← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

حقيقةٌ في جملة العضو. وعن أبي حنيفة ﵁ من رواية الحسن بن زيادٍ: أنه إذا مسح أكثرَ وجهِهِ، أجزأه، ونقل بعضُ الشافعية عنه: أنه يجوز أن يُتْرَك من ظاهر الوجه دون الربع (١). السادسة عشرة: الحديث يدلُّ على أنه مسح بالضربة الواحدة وجهَه وكفيه، وبالضربةِ الواحدةِ لا يصل الترابُ إلى منابت الشعورِ، وكذلك حكَمَ الشافعية، ولم يفرقوا بين الخفيفة والكثيفة، ولا العامة والنادرة، كما فرَّقوا في الوضوء، وعندهم وجه: أنه يوصَلُ الترابُ إلى ما تحتَ الشعورِ، التي يجب إيصال الماء إليها، إعطاءً للبدلِ حكمَ الأصل، وفُرِّق؛ لعسر الصال التراب إلى منابت الشعور (٢). السابعة عشرة: الحديث يدل على الاكتفاء بمسمى مسح الوجه، وهو حاصل بدون إيصال التراب إلى ما استرسل من اللحيةِ، إذا (٣) كان اسمُ الوجه منطلقاً بدونها، وأجرى الشافعية فيه الخلافَ الذي في الوضوء (٤)، والله أعلم. الثامنة عشرة: الأقرب أن يُحمل قوله ﷺ : "إنما كان يكفيك"، على أن المراد يكفي، لو عُلِم الحكمُ حينئذ، ولا يحمل على أن المراد

стр. 2522

"كان يكفيك" في القياس؛ لأنَّه قاس البدل على الأصل، ومقتضاه ما فعل، ولا يقتضي قياسُ البدل على الأصل أن يقتصر على الوجه واليدين. التاسعة عشرة: قال القاضي عياض ﵀: وفيه أن المتأوِّلَ المجتهدَ لا إعادةَ عليه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمر عماراً بالإعادة، وإن كان خَطَّأ اجتهادَه؛ لأنه إنما تَرك هيئة الطهارة، وقد جاء بها على غير هيئتها، بأكمل مما يلزمه (١). قلت: أما أول الكلام، وهو الاستدلال بأنَّه لم يأمره بالإعادة، فيمكن أن يُقال فيه: إنه إنَّما لم يأمرْه فيه بالإعادة؛ لأنه قد أتى بالواجب وزيادة، كما دلَّ آخرُ الكلام عليه، فآخر الكلام يمنع صحةَ الاستدلالِ بعدمِ إلزامِ الإعادةِ على المجتهدِ المتأولِ؛ لأنَّ الإتيانَ بالواجبِ وزيادة عليه خطأ في الزيادة، لا يمنعُ من الاكتفاء بفعل القدر الواجب، وهذا الاعتراض مبنيٌّ على أن التمرُّغَ في التراب يُجزئ إذا حصل فيه مسحُ الوجه واليدين، وفيه منعٌّ لبعض الشافعية، فإنَّ عندهم وجهين: فيما إذا تمعَّك في التراب، فوصل إلى وجهه ويديه يغير عذر، هل يجزئه بناء على أصل آخر وهو وجوب نقل التراب؟ فإن هذا لم يَنقلِ الترابَ إلى العضو، وإنما نقل العُضْو إلى التراب (٢). العشرون: الاستدلالُ بهذه الرواية على عدم وجوب الترتيب

стр. 2523

ظاهرٌ جداً؛ لأنَّه ذكر مسح اليدين، وعطفَ عليه مسحَ الوجهِ بكلمة (ثُمّ) المقتضيةِ للترتيب، ولا تَعارُضَ برواية العطفِ بالواو؛ لأنها لا توجب، ولا تَمْنع، فهذه الرواية إذاً فيها زيادة، يجب قبولُها. الحادية والعشرون: إنما ذَكَرَ رواية الإسماعيلي بعد رواية البخاري، مع اشتراكها في الدلالة على عدمِ وجوبِ الترتيب؛ لأنَّ رواية البخاريِّ وإن دلت، فقد أُحيلَ فيها على الفعل بـ"هكذا"، فالمُشَغِّب يقول: هذا المسحُ للكفين أولاً، لا ينافيه مسحُها (١) بعد مسحِ الوجه، ويكون (٢) الأول - أعني مسحَ الكفين أولاً - لا على قصد التيمم، وهذا الاحتمال بعيدٌ جداً؛ لأنَّ الحديث مسوقٌ لبيان القدر الواجب الكافي، فلا يجوز أن يُخِلَّ بذكرِ شيء منه لا أصلاً، ولا نقلاً، فلمَّا كان هذا الاحتمال الذي يُوْرِده المُشَغِّبُ جائزاً على الجملة، وإن اشتدَّ بعده، أوردَ روايةَ الإسماعلي عقيبَه لقطع دابرِه؛ لأنها قولٌ لا إحالة فيه على فعل، فيكون النصُّ القولي دالاً على الاكتفاء بما ذُكر، إلا أن فيه إشكالاً سنتعرض لجوابه، وهو أنه يقتضي أن تكونَ الكفاية منحصرةً في تقديم اليدين على الوجه، ولم يقل به أحد. الثانية والعشرون: الكفاية يُتيَقَّن منها الإجزاءُ والخروجُ عن العُهدة، وأما أنّها تدلُّ على عدمِ الزيادة على المذكور، فليس بالقويّ، والسياق هاهنا ينفيه، وهي محتمِلَةٌ لهذا المعنى، إذا قامت القرينةُ

стр. 2524

عليه، والله تعالى أعلم. الثالثة والعشرون: السياق يقتضي أنَّ المقصود، إنما نَفى ما زاده عمار ﵁ مما زاد على الوجه واليدين، وحصرَ الإجزاءَ في الوجه واليدين فقط؛ لأنَّ الذي أُريد به نفيُ ما فعله من الزيادة، فهذا أحد المواضع التي تكون (إنما) فيه غيرَ عامة فيما دخلت عليه بالسياق، وإذا كان هذا هو المراد، فلا تقوى دلالتُه على الحصر للكفاية في تقديم اليدين على الوجه، ولا تبقى الدلالةُ على جوازِ التقديم. الرابعة والعشرون: قد يمكنُ مَنْ لا يرى وجوب الترتيب أن يستدلَّ بالحديث؛ لأن التمرُّغَ كالدابَّة، يمكن أن يكون مع الترتيب، ويمكن أن لا يكونَ معه، بأن يقعا معاً، وعلى أحد التقديرين تلزم الإعادةُ، وعلى التقدير الثاني لا تلزم، فترْكُ التفصيلِ والاستفصالِ يدل على عدم الوجوب للترتيب، وتعينه في أداء الفرض على القاعدة المشهورة. الخامسة والعشرون: لو أرادَ مَنْ ذكر في الحديث: أن المتأوِّلَ المجتهدَ لا إعادة عليه بهذه الطريق التي ذكرناها، وهو أن يقول: لو وجبتِ الإعادة عليه، لبيَّن (١)، فلما لم يبيِّنْ، دل على أنه لا إعادة عليه؛ لقيل له: إنما يلزمُ بيان هذا على تقدير أن يتعيَّن الخطأُ الموجِبُ

стр. 2525

للإعادة، ولم يبيِّنْ، والخطأ هاهنا في الزيادة على الواجب قد بُيِّنَ (١)، وعدمُ الإعادة من جهة الإتيان بالواجب، والله أعلم. السادسة والعشرون: الحديث حجةٌ ظاهرة على أن الواجب الكفَّان في التيمم، ونُسِبَ هذا القول إلى علي، وابن عباس، وعمار، ومن التابعين: إلى الشَّعبي، وعطاءِ بن أبي رباح، ومكحولٍ، وأنه قال به الأوزاعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وجماعة أصحاب الحديث؛ ذكر ذلك البغوي (٢). والقاضي عياض قال: ويَحتجُّ بهذا من يقول: إن التيمم إلى الكوعين، وهو قول جماعة من العلماء، وفقهاءِ أصحاب الحديث، وبعضِ أصحابنا، وتأولوا (٣) على رواية ابن القاسم، عن مالك، فمن (٤) صلى بذلك أنَّه يعيد في الوقت، والمعروف من مذهب مالك: أن فرضَه إلى المرفقين، وهو قول أئمة الفتوى والسلف (٥). ونُقل عن قديم قولي الشافعي: التيممُ إلى الكُوعَيْن، قال الرافعي: وأنكر الشيخ أبو حامد وطائفةٌ ذلك، قال: وسواء ثبت

стр. 2526

أم لا، فالمذهب الأول (١)، يعني: أن الواجبَ استيعابُ اليدين إلى المِرفقين. السابعة والعشرون: فيه دليل على الاكتفاء بضربة لقوله: "وضرب بكفه [ضربةً على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه] (٢)، ثم مسح بها وجهَه" قال القاضي عياض ﵀: في ظاهره حجةٌ لمن يَرى الفرضَ ضربةً، وهو قولُ بعض أصحابنا، ودليل قول مالك، وأنه لا إعادة على من فعله، أو يعيد في الوقت، وأن الضربةَ الثَّانية سُنَّةٌ، قال: وجمهور العلماء على أنه لا تُجزئه إلَّا ضربتان، وهو قول بعض أصحابنا، وجعله بعضهم قولَ مالك (٣). قال الرافعي الشَّافعي: واعلم أنه قد تكرَّرَ لفظُ الضربتين في الأخبار، فجرى طائفة من الأصحاب على الظاهر، وقالوا: لا يجوز أن ينقُصَ منهما، ويجوز أن يزيد، فإنَّه قد لا يتأتى له الاستيعابُ بالضربتين، وقال آخرون: الواجب إيصالُ التراب إلى الوجه واليدين، سواء كان بضربة، أو أكثر، قال: وهذا أصح (٤). الثامنة والعشرون: أما الاكتفاء بالكفين عن المسح إلى المرفقين،

стр. 2527

فدلالة الحديث عليه قوية جداً، بل ربما يُدَّعى أنها نصٌّ على طريقة الفقهاء، والذين خالفوا يحتاجون إلى الاعتذارِ عن المخالفة، والذي اقتضاه كلامُ بعضِ الأكابر منهم الاعتذارُ بوجوه: أحدها: المعارضاتُ برواياتٍ أخرَ تقتضي المسحَ إلى المرفقين، فذكر: أنه روى جابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبو أُمامة: أن النَّبيُّ ﷺ قال: "التَّيمم ضربتان: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين"، وذكر أيضاً في الجواب عن احتجاج خصومه: أنه قد رُوي عن عمار: أن النَّبيُّ ﷺ قال: "التَّيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المِرْفقين". والثاني: أن يقالَ: تتعارضُ الروايتان، أعني (١): عن عمار في الكفين والمرفقين، وتبقى الروايات التي تمسك بها. وثالثها: الترجيح، بأنَّ يقول: خبرُنا أَزيدُ، فكان أولى و (٢) أحوط، وأشار إلى ترجيح آخر لم يُفصح به؛ لأنَّه قال: أو يرجح بما ذكرنا، وكان ذكر أمرين: أحدهما: القياسُ بأنه بدلٌ، يؤتَى به في محل مُبْدَله، فوجب استيعابُه أصلَه مسح الوجه. وثانيهما: ذكر وجهين فيما يتعلق بالآية: أحدهما: أن المطلق يُحمل على ما هو من جنسه، أولى من

стр. 2528

حمله على غير جنسه، وفي الوضوء يجب إلى المرفقين، وكذلك (١) في التَّيمم. الثَّاني: قال: لأنَّ الآية حجةٌ لنا؛ لأنَّ إطلاق اليد يقتضي إلى المناكب، وأجمع المسلمون على استثناء العضُد، فيبقى على ظاهره، وكذلك كان المقتضى في قطعِ السارق، إلَّا أن النبي ﷺ قطع من الكوع، فتركنا مقتضاه الظاهر، وصرنا إلى ما فعله ﷺ . ورابعها (٢): التأويل؛ لأنَّه ذَكر الكفين، وعبَّر بهما عن الذراع؛ لأنَّ العرب تسمي الشيء بما هو من جنسه. ولخصومهم أن يقولوا: أمَّا الروايات المذكورة في المعارضة فلابدَّ من معرفة مخارجها، وعدالةِ رواتها، وانتفاء العلل عنها، وحديث ابن عمر منها أخرجه الدارقطني من حديث عليّ بن ظُبْيان، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافعٌ، عن ابن عمر، عن النَّبيُّ ﷺ قال: "التيممُ ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين". قال الدارقطني: كذا رواية عليّ بن ظُبيان، مرفوعاً، ووقفه يَحْيَى القطَّان، وهشيم، وغيرهما، وهو الصواب (٣). ثم أخرج الدارقطني رواية يَحْيَى بن سعيد، ورواية هُشَيم، عن

стр. 2529

عبيد الله بن عمر، ويونس، عن نافعٌ، عن ابن عمر، بالوقف (١). ورواية مالك، عن نافعٌ: أن ابن عمر كان يتيمم إلى المرفقين (٢). وأمَّا رواية جابر، فأخرجها الدارقطني من حديث عَزْرة بن ثابتٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، عن النَّبيُّ ﷺ قال: "التَّيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين" (٣). وفي كلام بعضهم احتجاجُهم بحديث ابن الصِّمَّة قال: مررت على النَّبيُّ ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد [عليَّ] (٤)، حتَّى قام إلى جدارٍ، فحتَّه بعصاً كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه (٥). قال البغوي: هذا حديث حسن، وفيه فوائد:

стр. 2530

منها: وجوبُ مسح اليدين إلى المرفقين، قال: وهذا أشبه بالأصول، والأولى أصح في الرواية، وهو مسح الوجه على الكفين. ومنها: أن التَّيمم لا يصِحُّ ما [لم] (١) يعلق بالوجه غبار التراب؛ لأنَّ النَّبيُّ ﷺ حثَّ الجدار بالعصا، ولو كان مجرد الضرب كافياً، لكان لا يحتُّه. ومنها: استحبابُ الطهارةِ لذكرِ الله تعالى (٢). قلت: أما قوله هذا حديث حسن، فعجيب! فإنَّه من رواية إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة، وإبراهيم بن أبي يَحْيَى الذي خرج الحديث من جهته، قد أكثروا عليه القول من جهات، وأفْظَعَ فيه النَّسائى القولَ جداً (٣)، ولعله قربَ أمرَه لرواية الشَّافعي ﵀ عنه، واعتقاده صدقه على ما روي عنه. وأمَّا أبو الحويرث عبد الرحمن بن محمد، فقد (٤) روى مسلم في مقدمة كتابه "الصحيح" عن أبي جعفر الدَّارميُّ، عن بشر بن عمر، سألت مالكَ بن أنسٍ عن أبي الحويرث، فقال: ليس بثقة (٥). وأمَّا استدلالُه به على وجوب المسح إلى المرفقين، وعلي أن التَّيمم لا يصح ما لم يعلقْ بالكف غبارٌ، فلخصمه أن يقول: الحديث

стр. 2531

الذي تمسكتَ به يدل على الاكتفاء والإجزاء، والذي استدللت به لا يدل على الوجوب؛ لأنَّ الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، فأحمله على الاستحباب، وهذا اعتراض ظاهرٌ. التاسعة والعشرون: وربما احتج في المسألة بحديث محمد بن ثابت العبدي (١). الثلاثون: من استدلالاتهم التي قد تُقام عذرًا في المخالفة: حديثُ أبي داود من رواية محمد بن ثابت العبدي، قال: حدَّثنا نافعُ قال: انطلقت مع ابنِ عمرَ في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابنُ عمر حاجته، وكان من حديثه يومئذٍ أنْ قال: مرَّ رجلٌ على رسول الله ﷺ في سِكَّة من السكك، وقد خرج من غائط أو بولٍ، فسلَّم عليه، فلم يرد عليه، حتَّى [إذا] كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلامَ، [و] (٢) قال: "إنه لم يمنعني أنْ أردَّ عليك السلامَ، إلَّا أني لم أكن على طُهرٍ" (٣)، وهذا الحديث - وإن كان قد

стр. 2532

تُكُلِّمَ في محمد بن ثابت خيرٌ من الأول وأقوى، لحُسْن حال محمد هذا بالنسبة إلى حال الرجلين في الحديث قبله عند المحدثين، لكنَّ فيه من الإعتراض ما في الحديث الأول؛ من منع دلالةِ الفعل على الوجوب.

стр. 2533

الحادية والثلاثون: المنقول عن الزُّهريّ: أن التَّيمم إلى المناكب (١)، والحديث يدل على خلافه، لدلالته على الاكتفاءِ بما دون المناكب. الثَّانية والثلاثون: قد تقدَّمت مسألةٌ في الاستدلال على عدم اشتراط التَّرتيب بطريقة ترك الاستفصال، ويمكن أن يؤخذ من الحديث من وجه آخرَ، وهو حُصول المسمَّى من مسح الوجه واليدين، مع دلالة النص على الاكتفاء بالمسمى حيث ذكر الاكتفاء بمسح الوجه واليدين بالواو التي (٢) لا تقتضي التَّرتيب. الثالثة والثلاثون: المشهورُ أن حُكْمَ الموالاة في التَّيمم، كحكمها في الوضوء، فتخرَّج على قولين للشافعية، ومن يعتبر الجفاف للماء، اعتبر هاهنا مدَّة الجفاف، لو كان المسْتَعْمَلُ ماء، ونقلت طريقة قاطعة عن بعض الشَّافعية باشتراطها في التَّيمم، وأخرى قاطعة بعدم الاشتراط في التَّيمم (٣)، والاستدلال بحصول المسمى

стр. 2534

الذي ذكرناه في التَّرتيب يجيء مثله هاهنا. الرابعة والثلاثون: حصول المسمَّى إذا اقتضى الاكتفاء، لا يعيِّن هيئةً دون هيئةٍ. * * *

стр. 2535

الحديث المُوْفيَ عِشرين وروى أبو داود من حديث خالد بن مَعْدانَ، عن بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ : أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رجلًا، وفي ظَهْرِ قَدَمِهِ لَمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرهم، لم يُصِبْها الماءُ، فأمرَه النبيُّ ﷺ أنْ يُعيدَ الوضوءَ والصلاةَ. وفي إسناده بَقِيَّة، يرويه عن بَحيِر بن سعد. وفي "المسند" عن أحمد أنه قال (١): ثنا بَحِيْر (٢). قال الأثرم:

стр. 2536

قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ قال: نعم. الكلام عليه من وجوه: * * * * الأول: في التعريف: فنقول: بَحِير - بفتح ثاني الحروف، وكسر سادسها، وقبل الراء المهملة ياء - ابن سعد أبو خالد السُّحولي (١)، ويقال: الكُلاعي، ويقال: الحزازي الحِمْصي، روى عن أبي عبد الله خالد بن معدان الكُلاعي، روى عنه عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، ومعاوية بن صالح الحَضْرمي، وإسماعيلُ بن عيَّاش، ومحمد بن حمير، وبقيَّةُ بن الوليد، وأبو مطيعٍ معاويةُ بن يَحْيَى الإطرابُلُسي. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: بحير بن سعد صالح الحديث. قال الأوْنَبِي: أخرج له أبو داود، والترمذي، وهو ثقة، قاله ابن صالح، والنسوي. وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمدَ بن حنبل -: أيُّما أصحُّ حديثاً عن خالد بن معدان؛ ثور، أو بحير بن سعد؟ قال: بحير، فقدَّم بحيراً.

стр. 2537

وقال محمد بن عوف الطَّائي: قال أحمد بن حنبل: ليس بالشام أثبت من حُرَيْز، إلَّا أن يكون بحيراً، انتهى (١). وأمَّا بَقِيَّة: - بفتح الموحدة وكسر القاف -، فهو أبو يُحْمِد - بضم الياء آخر الحروف (٢)، وسكون الحاء المهملة، وكسر الميم، وآخره دال مهملة - بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حُرَيْز، الكلاعي الشَّاميُّ الحمصي. روى عن أبي خالد بحير بن سعد الحزازي الحمصي، وأبي سفيان محمد بن زياد الأَلْهاني الحمصي، وأبي عبد الله ثابت بن عَجلان الأنصاري السلمي الحمصي. روى عنه: شعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن يَحْيَى البرلسي المصري، وإبراهيم بن موسى الفرَّاء، وهشامُ بن عمَّار الدمشقيّ، وحَيْوَةُ بن شُرَيح بن يزيد الحَضْرمي الحِمْصي، وأبو سليمان يَحْيَى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينارٍ الحمصي، وأبو حَفْص عمر بن سعيد بن

стр. 2538

مسروقٍ الحمصي، وأبو عثمان سعيد بن عمرو بن سعيد السُّكوني الحمصي، فيما ذكر الأَوْنبَي. قلت: اختلفت الأقوال فيه، فمنهم من وثقه، وأطلق القول بذلك. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زُرعة يقول: بقية أحبُّ إليَّ من إسماعيل بن عيَّاش، ما لبقيةَ عيبٌ إلَّا كثرةَ روايتِهِ عن المجهولين، فأمَّا الصدقُ فلا يؤتى من الصِّدقِ، وإذا حدَّث عن الثقات فهو ثقة (١). وقال ابن صالح: بقية بن الوليد الحمصي، ثقةٌ ما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين، فليس بشيء (٢). وذكر عثمان الدَّارميُّ: أنه سأل يَحْيَى من معين قال: قلت: فبقية كيف حديثه؟ قال: ثقةٌ، قلت: هو أحبُّ إليك، أو ابنُ حرب؟ فقال: ثقة، وثقة (٣). قلت: وقد أخرج مسلم لبقيةَ في المتابعة، وذكر الصُّوفي قال: ثنا سعيد بن عثمان قال: سألت محمد بن عبد الله بن السُّكَّرى عن بقية بن الوليد، فقال: حمصيٌّ، ثقة، يُحدِّث عن الضعفاء، فما حدث عن الثقات فهو صحيح. ومنهم من شَجَّع القول فيه: فعن أبي مُسْهِر الغَسَّاني أنه قال:

стр. 2539

بقية ليست أحاديثه نقيَّة، فكن منها على تقيَّة (١). وعن سفيان بن عيينة: لا تسمعوا من بقية ما كان من سُنَّة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره (٢). ومنهم من فَصَّل القول، وبيَّن ما عابه به: ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سُئل أبي عن بقية، وإسماعيلِ بن عَيَّاشٍ، فقال: بقية أحبُّ إلي، فإذا حدَّث عن قوم ليسوا بمعروفين، فلا، يعني: لا تقبلوه (٣). وقال ابن أبي خَيْثَمة: سئل يَحْيَى بن معين عن بقية بن الوليدِ، فقال: إذا حدَّث عن الثقات مثلِ صفوانَ وغيره، فأمَّا إذا حدث عن أولئك المجهولين، فلا، وإذا كنَّى، ولم يسمّ اسمَ الرجل، فليس يساوي شيئًا، فقيل ليحيى: أيهما أثبت؛ بقية، أو إسماعيل بن عياش؟ قال: كلاهما صالحان (٤). وعن ابن المبارك: إذا اجتمع بقية وإسماعيل بن عياش في الحديث، فبقية أحبُّ إليَّ (٥).

стр. 2540

وذكره أبو أحمد الحاكم في كتاب "الأسماء والكنى" فقال: ثقةٌ في حديثه إذا حدَّث عن الثقات بما يُعرف، لكنه ربما يروي عن أقوام نُبلٍ مثل: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وعبد الله بن عمر العُمَرِي، أحاديثَ شبيهة بالموضوعة، أحدها: عن محمد بن عبد الرحمن القشيري، ويوسف بن السفر كاتب الأوزاعي، وغيرهما من الضعفاء، فيُسْقِطُهم من الوسط، ويرويها عمن حدثوه بها عنهم. وقال الأَوْنبَي: أخرج لبقيةَ هذا أبو داود، والترمذي، وأخرج له مسلمٌ في المتابعة، ولم يُتَكَلَّم [فيه من قِبَلِ حِفْظ، ولا مذهب، وإنَّما تُكُلِّمَ] (١) فيه من قبل تدليسه، وروايته عن المجهولين. وقال ابن يونس: توفي سنة سبع وتسعين ومئة (٢).

стр. 2541

* الوجه الثَّاني: في تصحيحه: وقد ذكرنا توثيقَ من وثَّقه مطلقاً، ومِن بَيْنِ ما أنكر عليه؛ من تدليس، أو روايةٍ عن المجهولين، وقد انتفتْ هذه العلة في الحديث الذي أوردنا؛ لما ذَكَرنا في "المسند" عن أحمد، قال: حدّثنا بحِير، فزال بذلك تهمةُ التدليس، والروايةُ عن المجهولين، وما ذكرنا من تصحيح القول فيه عن بعضهم، فليس فيه ما يدل على شيء منكر منه غيرِ التدليس، والروايةِ عن المجهولين، فقد وُجِدَ شرْطُ ذِكْرِنا له في الكتاب. * * * * الوجه الثالث: في الفوائد، وفيه مسائل: الأولى: فيه دليل على اشتراط الموالاةِ في الوضوء، وقد اختلفَ فيها الفقهاءُ، وليس فيه ما يدل على فصْلٍ طويل، أو قصير، وكيفما كان فهو دليل. وقد رُوي في الحديث من وجه آخر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ارجع فأحسِنْ وضوءَك" (١)، وهذا لا ينافي ما دلَّ عليه هذا الحديث، فإن "فأحسن وضوءك" مُبْهَم في كيفية الإحسان، مبيَّنٌ في هذه الرواية أنه

стр. 2542

إعادة الوضوء والصلاة، بل قد ادعى الخطابي أنَّ دلالته: أنه لا يجوز تفريق الوضوء، وذلك لأنَّه قال: "ارجعْ فأحسن وضوءك"، وظاهر معناه: إعادة الوضوء في تمامٍ، ولو كان تفريقه جائزًا لأشبه أن يقتصر فيه على الأمر بغسلِ ذلك الموضعِ، أو كان يأمره بمسِّه الماءَ في مقامه ذلك، وأن لا يأمره بالرجوع إلى المكان الذي يتوضأ منه (١). ولا يخلو بعض هذا من نظرٍ، لا سيَّما قوله في آخر الكلام: أو كان يأمرُه بمسِّ الماء في مقامه، ولا يأمرُه بالرجوع، فإنَّه جائز أن لا يكون الماءُ حاضرًا. وأيضًا، فلا فرق بالنسبة إلى وجوب الموالاة، أو عدم الوجوبِ بين الأمكنة، فلو كان الماءُ حاضرًا، لم يَأْمر بالرجوع، وإن وجبتِ الإعادةُ. الثَّانية: الحديثُ دالٌّ على الاشتراط، وما دل على الشرطية، دلَّ على الوجوب، بمعنى: أنه لا يجوز أداءُ المشروط بدون شرطِهِ، وأمَّا العكسُ؛ وهو أنَّ الوجوب هل يستلزم الشرطية؟ بمعنى: أنه إذا وجب شيء في أمر هل يكون شرطاً فيه؟ هذا لا يستلزمه من حيث هو كذلك، ولكنه يُسْتَدَلُّ عليه بأنَّ الغالب أنَّ ما كان واجباً في العبادة، كان شرطاً فيها، وبأنه إذا كان واجبًا، فعند الإخلال لم يأت المأمورُ به على الوجه المأمورِ به، فبقي في العُهدة. الثالثة: اتفقوا على جوازِ التفريق القليل، وإنَّما اختلافهم في الكثير، واستُدِلَّ على ذلك:

стр. 2543

بأنه ﵊ فَرَّقَ التفريقَ اليسيرَ، حتَّى أخرج يده من الجُبَّة الشامية (١). وممَّا يُستدل به على ذلك أيضًا رواية عبد السلام بن صالح، عن إسحاق بن سويد، عن العلاء بن زياد، عن رجل من أصحاب النَّبيُّ ﷺ مَوصِيٌّ: أن رسولَ الله ﷺ خرجَ عليهم ذات يومٍ، وقد اغتسل، وقد بقيت لمعة من جسدِهِ، لم يُصِبْها الماء، فقلنا: يا رسول الله! هذه لمعة لم يصبها الماء، فكان له شعر واردٌ، فقال بشعرِهِ هكذا على المكان، فبلَّه. وهذا يتعين (٢) منه: أن التفريقَ اليسير لا يضر، أخرجه الدارقطني، وقال: عبد السلام بن صالح هذا بصري، ليس بالقوي، وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق، عن العلاء مرسلاً، كما ذكر، ولم يَذْكُرْ تمام لفظه، وقال: وهو الصواب (٣). الرابعة: اختلفوا في حد الكثير: فقيل: أن يمضيَ من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء، ومزاجِ الشخصِ، فلا عبرةَ بالمحمومِ، ولا بتباطؤ الجفافِ، ولا بمسارعته من جهة الحرارةِ. وقيل: يُؤخذ القليل والكثير من العادة. وقيل: إذا مضى قدرُ ما يمكن فيه إتمامُ الطهارة، فقد أكثر

стр. 2544

التَّفريق، وهذه الأقوال مذكورة في كتب الشَّافعية (١). الخامسة: الذي يتحقَّق من الحديث: أن هذا الفصلَ ضارٌّ، والأمر بإعادة الصَّلاة يقتضي أن يكونَ قد وقعَ الفصل بمقدار الصَّلاة، ولا يلزم من ذلك إلَّا (٢) ما كان دونَه غيرَ ضار؛ لأنَّه إذا كان الزمنُ الأطولُ ضاراً، لم ينافِهِ كونُ الأّقصرِ ضاراً؛ لدخول الأقصرِ في الأطول، فلا يتبيَّن من هذا المقدار الحدُّ في الكثرة المبطِلة. نعم، قد يكون ذلك دليلاً على اعتبارِ العادة، إذا لم تكن مدةُ الصلاةِ زائدةً على العادة، فإن كانت زائدة، فهو دليل على من يقول باعتبار العادة، لكنَّ الأصلَ عدمُ زيادتها. والرجوعُ إلى العادة هو أقوى هذه الأقوال التي حكيناها؛ لأنَّه إذا ثبت أنَّ التَّفريق الكثير يضرُّ شرعاً، ولم يَرِدْ حدٌّ فيه، فالقاعدة: أنْ يُرْجَعَ فيه إلى العُرْف، وله نظائر، كما في الحِرْزِ والقَبْضِ. السادسة: وأمَّا القول بالجفافِ، فكأنه راجع إلى الاستحسان، وهو أن يقيمَ بقاءُ أثرِ الشيء مقامَ بقائه في نفسِه، فإنَّ الفعل قد انقطعَ، ولكنَّ البللَ الذي هو أثرُه باقٍ، فيقامُ مقامَ وجودِه، وهو ضعيفٌ، إلَّا أن يُدَّعى أن العادةَ تحكم بأنَّ مثلَ هذا التفريقِ كثير، فحينئذٍ المرجوعُ إليه هو العادةُ لا الجفافُ.

стр. 2545

وقد يُدَّعى: أنَّ في الحديث ما يدل على عدمِ اعتبارِ هذا؛ لأنَّ التفرقةَ بينَ ما لم يُصِبْه الماء، وبين ما أصابه، قد تُشْعِر ببقاء البلل، وقد يكون الشعورُ به من جهة الوضاءةِ الحاصلة بالغسل لما غسل. وقد يُستدل من الحديث أيضًا على إبطالِ هذا القول؛ بأنَّ الأمر بإعادة الصَّلاة يدل على أنَّه وُجِدت الصَّلاة، ووجود الصَّلاة مع الحركة في القيامِ والقعود، وملابسةِ الثياب، يقتضي الجفافَ ظاهراً بالأفعال والملامسة، والقائلون بهذا القول يعتبرون زمنَ الجفاف، والمعتاد دون النادرِ والطارئِ، كما دلَّ ما حكيناه [عنهم] (١)، فلو كان وجوبُ الإعادة متوقِّفاً على الزمن المذكور، لتوقَّف الأمرُ به على وجود ذلك الزمن، ثم لَزِمَ من ذلك بيانُ تعلق الحكم به؛ لأنَّ صورةَ الجفاف لم تكنْ دالةً حينئذ على ما يتعلَّقُ به الحكم، فيقعُ الاشتباهُ عند عدم البيان بما يتعلَّقُ به الحكم. السابعة: وأمَّا القولُ باعتبار الزمن بمقدار ما يُمكن [فيه] (٢) إتمامُ الطهارة، فلا يدل الحديثُ على بطلانه؛ لأنَّه إذا كان ما ذكره ضاراً، فما وقع من التَّفريق بالصلاة أولى، لكنْ يُحتاج إلى دليل على إثباته، أي: إثباتِ اعتبارِ ذلك الحدِّ الذي ذكره. الثامنة: قالوا - من جهة الشَّافعية -: إنَّ اعتبارَ مدةِ التَّفريق من آخر الفعل المأتي به من أفعال الوضوء، حتَّى لو غسلَ وجهه ويديه،

стр. 2546

ووقع فصل، ثم مسحَ رأسَه قبل جفافِ ماء اليدين، لم يضرّ، وإن جف الماء على وجهه (١). وهذا تفريع على اعتبار الجفاف، أعني: التمثيلَ بالصور المذكورة، والجفاف، وقد مر ما فيه قبل. وإذا اغتسل (٢) ثلاثاً، فالاعتبار من الغَسْلة الأخيرة (٣). وأمَّا الاعتبار بآخر (٤) الفعل، فلا يَلْزَمُ أن يكون مفرَّعاً على اعتبار الجفاف. التاسعة: الذين أوجبوا الموالاة، اشترطَ أكثرُهم عدمَ العذر، وعن بعض الشَّافعية: طرَّد القولين في التَّفريق بالعذر أيضًا؛ مثَّل العذر بما إذا نفِدَ ماؤه، فذهب لطلبه، وخاف من شيء، فهرب (٥). وهو قول بعض المالكية، أعني: عدمَ اشتراطِ العذر، وأنه تجبُ الإعادة مطلقًا عند الإخلال بالموالاة، وفي كونِ النسيان عذرًا خلافٌ عندهم؛ أي: على قول وجوبِ الموالاة، وظاهرُ مذهبِ مالكٍ الوجوبُ مع الذِّكْرِ دون النسيانِ، والمنسوبُ إلى ابن وهب الوجوبُ مطلقًا (٦).

стр. 2547

العاشرة: وأمَّا المالكية فذكروا صورتين: إحداهما: أنَّ يبتدئ بما ظنَّ أنه كفايتُه، فعجز عنه، هل يعذر بذلك؟ وحكي قولان: قال بشير المالكي: وهذا على الخلاف في أن الاجتهاد هل يرفع الخطأ، أو لا؟ قلت: وهذا الإطلاق، وجعله قاعدةً، لا يستمر في كل صورة، فإنه [و] (١) إن صح في المجتهد في القِبلة إذا أخطأ، فلا يصحُّ في المجتهد في غروبِ الشمس في رمضان إذا أخطأ نهارًا، ولا في بقاء الليل إذا أخطأ ليلاً، إلى غير ذلك من الصور، وإنَّما انقسمَ النَّاسُ في القاعدة، فمن أراد إلحاقَ الفردِ المختَلَفِ فيه بآحاد الصور، فعليه دليلُ التخصيص. الصورة الثَّانية: إذا ابتدأ بماءٍ كاف بلا شكّ، فغُصِبَ، أو أُهْرِيْقَ، فصُحِّح عنِ المالكية؛ أنه معذورٌ، ونُقِلَ قولٌ لبعض المتأخرين؛ أنه لا يُعذر به، قال بعضهم: وهذا أولى بالعذر من النَّاسي، فإن النَّاسي معه بعضُ التفريط، وهذا غير مفرِّط (٢). وهذا يعارَضُ بأنَّ النسيانَ كثيرُ الوقوع، ولا تساويه في الوقوع الصورة المذكورة؛ الغصب والإراقة. الحادية عشرة: زعم بعضُهم؛ أنَّ التفرِقَةَ بين المعذور وغيره،

стр. 2548

سببها: أنَّ رؤيةَ الموالاةِ من بابِ المنهيَّات، والمنهياتُ يفترق عَمْدُها ونسيانها، قياساً على الكلام في الصَّلاة. وهذا فيه نظر؛ لأنَّ الأمرَ بالشيء مع النَّهيِ عن ضدّه، إمَّا أن يتلازما، أو لا؛ فإن لم يتلازما: لم يلزمْ، إذا وردت صيغةُ الأمر بشيء، أن يكون ضدُّه من باب المنهيات. وإن استلزمه: فإذا كان أمرٌ يستلزمه النَّهيُ، فيلزم أن يكون لنا ردُّ كلِّ أمرٍ إلى باب المنهيات، وهو باطل. وإن انقسم الحال: فمن ادَّعى في شيء معيَّنٍ إلحاقَه ببعضٍ دون بعض، فعليه البيان. الثَّانية عشرة: حُكِيَ عند المالكية قولٌ بالفرق بين الممسوح والمغسول، بمعنى عدمِ الاشتراطِ في الممسوح دون المغسول، وعُلِّل: بأنَّ المسحَ مبنيٌّ على التخفيف (١). وهذا نوع من الاستحسان لمناسبة ضعيفة، ثم نقول: إما أن يُدّعى التخفيفُ في كل أحكام المسحِ، أو في بعضها؛ فإن كان في الكل: فلا بد من دليلٍ عليه، وكيف يمكنه ذلك مع القول بوجوب التعميم في مسح الرأس؟ فإنَّه تثقيل لا تخفيف. وإنِ انقسم الحال: فلا بدَّ من دليل يدل على خصوص الإلحاق بما أُلحق به. الثالثة عشرة: وعند المالكية قولٌ آخرُ في الفرق بين الممسوح

стр. 2549

بدلًا، والممسوحِ أصلًا (١)، وهو أيضًا ضعيفٌ، مبنيٌّ على مناسبةٍ ضعيفةٍ، أو استحسانٍ، وهو درجة منحَطَّةٌ عن التمسُّكِ بالظواهرِ. الرابعة عشرة: الذي دلَّ الحديث عليه؛ هو التفرقةُ في المغسول، والنظرُ إلى تعلُّقِ الأمر بالفعل المتناوِل للمَمْسوحِ، والممسوحُ يقتضي أن لا فرقَ بينهما، ولكن يمكن الفارق أن يقول: دلَّ الحديثُ على المغسول، فلا أعدِّيه إلى الممسوح، فإمَّا أن يسند عدم التعدية إلى الأصل، أعني: عدمَ الوجوب، وهو باطلٌ؛ لدلالة النص على الأمر بالجميع، وإما أن يسنده إلى دليل من خارج، يقتضي عدمَ الوجوب في الممسوح، ويخرج عنه الوجوبُ في المغسول بهذا الحديث، فعليه إبانةُ ذلك الدليل، وأمر التخفيف قد ضعفناه. الخامسة عشرة: ممَّا يمكن أن يعارَض به الاستدلالُ بهذا الحديث، من جانب من لا يشترِطُ الموالاة، الاستدلالُ بالآية الكريمة؛ ووجهُه أن يقالَ: أتى بما أمر به؛ وهو غسل الأعضاء المعينة، مع مسح الرأس، فوجبَ أن يَخْرُج عن العُهْدة، وهذا اعتقاد؛ لأنَّ الآية الكريمة لا تدلُّ على الموالاة، وقد نوزع فيه: إما بناءً على القول: بأنَّ الأمر على الفور، أو لأنَّ (إذا) وإن كانت شرطًا، فهي ظرف، والعامل فيها جوابُ ما (٢)، فكأنه قيل: اغسل هذه الأعضاء إذا قمت؛ لأنَّ (الواو) الداخلة بين الأعضاء

стр. 2550

تقتضي التشريك، وربما ادعى بعضُهم [أن] (١) الشرطَ هاهنا قرينةٌ على الفورية. أُورِد عليه: أنه إنَّما تقتضي الآيةُ الفورَ في حقِّ من قام إلى الصَّلاة، لا في حق مَنْ توضأ قبل الوقت، أو قبلَ أن يريدَ القيامَ إلى الصَّلاة. أجاب بعضُ المتأخرين عن هذا: بأنه فهم من ذلك: أن الأعضاء الأربعةَ في حكمِ العبادة الواحدة، لمَّا وجب تواليها في بعض الحالات، حكمنا بذلك في حقّ مَنْ توضَّأ قبل دخول الوقت، أو وقتَ إرادته للصلاة. وهذا الفهمُ الذي ادَّعاه، إن كان بسنده إلى الوجدان في نفسه، فقد يعارضه خصمُه بضد ذلك. وإن كان يسنده إلى دليلٍ شرعي، فليبيِّنْه؛ فإنَّه لا يلزم من كونِها كالعضو الواحد في حالة مخصوصة، أن تكونَ كالعضو الواحد مطلقًا، نعم، يمكن على طريقة المتأخرين، أن يقال: إذا وجبتِ الموالاةُ في الصورة التي سلمتموها، وجبَ في غيرها، لعَدَمِ القائل بالفصل، إلَّا أنَّا قد أشرنا في ما مضى: أنَّ مثل هذا من باب الجدليات، وأنه لا يستند إليه الحكم في أول زمنِ الاجتهاد، هذا على تقدير أن يكون عدمُ القول بالفصل ممَّا يمنع في مثل هذه الصورة.

стр. 2551

السادسة عشرة: وأمَّا الاستدلال بالفور، واقتضاء الأمر له، فالمختار خلافُه عند الشَّافعية (١)، وربما قال بعضُهم: إنَّ الأمر على الفور ما لم تقترنْ به قرينة، وها هنا قرينة، هي الإجماع، فإنَّه لو توضَّأ فغسل وجهَه، وبقي ساعةً بحيث لا تنشف أعضاؤه، فإن وضوءَه صحيحٌ، وإن لم يكن فيه فور، وهذا ليس بالقوي، فإن الخصمَ لا يجعل التفريقَ اليسيرَ منافياً للموالاة، والله أعلم. السابعة عشرة: يُدَّعى أنَّ لهذا الحديث مُعارِضٌ من حديث آخر، يَسْتَدِل به من لا يرى وجوبَ الموالاة، وهو ما رُوي من حديث سالم، عن ابن عمر، عن أبي بكر وعمر (٢)، عن النبيِّ ﷺ ، قال: جاء رجلٌ قَدْ توضَّأَ، وبقي على ظهْرِ قدمِهِ مِثْلُ ظُفْرِ إبهامِهِ، لم يَمَسَّهُ الماءُ، فقال النبيُّ ﷺ : "ارِجعْ، فأتمَّ وضُوْءَك" ففعل. أخرجه الدارقطني، والحديث من رواية المغيرة بن سقْلاب، عن الوازِع بِن نافعٌ، عن سالم. قال الدارقطني: الوازعُ بن نافعٍ ضعيفُ الحديث (٣).

стр. 2552

قلت: ولم يخْلُ المغيرةُ من مسٍّ أيضاً (١). على إمكانِ المنازعةِ في دلالة: "أتمَّ وضوءَك"، على الاكتفاء بغَسْل المكان، وقد ذكر بعضُ الشافعيَّةِ في الاستدلال: أنَّه رُوِي: أنَّ رجلًا توضَّأ وتركَ لَمْعَةً في عَقِبِهِ، فلمَّا كان بعد ذلك، أمرَهُ النَّبيُّ ﷺ بغَسْل ذلك الموضع، قال: ولم يأمره بالاستئناف، ولم يَسْأَله عن المُدَّة الفاصلة (٢). ودلالة قوله: "أمره بغَسْل ذلك الموضعِ" على عدمِ الموالاةِ أقوى من دلالة "أتم وضوءك" على ذلك (٣)، فإذا أرادَ الاستدلال، فلا بد من إثبات هذا اللفظِ الزائدِ في القوة، [و] (٤) لا يمكن أن يقال: إنَّه من باب الرواية بالمعنى، فإن مِنْ شَرْطِهِ عندهم اتّحادُ الدلالة بين اللَّفظين، ولا اتحادَ مع وجود التفاوت. وأمَّا الحديثُ الذي فيه: "ارجع، فأحسِنْ وضوءَك" فقد ذكرنا الكلامَ فيه، وما قاله الخطابي، وليس يتبيَّن أنَّ الإحسان بماذا، أهو بالابتداء، أم بالإكمال؟ وقد روى ليث - وهو ابن أبي سليم -، ثنا عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة، أو عن أخي أبي أمامة قال: رأى رسول الله ﷺ قوماً على أعقاب أحدهم مثل موضع الدرهم، أو

стр. 2553

مثل موضع الظُّفْرِ لم يصبه الماء، قال: فجعل يقول: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" قال: فكان أحدُهم ينظر، فإن رأى موضعًا لم يمسَّه الماء، أعاد الوضوء (١). والله أعلم. * * *

стр. 2554

الحديث الحادي والعشرون وعن أَنسٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يتوضَّأُ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ. لفظ رواية مسلم، وهو متفق عليه (١). قد تقدم ذكر أنس ﵁. الكلام عليه من وجوه: * الأول: في تصحيحه: وقد ذكرنا أنه متَّفق عليه، وهو راجع

стр. 2555

إلى رواية ابنِ جبرٍ، عن أنس، والبخاريُّ أخرجه عن أبي نعيم، ومسلم عن قتيبة، عنَ وكِيع، كلاهما عن مِسْعَر، عن ابن جبر، [ورواه شعبة، عن عبد الله بن جبر] (١)، ومن طريقه أخرجه مسلم، والنَّسائيُّ، ورواه عبد الله ابن عيسى، عن عبد الله بن جبر، ومن طريقه أخرجه أبو داود. وفي الألفاظ اختلافٌ، فلذلك صُرِّحَ بأنَّ اللفظَ لمسلمٍ، يعني: من بعضِ الوجوه، التي هي رواية مسعر. * * * * الوجه الثَّاني: في شيء من مفردات ألفاظه: [الأولى]: الصاع: يُطْلق على المكيال الذي يُكال به، وهو المراد ها هنا، رأيتُ التّمر يُصاع؛ أي: يُكال بالصَّاع، ويطلق على المطمَئِنِّ من الأرض، قال المسيَّب بن عَلَس، بفتح العين المهملة واللام معاً وآخرُه سِيْن مهملة [من الكامل]: مَرَحَتْ يداها للنَّجاءِ كأَنَّما ... تَكْرُو بِكَفَّي لاعِبٍ في صَاعِ يقال: كروتُ بالكرة أكرو بها كَرْواً: إذا لعبتُ، وضربْتُ بها. والصَّاعُ بمعنى المطمئِنِّ من الأرض، وإن ذكر في سياقة المجاز عن هذه المادة، فلعلَّ الأقربَ: أنه مُشْتَرَك لخفاءِ العلاقةِ، وعدمِ مبادرة الذِّهنِ إليها، ويطلق الصَّاعُ - أيضاً - على وجه آخر، [يقال:

стр. 2556

ضرَبه في صَاع صَدْرهِ، وصاعٌ خوجِيَّةٌ، وسيق ذلك في المجاز] (١)، وهذا قريب؛ لأنَّ الصَّدْرَ جامعٌ، حاوٍ لما تحته، كجَمْعِ الصَّاع؛ أي: لما يحويه، فالعلاقة الاحتواءُ والجمعُ. وربما عُدَّ - أيضًا - في المجاز (٢) قولهم: الرَّاعي يصوعُ إبلَه، والكَمِيُّ يصوعُ أَقْرانه، والتَّيس يصوع المَعْز، قال الشاعر [من الوافر]: يَصُوْعُ عنوقَها أحوى زنيمٌ ... له ظَأَبٌ كَمَا صَخِبَ الغَرِيمُ (٣) ولعلَّ العلاقة في هذا الحوز والجمع من النواحي. وما يقرب من هذه المادة: صوَّعَ الطارقُ موضعًا للطُّروق: هيَّأه وسوَّاه. ويمكن أن تكون العلاقةُ التسويةَ؛ فإن الصَّاعَ يسوِّي المكيلةَ، وأمَّا التَّصَوُّع: بمعنى التفرق، يقول ذي الرُّمة [من الطَّويل]: عَسفْتُ اعْتِسافاً دونَها كلُّ مُذْهلٍ ... تظلُّ بها الآجالُ عنِّي تَصَوَّع (٤) أي: تَفَرَّقُ، وكذلك انصاع: بمعنى انفتلَ راجعاً، ومرَّ مسرعاً، تقول: صِعْتُ الشيء فانصاعَ؛ أي: فرَّقْتُه فتفرَّقَ، ففي ردِّ هذا إلى

стр. 2557

معنى الصاع بالاشتقاق، وجَعْلِها من مادة واحدة بُعدٌ (١). الثَّانية: يجمع الصَّاعُ على أَصْوُع - بسكون الضَّاد وضمِّ الواو - كأفْلُس، وعلي صِيْعَان، وأصواع (٢). * * * * الوجه الثالث: في شيء من العربية، وفيه مسائل: الأولى "الباء" في قوله: "بالمد وبالصاع" للاستعانة. الثَّانية: لا بُدَّ من حذفِ مُضافٍ؛ أي: يَغْتَسِلُ بملء مُدٍّ، أو بملء صاعٍ من الماء. الثالثة: إذا جُمِعَ الصَّاعُ على أصْوُعٍ، جاز أن تُبْدَلَ واوه همزةً؛ لأنَّ الواو إذا كانت عيناً مضمومة، جاز أن تُقلبَ همزة بشرطين: أحدهما: أن تكون غير مضاعَفَةٍ؛ احترازاً من التقول، فإنَّها لا تقلب؛ لأنها مضاعفة. الثَّاني: أن لا تكون للإلحاق؛ [احترازاً من التسهيل، وما هو على بنيته، فلا تُقلب فيه الواو همزة؛ لأنها للإلحاق] (٣)، فلو قلبت، إن الهمزة غير منقلبة (٤)، وأنها صيغت بذاتها للإلحاق، وهذان الشرطان

стр. 2558

موجودان في أصوع، فجاز قَلْيبُ الواوِ همزةَ، قال الجوهريُّ: وإنْ شئتَ أبدلتَ من الواو المضمومةِ همزةً (١)، يعني: في أصوع. الرابعة: "إلى" لانتهاء الغايةِ حقيقةً، فقوله في الحديث: "إلى خمسة أمداد" الأقرب (٢) أنه انتهاء لغايةِ الزيادةِ، بمعنى: أنه يَغْتسل بالصاعِ، وقد يزيد عليه إلى خمسة أمداد؛ لأنَّ الصَّاع أربعة أمداد. * * * * الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: قد ثيتَ بالنصوص والظواهر: أن الواجبَ هو الغسل، ومقتضى ذلك أن يكتفى بالمُسَمَّى، فحيث حصلَ، حصلَ الإجزاءُ، وحيثُ نقص، لم يحصُلِ الإجزاء، ومقتضى ذلك: عدمُ التحديد فيما يُتَوَضَّأ به ويغتسل، وليس في الحديث دلالة على عدم الاكتفاء بما دون المقدارين المعيَّنَيْن، أعني: المدَّ والصاعَ، فلا تعارَض الظواهرُ في الاكتفاء بالمسمَّى إذا نقَص عن ذلك، إنْ أمكن أن يحصُل المسمَّى بما دون المقدارين المذكورَين. الثَّانية: المنقول عن الشَّافعي ﵀ أنه قال: "وبلغنا أن النبي ﷺ توضَّأ بالمُدِّ، واغتسل بالصَّاع"، وفي هذا ما دل على أن لا وقت فيه إلَّا كماله (٣).

стр. 2559

قلت: دلالته على أن لا وقت بالنسبة إلى الزيادة، ظاهرٌ؛ لأنَّه لو كان الواجبُ أمراً زائداً على هذا المقدار، لما اكتفى بهذا المقدار. وأمَّا دلالتُه على أن لا وقت، فيما دون هذا المقدارِ إلَّا كَمَالُه، ففيه نظر، وسيأتي في المسألة بعدها ما يشير إليه. والذي يدلّ على عدم التحديد مطلقاً: هي الظواهُر التي اقتضت تعليقَ الحكمِ بمسمَّى الغسل، أو بمسمى الإفاضة. الثالثة: حكي عن محمد بن الحسن ﵀ أنه قال: لا يمكن المُغْتَسِل أن يَعُمَّ جسدَه [بأقلَّ من صاع، ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوئه] (١) بأقلَّ من مُدٍّ. قال بعض الشارحين المتأخرين: وفي هذا نظر: فإنَّه قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ : "أنه توضأ بثلثي مد". قلت: هذا النظر الذي ذكره، يحتاج إلى تحقيق، فإن هذا الذي ذكر فيه ثلثا المد مذكور في حديث الرُّبيِّعِ بنتِ معوِّذ: "أنه ﷺ أُتيَ بماءٍ قَدْرَ ثلثي المُدّ" (٢)، فحمله هذا الشارح على مُدّ النَّبيّ ﷺ ، وبه يتمُّ ردُّه

стр. 2560

ونظره، لكن المد مدان: مُدُّ النَّبيّ ﷺ ، ومُدّ هشامِ بن إسماعيل، وهو أَزْيَدُ من المُدِّ الأول، قيل: بثلث، وقيل: بنصف (١)، فإذا كان كذلك، وكان الإخبار عنه، لم ينقُصِ الذي توضأ به النَّبيّ ﷺ عن مُدِّه، لكنَّ ذلك يتوقف على تاريخ موتِ الرُّبيِّعِ، ومدة ولايةِ إسماعيل، وهل أدركَتْ زمن هشام بن إسماعيل، أو لا؟ فإن كان يمكن اجتماعُهما، فلا دلالةَ، لجواز أن تكونَ أرادت مُدَّ هشام، ولا تتوهمنَّ أنَّ قولها: "فأُتِيَ بماءٍ قَدْرَ ثلثي المد" يتعين لِئَن يكونَ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّها إذا أدركت مد هشام، جازَ أن يعين ما كان أولاً عند المقدار بثلثي المقدار الحاضر عند إخبارها. والمنقولُ عن ابنِ شعبان وهو المالكي القُرْطي (٢)، بضم القاف، وسكون الراء، والطاء المهملة، كأنه نسبةٌ إلى قُرْطة (٣)، الموضع الذي بين النَّوبة وأسوان، نقل عنه: أنه قال: لا يُجْزِئُ في الغُسْل أقلُّ من صاعٍ، ولا في الوضوء أقلّ من مُدَّ (٤).
следующие страницы →