← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

تابَعهما (١) من عثمان، وهو معدود في الحفاظ، والنفيلي، وسليمان، لكنَّ سفيان الثوري جبلٌ من الجبال، ذروةٌ في الحفظ إنِ امتدتْ إليها الأيدي فقد لا تنال، لكنَّ من دونه من الرواة هم الذين يحتاجون إلى النظر في حالهم، بالنسبة إلى الحفظ، لا بالنسبة إلى العدالة، فعليك بذلك، فإن ظهر الترجيحُ بينهم، وبين الرواة، وبين من خالف عن جعفر غير سفيان مع سفيان، فاعمل به. فإن قلت: فمن ذا الذي يقابل سفيان؟ قلت: [مالك] (٢) بن أنسٍ جبلٌ في الحفظ، وقد قال عبد الرحمن ابن مهدي: وما في القوم أصلحُ حديثاً من مالك (٣)، وقد خالف في هذه اللفظة على ما حكيناه، فيُنْظَر في الواسطة عنه، والواسطة عن سفيان، فإن لم يظهر ترجيحٌ بوجهٍ من الوجوه، وظهر أن اللفظةَ المذكورةَ في كلام الرسول ﷺ واحدةٌ، وقعتِ الدَّلالةُ فيها. الثالثة: من القواعدِ الفرقُ بين صيغةِ العمومِ المذكورة مقصوداً بها العموم، وتأسيس القواعد الشرعيَّة، منفيًّا عنها قرائنُ الخصوص، والفرقُ ظاهر؛ فإنَّ العمومَ يُخصَّصُ بالقرائن على ما نصَّ عليه بعضُ أكابرِ أهل الأصول، ويشهد - أيضاً - لذلك مخاطباتُ الناسِ بعضهم

стр. 2487

بعضاً، حيث يقطعون في بعض المخاطبات بعدم العموم بناءً على القرينة، والشرعُ يخاطب الناسَ بحسب تعارُفِهم (١). الرابعة: لا يشتبهنَّ عليك التخصيصُ بالقرائن بالتخصيصِ بالسبب، كما اشتبه على كثيرٍ من الناس، فإن التخصيصَ بالسبب غيرُ مختار، فإن السبب وإن كان خاصًّا، فلا يمتنع أن يُوْرَدَ لفظٌ عامٌّ يتناولُه وغيرَه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ولا ينتهضُ السببُ بمجرده قرينةً لرفع هذا، بخلاف السياق، فإنَّ به يقع التبيينُ والتعيينُ، أما التبيين: ففي المُجْمَلات، وأما التعيين: ففي المُحْتَمِلات، فعليك باعتبار هذا في ألفاظ الكتاب والسنة والمحاورات، تجدْ منه ما لا يمكنك حصرُه قبل اعتباره (٢). الخامسة: لقائل أن يقول: السياقُ والقرائنُ ترشد إلى أن المراد "بما بدأ الله به" الصفا من القرينتين الحالية والمقالية؛ أما الحالية: فلأنَّ الحاجة إنما مسَّت حينئذ إلى ما يبدأ به من الصفا أو المروة، والمذكور من اللفظ إنما هو لبيانِ ما مسَّتِ الحاجةُ إليه. وأما المقالية: فتلاوة الآية عقب (٣) هذا اللفظ، بالروايات (٤) التي ذكرنا، فإنها ترشد إرشاداً قوياً أن المرادَ ذِكْرُ اللفظ الذي فيه البداءة

стр. 2488

بالصفا، ليكون فيه تمام المراد، لا سيما في الرواية التي فيها: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فابدؤوا بما بدأ الله به" من جهة دلالة الفاء المقتضيةِ للتعليل، ويصير التقديرُ: فابدؤوا بما بدأ الله به من ذلك. السادسة: من يريدُ الاستدلالَ بعمومه، يمكن أن يقول: لا أجعل التمسُّكَ به من جهة العمومِ اللفظيِّ، بل من جهة عمومِ الحكمِ بعموم علَّته، وفيه إحواجٌ إلى التفاتٍ إلى دلالة السياق على التخصيص، وإلى أمر آخر نذكره الآن إن شاء الله تعالى. السابعة: مما يُضْعِفُ به العمومَ بعضَ الضعفِ كثرةُ ورود التخصيص فيه، وبالعكس يقوى بقلَّة التخصيصِ فيه، والسببُ فيه: أنَّه إذا قلَّ التخصيصُ ظهرَ قصدُ التعميم، وبالعكس إذا كثرَ التخصيصُ ظهر قصدُ [عدم] (١) التعميم، ولا يعارِضُ هذا أن قصدَ التعميم غيرُ مُعْتَبَرٍ في العموم؛ لأنَّ عدمَ اعتباره إنما هو بمعنى عدمِ اشتراطه، ولا ينافي ذلك قوتَه، أو ضعفَه من وجه آخر، وإذا اعتبرت هذا وجدته كذلك، ألا ترى أنك تشعر بضعف الاستدلال في المسألة الجزئية، بالعمومات البعيدةِ التناولِ لها؟! تجد ذلك بالتأمل في الجزئيات. الثامنة: فإذا كان كذلك، فوجوبُ البَداءة بما بدأ الله بذكره، يخرج عنه بالتخصيص أمورٌ كثيرة؛ كـ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا

стр. 2489

الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، تتبَّعْها لتجدها (١) كثيرةً، فإن كانت كثيرةً، فهي على القاعدة التي قبلَها، وإلا فَمِنَ المشهورِ عند الخلافيين القياسُ على محلِّ التخصيص بجامعٍ يُبْدُونه، فإذا فعلْتَ ذلك، فانظر إلى مرتبة ذلك القياس مع هذا الظاهرِ الذي دلَّ السياقُ على عدم قوة إرادة العمومِ، [و] (٢) وازن بين الظَّنَّين، واعملْ بالأرجح. التاسعة: البَدَاءة بالشيء لا يطابق ذكرُه قبلَ شيء آخرَ مطابقةَ التَّرادُفِ، فإنَّ ذكرَه قبل شيء آخرَ إنما هي بَداءةٌ مقيدةٌ بإضافتها إلى ذلك الآخر، فأما البَداءةُ المطلقةُ فإنما تقتضي الأوليةَ المطلقةَ لا المقيدةَ بالإضافةِ، والبَداءة في الحديث مطلقةٌ، فتقتضي الأوليةَ المطلقة، ألا ترى! أنه يمكن نفيُ البَداءة بالذكر لأحد الشيئين على ما بعدَه، فتقول: ما بدأ به، ولا يمكن نفيُها عن أولِ مذكورٍ، حتى تقول: ما بدأ بكذا، فظهر الفرقُ بين الأمرين، وأن البَداءةَ المطلقةَ لا تطابقُ البداءةَ المضافَة تطابقَ التَّرادُفِ. العاشرة: فإذا كان كذلك، والبَداءةُ بالحديث مطلقةٌ، فلو تناولتْ محل النزاع، ودلَّت عليه، لم تدلَّ إلا على البداءة بالوجه في الوضوء، فالذي يريد أن يثبتَ باللفظ وجوبَ الترتيب بين اليدين، والرأس، والرجلين، مع قصور دَلالةِ اللفظ عن ذلك، يكون مُثْبِتاً للشيء بما لا يدل عليه.

стр. 2490

فإن قلتَ: إذا ثبت وجوب البَداءة بالوجه، وجب الترتيب في باقي الأعضاء، لعدمِ القائلِ بالفرق، قلتُ: الجواب من وجهين: أحدهما: مناقشتُه، وهي أن يقال حينئذ: يكون الدليلُ مبنياً على مقدمتين؛ إحداهما: وجوبُ البَداءة بالوجه، والثانية: إجماع لا قائلَ، مع أن المستدلِّين عن آخرِهم إنما استدلُّوا بلفظ الحديث. والثاني: تحقيقيٌّ، وقد تقدمت الإشارةُ إليه فيما مضى، وهو: أن دليلَ الحكم ومنشأَ قولِ المجتهد، هو ما يبعثُه من جهة اللفظ على القولِ بالحكم، ومُحالٌ أن يبعثَه القاصرُ الدّلالةِ على أزيدَ مما يدلُّ عليه، والذي يُظهِر لك هذا أن الدلائلَ الشرعيةَ عامةٌ لكل مجتهدٍ في كل وقت، والحادثةُ لابدَّ وأن يكونَ النظرُ فيها مُبْتَدأً به في زمنٍ من الأزمنة، يَحكمُ فيه المجتهدون بمقتضى دلالةِ اللفظ، وذلك الزمن لم يسبقه إجماعٌ، فلا يجوز أن يثبتَه المجتهدُ بدليل قاصرٍ، وإنما يتمُّ هذا، إن تمَّ في العصر الثاني، وحينئذ يكون الدليلُ مجموعَ مقدمتين، كما قلناه، ولا يكون اللفظُ مُنْشِئاً للحكم، ومُوْجِباً لقولِ المجتهدين.

стр. 2491

الحديث التاسع عشر وروى البخاريُّ حديثَ شقيقِ بنِ سَلَمَةَ في التيمم، عن عمَّارٍ، وفيه (١): فتمرَّغْتُ في الصَّعِيْدِ كمَا تَمَرَّغُ الدَّابةُ، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "إنَّما كَانَ يَكْفِيْكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا" وَضَرَبَ بكفَّيهِ ضَرْبةً عَلَى الأَرْضِ، ثَمَّ نَفَضَهما (٢)، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَ شِمَالِه بِكَفِّهِ، أو ظَهْرَ كفِّهِ بِشِمَالهِ (٣)، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ (٤). وأخرج الإسماعيليُّ في بعض طُرقِهِ: "إِنَّما كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ

стр. 2492

تَضْرِبَ بيديكَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ تنفُضُهُمَا، ثُمَّ تَمسَحُ بيمينِكَ عَلَى شِمَالِكَ، وشِمَالِكَ عَلَى يِمِينكَ، ثُمَّ تمسَحُ عَلَى وَجْهِكَ" (١). الكلام عليه من وجوه: * * * * الأول: في التعريف: أما عمار ﵁: فهو أبو اليقظانِ عمارُ بنُ ياسر بن عامر بن مالك ابن كنانةَ بن قيس بن الحُصين (٢) بن الوليد بن ثعلبة بن عوف بن حارثة ابن عامر الأكبر بن يَام بن عَنْس، والوليدُ في نسبه قد قال فيه الوَذِيم - بفتح الواو وكسر الذال المعجمة - واعتمده بعضهم، فلم يذكر غيره، وهو الذي ذكره في كتاب "ذيل المُذَيَّل" لأبي جعفر الطبري، وفيه: يَام، أوله آخر الحروف. وعَنْس في نسبه - بفتح العين، وإسكان النون، وآخره سين مهملة - هو الذي تُنْسَب إليه القبيلة، واسمه: زيد بن مالك بن أدد بن زيد بن يَشْجُب بن عُرَيب بن زيد بن كَهْلان بن سَبأ بن يَشْجُب بن يعرُب بن قحطان، كذا ذكره هانئ بن المنذر، فيما حكاه الأمير عنه، وهي قبيلة فيها جماعةٌ من أهل العلم معروفون بسُكنى الشام، ومنها

стр. 2493

العَنْسِي الكذَّابُ، الذي ورد ذكرُه في الحديث، واسمه عَبْهَلة (١). وكان عمار ﵁، وأبوه، وأمه، من الأولين السابقين إلى الإسلام، وكان إسلامُه وإسلامُ صهيبٍ في وقت واحد، حين كان النبي ﷺ في دار الأرقمِ بن أبي الأرقم، وأسلم [بعد] (٢) بضعةٍ وثلاثين رجلاً. وعَن مُجاهد قال: أولُ من أظهرَ إسلامَه أبو بكر، وبلالٌ، وخبَّاب، وصهيب، وعمار، وأُمُّه سُميَّةُ (٣). وكان عمار وأبوه وأمُّه يُعَذَّبون في الله تعالى على إسلامهم، وَيمُرُّ بهم النبيُّ ﷺ ، فيقول: "صَبْراً، صَبْراً آلَ ياسِرٍ، فإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجنَّةُ" (٤). وقَتَل أبو جهلٍ سميَّةَ ﵂، فهي أول شهيد في الإسلام، وأمُّه سميةُ؛ أَمَةٌ لأبي حذيفةَ بنِ المغيرةِ المَخْزُومي، فحالف ياسراً، وزوَّجَه إياها، فولَدت له عماراً، فأعتقه أبو حذيفةَ، وسميةُ ابنةُ خَبَّاط، بالخاء المعجمة، ثم ثاني الحروف مشدداً، وآخره طاء مهملة،

стр. 2494

هكذا (١) رأيته في النسخة القديمة من "ذيل المُذيَّل"، وكذا ضبطه الأمير (٢)، وذكر الحافظ محمد بن عبد الغني بن نقطة: أن أبا نُعيم ذكرها في الصحابة، وضبطها بالياء المعجمة من تحتها باثنتين، وقد نقله من خطه (٣). قلت: الأول أولى أن يُعتمدَ عليه. وهاجر عمار إلى المدينة، وشهد بدراً، وأحداً، والخندقَ، والمشاهدَ. قال بعض المتأخرين: واختلفوا في هجرته إلى الحبشة (٤). وهو خلافُ ما رأيته في "ذيل المُذَيَّل" لأبي جعفر، فإن فيه: وهاجر عمارُ ابنُ ياسرٍ في قول جميع أهل السِّيَرِ إلى أرض الحبشةِ الهجرةَ الثانيةَ، قيل: إن عماراً كان أولَ من بنى لله مسجداً في الإسلام، بنى مسجد قُبَاء، وذكر أبو جعفر الطبريُّ في "ذيل المذيَّل"، عن ابن عمر، وهو محمد قال: رأيت عمارَ بنَ ياسرٍ يومَ اليمامة على صخرة، وقد أشرف، يصيح: أنا عمارُ بنُ ياسر، هَلُمُّوا إليَّ، وأنا أنظر إلى أُذُنِه وقد قُطِعت، فهي تَذَبْذَب، وهو يقاتل أشد القتال (٥).

стр. 2495

وأستعمله عمر ﵁ على الكوفة. ومن فضائله: الروايةُ عن علي ﵁ قال: جاء عمار يستأذن على النبي ﷺ فقال: "ائْذَنُوا لَهُ، مرحباً بالطيِّبِ المُطَيَّبِ"، رواه الترمذيُّ وغيرُه، وصححه الترمذيُّ (١). ومنها: عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "مَا خُيِّر عمار بين أمرينِ إلَّا اختارَ أَرْشَدَهُما"، رواه الترمذي بإسناد على شرط مسلم (٢). ومنها: عن حذيفةَ قال: كُنَّا جُلوساً عند النَّبيِّ ﷺ فقال: "إنِّي لا أدري ما قَدْرُ بَقائي فيكم، فاقْتَدُوا بالذين من بعدِي" وأَشارَ إلى أبي

стр. 2496

بكرٍ وعمرَ، "واهتدُوا بَهديِ عمَّارٍ، وما حدَّثَكُم ابنُ مسعودٍ فَصَدِّقوه" (١). وفي "المسند" عن علقمةَ، عن خالدِ بنِ الوليدِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ عَادى عَمَّاراً عَادَاهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّاراً أَبْغَضهُ اللهُ" (٢)، وفيه انقطاع بين علقمةَ وخالد. وجاءتِ الروايةُ عنه من جهة عليِّ بنِ أبي طالب، وابن عباس، وأبي موسى، وأبي أُمامة، وجابرٍ، وعبد الله بنِ جعفر من الصحابة. ومن التابعين عن ابن المسيَّبِ، وابن الحنفية، وأبي وائل، وابنِه مُحمَّدِ بن عمَّار. وقيل: إنه رُويَ له عن رسول الله ﷺ اثنان وستون حديثاً، اتفقا على حديثين منها، وانفردَ البخاريُّ بثلاثة، ومسلمٌ بحديث (٣). وهذا [كما] (٤) ذكرنا، لا يصحُّ إلا بالنسبةِ إلى كتابٍ مخصوصٍ، والظاهرُ: أن الذي قاله أراد "مسندَ بقيِّ بن مَخْلد" (٥).

стр. 2497

وقيل في صفة عمار: إنه [كان] (١) آدمَ طويلاً، لا يغيِّر شيْبَه. وكانت وفاته قتلاً بِصِفِّين مع عليِّ ﵁ في شهر ربيع الأوَّلِ، وقيلٍ: الآخِر سنة سبعٍ وثلاثين، وهو ابنُ ثلاث، وقيل: أربعٍ وتسعين سنةً. قيل: وأوصى أن يُدفنَ بثيابه، فدفنهُ عليٌّ ﵁ بثيابه، ولم يُغَسِّلْهُ (٢). وأما شقيق بن سَلَمَةَ: فهو أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي، أسد خزيمةَ، الكوفيُّ التابعيُّ المخضرم، أدرك زمن النبي ﷺ ، ولم يره. قيل: وروى عن أبي بكر، وسمع عمرَ، وعثمانَ، وعلياً، وابنَ مسعودٍ، وعماراً، وخَبَّاباً، وحُذيفةَ، وأبا موسى، وأسامةَ بنَ زيد،

стр. 2498

وابنَ عمرَ، وابنَ عباس، وابنَ الزبير، وأبا الدرداء، وأبا مسعود البدري، والبراء، والمغيرة، وجَرِيراً البَجَلِي، وكعب بن عُجْرةَ، وأبا هريرةَ، وعائشةَ، وأم سلمة، وغيرهم من الصحابة ﵃. وسمع خلائق من كبار التابعين. روى عنه الشعبي، وعاصم الأحول، والحكم، والسَّبِيعي، والأعمش، وخلائق غيرهم من التابعين، انتهى (١). وحكي عنه أنه قال: بُعثَ النبيُّ ﷺ ، وأنا ابن عشر سنين، أرعى إبلاً لأهلي. وقال: أتاني مصدق رسول الله ﷺ (٢). وروي عنه أنه قال: أدركتُ سبع سنين من سِنِيِّ الجاهلية (٣). وقيل: إن وفاتَه سنة تسع وتسعين، وقيل: إنه توفي في زمن الحجاج بن يوسف بعد الجماجم. وكان من كبار التابعين بالكوفة وخيارهم، ومن أصحاب ابن مسعود. واتفقا على إخراج حديثه في "الصحيحين". وقال أبو عمر النَّمْرِي: أجمعوا على أنه ثقة حجة.

стр. 2499

وذكر ابن أبي خيثمة بسنده، وقال: قال لي إبراهيم: خذ عن شقيق، فإني أدركت الناس وهم متوافرون، وإنهم ليعدُّونه من خيارهم (١). وروى أيضاً عن مغيرة، قال: قيل لإبراهيم حين ذكرَ كَراهيةَ أصحابه الصلاة على الطِّنْفِسَة، فقيل: إن أبا وائل يصلي على الطنفسة، قال إبراهيم: أما إنه خيرٌ مني (٢). وروى أيضاً عن عمرو بن قيس، قال: كان شقيق بن سلمة يدخل المرأة، ثم يتشح كما تتشح المرأة. وروى أيضًا عن محمد بن فضيل، عن أبيه، عن شقيق: أنه تعلَّم القرآن في شهرين (٣). وروى أيضاً عن زِبْرِقان السراج قال: سمعت أبا وائل يقول: إذا أنا متُّ، فلا تؤذنوا بي أحداً (٤). وروى أيضاً عن عاصم قال: لما مات أبو وائل، قبَّل أبو بردة جبهته (٥).

стр. 2500

وروى أيضاً عن الأعمش قال: لقيت أبا وائل يوم الجمعة في إمارة الحجاج، فقلت له: أصليت قبل أن تتزوج؟ قال: نعم، من أنت؟ قال: رجل من المسلمين، قال: مرحباً بالمسلمين فقم. وذكر أيضاً عن عاصم بن بَهْدَلَة، عن أبي وائل قال: أرسل إلي الحجاج، فأتيته، فقال: ما اسمك؟ قلت: ما أرسل إلي الأمير إلا وقد عرفَ اسمي، قال: متى هَبَطْتُ هذا البلد؟ قلت: ليالي هبط أهله، انتهى (١). وعن إبراهيم قال: وما [من] (٢) قريةٍ إلا وفيها من يدفع عن أهلها به، وأرجو أن يكون شقيقٌ منهم (٣). وعن عمرو بن مُرَّة قلت لأبي عبيدة ابن مسعود: من أعلم أهل الكوفة بحديث أبيك؟ قال: شقيق (٤).

стр. 2501

وأما أبو بكر الإسماعيلي: فهو الإمام أبو بكر أحمدُ بن إبراهيم الإسماعيلي، أحد من جمع بين الحفظِ الواسع للحديث، وبين الفقهِ مع الجلالة في الدنيا، والصيتِ الواسِ، والثناء الجميل. ذكرَهُ الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني في كتاب "الإرشاد". ونقلنا من اختصار الحافظ أبي طاهر السِّلَفي له، قال: أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي كبير المحل في العلم، كان يعرف هذا الشأن، وله تصانيف كثيرة فيه، وفي الفقه كبير. سمع محمدَ بن عثمانَ بن أبي شيبة، والحضرميَّ، وإسماعيلَ المُزَنيَّ الكوفي صاحب أبي نُعيم، وأقرانَهم من العراقيين، وهو من المكثرين في الحديث، ثم سمع من بعدهم بخراسانَ، والرّي. صنف على كتاب مسلم والبخاري، وله في الأبواب والغرائب تصانيف كثيرة، كتب إلي على يدي جعفر بن محمد الصائغ القزويني، ومات بعد السبعين والثلاث مئة (١).

стр. 2502

قلت: أما كتابه على البخاري، فقد اتصلتْ روايتُه إلى زماننا من جهة البَرقاني عنه، وأما كتابُ مسلم، فلم يصلْ إلينا، ولكنْ رأيت جمعه لأحاديث جماعة؛ أيوب السختياني، ومِسْعَر بن كدام، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وزيد بن أبي أُنيسة، وهي كتب مفيدة تدل على اتساعٍ في الرواية كثير، وجمع للمشايخ والطرق كبير. * * * * الوجه الثاني: في إيراد الحديث بتمامه على الوجه: رواه البخاري، عن محمد بن سَلاَم - بتخفيف اللام -، عن أبي معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ قال: كنتُ جالساً مع عبد الله، وأبي موسى الأشعريِّ، فقال له أبو موسى: لو أنَّ رجلاً أجنبَ، فلم يجدِ الماءَ شهراً، أما كان يتيمم ويصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فقال عبد الله: لو رُخِّص لهم في هذا، لأوشكوا إذا بَرَدَ عليهم الماء، أن يتيمموا الصعيدَ، قلت: وإنما كرهتم هذا لذا (١)؟ قال: نعم، فقال أبو موسى: ألم تسمعْ قول عمارٍ لعُمَرَ: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فأجنبتُ، فلم أجدِ الماء, فتمرَّغتُ في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابةُ، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنما كان يكفيك أن تَصْنَعَ هكذا"، وضربَ بكفِّه ضربةً على الأرض، ثم نفضَها، ثم مسحَ بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه، فقال عبد الله: أفلم تر عمر

стр. 2503

لم يقنع بقول عمار؟ وهذه الرواية فيها نقصٌ وحذفٌ، به يتجه الكلام ويتم، وقد تبين من رواية حفص بن غياث، عن الأعمش قال: سمعت شقيق بن سلمة قال: كنت عند عبد الله وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنبمته، فلم تجد ماءً، فكيف تصنعُ (١)؟ فقال عبد اللهِ: لا يصلِّي حتى يجدَ الماءَ (٢). فهذا هو الذي يلتئم به الكلام في الرواية الأخرى، وقوله: كيف تصنعون؛ لأنه لم يذكر فيها قولَ ابن مسعود: حتى ورد عليه، فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة؟ وأما إيراد روايةِ الإسماعيلي على الوجه. (٣) * * * * الوجه الثالث: في تصحيحه ، وقد تقدَّم لك التنبيهُ على الفرق بين المحدِّث والفقيهِ، من حيث هما هما فيما يُسندانه إلى الكتاب المخرَّجِ فيه الحديثُ، وأن طريقةَ المحدثِ الاكتفاءُ بأصله من غير تتبعٍ لآحادِ ألفاظه، وأن الفقيهَ من حيث هو فقيه يجب عليه أنْ يتتبعَ اللفظَ

стр. 2504

الذي يريد أن يستنبطَ منه الحكم؛ لأنه مُقتضَى صناعتِهِ، فيحتاج إذاً إلى ذكر الطريقين معاً، أعني: مَنْ أخرج هذا الحديث، ومن أخرج هذا اللفظَ المحتجَّ به؛ لأن كتابنا هذا كتابُ احتجاجٍ، واعتماد على الألفاظ. أما أصلُ الحديث: فقد اتفق الشيخان؛ البخاري ومسلم على إخراجه من حديث الأعمش، عن أبي وائل، ثم من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، وانفرد البخاريُّ برواية شعبةَ (١)، وحفصِ بن غياثٍ، عن الأعمشِ (٢)، ومسلمُ برواية عبدِ الواحدِ بن زيادٍ، عن الأعمشِ (٣). وفي الألفاظ خلاف بالزيادة والنقص، وأما هذه اللفظة التي هي لفظةُ: "ثم يمسح بها وجهه" فهي عند البخاري من رواية محمد بن سلام، عن أبي معاوية (٤). ومسلم أخرج الحديث عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، عن أبي معاوية، وذكر ما يدل على أن اللفظ لأبي بكر، وفيه: "ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهرَ كفَّيه ووجههِ" (٥).

стр. 2505

وروايتُه عن عبد الواحد - هو ابن زياد - مختصَرةُ اللفظ فيها: "وإنما كان يكفيك أن تقولَ هكذا"، وضرب بيديه إلى الأرض، فنفض يديه، فمسحَ وجهه وكفيه. فقد وقع الاختلاف في لفظة "ثُمَّ". وقد ذكر الرَّضيُّ النيسابوري (١) الخلافي في احتجاجه في مسألة الترتيب: أن أبا داود روى [في] (٢) "سننه": أنَّ النبيَّ ﷺ تيممَ، فبدأ بيديه قبل وجهه. والخلاف في التيمم والوضوء واحد، فلو (٣) عَلِمَ أن البخاريَّ أخرجه، لكان أقوى له في الاحتجاج أن يذكره. * * * * الوجه الرابع: في شيء من المفردات، وفيه مسائل: الأولى: سيأتي في باب التيمم - إن شاء الله تعالى - الكلامُ على لفظ التيممِ والصعيدِ، وقد تقدَّم الكلام على (أجنب) ويقال: أجنب الرجلُ، وجنب، من الجنابة، عن الفراء، ثم قيل: إنه مأخوذ من البعد:

стр. 2506

[من الطويل] فلا تحرمني نائلاً عن جنابة (١) أي: عندَ بعدِهِ، ولما نهى الجُنُبَ أن يقربَ مواضعَ الصلاةِ ما لم يتطهر، وُجِدَ فيه معنى البعد، وعن الشافعيِّ ﵀ إنما سُمِّي جنباً من المخالطةِ، ومن كلام العربِ: أجنبَ الرجلُ، إذا خالط امرأتَه، قال بعضهم: وهذا ضدُّ المعنى الأول (٢)، وفيه نظر؛ لأنه يجوز أن يكون اعتبرَ معنى البعد؛ بسبب كونه مخالِطاً للمرأة. الثانية: (أوشك) بمعنى أسرع، قال أبو الحسينِ بنُ فارس في "المُجْمَل": أوشكَ فلان خروجاً من العجلة، [و] (٣) وشكان، ما كان ذلك في معنى عجلان، وأمرٌ وشِيْكٌ، وأوشكَ يوشِكُ، قال: وسمعتُ أحمد بن طاهر بن النجمِ يقول: سمعتُ ثعلباً يقول: أوشك يوشِكُ لا غير. ابنُ السكيت، وأوشك وشاكاً: أسرع السير (٤)، انتهى. وقوله: يوشِك لا غير، يعني: بكسر الشين في المستقبل، ومما ذكر لنا عن بعض أكابر العلماء أنه قُرِئ عليه: يوشِك، بكسر الشين، وفي المجلس إنسان، فاعترض، وقال: يُوْشَك، فقال الشيخ:

стр. 2507

يوشِك، ونسبَه إلى "الصحاح"، فقال المعترض: "الصحاح" بيتي (١)، فأخرج "الصحاحَ"، فوجدَه على خلاف ما قال، فقال الشيخُ: هذا غلطُك في بيتك، فكيف في غيره؟! أو كما قال (٢). قال أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز الأندلسي المعروفُ بابن القُوطيَّة في كتاب "الأفعال": وَشُك الأمر وَشكاً ووَشَكَاناً، وأوشك: أسرع، يعني: وشُك، بضم الشين. وقال أبو مروان عبد الملك بن طريف الأندلسيُّ (٣) في كتاب "جامع الأفعال": فيما جاء من الصحيح على فعل وأفعل باتفاق، معنى وشك الشيء وشكاً ووشكاناً، وأوشك: أسرع. وقال أبو زيد السلمي [من الطويل]: فضمَّت بأيديها على فضلِ مائها ... مِنَ الرِّيِّ لما أوشكت أن تضلَّعا (٤) وقال الجوهري: وَشُك ذا خروجاً، بالضم، يوشُك. قلت: يعني بالفتح والضم في الشين، وَشْكاً، قلت: بضم الواو وفتحها، قال: أي: أسرع، وعجيب من وَشْك ذلك الأمر، ووُشْك ذلك الأمر، بضم الواو.

стр. 2508

قلت: يعني وبفتحها، قال: ومن وُشكان ذلك الأمر، ووَشكان ذلك الأمر، أي: من سرعته، عن يعقوب، ويقال: وَشْكان [ذا خروجاً، أي: عَجْلان، ووَشْك البَيْن: سُرعة الفِراق، وخرج وَشِيكاً] (١)، أي: سريعًا، وامرأةٌ وشيكٌ، وقد أوشك فلان يُوشِك إيشاكاً، أي: أسرعَ السيرَ، ومنه قولهم: يوشِكُ أن يكون كذا، قال جرير يهجو العباسَ بن يزيد الكنديَّ [من الوافر]: إذا جَهِلَ الشَّقيُّ ولم يُقدِّر ... ببعض الأمرِ أوشكَ أَنْ يصابا (٢) (٣) والعامة تقول: يوشَك، بفتح الشين، وهي لغة رديئة، قال أبو يوسف: وأوشك يُواشِك وِشَاكاً، مثل أوشك، يقال: إنه مُواشِك مستعجل، أي: مسارع، وقال أحمد بن يحيى ثعلب: هذا يقال بهذا اللفظ، ولا يقال منه وَاشَك (٤). الثالثة: قنِع بكسر النون في الماضي، وفتحِها في المستقبل، قال ابنُ طريف: وقَنِع بكسر النون قَنَاعة وقَناعاً: رَضيَ عن الله وبقَسْمه، وقنِعتُ بقولك وبالشيء: رضيتُ. قلت: وأما قَنعَ بفتح النون في الماضي قُنُوعاً في المصدر، فهو

стр. 2509

قانعٌ في اسم الفاعل، فمعناه: إذا سأل، وفسر به: "لا تجوز شهادة القانِع مع أهل البيت" (١)، وفي القرآن الكريم: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] ففُسِّر القانع: بالسائل، والمعترُّ: الذي يتعرض ليُعطى من غير مسألة، قال الشَّمَّاخ [من الوافر]: لمالُ المرءِ يُصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرَه أعفُّ من القُنُوع (٢) الرابعة: الطَّيِّب في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] يفسر بالطاهر. الخامسة: قد تبين في علم الأصول أن كلمة (إنَّما) للحصر، والحصرُ فيها على وجهين: أحدهما: [أن] (٣) لا يكون فيما دخلت عليه تخصيصٌ، ولا تقييد

стр. 2510

﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]. الثاني: أن يقعَ التقييدُ فيما دخلت عليه: إما في جانب الإثبات: بأن يكون هو المقصود. أو في جانب النفي: بأن يكون هو المقصود (١)، والقرائنُ ترشد إلى المراد، وهي من العُمَد الكبرى في فهمه ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦]، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، فإن جميع هذه الأوصاف التي دخلت عليها (إنما) ليست على العموم، بل يختص كونها لعباً ولهواً بمنْ لا يريدُ بعمله فيها الآخرةَ والتزودَ إليها، والرسولُ ﷺ لا ينحصر في النذارة ولا البشريَّة، بل له أوصاف أخرى جليلة زائدة على البشرية والنذارة، ولكن فُهِم منه: أنه ليس على صفة تقتضي العلم بالغيب لذاتها، في قوله ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم، [وإنكم] (٢) تختصمون إلي" (٣)، وفي ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] في الآية الكريمة، نفهم منه: أنه ليس قادراً على خَلْقِ الإيمان، قهراً لِسَبْقِ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا

стр. 2511

عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥]، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] أي - واللهُ أعلمُ -: لا أقدر على إجبارِكم على الإيمانِ، وكذلك أمرُ النذارةِ لا ينحصرُ فيها ﷺ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)﴾ [الفتح: ٨]. إذا عرفتَ هذا فنقولُ: إن دلت القرائنُ والسياقُ على التخصيصِ، فاحملْه على العموم فيما دخلَتْ عليه، وعلى هذا حَمَل ابنُ عباس: "إنما الرِّبا في النَّسيئة" (١) على العموم، حتى نفى ربا الفضل، وقيل: إنه رجعَ عنه، وحملَ غيرُهْ "إنما الماء من الماء" (٢) على ذلك، ولم يوجِبِ الغسلَ بالتقاء الختانَيْن، ومن خالفَ في الأمرين فبِدليلٍ مِنْ خارج. * * * * الوجه الخامس: في شيء من العربية: يوشك: من أفعال المقاربة كعسى، وحكمُها في أن مفعولها بـ (أن) والفعل كحكم عسى، وفي التعدي وعدمه كذلك تقول: يوشك أن تأتيَني، قال الله تعالى في عسى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فهذه بمعنى قَرُبَ، فلا ينصب، ويكون فاعلُها (أن) والفعل، وتقول: يوشك زيدٌ أن يأْتيَني، كما تقول: عسى زيد أن يأتيَني، بمعنى قارب، فيتعدى، ويكون مفعولها (أن) والفعل، قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، وقد تَرِدُ

стр. 2512

عسى ويوشك من غير مقاربة (أن)، قال الشاعر [من المنسرح]: يوشِك مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... في بعضِ غَرَّاتِها (١) يوافقها (٢) وقال بعضهم: إنما جاء في الشعر، وأما في الكلام، فلا يكون إلا بـ (أن) كعسى. قلت: ومما جاء في عسى بغير (أن) قول هُدبة [من الوافر]: عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيهِ ... يكونُ وراءَهُ فرجٌ قريبُ (٣) أُجريَتْ مجرى كاد، كما أجريت كاد مجرى عسى في ثُبوتِ (أن)، قال الشاعر [من الرجز]: قد كاد من طول البلى أن يَمْصَحَا (٤) ومعنى مَصَح: ذهب ودرس. فمقتضى هذا: تكون هذه اللفظة في الحديث ناصبةً، ومفعولها: "أن تيمموا الصعيدَ".

стр. 2513

* الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: لمَّا كان الحديث السابق على الذي نحن فيه المقصودُ به (١) ذِكْرُ ما استُدِلَّ به على وجوبِ الترتيبِ من جهة لفظ "ابدؤوا"، ذَكَر هاهنا ما استدل على عدم وجوبِهِ، من جهة تقديم مسحِ اليدِ على الوجه، ولنذكر مآخذ الفريقين. الثانية: فيه المباحثة والمناظرة في المسائل الشرعية، واستعمال الصحابة لذلك على الوجه الذي كانوا يفعلونه؛ ففيه دليلٌ على جواز مثل ذلك في مسائل الأحكام، لكن قد ينضم إليه ما يمنعه؛ كالمِراء، والمجادلة بالباطل، وتقويةِ الإنسان لما يعتقده باطلاً، وخروجِهِ متحيِّلاً بامتناع الكلامِ المجاز عما إذا راجع نفسه، عُلِمَ (٢) أنه خلافُ المقصودِ من اللفظِ، إلى ما ينضافُ إليه من أمور أُخَرَ؛ كالأدنى قولاً وفعلاً، واستحقار المرء المسلمِ؛ فهذه كلُّها عوارضُ توجب المنع، وإنما المقصود: إثباتُ أصلِ المناظرة، والسؤال، والجواب. الثالثة: فيه ميل إلى سدِّ الذرائعِ، والمصالحِ المرسلة من جهة قول ابن مسعود ﵁: "لو رُخِّصَ لهم في هذا، لأوشكوا (٣) إذا برد عليهمُ الماءُ أن يتيمموا"، وهو يُشْكِلُ مع مخالفة النص، وسنتكلم عليه الآن.

стр. 2514

الرابعة (١): فيه دليل على شرعية التيممِ، وهو منصوصُ الكتاب العزيز وإجماعُ الأمة. الخامسة: المنقولُ عن عمر وابن مسعود ﵄: أن الجُنُبَ لا يتيمم (٢)، لكنه يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكونَ سببُه أن ألفاظَ الآيةِ الكريمة لا تتناوله. والثاني: أن يكون العمومُ متناولاً له، لكنه يخرج عن العموم كما في سائرِ مسائلِ تخصيصِ العمومِ. وقد حُمِلَ مذهب عمر ﵁ على أنه كان يرى أنَّ الآية لا تتناول الجنبَ رأساً، فمنعه التيممَ لذلك، وتوقفَ في حديث عمار، لكونه لم يَذْكُره حين ذكَّره به. وحُمِل مذهب ابن مسعود على أنه ليس داخلاً في عموم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] أي: مع كونه متناوِلاً له، واستدل بتسليمه لأبي موسى، وبأنه نَحى إلى منع الذريعة، قال بعضهم: وكانَّه كان يعتقدُ تخصيصَ العموم بالذريعة، ولا بُعْدَ في القول به على ضعفه (٣). قلت: قوله: "وإنما كرهتموه لِذا؟ قال: نعم"، قد يُشعر بما نُسِب إلى ابن مسعود من أنه يسلم العموم، ويمنع لهذا المعنى. السادسة: فيه دليلٌ على تيمم الجُنُبِ، وهو مذهب الفقهاء،

стр. 2515

وقد ذُكِرَ خلافهُ عن عمر وابن مسعود ﵄ كما تقدم، وقيل: إنهما رَجَعا عن ذلك. [قال بعضهم: وقد صَحَّ عن عمرَ وابنِ مسعود أنهما رجعا إلى أنَّ الجنب يتيمم] (١). قال: وهو الصحيح؛ لأنَّ الآية بعمومها متناولةٌ له ولحديث عمار، وحديثِ عِمران بن حُصين، حيث قال رسول الله ﷺ للرجل الذي قال: أصابتني جنابة، ولا ماء: "عليك بالصَّعيد، فإنه يكفيك" (٢)، وهذا نصٌّ رافعٌ للخلاف (٣). السابعة: فيه التوقفُ والتثبُّت، وعدمُ التنازعِ إلى العمل حيث تقع الرِّيبة، وذلك من قوله: "ألم تر عمر لم يقنع؟ "، قال القاضي عياض ﵀: وإنكارُ عمرَ الخبر على عمار؛ لأنَّه حدَّثه أنه كان حاضراً له عند النبي ﷺ , ولم يذكره (٤). قلت: ليس في اللفظ الذي ورد فيه هذا، ما يدلُّ على أنَّ عماراً حدَّث عمر أنه كان حاضراً له عند النبيِّ ﷺ ، ولم يَذْكُرْه؛ لأنَّ اللفظ الذي جاء من رواية ابن أبزى: أن رجلاً أتى عمرَ، فقال: إني أجنبتُ، فلم أجدْ ماءً، فقال: لا تُصَلِّ، فقال عمار ﵁: أَمَا تذكُرُ يا أمير المؤمنين! إذ أنا وأنت في سَرِيَّةٍ فأجنبنا، [فلم نجد ماء]، فأما أنت لم

стр. 2516

تصلِّ، وأما أنا فتمعَّكْتُ في التراب، فصليتُ، فقال النبي ﷺ : "إنما كان يكفيك أن تضربَ بيديك الأرضَ، ثم تنفضَ (١)، ثم تمسحَ بها وجهك وكفيك"، فقال عمر: اتَّقِ الله يا عمار! الحديث (٢). والمتحقِّق من هذا: أنهما كانا مجتمعين في السَّرِيَّة، وأما أنهما كانا مجتمعين عند قول النبي ﷺ ذلك الذي أخبر به عنه عمار، فلا يتحقّق. الثامنة: فيه دليلٌ على أن التوقف لأجل الرِّيبة إذا لم تَزُلْ، وجب العمل بظاهر الحال، وما يقتضيه الموجبُ لذلك، وهذا من قول عمر ﵁: نولِّيك ما تولَّيت، وقد نصَّ الفقهاء على ذلك في باب القضاء، أعني: أن الحاكمَ يتوقف لأجل الريبةِ، فإن لم تَزُلْ أمضى الحكم بمقتضى البينة (٣)، وهذا ينبغي أن يُجعَل أصلاً فيه. التاسعة: قد مرَّ في الحديث ذِكْرُ قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦]، والشافعيةُ أوجبوا القَصْدَ إلى الصعيدِ أخذاً من معنى التيمم ومدلوله، وبنوا عليه: أنَّه لو وقفَ غير ناوٍ في مهبِّ

стр. 2517

الريح، فَسَفَتْ عليه التراب، ونوى التيممَ عندما حصل الترابُ عليه، لم يصِحَّ تيممه، وإن وقف قاصداً بوقوفه التيمم، حتى أصابه الترابُ، ففي صحته وجهان (١). العاشرة: أوجبَ الشافعيةُ النقل، أعني: نقل الترابِ الممسوحِ به إلى العضو، واحتُج عليه: أن الله تعالى إنما أمر بالتيمم، وهو القَصْد، قيل: وإنما يكون قاصداً، إذا نقل التراب إلى المحل الممسوح (٢). وهذا يُنازَعُ فيه، وليس بالشديد الظهور، ولقد أحسن الرافعيُّ في قوله: وغيرُ هذا الاستدلال أوضح منه. وبنى الشافعيَّةُ على هذه القاعدة: أنه لو كان على وجههِ ترابٌ، فمسح به، لم يُجْزِهِ؛ لأنه لم ينقله (٣). إلى غير ذلك من الفروع، والله أعلم. الحادية عشرة: الحديثُ يدل على النَّفضِ للتراب بعد الضَّرب عليه وقبل المسح، وقيل: يَستدل به من لا يرى اشتراطَ نقلِ شيءٍ إلى العضو الممسوحِ؛ لأنه بَعْدَ نفضِهِ وعدمِ تشبُّثهِ بالعضو المضروبِ، لا يبقى منه، أو لا يكاد يبقى منه شيء (٤)، وهو ضعيف.

стр. 2518

الثانية عشرة: الذين يشترطون وصول التراب إلى العضو، فيحملون النفضَ على ما إذا كان كثيراً، وأنه يُكتفى بنفضة واحدة إذا كان قليلاً. الثالثة عشرة: قال البَغَوِيُّ في "شرح السنة": وفي حديث عمار دليلٌ على أن مَسْحَ الوجه واليدين كافٍ للجُنُب، كما كان يكفي للمُحْدِث، فمَسْحُ الوجه واليدين بالتراب تارةً يكون بدلاً عن غسل أعضاء الوضوء في حق المحدث، وتارة يكون بدلاً عن غسل جميعِ البدنِ في حق الجنب، والحائضِ، والميِّتِ، عند العجز عن استعمال الماء؛ لعُدْمٍ، أو مرضٍ يُخاف منه الهلاكُ، وزيادةُ المرضِ، وتارة يكون بدلاً عن غسل لَمعة من بدنه؛ بأن كان على عضو من أعضاءِ طهارته جُرْحٌ، يُخاف من إيصالِ الماء إليه الهلاكُ، أو تلفُ العضو، أو زيادةُ الوجعِ، فعليه أن يغسل الصحيح من أعضائه، ويتيمم بالتراب على الوجه واليدين، بدلًا عن غَسْل موضعِ الجُرْحِ (١). قلت: أما أن في حديث عمار دليلاً على أن مسح الوجه واليدين كافٍ للجنب، كما يكفي للمُحْدِث؛ فصحيح، وأما كلُّ ما ذكر بعد ذلك، فليس فيه دليل عليه، ولعلَّ البغوي لم يقصد بقوله: فمسح الوجه واليدين إلى آخره، أن يَدْخُلَ تحت الحديث، وإنما هو كلامٌ ابتدأ به لبيانِ الأحكامِ عنده. الرابعة عشرة: قال ابن حزم الظاهري: في هذا الحديث إبطالُ القياسِ؛ لأن عماراً قدَّر أن المسكوتَ عنه من التيمم للجنابة حكمُهُ

стр. 2519

حكمُ الغُسْل للجنابة، إذ هو بدلٌ منه، فأبطلَ رسولُ الله ﷺ ذلك، وأعلمه أنّ لكلِّ شيء حُكْمَ المنصوص عليه فقط (١). والاعتراضُ عليه من وجوه: أحدها: لا نسلِّم أنه أبطله، فإن الحكمَ المتجدِّدَ في الحال، لا يلزم منه بطلانُ الفعلِ الماضي، ولا الحكم، فإن القياس لا يكونُ أعلى من النص، ولو ورد نصٌّ بحكم، وورد بعده خلافُه، لم يدلَّ على بطلانِ الماضي، وعدمِ اعتبارِه في وقته، إنَّما الذي يدل على بطلانِ الماضي اللفظُ الدالُّ على عدمِ اعتباره بوجهٍ ما، وهذا ظاهرٌ في الرواية التي لفظها: "إنما يكفيك". الثاني: [سلّمنا] (٢) أنه أبطلَ القياسَ، لكنه أبطلَ كلَّ ما قاسه عمار، أو بعضَ ما قاسه؟ الأولُ ممنوع، وظاهرٌ أنه ليس كذلك؛ لأن لِعمارٍ قياسين: أحدهما: قياسُ تيمُّمِ الجُنُبِ على تيممِ المُحْدِثِ في أصل التيممِ. والثاني: قياسُ البدلِ على الأصلِ في تعميمِ البدنِ، وهذا الثاني هو الذي وقعَ إبطالُه، أما الأول فلا. وإنَّما قلنا: إن له قياسين، أما الثاني: فظاهر، وأما الأول: وهو قياس أصل التيمم للجنابة على أصله عن الحدث، فإن عماراً ﵁

стр. 2520

لم يكن يعتقد أنَّ الآيةَ تتناولُ تيممَ الجنبِ؛ لأنه لو كان يعتقد ذلك، لكان الحكمُ متبيِّناً له من الآية، وهو التيمم في الوجه واليدين فقط، فلم يكن ليتمرَّغَ في التراب، وإذا لم يكن الحكم متبيناً له، فإقدامُه على التيمم عن الجنابة، يكون بقياسها على التيمُّم عن الحَدَثِ الأصغر. الثالث: سلَّمنا أنه إبطالٌ لكل قياسٍ قاسه [عمار في هذه الواقعة، لكنَّ إبطالَ القياس الجزئي، لا يلزمُ منه إبطالُ القياس] (١) الكليِّ، كما زعم، فإن القائسين لا يصححون كلَّ قياس. الرابع: قد نزيدُ وندَّعي: أنه يدل على صحة القياس بما بيَّنَّاه في الوجه الثاني؛ من أن قياسين لم يرض إلى بطلانِ أحدهما. الخامس: وهو على رواية: "إنما كان يكفيك" أن تقول: بإثباتِ كان، وهو أن يُدَّعى: أن الحديثَ يدل على إثباتِ القياس، وطريقُه أن يقالَ: لو كان فعلَ ما ذكر لكانَ قائساً، ولو كان فعله، لكان مصيباً، فيكونُ فعلُه لازماً للقياس والإصابةِ، فلو كان وُجِدَ الفِعْلُ، وهو الملزومُ لوُجِدَ اللازمان؛ القياسُ والإصابةُ، ويُقرَّر: أنه لو كان فعل لكان قائساً، مريدين لقياس أصلِ التيمم عن الجنابةِ، على التيمم عن الحدث الأصغر بما قدمناه. الخامسة عشرة: الحديثُ يدل على وجوب استيعابِ الوجه بالمسح؛ لأن لفظة (إنَّما) تدل على انحصارِ الاكتفاء بما ذُكِر، والوجه

стр. 2521

حقيقةٌ في جملة العضو. وعن أبي حنيفة ﵁ من رواية الحسن بن زيادٍ: أنه إذا مسح أكثرَ وجهِهِ، أجزأه، ونقل بعضُ الشافعية عنه: أنه يجوز أن يُتْرَك من ظاهر الوجه دون الربع (١). السادسة عشرة: الحديث يدلُّ على أنه مسح بالضربة الواحدة وجهَه وكفيه، وبالضربةِ الواحدةِ لا يصل الترابُ إلى منابت الشعورِ، وكذلك حكَمَ الشافعية، ولم يفرقوا بين الخفيفة والكثيفة، ولا العامة والنادرة، كما فرَّقوا في الوضوء، وعندهم وجه: أنه يوصَلُ الترابُ إلى ما تحتَ الشعورِ، التي يجب إيصال الماء إليها، إعطاءً للبدلِ حكمَ الأصل، وفُرِّق؛ لعسر الصال التراب إلى منابت الشعور (٢). السابعة عشرة: الحديث يدل على الاكتفاء بمسمى مسح الوجه، وهو حاصل بدون إيصال التراب إلى ما استرسل من اللحيةِ، إذا (٣) كان اسمُ الوجه منطلقاً بدونها، وأجرى الشافعية فيه الخلافَ الذي في الوضوء (٤)، والله أعلم. الثامنة عشرة: الأقرب أن يُحمل قوله ﷺ : "إنما كان يكفيك"، على أن المراد يكفي، لو عُلِم الحكمُ حينئذ، ولا يحمل على أن المراد

стр. 2522

"كان يكفيك" في القياس؛ لأنَّه قاس البدل على الأصل، ومقتضاه ما فعل، ولا يقتضي قياسُ البدل على الأصل أن يقتصر على الوجه واليدين. التاسعة عشرة: قال القاضي عياض ﵀: وفيه أن المتأوِّلَ المجتهدَ لا إعادةَ عليه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمر عماراً بالإعادة، وإن كان خَطَّأ اجتهادَه؛ لأنه إنما تَرك هيئة الطهارة، وقد جاء بها على غير هيئتها، بأكمل مما يلزمه (١). قلت: أما أول الكلام، وهو الاستدلال بأنَّه لم يأمره بالإعادة، فيمكن أن يُقال فيه: إنه إنَّما لم يأمرْه فيه بالإعادة؛ لأنه قد أتى بالواجب وزيادة، كما دلَّ آخرُ الكلام عليه، فآخر الكلام يمنع صحةَ الاستدلالِ بعدمِ إلزامِ الإعادةِ على المجتهدِ المتأولِ؛ لأنَّ الإتيانَ بالواجبِ وزيادة عليه خطأ في الزيادة، لا يمنعُ من الاكتفاء بفعل القدر الواجب، وهذا الاعتراض مبنيٌّ على أن التمرُّغَ في التراب يُجزئ إذا حصل فيه مسحُ الوجه واليدين، وفيه منعٌّ لبعض الشافعية، فإنَّ عندهم وجهين: فيما إذا تمعَّك في التراب، فوصل إلى وجهه ويديه يغير عذر، هل يجزئه بناء على أصل آخر وهو وجوب نقل التراب؟ فإن هذا لم يَنقلِ الترابَ إلى العضو، وإنما نقل العُضْو إلى التراب (٢). العشرون: الاستدلالُ بهذه الرواية على عدم وجوب الترتيب

стр. 2523

ظاهرٌ جداً؛ لأنَّه ذكر مسح اليدين، وعطفَ عليه مسحَ الوجهِ بكلمة (ثُمّ) المقتضيةِ للترتيب، ولا تَعارُضَ برواية العطفِ بالواو؛ لأنها لا توجب، ولا تَمْنع، فهذه الرواية إذاً فيها زيادة، يجب قبولُها. الحادية والعشرون: إنما ذَكَرَ رواية الإسماعيلي بعد رواية البخاري، مع اشتراكها في الدلالة على عدمِ وجوبِ الترتيب؛ لأنَّ رواية البخاريِّ وإن دلت، فقد أُحيلَ فيها على الفعل بـ"هكذا"، فالمُشَغِّب يقول: هذا المسحُ للكفين أولاً، لا ينافيه مسحُها (١) بعد مسحِ الوجه، ويكون (٢) الأول - أعني مسحَ الكفين أولاً - لا على قصد التيمم، وهذا الاحتمال بعيدٌ جداً؛ لأنَّ الحديث مسوقٌ لبيان القدر الواجب الكافي، فلا يجوز أن يُخِلَّ بذكرِ شيء منه لا أصلاً، ولا نقلاً، فلمَّا كان هذا الاحتمال الذي يُوْرِده المُشَغِّبُ جائزاً على الجملة، وإن اشتدَّ بعده، أوردَ روايةَ الإسماعلي عقيبَه لقطع دابرِه؛ لأنها قولٌ لا إحالة فيه على فعل، فيكون النصُّ القولي دالاً على الاكتفاء بما ذُكر، إلا أن فيه إشكالاً سنتعرض لجوابه، وهو أنه يقتضي أن تكونَ الكفاية منحصرةً في تقديم اليدين على الوجه، ولم يقل به أحد. الثانية والعشرون: الكفاية يُتيَقَّن منها الإجزاءُ والخروجُ عن العُهدة، وأما أنّها تدلُّ على عدمِ الزيادة على المذكور، فليس بالقويّ، والسياق هاهنا ينفيه، وهي محتمِلَةٌ لهذا المعنى، إذا قامت القرينةُ

стр. 2524

عليه، والله تعالى أعلم. الثالثة والعشرون: السياق يقتضي أنَّ المقصود، إنما نَفى ما زاده عمار ﵁ مما زاد على الوجه واليدين، وحصرَ الإجزاءَ في الوجه واليدين فقط؛ لأنَّ الذي أُريد به نفيُ ما فعله من الزيادة، فهذا أحد المواضع التي تكون (إنما) فيه غيرَ عامة فيما دخلت عليه بالسياق، وإذا كان هذا هو المراد، فلا تقوى دلالتُه على الحصر للكفاية في تقديم اليدين على الوجه، ولا تبقى الدلالةُ على جوازِ التقديم. الرابعة والعشرون: قد يمكنُ مَنْ لا يرى وجوب الترتيب أن يستدلَّ بالحديث؛ لأن التمرُّغَ كالدابَّة، يمكن أن يكون مع الترتيب، ويمكن أن لا يكونَ معه، بأن يقعا معاً، وعلى أحد التقديرين تلزم الإعادةُ، وعلى التقدير الثاني لا تلزم، فترْكُ التفصيلِ والاستفصالِ يدل على عدم الوجوب للترتيب، وتعينه في أداء الفرض على القاعدة المشهورة. الخامسة والعشرون: لو أرادَ مَنْ ذكر في الحديث: أن المتأوِّلَ المجتهدَ لا إعادة عليه بهذه الطريق التي ذكرناها، وهو أن يقول: لو وجبتِ الإعادة عليه، لبيَّن (١)، فلما لم يبيِّنْ، دل على أنه لا إعادة عليه؛ لقيل له: إنما يلزمُ بيان هذا على تقدير أن يتعيَّن الخطأُ الموجِبُ

стр. 2525

للإعادة، ولم يبيِّنْ، والخطأ هاهنا في الزيادة على الواجب قد بُيِّنَ (١)، وعدمُ الإعادة من جهة الإتيان بالواجب، والله أعلم. السادسة والعشرون: الحديث حجةٌ ظاهرة على أن الواجب الكفَّان في التيمم، ونُسِبَ هذا القول إلى علي، وابن عباس، وعمار، ومن التابعين: إلى الشَّعبي، وعطاءِ بن أبي رباح، ومكحولٍ، وأنه قال به الأوزاعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وجماعة أصحاب الحديث؛ ذكر ذلك البغوي (٢). والقاضي عياض قال: ويَحتجُّ بهذا من يقول: إن التيمم إلى الكوعين، وهو قول جماعة من العلماء، وفقهاءِ أصحاب الحديث، وبعضِ أصحابنا، وتأولوا (٣) على رواية ابن القاسم، عن مالك، فمن (٤) صلى بذلك أنَّه يعيد في الوقت، والمعروف من مذهب مالك: أن فرضَه إلى المرفقين، وهو قول أئمة الفتوى والسلف (٥). ونُقل عن قديم قولي الشافعي: التيممُ إلى الكُوعَيْن، قال الرافعي: وأنكر الشيخ أبو حامد وطائفةٌ ذلك، قال: وسواء ثبت
следующие страницы →