المحدود؛ كما جاز عطفُ (الأرجل) على (الرؤوس)، وإن لم تكن (الرؤوسُ) محدودةً.
وقال ابن النعمان: أو ليسَ قد عطف باليدين، والطهارةُ فيهما محدودةٌ على الوجوه، ولم يحدَّ الطهارةَ فيهما بشيء تتميز به غايةُ الغسل ونهايتُهُ، فما أنكرتَ أن يُعطفَ بالرجلين، وإن حُدَّت الطهارةُ فيهما على الرؤوس، وءان لم تكن الطهارةُ فيها محدودةً إلى غاية منها؟
أجاب الفقيهُ أبو الفتح بأنَّ كلَّ ذلك غيرُ لازم، وهذا؛ لأنَّ الأرجل إذا ساوتِ الأيدي في التحديد بينهما في وجوب الغسل، ولم يَقْدَح في ذلك كونُ الوجوه مغسولةً مع عدم التحديد فيها؛ لأن ذلك عكسٌ، والدلالةُ لا تُعكَسُ، وهذا كما تقول: إنَّ المرتدَّةَ لما شاركت المرتدَّ في الارتداد عن الإسلام إلى الكفر، شاركَتْهُ في استحقاق القتل، ولم يقدحْ ذلك في أن القاتلَ عمداً، أو الزانيَ المحصن، مقتولان، مع عدم ارتدادهما.
ثم يقال: إنما لم تحدَّدِ الوجوهُ مع كونها مغسولةً لوجوبِ التعميم فيها، والأيدي والأرجل متساويتان في أن التعميمَ فيهما غيرُ واجب، وذلك أنَّ اليدَ من أطراف الأصابع إلى الكتف، والرجل من أصل الفخذ إلى القدم، والواجبُ غسلُ اليدين [إلى] (١) المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، وكذلك فارقت الوجوهُ إياهما في التحديد،
стр. 2417
مع الباء التي تفيدُ التبعيضَ من غير اختصاص المسح بمكانٍ من الرأس مخصوصٍ، فثبت أنَّ البيانَ بالتحديد حاصلٌ، واللَّبسَ به في ذلك زائلٌ.
قلت: قد ذكرت أنَّ القرينةَ ضعيفةٌ، والاعتراضُ الذي اعترض به ركيكٌ، والذين قالوا بوجوب التعميم في مسح الرأس، جوابُهُمْ في ذلك هو ما أُجيبَ به في الوجه.
وهؤلاء المتأخرون من النُّحاة في بعض الأقطار، يتأولون ما ظاهرُهُ الدلالةُ على خلاف ما يقولون بالتأويلات البعيدة المتعسَّفَةِ، ويكتفون في الردِّ على مَنْ يستشهدُ بالشواهد على خلاف مذهبهم بأنه غيرُ مُتعيّنٍ لما قاله خصومُهُم، ولا يعتبرون الظهورَ وردَّ التأويلاتِ المستَبعدة، ولم يسلكوا طريقةَ أهل النظر من غيرهم في تقديم الظاهر وردِّ التأويلات المستبعدة، وقد سُلِكَ هذا المسلكُ في هذه الشواهد التي استُشْهِدَ بها، وأُخرِجَت عن التأويل عما يقولُ خصومُهُم من الخفض بالمجاورة.
فأما قراءةُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]، فقال الشريف: وللجرِّ وجهٌ، وذكر العطفَ على ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ على حذف مضاف؛ أي: وفي عطف ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ على ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ مقارنة، أو معاشرة ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾، وحُذِفَ المضافُ، قال: وهذا وجهٌ حسنٌ؛ ذكره أبو علي الفارسي في كتابه المعروف بـ "الحجة"، واقتصرَ عليه (١)، ولو
стр. 2418
كان للجر بالمجاورة وجهٌ لذكره، ولما جاز أن يخلَّ به؛ فإنهُ ممن لا يُتَّهَمُ بخفاء وجهِ الإعراب؛ ضعيفًا كان أو قويًا.
ثم قال بعد ذلك: فإن قيل: لم لا تحملُهُ على الجار في قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] بكذا؟ ويجوزُ؟ وأجابَ بأن هذا يمكنُ أن يقال، إلا أنَّ [أبا] (١) الحسن قال: في هذا بعضُ الوحشة.
وأجاب أبو الفتح في أثناء كلامه بأن قُصارى أمرِهِ أن يكونَ وجهًا ثانياً في الجرّ، وقد كفى خصمَهُ أن يكونَ الذي قاله قد ذكره إمامٌ من أئمة هذا الشأن.
ثم قال: أليسَ من الحَيْفِ أن يقولَ أبو عبد الله: لو ساغتِ القراءةُ بالنصب في الرجلين، لكانت على مجازِ اللغة دونَ حقيقتها؟ وذلك لأنَّ الأصلَ في اللغة أن يكونَ حكمُ المعطوف به حكمَ المعطوف عليه، وأن يُقضَى بالمعطوف به على أنه معطوفٌ على أقرب المذكور منه، ولا يُعدَّى إلى ما بَعُدَ منه، ويقول الشريف: إنَّ الكلامَ إذا حصل فيه عاملان؛ أحدُهما قريبٌ، والآخرُ بعيدٌ، فإعمالُ الأقربِ أولى من إعمال الأبعد، ويحكي فيه نصَّ أهل العربية عليه، ومجيءَ القرآنِ وأكثرِ الشعر به، ثم يختار عطفَ قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] على قوله: ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ مع البعد، ويُنكِرُ أن يُعطفَ على قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] مع القرب، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
стр. 2419
تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]!.
قلت: ليس في لفظ الشريف ما يدل على اختياره ذلك، بل على تجويزه.
قال الفقيه أبو الفتح: وفي قوله: (ولو كان للجرِّ بالمجاورة وجهٌ لذكره، ولم يجزْ أن يخلَّ به؛ فإنه لا يتهمُ بخفاء وجهٍ في الإعراب عليه؛ ضعيفًا كان أو قويًّا)، أوجهٌ من التحامل؛ منها [إنكارُ] (١) ما ذكره أبو زكريا الفراءُ أن يكون وجها جائزًا.
ومنها إلزامُ أبي علي ذكرَ جميع ما عرفه، وهو لم يذكرْ شيئاً في [هذه]، (٢) المسألة، بل لو لم يصنف (٣) كتاب "الحجة، لكانَ جائزاً له.
ومنها الدعوى له بما يعلمُ أنه لم يكنْ يدَّعيه لنفسه.
وعلى أنه إن تركه أبو علي، فقد ذكره أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، وكفى ذلك.
قال أبو بكر في "الوقف والابتداء": وكان أبو حفص، والأعمش، وحمزة، والكسائي يقرؤون: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ٢٢]، بالخفض، فعلى هذا المذهبِ لا يَحسنُ الوقفُ على ﴿يَشْتَهُونَ﴾ لأن الحورَ العين منسوقاتٌ على الاكواب، وإن شئتَ جعلتهن نسقاً على قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] وفي ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾.
стр. 2420
وقال السجستاني: لا يجوزُ أن تكونَ (الحورُ) منسوقاتٍ على الأكواب؛ لأنه لا يجوز أن يطوفَ الولدان بالحور العين.
قال أبو بكر: وهذا خطأٌ منه؛ لأنَّ العربَ تتبعُ اللفظةَ اللفظة (١)، وإن كانت غيرَ موافقةٍ لها في المعنى، من ذلك قراءتُهم في سورة المائدة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ١٦] فخفضوا الأرجل على النسق على الرؤوس، وهي تخالفها في المعنى؛ لأن الرؤوسَ تُمسح، والأرجل تُغسل، وقال الحُطيئة [من الوافر]:
إِذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ والْعُيُونَا (٢)
فنسقَ العيونَ على الحواجبِ (٣)، والعيونُ لا تزجَّج، وإنما تُكحَّل، وهذا كثيرٌ في كلامهم.
وقال الفراءُ: يلزمُ مَنْ رفعَ الحور العين؛ لأنه لا يُطافُ بهن، أن تُرفعَ الفاكهةُ واللحم؛ لأنهما لا يُطافُ بهما، إنما يُطافُ بالخمر وحدَها، وقال الفراء: الخفضُ [وجهُ] (٤) القراءة، وبه كان يقرأُ
стр. 2421
أصحابُ عبد الله (١).
قال أبو الفتح: هذا كلُّهُ من كلام ابنِ الأنباري، وفيه ما يُحتاج إليه في ذلك (٢).
الثامنة والخمسون بعد المئة: في وجهٍ آخرَ من الاعتذار عن قراءة الجر، وتخريجِ وجهها، وأنها لا تتعيَّنُ لإيجابِ المسح، ذكره أبو البقاء العُكْبَرِي، وهو أن يكونَ جرَّ (الأرجل) بجاِرٍّ محذوفٍ تقديره: وافعلوا بأرجلكم غسلاً، وحذفُ الجارِّ وإبقاءُ الجرِّ جائرٌ، قال الشاعر [من الطويل]:
مَشَائيمُ ليسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيْرَةً ... ولا نَاعِبٍ إلا بِبَيْنٍ غُرَابُهَا (٣)
وقال زهير [من الطويل]:
بَدَا ليَ أني لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... ولا سَابِقٍ شَيْئاً إذَا كَانَ جَائِيَا (٤)
стр. 2422
فَجَرَّ بتقديرِ الباء، وليس بموضعِ ضرورةٍ (١).
التاسعة والخمسون بعد المئة: في وجهٍ آخرَ في الاعتذار عن قراءة الجر: أنَّ العربَ قد تجمعُ في العطف بين شيئين باعتبار فِعْلٍ عَمِلَ فيهما، وهو صالحٌ لأحدِهِما دونَ الآخر بنفسه؛ إما اعتباراً بالمعنى الأعمِّ مع التضمين، وإما حذفًا للعامل فيما لا يصلحُ للعمل: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦] والأبناءُ لا يُخَرجُ منهم، وذلك للاشتراك في معنى أعم، وهو الإبعادُ، وقال الشاعر [من الرمل]:
يُسْمِعُ الأَحشاءَ مِنْهُ لَغَطًا ... ولليدين حُيَيئَةً وَبَدَادًا (٢)
والحييئة والبدد لا يُسمعان بل يُرَيان، وذلك لاشتراكهما في الرؤية أو العلم.
وقال [من مجزوء الكامل المرفّل]:
مُتَقلِّداً سَيْفاً ورُمْحا (٣)
والرمحُ لا يُتقلَّد، وذلك لاشتراكهما في معنى التسلح، وقال [من الوافر]:
إِذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا (٤)
стр. 2423
والعيونُ لا تُزَجَّج، بل تكحَّل؛ للاشتراك في معنى التَّزَيُّن، وقال [من الطويل]:
تَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وَعَيْنَيْهِ إنْ مَوْلاهُ ثَابَ لَهُ وَفَرْ (١)
ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ ذلك يختصُّ بتأخير ما لا يُستعمَلُ الفعلُ فيه، لِيَتبع لما تقدم، فإنَّا قد وجدناه متقدمًا، قال [من الطويل]:
عَلَيْهنَّ فِتْيانٌ كَسَاهُنَّ مُحْرِقٌ ... وَكَانَ إذا يَكْسُو أَجَادَ وأكرَمَا
صَفَائِحَ تَسْرِي أَخْلَصَتْهَا قُيونُها ... ومُطَّرِداً مِنْ نسجِ داودَ مُبْهَمَا (٢)
ولا تُستعمَلَ الكُسْوَةُ في السيوف، وإنما تُستعمَلُ في الدروع؛ لأنها تُلبس كما تُلبس الكُسوةُ من الثياب، وقال الحُطيئة [من الطويل]:
سَقَوا جَارَكَ الَعَيْمَانَ لمَّا جَفَوْتَهُ ... وقَلَّصَ عن بَرْدِ الشَّرابِ مَشَافِرُه
سَنَامًا ومَحْضًا أَنْبَتَا اللَّحْمَ فَاكْتَسَتْ ... عظَامُ امْرِئٍ مَا كَانَ يَشْبَعُ طائِرُه (٣)
стр. 2424
والسنامُ لا يُسقى.
إذا ثبتَ هذا كُلُّه دلَّ على أنَّ العطفَ بين الشيئين يُستعمَلُ مع اختلاف المعنى؛ كما في النظائر، فيكون عطفُ (الأرجل) على (الرؤوس) مع اختلاف المعنى في كون الرؤوس ممسوحة، والأرجل مغسولة، من هذا الباب، والله أعلم.
الستون بعد المئة: القائلون بالمسح يحتاجون إلى الاعتذار عن قراءةِ النصب، وكلُّ واحدٍ من الفريقين يحتاج إلى ترجيح ما ذهبَ إليه من التأويل على ما ذهب إليه خصمُهُ، والذي ذكروه في الاعتذار عن قراءة النصب: أنها محمولةٌ على العطف على الموضع، كما يقال: لست بقائمٍ، ولا قاعداً، بالنصب على موضع (قائم)، وإن في الدار زيدًا وعمرو، بالرفع عطفًا على الموضع، ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، قال [من الوافر]:
مُعَاوي إنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بالجبال ولا الحَدِيْدا (١)
اقتضب الجبال عن الحديد، وقال [من البسيط]:
هَلْ أَنْتَ بَاعِثُ دِيْنَارٍ لِحَاجَتِنَا ... أَوْ عَبْدَ رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بْنِ مِخْرَاقِ (٢)
стр. 2425
فنصب (عبدَ ربٍّ) محمولاً على الموضع؛ لأن الأصل: باعثُ ديناراً.
وأبعدُ منه العطفُ على المعنى، قال الشاعر [من البسيط]:
جِئْني بِمِثْلِ بَني بَدْرٍ لِقَوْمِهم ... أَوْ مِثْلَ إِخْوَةِ مَنْظُورِ بنِ سَيَّار (١)
بنصب (مثلَ)؛ لأن المعنى: هات مثلهم، أو أعطني مثلهم، فنصب (مثل) بهذا، وهو شائع كثير، وهو أصلحُ (٢) من حمل الجرِّ على الجوار؛ فإنهُ لا يُساويه في الكثرة، وأما باب:
وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيُونَا
فهو أكبرُ من الجرِّ بالمجاورة، ونُقِلَ عن جماعة.
قال الواحدي في "وسيطه": وقال جماعة من أهل المعاني: (الأرجلُ) معطوفةٌ على (الرؤوس) في الظاهر، لا في المعنى، وقد ينسقُ بالشيء على غيرِه، والحكمُ فيهما مختلفٌ، كما قال الشاعر [من مجزوء الكامل المرفّل]:
стр. 2426
يَا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدَا ... مُتَقَلِّداً سَيْفًا ورُمْحا (١)
والمعنى: حاملًا رمحًا، وكذلك قول الآخر [من الرجز]:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بارِدًا (٢)
المعنى: وسقيتها ماءاً، كذلك المعنى في الآية: وامسحوا برؤوسكم، واغسلوا أرجلكم، فلما لم يذكر الغسل، عطفت (الأرجل) على (الرؤوس) في الظاهر.
أجاب الفقيهُ أبو الفتح الشريف من وجوه:
منها: أنَّ الذين قرؤوا بالنصب، ذكروا أنه رجع إلى الغسل، كذا روي عن غير واحد منهم، من ذلك ما ذكره الفراء في "معانيه" عن قيس بن الربيع، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: أنه قرأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب مقدم ومؤخر، وعن الكسائي في "معانيه": مَنْ نَصَبَ ردَّ إلى الغسل، ومثله عن جماعة من التابعين، وهم أعرفُ بما تلقوه عن أصولهم، لا سيما والأمرُ الذي تضمنته الآيةُ مما تعمُّ به البلوى، ويشتركُ فيه الخاصةُ والعامة.
قلت: ليس هذا بالقوي، فإنَّ تأويلَ البعض لا يمنعُ من حملِ اللفظِ على ما يجوزُ حملُهُ عليه لغةً، لا سيما ولم تحصل حكايةُ
стр. 2427
التأويل عن جميع القَرأة بالنصب.
ومنها: أن هذا توسُّعٌ، فيجوز، والظاهرُ والحقيقةُ يوجبان عطفَهُما على اللفظ، لا الموضع، كما أنَّ الظاهرَ في القراءة بالجر عطفُ (الأرجل) على (الرؤوس) في الحكم، وإنما عُدِلَ إلى الإعرابِ بالمجاورة، والتفريقِ بين العضوين في الحكم للدليل.
قال: والذي يبين ذلك ما حكاه أبو عبد الله، عن المفضل بن سلمة: أنه مُستنكَرٌ عند أهل اللغة أن يقول القائل: رأيت زيدًا، ومررت بخالدٍ، وبكراً، فاستُنكِرَ ذلك حين كان الظاهرُ حملَهُ على العامل اللفظي، وقد اعتُرِضَ بينهما بجملة لغير فائدة، ولو كان الظاهر حمله على الموضع (١) مع تقدم العامل اللفظي لم يُسْتَنْكَرْ، ولقيل: تقديره: رأيت زيدًا وعمراً، ومررت بخالد وبكر، لو لم يتقدمْهُ العاملُ.
ومنها: أنَّ في قول القائل: (فلسْنَا بالجبالِ)، الباء زائدة، والمعنى: فلسنا الجبالَ، وكذلك قوله: لست بقائم، وخَشَّنْتُ بصدره، الباء فيها زائدة، المعنى: لست قائمًا، وخَشَّنْتُ صدره (٢)، فيستوي العطف على لفظه، والعطفُ على موضعه في المعنى، والباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ليست بزائدة للتوكيد، وإنما هي للتبعيض، فيختلفُ العطفُ على لفظها، والعطفُ على موضعها في الحكم،
стр. 2428
ويفيدُ العطفُ على اللفظ بعضَ القَدَم، ويفيدُ العطفُ على الموضع وجوبَ المسح جميع القَدَم كلّها إلى الكَعْب، وهم لا يُوجبون مسحَ جميعِ القدم، بل أكثرُ ما يوجبونَهُ منه أن يضعَ كفَّهُ على الأصابع، فيمسحها إلى ظاهر القدم، وكذلك في الرأس لا يوجبون منه أكثر من مسح ثلاثة أصابع، ومنهم من قال: أقلُّ ما يُجزِئُ في مسح الرأس قدرُ إصبع واحدة.
والذي يبيِّنُ صحةَ هذا الفرق ما ذكره الشريفُ عَقيبَ كلامِه الذي حُكِيَ عنه في هذا الفصل، فقال: ومثله: مررت بزيد، وذهبت إلى عمرو، ولك أن تعطفَ فتقول: مررت يزيد وخالداً، وذهبت إلى عمروٍ وبشراً؛ لأنَّ موضعَ (بزيد) وإلى (عمروٍ) نصبٌ، وإن لم يجزْ أن نُسقطَ حرفَ الجر، فنقول: مررت زيدًا وذهبت عمرو، إلا أنه لما كانَ معنى مررت وذهبت: لقيت وأتيت، جاز أن تعطفَ فتقولَ: وخالداً، أي: وأتيتُ خالداً، وتكون (مررت) دالة على (أتيت). أو ليسَ هذا تصريحًا بأنه إذا حمل قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على موضع ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ يكون التقدير: وامسحوا أرجلكم إلى الكعبين.
وقد قال الشريف في هذا الكتاب: إنَّ الباءَ في مسح الرأس يقتضي التبعيض، فيلزمُهُ إذا قَدَّرَ إسقاطَ الباء في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أن يُوجِبَ مسحَ القدمين إلى الكعبين، وهو لا يُوجِبُ ذلك، فأين التوثيق بين القراءتين؟ وأين هذا الاستعمالُ من استعمال مَنْ حمل القراءةَ بالجر على الإعراب بالمجاورة، وأوجبَ بها ما أوجبَهُ بالقراءة المنصوبة سواء؟
стр. 2429
ومنها: أنه إنما حُمِلَ قولُهُ: (ولا الحَديدا)، على الموضع؛ لأنه لم يكنْ هناك عاملٌ لفظيٌّ يمكنُ حملُه عليه، وكذلك: ليس زيد بقائم، ولا قاعدًا، وخشَّنْتُ بصدرِه، وصدرَ زيدٍ، وكذلك البيتان الآخران:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا
و:
جئني بمثلِ بَنِي بَدْرٍ لقومهم
لأنهُ ليس في شيء من ذلك ما يُحمَلُ النصبُ عليه إلا الموضع، وليس كذلك [في] (١) قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في القراءة بالنصب؛ لأنه قد تقدم (٢) عاملٌ لفظي، فكانَ الظاهرُ حملَهُ عليه، لا يُطلبُ حملُهُ على غيرِه، ومثال ذلك: رفعهم المفعول إذا لم يُسمَّ فاعلُهُ، فلو ذهب ذاهبٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص: ٤٣] , إلى أن موسى في موضع رفع اعتبارًا بقوله جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ٤٨] لكان كلامُهُ لغوًا، وكذلك لا يلزمُ العطفُ على العامل مع تقدم العامل اللفظي، وإن لزم ذلك إذا لم يكنْ وجهٌ غيره، وأما [في] (٣) قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦] قرأه أبو عمرو وعاصم: ويذرهم بالياء والرفع،
стр. 2430
وقرأه حمزة والكسائي: (ويذرهم) بالياء والجزم، وقرأه ابن كثير، ونافع، وابن عامر: (ونذرهم) بالنون والرفع (١)؛ فمن قرأ بالجزم عطفَ على موضع الفاء، ويكون الجوابُ عنه ما تقدم، وهو أنه لا يمكنُ حملُهُ في الجزم على غير ذلك، ومن رفع فعلى الاستئناف؛ لأنه يمكنُ ذلك فيه، فلا يُطلَبُ لهُ وجهٌ غيرُهُ، وقول القائل: إن تأتني فلكَ درهمٌ، وأكرمْكَ، فيجوز في (أكرمك) الوجهان، والكلامُ فيه مثلُهُ في الآية، وقول القائل: إن زيدًا منطلقٌ، وعمراً، وعمروٌ، مَنْ نصبَ عَطَفَه على اللفظ، ومَنْ رفعَ فعلى ثلاثة أوجه: العطفُ على موضع (إن)، والعطف على المضمر في (المنطلق)، والابتداءُ وإضمارُ الخبر.
والجوابُ: أنهم لما طلبوا وجهَ الرفع؛ لأنه لم يمكنْ ردُّهُ إلى اللفظ، ألا ترى أنه حين أمكنَ العطفُ على اللفظ، وهو في حال النصب، لم يُحمَلْ إلا عليه؟
الحادية والستون بعد المئة: قد ذكرنا حاجةَ كلِّ واحد من الفريقين إلى ترجيحِ ما ذهبَ إليه من العمل في الآية الكريمة؛ أعني: مما يدل على المسح ومما يدل على الغسل، وهذا الترجيحُ على قسمين: الترجيحُ بين الحملِ على الجِوار، والحملِ على العطف على الموضع، ولا شك أن العمل في العطف على الموضع أشهرُ من الحمل على الجِوار، وقد أُبديَ معارضٌ في هذا المحلِّ المخصوص
стр. 2431
يقتضي (١) مرجوحيةَ العمل على الموضع في قراءة النصب، وقد ذكرنا ما قيل فيه سؤالًا وجوابًا.
وقد أرادَ ترجيحَ العمل على الجوار بعضُ مَنْ ذهبَ إلى الغسل، وقال قولًا يمكن أن يُرجَّحَ به، مع تسليم كثرة العمل على العطف، فقال: ولو كانَ كلُّ واحد من الأمرين في حدِّ الجواز، وفي الصرف إلى أحد الجائزين إيجابُ التناقض بين القراءتين، وفي الصرف إلى الجائز الآخر، وهو المجاورة، تحقيقُ الموافقة، [وكتاب الله تعالى يوافقُ بعضُهُ بعضًا، لا أنه يُخالف ويناقض، فكان الصرفُ إلى ما فيه موافقةٌ] (٢) أولى، وكذلك الأخبارُ وردت بوجوب غسلِ الأرجل في قولهِ ﵇: "وَيْل للأعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (٣)، ونحوه، مؤيدةً لما قلنا.
الثانية والستون بعد المئة: وقد سلَكَ طريقَ التوفيقِ بين القراءتين، فعيَّنها الشريفُ في تقرير رأيِهِ، فقال: على أنَّ حملَ (الأرجل) على حكم (الرؤوس)، وعطفَهَا بالنصب على موضعها في الإعراب، أولى من عطفها على الأعضاء المغسولة من وجه آخر، وهو أنَّا قد بيَّنا أنَّ القراءةَ بالجرِّ تقتضي المسحَ، ولا تحتمِلُ سواه، فالواجبُ حملُ القراءة بالنصب على ما يطابقُ معنى القراءة بالجر؛ لأن قراءةَ الآيةِ
стр. 2432
الواحدةِ بحرفين تجري مجرى آيتين في إيجاب المطابقة بينهما، ومتى جعلْنا (الأرجل) معطوفةً بالنصب على (الأيدي) لم تتطابقِ القراءتان، فاطَّرحنا حكمَ القراءة بالجر، وإذا جعلناها معطوفةً على موضع (الرؤوس) تطابقتا، فكان (١) هذا أولى.
عَكَسَه الفقيهُ عليه بأن قال: إنَّ القراءةَ بالجرِّ تحتملُ أن تكونَ على وجه المجاورة، ويكون الفرضُ الغسلَ، والقراءةُ بالنصب ظاهرةٌ في وجوب الغسل، والقراءتان كالآيتين في وجوب المطابقة بينهما، ومَتى حُمِلَت القراءةُ بالجر على إيجاب المسح لم تتطابقِ القراءتان، وإذا حُمِلَت [على] (٢) المجاورةِ مع أنْ الفرضَ الغسلُ، تطابقتا (٣)، فكان هذا أولى.
وهذا الذي ذكره الفقيهُ مبنيٌّ على تجويز العطف على المجاورة، وظاهرُ كلام الشريف يمنعه؛ لقوله: لا يحتمل سواه.
وقال أيضًا: معلومٌ أنْ استعمالَ المجاورة ليس كاستعمال العطف على الموضع، وأنَّ ذلك شاذٌّ نادر، لا يُقاسُ عليه، وهذا جائزٌ مستحسنٌ مُستعمل، لا على سبيل التَّجوُّزِ والامتناع.
أجابَ الفقيه بأنَّ العطفَ على الموضع مع تقدم لفظٍ يمكن
стр. 2433
العطفُ [عليه] (١) مُسْتبعدٌ، واستعمالُ المجاورة مع وجودِ الدلالةِ على المقصود مُسْتَحْسَنٌ.
قال: فمن شواهد الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] , ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾ [المائدة: ٥٧] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الأنعام: ٩٩].
ورَدَّ العلماءُ بهذا الشأن المنصوبَ على اللفظ، لا على الموضع.
وذكر من شواهد الثاني: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]، في القراءة بالجر، و:
إذا مَا الغَانِيَاتُ ... البيت
و:
يا لَيْتَ بَعْلي قَدْ غَدَا ... البيت
ولقائلٍ أن يقولَ: إثباتُ الجر بالمجاورة مُشكِلٌ؛ لأنَّ مواضعَ الاستشهاد؛ إمَّا أن تحتملَ الحملَ على غير المجاورة، أو تتعيَّنَ.
فإنِ احتملت سقطَ الاستدلالُ على طريقتهم، أو (٢) احتيجَ إلى
стр. 2434
بيان الظهور فيما يُدَّعَى من العمل على الجواز.
وإن تعيَّنَ الحملُ على الجواز، فيمكنُ أن يُدَّعَى أنَّ الموجبَ للحمل هو التعيّن، ولا يُساويه ما لا يتعيَّنُ للحمل على المجاورة، لكنَّ دعوى الشريف: أنه لا تحتملُ القراءةُ بالجر إلا المسحَ، مردودةٌ؛ لأنه لو تمَّ له إبطالُ العمل على المجاورة، لم يلزمْ منه عدمُ احتمالِ الحملِ على ما لا يقتضي المسحَ من وجه آخر، وهو ما تقدَّمَ من قول الشاعر:
وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا
وبابه، والله أعلم.
الثالثة والستون بعد المئة: قال الشريفُ: وكذلك معلومٌ أنَّ العُرفَ في الشريعة يمنعُ من استعمال المسح بمعنى الغسل؛ فإنَّ الظاهرَ من إطلاق الأمرين اختلافُ معناهما.
قال الفقيهُ: الجوابُ؛ أن يقال: العرفُ في الشريعة: أنَّ المسحَ غيرُ الغسل؛ كما أنَّ العُرفَ في اللغة: أنَّ الترجيجَ غيرُ الكحل، وأنَّ الشربَ غيرُ الأكل، والرؤية غير السمع، ثم حَسُنَ أن يقول:
وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ وَالعُيُونَا
يريد: وكحَّلن العيونَ، على تقدير: وزَيَّنَّ الحواجبَ والعيونا؛ لأن التزيينَ قد يتضمَّنُ (١) معنى الترجيج، ومعنى الكحل.
стр. 2435
ويقول:
سقوا جارك العيمان ...
وذكر البيتين، قال: ويريد: المعموه سنامًا، على تقدير: قروه سنامًا ومحضًا؛ لأن القِرَى قد تضمَّنَ معنى الإطعام، ومعنى السقي.
ويقول:
يُسْمِعُ الأحشاءَ منه لَغَطًا
وذكر البيت، قال: ويريد: وترى لليدين مثلَ ذلك، على تقدير: تحسُّ منه كذا وكذا؛ لأن الإحساسَ قد تضمَّنَ معنى الرؤية، ومعنى السمع.
كذلك حَسُنَ أن نقول: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] , ويكون المراد: واغسلوا أرجلَكُم، على تقدير: وأمِرُّوا الماء على رؤوسكم وأرجلكم؛ لأن الإمرارَ قد تضمَّنَ معنى المسح، ومعنى الغسل.
الرابعة والستون بعد المئة: وذكر الشريفُ معنى آخر، وهو [أنَّ] (١) حملَ القراءةِ بالنصب على الغسل تركٌ لظاهرٍ لا إشكالَ فيه، وهو إعمالُ الأبعد من العاملين، وتركُ الأقرب، فكيف يسوغُ أن يُعدلَ عن ظاهر القراءة بالجرّ، ويحملَها على توسُّعٍ وتجوُّزٍ؛ لِتُطَابِقَ معنى النصب الذي ما تَمَّ إلا بعد عدول عن ظاهر آخر؟ بل الأولى أن يَحمِلَ
стр. 2436
القراءتين على ظاهرهما، فتكونا معا مُفيدتين للمسح دونَ الغسل.
أجاب الفقيه بأنه قد تبيَّنَ أنَّ في حمل القراءة بالنصب على المسح تركًا لظاهر لا إشكالَ فيه، وهو الحملُ على الموضع، وتركُ (١) اللفظِ والمخالفة بين المعطوف عليه ظاهراً في الحكم، فكيف يسوغُ أن يُعدلَ عن ظاهر القراءة بالنصب، ويحملَها على توسعٍ وتجوُّزٍ؛ لتطابقَ لفظ القراءة بالجر، مع احتمالِ أن يكونَ معناها معنى القراءة بالنصب، بل الأولى أن يحمِلَ القراءةَ بالنصب على ظاهرها، والقراءةَ بالجر المحتملةَ على موافقةِ المنصوبة، فتكونا مفيدتين الغسلَ دونَ المسح.
قال: ثم يرجَّحُ حملُ القراءتين جميعًا على الغسل بما مضى ذكره من التنبيه (٢) والبيان؛ فالتنبيهُ: أنه لما وجبَ غسلُ اليدين مع بُعدهما من الوسخ، كانت الرجلان مع قُربهما من الوسخ بوجوب ذلك فيهما أولى.
ثم قال: والبيانُ: أنه لما حدَّ اليدين أوجبَ غسلَهُما، وكانت الرجلين محدودتين، عُلِمَ أَنَّ الواجبَ فيهما الغسلُ.
قال: وما أورده الشريفُ على الاحتجاج بالتحديد (٣) قد تقدَّمَ الجوابُ عنه، وأيضًا، فإنَّ مَنْ حملَهُما على الغسل أوجبَ بكلِّ
стр. 2437
واحدةٍ مُقتضاها من غسل الرجلين إلى الكعبين، ومَنْ حَمَلَهُما على المسح لم يفعلْ ذلك؛ لأن تقديرَ القراءة بالنصب عنده، إذا حملها على موضع الباء: امسحوا أرجلَكُم إلى الكعبين، فيقتضي أن يمسحَ جميعَ القدم، وهو لا يوجبُ مسحَ باطن القدم، ولا مسح جانبيهما.
قلت: أما أمرُ التحديد فقد تقدَّمَ أمرُ استضعافنا له، وكذلك الترجيحُ بمناسبة الغسل التي ذُكرت، ولكن الذي ذكره الفقيهُ آخِرًا قويٌّ في الردِّ، وطريقُهُ أن يقالَ للشيعي: حملُ العطف على (الرؤوس) كما ادَّعيتم، يلزمُ منه أمر، فيمتنع.
بيانه: أنه يلزمُ منه وجوبُ مسح الرجلين إلى الكعبين، وذلك خلاف الإجماعِ مني ومنك؛ لأني قائل [بوجوب الغسل، وأنت قائلٌ بوجوب المسح، لكن لا إلى الكعبين، فالقولُ] (١) بوجوب المسح إلى الكعبين الذي يوجبه ما ذكرتَ من حمل العطف على (الرؤوس)، مخالفٌ للإجماع مني ومنك، امتنع حملك عليه.
وهذا الذي ذكرناه وقوَّيناه، إنما هو مكايلةٌ للشيعي، لا لابن جرير، والظاهري، وسيأتي الكلام عليهما.
قال الفقيه: وأيضًا فإنَّ [في] (٢) حملِهِما على الغسل الاحتياطَ للطهارة والصلاة؛ لأنَّ الغسلَ يأتي على المسح ويزيدُ عليه، قال أبو
стр. 2438
زيد: المسحُ عند العرب: غسل خفيف، والمسحُ لا يأتي على الغسل، فيكون الحظر في الغسل، أن يكون قد تمكن من إسقاط فرضه بالمسح، فعَدَل إلى الغسل، وذلك غيرُ مانع من سقوط الفرض؛ كمنْ تركَ الاستنجاءَ بالأحجار إلى غسل ذلك الموضع بالماء، ومن ترك التيممَ، وغَسَلَ الأعضاءَ مع حاجته إلى الماء لشربه، أو إلى ثمنه الذي يشتريه به لكفايته، والحظر في المسح: أنْ يكونَ قد تركَ ما هو شرطٌ (١) في ارتفاع حدثه، وذلك مانع من إجزاء وضوئهِ، وصحةِ صلاته.
وقول الشريف: الغسلُ مخالفٌ المسحَ، إلى آخر ما ذكره في هذا الفصل، يلزمُهُ عليه: تركُ الاستنجاءِ إلى غسل الموضع بالماء، وتركُ التيممِ إلى غسل الأعضاء، وتركُ الاقتصارِ على مسح بعض الرأس إلى الاستيعاب، فإنَّ كل شيءٍ من ذلك مخالفٌ لصاحبه في الاسم، وهو قائم مقامَهُ في الإجزاء.
الخامسة والستون بعد المئة: قد تقدَّمت الإشارةُ إلى الفَرق بين العطف على الموضع حيثُ يتعذَّرُ العطف على اللفظ، وبين العطف على اللفظ حيثُ يكونُ ثمَّ عاملٌ لفظي للنصب، فردَّ ذلك بعضُ الشيعة، وطالبَ خصمَهُ بإيراد جملتين في كلام العرب ثبتَ في إحداهما عامل للنصب بالصريح، وثبت في الأخرى عاملُ الخفض بالصريح، فعطفوا في جملة المجرور بلفظ النصب، وأرادوا به عطفَهُ
стр. 2439
على الجملة الأولى، قال: بل يطالبه بإيراد الجملتين المذكورتين على حال، فلا يجد إلى ذلك سبيلاً، فأُوْرِدَ عليه قولُ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥٧] فقيل: إنه في معنى ما أنكرَهُ، وادَّعى أنه لا يوجد السبيل إليه، وذلك أن قوله: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ قرأه أبو عمرو، والكسائي بالجر عطفًا على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: ومن الكفار، وقرأه الباقون من الأئمة السبعة ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ بالنصب (١)، وانتصابُهُ بالعطف على ما عمل فيه العاملُ اللفظي، وهو قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ دونَ موضع ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
قال الفَرَّاء في "معانيه": من نَصَبَها رَدَّها على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾؛ أي: ولا تتخذوا الكفارَ أولياء.
وقال الزجَّاجُ في "معانيه": النصبُ فيه على النَّسق على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ ولا تتخذوا الكفار أولياء (٢).
فقد ثبتَ بقول إمام الكوفيين في النحو، وإمام البصريين فيه، العطفُ بلفظ النصب عقيبَ المجرور على منصوبٍ متقدِّم، وتركُ العطف على موضع الجار والمجرور، والله أعلم.
السادسة والستون بعد المئة: ادَّعى الشريفُ أنَّ العطف على الموضع مستحسنٌ في لغة العرب، جائزٌ؛ لا على سبيل الاتّساع
стр. 2440
والتجوُّز، والعدول عن الحقيقة، وأن المتكلمَ مخيّرٌ بين حمل الإعراب على اللفظ تارةً، وبين حمله على الموضع أُخْرى.
فرد عليه الفقيه: بأن هذا دعوى مجردةٌ عن برهان، وللخصم أن يقول: بل لا تفعل العرب ذلك إلا تجوُّزًا واتّساعاً، وإنما الحقيقةُ تتبُعُّ اللفظِ اللفظَ، لا الموضعَ، وذكر قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] فذكر أبو إسحاق الزجاج، وغيره من العلماء بهذا الشأن: أن قوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ منسوق على قوله: ﴿خَضِرًا﴾ أي: وأخرجنا من الماء خَضِرًا وجنات (١)، ولم يقولوا: أنها تحمل على الموضع (٢) ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ إن كان موضعهُ نصباً؛ لأن النخلَ مما أخرجه أيضًا، ألا ترى أنه قال في الآية: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾؟ أي: وأخرجنا منه شجر الزيتون والرمان، مع أن هذا أقربُ إليها من غيره، فأخرجنا منه خضراً، فثبت أن العطفَ على اللفظِ أصلٌ، وعلى الموضعِ تجوُّزٌ.
قلت: الذي ادَّعاه الفقيه من أن الحقيقةَ العطفُ على اللفظ، صحيحٌ، والاستعمالاتُ المذكورةُ في العطف على الموضع لا تدل على الحقيقة، والذي ذكره الفقيه أيضًا من الآية والحمل على العطف
стр. 2441
على اللفظ، مع إمكان العطف على الموضع بمجرده، لا يدل على الحقيقة، لكنَّه أقربُ في الدلالة من ادّعاء التَّساوي، للعدول عن العطف على الموضع، مع قيام الدليل الراجح على العمل على الموضع، وهو القربُ، مما يؤكّدُ دعوى الحقيقةِ في العمل على اللفظ.
السابعة والستون بعد المئة: رجَّح الشرِيْفُ حملَ العطفِ على موضع (الرؤوس)، على العطف على الأيدي والوجوه في الغسل؛ بأن الكلامَ إذا حصل فيه عاملان: أحدُهما قريبٌ، والآخرُ بعيدٌ، فإعمالُ الأقربِ أولى من إعمال الأبعد، قال: وقد نصَّ أهلُ العربية على هذا، فقالوا: إذا قال القائلُ: أكرمني وأكرمتُ عبدَ الله، وأَكْرمتُ وأَكرمني عبدُ الله، فحمل الاسم المذكور بعد الفعلين على الفعل الثاني أولى من حملِه على الأول، فإن الثاني أقرب إليه، وقد جاء القرآن وأكثرُ الشعر بإعمال الثاني، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: ٧] وقال: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] , وكذلك ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] كل ذلك بإعمال الثاني دونَ الأولِ؛ لأنه لو أعمل الأولَ لقال: كما ظننتموه، وآتوني أفرغه، وهاؤم اقرؤوه (١) كتابيه؛ لأن المعنى: آتوني قطراً أفرغه عليه، وكذلك هاؤم كتابيه، وقال الشاعر [من الطويل]:
стр. 2442
قَضَى كلُّ ذي دَينِ فوفَّى غَريمَهُ ... وعزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنَّى غَريمُها (١)
فأعمل الثاني دون الأول؛ لأنه لو أعمل الأول لقال: قضى كُلَّ ذي دين فوفَّاه غريمُه، ومما أُعمِل فيه الثاني أيضًا قول الشاعر [من الطويل]:
وكُمْتا مُدمَّاةً كأنَّ مُتونَها ... جَرى فوقَها واستَشْعَرتْ لونَ مُذْهَبِ (٢)
ولو أَعملَ الأولَ لرفعَ لونًا، وفي الرواية هو منصوب، ومثلُه للفرزدق [من الطويل]:
ولكنَّ نِصْفًا لو سَبَبْتُ وسبَّنِي ... بَنُو عبدِ شَمسِ مِنْ مُنَافٍ وهَاشِمِ (٣)
وقال: بنو؛ لأنه أعمل الثاني دون الأول.
عارض الفقيهُ الترجيحَ الذي ذكره الشريف بأن قال: لو جاز عطف قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب على موضع ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، وعلى قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾، لكان عطْفُه على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ أولى؛ لأن هذا عطْفٌ على اللفظ، والآخر ليس بعطف
стр. 2443
على اللفظ، فجرى أحدهما مع الآخر مجرى المُفسِّر مع المُجْمَل، والحقيقةِ مع المجازِ، ولا يقدح في ذلك أن اللفظ أبعدُ من الموضع، الذي بيَّنَ (١) ذلك: قولُهُ تعالى، وذكر الآيتين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾ [المائدة: ٥٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام: ٩٩] وأجاب عن إعمال الأقرب، الذي ذكره الشريف، واستشهد عليه بأن قال: إن شيئًا من ذلك لا يوجب أن يكون الأمرُ على ما قاله، وذلك أنه ليس في شيء مما ذكره معطوفٌ تقدَّمَه أمران؛ أحدهما من جهة اللفظ، والآخر من جهة الموضع، فترك حمله على اللفظ إلى حمله على الموضع.
قال: ثم يقال: كيف ادَّعى نصَّ أهلِ العربية على ما ذكروه، وقد يعلم أن هذا بابٌ قد اختلف فيه الكوفيون والبصريون، وشَرْحُ ذلك أنَّ القائلَ إذا قال: ضربت وضربني زيد، فالاختيار عند البصريين إعمال الثاني؛ لأنه أقرب إلى الاسم، وعند الكوفيين إعمال الأول؛ لأنه أسبق، فإعمال الثاني على تقدير: ضربت زيدًا، وضربني زيد، إلا أنَّك حذفت المفعولَ من الأول، مستغنيًا بما دل عليه بعدَه، وإعمالُ الأول على تقدير: ضربتُ زيدًا، وضَرَبَني، فتضْمِر في (ضربني) ما يرجع إلى (زيد)، ويكون فاعلاً لضربني، ثم ذكر الفقيهُ شواهدَ على إعمال الأول؛ منها قول عمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:
стр. 2444
إذا هِيَ لم تَستَك بِعُودِ أرَاكة ... تُنُخِّل فاسْتاكت به عُودُ إسْحِلِ (١)
قلت: فسر الإسحل بأنه شجر يشبه الأَثْلَ، ينبت بالحجاز، قصبانُه سمر مستوية لطيفة تشبه كان المرأة، قال امرؤٌ القيس [من الطويل]:
وتعطو برَخْصٍ غيرِ شَثْنٍ كأنَّهُ ... أساريعُ ظَبْيٍ أو مساويكُ إِسْحِلِ (٢)
وأطرافه من أحسن المساويك، والشاهد في البيت الأول: إنما يتمُّ إذا كان (عودُ) مرفوعًا وهو المعروف، وقد قيل: إنه يروى (عودَ) بالخفض، فيكون من إعمال الثاني، ويكون الضمير المستتر في (تنخِّل) إذ ذاك عائدًا على (عود إسحل)، والضمير المجرور بالياء عائدًا على ذلك الضمير، ووجِّه بغير ذلك، وذكر أيضًا [من الوافر]:
فَرَدَّ على الفُؤادِ هَوَى عَميدًا ... وسُوَئل لو يُبين لنا السُّؤالا
وقد نَغْنَى بها ونَرى عُصُورًا ... بها يَقْتَدْننَا الخُرُدَ الخِذَالاَ (٣)
فنصب الخرد والخذال بـ (نرى)، وعُصُوراً على الظرف، وذكر قول امرئ القيس، أنشد [من الطويل]:
стр. 2445
فلو أنَّ ما أَسْعَى لأَدْنَى معيشةٍ ... كَفَاني ولم أطلُبْ قليلٌ من المالِ
وقال [من الكامل]:
ولقد ترى تَغْنَى بها سَيْفَانةٌ ... تُصْبِي الحليمَ ومثلُها أَصْبَاه (١)
قال: امرأة سيفانة شطبة، كأنها نصل سيف.
قال: وقول الشريف في قول امرئ القيس: هذا شاذٌّ غيرُ مستحسن، دعوى محتاجةٌ إلى دليل.
قلت: هذا منهما اتفاق على أنَّ [قول] امرئ القيس من باب إعمال الأول، وهو الظاهر من كلام أبي علي، وأما سيبويه فإنه قال: وأما قول امرئ القيس: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... ، البيت، فإنما رفع؛ لأنه لم يجعل القليل مطلوبًا، وإنما المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافيا, ولو لم يرد ذلك، ونصب، فسد المعنى (٢).
وشرحه الشيخُ العلَّامةُ أبو عمرَ ابن الحَاجب في "شرحه لمقدمته"، فقال: إن من شرط هذا الباب أن يكون الفعلان موجَّهين إلى شيء واحد من حيث المعنى، ولو وجّه الفعلان ها هنا إلى شيء
стр. 2446
واحد، لفسد المعنى، فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني، ولم أطلب قليل من المال، و (لو) تدلُّ على امتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا كان بعدها مثبتٌ، كان منفيًا في المعنى، وإذا كان منفيًا، كان مثبتًا؛ لأنها تدل على امتناعه وامتناعُ النفيِ إثباتٌ، وإذا ثبت ذلك فقوله: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة، فلو وجِّه، ولم أطلب إلى قليل، لوجب أن يكون فيه إثبات لطلب القليل؛ لأنه في سياق جواب (لو) فيكون نافيًا [للسعي لأدنى معيشة، مثبتًا لطلب القليل من المال، وهو غير ما ثَبَتَ نفيُه، فيؤدي إلى أن يكون نافيًا مثبتًا] (١) لشيء (٢) واحد في كلام واحد، وهو فاسد، فثبت أنه ليس من هذا الباب؛ لما أدى إليه من فساد المعنى.
وأما أبو إسحاق ابن ملكون (٣)، فإنه حَمَلَ كلام أبي عليٍّ على ظاهره، وذكر أنه صحيحِ، وأن ما قال سيبويه أيضًا صحيح على وجهين مختلفين، ومأخَذيْن متمكِّنين، فقال: وتعقَّبَ على الفارسي جعلَه هذا البيت من الإعمال بعضُ من قلَّت بهذا العلم خبرتُه، ولم
стр. 2447
تعرض على تفهُّم أصوله فطرتُه، وليس كما زعم، بل البيت يحتمل تفسيرين، يُخرَّجُ على أحدهما قولُ سيبويه، ويخرج على الآخر قولُ أبي علي، وذلك أن (أسعى) و (أطلب) بمعنى واحد في البيت، إذ السعي قد يكون في اللغة بمعنى الطلب، قال [من الكامل]:
يسعى الفتى لينالَ أفضلَ سعْيِهِ ... هيهاتَ ذاكَ ودونَ ذاكَ خطوبُ (١)
ومعيشة في البيت، تحتمل أن تكون مصدراً، أو أن تكون اسمَ ما يُعاش به، وكأنها في قول سيبويه مصدر، وتقدير البيت على قوله: فلو أن طلبي لسيء عيش، كفاني قليلٌ من المال، ولم أطلب سيء العيش، وإنما أطلب الملك؛ لأنه قال [من الطويل]:
ولكنّما أسعى لمجد مُؤثَّل
قيل: وكأنه أراد جعله (أدنى معيشة) مصدراً أن يبين أن (أطلب) و (كفاني) غير متوجهين إلى (٢) معمول واحد، بل معمول كفى (قليل)، ومعمول (أطلب) سيء العيش، وقال في توجيه كلام الفارسي: وأما قول أبي علي، فيجوز على تقدير المعيشة مصدراً، أو اسم ما يعاش
стр. 2448
به، إلا أنك إذا قدرتها مصدراً، احتجت إلى تقدير حذف مضاف قبل أدنى، تقديره: لمديم أدنى عيش، فيكون تقدير البيت عنده، إذا جعلت (معيشة) اسمَ ما يعاش به: فلو أن طلبي لأدنى ما يعاش به؛ وهو القليل، كفاني ذاك (١) القليل، ثم قال: ولم أطلبه، أي: ولم أطلب ما ذكرته أولًا من قليلِ ما يُعاش به، وإنما أطلب الملك، فيكون القليل على هذا تعلَّقَ لكل واحد من العاملين، إلا أنه أعمل الأولى، وحذف معمول الثاني للضرورة، ونظير ذلك قول الفرزدق [من الوافر]:
وإنْ شِئْتُ انتسبْتُ إلى فقيمٍ ... وناسَبَني وناسَبْتُ القُرود (٢)
أي: ناسبتني، وناسبتهم القرود، وقول عاتكة بنت عبد المطلب [من مجزوء الكامل المرفل]:
بِعُكَاظَ يُعشي النَّاظريـ ... ـن إذا هُمُ لَمحُوا شُعَاعُهْ (٣)
ويكون تقدير البيت عنده، إذا جعلت (معيشة) مصدراً: فلو أن مطلبي لمديم سيء العيش، وهو القليل؛ لأن من لازم الإقلال، خالف سوء الحال، فيكون أيضاً العاملان في هذا الوجه متوجِّهَيْن على القليل من جهة المعنى.
قال أبو الحسن بن عصفور: وهذا الذي خَرَّجَ عليه الأستاذ أبو
стр. 2449
إسحاق كلام أبي علي من أنه أراد: كفاني قليل، ولم أطلب القليل. و [هو] (١) مذهب أبي سعيد السكري، ذكر ذلك فيما شرحه من قول امرئ القيس.
قال أبو الحسن: والصحيح أن البيت لا يجوز أن يكون من الإعمال، من جهة أن الإعمال لا يتصور، حتى يكون قوله: ولم أطلب، غير معطوف على جواب (لو)، وهو (كفاني)، ولا في موضع حال من مفعول (كفى)، إذ لو كان معطوفًا عليه، لكان جواباً لها أيضا؛ لأن المعطوف شريكٌ للمعطوف عليه، وإذا كان جوابها، كان التقدير: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة، لم أطلب قليلاً من المال، وذلك فاسد المعنى، ولو كان في موضع حال من مفعول (كفى)، لكان التقدير: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة، كفاني قليل من المال في حال أنني لم أطلبه، وذلك باطل؛ لأنَّ سعيَه إذا كان لأدنى معيشة، لم يكن القليلُ كافياً له، إلا في حال طلبِهِ إيَّاهُ، وإذا ثبت أن القليل إذا كان معمولاً لأطلب، لم يسغْ أَنْ يكونَ (ولم أطلب) معطوفاً على (كفاني)، ولا في موضع حال من مفعول (كفى)، بل مستأنفًا، كان الإعمال ممتنعاً؛ لأن الإعمال لا يتصور حتى يكون أحدُ العاملين مرتبطًا بالآخر؛ بعطف، أو بغيره، ألا ترى أنك لو قلت: ضربت، ضربني زيداً، لم يجز، لعدم ارتباط أحدهما بالآخر، وسبب ذلك: أن الإعمال قد يجيء فيه الفصل بين العامل والمعمول إذا أعملت الأول،
стр. 2450
والإضمار قبل الذكر إذا أعملت الثاني، واحتاج الأول إلى فاعل، أو مفعول لم يُسَمَّ فاعله، فلو لم تكن إحدى الجملتين مرتبطة بالأخرى، للزم الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، وهو غير جائز، وجعل مفسر ما أضمر قبل الذكر في كلام منقطع من الكلام، الذي الضمير منه، وهذا الإضمار إنما جاء فيما الجملتان فيه كالجملة الواحدة.
قال: ولهذا الذي ذكرته منع سيبويه، والله أعلم، أن يكون البيت من الإعمال، لا لما ذكره أبو إسحاق؛ بدليل قوله: ولو لم يرد ذلك، ونصب، فسد المعنى، فجعل نصف القليل مفسداً للمعنى، ولو أراد ما قاله أبو إسحاق، لم يعلل امتناع نصبه بفساد المعنى، بل كان ينبغي له أن يعلل امتناع نصبه بكونه قد قال أولًا: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة، ومعناه: فلو أن سعيي لأدنى عيش، والسعي هو الطلب، فينبغي أن يكون معمول (أطلب) (أدنى عيش) حتى يكون قد نفى ما فرض أولًا، وإذا جعل معمولَه القليل، لم يكن نافيًا ما فرض، وهو السعي لأدنى معيشة، بل ما يلزم عنه أدنى العيش، وهو السعي القليل (١)(٢).
قلت: وقد أطلنا الكلام على هذا البيت لشهرته، وشهرة تعليل المنع بما تقدّم، فجرَّ ذلك إلى اجتلاب اعتراضٍ على المشهور من وجه الامتناع، وهو كلامُ أبي إسحاق ابن ملكون، فاغتفرنا الإطالة،
стр. 2451
وإن كانت سبب المَلال، لغرابة الاعتراض، ودقة النظر في البيت، على أن كتابنا هذا ليس موضوعًا على الاختصار، فتُنْكَرُ الإطالةُ، إلا أن المُنْكَرَ (١) إطالةُ ما يقتضي المقصودُ خلافَه، أو يقتضي المعرف إنكاره، ومن ظريف ما بلغني في كراهة الإطالة - وإن كان الكلام عامّيًا - ما حدثنيه أحمد بن نصر الله الأديب، ما معناه: أن ابن قُدَيم - وهو المنعوت بأبي الشرف - المشهور من أدباء مصر عندهم، مدح جدّه (٢) المنعوت بالعلاء بقصيدة فيها مئة وأربعون بيتًا، ثم سأل الشرف (٣) الشاعر ولد العلاء المنعوت بالأسد، فقال: كيف رأيت القصيدةَ اللَّامية؟ فقال: مليحة، لو (٤) كانت إلَّا مِيَّة.
ثم نرجع إلى كلام الفقيه سُليم، قال: فأما قول الله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] فقرأه عاصم في رواية أبي بكر وحمزة موصولة، أي: جيئوني، وقرأه ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص والكسائي: (آتوني) ممدودة (٥)، وعلى هذا يحتمل أن يكون من المواتاة، وأن يكون من الإيتاء، فعلى الوجهين الأوَّلين لا يتعدى إلى مفعول ثانٍ، وعلى الوجه [الثالث] (٦)
стр. 2452
يصلح أن ينصب (قطراً) به، ويكون على حذف الهاء من (أفرغه) ويصلح أن ينصب (قطرًا) لا (أفرغ) على ما قاله، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: ٧]، وقوله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، يصلح فيهما الوجهان، وحذف المفعول لدلالة الكلام عليه كثيرٌ، قال الله تعالى: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣] وقرأ ابن عامر وأبو عمرو (يصدر الرعاء) - بفتح الياء وضم الدال - أي: حتى ينصرف الرعاء عن الماء، وقرأ الباقون من القراء السبعة (حتى يصدر) - بضم الياء وكسر الدال - أي: حتى يرد الرعاء غنمهم (١)، فحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وقد جاء ما هو أكثر من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] أي: كنتم تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولين جميعًا؛ لأن التوبيخ بالإشراك قد دل عليه.
قال الفقيه: وأما قول الشاعر [من الطويل]:
وكُمْتًا مُدَمَّاةً كأَن متونَها ... جرى فوقَها واستشعرتْ لَوْنَ مُذْهَب
فقد روي (لونَ مذهب) بالنصب على إعمال الفعل الثاني، و (لونُ مذهب) بالرفع على إعمال الفعل الأول، قال: والكمته: لون
стр. 2453
ليس بأشقر، ولا أَدْهَم، والمُدَمَّى من الخيل: الأشقر الشديد الحمرة، شبه لون الدم، وكُمَيت مُذْهَب: إذا عَلَتْ حمرتَه صفرةٌ، كأنه مُوِّه بالذهب، وأما قوله:
قضى كلُّ ذي دينٍ فوفَّى غريمَه
فيروى:
أرى كلَّ ذي دين يوفِّي غريمَه
ويكون لكل واحد من الفعلين مفعول خاص، ومن روى:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه
جعل (قضى) و (وفَّى) شيئًا واحداً، ففارق بذلك سائر الأمثلة، وأما قول الفرزدق [من الطويل]:
ولكنَّ نصفًا لو سببتُ وسبَّني ... بنو عبدِ شمسٍ من منافٍ وهاشمِ
فالكسائي يجيز أن تقول: بني عبد شمس بالنصب (١) على إعمال الأول، على خلاف ما اقتضاه كلامُ الشريف، وليس في المسألة اختلاف في الجواز والمنع، بل كلا الفريقين يجوِّز الأمرين، والاختلافُ إنما هو في الاختيار.
الثامنة والستون بعد المئة: قال الشريف: ولا خلاف بين أهل
стр. 2454
اللسان في أن القائل [إذا قال:] (١) ضربت عبد الله، وأكرمت خالداً وبشرًا، أنَّ ردَّ بشرٍ إلى حكم خالدٍ في الإكرام أولى من رده إلى حكم عبد الله في الضرب، هذا هو الظاهر المستحسن، وغيره مُستَقْبَح.
أجاب الفقيه: بأن هذا لا دليل فيه؛ لأنه إذا عطف وبشرًا على الذي يليه عطفه على اللفظ لا على الموضع، [و] (٢) هو إليه أقرب، فيكون أولى، وإذا عطف قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في القراءة بالنصب على الذي يليه عطفه على الموضع، وترك العطف على اللفظ، فيكون تاركًا لما هو أولى.
قال: وجواب آخر، وهو: أنه إذا قال: ضربت عبد الله، وأكرمت خالدًا وبشرًا، وهو يريد رد بشر إلى حكم عبد الله، يؤخر ما حقه أن يقدم، ويوقع الشبهة في المعنى لغير غرض صحيح، فيكون مُسْتَقْبَحًا، وليس كذلك قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] [فيمن] (٣) قرأ بالنصب؛ لأنَّ الظاهرَ حملُ المنصوب على المنصوب في اللفظ، لا على المجرور الذي موضعُه النصب، ولا تقع الشبهة في المعنى في (٤) تأخير ذكره، فكان مستَحسَنًا غير مستقبح.
стр. 2455
التاسعة والستون بعد المئة: مما ذُكر في تأويل قراءة الجر: حملها على المسح على الخفين، وربما جعل طريقًا إلى استعمال القراءتين، بأن يقال: أُريدَ بالقراءة بالنصبِ غسلُ الرجلين إذا كانتا بارزتين، وبالقراءة بالجرِّ المسحُ إذا كانتا في الخُفّين، وذكر حديث جرير في إسلامه بعد نزول المائدة، وروايته للمسح على الخفين (١)، وقيل: ولا تكون الآية موجِبَةً لغسل الرجلين بكل حال، أو لمسحهما (٢) بكل حال، ورسول الله ﷺ يترك [كل] (٣) ذلك إلى المسح على الخفين، فثبت أن كل واحد من غسل الرجلين ومسح الخفين من مضمون الآية، ويؤيده أن القراءتين كالآيتين، فكان حملُهما (٤) على فائدتين أولى من حملهما (٥) على فائدة واحدة.
وأقول: هذه الطريقة مستعملة كثيرًا للفقهاء والمتناظرين، [أعني:] (٦) ترجيحَ ما يدعي أحدُ الخصمين الحملَ عليه على ما يدعيه خصمُه، وإسناد هذا الترجيح إلى كثرة الفائدة في أحد الحُكمين،