← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الواجب، كالغسل من الجنابة، والحيض، وكالمسح، في الوضوء وترك الحلق، والتقصير الواجبين في الحج والعمرة، ويمثل فعل المحرم بترك سترها في الإحرام كالدهن، ويدخل فيها ما يدخل في ممنوعات اللمس أَيضًا، لما ذكرناه من عموم هذه الحاسَّة للبدن. وأما الأرجُل: فتعلُّق الإثم بهما ظاهر، إما في ترك الواجبات، فكترك المشي إلى الجهاد المتعيّن، وتشييع الجنازة المتعينة، والطواف والسعي الواجبين، وترك القيام في الصلاة، وكشفهما في الإحرام، وترك المشي عند الدعاء إلى الشهادة حيث يتعيّن الأداء والمشي، وأما في ارتكاب المحظور، فكالمشي إلى كل محرَّم مقصودًا، أو توسّلًا، إلى غير ذلك، والمقصودُ التمثيلُ لا الحصر. وأما الفم: فقد ذكرنا أمرَ اللسان، ويتعلق بحاسة الذوق منه ذوق الحرام، وترك ذوق ما يتوقف إيصال الحقّ فيه عند التخاصم من الحاكم أو الشهود. وأما الخياشيم: فإثبات الخطايا فيها أغمضُ من إثباته في غيرها بما ذكر، ويمثَّل الإثم بترك الواجب، كترك الشمّ الواجب على الحاكم، أو الشهود المأمورين بالشمِّ لأجل فَصْلِ الخصومات الواقعة في روائح المشموم، حيث يَقصِدُ الردَّ بالعيب، أو يَقصِدُ منعَ الردِّ إذا حدث عند المشتري؛ ويمثَّل الإثم بارتكاب المحرم بتحريم ثم الطيب في حال الإحرام، وتحريم اشتمام طيب النساء الأجنبيات التي تدعو إلى المفسدة، وأما شمُّ ما لا يملكه الإنسان كشمِّ الإِمام الطِّيب الذي

стр. 2382

يختص بالمسلمين إذا لم يتصرَّف في جرمِه، فإن المنقول عن بعض أكابر الامتناع منه، والتعليل بأنه هل ينتفع منه إلَّا بريحه، وقد قيل: بأنه لا بأس بذلك، بل زاد بعضهم وقال: إنه في كونه ورعًا نظرٌ من جهة أن شمَّه لا يؤثر نقصًا ولا عيبًا، فيكون إدراك الشمّ له بمثابة النظر إليه بخلاف وضع اليد عليه، ولو نظر إنسان إلى بساتين النَّاس، وغرفهم، ودورهم، لم يمنع من ذلك إلَّا إذا خُشِيَ الافتنانُ بالنظر إلى أموال الأغنياء، وكذلك لو مسَّ جدارَ إنسان لم يُمنع من مسِّه، ولو استند إلى جدار إنسان لجاز، كما لو جلس مُتطيِّبًا أو جالسَهُ متطيّبٌ، فإن ذلك مأذون بحكم العُرف، ولو منعه من الاستناد إلى جداره، فقد اختلفوا فيه إذا كان الاستناد لا يؤثِّر في الجدار البتة، ولا ينبغي أن يَطَّرِدَ ذلك في شمِّ ريح المطيَّب. قلت: أما النظر في كونه ورعًا فيما فعله ذلك الكبير، واستبعاد كونه ورعًا، فَيَبعُدُ عندي، وليس كما استبعَدَ كونهَ ورعًا من أكل طعام حلالٍ محضٍ حمله ظالم، ولا سيما الطعام الذي نَدَب الشرعُ إليه كطعام الولائم، فإن ذلك أقربُ إلى الاستبعاد من حديث الطيب. الثَّانية والثلاثون بعد المئة: خروج الخطايا من أعضاء المحدِث جعل سببًا لعدم طهورية الماء المستعمل، ثم قال بعضهم: بالتنجيس، وقال بعضهم: بعدم الطهورية، وربما تجاوز الحنفية وأطلقوا على أعضاء المحدث النجاسة نجاسة حكمية، وربما أُخِذَ ذلك من كون الماء طهورًا، فإنَّه يقتضي وجود ما يطهرّه كما في النجاسة الحسيّة.

стр. 2383

وأصحاب الشَّافعيّ يذكرون في تعليل عدم الطهورية تأدِّيَ الفرض أو تأدِّيَ العبادة [أو انتفاء المانع، فأما تأدِّي العبادة] (١) فذُكِرَ في مناسبته: أن الآلة المستعملة في المقصود الحسِّيِّ يورثها ضعفًا وكَلالًا، وكذلك الآلة المستعملة في المقصود الشرعي، وأما تأدِّي الفرض فإن المراد منه رفع الحدث، أو رفع منعه من الصلاة، حيث لا يُكتَفى به، كما هو [في] (٢) أوضوء، صاحب الضرورة، وذلك يقتضي تأثر (٣) الماء، ألا ترى أن غسالة النجاسة لما أثَّرت في المحلّ حتَّى لم يبقَ المحلُّ كما كان قبل الغسل، تاثَّرت هي بالاستعمال، حتَّى لم تبقَ كما كانت قبل الغسل (٤)، ثم أُبيحَ له بعد ذلك ما مُنِعَ منه، وانتقل المانع الذي كان في الأعضاء إلى الماء، وربما قيل: بأن المانع الحكمي تتَّصف به الأعضاء تقديرًا كالأوصاف الحسِّيَّة (٥). وليس يخفى أن العقل حاكم بأنه لا شيءَ يحلُّ الأعضاء، ولو كان بها، يصِحَّ انتقالُه إلى الماء، بل لو صَحَّ أن الماء المستعمل غيرُ طهور، أو نجسٌ، لم يلزم منه أن يكون الانتقال (٦) المذكور، وإنما الثابت المحقَّق: أن الشارع حَكَم بالمنع من الصلاة ممدودًا إلى غاية

стр. 2384

غسل الأعضاء، ولا يلزم من ذلك قيام مانع، ولا انتقال إلَّا على سبيل التقدير، الذي هو خلاف الواقع، والأحكام التقديرية على خلاف الأصل لا بدَّ فيها من دليل شرعي يدلُ عليها، سيما إذا خالفت المعلوم، بل لو ورد النصُّ بالانتقال، لوجب تأويله، وحمله على المجاز، أو على تنزيل الحكم منزلة المنتقل إطلاقًا مجازيًا، وما ذكر من ملاءمة التعليل بأداء العبادة للحكم؛ من أن الآلة المستعملة في المقصود الحسين يورِّثها ضعفا وكَلالًا، فكذلك الآلة المستعملة في المقصود الشرعي، فلا يخفى ضعفه، فعيبه قراره. واعلم! أن هذه العلل المذكورة - أعني: تأذي العبادة أو الفرض، أو انتقال المانع - تارة تُؤخَذ دليلًا على عدم طهورية الماء المستعمل، وتارة تُؤخَذ تعليلًا للحكم بعد إقامة دليل عليه، والثاني أهونُ من الأول، لكن إذا حمل عليه، يحتاج إلى دليل شرعي خارج عن هذه العلل، يدلُّ به على الحكم، ثم يعلَّل بعد ثبوت الحكم بما ذكر، ثم هو بَعْدَ ذا ضعيف، رُتْبتُه في المناسبة ضعيفة جدًا، لكنه أقرب من أن يجعلَه سببًا لإثبات الحكم، وفي إقامة ذلك الدليل على عدم الطهورية عسرٌ، وأقوى ما قيل فيه: ترك الأولين جمعه، لاستعماله في الطهارة حيث يعدم الماء، مع شدة محافظتهم على العبادات، واحتياطهم لها، وقد اعترضت عليه بما (١) كتبته من شرح

стр. 2385

"مختصر" (١) الشيخ العلامة أبي عمرو بن الحاجب. وطريق الاعتراض أن يقال: إما أن يُدَّعى اتفاق الأولين على ترك الجمع، أو لا. فإن كان الثاني: فلا حجَّة في فعل البعض، أو قوله في محلِّ الخلاف. وإن كان الأول - وهو اتفاقهم على عدم الجمع للطهارة -: بطلب الملازمة بين عدم جمعهم، واعتقادهم عدمَ الطهورية؛ لأنه لو ثبتًا معًا - أعني: عدم الجمع من الكل، وملازمة اعتقاد عدم طهوريته لعدم الجمع - لزم اتفاقهم على عدمِ طهوريتهِ جزمًا، وهذا اللازمُ منتفٍ لوقوع الخلاف بين السَّلف في المسألة؛ كما ذكره ابن المنذر (٢)، وغيره. فالحاصل: أن اللازم أحدُ الأمرين؛ إما عدم اتفاقهم على عدم الجمع، وإما عدم ملزومية عدم الجمع لاعتقاد عدم الطهورية، وأيًّا ما كان يبطل؛ فهذه المباحثة ينبغي أن تتأملها، وتنظر فيما يقابلها، مما هو أقوى منها، فإن لم يظهر ذلك؛ فالعمومات تدلُّ على الطهورية، وإطلاق اسم الماء موجود في المستعمل، فَزِنِ الظنون، وقدِّمِ الأرجح؛ فهو الواجب في النظر. وقد ورد عن النَّبِيِّ ﷺ في الماء المستعمل حديثان:

стр. 2386

أحدهما: حديث الربيِّع بنت معوِّذ: "أنَّ رسولَ الله ﷺ مَسَحَ بَرَأْسِهِ مِن فَضْلِ مَاءٍ كَانَ بِيَدهِ" (١)، فاستدَلَّ به بعضُهم في المسألة، وقد نُوزِعَ، أو يُنازَع في ذلك؛ من أن فضل الماء كان بيده، لا يلزم أن يكون فضل الماء المستعمل في يده. الثالثة والثلاثون بعد المئة: اختلفوا في وجوب إفاضة الماء على ظاهر اللحية، والذين أوجبوه جعلوها من الوجه، فقد يمكن أن يستدلُوا بخروج خطايا الوجه على كونها منه؛ كما استدلُّوا بخروج خطايا الرأس من الأذنين على كونهما من الرأس، وليس بذاك القوي؛ لأنه يجوز أن يكون ما يخرج من عضو معيَّن ينتهي إلى ما ليس منه، ويقع الانفصالُ من ذلك الغير. الرابعة والثلاثون بعد المئة: الإخبار عن خروج خطايا كل عضو عند غسله، استُدِلَّ به على أن طهارةَ كلِّ عضو تحصُلُ بغسله، وهي مسألةٌ يُختلف فيها، وهذا الاستدلال ذكره بعض أكابر المالكية، وهو متوقف على أنَّه يلزم من خروج الخطايا حصول التطهير، وهو ظاهر لا بُعْدَ فيه؛ لأنه [قد] (٢) رتَب خروجها على الوضوء لقوله: ﷺ "إِذَا تَوضَّأ العَبدُ المؤمِنُ أو المُسلِم، فَغَسَلَ" (٣)، وترتيب الحكم على الوصف يقتضي التعليل، وإذا كان مرتبًا على الوضوء، فيلزم من

стр. 2387

وجوده خروج الخطايا، ومن لوازم الوضوء الطهارة، فيلزم من وجودها خروج الخطايا، فَيُستَدَلُّ بخروج الخطايا على وجودها؛ استدلالًا بوجود المعلول على وجود علته المتعيَّنة للتعليل، وتعيُّنها؛ إما باقتضاء الأصل عدم غيرها، أو لأن (الفاء) يقتضي التعليلَ مجردُها، والعلَّة تقتضي الحصرَ غالبًا ظاهرًا، وإذا استدْلَلْنا بخروج الخطايا على وجود الطهارة، وقد خرجت عقيب كل عضو بغسله، تكون موجودة عند غسل كل عضو، وذلك ما ادَّعاه. الخامسة والثلاثون بعد المئة: بُني على هذا الخلاف في أنَّه هل [يطهر كل] (١) عضو بغسله، أو يتوقف على إكمال الطهارة، ما لو فرق النية على أعضاء الوضوء، هل يصح، أم لا؟ وهذا يتوقف على صحة هذه الملازمة - أعني: ملازمة صحة التفريق في النية لطهارة كل عضو بإكماله -، فإن صحَّت فقد صار حصول طهارة كل عضو ملزومًا لجواز التفريق، والدالُّ على الملزوم دالٌّ على لازمه، فيدلُّ على جواز تفريق النية بواسطة دَلالاته على طهارة كلِّ عضو بغسله. السادسة والثلاثون بعد المئة: ويقال بعد هذا: إنه يلزم من جواز تفريق النية تعدُّد عبادة الوضوء، وعدم اتحادها؛ لأنهم بَنَوا تفريق النية على الطاعات وعدمه على الاتحاد والتعدُّد، وقسمت إلى ثلاثة أقسام: أحدها: طاعة متحدة، وهي التي يفسد أولُها بفساد آخرها؛ كالصلاة والصيام، فلا يجوز تفريق النيَّة على بعضها، مثاله في الصيام: أن ينوي

стр. 2388

إمساكَه الساعةَ الأولى وحدَها، ثم ينوي إمساكَ الساعةِ الثَّانية وحدَها، وكذلك يُفرِد كلَّ إمساك بنيَّة تختص به إلى آخر النهار، فإن صومه لا يصحُّ، وكذلك لو فرَّق بنيَّة الصلاة على أركانها وأبعاضها؛ مثل إفراد التكبير بنية، والقيام بنية ثانية، والركوع بنية ثالثة، وكذلك إلى انقضاء الصلاة، فإن صلاته لا تصِحُّ؛ لأن ما نواه من هذه المفردات ليس بجزء من الصلاة على حياله. القسم الثاني: طاعة متعدّدة؛ كالزكوات، والصدقات، وقراءة القرآن، فهذا يجوز أن يُفرِدَ أبعاضَه بالنيَّة، وأن يَجمعه في نيَّة واحدة. القسم الثالث: ما اختُلِف في اتحاده؛ كالوضوء والغسل، فمن رآهما مُتَّحِدَيْن، منع تفريق النية على أجزائهما، ومن رآهما متعددَيْن، جوَّز تفريقَ النية على أَبعاضِهما. قلت: إذا كانت العلَّة في الاتحاد فسادَ الأول بفساد الآخر، فالوضوء كذلك، فإنَّه لو أحدث قبل فراغه بطل، وإذا كانت العلَّة في التعدُّد عدمَ فساد الأول بفساد الآخر، فمن أين جاء الخلاف فيه؟ فاللازم أحد الأمرين؛ إما فسادُ أحدِ الاتحاد والتعدد من فساد الأول بفساد الآخر، وإما عدمُ جَرَيانِ الخلاف [في] (١) الوضوء، فإنَّه إن فسد أولُه بفساد آخره، وُجِدت العلَّة في الاتحاد، وإن لم يفسد وجدت علَّة

стр. 2389

التعدُّد، فمن أين جاء وأفتى على [أن] (١) هذا هو المأخذ على الاتحاد والتعدُّد، لم يصِحَّ منه الخلاف، والله أعلم. السابعة والثلاثون بعد المئة: هذا الذي ذكرناه من الاستنباط في الحديث، يقتضي أن يكون التعدد فرعًا عن (٢) جواز التفريق، وجواز التفريق فرعًا عن وقوع طهارة كل عضوٍ بغسله، فالتعدُّد لازمُ [لازمٍ] (٣) يُسْتدَلُّ عليه بملزومِ ملزومه، والذي حكينا عن الغير، يقتضي أن يكون جواز التفريق فرعًا عن التعدُّد، فيكون لازمه، فهو خلاف ما قررناه، فلا بد من ترجيح أحد الطريقين على الآخر، ويمكن أن يرجَّح ما قلناه؛ بأنا دلَّلنا على الملزوم من الحديث، الذي هو طهارة كل عضو بغسله، وترتَّب عليه لازمُه ولازمُ لازمه، وعلى الطريقة الأخرى يحتاج إلى الدليل على التعدد، أو الاتحاد في الوضوء، الذي هو الملزوم حينئذ، ولا يمكن أخذُه من جواز التفريق، فَيُطالب بالدليل عليه، والله أعلم بالصواب. الثامنة والثلاثون بعد المئة: ترتُّب الثواب على الوضوء يقتضي كونه عبادة، وقد بيَّنوا مسألة اشتراط النية على كون الوضوء عبادة، ليبنوا عليه المأخذ، فإذا صَحَّ كونه عبادة، اسَتنتَجُوا منه اشتراطَ النيَّة بالقياس على سائر العبادات، وقد فعل ذلك في القياس، فقيل: إن

стр. 2390

الوضوء عبادة على اشتراط النيَّة يتوقَّف على مقدِّمات نذكرها. التاسعة والثلاثون بعد المئة: منها أن انتفاء الثواب على الفعل لا يلزم منه عدمَ صحته؛ لأنه يجعل رفع الحدث وترتُّبه على مرور الماء على الأعضاء من باب خطاب الوضع في الأسباب والمسبَّبات، والثواب يترتَّب على القصد، إذ لا يثاب المكلف إلَّا على كسبه، وما لم يكسبه بالقصد لا يكون فيه ثواب، ويصحُّ بناءً على وجود سببه. الأربعون بعد المئة: فيعترض على هذا بأن يقال: كلُّ وضوء يترتَّب عليه الثواب، ولا شيء ما لم ينو يترتَّب عليه الثواب، فلا شيء مما لم ينوِ بوضوء، وإذا لم يكن وضوءًا، لم يكن صحيحًا. فإن قيل: على هذا لا يسلَّم (١) أن كل وضوء يترتب عليه الثواب؛ لأن ما لم [يُنوَ] (٢) وضوء بحصول سببه، وهو مرور المطهر على الأعضاء، ولا يثاب عليه لعدم التكسُّب. قيل في الجواب: الدليلُ عليه ترتُّبُ الثوابِ على استعمال المطهر في هذه الأعضاء؛ إما لما في هذا الحديث من ترتُّب الثواب على تقريب الوضوء والغسل، وإما لما في الحديث الآخر: "إِذَا تَوَضَّأَ العَبدُ المؤمِنُ، أو المسلِمُ، فَغَسَلَ وَجْهَه" إلى آخره، والحكم المترتِّب على المسمَّى يحصل عند وجود المسمَّى، وكل (٣) ما يسمَّى وُضوءًا

стр. 2391

حينئذ يترتَّب عليه الثواب. الحادية والأربعون بعد المئة: ومن المقدّمات المحتاج إليها: تحرير محلِّ الخلاف في النيِّة المشترطة، فإن ها هنا ثلاث نيَّات: القصد إلى الفعل. والقصد إلى إيقاع المعتبَر في صحة الفعل؛ كرفع الحدث، أو استباحة الصلاة، أو استباحة ما لا يستباح إلَّا بوضوء، أو أداء فرض الوضوء. ونيَّة ثالثة، وهي: قصد التقريب إلى الله تعالى. ويلزم من إسقاط اعتبار الأخريين ومن اشتراط إحدى الأخريين اشتراط الأولى. الثَّانية والأربعون بعد المئة: إذا قيل: مَنْ فعل كذا، فله كذا، أو فعليه كذا، فهل يقتضي أن يكون ذلك الفعل مقصودًا متعمدًا إليه، ولا يدخل فيه النسيان؟ أبو عمر ابن عبد البر زعم ذلك، وقاله في قول النَّبِيّ ﷺ : "مَنْ مَسَّ ذَكَرَه فَلْيَتَوَضَأْ" (١)، والله أعلم. الثالثة والأربعون بعد المئة: فإن صَحَّ ما قال أبو عمر، أو لم يَصِحَّ، ودلَّ السياق المخصوص، والصيغة المخصوصة في الحديثين، بطلت المقدمة - أعني: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَه" و"إِذَا تَوَضَّأَ الَعَبْدُ المُؤْمِنُ أو المُسْلِمُ" أن المراد القصد إلى الفعل -، بطلت المقدِّمة

стр. 2392

القائلة: إن الثواب مرتَّب على مسمَّى غسل الأعضاء، وظهور القرينة على ما ذكرناه بيِّنٌ؛ لأنه لا يُشَكُّ في أن المراد "يُقَرِّبُ وَضُوءَه" ليتوضأ، وأن ما ذكر بعد ذلك هو المقصود إليه من التقريب، وكذلك صيغة تفعَّل، فإنَّها تقتضي التعمُّل والتكسُّب، وإذا ظهر في كل واحد منهما القصد إلى الفعل، فلم يترتَّب الثواب إلَّا على فعل مقيد بالقصد، فلا يصح أن يكون مرتَّبًا على ما لم يقيَّد به، ويقصر (١) الدلالة على اشتراط أحد النيَّتين الأُخريين اللتين ذكرناهما، فإنَّه لا يلزم من الدلالة على اشتراط [القصد] (٢) إلى الفعل الدلالة على اشتراط النيَّتين الأخريين، وتأمَّل فَكنَّا للملازمة بالنسبة إلى الدلالة، فإنَّه قد يُدَّعَى الاستلزام في الحكم بطريق جدلي عندنا، وهو إجماعُ لا قائل، لكن إثبات الحكم عن إثبات الدلالة من الحديث. الرابعة والأربعون بعد المئة: ومن المقدِّمات: اشتراطُ النيَّة في كل العبادات؛ لأن طريق القياس أن يقال: الوضوء عبادة، والعبادة تفتقر إلى النيَّة، فالوضوء يفتقر إلى النية، فان لم يتبين أن كلَّ عبادة تفتقر إلى النية، حتَّى يندرجَ تحته الوضوءُ، لم يحصلِ المقصودُ، ولم يلزم اندراج الوضوء تحت قولنا: والعبادة تفتقر إلى النيَّة، [لكن للمتأخرين - أو بعضهم - نزاع في أن كل عبادة تفتقر إلى النيَّة،

стр. 2393

فنذكر] (١) ما قيل في ذلك. الخامسة والأربعون بعد المئة: يقول بعض المتأخرين: إن الغرضَ من النيَّات تمييزُ العبادات عن العادات، أو تمييزُ رُتَبِ العبادات: فمن تمييز العبادات عن العادات: الغسلُ، فإنَّه متردِّدٌ بين ما يفعل قربة إلى الله تعالى؛ كالغسل عن الأحداث، وبين ما يفعل لأغراض العباد من التبرُّد والتنظُّف، والاستحمام، والمداواة، وإزالة الأوضار، والأقذار، فلما تردَّد بين هذه المقاصد، وجب تمييز ما يفعل لرب الأرباب، عمَّا يُفعل لأغراض العباد، وذكر أمثلة غير هذا؛ كرفع الأموال، والإمساك عن المُفطِّرات، وحضور المساجد، والضحايا، والهدايَا، والحج. وأما تمييز رتَب العبادات: فمثَّلها بالصلاة، وقسَّمها إلى فرض ونفل، والنفل ينقسم إلى راتب، وغير راتب، والفرض ينقسم إلى منذور وغير منذور، [وغير المنذور] (٢) ينقسم إلى ظهر، وعصر، ومغرب، وعشاء، وصبح، وإلى قضاء، وأداء، فيجب في النفل أن يميِّز الراتب عن غيره بالنيَّة، وكذلك تمييز صلاة الاستسقاء عن صلاة العيد، وكذلك في الفرض تمييز الظهر عن العصر، والمنذورة عن المفروضة بأصل الشرع، وكذلك في العبادة المالية تمييز الصدقة

стр. 2394

الواجبة عن النافلة، والزكاة عن المنذورة والنافلة، وكذلك تمييز صوم النذر عن صوم النفل، وصوم الكفارة عنهما، وصوم رمضان عما سواه، وتمييز الحج عن العمرة، كل ذلك تمييزًا لبعض رتب العبادات عن [صور] (١) بعض، ولا يكفيه مجرد نية القربة دون تعيين الرتبة، فإن أطلق نية الصوم، أو الصلاة، حمل على أقلّهما؛ لأنه لم ينوِ التقرُّب بما زاد على رتبتها. ثم قال: فإن كانت العبادة غير ملتبسة بالعادة؛ كالإيمان؛ والتعظيم، والإجلال، والخوف، والرجاء، والتوكُّل، والحياء، والمحبة، والمهابة، فهذه متعلِّقة بالله ، قربة في أنفسها، متميِّزة لله بصورتها، لا تفتقر إلى قصد يجعلها قربة، فلا حاجة في هذا النوع إلى نيَّة تصرفه إلى الله ، وكذلك التسبيح والتهليل والتكبير، والثناء على الله بما لا يُشارَكُ فيه، والأذان، وقراءة القرآن؛ فإنَّه لا يحتاج إلى نيَّة، إذ لا تردُّد له بين العبادة والعادة، ولا بين رتب العبادة، والنيَّات إنما شرعت لتمييز العبادات عن العادات، أو لتمييز (٢) رتب العبادات (٣). قلت: ظاهر أكثر هذا الكلام، يرجع إلى نيَّة القربة، لا إلى نيَّة

стр. 2395

الفعل، ونحن قد فرَّقنا بينهما، حيث جعلنا النيَّة في الوضوء منقسمة إلى ثلاث نيَّات، فإن نازع في اشتراط نيَّة أصل الفعل، وأنها لا تشترط في كونه قربة، نُوزع في ذلك، ولو كانت العبادةُ متعيِّنةً، ويقال: لو أن الإنسان جرى لفظ التسبيح، والتهليل، [والقراءة] (١) على لسانه سهوًا من غير قصد ولا نية عامَّةٍ ولا خاصَّةٍ، لم يكن عبادة، ولا يثاب عليه، وليس التزام هذا مما يتعبد (٢)، بل هو الأقرب والأصوب إن شاء الله تعالى، وإن كان الكلام في نيَّة التقرُّب والإضافة إلى الله تعالى فقد أَفرد لذلك مسألة غير هذه. السابعة والأربعون بعد المئة: مما ينبني على أن الوضوء عبادة، وأنه يُبْنَى عليه اشتراط النية: اختلافهم في أن نيَّة التقرُّبِ إلى الله تعالى في العبادة هل تشترط؟ وقد أجري الخلاف فيه في سائر العبادات، وأطلق القولَ فيه بعضُ الفقهاء، وقال: هل يشترط أن يستحضر إضافة النية إلى الله سبحانه، أو تكفيه استلزام القربة الإضافة إلى الله تعالى؟ فيه اختلاف (٣). وهذا يقتضي انفكاك نيَّة القربة عن نيَّة الإضافة إلى الله، وفيه نظر، فتأمله.

стр. 2396

والذي يتعلق بنا من هذا: أنَّه إن دلَّ دليل على اشتراط الإضافة إلى الله تعالى في نية العبادات، فمن لوازم كون الوضوء عبادة، أن تشترط هذه النية، فإذا قلنا: إنه يلزم من كونه عبادة اشتراط هذه النيَّة، فلا بدَّ بعد اشتراط نية الفعل من دليل يدلُّ على اشتراط هذه النيَّة، وكذا الكلام في نية رفع الحدث وأخواتها، يحتاج إلى دليل يدلّ على اشتراط النيَّتين في كون الفعل عبادة، وعدم الاكتفاء بالقصد إلى الفعل. الثامنة والأربعون بعد المئة (١): من لوازم كون الوضوء عبادةً لزومُه بالنذر، وطريقُه أن يقال: الوضوء عبادة، وكلُّ عبادة هي طاعة، فالوضوء طاعة، ثم يقال: الوضوء طاعة، وكلُّ طاعة تلزم بالنذر؛ [فالوضوء يلزم بالنذر] (٢)؛ أما أنَّ الوضوء عبادة فعلى ما تقدَّم، وأما أنَّ الوضوء طاعة؛ فلأنَّ الطاعةَ إما مرادفة له، أو لازمة، وإلا جاز انفكاكُهما، وهو باطل، وأما أنَّ كلَّ طاعة تلزم بالنذر، فلقوله ﵇: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيع الله فَلْيُطِعْهُ" (٣). وقد اختلف أصحاب الشَّافعيّ في أنَّ تجديد الوضوء هل يلزم

стр. 2397

بالنذر؟ وصحَّح اللزوم، وإنما أوجب الاختلاف عندهم؛ لأنهم لم يلزموا بالنذر كل ما هو عبادة أو طاعة، بل قسموا الحال فيه: فأما العبادات المقصودة، وهي التي شرعت للتقرُّب بها، وعُلِمَ من الشارع الاهتمامُ بتكليف الخلق إيقاعَها عبادة؛ كالصوم، والصلاة، والصدقة، والحج، والاعتكاف، والعتق؛ فهذه تلزم بالنذر بلا خلاف. وأما القربات التي لم تشرع لكونها عبادة، وإنما هي أعمال وأخلاق مستحسنة رغَّب الشرع فيها لعظم فائدتها، ويُبْتَغَى بها وجهُ الله تعالى، فيُنَال الثوابُ منها؛ كعيادة المرضى، وزيارة القادمين، وإفشاء السلام بين المسلمين، وتشميت العاطس؛ ففي لزومها بالنذر وجهان، صحَّحوا اللزوم، وتجديد الوضوء أُدْخِلَ في هذا القسم. وأما المباح الذي يَرِدُ فيه ترغيب؛ كالأكل، والنوم، والقيام، والقعود، فلو نذر فعلها، أو تركها، ينعقد نذره، وقد يَقْصِدُ التقوِّي على العبادة، وبالنوم النشاط عند التهجد، فَينالُ الثواب، لكنَّ الفعل غير مقصود، والثواب يحصل بالقصد الجميل (١). التاسعة والأربعون بعد المئة: هذا الذي ذكرناه من الاستدلال بقوله ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ" مبنيٌّ على قاعدتنا في أنَّ كلَّ ما عاد إخراجُه على العموم بالتخصيص فالأصل عدمُه، ويُعْمَلُ

стр. 2398

بالعموم، وأما على ما قيل: من أَنْ المطلق لا عموم [له] (١)، فإذا عُمِلَ به في صوره كفى، فالحديث مطلقٌ في العبادة كفى، ولا يقتضي العموم في حقِّ كل عبادة. فعلى هذا: ما وقع النزاع فيه من تجديد الوضوء، والقسم الذي هو منه، يمكن المخالِف فيه في الجدل أن يسلُكَ هذه الطريقةَ فيما يخالِف فيه، وجوابه هو الدليل على المذهب الذي اخترناه؛ وهو وجوب الوفاء بصيغة العموم، وإنما جعلتُ (٢) ذلك جدلًا؛ لأنه لا بد للمجتهد المخصِّص للحكم بهذه الصفة، أن يُخْرِجَ عنها بعضَ ما تناوله اللفظُ من دليل يدلُّ على التخصيص، ومخالفة الحكم، فَحِينَئِذٍ إذا أُورِد (٣) عليه الاستدلالُ بالعموم يقول ما يقول. الخمسون بعد المئة: من لوازم الاستدلال بالحديث على أنَّ تجديدَ الوضوء يلزم بالنذر، بعد إثبات كونه عبادةً يترتَّب الثوابُ عليه في الحديث: القولُ بالعموم ليدخل فيه الوضوء، والتفريق بين العبادة المقصودة بالتفسير المذكور، وبين القسم الآخر، لا بدَّ له من دليل يدلُّ عليه لمخالفته لظاهر العموم، فإنَّ في التفصيل إخراجَ بعضِ الطاعات، وأما المباحات فإنْ لم تقترن بها نيَّة تجعلها عبادة، فهي

стр. 2399

خارجة عن مقتضى اللفظ المذكور، ومن ألزم النذر (١)، فإنما يأخذه من دليل آخر، أما إذا اقترن بها ما يقتضي كونها عبادة بالنيَّة، فيدخل تحت العموم، فإخراجها يحتاج إلى دليل. الحادية والخمسون بعد المئة: تكلَّم بعض أكابر الفضلاء في الحكمة في غسل هذه الأعضاء، وذكر وجوهًا؛ منها: أنَّه أمر بغسل هذه الأعضاء تكفيرًا لما ارتُكِبَ بهذه الحواس من الإجرام؛ لأن بها تُرتكب جُلُّ المآثم، فإنَّ بها يوصل إلى الشيء الحرام، والنظر إلى العورات، والأكل الحرام، وسمع اللغو والكذب، وتناول [مال] (٢) الغير، ونحو ذلك، قال: وقد وردت الأخبار في كون الوضوء تكفيرًا للمآثم، فتكون مؤيِّدةً لما قلنا (٣). قلت: هذا يجعل تعليلًا لتخصيص هذه الأعضاء بالغسل دون غيرها من الأعضاء، ولا ينبغي أن يُجعَل دليلًا على أصل الوضوء، فتأمَّله. وبعض الوجوه التي ذكرها يمكن أن تُجعَل تعليلُ الأصل الوضوء، مثل قوله: إن الله تعالى لمّا أمرهم بالقيام إلى الصلاة؛ وهي مقام المناجاة، ومحلُّ القرب، أمرهم بتطهير الأعضاء الظاهرة لتذكرهم بتطهير باطنهم، فإن قيام الحدث لا ينافي العبادة والخدمة في

стр. 2400

الجملة، حتَّى يجوز أداءُ الزكاة مع الحدث والجنابة، وأقرب منه: أنَّه يجوز أداء الإِسلام مع قيام الحدث، وهذا لأنَّ ذلك ليس بمعصية، ولا سببَ مأثم، فأما ما يقوم في الباطن؛ من الغشِّ، والحسد، والكبر، وسوء الظن بالمسلم، ونحوِها أسباب المآثم، فأمر بغسل هذه الأعضاء الظاهرة، لتكون دالَّة على تطهير الباطن عن هذه الأمور، لمَّا طلب المناسبة للحكم، والحكمة فيه على ما هو الأصل، والواقع في أحكام الله تعالى، وبَيَّنَ أن الحديث لا يناسب، استنتج من ذلك أمرًا مناسبًا للتعليل، وهو تطهير الباطن. الثَّانية والخمسون بعد المئة: لمَّا قيل بنجاسة الأعضاء نجاسةً حكمية وتطهيرًا لما لها [لكون الماء] (١) مطهِّرًا بالآية الكريمة، والحديث [الشريف] (٢): ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُه" (٣) نستنتج من ذلك: عدمَ اشتراط النيَّة في الوضوء؛ لعدم اشتراطها في إزالة النجاسة الحسية. أُجيبَ عن ذلك: بحمله على التطهير من الآثام، فقيل في لفظ التطهير: إنه يحتمل أن يكون المراد منه التطهير عن الأوزار والآثام، ويحتمل أن يكون المراد به التطهير عن النجاسة، قال: والحمل على

стр. 2401

التطهير عن الأوزار أولى، وأشار إلى بيان الأولوية، وكأنه يريد أنَّه لا نجاسة في المحلِّ حقيقة، فلزم (١) منه تقديرُ النجاسة، والتقدير على خلاف الأصل، وهذا الجواب والترجيح يفتقر إلى الدلالة على كونه مطهرًا عن الآثام والأوزار، فَيسَتدِلُّ عليه بالحديث، فيصِحُّ الجواب، والله أعلم. الثالثة والخمسون بعد المئة: يقال: الفعل عبادة، بمعنى: أنَّه يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى، ويُمْتَثَلُ به الأمر، ويقال: عبادة، بمعنى التعبد، وعدمِ معقوليةِ المعنى، وقد بني بعض الخلافيّين وجوبَ النيَّة على كون الوضوء عبادةَ بهذا المعنى الثاني، فعلى هذا: إذا قيل الوضوء عبادة، تُشترط فيه النيَّة كسائر العبادات، فإن أريد المعنى الأول، لم يكفِ في بيان كونه عبادةَ ترتُّبُ الثواب عليه، ويحتاج حِينَئِذٍ إلى أن يبيّن كون كلِّ وضوء عبادة؛ كما قدَّمنا، أو يحترزَ في القياس بإيراد قيدٍ يُلْحَق به الوضوء، بما هو مقيَّد به في عبادة أخرى، وإن أُريد التعبُّد، فَليُقِمْ عليه دليلًا. الرابعة والخمسون بعد المئة: خروج الخطايا في مسح الرأس من أطراف الشعر، الكلام فيه كالكلام في خروج الخطايا من الوجه [من أطراف شعر اللحية، إلَّا أَنَّه ها هنا لا يمكن أن يجعل أطراف الشعر من الرأس] (٢)، ولو أمكن أن يسلِّم الدليل في مثل هذا اللفظ

стр. 2402

على ما ذكر؛ لأن الشَّعر يتناول ما نزل عن حَدِّ الرأس من الذؤابة، فلو أُجْرِيَ مَجْرَى الرأس في الحكم، لوجب أن يجري المسحُ على طرف الذؤابة مع ترك المسح على الرأس جملة، فلا يتأدَّى الواجبُ حينئذ. والشافعيةُ قد زادوا على هذا، وحكموا بأنه لو مسح على شعر في حدِّ الرأس، لكان إذا مدَّ موضع المسح خرج عن حدِّ الرأس لم يُجْزِئه (١)، فيُؤَوَّل هذا على تقديرٍ سليمِ الدلالة، على كون اللفظ يدلُّ على كون الشعر من الرأس، إلى أن الحكم ثبت بدليل من خارج. والمالكية يقولون: إنه يمسح الذؤابةَ مع الرأس (٢)، وهذا يدلُّ على أنَّهم يدخلونها تحت اسم الرأس. الخامسة والخمسون بعد المئة: قوله: "ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْه، كَمَا أَمَره الله" دليلٌ صحيح في أن الله أمر بغسل الرجلين، ولهذا ذكره في الأصل، وهو قاطع لدابر مذهب الإمامية في عدم وجوب الغسل، وأن الواجبَ المسحُ، ولا يتأتَّى للشريف أبي القاسم علي بن الحسين الملقب بالمرتضى (٣) في تأويل ما ورد من الأحاديث بغسل الرجلين في وضوء النَّبِيّ ﷺ ، فإنَّه قال: أما الخبر المتضمن لأنه ﵇ غسل رجليه، فيحتمل أن يكون فعل ذلك بعد مسحهما، ولم يَرْوِ الراوي

стр. 2403

المسحَ؛ إمّا للنسيان، وإمَّا لالتباس الفعل عليه، وتقارب زمانه. والاعتقاد أن ذكر الغسل يغني عنه؛ لأن ذلك فعلٌ يحتمل ما ذكره، وهذا قولٌ مصرِّح بأن الله تعالى أمر بالغسل، فلا يبقى ها هنا حيلة للإمامية في دفع هذا إلَّا إنكارَ وجوبِ العمل بخبر الواحد، وهو قول باطل قطعًا بعد تتبّع أفعال الرسول والصحابة والتابعين، فلا التفاتَ إليه، ولم أرَ الشريف ذكر هذا في الجواب عن أحاديث الغسل، فيما حكاه الفقيه سليم عنه من قوله، وإنما ذكر التأويل المذكور، ولعلَّه دليل على إنصافه، ويمكن أن يكون من المجاملة، وإنما ذكر ذلك ابن المعلِّم وقال: الخبر الذي رَويتُم من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا توجب عندنا علمًا ولا عملًا، وقال في موضع آخر - على ما حكاه الفقيه سليم -: ولو أوجَبَت عملًا لم ترفع ظاهرًا، ولم تخصِّص عمومًا، وله في هذه المسألة رسالة، ولمحمد بن محمَّد بن النُّعمان المعروف بابن المعلِّم (١) رسالة أخرى. وردَّ عليهما الفقيهُ أبو الفتح سليم بن أَيُّوب الرَّازيّ (٢) في رسالة

стр. 2404

سماها "المنصفة في طهارة الرجلين في الوضوء" وأجاب عن تأويل الشريف: بأن (١) الأمر الذي ورد فيه هذا الخبر، لو كان مما لا يتفق إلَّا لَاحاد النَّاس في وقت دون وقت؛ كالحوادث من الإيلاء، والظِّهار، واللعان، لكان الظنُّ بالصحابي أنَّه ضبطَه ونقلَه على وجهه، فكيف وهو مما يَحتاج إليه كل أحد في كلِّ يوم مرات؟!. وكذلك لو كان الذي نقله ممن لم يصحبِ النَّبِيّ ﷺ إلَّا يومًا واحدًا، لم يُتَّهَم [بخفاء] (٢) ذلك عليه، فكيف وقد نقله النجومُ من أصحابه، الذين لم يكونوا يفارقونه؟! وقد تقدّم ذكرُ أسمائهم، وألفاظِ أخبارِهم، والمواضعِ التي نقلتُ منها، فأغنى عن إعادتها، ثم يقال: كيف يُحتمل أن يكون فعل ذلك بعد مسحهما، وليس على أصله مسحهما، ببلة اليد مرةً واحدة، إلَّا بدعة. السادسة والخمسون بعد المئة: ظاهر قراءة الخِرَقِيِّ قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يخالف ما اقتضاه هذا الحديث، وسائر الأحاديث المتضمنة للغسل، فيحتاج إلى الكلام عليها، وتخريج ما يدلُ عليه ليردَّ إلى حكم الغسل، وفي ذلك وجوه: أحدها: منع تعيين دلالتها على المسح؛ لأن ذلك مبنيٌّ على

стр. 2405

كون الجرِّ للعطف على الرؤوس، واقتضاء الواو للتشريك في الحكم، وذلك بأن يحمل الجرُّ على الخفض بالجوار، أو الإتباع، والخفضُ على الجوار مشهورٌ في لسان العرب تعدَّدت فيه الشواهد: منها قراءة حمزة والكسائي: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بالجرِّ (١)؛ فإنَّه لا يطاف بالحور العين، وأول الآية قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] إلى قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]. ومنها قراءة من قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨]، بكسر النُّون في المتين (٢)، وهو نعت للرزاق، وجرُّه على الجوار. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] وهو صفة للعذاب، الذي هو منصوب حقيقة. ومنها قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] وهو نعت للريح المرفوعة حقيقة، فالخفض للجوار. ومن الشواهد المشهورة في الخفض على الجوار: ما ذكره سيبويه، وأبو حاتم [من الرجز]: كأن نسجَ العنكبوتِ المُرَمَّلِ (٣)

стр. 2406

والمُرمَّل صفة للنسج المنصوب جزمًا، رملْتُ الحصير أرمُلُه، نسجته. يقال: ومنها أنشد أبو حاتم لذي الرُّمَّة [من البسيط]: كأنَّما ضَرَبتْ قُدَّامَ أعينها ... قطنًا مستصحب الأوتارِ محلوجِ (١) فَجَرَّ المحلوج، وهو نعت للقطن المنصوب؛ للمجاورة والإتباع. ومنها ما أنشد بعضهم [من المتقارب]: أطوفُ بها لا أرى غيرَها ... كما طافَ بالبيعةِ الراهبِ (٢) فجرَّ الراهب إتباعًا للفظ البيعة. ومنها ما أنشد الأخطل [من الطَّويل]: جزى اللهُ عنَّا الأَعْوَرَين مَلَامةً ... وفروة ثَفْرَ الثَّورةِ المُتَضَاجِمِ (٣) السابعة والخمسون بعد المئة: في اعتراضِ الإماميةِ على الخفضِ بالجوار، وهو من وجوهٍ:

стр. 2407

الأول: ادعاءُ شذوذِهِ، قال الشريفُ: الإعرابُ بالمجاورة شاذٌّ نادرٌ، لا يُقاس عليه، وإنما ورد في مواضعَ لا يتعدَّى إلى غيرِها، وما هذه منزلتُهُ في الشذوذِ والخروجِ عن الأصول، لا يجوزُ أنْ يُحملَ كلامُ الله تعالى عليه. وقال ابن المعلِّم: وقد صَرَّح أهلُ اللغة وأئمةُ العربية بأنَّ المجاورةَ لا يجوز استعمالُها في كتاب الله تعالى؛ لبعدِها عن أصل، ولخروجِها عن حقيقة الكلام. وقالوا: استعمالُها شيءٌ يُخَصُّ به الأعرابُ دونَ الفصحاءِ من أهل اللسان؛ وقد نصَّ على ذلك الفرَّاء، واليزيدي، وغيرُهما من أهل اللغة. وقال في فصل آخر: وقد قال المبرِّدُ: إنَّ قولهم: جحرُ ضبٍّ خربٍ، ليسَ فيه شيءٌ من حكم المجاورة، لكنه لما أضيفَ (الجحرُ) إلى (الضبِّ) صار كالاسم الواحد، فأعرب (الخرب) بنعتِ الاسم (١). قال: ولم يقصد المتكلمُ بذلك ما ذهب إليه من لا علمَ له من خفض (الخرب) بالمجاورة. أجاب الفقيهُ أبو الفتح سليم بأن الذين استدلُّوا بذلك، لم يقتصروا على مجرَّدِ الدعوى، لكن تلوا فيه آياتٍ من القرآن، وذكروا فيه أبياتًا من الشعر معروفةً، وحكوا عن قوم أمناءَ ثقاتٍ أنَّهم نقلوه عن العرب مُطلقًا من غير تقييد، فسبيلُ المستدلِّ عليه، إذا أَرادَ أن يحكمَ

стр. 2408

بشذوذه، ويقصرَهُ على موضع دونَ موضع، أن ينقلَ ذلك كنقلهم، ولا يقتصرَ على مجرد دعواه، ولأن في ذلك سدَّ باب الاحتجاج بكلام العرب، بأن يكونَ كلُّ من استدلَّ عليه بشيء منه، يقول: هذا إنَّما ورد في مواضعَ لا تتعدَّى إلى غيرها، وهو شاذٌّ نادر، وما هذه منزلتُهُ في الشذوذ والخروج عن الأصول، لا يُحتجُّ به، فيقف الاحتجاجُ بكلامهم، وإذا كان ذلك كذلك، لم يلزمْ هذا السؤال حتَّى يقرنَهُ بالبرهان. وقال أبو البقاء العُكْبَريُّ في الكلام على الإعراب الذي يقال: هو على الجوار، وليس يمتنعُ أن يقعَ في القرآن لكثرته، فقد جاء في القرآن والشعر؛ فمن القرآن قولُهُ تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] على قراءة مَنْ جَرَّ، وهو معطوفٌ على قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] والمعنى مختلفٌ؛ إذ ليس المعنى: يطوف عليهم ولدانٌ مخلدون بحور عين. قال الشَّاعر [من البسيط]: لمْ يَبْقَ إلَّا أَسِيْرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ... أَوْ مُوْثَقٍ في حِبَالِ القَدِّ مَجْنُوبِ (١) والقوافي مجرورة.

стр. 2409

والجوارُ مشهورٌ عندهم في الإعرابِ، وقلبِ الحروف بعضها إلى بعض، والتأنيثِ، وغيرِ ذلك؛ فمن الإعراب ما ذكرنا في العطف، ومن الصفات قولُهُ: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] واليومُ ليس بمحيط، وإنما المحيطُ العذابُ، وكذلك قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] واليومُ ليس بعاصف، وإنما العاصفُ الريح. [ومن] (١) قلب الحروف قوله ﵇: "ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" (٢)، والأصل: موزورات، ولكنْ أريدَ التآخي، وكذلك قولهم: إنه ليأتينا بالغَدَايا والعَشَايا. ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فحذف التاءَ من (عشر)، وهي مضافة إلى (الأمثال)، وهي مذكرة، ولكن لما جاورت الأمثالُ الضميرَ المؤنث، أُجْرِيَ عليها حكمُهُ، وكذلك قوله [من الكامل]: لمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَضَعْضَعَتْ ... سُوْرُ المدِيْنَةِ والجبالُ الخُشَّعُ (٣) وقولهم: ذهبت بعضُ أصابِعِهِ. ومما راعت العربُ (٤) فيه الجوارَ قولهُم: قامت هندٌ؛ فلم يجيزوا

стр. 2410

حذف التاء، إذا لم يُفصَلْ بينهما، فإن فصلوا بينهما أجازوا حذفَهَا، ولا فرقَ بينهما إلَّا المجاورةُ وعدمُ المجاورة، ومن ذلك قولهم: قام زيدٌ، وعمرًا كلمته، استحسنوا النصبَ بفعل محذوف لمجاورة الجملة اسمًا قد عَمِلَ فيه الفعل، ومن ذلك قلبُهُم الواوَ المجاورةَ للطرف همزةً في قولهم: أوائل، كما لو وقعت طرفًا، وكذلك إذا بَعُدَت عن الطرف، ولا تقلبُ نحوُ طواويس. وهذا موضعٌ محتمل أن يُكتبَ فيه أوراقٌ من الشواهد، قد جعل النحويون له بابًا، ورتبوا عليه مسائلَ، وأصَّلوه بقولهم: جحرُ ضبٍّ خربٍ، حتَّى اختلفوا في جواز جرّ التثنية والجمع؛ فأجاز الإتباعَ فيهما جماعةٌ من حُذَّاقِهم قياسًا على المفرد المسموع، ولو كان [لا] (١) وجهَ له في القياس بحال، لاقتصروا فيه على المسموعِ فقط (٢). قلت: أخذ أبو البقاء الأعمَّ، وهو الإتباعُ، وجلب فيه الشواهدَ، ولم يعرض الأخصَّ، الذي هو الخفض بالجوار. وأجاب الفقيهُ أبو الفتح عما تقدَّم ذكرُهُ عن ابن المعلِّم: أنَّه إنما يُنكَرُ استعمالُ المجاورة في كتاب الله تعالى إذا لم يكنْ هناك ما يُبيِّنُ المقصودَ، فإذا وُجِدَ ذلك فليس بمنكر؛ كسائر أنواع المجاز، وقد وُجِدَ في الآية ما يبين المقصود، وهو ما تقدم ذكره، قال: فسقط هذا الاعتراضُ.

стр. 2411

قال: وقول من قال: إن استعمالها شيءٌ تختصُّ به الأعرابُ دون الفصحاء من أهل اللسان، [ظاهرُ الفساد؛ لإن امرَأَ القيس والنابغةَ من فصحاء أهل اللسان] (١)، وقد نُقِلَ عنهما استعمالُ ذلك. وقوله: وقد نصَّ على ذلك الفرَّاءُ، واليزيدي، وغيرهما، محمولٌ على أنَّهم نصُّوا على المنع من استعمالِهِ من غير دلالة تبينُ المقصودَ من الكلام، فإن الفراءَ وابنَ الأنباري وغيرَهما قد أجازوا استعمالَ ذلك في كتاب الله تعالى، وقد تقدم ذكرُ ذلك. وذكر أبو الفتح عثمانُ ابنُ جِني في كتاب "المحتسب" في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]: قال أبو الحسن - يعني: الأخفش -: إنهم إنما تمنَّوا الردَّ، وضمنوا ألا يكذبوا، وهذا يوجبُ النصبَ؛ لأنه جوابُ التمني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالجر، قال: فهي معطوفةٌ في اللفظ على المسح، وفي المعنى معطوفة على الغسل، قال: ونحو هذا: جُحرُ ضبِّ خَرِبٍ (٢). قلت: قد ذكرنا أنَّ القرينةَ في البيان ضعيفةٌ، وأما الردّ بفصاحة امرئ القيس والنابغة، فصحيحٌ بعد تعيين الخفض

стр. 2412

بالجوار فيما قالها (١). الثاني من وجوه اعتراض الإمامية على الخفض بالجوار: قولُ الشريفِ الموسوي: كلُّ موضعٍ أُعرِبَ بالمجاورة مفقودٌ منه حرفُ العطف الذي تضمَّنته الآيةُ، وكان عليه اعتمادُنَا في تساوي حكم الأرجل والرؤوس، فلو كان ما أُورِدَ من حُكم المجاورة يسُوغُ القياسُ عليه، لكانت الآيةُ خارجةً عنها، لتضمنها من دليل العطف ما فقدناه من المواضعِ المُعْرَبةِ بالمجاورة، ولا شُبهةَ على أحد ممن يفهمُ العربيةَ في أن المجاورةَ لا حكمَ لها مع العطف. أجاب الفقيه أبو الفتح بأن العربَ تعربُ بالمجاورة في العطف، كما تفعلُ ذلك في النعت، وبه جاء القرآن والشعر الفصيح. وذكر من القرآن: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] على قراءة حمزة والكسائي في آخرين؛ بالجر فيهما. وذكر من الشعر [من الوافر]: وزَجَّجنَ الحَوَاجِبَ والعُيونَا (٢) وقول النابغة [من البسيط]: في حِبَالِ القَدِّ مَجْنُوبِ (٣)

стр. 2413

وقال: قال أبو عبد الله بن الأعرابي: اتَّبعَ الخفضَ لما دنا منه. قلت: الأول: إنما هو على اعتبارِ المعنى الأعمِّ في الجوار، لا على اعتبارِ الأخصِّ في الخفض بالجوار. والثاني: إنما يَحسنُ ذكرُهُ في الجواب عن هذا السؤال، إذا كانت الرواية: موثقٍ؛ بالجر، فإن صحَّت الروايةُ هكذا، وإلا فلا. وقال الفاضلُ أبو منصور الماتُريديُّ: ولا شكَّ أنَّ إعطاءَ الإعرابِ بحكم الجوارِ والقربِ بابٌ من اللغة، إن كانَ محلُّهُ من الإعراب شيئاً آخر؛ لكونِهِ نعتاً لغيرِه، أو معطوفًا على غيره، وسوَّى بينهما إذا كان بينهما حائل، أو لا، وقال: أما بغير الحائل فكثير شائع، وذكر: جحرُ [ضبٍّ] (١) خربٍ، وذكر مع الحائل الآيةَ الكريمة: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]، وقال: ومع ذلك خَفَضَ على طريق المتجاورين، وإن كان دخلَ الواوُ هاهنا حائلًا بين المتجاورين. قال: وكذلك قولُ الفرزدق [من الطويل]: وَهَلْ أَنْتَ إِنْ مَاتَتْ أتَانُكَ رَاْكِبٌ ... إِلَى آلِ بَسْطَامِ بن قَيسٍ (٢) فَخَاطِبِ (٣) ذكر (فخاطب) مخفوضًا بالمجاورة لبسطام، وإن كان بينهما

стр. 2414

حائل، وهو حرف الفاء، وهو في محلِّ الرفع معطوفًا على قوله: راكب. الثالث من الاعتراض على الخفض بالجوار: قال الشريفُ: الإعرابُ بالجوار إنما يُستحسنُ بحيث ترتفعُ الشُّبهةُ في المعنى، ألا ترى أنَّ الشُّبهةَ زائلة في كون (خربٍ) من صفات الضب، والمعرفةُ حاصلة بأنَّهُ من صفات الجحر، وكذلك قوله: مُزَمَّلِ، معلومٌ أنه من صفات الكبير، لا البجاد، وليس هكذا الآية الكريمة؛ لأن الأرجلَ يصحُّ أن يكونَ فرضُهُما المسحَ، كما يصحُّ أن يكونَ الغسلَ، والشكُّ في ذلك واقعٌ غيرُ ممتنع، فلا يجوزُ إعمالُ المجاورة فيها؛ لحصول اللَّبسِ والشُّبهة، ولخروجه عن باب ما عُهِدَ استعمالُ القوم المجازَ فيه. أجاب الفقيه أبو الفتح بأنَّ في الآية غيرَ وجهٍ من البيان يزيلُ اللَّبسَ والشُّبهة، في أن يكون جرُّ الأرجل للمجاورة مع أن الفرضَ الغسلُ، وللبيان مراتبُ في الجَلاَء والخَفَاء، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْراً" (١)؛ فمن ذلك: أنه لما أمر بغسل الأيدي مع بُعدها من الوسخ، كانت الأرجلُ مع قربها أولى بذلك، روي عن علي ﵁ أنه قال: اغسلوا أقدامَكُم؛ فإنها أقربُ أجسادِكُم إلى الأقذار، وذكرَ عن محمد بن يوسف الفِرْيابي الإسنادَ إلى علي ﵁ ووصلَ إسنادَهُ

стр. 2415

إلى محمد بن يوسف؛ فروى عن أبي بكر علي بن محمد بن السُّمَيدَع، [ثنا] أبو العباس محمد بن محمد الأَثْرم، ثنا العباس بن عبد الله الباكساني أبو محمد، ثنا محمد بن يوسف، ثنا مُعلَّى بن هلال الأحمري؛ يعني: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: "اغسلوا أقدامكم؛ فإنها أقربُ أجسادِكُم إلى الأقذار". قال: ومثلُ ذلك من كتاب الله تعالى قوله جلَّ ذكرُهُ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] مع قوله - تعالت كلمته - في آخر السورة في فرض الأخوات: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ففرضَ لما فوق الاثنتين من البنات الثلثين، والأختين مثل ذلك، وقد عُلِمَ أنَّ البناتِ أقوى من الأخوات، وكأنَّ في ذلك التنبيهَ على أنَّ البنتين لا تنقصان عن الثلثين، في نظائرَ كثيرة لذلك في الكتاب والسنة. قال: ومن ذلك - يعني: من الدلائل على البيان المزيل للَّبسِ في الآية -: أنه تعالى حدَّ الأرجلَ كما حَدَّ الأيدي؛ فقال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فكانَ تنبيها على الأرجل أنها مغسولةٌ كالأيدي. قلت: هذان الوجهان [قريبان] (١) ليسا بالقويَّين، وقد اعتُرِضَ على هذا الثاني بما معناه: أنه لا يمتنعُ أن يُعطَفَ المحدودُ على غيرِ

стр. 2416

المحدود؛ كما جاز عطفُ (الأرجل) على (الرؤوس)، وإن لم تكن (الرؤوسُ) محدودةً. وقال ابن النعمان: أو ليسَ قد عطف باليدين، والطهارةُ فيهما محدودةٌ على الوجوه، ولم يحدَّ الطهارةَ فيهما بشيء تتميز به غايةُ الغسل ونهايتُهُ، فما أنكرتَ أن يُعطفَ بالرجلين، وإن حُدَّت الطهارةُ فيهما على الرؤوس، وءان لم تكن الطهارةُ فيها محدودةً إلى غاية منها؟ أجاب الفقيهُ أبو الفتح بأنَّ كلَّ ذلك غيرُ لازم، وهذا؛ لأنَّ الأرجل إذا ساوتِ الأيدي في التحديد بينهما في وجوب الغسل، ولم يَقْدَح في ذلك كونُ الوجوه مغسولةً مع عدم التحديد فيها؛ لأن ذلك عكسٌ، والدلالةُ لا تُعكَسُ، وهذا كما تقول: إنَّ المرتدَّةَ لما شاركت المرتدَّ في الارتداد عن الإسلام إلى الكفر، شاركَتْهُ في استحقاق القتل، ولم يقدحْ ذلك في أن القاتلَ عمداً، أو الزانيَ المحصن، مقتولان، مع عدم ارتدادهما. ثم يقال: إنما لم تحدَّدِ الوجوهُ مع كونها مغسولةً لوجوبِ التعميم فيها، والأيدي والأرجل متساويتان في أن التعميمَ فيهما غيرُ واجب، وذلك أنَّ اليدَ من أطراف الأصابع إلى الكتف، والرجل من أصل الفخذ إلى القدم، والواجبُ غسلُ اليدين [إلى] (١) المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، وكذلك فارقت الوجوهُ إياهما في التحديد،

стр. 2417

مع الباء التي تفيدُ التبعيضَ من غير اختصاص المسح بمكانٍ من الرأس مخصوصٍ، فثبت أنَّ البيانَ بالتحديد حاصلٌ، واللَّبسَ به في ذلك زائلٌ. قلت: قد ذكرت أنَّ القرينةَ ضعيفةٌ، والاعتراضُ الذي اعترض به ركيكٌ، والذين قالوا بوجوب التعميم في مسح الرأس، جوابُهُمْ في ذلك هو ما أُجيبَ به في الوجه. وهؤلاء المتأخرون من النُّحاة في بعض الأقطار، يتأولون ما ظاهرُهُ الدلالةُ على خلاف ما يقولون بالتأويلات البعيدة المتعسَّفَةِ، ويكتفون في الردِّ على مَنْ يستشهدُ بالشواهد على خلاف مذهبهم بأنه غيرُ مُتعيّنٍ لما قاله خصومُهُم، ولا يعتبرون الظهورَ وردَّ التأويلاتِ المستَبعدة، ولم يسلكوا طريقةَ أهل النظر من غيرهم في تقديم الظاهر وردِّ التأويلات المستبعدة، وقد سُلِكَ هذا المسلكُ في هذه الشواهد التي استُشْهِدَ بها، وأُخرِجَت عن التأويل عما يقولُ خصومُهُم من الخفض بالمجاورة. فأما قراءةُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]، فقال الشريف: وللجرِّ وجهٌ، وذكر العطفَ على ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ على حذف مضاف؛ أي: وفي عطف ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ على ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ مقارنة، أو معاشرة ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾، وحُذِفَ المضافُ، قال: وهذا وجهٌ حسنٌ؛ ذكره أبو علي الفارسي في كتابه المعروف بـ "الحجة"، واقتصرَ عليه (١)، ولو

стр. 2418

كان للجر بالمجاورة وجهٌ لذكره، ولما جاز أن يخلَّ به؛ فإنهُ ممن لا يُتَّهَمُ بخفاء وجهِ الإعراب؛ ضعيفًا كان أو قويًا. ثم قال بعد ذلك: فإن قيل: لم لا تحملُهُ على الجار في قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] بكذا؟ ويجوزُ؟ وأجابَ بأن هذا يمكنُ أن يقال، إلا أنَّ [أبا] (١) الحسن قال: في هذا بعضُ الوحشة. وأجاب أبو الفتح في أثناء كلامه بأن قُصارى أمرِهِ أن يكونَ وجهًا ثانياً في الجرّ، وقد كفى خصمَهُ أن يكونَ الذي قاله قد ذكره إمامٌ من أئمة هذا الشأن. ثم قال: أليسَ من الحَيْفِ أن يقولَ أبو عبد الله: لو ساغتِ القراءةُ بالنصب في الرجلين، لكانت على مجازِ اللغة دونَ حقيقتها؟ وذلك لأنَّ الأصلَ في اللغة أن يكونَ حكمُ المعطوف به حكمَ المعطوف عليه، وأن يُقضَى بالمعطوف به على أنه معطوفٌ على أقرب المذكور منه، ولا يُعدَّى إلى ما بَعُدَ منه، ويقول الشريف: إنَّ الكلامَ إذا حصل فيه عاملان؛ أحدُهما قريبٌ، والآخرُ بعيدٌ، فإعمالُ الأقربِ أولى من إعمال الأبعد، ويحكي فيه نصَّ أهل العربية عليه، ومجيءَ القرآنِ وأكثرِ الشعر به، ثم يختار عطفَ قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] على قوله: ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ مع البعد، ويُنكِرُ أن يُعطفَ على قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] مع القرب، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾

стр. 2419

تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]!. قلت: ليس في لفظ الشريف ما يدل على اختياره ذلك، بل على تجويزه. قال الفقيه أبو الفتح: وفي قوله: (ولو كان للجرِّ بالمجاورة وجهٌ لذكره، ولم يجزْ أن يخلَّ به؛ فإنه لا يتهمُ بخفاء وجهٍ في الإعراب عليه؛ ضعيفًا كان أو قويًّا)، أوجهٌ من التحامل؛ منها [إنكارُ] (١) ما ذكره أبو زكريا الفراءُ أن يكون وجها جائزًا. ومنها إلزامُ أبي علي ذكرَ جميع ما عرفه، وهو لم يذكرْ شيئاً في [هذه]، (٢) المسألة، بل لو لم يصنف (٣) كتاب "الحجة، لكانَ جائزاً له. ومنها الدعوى له بما يعلمُ أنه لم يكنْ يدَّعيه لنفسه. وعلى أنه إن تركه أبو علي، فقد ذكره أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، وكفى ذلك. قال أبو بكر في "الوقف والابتداء": وكان أبو حفص، والأعمش، وحمزة، والكسائي يقرؤون: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ٢٢]، بالخفض، فعلى هذا المذهبِ لا يَحسنُ الوقفُ على ﴿يَشْتَهُونَ﴾ لأن الحورَ العين منسوقاتٌ على الاكواب، وإن شئتَ جعلتهن نسقاً على قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] وفي ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾.

стр. 2420

وقال السجستاني: لا يجوزُ أن تكونَ (الحورُ) منسوقاتٍ على الأكواب؛ لأنه لا يجوز أن يطوفَ الولدان بالحور العين. قال أبو بكر: وهذا خطأٌ منه؛ لأنَّ العربَ تتبعُ اللفظةَ اللفظة (١)، وإن كانت غيرَ موافقةٍ لها في المعنى، من ذلك قراءتُهم في سورة المائدة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ١٦] فخفضوا الأرجل على النسق على الرؤوس، وهي تخالفها في المعنى؛ لأن الرؤوسَ تُمسح، والأرجل تُغسل، وقال الحُطيئة [من الوافر]: إِذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ والْعُيُونَا (٢) فنسقَ العيونَ على الحواجبِ (٣)، والعيونُ لا تزجَّج، وإنما تُكحَّل، وهذا كثيرٌ في كلامهم. وقال الفراءُ: يلزمُ مَنْ رفعَ الحور العين؛ لأنه لا يُطافُ بهن، أن تُرفعَ الفاكهةُ واللحم؛ لأنهما لا يُطافُ بهما، إنما يُطافُ بالخمر وحدَها، وقال الفراء: الخفضُ [وجهُ] (٤) القراءة، وبه كان يقرأُ
следующие страницы →