← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وإن كانت سبب المَلال، لغرابة الاعتراض، ودقة النظر في البيت، على أن كتابنا هذا ليس موضوعًا على الاختصار، فتُنْكَرُ الإطالةُ، إلا أن المُنْكَرَ (١) إطالةُ ما يقتضي المقصودُ خلافَه، أو يقتضي المعرف إنكاره، ومن ظريف ما بلغني في كراهة الإطالة - وإن كان الكلام عامّيًا - ما حدثنيه أحمد بن نصر الله الأديب، ما معناه: أن ابن قُدَيم - وهو المنعوت بأبي الشرف - المشهور من أدباء مصر عندهم، مدح جدّه (٢) المنعوت بالعلاء بقصيدة فيها مئة وأربعون بيتًا، ثم سأل الشرف (٣) الشاعر ولد العلاء المنعوت بالأسد، فقال: كيف رأيت القصيدةَ اللَّامية؟ فقال: مليحة، لو (٤) كانت إلَّا مِيَّة. ثم نرجع إلى كلام الفقيه سُليم، قال: فأما قول الله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] فقرأه عاصم في رواية أبي بكر وحمزة موصولة، أي: جيئوني، وقرأه ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص والكسائي: (آتوني) ممدودة (٥)، وعلى هذا يحتمل أن يكون من المواتاة، وأن يكون من الإيتاء، فعلى الوجهين الأوَّلين لا يتعدى إلى مفعول ثانٍ، وعلى الوجه [الثالث] (٦)

стр. 2452

يصلح أن ينصب (قطراً) به، ويكون على حذف الهاء من (أفرغه) ويصلح أن ينصب (قطرًا) لا (أفرغ) على ما قاله، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: ٧]، وقوله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، يصلح فيهما الوجهان، وحذف المفعول لدلالة الكلام عليه كثيرٌ، قال الله تعالى: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣] وقرأ ابن عامر وأبو عمرو (يصدر الرعاء) - بفتح الياء وضم الدال - أي: حتى ينصرف الرعاء عن الماء، وقرأ الباقون من القراء السبعة (حتى يصدر) - بضم الياء وكسر الدال - أي: حتى يرد الرعاء غنمهم (١)، فحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وقد جاء ما هو أكثر من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] أي: كنتم تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولين جميعًا؛ لأن التوبيخ بالإشراك قد دل عليه. قال الفقيه: وأما قول الشاعر [من الطويل]: وكُمْتًا مُدَمَّاةً كأَن متونَها ... جرى فوقَها واستشعرتْ لَوْنَ مُذْهَب فقد روي (لونَ مذهب) بالنصب على إعمال الفعل الثاني، و (لونُ مذهب) بالرفع على إعمال الفعل الأول، قال: والكمته: لون

стр. 2453

ليس بأشقر، ولا أَدْهَم، والمُدَمَّى من الخيل: الأشقر الشديد الحمرة، شبه لون الدم، وكُمَيت مُذْهَب: إذا عَلَتْ حمرتَه صفرةٌ، كأنه مُوِّه بالذهب، وأما قوله: قضى كلُّ ذي دينٍ فوفَّى غريمَه فيروى: أرى كلَّ ذي دين يوفِّي غريمَه ويكون لكل واحد من الفعلين مفعول خاص، ومن روى: قضى كل ذي دين فوفى غريمه جعل (قضى) و (وفَّى) شيئًا واحداً، ففارق بذلك سائر الأمثلة، وأما قول الفرزدق [من الطويل]: ولكنَّ نصفًا لو سببتُ وسبَّني ... بنو عبدِ شمسٍ من منافٍ وهاشمِ فالكسائي يجيز أن تقول: بني عبد شمس بالنصب (١) على إعمال الأول، على خلاف ما اقتضاه كلامُ الشريف، وليس في المسألة اختلاف في الجواز والمنع، بل كلا الفريقين يجوِّز الأمرين، والاختلافُ إنما هو في الاختيار. الثامنة والستون بعد المئة: قال الشريف: ولا خلاف بين أهل

стр. 2454

اللسان في أن القائل [إذا قال:] (١) ضربت عبد الله، وأكرمت خالداً وبشرًا، أنَّ ردَّ بشرٍ إلى حكم خالدٍ في الإكرام أولى من رده إلى حكم عبد الله في الضرب، هذا هو الظاهر المستحسن، وغيره مُستَقْبَح. أجاب الفقيه: بأن هذا لا دليل فيه؛ لأنه إذا عطف وبشرًا على الذي يليه عطفه على اللفظ لا على الموضع، [و] (٢) هو إليه أقرب، فيكون أولى، وإذا عطف قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في القراءة بالنصب على الذي يليه عطفه على الموضع، وترك العطف على اللفظ، فيكون تاركًا لما هو أولى. قال: وجواب آخر، وهو: أنه إذا قال: ضربت عبد الله، وأكرمت خالدًا وبشرًا، وهو يريد رد بشر إلى حكم عبد الله، يؤخر ما حقه أن يقدم، ويوقع الشبهة في المعنى لغير غرض صحيح، فيكون مُسْتَقْبَحًا، وليس كذلك قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] [فيمن] (٣) قرأ بالنصب؛ لأنَّ الظاهرَ حملُ المنصوب على المنصوب في اللفظ، لا على المجرور الذي موضعُه النصب، ولا تقع الشبهة في المعنى في (٤) تأخير ذكره، فكان مستَحسَنًا غير مستقبح.

стр. 2455

التاسعة والستون بعد المئة: مما ذُكر في تأويل قراءة الجر: حملها على المسح على الخفين، وربما جعل طريقًا إلى استعمال القراءتين، بأن يقال: أُريدَ بالقراءة بالنصبِ غسلُ الرجلين إذا كانتا بارزتين، وبالقراءة بالجرِّ المسحُ إذا كانتا في الخُفّين، وذكر حديث جرير في إسلامه بعد نزول المائدة، وروايته للمسح على الخفين (١)، وقيل: ولا تكون الآية موجِبَةً لغسل الرجلين بكل حال، أو لمسحهما (٢) بكل حال، ورسول الله ﷺ يترك [كل] (٣) ذلك إلى المسح على الخفين، فثبت أن كل واحد من غسل الرجلين ومسح الخفين من مضمون الآية، ويؤيده أن القراءتين كالآيتين، فكان حملُهما (٤) على فائدتين أولى من حملهما (٥) على فائدة واحدة. وأقول: هذه الطريقة مستعملة كثيرًا للفقهاء والمتناظرين، [أعني:] (٦) ترجيحَ ما يدعي أحدُ الخصمين الحملَ عليه على ما يدعيه خصمُه، وإسناد هذا الترجيح إلى كثرة الفائدة في أحد الحُكمين،

стр. 2456

والاعتراض عليه: أن ثبوتَ كونه فائدةً، ليس في نفس الأمر، [بل] (١) على تقدير رُجحان الحمل على ما يدعيه؛ لأنه لو انتفى الرجحانُ لانتفى كونُه فائدةً، فإثباتُ الرجحانِ بكونه فائدةً إثبات للشيء بما لا يثبت إلا بعد ثبوته، وهو دَورٌ ممتنع، وهذا متينٌ لا يُورَد عليه شيء إلا بطريق جدلي. السبعون بعد المئة: اعترضَ الشريف على التأويل بالمسح على الخفين؛ بأن الخُفَّ لا يُسمَّى رِجْلاً في لغة ولا شرع، كما أن العمامةَ لا تُسمَّى رأساً، ولا البُرْقَع وجهًا، فلو ساغ حملُ ما ذكر في الآية من الأرجل على أن المراد به الخِفافَ، لساغ في جميع ما ذكرناه. أجاب الفقيه: بأنَّ من عادة (٢) العرب تسميةَ الشيء باسم غيره، إذا كان مجاوِراً له، وكان منه نسيب، تقول: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يريدون الكلأ والمطر، وقال الشاعر [من الوافر]: إذا نزلَ السَّماءُ بأرَضِ قومٍ ... رَعَيْنَاهُ وإن كانوا غِضَابَا (٣) فسمى المطر سماء لنزوله من السماء، وقال آخر [من الطويل]: كَثَورِ العَدَابِ الفردِ يَضْرِبُه النَّدَى ... تَعَلَّى النَّدى في مَتْنِهِ وتَحَدَّرا (٤)

стр. 2457

فسمى الشحمَ ندًى؛ لأن الندى يكون سببًا فيه، فلما كان كذلك لم يمتنع بأن يُطلق اسمُ الأرجل على الخِفاف، لمجاورتها إيَّاها، وأنْ تُحمَلَ القراءة بالجر على ذلك لما تقدم ذكره من الدلالة، ولا يمتنع أن يكون الفعلانِ في الطاهر متساويين، ويقدَّرَ في أحدهما غيرُ ما يقدر في الآخر، كقوله - جل ثناؤه -: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] تقديره فيما روي عن ابن عباس: أن يُقتَّلوا إن قَتَلوا، أو يصلَّبوا إن قتلوا وأَخَذوا المالَ، أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلُهم من خِلاف إن أخذوا المال، أو يُنْفَوا من الأرض إن هربوا بعد وجوب الحَدِّ عليهم، وذلك بأن يُطلبوا حتى يؤخذوا فيقامَ عليهم الحدّ (١)، وكذلك إذا كانت القراءتان بمنزلة اللفظتين، فكأنَّه قال: وأرجلكم إلى الكعبين، وقيل أراد بقوله: (وأرجلكم) المسحَ، إذا كانت القدمان في الخفين، وبقوله: (وأرجلكم إلى الكعبين) [الغسل] (٢) إذا كانتا بارزتين، ولا ينكر أن تكون القراءتان على معنيين، وعلى تقدير حالين ووقتين،

стр. 2458

قال الله تعالى ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي (بظنين) بالظاء، أي: بُمتَّهم، وقرأ الباقون بالضاد، أي: ببخيل (١). وقال جل ذكره: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم (حمئة) محذوفة الألف، أي: ذات حمأة، وقرأ الباقون (حامية) بالألف من غير همز، أي: حارة ذات (٢) حمأة (٣). وقال - جل ثناؤه -: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فقرأ نافع، وابن عامر (واتَّخَذوا من مقام إبراهيم) بفتح الخاء على الخبر، وقرأ الباقون بكسر الخاء على الأمر (٤)، فحمل على أن الله تعالى أمرهم بذلك، فلما فعلوا أخبرهم (٥) عنهم به في عَرضة أخرى. وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٩٣] قرأ ابن كثير، وابن عامر بالألف على ما في مصاحف أهل مكة، والشام، وقرأ

стр. 2459

الباقون (قل) بغير ألف على ما في مصاحفهم (١)، ووجهه: أنه أنزل عليه قل، فقال، ثم أخذ عليه جبريل في عرضة أخرى، قال: فكانا جميعًا صحيحين، فكذلك القراءتان في آية الوضوء تكونان على معنيين، وفي حالين، ولا يمتنع (٢) ذلك. وقد ذهب إلى إجازة المسح على الخفين أكثرُ الأمة، ورآه من قال من الفقهاء والمتكلمين إن الزيادة في النص نسخٌ، ومن قال منهم: إنها ليست بنسخ، وإنما هي زيادة حكم، وامتنعوا من المسح على الرجلين، فعُلِم أن ذلك منهم على استعمال القراءة بالنصب على غسل الرجلين، والقراءة بالجر على الخفين، ثم قواه بما رواه بإسناده في (٣) حديث المغيرة: أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين، فقلت: يا رسول الله! نسيت؟ فقال: "لا بلْ أنتَ نسيتَ، بهذا أمرني ربّي" (٤). الحادية والسبعون بعد المئة: الذي اقتضى لنا الكلامَ على الآية؛ أنها قد تعارض ظاهرَ القراءةِ قراءةِ الجرّ (٥) ما في الحديث من الأمر بالغسل، والكلامُ على المعارضات، والمخصّصات، مما يُحتاج إليه في الكلام على الحديث، وأطلنا في الكلام على الآية الكريمة لوجهين:

стр. 2460

أحدهما: أن المسح على الخفين مذهب لمن يخالف السنة، وقد اعتنَوا بالاستدلال عليه، وصنّفوا فيه، والردُّ على من يخالف السنة من المُهِمَّات، وقد لا يستحضر الناظرُ جميعَ ما قيل، مما قد يَحتاج إليه، ولا يهتدي إليه بنظرِه وفِكْرِه، فذكْرُه مجموعًا من الطرفين مفيدٌ، فقد يكون في الإطالة إِطَابة، وفي الاقتصارِ القُصُور (١). والذي يقطع دَابِرَ القولِ بالمسح على الخفين وجهان: أحدهما ظاهر، والثاني نص فقهي. أما الظاهر: فالرواياتُ المتكثرة عن جماعات من الصحابة: أنَّه ﵊ غسل رجليه؛ كالرواية عن عثمان بن عفان، وقد تقدمت، [و] (٢) عن عبد الله بن زيد، وعبد الله بن عباس، وكلها في "الصحيح". ورواية ابن عباس عند البخاري، وفيها: ثم أخذ غَرْفةً من ماء، فرشَّ على رجله اليمنى، ثم غسلها، ثم أخذ غَرْفة أخرى، فغسل بها رجله، يعني: اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (٣). وكالرواية عن علي بن أبي طالب، من حديث عبد خير، عنه،

стр. 2461

وفيها: ثم غَسَلَ رجلَه اليمنى ثلاثًا، ثم غسل رجله اليسرى [ثلاثًا] (١)، ثم قال: من سَرَّه أن يعلمَ طُهْرَ رسول الله ﷺ ، فهو هذا (٢). ومن رواية أبي حَيَّة، عن علي، وفيها: وغسل قدميه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: إني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتُمُوني فعلت، فأحببتُ أَنْ أُريَكم (٣). وكالرواية عن الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوذ، وفيها: ويغسل رجليه ثلاثًا (٤). وكالرواية عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهي مذكورة في "الإلمام" (٥)، وفيها الدلالة فعلاً وقولاً. أما الفعل: فظاهر. وأما القول: ففي قوله "هكذا الوضوء"، والاستدلال بها على إبطال القول بالمسح ظاهرٌ عيناً، وتأويل الشريف مردودٌ؛ لأنه حوالة على مجرَّد الوهم والاحتمال، مع وجود القرينة على إرادة الغسل، وهي التكرار ثلاثًا.

стр. 2462

وأمَّا الاستدلال بالأحاديث على من يرى الجمعَ بين الغسل والمسح، فلا يتأتَّى، وأما على من يقول بالتخيير، ففيه نظر؛ لأنه يمكن أن يُضَمَّ دليلُ التأسي إلى الفعل، فيقتضي الوجوبَ للغسل، وهو يسقط القولَ بالإيجاب للمسح، وفيه بحث سننبِّه عليه. والأحاديث أيضًا تدل على أمور لا يقول بها الشيعة، كالأمر بتخليل الأصابع، وتجديد الماء لغسل الرجلين الذي في حديث البخاري؛ لأنَّ عند الشّيعيِّ أنه لا يؤخذ لهما ماء جديد، لكنهما يمسحان ببلة اليدين. ولا يقول أيضًا بالتكرار، وكقوله ﵇: "ويل للأعقاب من النار" (١)، وكما جاء عن أبي ذر من حديث مجاهد عنه: أشرف علينا رسول الله ﷺ ونحن نتوضأ فقال: "ويل للأعقابِ من النَّار"، فطفقنا (٢) ندلكها دلكًا، ونغسلها غسلًا (٣). ومنها: ما عند أبي داود: أنَّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، وقد توضأ وترك على قدميه مثل موضع الظفر، قال له رسول الله ﷺ : "ارجِعْ فأحسِنْ وضُوْءَك" (٤). وتعميمُ الرِّجْل بالمسح لا يجب عندهم.

стр. 2463

وأما النص الفقهي، الذي أشرنا إليه: فهو هذا الحديث الذي ذكرنا طرفه (١)، وهو قوله ﵇: "كما أمر (٢) الله "فإنه صريح في أن الله أمرَ بالغسل، ويمكن أن يكون إشارةً إلى الآية الكريمة، ويمكن أن يكون إخباراً عن أمرٍ خارجَ الآية، وعلى كل حال فهو صريح في الأمر، وهو قاطعٌ لدابرِ القول بتعيُّن المسح. الثانية والسبعون بعد المئة: هذا الحديث الذي اخترناه للتخريج، يدل على بطلان مذهب الشيعة من وجوه: أحدها: ما ذكرناه من التصريح بالأمر، وهو يغني عن المباحث التي ذكروها في معنى الآية من الراجح وغيرها، فإنه أصرَحُ وأقوى من كل ما يُذْكر. وثانيها: أن نبيِّنَ أن المراد من "كما أمره [الله] (٣) "الحوالة على الآية الكريمة، فإن على هذا التقدير يكون مبينًا، وعلى تقدير أن تكون الحوالة على أمرٍ غيره يكون مُجْمَلاً ظاهراً، لعدم بيانِه من هذا اللفظ، وحملُ الخطابِ على البيان أولى من حمله على الإجمال، أو على بيان من غير الآية، لم يقم عليه دليل بوجهٍ ما، وإذا حملناه على الحوالة على الآية، بطل كلُّ تأويلٍ يُخْرِج الآيةَ (٤) عن الدلالة على الغسل.

стр. 2464

وثالثها: ترتبُ الثوابِ على الفعل، وهو مقتضٍ الإجزاء، فإن الفعلَ الباطلَ لا يُخرِج عن العُهْدة، ولا يُثَابُ عليه. الثالثة والسبعون بعد المئة: في مقدمة لغيرها، اختلف الأصوليون في الواجب المخيَّر، ونقلوا مذاهب: منها: أن الكلَّ واجب على البدل. ومنها: أن الواجب واحدٌ لا بعينه، يتعين باختيار المُكلَّف، وقيل: يتعيَّنُ بالفعل، لا بالاختيار (١). الرابعة والسبعون بعد المئة: فإذا قلنا: إن الوجوبَ يتعلق بالكل، وأردنا أن نستدلَّ بهذا الحديثِ على أن الواجبَ الغسلُ عينًا، ونقل القول: بالتخيير، فَلِمَنْ يذهبُ إليه أن يقولَ: لا يلزم من تعلُّقِ الوجوب بالمسح لغسلٍ عدمُ تعلُّقِه بالمسح على سبيل البَدَل، بناءً على المذهب. الخامسة والسبعون بعد المئة: قوله ﵇: "فإنْ هو قامَ فصلَّى" إلى آخره، يقتضي ترتُّبَ الثواب المذكور عَقيبه، وهو قوله: "كيومَ ولدتْهُ أمُّه"، على مجموع الوضوء والصلاة بالصورة المذكورة، وما تقدم من خروج الخطايا بغسل أعضاء الوضوء، إنما يقتضي الخروج منها لا من غيرها، فليست تلك جميع أعضاء البدن، فيكون هذا الثواب - أعني: الخروجَ من الذنوب كيوم ولدته أمه بالمجموع،

стр. 2465

وخروج الخطايا من تلك الأعضاء المخصوصة - مرتَّباً على الوضوء. السادسة والسبعون بعد المئة: هذا الذي ذكرناه هو مقتضى هذا الحديث، ولكن حديث مالك الذي رواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، عن عبد الله الصنابحي: أن النبي ﷺ قال: "إذا توضَّأَ العبدُ المؤمنُ، فَمَضْمَضَ، خرجتِ الخَطَايا من فِيْهِ، فإذا استَنْثَر خرجتِ الخَطَايا من أَنفِهِ" إلى أن قال: "فإذا غَسَلَ رِجْلَيهِ، خرجتِ الخَطَايا منْ رِجْلَيهِ، حتَّى تَخْرُجَ من تحتِ أَظْفَارِ الرِّجْلَينِ" قال: "ثُمَّ كان مَشْيُهُ إلى المسجدِ وصلاتُه نافلةً لَهُ" (١) يقتضي أن [يكون] (٢) التكفير لجميع الذنوب يحصل بالوضوء، وكذلك حديث مسلم الذي فيه: "حتَّى يَخْرجَ نقيًّا من الذُّنُوبِ" (٣) يقتضي ذلك، فيحتمل أن يكونَ نقيًّا من الذنوب [المتعلقةِ بالأعضاء المغسولة، ويكون قوله: "وكان مَشْيُهُ وصلاتُه نافِلةً له" أي: بالنسبة إلى ما حصلَ بالتكفير بغسل هذه الأعضاء؛ لأنَّ دلالة هذا الحديث على غاية النَّقاءِ وتكفيرِ كل الذنوب أقوى من دلالة الحديث الآخَر، فيقدَّمُ القولُ بظاهره على ظاهر ذلك.

стр. 2466

ويحتمل: "حتى يخرج من الذنوب"، (١) وجهًا آخر، وهي: أن تكون الذنوب هي التي تتعلَّق بالأعضاء، والألف واللام للعهد؛ لأنه لما كان خروجُ الخطايا من الأعضاء مُستلْزِمًا لوجودها فيها، كانت كذكرها لفظًا، فتكون الألف واللام [للعهد] (٢)، كما كانت الألف واللام في الخطايا المراد بها: خطايا ذلك العُضْوِ المَخْصُوصِ، خرجت الخطايا المتعلقة بالوجه من الوجه، والخطايا المتعلقة بالفم من الفم، إلى آخره. ويحتمل وجهًا آخر، وهو: أن يكون المعنى لا يزال شأنه التكفير بما هو مِنْ وضؤيهِ وغيره، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب، كما يقال: خرج عمرو وزيد (٣) وبكر، حتى خَرجَ الصغارُ والعبيدُ، بمعنى أنه لم يَزلِ الخروجُ متصلًا، حتى خَرجَ الصغارُ والعبيد، وليس خروجُ الصغارِ داخلًا تحت خروج زيد وعمرو وبكر، وإنما المقصود: أنه لم يَزلِ الخروجُ متصلًا، حتى خرج الصغارُ والعبيد؛ لا أنه غايةٌ لخروج زيد وعمرو وبكر، ولما كان الوضوء يُراد للصلاة، وهو المقصود منه: دخلتِ الصلاةُ في جملة الأفعال التي بها التكفيرُ، كانت الجملةُ مُوْجِبة لخروجه كيومَ ولدتْهُ أمُّهُ. السابعة والسبعون بعد المئة: قد تكلم أبو العباس أحمد بن عمر

стр. 2467

القرطبي في هذا المعنى، وتعرض للجمع بين الأحاديث بغير ما ذكرناه نحن، فقال في قوله ﷺ : "وكانت صلاتُه ومَشْيُه إلى المسجدِ [نافلةً] " يعني: أن الوضوء لم يُبقِ عليه ذنبًا، فلما فَعَل بعدَه الصلاةَ، كان ثوابُها زيادةً له على المغفرة المتقدمة، والنفل: الزيادة، ومنه: نفل الغنيمة: وهو ما يعطيه الإمامُ من الخُمس بعد القَسْمِ. قال: وهذا الحديث يقتضي أن الوضوء بانفراده يستقلُّ بالتكفير، وكذلك حديث أبي هريرة، فإنه قال فيه: "إذا توضَّأَ العبدُ المسلمُ، فغسل وجْهَهُ، خَرَجَ من وجهِهِ كلُّ خَطِيئةٍ نَظَر إليها بعينه" وهكذا إلى أن قال: "حتى يخرجَ نقيًّا من الذُّنوب" وهذا بخلاف أحاديث عثمان المتقدمة؛ إذ مضمونُها: أنَّ التكفيرَ إنما يحصُلُ بالوضوء، إذا صلى به صلاةً مكتوبةً يُتِمُّ ركوعَها وخشوعَها. قال: والتلفيق من وجهين: أحدهما: أن يُرَدَّ مطلقُ هذه الأحاديث إلى مُقيَّدِها. والثاني: أن نقول: إن ذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص، فلا بُعدَ في أن يكون بعضُ المتوضِّئين، يحصُلُ له من الحضور [و] مراعاة الآدب المكملة، [ما يستقلُّ] (١) بسببها وضوءه بالتكفير، ورُبَّ متوضيءٍ لا يحصل له مثلُ ذلك، فيكفر عنه بمجموع الوضوء والصلاة. قال: ولا يُعتَرضُ [على] هذا بقوله ﵊:

стр. 2468

"مَنْ أتمَّ الوضوءَ كما أمره الله، فالصلواتُ المكتوبة كفاراتٌ لِما بينهن" (١)؛ لأنَّا نقول: إن من اقتصر على واجبات الوضوء، فقد (٢) توضأ كما أمره الله، كما قال النبي ﷺ للأعرابي: "توضَّأ كما أمركَ الله" (٣)، فأحاله على آية الوضوء كما قدَّمناه. وكذلك ذكر النسائي من حديث رفاعة بن رافع، فقال النبي ﷺ : "إنَّها لم تتمَّ صلاةُ أحدِكُم، حتى يُسْبغَ الوضوءَ كَمَا أمرهُ الله، فيغسلَ وَجْهَهُ، ويَدَيهِ إلى الِمْرفْقَين، ويمسحَ بَرِأْسِهِ (٤)، ورِجْلَيهِ إلى الكعبين" (٥)، ونحن إنما أردنَا المحافظةَ على الآداب المكمِّلة، التي لا يُراعيها إلا من نوَّرَ اللهُ باطنَه بالعلمِ والمُرَاقبةِ، والله أعلم (٦). الثامنة والسبعون بعد المئة: يحتمل وجهًا آخر؛ وهو أن يكون المراد: أنَّ العبدَ المسلمَ من حيث هو مسلمٌ يحصُلُ له الثوابُ العظيمُ المرتَبُ على هذا العملِ اليسيرِ، ويكون المقصود: أنه لا يتوقَّف هذا الثوابُ العظيم في حقِّ العبدِ المسلم على أمور عظيمة شاقَّةٍ، بل

стр. 2469

يحصل بمثل (١) هذا, ولا يلزم من هذا المعنى أن يحصلَ لكل عبد مسلم، حتى يحتاج إلى تخصيصه ببعض الأحوال في حقِّ بعض المتوضئين، الذي دلَّ العمومُ عليه، ولا إلى حمل المطلق على المقيد؛ لأنَّا على هذا التقدير نجعلُ الألفَ واللاَم ليست للعموم في حقِّ كل فردٍ، وأن المعنى: أن من شأن العبدِ المسلمِ أن يحصُلَ له هذا الثوابُ. التاسعة والسبعون بعد المئة: قوله ﷺ : "فإنْ هو قَامَ، فصلَّى، فحَمِدَ الله، وأَثْنَى عليه بِما هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وفرَّغَ قلبَه للهِ" يقتضي ظاهرُه حصولَ هذا الثواب عند حصول هذا المسمّى من هذه الأمور، وقد يتعلق به من لا يوقف الصحةَ على عينِ الفاتحة، لحصول مسمَّى الحمدِ والثناء إذا فَعَل ذلك بغير الفاتحة، كقراءة شيءٍ من القرآن غيرِها، وقد حصل المسمَّى فحصل الاكتفاءُ، لكنَّ المخالفَ لهُ يأخذُ تعيينَ الفاتحة من دليل آخرَ، ولا يعارِضُه هذا، كما أنه يَشترطُ القراءة، ولا يكتفي بمجرد الحمد والثناء من غير قرآنٍ بدليلِ من خارج، ولا تبقى إلا أمورٌ جدليَّة من الجانبين، مثل أن يقول من لا يُوجب الفاتحة بفرض هذه المسألة، فيما إذا أتى من القرآن بشيء فيه الحمد والثناء: فيجبُ أنْ يُجزئَ، وأنت لا تقول به، ويقول خصمُه بفرضه فيما إذا أتى بهذه الأمور من غير قراءة: فلو صحَّ ما ذكرتُه لوجبَ أنّ يجزئَ، وأنتَ لا تقولُ به، ويتجاذبان الجِدالَ، وطرقُه معروفةٌ.

стр. 2470

الثمانون بعد المئة: قوله: "وأَثنَى عليهِ بالذي هُوَ لَهْ أهلٌ" من العامِّ الذي يُراد به الخاص؛ أعني: العمومَ الذي في (الذي)، وإنما تعيَّن ذلك؛ لأن الثناء بكل ما الله (١) تعالى له أهلٌ غيرُ مستطاعٍ من العبد "لا أُحْصِي ثناءً عليكَ، أَنتَ كَمَا أثنيتَ عَلَى نَفْسِك" (٢)، فيكون المعنى: أُثني عليه بِما هو له أهل، من غير عموم، ليخرجَ عنه الثناءُ الذي لا يليق به تعالى؛ لأنَّ الدعاءَ والثناءَ المتعلِّقين بالله تعالى، لا بدَّ أن يكونَ فيه توقيفٌ، يجوز إطلاقُ ذلك اللفظِ في حقه تعالى، كما هو المختارُ في علم الأصول (٣). الحادية والثمانون بعد المئة: وإذا كان محمولاً على الخصوص، وتقيَّد ذلك بما هو له أهل، دلَّ ذلك التقييدُ إلى انقسام الثناء إلى أمرين المطلوبُ منهما أحدهما، فيقتضي المذهب القائل: بأن بعضَ ما هو ثناءٌ وثابت في حقّ الله تعالى يتوقَّف إطلاقُه على السمع، إما هذا، أو يدخل تحته هذا.

стр. 2471

الثانية والثمانون بعد المئة: وقوله: "فرَّغَ قلبَه للهِ" قد تقدم أن التفريغَ والملءَ حقيقةٌ في الأجسام، مجازٌ في المعاني، والمراد به: إزالة الخواطر والشَّواغِب والوَساوِس المُلْهِية الشَّاغلة عما هو بِصدده، من الإقبال على الله تعالى، وإخلاص التوجُّه إليه، كما جاء في الحديث الآخر: "لا يحدِّثُ فيهِمَا نَفْسَه" (١). الثالثة والثمانون بعد المئة: قوله: "وفرَّغَ قلبَه لله" يقتضي: أن يكون ذلك ممكنا له، وذلك صحيحٌ في باب الأمرِ والترغيبِ معًا؛ أما في الأمر؛ فظاهرٌ، وأما في الترغيب؛ فلأنَّ المقصودَ به اتحادُ الفعل، فإن لم يكن ممكنا، لم يحصلِ المقصودُ بالترغيب. الرابعة والثمانون بعد المئة: فالأقرب أنه إنما يتناول التفريغَ المنتشرَ عنه عادةً، وتخرج عنه الوساوسُ التي لا يمكن دفعُها، فيكون معفوًّا عنها، غيرَ مُشْتَرطةٍ في حصول الثواب المذكور تيسيراً على المصلّين، ويحتملُ أن يكونَ المرادُ الحقيقةَ، وهي نفيُ جميع الشَّواغبِ والخواطرِ، لكن بواسطة تحصيلِ الأسباب الموجبةِ لذلك، وإزالةِ الموانع، وتحصيل هذه وإزالة تلك من الممكنات؛ بكثرة ذكر الله تعالى، حتى يَعْمُرَ القلبُ ويُنفى كلُّ خاطرٍ، كما يحكى عن بعض أكابر الصالحين والسلف، لكنه شديدٌ وتشديدٌ، والأقربُ إن شاء الله هو الأول، وربما تُشْعِر به بعضُ هذه الألفاظ.

стр. 2472

الخامسة والثمانون بعد المئة: ظاهر الحديث خروجُه من جميع ذنوبه، كبيرِها وصغيرِها، وقد خصُّوه أو مثلَه بالصَّغائرِ، لما [جاء] (١) في الحديث الآخر: "الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجمعةُ إلى الجُمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ؛ مُكفِّراتٌ لِما بينهنَّ، إذا اجتُنِبَت الكَبائُر" (٢). قال بعضهم: يدلُّ على أنَّ الكبائرَ إنما تُغفرُ بالتوبة المعبَّرِ عنها بالاجتناب في قوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] قال: وعلى هذا فقوله: "حتىَّ يخرجَ نقيًّا من الذُّنوبِ" يعني [به] (٣): من الصغائر. قال: ثم لا بُعدَ أن يكون بعضُ الأشخاص تُغفر له الكبائُر والصغائرُ، بحسب ما يحضُرُه من الإخلاص، ويراعيه من "الإحسان والآداب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٤). قلت: أما قوله: يدلُّ على أنَّ الكبائر إنما تغفر بالتوبة، فيه نظر؛ لأن هذا التقييد باجتناب الكبائر إنما وردَ بالنسبة إلى تكفيرِ هذه الأمور، ولا يلزمُ من اشتراطِه في هذه الأمور اشتراطُه في غيرِها، فإن مراتبَ العبادات مختلفةٌ، والثواب مرتَّبٌ على حسب عِظَمِ رتبَتِهَا

стр. 2473

ونقصِه، ولا طريقَ لنا إلى العلم بحقيقة ذلك، حتى يُمكنَنا التعديةَ من المكان المشترطةِ فيه، إلى المكان الذي لم تُشترط فيه، وعلى ذهني أني سمعت بعضَهم يذكر الاتفاقَ على أن الكبائر لا تُغفر إلا بالتوبة، فإن صحَّ ذلك بطريق ثابت، فهو دليل على التخصيص الذي ذكروه. وأما قوله: بالتوبة المعبَّر عنها بالاجتناب في قوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] ففيه غَور ينفي فيه مذهب المعتزلة، ويردُّه إلى مذهبه؛ ليحملَ المجاز في لفظة الاجتناب، وحملُها على التوبة، فنذكرها الآن. السادسة والثمانون بعد المئة: هذا الذي ذكرناه هو بحسب هذه الرواية, وفي بعض ما رأيت من طرق هذا الحديث: "ثم يقومُ فيحمد الله غز وجل، ويثني عليه الذي هو له أَهلٌ، ثم يركعُ ركعتينِ، إلا خَرَجَ من ذُنوبِهِ كَهيئتِهِ يومَ ولدتْهُ أمُّه" (١)، فليحقَّق ذلك، ومقتضاه: أن يكون الثناء قبل الركعتين، فيبطل هذا الاستدلالُ بالكليِّة. وفي رواية أخرى من جهة ابن البيلماني عبد الرحمن: "فإذا قام إلى الصلاةِ، وكان (٢) هو وقلبُه، ووجهُه، أو كلُّه (٣) نحوَ الوجه إلى الله،

стр. 2474

انصرف كما ولدتْهُ أُمُّه" (١)، واللفظ يحتمل الأمرين، أعني: أن يكون قبلَ أو في الصلاة، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2475

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام تأليف الإمام المجتهد ابن دقيق العيد أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري المصري (٦٢٥ هـ - ٧٠٢ هـ) حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد خلوف العبد الله [المجلد الخامس]

стр. 2476

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2477

شَرْحُ الأَلْمَامِ

стр. 2478

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى مِن إِصْدَارَاتِ وَزَارَة الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَالدَّعْوَةَ وَالإِرْشَادِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م الطَّبْعَةُ الثَّانِيَة مِنْ إِصْدَارَاتِ دَارُ النَّوَادِرِ ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م دَارُ النَّوَادِرِ لصاحبها ومديرها العام نُورِ الدِّين طَالِب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٢٤٣٠٦ لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 2479

الحديث الثامن عشر وفي حديث جابر في حَجَّة الوداع، عن النَّبيِّ ﷺ [من رواية النَّسائي] (١): "ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" (٢). والحديث في "الصحيح"، لكن بصيغة الخبرِ: "نَبْدأُ"، أو "أبَدأُ"، لا بصيغة الأمر، والأكثرُ في الرواية هذا، والمَخْرَج للحديثِ واحدٌ. أما جابر ﵁ فقد مرَّ ذِكْرُه. وأما إيرادُ الحديثِ على الوجه، فسيأتي في كتاب الحج إن شاء الله تعالى؛ لأنَّه أَولى به، والله أعلم. الكلام عليه من وجوه:

стр. 2480

* الأول: في تصحيحه، وفيه مسائل: الأولى: قد ذُكِرَ أن النَّسائيَّ أخرجه، ولم يُضفْه إلى كتاب مسلم، وإنْ كان مسلمٌ أخرج الحديث بكماله؛ لأنَّ المقصودَ هنا بإيراد هذه القطعة منه: ذكرُ ما احتُجَّ به على وجوب الترتيب، وهو قولُه: "ابدؤوا بما بدأ الله به"، والمَأخذُ صيغةُ الأمَرِ التي ظاهرُها الوجوبُ، وصيغة الأمر (١) لم ترد في كتاب مسلم، ولم يُحْسِنْ من يقول إذا احتج بهذه اللفظة: أخرجه مسلم، وإنما قلنا ذلك لشيء نذكره الآن. الثانية: معلوم أنَّ نظرَ المُحَدِّثِ من حيث هو محدِّثٌ، إنما هو في الإسناد، وما يتعلَّق به، لا من جهة استنباطِ الأحكامِ من الألفاظ ومدلولاتِها، فإن تَكلَّم في ذلك، فمن حيث هو فقيه (٢)، وكذلك العكس نظرُ الفقيهِ فيما يتعلق بالاستنباط من الألفاظ ومدلولاتها، فإن تكلَّمَ في الأسانيد فمن حيثُ إنه مُحَدِّثٌ، فإذا كان كذلك فالمحدث إذا قال بعد حديث: أخرجه فلان، فإنما يريد أصلَ الحديث، ولا يريد أنه أخرجه بتلك الألفاظ بعينها؛ لأنَّ مُوْجِب (٣) صناعته تقتضي ذلك، ولهذا عملوا الأطراف، واكتفَوا بذكر طرق الحديث، وقالوا: أخرجه

стр. 2481

فلان وفلان، والفقيهُ إذا أراد أن يحتجَّ بلفظة يقتضي مدلولُها حكماً يذهب إليه، وقال: أخرجه مسلم، أو فلانٌ من الأئمة؛ فعليه أن تكونَ تلك اللفظةُ التي استنبط منها الحكمَ موجودة في رواية [مسلم؛ لأنه مقتضى ما يلزمُه من صناعته، فيلزَمْ على هذا أن لا يُتَرْجِمَ ليستدلَّ على حكمٍ يُدخِلُه تحت الترجمة، حتى تكون تلك اللفظةُ موجودةً في رواية] (١) مَنْ نَسَبه إليه، فمن قال بعد إيراد هذا الحديث للاحتجاج بهذه اللفظة: أخرجه مسلم، فلم يُحْسِن؛ لأن موضعَ الحُجَّةِ صيغةُ الأمر، وليست في كتاب مسلم. الثالثة: في معنى قوله في الأصل: (والأكثر في الرواية هذا، والمخرج للحديث واحد): الحديث يرجعُ إلى جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر، رواه عنه جماعة: مالك، وإسماعيل بن جعفر، وابنُ جُرَيْجٍ، وسليمانُ، وحاتم بن إسماعيل؛ ففي رواية مالك من رواية ابن وهب عنه: "نبدأ بما بَدَأ الله به" (٢)، وهو عند أبي عَوانة (٣). وكذلك في رواية القَعْنبيِّ، عن مالك، عن أبي مسلم: "نبدأ بما بدأ الله [به] (٤) " يريد الصفا.

стр. 2482

وكذلك في رواية (١) ابن جريج: "نبدأ بما بدأ الله به" وقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. وكذلك في رواية سليمان، ورواية القعنبيِّ عنه: فلمَّا جاء الصفا قال: "نبدأ بما بدأ الله به"، وهو أيضاً عند أبي عوانة (٢). وأما حديثُ حاتم بن إسماعيل، عن (٣) جعفر بن محمد، فرواه عنه جماعةٌ: أبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وعبد الله بن محمد النُّفَيْلي، وسليمان بن عبد الرحمن، والهيثمُ بن معاوية، وإسحاق بن إبراهيم، وهشام بن عمار، وإبراهيم بن هارون البَلْخي. فأمَّا رواية [إسحاق] (٤) بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، فعنهما روى مسلم الحديثَ وفيه: "نبدأ" (٥)، وأبو بكر وإسحاق بَحْرَانِ من بحور الحفظ، وإسحاق منهما سيل جارف، وأخرجه أبو نُعَيْم الحافظ في "المخرَّج على كتاب مسلم" من طرق، وجعل اللفظ فيها عن شيخين له، عن الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمار، وأبي بكر بن أبي شيبة، وساق الحديث إلا أن فيه: "أبدأ" (٦)، وأخرجه أبو عبد الله الحاكم في "مستدرَكِهِ" من حديثهما معاً،

стр. 2483

وفيه: "نبدأ" (١). وأما رواية عثمان بن أبي شيبة، والنُّفيلي، وسليمان، وهشام بن عمار؛ فهي عند أبي داود (٢). وأما الرواية التي فيها: "ابدؤوا" بصيغة الأمر، فهي عند النسائي، عن إبراهيم بن هارون البلخي، عن حاتم بن إسماعيل (٣). * * * * الوجه الثاني: في شيء من العربية: [الأولى]: ما في قوله ﷺ "بما بدأ" يمكن أن يكون بمعنى الذي، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى النَّكِرَة الموصوفةِ، ولا شكَّ أن الإشارة إلى ما في الكتاب العزيز من قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ

стр. 2484

شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] يدل السياق والقرائن من تلاوة الآية مع ذلك، وهو يقوِّي كونَها بمعنى (الذي)؛ لأنَّ صلتها لابدَّ أن تكون معلومةً للمخاطب. الثانية: ينبغي أن تَنْظُر - إذا أردت الاستدلال بالعموم في: "ابدؤوا بما بدأَ اللهُ به" - أيَّ اللفظين أقربَ إلى الدلالة على العموم، وكأنَّ النكرةَ الموصوفةَ أقربُ إلى ذلك باعتبارٍ، لكن ذلك بعد النظر في ترجيح حملِها على أن تكون نكرة موصوفة، وقد ذكرنا أن الأقربَ ترجيحُ أن تكون بمعنى (الذي)، وإنما قلنا: إنَّ النكرة الموصوفةَ أقربُ إلى العموم من الموصولة؛ لأنّ الموصولة إذا عاد الأمرُ فيها إلى وجوبِ معرفةِ المخاطب بصلتها، جاز أن يكون الحكمُ معلَّقاً بالخصوص، فإن جاء التعميم، فإنَّما (١) هو من طريق المفهوم من العلةِ، التي هي كونُ الله تعالى بدأ به، بخلاف ما إذا جعلناها نكرةً موصوفة باعتبارٍ، كما ذكرناه، فإنه حينئذ لا يمكن على خصوص وتأويل معنى قولنا باعتبار جيداً. * * * * الوجه الثالث: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: قد ظهر لك أن المقصودَ بذكر الحديث هاهنا: الاستدلالُ باللفظ على وجوب الترتيب، وقد استدلَّ بذلك

стр. 2485

الظاهري (١)، وبعض الشافعية، أو كثير منهم (٢)، والاستدلال مبنيٌّ على تصحيح هذه اللفظة، فإن فيه نظراً بعد تسليم الصحَّة، بالنسبة إلى عدالة الرواة، وعلى العموم، ودلالةُ صيغة الأمر على الوجوب؛ فأما دلالة الأمر على الوجوب: فلا يُتكلَّم فيه؛ لأنَّها الطريقة الفقهية، والعمل باللفظ والعموم ففيهما، أما العمومُ ففيه كلام سيأتي. الثانية: مما يتوقف الاستدلال عليه: ترجيحُ العمل بهذه اللفظة المعيَّنة، أعني: صيغةَ الأمر، وراويها (٣) عند النسائي إبراهيم بن هارون البَلْخي، وثَّقه النسائي، وكذلك إسناد حديث سفيانَ الثوريِّ، عن جعفر عند الدارقطني إسناده جيد (٤)، لكنْ إذا تبيَّن أن الحديثَ واحدٌ من مَخرجٍ واحد، وسِياقَةٍ واحدة للحديث الطويل إلى موضِعِ ذِكْرِ هذه اللفظة المختلفِ فيها، بعد أن يكون النبيُّ ﷺ قال الألفاظ الثلاثة في وقتٍ واحد - أعني: "أبدأ"، "ونبدأ"، و"ابدؤوا" - غلب على الظنِّ أن الطريقَ الواضحَ طَلَبُ الترجيح، فإنْ رجَّحنا بالكثرة، فارجعْ إلى الروايات التي ذكرناها تجدِ الأكثرَ على غير لفظة "ابدؤوا" عن جعفر وعن حاتم، وإن رجعنا في الترجيح إلى الحفظ، فيظهر أن الترجيح عن حاتم بن إسماعيل غير لفظة "ابدؤوا"؛ لوجود الحفاظ الكبار عنه، بخلاف اللفظة كابن راهويه وأبي بكر، مع متابعة من

стр. 2486

تابَعهما (١) من عثمان، وهو معدود في الحفاظ، والنفيلي، وسليمان، لكنَّ سفيان الثوري جبلٌ من الجبال، ذروةٌ في الحفظ إنِ امتدتْ إليها الأيدي فقد لا تنال، لكنَّ من دونه من الرواة هم الذين يحتاجون إلى النظر في حالهم، بالنسبة إلى الحفظ، لا بالنسبة إلى العدالة، فعليك بذلك، فإن ظهر الترجيحُ بينهم، وبين الرواة، وبين من خالف عن جعفر غير سفيان مع سفيان، فاعمل به. فإن قلت: فمن ذا الذي يقابل سفيان؟ قلت: [مالك] (٢) بن أنسٍ جبلٌ في الحفظ، وقد قال عبد الرحمن ابن مهدي: وما في القوم أصلحُ حديثاً من مالك (٣)، وقد خالف في هذه اللفظة على ما حكيناه، فيُنْظَر في الواسطة عنه، والواسطة عن سفيان، فإن لم يظهر ترجيحٌ بوجهٍ من الوجوه، وظهر أن اللفظةَ المذكورةَ في كلام الرسول ﷺ واحدةٌ، وقعتِ الدَّلالةُ فيها. الثالثة: من القواعدِ الفرقُ بين صيغةِ العمومِ المذكورة مقصوداً بها العموم، وتأسيس القواعد الشرعيَّة، منفيًّا عنها قرائنُ الخصوص، والفرقُ ظاهر؛ فإنَّ العمومَ يُخصَّصُ بالقرائن على ما نصَّ عليه بعضُ أكابرِ أهل الأصول، ويشهد - أيضاً - لذلك مخاطباتُ الناسِ بعضهم

стр. 2487

بعضاً، حيث يقطعون في بعض المخاطبات بعدم العموم بناءً على القرينة، والشرعُ يخاطب الناسَ بحسب تعارُفِهم (١). الرابعة: لا يشتبهنَّ عليك التخصيصُ بالقرائن بالتخصيصِ بالسبب، كما اشتبه على كثيرٍ من الناس، فإن التخصيصَ بالسبب غيرُ مختار، فإن السبب وإن كان خاصًّا، فلا يمتنع أن يُوْرَدَ لفظٌ عامٌّ يتناولُه وغيرَه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ولا ينتهضُ السببُ بمجرده قرينةً لرفع هذا، بخلاف السياق، فإنَّ به يقع التبيينُ والتعيينُ، أما التبيين: ففي المُجْمَلات، وأما التعيين: ففي المُحْتَمِلات، فعليك باعتبار هذا في ألفاظ الكتاب والسنة والمحاورات، تجدْ منه ما لا يمكنك حصرُه قبل اعتباره (٢). الخامسة: لقائل أن يقول: السياقُ والقرائنُ ترشد إلى أن المراد "بما بدأ الله به" الصفا من القرينتين الحالية والمقالية؛ أما الحالية: فلأنَّ الحاجة إنما مسَّت حينئذ إلى ما يبدأ به من الصفا أو المروة، والمذكور من اللفظ إنما هو لبيانِ ما مسَّتِ الحاجةُ إليه. وأما المقالية: فتلاوة الآية عقب (٣) هذا اللفظ، بالروايات (٤) التي ذكرنا، فإنها ترشد إرشاداً قوياً أن المرادَ ذِكْرُ اللفظ الذي فيه البداءة

стр. 2488

بالصفا، ليكون فيه تمام المراد، لا سيما في الرواية التي فيها: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فابدؤوا بما بدأ الله به" من جهة دلالة الفاء المقتضيةِ للتعليل، ويصير التقديرُ: فابدؤوا بما بدأ الله به من ذلك. السادسة: من يريدُ الاستدلالَ بعمومه، يمكن أن يقول: لا أجعل التمسُّكَ به من جهة العمومِ اللفظيِّ، بل من جهة عمومِ الحكمِ بعموم علَّته، وفيه إحواجٌ إلى التفاتٍ إلى دلالة السياق على التخصيص، وإلى أمر آخر نذكره الآن إن شاء الله تعالى. السابعة: مما يُضْعِفُ به العمومَ بعضَ الضعفِ كثرةُ ورود التخصيص فيه، وبالعكس يقوى بقلَّة التخصيصِ فيه، والسببُ فيه: أنَّه إذا قلَّ التخصيصُ ظهرَ قصدُ التعميم، وبالعكس إذا كثرَ التخصيصُ ظهر قصدُ [عدم] (١) التعميم، ولا يعارِضُ هذا أن قصدَ التعميم غيرُ مُعْتَبَرٍ في العموم؛ لأنَّ عدمَ اعتباره إنما هو بمعنى عدمِ اشتراطه، ولا ينافي ذلك قوتَه، أو ضعفَه من وجه آخر، وإذا اعتبرت هذا وجدته كذلك، ألا ترى أنك تشعر بضعف الاستدلال في المسألة الجزئية، بالعمومات البعيدةِ التناولِ لها؟! تجد ذلك بالتأمل في الجزئيات. الثامنة: فإذا كان كذلك، فوجوبُ البَداءة بما بدأ الله بذكره، يخرج عنه بالتخصيص أمورٌ كثيرة؛ كـ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا

стр. 2489

الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، تتبَّعْها لتجدها (١) كثيرةً، فإن كانت كثيرةً، فهي على القاعدة التي قبلَها، وإلا فَمِنَ المشهورِ عند الخلافيين القياسُ على محلِّ التخصيص بجامعٍ يُبْدُونه، فإذا فعلْتَ ذلك، فانظر إلى مرتبة ذلك القياس مع هذا الظاهرِ الذي دلَّ السياقُ على عدم قوة إرادة العمومِ، [و] (٢) وازن بين الظَّنَّين، واعملْ بالأرجح. التاسعة: البَدَاءة بالشيء لا يطابق ذكرُه قبلَ شيء آخرَ مطابقةَ التَّرادُفِ، فإنَّ ذكرَه قبل شيء آخرَ إنما هي بَداءةٌ مقيدةٌ بإضافتها إلى ذلك الآخر، فأما البَداءةُ المطلقةُ فإنما تقتضي الأوليةَ المطلقةَ لا المقيدةَ بالإضافةِ، والبَداءة في الحديث مطلقةٌ، فتقتضي الأوليةَ المطلقة، ألا ترى! أنه يمكن نفيُ البَداءة بالذكر لأحد الشيئين على ما بعدَه، فتقول: ما بدأ به، ولا يمكن نفيُها عن أولِ مذكورٍ، حتى تقول: ما بدأ بكذا، فظهر الفرقُ بين الأمرين، وأن البَداءةَ المطلقةَ لا تطابقُ البداءةَ المضافَة تطابقَ التَّرادُفِ. العاشرة: فإذا كان كذلك، والبَداءةُ بالحديث مطلقةٌ، فلو تناولتْ محل النزاع، ودلَّت عليه، لم تدلَّ إلا على البداءة بالوجه في الوضوء، فالذي يريد أن يثبتَ باللفظ وجوبَ الترتيب بين اليدين، والرأس، والرجلين، مع قصور دَلالةِ اللفظ عن ذلك، يكون مُثْبِتاً للشيء بما لا يدل عليه.

стр. 2490

فإن قلتَ: إذا ثبت وجوب البَداءة بالوجه، وجب الترتيب في باقي الأعضاء، لعدمِ القائلِ بالفرق، قلتُ: الجواب من وجهين: أحدهما: مناقشتُه، وهي أن يقال حينئذ: يكون الدليلُ مبنياً على مقدمتين؛ إحداهما: وجوبُ البَداءة بالوجه، والثانية: إجماع لا قائلَ، مع أن المستدلِّين عن آخرِهم إنما استدلُّوا بلفظ الحديث. والثاني: تحقيقيٌّ، وقد تقدمت الإشارةُ إليه فيما مضى، وهو: أن دليلَ الحكم ومنشأَ قولِ المجتهد، هو ما يبعثُه من جهة اللفظ على القولِ بالحكم، ومُحالٌ أن يبعثَه القاصرُ الدّلالةِ على أزيدَ مما يدلُّ عليه، والذي يُظهِر لك هذا أن الدلائلَ الشرعيةَ عامةٌ لكل مجتهدٍ في كل وقت، والحادثةُ لابدَّ وأن يكونَ النظرُ فيها مُبْتَدأً به في زمنٍ من الأزمنة، يَحكمُ فيه المجتهدون بمقتضى دلالةِ اللفظ، وذلك الزمن لم يسبقه إجماعٌ، فلا يجوز أن يثبتَه المجتهدُ بدليل قاصرٍ، وإنما يتمُّ هذا، إن تمَّ في العصر الثاني، وحينئذ يكون الدليلُ مجموعَ مقدمتين، كما قلناه، ولا يكون اللفظُ مُنْشِئاً للحكم، ومُوْجِباً لقولِ المجتهدين.
следующие страницы →