطوف فقط، أو يصلي فقط،

стр. 2350

فلا يثبت الجوازُ بالنسبة إلى الصلاة وحدَها، ولا إلى الطواف وحده، فلا يتمُّ الاستدلال الذي ذكرتموه، ولا المعارضة بحديث النهي عن الصلاة. فإن قلت: فأي فائدة في هذا التقدير الذي ذكرته، وهو النهي عن المنع عن المجموع؟ قلت: قد تكون الفائدةُ النهيَ عن المنع عن الطواف وركعتيه، فتبقى للنهي فائدة شرعية، وهي إباحة ركعتي الطواف مع الطواف في هذه الأوقات. السادسة والستون: هذا الذي ذكرناه مبني على هذه القاعدة التي قدمناها، والزام لمن يقول بها، فإما في نفس الأمر، واثبات انقطاع الدلالة من الحديث (١). السابعة والستون: اللفظ يقتضي تعليل الحكم بإسجار جهنم حينئذ، وقد تأكد ذلك بقوله ﵊: "إذا اشتَدَّ الحرُّ فأَبْرِدُوا عن الصلاةِ، فإنَّ شدةَ الحرِّ من فَيْحِ جَهَنم" (٢)، فاقتضى ذلك طلبَ مناسبة العلَّةِ للحكم، الذي هو ترك الصلاة حينئذ. الثامنة والستون: قوله: "فَإنَّ حِيْنَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّم" ذكر علَّة الحكم الذي هو المنعُ من الصلاة، وتُطلب مناسبتة، كما تُطلب

стр. 2351

مناسبة سائر العلل للأحكام، وربما يستشكل مناسبة الصلاة للاتقاء من جهنم، وإطفاء حرِّها، فيمكن أن يقال: إن المناسبة إنما هي لطلب الفرار لملابسة جهنم، وما هو من آثارها فيما يمكن الانفكاك عنه عادة، وذلك واقع في الحال؛ لأنه يقع بالصلاة فيه، وما قيل من المناسبة إنما هو لرفع عذاب جهنم في الآخرة، وهو خارج عن المقصود الذي ذكرناه، ثم هذا المقصود الذي ادعى مناسبته لا يفوت؛ لأن الصلاة في وقت الجواز تحصله، والمناسبة المذكورة أولاً تفوت على تقدير الصلاة في هذا الوقت، فكان رعايتُها أولى، وربما يستشهد على المناسبة المذكورة بقوله ﵇: "إِذَا اشتَد الحرُّ فَأبْرِدُوا عن الصلاةِ، فَإنَّ شدَّةَ الحرِّ من فَيْحِ جَهَنم "، ويمكن أن يكونَ من باب التخفيفِ على المخاطَبِين، والتأخيرِ إلى زوال المشقة، وهذا يقتضي أن يكون الإبرادُ رخصةً لا عزيمةً، مع أن ظاهر النهي أو الأمر يقتضي خلافَه. التاسعة والستون: وقد رأيت في كلام بعض المتصوِّفة عنه، أنه بلغهم عن ابن مسعود أنه قال: كُلَّمَا أَتَتْ عَلَى طُلُوعِها سَاعَةٌ من النهارِ (١)، فُتِحَ بَاب من النارِ، حتى تُفْتَحَ الأبوابُ (٢) السبعةُ كلها، عند الاستواء، وتزجرَ النيرانُ زَجْراً لشدةِ غَضَبِ الله، فُتُسْجَرُ جَهَنَمُ،

стр. 2352

وَيتَلَظَّى حريقُها، وَتُغْلَقُ أَبوابُ الرحْمَةِ. فلذلك حَرُم على المؤمن الصلاة في ذلك الوقت؛ لأن الربَّ كريمٌ يستحي أن يخيِّب عبْدَه عِنْدَ الإِقْبالِ عليه، وليس ذلك وقتَ نزولِ الرحمة، ولا وقتَ النوال. ورأيت عن بعض المنتسبين إلى التصوُّف من المتأخرين في كلامه على الأوقات المكروهة ما معناه: أنه جعل كل وقت منها وقعَ فيه ما يوجب البُعدَ عن الله تعالى، والضلال، وفتح باب العذاب، فأراد رسول الله ﷺ أن لا تكون أعمال أمته تصعد في وقت حَلَّ فيه الغضب من الله تعالى، وجعل وقت الطلوع وقت السجود للعِجْل أول طلوع الشمس، وذكر في وقت الاستواء أن النصارى يومَ رفع الله تعالى عيسى إليه عند الوقوف الشمسي عبدوه من دون الله تعالى، ففتح الله عليه باباً من الغضب، واتخذوا الصلبان. وذكر في وقت الغروب معنى آخر لم أر ذكره. فلما كشَفَ حقائقَ هذه المعارفِ رسولُ الله ﷺ ، أمرهم أن يجتنبوا الأزمنة التي نزل فيها غضبُ الله، وأمرهم بالأوقات التي هي مظانُّ الإجابة، كالصلاة الوسطى، وجعلِها العصر. وهذه الأمور التي ذكرناها من مقاربة هذه الأسباب لهذه الأوقات، تحتاج إلى نقل صحيح يُعتمد عليه. السبعون: ذكر بعض المتصوِّفة فيما يتعلَّق بالمنع من الصلاة في الأوقات إشارة، وذلك أنه تلا قوله تعالى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ

стр. 2353

وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤]، فقال: وكما جعل له نصيباً من أموالهم وأبنائهم وأعمالهم، كذلك جعل له نصيباً في أزمانهم. الحادية والسبعون: من المجاز المحتمل في هذا أن يكون سَجْرُ جهنم، الذي هو الامتلاء أو الوَقود عبارة عن كثرة أسباب جهنم الموجبة لها من الأفعال، التي يدعو إليها الشيطان، ويطيعه فيها الكفار، وتظهر قوة تسلطِهِ في الإضلال، فيعود ذلك بهذا المعنى، إلى المعنى الذي فيه النهي عن الصلاة عند الطلوع، وعند الغروب، لأجل عبادة الكفار، إلا أن هذا يقتضي أن يكون لوقت الاستواء زيادة في عبادة الكفار، وانتشارُ سلطة الشيطان، وليس بالظاهر المعروف. الثانية والسبعون: من القواعد الكلية عند تعارض المصالح والمفاسد، وعدم إمكان الجمع في التحصيل والرفع، ترجيحُ أعلى المصلحتين، وترك أخفهما (١)، ودفع أعظمِ المفسدتين، واحتمال أخفهما، لكن من ذلك ما يظهر فيه الترجيح؛ إما بالنظر إلى [المصالح والمفاسد الدنيوية على ما تقتضيه العادة والوجود، وإما بالنظر إلى] (٢) القواعد الشرعية التي تقتضي الترجيح لأحد الأمرين على (٣) الآخر، ثم من ذلك ما يظهر ويستقل الفهم به، ومنه ما يخفى، ولا يعلم إلا من جهة تقديمِ الشرع أحدَ الأمرين على الآخر، والسبب في ذلك:

стр. 2354

أن معرفة أعداد المصالح والمفاسد، ومقاديرها، والترجيح بين المقادير، لا يستقل العقل به، بل قد يَرِدُ الترجيح في الشرع لأحد الأمرين على اللآخر مع شعور النفس بالتساوي ظاهراً. الثالثة والسبعون: لا شك [أن] (١) في إقامة الصلاة مصالحَ؛ كالقراءة والذكر، وما يقتضيه فعل الأركان من التعظيم، وقد قدم الشرعُ مصلحةَ تركِ الصلاة في هذه الأوقات على مصلحة فعلها، بسبب رُجحانِ المفسدة في فعلها، على تقديم الفعل على المصلحة في (٢) فعلها، فلينظر في موجب ذلك، هل يحصل فيه معنى ظاهر للفهم؛ فإن ظهر، وإلا فيؤخذ من المسألة [تقديمُ ما قدمه] (٣) الشرع فقط. الرابعة والسبعون: يمكن أن يقال: إن المفسدة على تقدير الفعل مفسدة تتعلق [بالموافقة] (٤)، وهي شدة المباعدة للكفار، وما يتعلق بهم، وذلك مطلوب في الأمور المعنوية، كما هو مطلوب في الأمور الحسية؛ كوجوب الهجرة، و"أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ [يُقِيْمُ بَيْنَ أَظْهُرِ

стр. 2355

المشْرِكِيْنَ"، قالوا يا رسول الله ولِمَ؟ قال] (١): "لا تَرَايا (٢) نارُهُما" (٣)؛ وذلك لأن المقاربة في الحسية، والمعنوية، قد يسرق منها الطبعُ ما يُوجب مفسدة عظمى، والمصالح المرتبة على فعل الصلاة في هذا الوقت أمر يتعلق بالفروع الدينية، لا سيما إذا خصَّصنا المنع بالنوافل، فإن حاصله طلبُ زيادة النفل بالفعل، والمفسدة المتعقلة بالأصول أرجح في الدَّرْء من المصلحة المتعلقة بالفعل بالنسبة إلى الفروع والنوافل، ثم التفت بعد ذلك إلى ما قدَّمناه من الفوات وعدمه، ثم إمكان التدارك وعدمه، فإن ظهر لك هذا، وإلا فارجع إلى الاستدلال بمجرد الأمر على الترجيح، أعني: في المسائل المنبَّهِ عليها في الحديث. الخامسة والسبعون: قولُه ﵇ "فإِنَّ الصلاةَ مَشْهُود مَحْضُورَةٌ، حتَّى يُصَليَ العَصْر" دليلٌ على أن الكراهة في العصر معلَّقة بالفعل، كما ذكرنا في الصبح، فإذا تأخَّر الفعل، لم تكره النافلةُ قبلَه. السادسة والسبعون: أنه يؤخِّر العصر، ويصلِّي في آخر وقتها، والشمسُ بيضاء لم تتغيَّر، وعند غيرهم يعجّل، ورجَّح بعض الحنفية مذهبهم: بأن في تعجيلها حَجْراًعن النوافل؛ لأنه إذا صلَّى العصر

стр. 2356

لا يجوز له أن يصلي التطوع ما لم تغرب الشمس، وإذا كان كذلك يستحب التأخير، وهذا له وجه من الترجيح، لكن الدلائلَ الدالَّة على التعجيل أرجحُ منه. السابعة والسبعون: النهيُ الوارد عن الصلاة بعد العصر كالنهي الوارد عن الصلاة في الثلاثة أوقاتٍ نطقاً ومفهوماً، [ومقتضاه] (١) التسوية في الأحكام، والحنفية يفرِّقون بين الثلاثة أوقات: الطلوع والغروب والانتصاب، وبين الوقتين الآخرين بعد الصبح وبعد العصر، فيقولون في الثلاثة: لا يصلَّى فيها جنس الصلوات لا فرضاً، ولا نفلاً، ولا سجود تلاوة، وفي هذين الوقتين يجوزون قضاء الفوائت، ويصلي على الجنازة، ويسجُد للتلاوة، ولا يصلي فيها التطوعَ إلا ركعتي الفجر خاصةً، ولا يركع ركعتي الطواف، كما في الأوقات الثلاثة، فلو صلَّى جاز، ويكره، وهو معلّل بأن الوقت كامل، ألا ترى أنه لو أدَّى فرض يومه يجوز بغير كراهة، وإذا أدى فرضا آخر يجوز أيضاً، وكذلك تجوز صلاة الجنازة، ويسجُد للتلاوة من غير كراهة؛ لأنهما واجبتان، وإذا جاز أداء الفرائض، فأولى أن يجوز أداء النوافل، على أصلهم في الفرق بين الفرض والواجب، وصلاة التطوع، وسجود التلاوة إذا قرأ آية السجدة في الأوقات الثلاثة جائز مكروه عندهم، كما في هذين الوقتين. الثامنة والسبعون: لهذا النهي عن الصلاة بعد العصر - معارض،

стр. 2357

وهو ما ثبت عن النبي ﷺ أنه صلَّى ركعتين بعد العصر، وقالت عائشة ﵂: لَمْ يَدع رَسولُ اللهِ ﷺ الركْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "لا تَتَحَرَّوا بِصَلاتِكُمْ طُلُوعَ الشمسِ ولا غُرُوبَهَا فتُصَلُّوا عِنْدَ ذلك" وهو في "الصحيح" (١)، وفي "الصحيح" - أيضاً - عنها: "مَا تَرَكَ رسولُ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدي قَطُّ" (٢). والمنقول عن داود أنه قال: يصلي التطوع بعد العصر لحديث عائشة: مَا تَرَكَ رسولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ في بَيْتِي قَطُّ، قال: ولا يتطوَّع بعد الصبح؛ لأن الآثار في ذلك غير ثابتة، والأصل أن لا يمنع من عمل البر إلا بدليل لا معارض له، وقد تعارضت الآثار في الصلاة بعد العصر فواجب الرجوع إلى قول الله تعالى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] والصلاة فعل خير (٣). فمن الناس من استثناهما عن الكراهة مطلقاً وأجاز ركعتين بعد العصر لا غير، تقديماً للخاص الذي هو الدليل الدالُّ على جوازهما، على العام الذي هو الدليل الدالُّ على المنع من الصلاة، وتقديم الخاص على العامّ طريق معبَّد.

стр. 2358

ومن الناس من حمل ذلك على أنه لسبب خاصٍّ؛ وهو قضاء الركعتين بعد الظهر لأجل الشغلِ عنهما، كما صحَّ في الحديث، وهذا مذهب الشافعي - أعني: إثباتَ الكراهة - فيما عدا ما له سبب، وقد مَرَّ لنا كلام في تعدية هذا إلى كل ما له سبب (١). التاسعة والسبعون: وله معارض آخر، وهو الحديث المرويُّ عن علي ﵁ وهو منع الصلاة بعد العصر، إلا أن تكون الشمس مرتفعة (٢)، فإن مفهومه يقتضي الجواز إذا كانت [الشمس] (٣) مرتفعة، وهو خلافُ ما دل عليه العموم في هذا الحديث، وفي حديث: "لا صَلاةَ بَعْدَ الصبْحِ حتي تَطْلُعَ الشمسُ، ولا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ حتَى تَغْربَ الشمسُ" (٤)، والله أعلم. الثمانون: والصلاة بعد الصبح [له] معارِضٌ، وهو حديث قيس ابن عمرو [قال] (٥): رأى النبي ﷺ رجلاً يصلي بعد الصبح ركعتين، فقال النبي ﷺ : "أَصلاةَ الصبحِ مَرتَيْن؟ " قال: إنه لم أكن صليتُ

стр. 2359

الركعتين قبلها، فصلَّيت الآن، قال: فسكت رسول الله ﷺ (١)، وفي تسمية هذا الراوي وتسمية أبيه اختلاف في الروايات. الحادية والثمانون: فالشافعي يرى أن ذلك من باب ما أجيز لوجود السبب، وتعديته إلى ما عدا ذلك من الأسباب، وقد تقدم ما فيه، ومالك لا يرى ذلك. الثانية والثمانون: ولهما معاً - أعني: الصلاةَ بعد الصبح، وبعد العصر - معارِض آخر من وجه، وهو: قوله ﵊: "إِذَا دخَل أَحدُكُمُ المسْجِدَ، فَلا يَجْلِسْ حتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ" (٢) أو بصيغة الأمر، ووجه التعارض من وجه: أن النهي عن الصلاة خاصٌّ بالوقت، عام في الصلوات، والأمر بالصلاة عند دخول المسجد خاصٌّ بهذه الصلاة، عامٌّ بالنسبة إلى الوقت، فيتعارضان، ويتكافآن، ونحتاج إلى الترجيح، وقد مرَّ لنا مثل هذا، وأن الترجيحَ قد يُراد به النظر إلى المقصود، وقد يُراد به الترجيحُ بالأمور الخارجة عن ذلك، والأول إذا ظهر وجهُه أقوى، فإن تعذَّر رُجِع (٣) إلى الترجيح العام. الثالثة والثمانون: فيمكن الشافعية أن يرجِّحوا بالدليل الدالِّ على جواز ما له سبب، ودخولُ المسجد سبب، فيترجَّح دليل الأمر بذلك

стр. 2360

الدليل، لكن تعميم (١) الحكم في كل ما له سبب يحتاج إلى لفظ يقتضي العمومَ، وهو غيرُ موجود، وإنما الموجود دلائلُ خاصَّةٌ على أسباب خاصَّةٍ، وقد نبَّهنا على ذلك. الرابعة والثمانون: ولجميع ما يدلُّ على الكراهة في الأوقات المذكورة معارضٌ آخر، وهو قوله ﵊: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نسَيَها، فَلْيُصَلّها إِذَا ذَكَرَها" (٢)، وبه يَستدِلُّ من يُجيز قضاءَ الفوائت في الأوقات المكروهة، لكن بين الحديثين عمومٌ من وجه، وخصوصٌ من وجه، لا عموماً مطلقاً، وخصوصاً مطلقاً، فيُحتاج إلى الترجيح لوقوع التعادل، فإنَّ أحدَ الخصمين إذا قال: أَخُصُّ الفوائت عن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات بقوله ﵇: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَها"؛ [لأنه عامُّ في الصلوات، وهذا خاصّ بالفوائت منها، قال خصمه: أَخُصُّ هذه الأوقات من قوله ﵇ عن قوله ﵇: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نسِيَها"] (٣) فإنَّه عامٌّ في الأوقات (٤) فيتعادلان، وقد رجَح العمل بحديث النوم عن الصلاة، بأن حديث الأوقات وقع التخصيصُ فيه اتفاقاً بعصر اليوم، ولم يقع الاتفاقُ على تخصيص هذا، والأول أولى، وقد مَرَّ لنا هذا على سبيل التمثيل فيما مضى.

стр. 2361

الخامسة والثمانون: قد يترتَّب على المنع من الصلاة في هذه الأوقات مصلحة أخرى، سوى ما اقتضاه التعليلُ السابقُ في الحديث؛ وهو مصلحة إجمامِ النفس عن كدِّ العبادة في المتعبدين الذين اشتدت رغبتُهم في تكثير النوافل، واقتضته طبائعُهم من المبالغة فيما يعزِمون عليه، وفي ذلك مصلحةُ إجمام النفس لتتلقَّى العبادةَ بعدها على انشراح ونشاط، ودرءُ مفسدةِ تَكْرِيهِ العبادة إلى النفس "اكْلَفُوا من العَمَلِ ما تُطِيقُون" (١). وإن كان ما قيل عن الحولاء بنت تُوَيْتٍ في أنها لا تنام الليل بقوله ﵇ "لا تَنَامُ الليلَ" (٢) على وجه الإنكار: "إِنَّ هذا الدينَ مَتِين، فَأوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، ولا تُبَغِّضْ إلى نفسك عبادةَ الله؛ فَإِنَّ المُنْبَتَّ لا أَرْضاً قَطَعَ، وَلا ظَهْراً أَبْقَى" (٣)، ولا يعارَض هذا بأن يقال: هذا يشكل بوجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ صلَّى حتَّى تورَّمت قدماه (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. والثاني: أنه لو كان اعتبر ما ذكرتموه، لما اختصَّ ذلك بمنع

стр. 2362

الصلاة بخصوصها؛ لأنا نجيب عن الأول: بالفرق بين حال النبي ﷺ في هذا، وحال غيره، ولا يبقى تكلُّفه ﷺ وتبتله إلا أن تكون فيه المصلحة المذكورة في حقِّ من ليس على حاله، والنبي ﷺ قد جُعِلت قرَّةُ عينه في الصلاة، وذلك واقع لكل ما ينشأ عن نقل العبادة على غيره. وعن الثاني: بأن الصلاة فيها أعمال البدن كلِّه بالأفعال، والحركات المقتضية للتعب والمَلالِ وتَكْرِيه العبادة إلى النفس. السادسة والثمانون: ينبغي للمتعبِّد إذا وُجِدَت هذه الأوقات أن يستحضرَ هذا المعنى، ويعتبره في تركه، لتحصل له زيادة، ولا يحصل على تقدير الغفلة عنه، ولا يُعتَرَض على هذا، فإنه قد ألزم هذا الترك بالنهي الوارد فيه، وإنما يكون هذا في المباحات (١) التي له أن يفعلها، وأن لا يفعلها، ويتوقف الثواب عليها على تقدير أن يفعل لتحصل المصلحة المطلوبة؛ لأنا نقول: إنما ادَّعينا أنه ينبغي استحضارَه لتحصل له زيادة لا تحصل على تقدير غفلته، وحصول الزيادة أعمُ من حصول الزيادة بالثواب، وهو ظاهر، فتأمله. السابعة والثمانون: قوله ﵇: "ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصلاةِ، حتَّى تَغْرُبَ الشمسُ؛ فَإِنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْني شَيْطَانٍ، وَحِيْنَئِذٍ يَسْجُدُ لها

стр. 2363

الكفار" هذه العلَّة مذكورة في الطلوع والغروب، وليست مذكورة في [هذا] (١) الحديث وقتَ الاستواء، وانما المذكور فيه إسجارُ جهنم، وقد ورد حديث آخر يقتضي مقارنة الشيطان لها عند الاستواء، وليس في واحد من الحديثين التعليلُ بسجود الكفار عند الاستواء، ولعلَّ سبَبه عدمُ وقوع ذلك في الوجود الخارجي، فبطل التعليل به، وهو الأظهر. الثامنة والثمانون: الخلافيون من المتأخرين يقولون: إن التعليل بالمناسبة يقتضي الحصر؛ لأن قولنا: فعل كذا لكذا، يمنع أن يقال: فعله لكذا غيره، في العرف والاستعمال، فإذا قيل: أَعطيتُ هذا لفقره (٢)، لم يحسن أن يقال معه: أعطيته لعلمه (٣). فلو قال قائل: قد ذكرتم التعليل بإسجار جهنم في هذا الحديث، وذكرتم مقارنة قرني الشيطان لها عند الاستواء، والحديث يقتضي التعليل بذلك، فاللازم أحد أمرين: إما عدم مناسبة العلَّة للحكم، أو عدم اقتضاءِ المناسبة للحصر، فنقول في الجواب: اقتضاءُ المناسبة للحصر دليل ظاهر يعارضه التصريح بعلَّة أخرى، وتقدَّم عليها لرجحانها عليه، ولعدم لزوم التعارض المنتفي جزماً.

стр. 2364

التاسعة والثمانون: قوله ﵇: "ثُمَّ أَقْصِرْ حتَّى تَغْرُبَ الشمسُ" عام بالنسبة إلى أجزاء هذا الوقت كلِّه، وقد ورد ما يقتضي النهي عن الصلاة وقتَ الاصفرار، ولا يلزم من هذا التخصيص هاهنا تخصيصُ العموم في النهي عن الصلاة في جملة أجزاء هذا الوقت؛ لأن ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، على ما وقع الاختيار عليه في فنِّ الأصول، ولْيُلْتَفَتْ مع ذلك إلى ما كنّا قدمناه: في أن المفهوم هل يخصِّص العموم، أو لا؛ إذا كان ثَمَّ مفهومٌ به. التسعون: قوله ﵇: "حتَّى تَغْرُبَ الشمسُ" يقتضي مخالفةَ ما بعد (حتى) لما قبلها، والذي قبلها الإقصار عن الصلاة، فلينتهِ بغروب الشمس، ويثبت بدلُه، فيثبت الجواز، فالذين يكرهون الركعتين قبل المغرب، يحتاجون إلى الجواب عن هذا، وقد ورد فيهما خصوصاً حديث، يقتضي استحبابهما، أو جوازهما؛ لكون النبي ﷺ رآهم يصلونهما (١)، فلم يأمرهم، ولم ينهَهُم (٢). الحادية والتسعون: المنع ينتهي بانتهاء غروب الشمس، وهو محمول على غروبها مع عدم الموانع من رؤيتها على تقدير كونها

стр. 2365

طالعاً؛ لأنها عند قيام الموانع لم تَغْرُب حقيقةً، والحكم معلَّقٌ على الحقيقة. الثانية والتسعون: ويقتضي الاكتفاءَ بما يسمى غروبا للشمس، أي: مع [عدم] (١) الموانع كما ذكرناه، وبعض الفقهاء يقول في الغروب: غروب الشمس وشعاعها المستولي عليها (٢). الثالثة والتسعون: الذين منعوا الصلاة قبل المغرب، ربما علله بعضُهم بمنافاة الصلاة للمستحب من تعجيل صلاة المغرب، فإِنْ ضَيَّقَ وجعلَ وقتَ الاستحباب يتناول وقتَ الركعتين، فقد يمنعه المخالف هذا التضييق، وإِنْ لم يضيّق، فيمنع منافاتهما للمستحب المذكور. الرابعة والتسعون: إباحة الصلاة بعد الغروب يعارضه حديث آخر، الحديثُ الصحيح عن أبي برزة الأسلمي: "لا صَلاةَ بَعدَها حَتى يَطْلُعَ الشاهد" (٣) والشاهد: النجم. ووجه المعارضة: أن طلوعه وظهوره يكون بعد غروبُ الشمس بزمان، فيكون هذا الحديث الذي نحن فيه دالًا على الزيدية القائلين

стр. 2366

بتأخير وقت المغرب إلى ظهور النجم، ولهم أن يقولوا: إِن حديث أبي برزة يقتضي من المنع أمراً زائداً على ما اقتضاه هذا الحديث؛ من انتهاء المنع إلى غروب الشمس، وهذا الحديث يقتضي المنع بما زاد على ذلك الوقت، والأخذ بالزائد واجب، فيقال: عليهم بجعل حديث أبي برزة من التعبير عن الشيء بما [يقاربه] (١)، وغروبُ الشمس مقاربٌ لطلوع الشاهد، والتعبيرُ بالشيء عمّا قاربه سائغٌ مشهورٌ، فإن قيل: هو مجاز ومشترك الدلالة، فإنكم إن قلتم: إنه عبر عن غروب (٢) الشمس بطلوع الشاهد، فنعكسه، ونقول: عبَّر عن طلوع الشاهد بغروب الشمس، فتتساوى الأقدام، قلنا: إذا انتهى الأمر إلى هذا رجعنا إلى البيان قولاً وفعلاً: أما القول: فقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: "وَوَقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشمسُ، مَا لَمْ يَسْقُطِ الشفَقُ" (٣). وحديث بريدة: "فَأقَامَ المَغْرِبَ حِيْنَ غَابَتِ الشمسُ" (٤). وفي رواية في حديثه: "ثمَّ أَمَرهُ - يعني بلالاً - بِالمَغْربِ حِيْنَ

стр. 2367

وَجَبَتِ الشمسُ" (١). وفي حديث أبي موسى: "فَأقَامَ المَغْرِبَ حِيْنَ وَقَعَتِ الشمسُ" (٢)، وكُلُّها صحيحة متعاضدة، وكذلك قوله: "كَانَ يُصَلّي المَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشمسُ، وَتَوَارَتْ بِالحِجَابِ" (٣)، والاحتمالات مع التعاضد والكثرة تُبْعِدُ المجاز، أو تنفيه. الخامسة والتسعون: الكلام في قوله: "فالوُضوءَ أَخْبِرْني عنه" كالكلام في قوله: "أَخْبِرْني عَمَّا عَلَّمَكَ الله"، وقد تقدَّم فاعتبرْه هاهنا. السادسة والتسعون: "ما مِنْكُمْ مِنْ رَجُل (٤) يُقَربُ وَضوءَه"، الوَضوء: الماء، والحقيقة ممكنة في تقريبه، ويحتمل أن يكون دلَّ بها على نفس الوضوء؛ لأنه السبب، والوَضوء المسبَّب. السابعة والتسعون: الحديث يدلُّ على استحباب المضمضة والاستنشاق والانتثار، وأنها سننٌ ثلاثة، والأكثرون يقتصرون على ذكر المضمضة والاستنشاق في سنن الوضوء دون ذكر الانتثار، والله أعلم.

стр. 2368

الثامنة والتسعون: الانتثار يقتضي فعلاً وتعمُّلاً زائداً على مجرَّد خروج الماء من الأنف، فلا تحصل السنَّة إلا بزائد. التاسعة والتسعون: خروج الخطايا من الوجه ذُكِرَ مرتين: إحداهما: عند ذكر المضمضة والاستنشاق والانتثار، حين قيل: "خَرَّتْ خَطَايا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِه". وذُكِرَ أيضاً: عند غسل الوجه حين قال ﷺ : "ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطَرَافِ لِحْيتهِ مَعَ المَاءِ" فينُظَر في ذلك. والذي أَذهبُ إليه فيما يرجع إلى نفسي، لا فيما يرجع إلى المناظرة: أن المواضع التي يقع الاختلاف فيها بين الرواة، وتحتاج في الجمع بينها إلى التأويلات المستكرهة، أو في تخريج بعضها إلى الوجوه الضعيفة، بحيث لا تطمئن النفس إلى التأويل والتخريج، أن أذهب إلى الترجيح، وأبنيَ عليه، وأقدِّمَه على طريقة الجمع والتخريج؛ لأن اختلاف الرواة فيما يرجع إلى الدلالة على المعاني كَثُرَ كَثْرَةً لا يمكن إحصاؤها، فيكون النظرُ الحاصلُ من أن سببَ ذلك الاستكراهُ، والضعفُ من اختلاف الرواة أغلبُ من الظن الحاصل من أَنَّ المراد من لفظ الشارع أو أكابر الصحابة والعلماء ما يستكره ولا تطمئنُّ النفس إليه. إذا ثبت هذا، فهذه اللفظة المذكورة عند المضمضة والاستنشاق والانتثار، أعني "وَجْهَه" مختلفٌ فيها، ففي "صحيح مسلم" ما ذكرناه،

стр. 2369

وفي "صحيح أبي عوانة": "ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وينْتَثِرُ إلَّا خَرَّتَ خَطَايا فِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ، كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايا وَجْهِهِ مِنْ أَطَرافِ لِحْيتهِ مَعَ الماءِ" [أخرجها من رواية أبي الوليد، عن عكرمة بن عمار "إِلَّا خَرَّتْ خَطَايا فِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ"، لم يذكر (وَجْهَه) إلا عند غسل الوجه، فقال: "ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايا وَجْهِهِ مِنْ أَطَرافِ لِحْيتهِ مَعَ الماءِ"، (١) أخرج ذلك الحافظ أبو نعيم في "المستخرج على كتاب مسلم" فهاتان (٢) روايتان، عن عكرمة (٣)، والمقرئ من رجال الصحيح، ومشاهير الرواة، وأبو الوليد من أكابر الرواة وحفَّاظ الحديث، لم يذكرا هذه اللفظة عند المضمضة والاستنشاق، وخالفهما النظر عنه، فإن توجَّه عندك ما تطمئنُّ النفس إليه من التأويل و (٤) التخريج، وإلا فارجع إلى هذا، ويمكن أن يقال في التخريج: [إن] (٥) "ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ" معطوف على الفعل الأول، الذي هو "يُقَرِّبُ" لا على "يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ" فيكون التقدير: ما منكم من أحد يقرِّب، فيُمَضْمِضُ، ما منكم من أحد يقرِّب ثم يغسل وَجْهَهُ، فيكون لخروج خطايا الوجه طريقان:

стр. 2370

أحدهما: أن يقرِّب، ويُمَضْمِضُ وَيستنْشِقُ وَينتَثر، فعلى هذا: لم يبق في الوجه خطايا، فلا يكون غسله مُخْرِجاً لخطاياه. والطريق الثاني: أن يقرِّب وَضوءه، ثم يغسل وجهَه، ويترك المضمضةَ والاستنشاقَ، فحينئذ تخرجُ خطايا الوجه بغسله. ونظيرُ العطفِ على الفعل الأول، ما قيل في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ﴾ [آل عمران: ١٤]، إنه لا يعطف الخيل على الذهب والفضة، بل على القناطير، أو غيرها مما مضى، وكما قيل في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ﴾ [الإسراء: ٩١ - ٩٢] إن تسقط لا يجوز أن يكون معطوفًا على تفجر التي (١) تليه هو، بل على الفعل السابق، وهو أو تكون. فإن قلت: الفرق بين البابين واضحٌ، لأن الضرورةَ دعت إلى العطف على الأول في الآيتين الكريمتين؛ لأنه تعذَّر العطف على الأقرب، لأن الخيلَ ليس من القناطير المقنطرة، والإسقاط ليس من الجنة من نخيل وعنب، بخلاف ما نحن فيه. قلت: أمَّا أن يمكنَك تخريجُ الحديث المذكور على الوجه الثاني، وهو العطف على المضمضمة أولى، فإن أمكن فالسؤال ساقط، وإن لم يمكن فقد تعذَّر الحمل على الثاني، فيحمل على

стр. 2371

الأول، كالمواضع التي ذكرناها، ووجه آخر في التخريج، وهو أن يقال: هذا من قبيل الأسباب والمسببات التي لا يؤثر فيها السبب إلا على إمكان تأثيره، فإن لم يمكن، صَرَفْنا إلى وجه آخر، وإن أمكن أَعمَلْناه، والتعذر في بعض الأماكن التي لا يمكن الإعمال فيها، لا يوجب نفي السببيَّة حيث يمكن. وهذا كما قيل في قوله ﵊: "الصلَوَاتُ الخمْسُ، والجمُعَةُ إلى الجمُعَةِ، ورَمضَانُ إلى رَمضَانَ؛ مُكَفرات لما بَيْنَهُنَّ، ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ" (١)، حيث أورد عليه أنه إذا فعلت الصلوات الخمس فكفرت، فما يبقى لصلاة الجمعة؛ وإذا فعلا معاً - أعني: الصلوات الخمسَ والجمعةَ - فما يبقى لرمضان؟ فقيل في الجواب: إنها أسباب للتكفير إن وَجَدَت ما يُكَفَّر. فكذلك نقول هاهنا: فعل المضمضة والاستنشاق والانتثار سبب لخروج خطايا الوجه، وكذلك غسل الوجه، فإن وُجِدَ السببُ الأول، وحدَثَت خطايا بعده، كان الغسل مكَفراً لها، وإن لم توجد خطايا بعدَه، لم يقع مسببِّها لعدم الخطا [يا] (٢) في المحل، ولا يزيل ذلك السببية، بمعنى الصلاحية للتكفير.

стр. 2372

الحادية بعد المئة (١): ويدلُّ على اعتبار الترتيب في حصول هذا الثواب عملاً بلفظ (ثم) المقتضي للترتيب، ولا مانع منه، وهذا غير ما قدَّمنا فيه النزاع، من أنه يدلُّ على وجوب الترتيب، أما في هذه السنن الثلاثة، فإنه لم يُذْكَر فيها (كما أمره)، وأما في غسل الوجه؛ فلِمَا تقدم من البحث. الثانية بعد المئة: التفرقة في ذكر هذه اللفظة - أعني (كما أمر الله) - بين الأفعال الثلاثة - أعني المضمضة والاستنشاق والانتثار - حيث تُرِكَت فيها، وذُكِرَت في غسل الوجه وغيره. الرابعة بعد المئة (٢): قد تُسْتَنْبَط منه فائدةٌ أو فوائد، لكنه يتوقَّف على الترْكِ في الثلاث ذِكْراً، والذكْر له في غيرها من الواجبات: أما تركها في ثلاثة الأفعال المذكورة: فلا أحفظ الآن أنه ورد ذكرها فيها. وأما ذكرها في غيرها من الأعضاء الواجب غسلها: فإن الرواياتِ قد تختلف فيه، فقد يذكرها بعضُ الرواة في بعض الأماكن، ويتركها غيرُه.

стр. 2373

الخامسة بعد المئة: قد يُستدَلُّ به على أن غسلهما (١) لا يدخل تحت الأمر بغسل الوجه - أعني: الفم والأنف - حتى يُستدَلَّ بذلك على وجوبهما؛ لأنهما لو دخلا تحت الأمر بغسله، لصَحَّ إطلاقُ لفظِ الأمر على غسلهما، ولو صَحّ لم يكن للتفريق بين الذكْر وعدمه فائدة، والظاهر خلافه، ولا يقال: إنهما ليسا من الوجه حِسًّا، فيدخلان تحت الأمر بغسل الوجه، لأنا نقول الداخل تحت الوجه هو ظاهرهما، وليس الكلام فيه، وإنما الكلام في إيصال الماء إلى باطنهما. السادسة بعد المئة: وقد يُستَدَلُّ به على أن الأمر للوجوب؛ لأنه لو كان للندب وأنه ثابت فيهما، لما امتنع إطلاق لفظه عليهما، ولو لم يمتنع لبطلت فائدةُ التفريق بين الذكْر وعدمِه، والظاهر خلافه، وهذا على أن لا يكون كما أمره الله محالاً على ما في الآية الكريمة. السابعة بعد المئة: لقائل أن يقول: قد سلمْتُم أن ظاهر العضوين من الوجه، ويدخل تحت الأمر بغسل الوجه، فلا يلزم من عدم الذكر حينئذ عدمُ الأمر، لثبوت الوجوب والأمر في ظاهر العضوين، وإذا ثبت ذلك جاز أن يجتمع الوجوب مع عدم ذكر اللفظ فيهما، فيبطل ما ذكرتموه من الاستدلال بعدم الذكر مع التفرقة على عدم الوجوب. وجوابه: أن مسمَّى المضمضة والاستنشاق ليس مجردَ غسلِ الظاهر، بل هو مع إيصال الماء إلى الباطن، فلو كان هذا المجموع واجباً أو داخلاً تحت الأمر بالغسل، لاستوى مع بقية الواجبات،

стр. 2374

فتبطل فائدةُ التفريق، أو نقول: غَسْلُ ظاهرهما لا يدخل في المسمى - أعني: مسمى المضمضة والاستنشاق - ووجوبِ غسله، لاندراجه تحت الأمرِ بغسل الوجه، فلو كان مأموراً [به] (١) لبطلت فائدة التفريق، والله أعلم. الثامنة بعد المئة: عند الشافعية تفرقة بين ما يُندَب إليه في ابتداء الوضوء، وبين ما يُعدُّ من سنن الوضوء، ولا يلزم من الأول الثاني، ولهذا تردّد في أن غسل الكفين في ابتداء الوضوء، هل يُعدُّ من سننه، أو لا؛ وبَنَوا عليه فائدة، وهو ما إذا ما اقترنَت النيَّة بغسلهما، وعَزَبت قبل غسل الوجه، وقلنا: إن اقترانَ النية بسنن الوضوء المتقدمة عليه كافٍ أنه لا يكفي اقترانُ النية بغسلهما، إذ ليسا من سننه على هذا التقدير (٢). وفي هذا التفريق نظر، أشرنا إليه فيما مضى، وهذا ما يُحوِجُنا إلى ذكر مسألة تتعلق بلفظ الحديث نذكرها الآن. التاسعة بعد المئة: السائل سأل فقال: أخبرني عن الوُضوء، والنبي ﷺ أجاب بما أجاب به، فيتصدَّى النظر إلى أن كل ما أجاب به يكون داخلاً في مسمَّى الوضوء، وأن ما لم يذكره لا يكون داخلاً. أما مَن استدلَّ بالجواب على المقصود بالسؤال، فيلزمه أن يُدْخِلَ كلَّ ما ذكر في مسمى الوُضوء، وأما إذا لم يستدِلَّ بهذا الوجه

стр. 2375

المذكور، فالظاهر أيضاً أن ما ذُكِر داخل في الوُضوء مع احتمال؛ فعلى [هذ]، (١) يُستدَل بالحديث على أن المضمضة والاستنشاق من الوضوء، وينبني عليه: أنه إذا نوى عندهما، وعَزَبَت النية قبل غسل الوجه، أن يجزئ عند بعض الشافعية. وأما أَنَّ ما لم يذكر فليس من الوضوء، ففي ثبوت ذلك احتمالٌ أقوى من احتمالِ عدم دخول المذكور تحت الوضوء، إلا على من يرى بالمطابقة، والاستدلال بالجواب على مطابقة السؤال له، والسبب فيه أنَّا إذا جعلنا السؤال عن الإخبار عن الوضوء يقتضي الجواب بأمر يتعلق به، فإنما ينافي هذا أن يترك ذكر كل ما يتعلق بالوضوء؛ لأنه (٢) يُوجبُ ذكرَ كلِّ ما هو من الوضوء. العاشرة بعد المئة: هذا المذكور عقب السؤال، إنما يقتضي ترتب الثواب الذي ذكره النبي ﷺ على أفعال مخصوصة، وهي المذكورة في الحديث، ومقتضاه: أن يترتب ذلك الثواب على حصول مسمَّى تلك الأمور، ولا يلزم من قيام الدليل على استحباب أمور أخرى أن لا يحصُلَ الثواب إلا بوجودها، سواء كانت كيفيةً لما ذُكِر، أو أمراً مُباينا لَهُ، إلا أَنْ يدلَّ [له] (٣) دليل على أن تلك الأمور التي قام الدليل على استحبابها داخلةٌ في الوضوء، ويقوم دليل على أن الثواب

стр. 2376

المخصوص مرتَّب على حصول مسمَّى الوضوء، فيقال حينئذ: هذه الأمور داخلة في مسمى الوضوء، والثواب المخصوص لا يدخل إلَّا في مسمى الوضوء، فالثواب المخصوص لا يحصل إلَّا بهذه الأمور، لكن هذه المقدمة الثَّانية لم يحصل في الدلالة عليها لفظٌ صريحٌ، ودلالة السؤال والجواب فيه ما قدَّمناه، فإذا لم يثبت ذلك، جَرَيْنا على ما قدَّمنا من الأصل، وهو أن الثواب يحصل بفعل هذه الأمور، ولا يتوقف على فعل الأمور التي دلَّ الدليلُ الخارجيُّ على استحبابها، والله أعلم. الحادية عشرة بعد المئة: وهذا كما استدلُّوا على عدم وجوب غُسْلِ الجمعة بقوله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ رَاحَ" (١) حيث أخذوا من حصول الثواب المرتَّب على مجرَّد الوضوء عدمَ وجوب الغسل. الثَّانية عشرة بعد المئة: ويدخل تحت هذه القاعدة مسائل: منها: حصوله بدون السواك. وبدون غسل اليدين في ابتداء الوضوء. وبدون المبالغة في المضمضة والاستنشاق. وبدون التسمية. وبدون استيعاب مسح الرأس عند من يرى أنَّه مستحب غير واجب.

стр. 2377

وبدون الردِّ في مسح الرأس. وبدون مسح الأذنين ظاهرِهما وباطنِهما. وبدون تخليل شعر اللحية والعارض عند الكثافة. وبدون التكرار ثلاثًا في المغسول. وبدون تطويل الغرَّة والتحجيل. وبدون مسح الرقبة. وبدون تخليل أصابع اليدين والرجلين. فهذه سبع عشرة مسالةً يقتضي الحديثُ حصولَ الثواب المخصوص بدون فعلها، وإن قامت الدلائل على استحبابها في الوضوء؛ لأن الشارع قد يرتّب الثواب أو زيادته على بعض أمور تشترك مع (١) غيرها في أمر أعمَّ، بل قد يرتّب مع الاستواء بين الأمرين ثوابًا، أو زيادة فيه، على ما قاله بعضهم. التاسعة والعشرون بعد المئة (٢): قد قيل بكراهته غيرُ ناسٍ في الوضوء، فإن لم يصحَّ الدليل على كراهتها، فلا إشكال في عدم

стр. 2378

اعتبارها في حصول الثواب المذكور، وإن صحَّ، فالظاهر من هذا الحديث: أن لا يُعتبر أَيضًا في انتفاء هذا الثواب، ويحصل الثواب مع ارتكابها على ما يقتضيه اللفظ، ولا يخدش في هذا إلَّا أن تكون المفسدةُ في ارتكابها زائدةً على المصلحة في فعل المستحبات المذكورة، لكن هذا لا سبيل لنا إلى معرفة العلم به، فيجري على الظاهر، نعم، هي منافية للثواب المرتَّب على إحسان الوضوء، وليس هو مذكور في هذا الحديث، والله أعلم. الثلاثون بعد المئة: الشافعيون يوجبون إيصالَ الماء إلى ما تحت بعض الشعور الكثيفة النابتة على الوجه، وهي: الحاجبان، والشاربان والعنفقة والعذاران، إما لأجل نُدْرَة كثافتها، أو لأن بياض الوجه محيطٌ بها (١)، وليس بذلك القوي على كون هذا الموضع من مواضع عدم اعتبارها؛ لأنه لو اعتبرت الكثافة النادرة لم يجب غَسلُ ما تحتها. وأما إحاطة الوجه فهو من قبيل إعطاء الشيء حكم ما جاورهُ أو قاربه، فإن لم يكن الدليل اللفظي الدالُّ على الوجوب موجودًا، فهذا من قبيل الاستحسان، واعتبار المناسبة المرسلة. وغيرهم يطلقون القول باستحباب تخليل الشعور الكثيفة في الوضوء، فيمكن ذلك الغير أن يستدلَّ على عدم الوجوب بقوله ﷺ : "مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ" فإنَّه يقتضي العموم في كلّ أحدٍ، ومن جملة الآخذين من كثفت هذه الشعور على وجهه. فيقتضي ترتُّب الثواب

стр. 2379

بدون ما قيل بوجوبه؛ لأنه غير مذكور، إلَّا أنَّ هذا يتوقف على أن ما تحت هذه الشعور لا ينطلق عليه اسمُ الوجه؛ فإنَّه لو انطلق عليه، لدخل تحت قوله ﵇: "ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ"، فلا يحصُل حينئذٍ ما رُتِّبَ عليه الثواب في الحديث، إلَّا أن يقال على هذا: إن البشرة إما أن يختصَّ اسم الوجه بها أولا يختص، بل ينطلق على ما نَبَت عليها، فإن كان مختصًّا بالبشرة كان وجودُه مأخوذًا من تعليق الحكم بغسل الوجه، ويضيع التعليل بالندرة، وإحاطة بياض الوجه بهذه الشعور، وأيضًا فيقتضي أن يندرجَ ما تحت اللحية الكثَّة والعارضين الكثَّين تحت الأمر حينئذٍ، فيجبُ، ولا يقولون بوجوبه، وإما أن يكون اسم الوجه حاصلًا بدون إيصال الماء إلى البشرة مكتفًى فيه بغسل ما نبت، فإن كان حينئذٍ كان مختصًّا، فتقصر دلالة الأمر بغسل الوجه على إيصال الماء إلى ما تحت البشرة، ويتَّجه الاستدلال لمن ينازع بلفظ الحديث. الحادية والثلاثون بعد المئة: خروج الخطايا من هذه الأعضاء المذكورة يقتضي وجودَها قبل الخروج فيها، إذ لا خروج إلَّا بعد الوجود، ولا ينافي هذا العمل على المجاز؛ لأنه يلي الحقيقة في المعنى المتجوّز به، فإذًا يجب أن ينظر فيما يتعلق بالحواس المذكورة من الذنوب، وبعضها ظاهر الوجود كاللسان مثلًا، فإن المعاصي المتعلقةَ به ظاهرةٌ فاشيةٌ كالقذف، والغيبة، والنميمة، إلى غير ذلك. وأما الوجه: فحاسة النظر منه، يتعلق بها الإثم، إما بارتكاب

стр. 2380

المحظورات كالنظر إلى العورات، والصور المشتبهات كالأجنبيات، والمُرْدِ حيث [تدعو] إلى المفسدة، وإما باجتناب المأمورات، كترك الحراسة الواجبة في سبيل الله، وترك حراسة الأجِير ما استُؤْجِر على حراسته، وترك ما وجب على الشهود النظرُ إليه لإثبات الحقوق، وإسقاطها في الدعاوى والمخاصمات. ولما كانت حاسَّةُ اللمس عامَّةً للبدن، تعلق بالوجه منها ما يتعلَّق بالحاسَّة؛ إما في ترك الواجب، كترك إمساس الجبهة الأرض في السجود عند من يوجبه، وإما بفعل المحظور كإمساس الوجه المحرّم لا سيما بالقُبلة، وإما بفعل الممنوعات كلمس عورات الأجانب، ولمس ما خرج من العورة كأبدان النساء الأجانب وغيرهم ممن يخاف الافتتان بمسِّهِ، وكالملامسة بين الزوجين المُحرِمَين بشهوةٍ في حال الإحرام. وأما اليدان: فتعلُّق الإثم بهما ظاهرٌ إما بترك الواجب، فبترك كلِّ بطشٍ مأمور بهِ كالقتال في سبيل الله، والرجم، والجلد في الحدود، وما تجِبُ من التعزيراتِ، وكذلك ترك كتابة ما تجبُ كتابتُه، وترك كل ما لا يتأتَّى القيامُ بالواجب فيه إلَّا باستعمالها، كالرمي في سبيل الله، وإما بارتكاب المحرم، كبسطهما لفعل المحرّمات، كالضرب، والبطش، والإعانة على فعل الغير للحرام بالمناولة له، وغير ذلك. وأما الرأس: فيمثل ترك الواجب المتعلِّق بها بترك غسلها

стр. 2381

الواجب، كالغسل من الجنابة، والحيض، وكالمسح، في الوضوء وترك الحلق، والتقصير الواجبين في الحج والعمرة، ويمثل فعل المحرم بترك سترها في الإحرام كالدهن، ويدخل فيها ما يدخل في ممنوعات اللمس أَيضًا، لما ذكرناه من عموم هذه الحاسَّة للبدن. وأما الأرجُل: فتعلُّق الإثم بهما ظاهر، إما في ترك الواجبات، فكترك المشي إلى الجهاد المتعيّن، وتشييع الجنازة المتعينة، والطواف والسعي الواجبين، وترك القيام في الصلاة، وكشفهما في الإحرام، وترك المشي عند الدعاء إلى الشهادة حيث يتعيّن الأداء والمشي، وأما في ارتكاب المحظور، فكالمشي إلى كل محرَّم مقصودًا، أو توسّلًا، إلى غير ذلك، والمقصودُ التمثيلُ لا الحصر. وأما الفم: فقد ذكرنا أمرَ اللسان، ويتعلق بحاسة الذوق منه ذوق الحرام، وترك ذوق ما يتوقف إيصال الحقّ فيه عند التخاصم من الحاكم أو الشهود. وأما الخياشيم: فإثبات الخطايا فيها أغمضُ من إثباته في غيرها بما ذكر، ويمثَّل الإثم بترك الواجب، كترك الشمّ الواجب على الحاكم، أو الشهود المأمورين بالشمِّ لأجل فَصْلِ الخصومات الواقعة في روائح المشموم، حيث يَقصِدُ الردَّ بالعيب، أو يَقصِدُ منعَ الردِّ إذا حدث عند المشتري؛ ويمثَّل الإثم بارتكاب المحرم بتحريم ثم الطيب في حال الإحرام، وتحريم اشتمام طيب النساء الأجنبيات التي تدعو إلى المفسدة، وأما شمُّ ما لا يملكه الإنسان كشمِّ الإِمام الطِّيب الذي

стр. 2382

يختص بالمسلمين إذا لم يتصرَّف في جرمِه، فإن المنقول عن بعض أكابر الامتناع منه، والتعليل بأنه هل ينتفع منه إلَّا بريحه، وقد قيل: بأنه لا بأس بذلك، بل زاد بعضهم وقال: إنه في كونه ورعًا نظرٌ من جهة أن شمَّه لا يؤثر نقصًا ولا عيبًا، فيكون إدراك الشمّ له بمثابة النظر إليه بخلاف وضع اليد عليه، ولو نظر إنسان إلى بساتين النَّاس، وغرفهم، ودورهم، لم يمنع من ذلك إلَّا إذا خُشِيَ الافتنانُ بالنظر إلى أموال الأغنياء، وكذلك لو مسَّ جدارَ إنسان لم يُمنع من مسِّه، ولو استند إلى جدار إنسان لجاز، كما لو جلس مُتطيِّبًا أو جالسَهُ متطيّبٌ، فإن ذلك مأذون بحكم العُرف، ولو منعه من الاستناد إلى جداره، فقد اختلفوا فيه إذا كان الاستناد لا يؤثِّر في الجدار البتة، ولا ينبغي أن يَطَّرِدَ ذلك في شمِّ ريح المطيَّب. قلت: أما النظر في كونه ورعًا فيما فعله ذلك الكبير، واستبعاد كونه ورعًا، فَيَبعُدُ عندي، وليس كما استبعَدَ كونهَ ورعًا من أكل طعام حلالٍ محضٍ حمله ظالم، ولا سيما الطعام الذي نَدَب الشرعُ إليه كطعام الولائم، فإن ذلك أقربُ إلى الاستبعاد من حديث الطيب. الثَّانية والثلاثون بعد المئة: خروج الخطايا من أعضاء المحدِث جعل سببًا لعدم طهورية الماء المستعمل، ثم قال بعضهم: بالتنجيس، وقال بعضهم: بعدم الطهورية، وربما تجاوز الحنفية وأطلقوا على أعضاء المحدث النجاسة نجاسة حكمية، وربما أُخِذَ ذلك من كون الماء طهورًا، فإنَّه يقتضي وجود ما يطهرّه كما في النجاسة الحسيّة.

стр. 2383

وأصحاب الشَّافعيّ يذكرون في تعليل عدم الطهورية تأدِّيَ الفرض أو تأدِّيَ العبادة [أو انتفاء المانع، فأما تأدِّي العبادة] (١) فذُكِرَ في مناسبته: أن الآلة المستعملة في المقصود الحسِّيِّ يورثها ضعفًا وكَلالًا، وكذلك الآلة المستعملة في المقصود الشرعي، وأما تأدِّي الفرض فإن المراد منه رفع الحدث، أو رفع منعه من الصلاة، حيث لا يُكتَفى به، كما هو [في] (٢) أوضوء، صاحب الضرورة، وذلك يقتضي تأثر (٣) الماء، ألا ترى أن غسالة النجاسة لما أثَّرت في المحلّ حتَّى لم يبقَ المحلُّ كما كان قبل الغسل، تاثَّرت هي بالاستعمال، حتَّى لم تبقَ كما كانت قبل الغسل (٤)، ثم أُبيحَ له بعد ذلك ما مُنِعَ منه، وانتقل المانع الذي كان في الأعضاء إلى الماء، وربما قيل: بأن المانع الحكمي تتَّصف به الأعضاء تقديرًا كالأوصاف الحسِّيَّة (٥). وليس يخفى أن العقل حاكم بأنه لا شيءَ يحلُّ الأعضاء، ولو كان بها، يصِحَّ انتقالُه إلى الماء، بل لو صَحَّ أن الماء المستعمل غيرُ طهور، أو نجسٌ، لم يلزم منه أن يكون الانتقال (٦) المذكور، وإنما الثابت المحقَّق: أن الشارع حَكَم بالمنع من الصلاة ممدودًا إلى غاية

стр. 2384

غسل الأعضاء، ولا يلزم من ذلك قيام مانع، ولا انتقال إلَّا على سبيل التقدير، الذي هو خلاف الواقع، والأحكام التقديرية على خلاف الأصل لا بدَّ فيها من دليل شرعي يدلُ عليها، سيما إذا خالفت المعلوم، بل لو ورد النصُّ بالانتقال، لوجب تأويله، وحمله على المجاز، أو على تنزيل الحكم منزلة المنتقل إطلاقًا مجازيًا، وما ذكر من ملاءمة التعليل بأداء العبادة للحكم؛ من أن الآلة المستعملة في المقصود الحسين يورِّثها ضعفا وكَلالًا، فكذلك الآلة المستعملة في المقصود الشرعي، فلا يخفى ضعفه، فعيبه قراره. واعلم! أن هذه العلل المذكورة - أعني: تأذي العبادة أو الفرض، أو انتقال المانع - تارة تُؤخَذ دليلًا على عدم طهورية الماء المستعمل، وتارة تُؤخَذ تعليلًا للحكم بعد إقامة دليل عليه، والثاني أهونُ من الأول، لكن إذا حمل عليه، يحتاج إلى دليل شرعي خارج عن هذه العلل، يدلُّ به على الحكم، ثم يعلَّل بعد ثبوت الحكم بما ذكر، ثم هو بَعْدَ ذا ضعيف، رُتْبتُه في المناسبة ضعيفة جدًا، لكنه أقرب من أن يجعلَه سببًا لإثبات الحكم، وفي إقامة ذلك الدليل على عدم الطهورية عسرٌ، وأقوى ما قيل فيه: ترك الأولين جمعه، لاستعماله في الطهارة حيث يعدم الماء، مع شدة محافظتهم على العبادات، واحتياطهم لها، وقد اعترضت عليه بما (١) كتبته من شرح

стр. 2385

"مختصر" (١) الشيخ العلامة أبي عمرو بن الحاجب. وطريق الاعتراض أن يقال: إما أن يُدَّعى اتفاق الأولين على ترك الجمع، أو لا. فإن كان الثاني: فلا حجَّة في فعل البعض، أو قوله في محلِّ الخلاف. وإن كان الأول - وهو اتفاقهم على عدم الجمع للطهارة -: بطلب الملازمة بين عدم جمعهم، واعتقادهم عدمَ الطهورية؛ لأنه لو ثبتًا معًا - أعني: عدم الجمع من الكل، وملازمة اعتقاد عدم طهوريته لعدم الجمع - لزم اتفاقهم على عدمِ طهوريتهِ جزمًا، وهذا اللازمُ منتفٍ لوقوع الخلاف بين السَّلف في المسألة؛ كما ذكره ابن المنذر (٢)، وغيره. فالحاصل: أن اللازم أحدُ الأمرين؛ إما عدم اتفاقهم على عدم الجمع، وإما عدم ملزومية عدم الجمع لاعتقاد عدم الطهورية، وأيًّا ما كان يبطل؛ فهذه المباحثة ينبغي أن تتأملها، وتنظر فيما يقابلها، مما هو أقوى منها، فإن لم يظهر ذلك؛ فالعمومات تدلُّ على الطهورية، وإطلاق اسم الماء موجود في المستعمل، فَزِنِ الظنون، وقدِّمِ الأرجح؛ فهو الواجب في النظر. وقد ورد عن النَّبِيِّ ﷺ في الماء المستعمل حديثان:
следующие страницы →