← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وعنه إسناد آخر عن الزهري (١). فالاعتراض من جهة الإسناد، والاختلاف من رواية الوليد، فتارةٌ عنه، عن محمد بن عَبَّاد بن جعفر، وتارةً عن محمد بن جعفر بن الزبير (٢)، والاختلاف عنه في ذلك موجود في رواية الحفاظ، والاضطرابُ أحد أسباب الضعف. وأيضا فقد اختُلِفَ في روايته عن عبد الله بن عمر فقيل: عن [عبد الله] بن عبد الله، وقيل: عن عبيد الله بن عبد الله (٣). واختُلِفَ في المتن فقيل في حديث حماد: "قلتين" (٤)، كما

стр. 282

ذكرناه، وقيل: "قلتين، أو ثلاثًا" (١)، ورُوِي حديث من وجه آخر غير هذا الوجه فيه: "أربعون قلة" (٢)، وآخر من وجه آخر: "إذا زادَ الماءُ على قُلَّتين أو ثلاثٍ فإنه لا يَنْجُسُ" (٣). وأيضًا فقد اختُلف في الرفع والوقف: فرواه حمادُ بن سلمة مرفوعا كما قدمناه، وخالفه حماد بن زيد فروى عن عاصم بن المنذر - شيخِ حماد بن سلمة -، عن عبيد الله ابن عبد الله، (٤)، عن أبيه موقوفًا غيرَ مرفوع. ورواه إسماعيل بن عُليَّة، عن (٥) عاصم بن المنذر المذكورِ، عن

стр. 283

رجل - لم يسمِّهِ -، عن ابن عمر موقوفاً أيضاً (١)، إلى غير ذلك من الاختلاف. وهذه الوجوه التي ذكرناها يمكنُ على طريقة الفقهاء أنْ يُسلَكَ فيها طريقٌ يُفضي إلى التصحيح، وهو أنْ يُنْظَر إلى هذه الاختلافات الواقعة فيه إسنادًا ومتناً، فيُسقَطَ منها ما كان ضعيفًا إذ لا يُعَلَّلُ القويّ بالضعيف، وينظرَ فيما رجالُهُ ثقاتٌ، فما وقع في بعضه شكٌّ طُرِح، وأُخِذَ ما لم يقع فيه شك من رواية، وما وقع فيه من اختلاف يمكن الجمع فيه جُمع، كالرواية التي فيها من جهة إسماعيل بن عُليَّة، عن عاصم، عن رجل - لم يسمه -، فإنه يمكن أن يكونَ ذلك الرجل الذي لم يسمه (٢) في هذه الرواية هو المسمَّى في غيرها، وما كان من اختلاف لم يَضُرَّ، لم يُعلَّل به، كالاختلاف بين محمد بن عبَّاد بن جعفر ومحمد بن جعفر بن الزبير، فإنه إن كان الحديثُ عنهما معا فقد أمكن الجمعُ، وإن كان اضطرابا من الرواة (٣)، والحديثُ عن أحدهما مع جهالة عينه، فإذا كانا معًا ثقتين لم يضرَّ؛ لأنا كيف ما انقلبنا انقلبنا إلى [ثقة] (٤) عدل، ولا يضرّنا جهالةُ عينه. وكذلك يقال في الاختلاف الواقع بين عبيد الله بن عبد الله بن

стр. 284

عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر. وأما الاختلافُ الواقع في الرفع والوقف (١)، فإن صحَّ فالرفعُ يقدَّمُ على ما قرَّرَهُ اْهلُ الأصول، فهذا طريق يمكن أن يُذكَرَ في التصحيح على طريقة الفقهاء والأصوليين (٢).

стр. 285

وقد حكم الفقيهُ الحافظُ أبو جعفر الطحاوي الحنفي - رحمه الله تعالى - بصحة الحديث، ولكنه اعتلَّ في ترك العمل به بوجه نذكره، وهو المشكل في هذا المقام، وذلك أنَّ العملَ به موقوفٌ على معرفة مقدار القلتين المعلَّقِ عليهما الحكم (١)، والقلة لفظ مشترك، وبعد صرفها إلى أحد مفهوماتها، وهي الأواني، تبقى مترددةً بين الكبار والصغار حتى تتناول الكوز وتتناول الجرة (٢)، وقد فسرها بها بعضُ السلف؛ أعني: بالجرة، ومع التردد يتعذَّرُ العمل. وأجيب عن هذا بوجهين: أحدهما: أنَّ جعلَهُ مقدَّراً بعدد منها يدلُّ على أنه أشار إلى أكبرها؛ لأنه لا فائدةَ بتقديره بقلتين (٣) صغيرتين، وهو يقدر على تقديره بواحدة (٤) كبيرة. والجواب الثاني: أنه قد وردَ تقديرُهُ بقِلال هَجَر، وهي معلومة، ولهذا ذكرها النبيُّ ﷺ في مَعرِض التعريف لمَّا ذَكرَ سدْرة المنتهى (٥)، ولا يعرَّف إلا بمعروف.

стр. 286

قال الشافعي ﵁: أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن جُرَيْج بإسناد لا يحضرني ذكرُه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا كَانَ الْمَاء قُلَّتينِ لَمْ يَحْمِل خَبَثًا" وقال في الحديث: "بِقِلاَلِ هَجَرَ". قال ابن جريج: وقد رأيت قِلال هجر، فالقلة تَسَعُ قربتين، أو قربتين وشيئاً (١). وهذا فيه أمورٌ: أحدها - وهو أخفها -: أن مسلم بن خالد قد ضُعِّفَ، فعن علي ابن المديني أنه قال فيه: ليس بشيء (٢)، وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، منكر الحديث لا يُحتَجُّ به، تَعرِفُ وتُنْكِرُ (٣). وإنما جعلنا هذا الوجهَ أخفَّها؛ لأنه كان فقيهَ مكةَ، وعالماً (٤) مشهوراً، قال ابن أبي حاتم: مسلمٌ الزَّنْجِي إمام في الفقه والعلم (٥)، وقال إبراهيم الحربي: كان فقيهَ أهلِ مكةَ (٦)، وقد وفقه يحيى بن معين في رواية (٧)، وقال أحمد بن محمد بن الوليد: كان فقيهاً [و] (٨) عابداً،

стр. 287

يصوم الدهر (١)، وبعض من صنف الصحيحَ من المتأخرين يذكر روايته في صحيحه (٢). ومنها: أنَّ قولَه: وقال في الحديث "بِقِلاَلِ هَجَرَ": مترددٌ بين أن يكون المراد بكونه في الحديث أنه مسندٌ إلى النبي ﷺ ، وبين أن يكون ذلك من (٣) قول بعض الرواة من غير أن يكون مسنداً، فإنه يَصِحُّ في مثل هذا أن يقال: وقال في الحديث كذا. فنظر في رواية ابن جريج، [ووجد وجهاً آخر غير الوجه الذي لم يحضر الشافعيَّ ذكرُه] (٤)، فوجد ابن جريج يقول: أخبرني محمد بن يحيى بن عُقيل، أخبره أن يحيى بن يَعْمَر، أخبره أن النبي ﷺ قال: "إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتينِ لَمْ يَحْمِل نجساً (٥) ولا بأساً"، قال: فقلت ليحى ابن عُقيل: قِلال هجر؟ قال: قِلال هجر، قال: فأظن (٦) أن كل قلة تحمل قربتين (٧).

стр. 288

وروي من وجه آخر عن ابن جريج، قال محمد: قلت ليحيى بن عقيل: أي قِلال؟ قال: قِلال هجر، قال محمد: فرأيت قلال هجر، فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين (١). فهذا الذي وُجِدَ عن ابن جريج يقتضي أن قائل: "قلال هجر" ليس النبي ﷺ ، وإنما هو يحيى بن عقيل. ويُعترَضُ على هذا بوجهين: أحدهما: أنَّ محمداً الراوي عن يحيى بن عقيل غيرُ معروف، وما يقال في الجواب عن هذا أن أبا أحمد قال: محمد هذا الذي حدث عنه ابن جريج هو محمد بن يحيى، يحدث عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن عقيل (٢). فهذا إنما يقتضي التعريف باسم أبيه، وبأنه يروي عن يحيى ويحيى، ولا (٣) يكفي هذا في الاحتجاج به، بل لابدَّ من معرفة حاله. والاعتراض الثاني: أنَّ يحيى بن عقيل ليس بصحابي، وهو الذي فسرها (٤) في هذه الرواية، ولا تقوم الحجةُ بقول يحيى إلا بعد

стр. 289

ثبوت رفعه وروايته مسنداً، لاسيَّما مع مخالفة غيره له في التقدير. وقد جاء في هذا الحديث أنه قال في القُلَّتين: فأظن [أن] (١) كل قُلَّةٍ تحمل فَرَقين (٢) في رواية، وفي أخرى: قربتين. فعلى الرواية الأولى: الفَرَق ستة عشر رطلاً، فيكون مجموع القلتين أربعة وستين رطلاً، وهذا لا يقول به مَنْ حدَّد القلتين مما زاد على ذلك (٣). واعلم أنه قد ذُكِر [في] (٤) حديث القلتين وتقديرُها بقلال هَجَر عن النبي ﷺ من غير جهة ابن جريج من رواية المغيرة - وهو ابن سقلاب (٥) - بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتينِ مِنْ قِلاَلِ هَجَرَ لم يُنْجِسهُ شيءٌ" (٦). وهذا فيه أمران: أحدهما: أنَّ المغيرةَ هذا، وإن كان أبو حاتم يقول فيه: هو صالح الحديث (٧)، وأبو زرعة يقول: هو جزري لا بأسَ

стр. 290

به (١)، [فإنه] (٢) قد تُكُلِّم فيه، قال ابن عدي: هو منكر الحديث، وذكر عن أبي جعفر بن نُفيل أنه قال فيه: لم يكنْ مؤتمناً على حديث رسول الله ﷺ (٣). وثانيهما: أنه ذُكِرَ في هذا الحديث أنهما فَرَقان، والفَرَق كما قدمنا ستة عشر رطلاً، وفي وجه آخر: "والقُلَّةُ أربعةُ آصُع" (٤)، وهذا لا يقول به مَن يَحُدُّ القلتين بأكثر. فإن قلتَ: ما ذكرتموه يقتضي اتفاقَ (٥) العمل بالحديث من جهة عدم العلم (٦) بقَدْر القلتين، ولا يجوزُ على النبي ﷺ أن يعلِّقَ الحكمَ على أمر لا يبيّنه؟ قلتُ: هذا صحيحٌ لابدَّ منه إن كان الحديثُ صحيحاً؛ أعني: أنه لابد وأن يكون الرسولُ ﷺ بيَّنه (٧)، وليس يلزم من بيانه وصولُ ذلك البيان إلينا، فتكون الجهالة بالمقدار بالنسبة إلينا لا من جهة كونه لم

стр. 291

يقع مُبيَّنا في الأصل، وقد جاء في علم الأصول التوقفُ عند التعادل في نظر الناظر، فيكون هذا منه. وقد قال بعضُ الأصوليين سائلاً: فإن قيل: فهل يجوز أن يتعارضَ عمومان، ويخلو عن دليلِ الترجيح؟ قلنا: قال [قوم] (١): لا يجوز ذلك؛ لأنه يؤدي إلى التّهمة ووقوع الشّبهة وتناقف (٢) الكلامين، وهو مُنَفرٌ (٣) عن الطاعة والاتباع والتصديق. وهذا فاسد، بل ذلك (٤) جائزٌ، ويكون ذلك مبيَّناً للعصر الأول، وإنما خفي علينا لطول المدة واندراس القرائن والأدلة، ويكون ذلك محنةً وتكليفاً (٥) علينا لطلب الدليل من وجه آخر، أو (٦) ترجيح، أو تخيير، ولا تكليفَ في حقنا إلا بما بلغنا، وليس فيه مُحال، انتهى (٧). فإن قلتَ: فيقتضي (٨) هذا ضياعَ الحكم على الأمة، وذلك لا يجوز لحفظ الشريعة؟

стр. 292

قلتُ: لا نسلِّمُ ضياعَه على كل الأمة على تقدير الصحة للحديث؛ لجواز معرفةِ بعضِهم به، وإنما الكلام فيما يرجع إلينا بعد البحث، وإن صحَّ جزما أنه لم يعرفْهُ أحد من الأمة - ولا يجوز ضياعُه عليهم - لزم القول بعدم صحة الحديث؛ دفعا للمحذور المذكور، والله أعلم. * * * * الوجه السابع: في الفوائد والمباحث المتعلقة به، وفيه مسائل: الأولى: الماءُ إما أن يكونَ راكداً أو جارياً، فإن كان راكداً وحلَّت فيه نجاسةٌ لم تُغيِّره، فإما أن يكون مُستبحِراً كثيراً، أو دون ذلك، فإن كافي مستبحراً لم تؤثر فيه النجاسة، وإن كان دون ذلك ففيه مذاهب: أحدها: أنه لا يَنجُسُ إلا بالتغُّيرِ قليلاً كان أو كثيراً، ونُقِل ذلك عن بعض الصحابة، وهو مذهب الأوزاعي وداود (١)، وشهّره العراقيون عن مالك فاشتهر (٢)، وهو قولٌ لأحمد بن حنبل نصره بعض المتأخرين من أتباعه، وعقد له مسألة خلافية في طريقته (٣)، ورجَّحه أيضًا من أتباع الشافعي القاضي أبو المحاسن الروياني صاحب "بحر المذهب" (٤).

стр. 293

وأما أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - وأتباعه، فإن الطحاوي - رحمه الله تعالى - قال في "مختصره": وإذا وقعت نجاسة في ماء ظهر فيه لونهُا أو طعمُها أو ريحُها (١)، أو لم يظهر ذلك فيه، فقد نجَّسَهُ؛ قليلاً كان الماء أو كثيراً، إلا أن يكون جارياً، أو حكمه حكم الجاري؛ كالغدير الذي لا يتحرك أحدُ طرفيه بتحرك سواه من أطرافه (٢). وأما الشافعي - رحمه الله تعالى -، فإنه اعتبر القلتين وقال: إنه ينجس ما دونهما بوقوع النجاسة فيه وإن لم يتغير، وما كان [فيه] (٣) قلتين أو أكثر لم ينجس إلا بالتغير عنده، وهذه رواية عن أحمد مرجحة عند جماعة من أتباعه في غير بول الآدمي وعُذرته المائعة، فأما هما فينجسان الماء وإن كان قلتين فأكثر على المشهور، ما لم يكثر إلى حيثُ لا يمكن نزحُه كالمصانع التي بطريق مكة (٤). الثانية: قوله ﵇: "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِيْ الْمَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ" عموم لابدَّ من تخصيصه اتفاقاً، فإن الماء المُسْتَبْحِر جداً

стр. 294

لا يثبت فيه هذا الحكم، وقد حكينا عن الحنفي تخصيصَه في الغدير الَّذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، وعن الحنبلي تخصيصه بما لا يُمكن نزحُه كالمصانع التي بطريق مكة، والشافعي أيضًا: يخرج عنه القلتين فما زاد عليهما. فأما الحنفيةُ القائلون بأنَّ الماء الراكد ينجس بوقوع النجاسة فيه، فهو مقتضى العمل بالعموم، ومقتضى حملِ صيغة النهي على حقيقتها وهو التحريمُ، فإذا خرج منه (١) المستبحرُ، بقي اللفظ متناولًا ما عداه، ويحتاجون إلى تخصيصٍ آخرَ في الماء الَّذي وقع فيه الحدُّ المعتبر عندهم، وهو عدم تحرك أحد الطرفين [بتحرك الآخر] (٢)، وهذا إنما أُخِذ من معنى فهموه، وهو سِرايةُ النجاسة في الماء، وأنَّ مع هذا التباعد - لا سِرايةَ، وهذا المقدار من الماء يدخل تحت العموم، فتخصيصه بهذا المعنى تخصيصٌ العامَّ بمعنى مُستنبطٍ منه يعود عليه بالتخصيص، وفيه كلام لأهل الأصول. وأما الشافعية رحمهم الله تعالى: فإنهم لما اعتمدوا حديث القلتين خصُّوا العامَّ به، وهو تخصيصٌ بمنطوق؛ لأن هذا الحديثَ الَّذي نحن نتكلم فيه عامٌّ في المنع من الاغتسال في كل ماء راكد بعد البول فيه، فيدخل تحته القلتانِ فما زاد، وقوله ﵇: "إِذَا بَلَغَ

стр. 295

المَاءُ قُلَّتينِ لَمْ يَحْمِل خَبَثًا (١) " يقتضي بمنطوقه أنَّ هذا القدرَ لا يمتنع الغسلُ به بعد وقوع النجاسة فيه، وهو أخص ذلك العام الأول، وهذا مبنيٌ على أنَّ قوله ﵇: "لمْ يَحملِ الخَبَثَ" محمولٌ على أنه يدفع الخبث عن نفسه لكثرته، وهو الظاهر. وقول المخالف لهذا المذهب: إنه يَحتمِلُ أن يكونَ كقولهم: فلان ضعيف لا يحمل كذا، فيكون إشعارًا بأن (٢) هذا المقدار لا يحمل الخبث؛ أي: لا يطيقه ولا يدفعه عن نفسه لقلته، [بعيدٌ] (٣) ضعيفٌ، يبعده السياقُ وتدفعه الروايةُ التي فيها: "إذا كانَ الماءُ قُلَّتين، فإنَّه لا يَنْجُسُ"، فيتعيَّنُ على مَنْ أراد نفيَ هذا التخصيصِ أن يُبيِّنَ تعذُّرَ العملِ بحديث القلتين. وأما ما ذكرناه عن الحنبلية: فطريقٌ تقديره أن يقال: حديثُ القلتين خاصٌّ في المقدار، عامٌّ في الأنجاس، وهذا الحديث الَّذي نحن فيه عامٌّ بالنسبة إلى المقدار، خاصٌّ بالنسبة إلى الأنجاس؛ لكونه ذكر فيه بول الإنسان دون سائر النجاسات، فإذا كان الواقعُ غيرَ بول الآدمي في القلتين فما زاد، حُكِمَ بطهارته عملًا بحديث القلتين، وإذا (٤) كان الواقع في هذا المقدار بولَ الآدمي، حكم بنجاسته عملًا بهذا الحديث.

стр. 296

فعلى هذه الطريقة: يُخَصُّ العموم في الأنجاس الَّذي في حديثُ القلتين، ومُخَصِّصُه هذا الحديث الَّذي نحن فيه. وعلى طريقة الشافعية: يُخَصُّ (١) العموم الَّذي في الماء الراكد، ومخصصه حديثُ القلتين. وإنما حكم الحنبلي بإلحاق عُذرة الآدمي المائعة بالبول بطريق القياس عليه، [وهو أشد] (٢)، وذكر بعضهم في ترجيح مذهبه: أن هذا الخبر أصحُّ من خبر القلتين، فيتعيَّنُ تقديمُه (٣). والاعتراض (٤) على هذه الطريقة أن يقال: معلوم (٥) قطعًا أن المقصودَ من هذا النهي اجتنابُ الماء الَّذي حلّت فيه [هذه] (٦) النجاسة؛ لأجل حلولها فيه، وهذا المعنى لا ينبغي فيه الفرق بين بول الآدمي وغيره، وليس يمكن أن يُدَّعَى أن في بول الآدمي معنى يزيد بالنسبة [إلى النجاسة] (٧) على نجاسة بول الكلب أو غيره منْ النجاسات، فالتخصيصُ ببول الآدمي ظاهريةٌ [محضة] (٨). وأما من يرى أن الماء لا يَنْجُسُ إلا بالتغيُّر قليلًا كان أو كثيرًا،

стр. 297

فَحَمَله على ذلك رجحانُ الدليل الدالِّ على طهورية الماء الَّذي لم يتغير، ويتمسك فيه بالعمومات، ولزم من العمل بها حَمْلُ هذا النهي على الكراهة فيما لم يتغير، ومَنْ أراد تخصيصَ تلك العمومات بمفهوم حديث القلتين المقتضي لتنجيس (١) ما دونهما وإن لم يتغير، فقد لزم القولُ بالمفهوم، [و] (٢) بأنه يُخصّصُ العموم، وهذه (٣) إحدى القواعد التي قدمناها، وسيأتي ذكرها أيضًا عن قريب، إن شاء الله تعالى. وهذا المذهبُ (٤) يلزم عليه (٥) حملُ النهي على المجاز، وهو الكراهة، إذْ هو حقيقة في التحريم على المختار في الأصول (٦)، ثم [إن] (٧) أَخذ منه نجاسةَ المتغيَّرِ من الماء لزمه حملُ اللفظ على معنيين مختلفين، حقيقتِه ومجار، ولذلك مَنْ حمل النهي على التحريم، وخَصَّ منه القلتين فما زاد، إذا أَخذ منه كراهةَ استعمال الماء الراكد إذا وقعت فيه النجاسة (٨) و [إن] (٩) لم يتغير - على ما هو الحكم عند

стр. 298

الشافعية - لزمه أن يَحْمِلَ اللفظَ الواحدَ على حقيقته ومجازه. وهاهنا بحثٌ ينبغي أن يُنظَرَ فيه ويُتَنبَّه له وهو: أنَّ مَنْ أجاز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، أمكنه أن يستدلَّ بالحديث في المحلين معًا - أعني: محل التحريم ومحل الكراهة - بلفظ الحديث. ومن منع ذلك: فإن كان يقول بالحرمة في الماء قليلًا كان أو كثيرًا، حَملَ اللفظَ على حقيقته في التحريم، ولم يحتجّ إلى حمله على الكراهة، إلا أنه يَخْرُج عنه الماءُ المستبحرُ، فإنه لا يحرم الاغتسال منه ولا يُكرَه، فالتخصيصُ لازمٌ لقوله، فإذا تعارض مع مَنْ يلتزم حملَ اللفظ على حقيقته ومجازه، كان ذلك مجازًا؛ لأن اللفظ (١) لم يوضع لهما، فنقول: التخصيصُ خيرٌ من المجاز، وبعبارة أخرى: النافي للمجاز خيرٌ من النافي للتخصيص. الثالثة: ارتكب الظاهريةُ هاهنا مذهبًا وجَّهَ سهام (٢) المَلامة إليهم، وأفاض سيلَ الازدراءِ عليهم، حتى أخرجهم بعضُ الناس من أهلية الاجتهاد، واعتبارِ الخلاف في الإجماع. قال ابن حزم منهم: إنَّ كلَّ ماء [راكد (٣) قَلَّ أو كَثُرَ من البِرَك العظام وغيرها، بال فيه إنسانٌ، فإنه لا يحل لذاك (٤) البائل خاصةً

стр. 299

الوضوءُ منه ولا الغسل، وإن لم يجد غيرَهُ ففرضُه التيمم، وجائز (١) لغيره الوضوء منه والغسل، وهو طاهر مطهر لغير الَّذي بال فيه، ولو تغوَّطَ فيه، أو بال خارجًا منه، فسال البولُ إلى الماء الدائم، أو بال في إنائه وصبَّه في ذلك الماء، ولم تتغير له صفةٌ، فالوضوء منه والغسل جائز لذلك المتغوِّط فيه، والذي سال بوله فيه، ولغيره (٢). وممن شنَّعَ على ابن حزم في ذلك: الحافظُ أبو بكر بن مُفَوَّز (٣) فقال بعد حكاية كلامه: فتأمل - رحمك الله تعالى - ما جَمَعَ هذا القولُ من السُّخف، وحوى من الشناعة، ثم يزعم أنه الدينُ الَّذي شرعه الله، وبعث به رسوله ﷺ . قال: واعلم - أكرمك الله تعالى - أن هذا الأصل الذميمَ مربوطٌ إلى ما أقول، ومخصوص على ما أمثِّل (٤): [من] (٥) أن البائل على الماء الكثير، ولو نقطةً واحدة أو جزءًا من نقطة، فحرام عليه الوضوء منه، وإن تغوط فيه حِمْلًا، أو جَمَعَ بولَه في إناء شهرًا، ثم صبه فيه، فلم يغير

стр. 300

له صفةً، جاز له الوضوء منه، فأجاز له الوضوء منه بعد حمل غائط أنزله به، أو حُبٍّ من بول صبه فيه، وحرمه عليه لنقطة من بول بالها فيه؟!! جلَّ الله تعالى عن قوله، وكرَّم دينَه عن إفكه (١). والشناعةُ كلُّها راجعةٌ إلى ما قررناه من قوة القياس في معنى الأصل، فإنه قد ظهر للعقول ظهورًا قويًا لا يُرتَاب فيه بحيث يُدَّعَى فيه القطعُ: أنَّ النهي عن استعمال ما وقع فيه البولُ إنما هو لأجل ما تقتضيه صفتُه من الاستقذار، ومتى وُجدَ هذا المعنى بأي طريق كان، وجب أن يكونَ الحكمُ ثابتًا. الرابعة: قوله ﷺ : "في المَاءِ الرَّاكِدِ"، تقييد للحكم بالصِّفة، فمَنْ يقول فيه بمفهوم المخالفة، اقتضى مذهَبُه مخالفةَ [الماء] (٢) الجاري في هذا الحكم للماء الراكد، ويندرج تحت هذا مسائلُ كثيرةٌ فرَّعها الفقهاء (٣)، نذكر بعضَها بعد تقديم مقدِّمةٍ على الشروع في شيء منها.

стр. 301

الخامسة: المفهومُ هل له عموم، أم لا؟ اختُلِفَ فيه، ونصُّ الغزالي فيه أنه [قال] (١): مَنْ يقول بالمفهوم، فقد يظن للمفهوم عمومًا ويتمسك به، وفيه نظر؛ لأن العمومَ لفظٌ تتشابه دَلالتُه بالإضافة إلى مسمَّيات، والمتمسك (٢) بالمفهوم والفحوى. ليس يتمسك (٣) بلفظ عامٍّ لكل مسكوت، فإذا قال: "في سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ" (٤)، فنفي الزكاة عن المعلوفة ليس بلفظ حتى يعمَّ اللفظ أو يخص، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، دلَّ على تحريم الضرب لا باللفظ المنطوق به حتى يُتَمَسَّكَ بعمومه، وقد ذكرنا أن العمومَ للألفاظ، لا للمعاني والأفعال (٥). وردَّ ذلك صاحب "المحصول" بأن معناه (٦): إن كنت لا تُطلِقُ عليه لفظَ العامِّ فلك ذلك، وإن كنت تعني به: أنه لا يقتضي انتفاءَ الحكم في جملة [صورِ انتفاءِ الصفة، فذلك من تفاريع كون المفهوم

стр. 302

حجةً، ومتى جعلناه حجة] (١) لزم انتفاء الحكم في جملة صور انتفاء الصفة، وإلا لم يكن للتخصيص فائدةٌ. هذه عبارة بعض مختصري "المحصول" (٢). ولقائل أن يقول: إنَّ الحالَ في هذا منقسمةٌ، فحيثُ يكون محلُّ النطق إثباتا [جزمًا] (٣)، فالحكمُ منتفٍ في جملةِ صورِ المخالفة، وحيث يكون محلُّ النطق نفيًا، لم يلزَمْ أن يثبتَ الحكمُ [في جملة صور المخالفة] (٤)؛ لأنه إذا كان النطقُ إثباتًا، لزم نفيُ الحكمِ إذا انتفى عن كل أفراد المخالف؛ لأنه إما أن يدلَّ على تناول الحكم؛ أعني: النفي لكل فرد من أفراد المخالف، أولا، فإن دلَّ فهو المراد، وإن لم يدلَّ فهو دالٌّ حينئذ على نفي الحكم عن مُسمَّى المخالف، فيلزم انتفاؤه عن كل فرد ضرورةَ [أنه يثبت النفي للمسمّى، وما ثبت للأعم، ثبت لجملة أفراده] (٥)، وهذا كتعليق الوجوب بسائمة الغنم، فإن محلَّ النطقِ إثبات، فيقتضي نفيَ وجوب الزكاة عن المعلوفة، فإن كانت بصفة العموم فذاك، وإلا فهو سَلْبٌ عن مُسمَّى المعلوفة، فيلزم انتفاءُ الوجوب عن كل أفراد المعلوفة؛ لما (٦) بيَّنَّاه.

стр. 303

و [أما] (١) إن كان محلُّ النطق نفيًا، أو [ما] (٢) في معناه، كما في هذا الحديث الَّذي نحن بصدده، وهو قولُه ﵇: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِيْ الْمَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ"، فإنه يقتضي انتفاءَ الحكم - وهو النفي - عن المخالف (٣)، فيكون الثابت للمخالف إثباتًا، فإن مُطْلقَ الحكم في السَّوم ليس يلزم منه العموم، فإن العمومَ له صيغٌ مخصوصةٌ، لا كلُّ صيغةٍ، فإذا كان بعضُ الألفاظِ المنطوقِ بها لا تدلُّ على العموم إذا كانت في طرف الإثبات، فما ظَنُّكَ بما لا لفظَ فيه أصلًا؟ ومن ادَّعى أنَّ مقتضى المفهومِ يدل على العموم في مثل هذا، فلابدَّ له من دليل، وقولُ القائل: ومتى جعلناه حجةً لزم أيضًا انتفاءُ الحكم في جملة صورِ انتفاءِ الصفةِ، وإلا لم يكن للتخصيص فائدةٌ، ممنوعٌ؛ لأنّا إذا علَّقنا الحكمَ بالمسمَّى المطلقِ كانت فائدةُ المفهوم حاصلةً في بعض الصور ضرورةً، فلا يخلو المفهومُ عن فائدة، وفي مثل هذا يتوجَّهُ كلامُ الغزالي. فهذه مباحثةٌ عرضتُها عليكَ لتنظرَ فيها، ثم بعد ذلك نقول: قد يُأخَذُ عمومُ الأحكام في أفراد المخالف من أمرٍ خارجٍ عن دلالة المفهوم، مثل أن يكون الإجماع قائمًا على عدم افتراق الأحكام، أو

стр. 304

يكونَ الحكم في المخالف ثابتًا لمعنى مفهوم، لا (١) يختص ذلك المعنى ببعض الأفراد دون بعض (٢). وسيأتي التنبيه [عليه] (٣) إن شاء الله تعالى، أو بوجه آخر، والرجوع بعد هذا الموضع إلى التفريع على العموم في المخالف. السادسة: في قاعدةِ تخصيصِ المفهومِ للعموم: قد ذكرنا وجهَ الحاجة إليها فيما مرَّ، ونتكلم عليها الآن لكثرة ما تدعو الحاجة إليه [فيها] (٤)، وقد تردَّد (٥) كلام المتأخرين من الأصوليين في هذا، فقال بعضُهم: لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم: أنه يجوز تخصيصُ العمومِ بالمفهوم، وسواء كان من قَبيل مفهوم الموافقة، أو من قبيل مفهوم المخالفة (٦). وقال غيرُه: إذا قلنا: المفهومُ حجةٌ، فالأشبهُ أنه لا يجوز تخصيصُ العامِّ به؛ لأن المفهومَ أضعفُ دَلالة من المنطوق، فكان

стр. 305

التخصيصُ (١) به، تقديمًا للأضعف على الأقوى، وأنَّه (٢) غيرُ جائز (٣). ويقال على هذا: إن العملَ بالعموم، فيه إبطالُ العمل بالمفهوم مطلقًا، ولا كذلك بالعكس، ولا يخفى أنَّ الجمعَ بين الدليلين - ولو من وجهٍ - أولى من العمل بظاهر أحدِهما وإبطالِ أصلِ الآخر. وقد رأيتُ في كلام بعض (٤) المتأخرين ما يقتضي تقديم العموم، فإنه لما أراد الجوابَ عن التمسك بقوله ﵇: [وَ] (٥) جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَتُربَتُها (٦) طَهُورًا" (٧)، عارضه بالحديث الآخر، وهو قوله ﵇: [وَ] (٨) جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٩)، ورَجَّح هذا بأنه منطوق، وذاك مفهوم. السابعة: مقتضى المفهومِ الفرقُ بين الراكدِ والجاري، وقال به الحنفيةُ، كما انْطَوى عليه الكلامُ الماضي، وحكيناه عنهم.

стр. 306

الثامنة: فرَّق الشافعيةُ والحنبلية (١) بين الراكد والجاري من وجهٍ آخر، وحَكَمًا بأنَّ الجاري متفاصلُ الأجزاء، لا يتعدَّى حكم جِرْيَةٍ (٢) إلى ما فوقَها و [لا] (٣) إلى ما تحتَها، فإن كلَّ واحدة من الجِريات طالبةٌ لما بين يديها، هاربةٌ عمَّا خلفَها، بخلاف الراكد، فإنه مترادٌّ متُعَاضِد، ولا شكَّ أن الاتصالَ في الماء الجاري موجودٌ حسًا، ولا يمكن أن يُكتفَى في الحكم الشرعي بمجرد هذا المعنى، أعني: الترادَّ والتفاصلَ بالتفسير المذكور، فإنَّ الشارعَ لو حكم بتعدي النجاسة إلى جميع الجِريات صحَّ، وإذا كان كذلك، فلا بدَّ لمدعي هذا الحكمِ من دليل شرعي يقتضي عدمَ اعتبارِ الاتصال المحسوس بالنسبة إلى حكم النجاسة، والذي استُشهِدَ به على هذا: أنه لو قُلِبَ الماءُ من إناءٍ إلى نجاسة، فإن الماءَ الَّذي في الإناء والذي هو في الطريق طاهرٌ. وعبَّر عن هذا بعضهم في بعض مسائل الجاري فقال - استشهادًا بما أجمعوا عليه: من أن (٤) إبريقًا لو صُبَّ من بُزالِهِ (٥) على نجاسة، كان الماء الخارج من البُزال طاهرًا ما لم يلاقِ النجاسة، وإن كان

стр. 307

جاريًا إليها -: فكذلك (١) كلُّ ما جرى إلى نجاسة. وهذا الاستشهادُ إنما يتمّ فيما إذا كان الماءُ الَّذي لاقَى النجاسةَ أولًا لم تحصلْ به طهارةُ المحل. ثم قد يُمِكنُ أن يُقالَ: إن ذلك للضرورة، فإنا لو قلنا: لا يطهر الثوبُ مثلًا إلا بأن يُغمَسَ في ماء كثير، أو (٢) يُصَبَّ عليه ما يكفي في إزالةِ حكمِ [النجاسة] (٣) دُفعةَ، لشقَّ ذلك وضاق. التاسعة: هذا الترادُّ في الراكد، والتفاصلُ (٤) في الجاري، تارةً يقتضي التطهيرَ، وتارةً يقتضي التنجيسَ. أما اقتضاءُ الراكدِ للتطهير: ففي الماء الكثير الراكد الَّذي وقعت فيه نجاسةٌ لم تغيره، وأنَّ (٥) ترادَّه يقتضي تعاضدَه ويقوَى (٦) بعضُهُ ببعض، وذلك مناسبٌ لدفع حكم النجاسة عنه. وأما اقتضاؤه للتنجيس: فمنه ما إذا تغير بعضُ الراكد بالنجاسة، فإنَّ ترادَّه يقتضي اتحادَه، وذلك يناسب الحكمَ بنجاسة جميعِه، وقد قيل به، ذكره الشيخُ أبو إسحاق في "المهذب" (٧).

стр. 308

وأما اقتضاءُ التفاصل (١) للتطهير: ففيما فوقَ النجاسة وفيما تحتَها، مما لم يصلْ إلى النجاسة، ولا وصلت هي إليه. وأما اقتضاؤه التنجيسَ: ففيما إذا كانت النجاسةُ جامدةً، والماءُ يجري عليها وينفصلُ عنها، فالمنفصِلُ نجسٌ [إذا كان قليلًا] (٢)، على ما سنذكره أنه المذهب، ولو امتدَّ فراسخَ على المختار عند الشافعية، ما لم يجتمع في مكانٍ مترادٍّ، فيكون طهورًا حينئذ (٣). العاشرة: مراتبُ المناسبة تختلف في القوة والضعف، وهذه المناسبةُ - في بعض الصور - من ضعيفِها، والاعتمادُ على ظواهر النصوص أقوى، وقد تعارضَ حيثُ يقتضي الترادُّ التطهير، والتفاصلُ التنجيس، بأنَّ جريانَ الماء أبلغُ في مَحْقِ النجاسة وذهاب أثرها من تعاضد الراكد، فيُنظَرُ - عند وقوع التعارض بين النص وبين ما يناسب [هذا المعنى] (٤) - أيُّهما أولى بالعمل؟ [ويُتَّبعُ] (٥). الحادية عشرة: إذا فرَّعنا على أنَّ للمفهوم عمومًا مطلقًا، اقتضى ذلك إباحةَ التوضؤ بالماء الجاري بعد وقوع النجاسة فيه، وجريانُ الماء صفة محسوسة، وهي حركته المقابِلَةُ لسكونه، فيقتضي ذلك أن يُبَاحَ الوضوءُ من كل ماءٍ موصوفِ بالجريان والحركة من حيث العمومُ

стр. 309

في المفهوم، فمَنْ أخرج شيئًا من ذلك، احتاج إلى دليل، والله أعلم. الثانية عشرة: للشافعي ﵁ قولٌ قديم: أنَّ الماء الجاري لا يَنجُسُ إلا بالتغير، واختاره بعضُ أتباعه، والمذهبُ الَّذي عليه الجمهور: الفرقُ بين القليل والكثير، كما في الراكد، وأنَّ القليلَ يَنجُسُ بمجرد الملاقاة (١)، وهذا الحديث يُستدلُّ به للمذهب الأول - بعد القول بالعموم للمفهوم -؛ لتناوله حينئذٍ لهذه الصورة المذكورة، أعني: القليلَ الجاري، وحديثُ القلتين يقتضي الفرقَ بين القليل والكثير، ودلالته على نجاسة القليل بطريق المفهوم، ودلالة هذا الحديث - الَّذي نحن في شرحه - على جواز استعمال الجاري قليلًا أو كثيرًا بطريق المفهوم أيضًا، فالتعارضُ إذًا (٢) بين مفهومين. فإذا قال أحدُ الخصمين: هذا العمومُ في الماء الجاري مخصوصٌ بالكثير؛ لحديث القلتين. قال خصمُه: مفهوم حديث القلتين مخصوصٌ بالماء الراكد؛ لهذا الحديث. والسببُ في ذلك: أنَّ كلَّ واحد من المفهومين - إذا قلنا بالعموم - عامٌّ من وجه [و] (٣) خاصٌّ من وجه، فإنَّ مفهومَ حديثِ القلتين عامٌّ بالنسبة إلى الجاري والراكد، خاصٌّ في المقدار، وهذا الحديث عامٌّ

стр. 310

في المقدار، خاصٌّ في الجاري، فكل واحد بالنسبة إلى الآخر عامٌّ من وجه خاصٌّ وجه، وما كان كذلك، فلابدَّ فيه من الترجيح، فيمكن مَنْ يُرَجِّحُ العملَ بهذا الحديث أن يقولَ: هو أصحُّ من حديث القلتين؛ للاتفاق على صحته، وسلامته من الاضطراب الَّذي في حديث القلتين، ولأن صاحِبَي الصحيح أخرجاه، بخلاف حديث القلتين. ويمكن لخصمه (١) أن يقولَ: عمومُ مفهومِ هذا الحديث وقعَ الإجماعُ على تخصيصه؛ لأن عموم مفهومَه يقتضي جوازَ الوضوء بكل ماء جارٍ وقعت فيه نجاسةٌ، وذلك مخصوص بالمتغير بالنجاسة إجماعًا، أما عمومُ مفهوم حديث القلتين فلم يقع الإجماعُ على تخصيصه؛ لأن مفهومَه: أنَّ ما دونَ القلتين إذا وقعت فيه نجاسةٌ ينجُسُ، وهذا المفهوم قد قال بعمومه الشافعيُّ ﵁، وقضى بنجاسة كلِّ فرد من أفراد الماء القاصر عن القلتين إذا وقعت فيه نجاسة، والعمومُ الَّذي تطرَّق إليه التخصيصُ بالإجماع، أضعفُ من العموم الَّذي لم يتطرَّقْ إليه التخصيصُ بالإجماع، فوجب ترجيحُ الأقوى عليه. ويمكن ترجيحُ الأول بوجهٍ آخرَ، وهو عضدُ العمومات الدالة على طهورية الماء مطلقًا، وما جاء في الأحاديث: أنَّ الماءَ لا يَنْجُس (٢). الثالثة عشرة: هذا الترجيحُ الَّذي ذكرنا من جانب المذهب الثاني؛ أعني: القولَ بأنَّ الجاري القليل ينجس بالتغير، وهو أنَّ عمومَ

стр. 311

مفهومِ هذا الحديث مخصوصٌ بالإجماع، وعمومُ مفهومِ حديث القلتين ليس مخصوصا بالإجماع، إنما يتأتَّى في المفهومين، ولا يتأتَّى في المنطوقين، فإن كلَّ واحد منهما مخصوصٌ بالإجماع. بيانه: أنَّ منطوقَ هذا الحديث يقتضي المنع من الغسل في الماء الدائم بعد البول فيه، وذلك مخصوصٌ بالإجماع على أن المُستبحِرَ لا يثبت فيه هذا الحكم، ومنطوق حديث القلتين يقتضي أنَّ ما بلغهما لا يحمل الخَبَث، وذلك مخصوص بالإجماع، على أن المتغيِّرَ منه نجس، والله أعلم. الرابعة عشرة (١): إذا كان بعضُ الماء جاريًا، وبعضُه راكدًا، فقد أُعطيَ كلُّ واحد منهما حكمَهُ، وهو منصوصٌ عليه عند أصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى (٢)، وهذا جارٍ على اتباع الحقيقة في كلِّ واحدٍ منهما. الخامسة عشرة: فإذا حَكَمَ للجاري الَّذي له الحركةُ بحكم الراكد الساكن، كان ذلك على خلاف الأصل، فيَحتاج إلى دليل، فالماءُ إذا كان يجري في مستوٍ من الأرض، أو كان مجرى الماء فيه

стр. 312

ارتفاعٌ، فالماء يترادُّ، ولكنه قد يجري مع ذلك جَريًا متباطئًا. وقد اختلف الشافعية - رحمهم الله تعالى - في أنَّ حكمَهُ حكمُ الراكد أو لا؟ وذكر إمام الحرمين: أنَّ ظاهرَ المذهب أنَّ حكمَهَ إذا كان كذلك حكمَ الماء الراكد، قال: ومن أصحابنا من أجراه مجرى الماء الجاري، وقال: [و] (١) لا أَعدّهُ من المذهب (٢). قلت: ولا شكَّ أن صفةَ الحركة والجريان ثابتةٌ له، ولا يمنع البطءُ من انطلاق اسم الجاري عليه، فيندرج تحت اسمِ الجاري، ومَنْ ذهب إلى خلاف ذلك، كأنه نظر إلى المعنى الَّذي استنبطهُ من الترادِّ. السادسة عشرة: ذكر صاحب "النهاية" (٣) أنه: لو كان يتلولبُ (٤) الماءُ من طرف النهر ويستدير، قال: فهو في حكم الراكد عندي؛ لأن الاستدارة في معنى التراد، والتدافع يزيد على الركود. وهذه كالمسألة قبلَها، أو فوقَها في المرتبة، وهذا أوجبه له ما قال من اعتبار معنى الترادِّ، وهو عدولٌ عن اندراجه تحت الجاري

стр. 313

الَّذي تناوله (١) المفهومُ؛ لأجل المعنى المذكور، وإنما جَعَلْتُ هذه المسألةَ في الرتبة فوقَ الأولى؛ لأن [المعنى] (٢) الَّذي يعتبره من الترادِّ فيها أقوى. السابعة عشرة: إذا كانت نجاسةٌ في ماء راكدٍ قليلٍ في عُمقِ الماء، وماءٌ ضعيفٌ يجري فوقَ ذلك الماءِ الراكدِ، فالماءُ الراكد نجسٌ، وحاشيةُ الجاري تلقى في جريانها نجاسةً واقفةً، وهي (٣) الماء الراكد، فقد يقتضي ذلك نجاسةَ الماء الجاري الضعيفِ، ولو كانت النجاسةُ طافيةً على الماء الجاري تُسْنَدُ على استنان جريه، وله عمق - أعني: الماء الجاري - لم ينجسِ [الماء] (٤) الراكد بذلك، فاقتضى ذلك تعدِّي حكمَ نجاسة الراكد إلى الجاري، لا تعدِّي حكمَ الجاري إلى الراكد، وهذا [ما هو] (٥) من ذلك النوع الَّذي ليس فيه اعتبار مسمى الجريان والركود، بسبب ما اعتبروه من المعنى. الثامنة عشرة: ما هو في معنى المنصوص عليه قطعًا يُلحَقُ به في الحكم، وكذلك ينبغي أن يُذكَرَ في فوائد الحديث والكلام عليه. والعُذْرة في معنى البول قطعًا، فإذا ثبتَ هذا فنقول: للشافعيِّ

стр. 314

قولٌ جديد: أنه يجب التباعدُ عن النجاسة الجامدة بمقدار قلتين، والقديمُ على خلافه، وهو المرجَّحُ عند أصحابه على خلاف المعتاد (١)، وقد عُلِّلَ (٢) بأنَّ ما دونَ القلتين مما يجاوِرُ النجاسةَ لو كان وحدَهُ لكان نجسًا، فكذلك إذا كان معه غيرُه، وأثرُ الكثرة دفعُ النجاسة عمَّا وراءَ ذلكِ القدرِ، وهذا التعليلُ يقتضي إفرادَ ما دونَ القلتين في الاعتبار عما اتَّصلَ به، وجعلَهُ كالمتفرد، فإنْ صحَّ ذلك فله أن يستدِلَّ بهذا الحديث؛ لأنه ماءٌ [قد] (٣) اغتسل منه بعدَ [ما هو في معنى] (٤) البول فيه، [وهو ما دون] (٥) القلتين مما يجاور النجاسة، إلا أنه يردُّ ذلك بأنَّ الجميعَ ماءٌ واحد محكومٌ له بالكثرة.

стр. 315

التاسعة عشرة: إذا انفصل الماءُ الجاري عن النجاسة، وكانت كلُّ جِريةٍ دونَ القلتين، فالصحيحُ من المذهب عند الشافعية: أنَّ ما تحتَ النجاسة [مما مرَّ عليها] (١) نجسٌ. وحُكيَ عن القديم قول: أنه لا يصير نجسًا (٢)، وعُلِّلَ بأنه ماء قد ورد على نجاسة، فصار كالماء الَّذي يُصَبُّ على النجاسة، وأجيب عن هذا، بأنه يخالف ما لو صُبَّ الماءُ على النجاسة؛ لأن الحاجةَ داعيةٌ إليه، فإنه لا يتصور الغسل [بالصب] (٣) إلا كذلك، والذي يقتضيه مفهومُ [هذا] (٤) الحديث - الَّذي نحن في شرحه - الطهارةَ، وإنما يُعدَلُ عنه بدليل من خارج، وهو المقتضي لتنجيس (٥) الماء القليل إذا اجتمع مع النجاسة، [وقد قدمنا البحثَ فيه] (٦). العشرون: إذا حُكِمَ بنجاسة هذا المنفصل عن النجاسة، فاغترفَ إنسانٌ من مكان، يكون الماء الَّذي بينه وبين محل النجاسة قلتين، ففيه اختلافُ وجهين عند الشافعية، والصحيح عندهم: أنه لا يجوز ذلك، ولو امتدَّ فراسخَ حتى يجتمع في موضع واحد مترادٍّ قدرَ القلتين (٧)،

стр. 316

وفيه وجهٌ: أنه يجوز ذلك (١)، وهذا الوجه مندرجٌ تحتَ عمومِ المفهوم في هذا الحديث، مع زيادة إمكان إدراجه (٢) تحت حديث القلتين. وإنما أوجب هذا عندهم ما ذُكِرَ من المعنى، وهو تفاصُلُ جريات الماء، وأن كلِّ جِرية منفردةٌ في الحكم، فلم يوجد هاهنا إلا جريانُ الماء النجس من محل إلى محل، والجريانُ لا يوجب الطهارةَ. الحادية والعشرون: قالوا: الأنهارُ الكبيرة - وهي التي يمكن التباعد فيها من (٣) جوانب النجاسة بقدر القلتين (٤) - يُجتَنَبُ فيها حريمُ النجاسة، وفُسِّرَ الحريمُ بما يتغيَّرُ شكلُه بسبب النجاسة، بتحريكه إياها، وانعطافِه عليها، والتفافِه بها (٥)، وفيه وجه: [أنه] (٦) لا يُجتَنَبُ كغيره (٧)، فيمكن (٨) توجيهُ هذا الوجه بأنَّ صفةَ الجريانِ ثابتةٌ [له] (٩)، فيندرجُ تحت مفهومِ الحديث، والذي عُلِّلَ به اجتنابُهُ؛ أنه في العِيافة والاستقذار كالمتغير بالنجاسة (١٠).

стр. 317

الثانية والعشرون: قد ذكرنا أنَّ ما هو في معنى الأصل قطعًا، أو قريبٌ (١) من الأصل، فهو كالمنصوصِ عليه. فلتفرض النجاسةُ راسبةً في أسفل الماء الجاري وقرارِهِ، وليس تمرُّ بها الطبقةُ العليا [من الماء] (٢)، وإنما تمرُّ بها السفلى، قال بعضُ أكابر الشافعية: فالماءُ (٣) طاهر ما لم ينتهِ إليها، فإذا انتهى إليها كانت [الطبقة، (٤) السفلى من الماء نجسة لمرورها على النجاسة، وإنما اختلف أصحابنا في نجاسة الطبقة العليا على وجهين: أحدهما: أنها طاهرة؛ لأنها لم تجرِ على النجاسة ولا لاقتها، فصار كالماء المتقدِّم عليها. والوجه الثاني: أنها نجسةٌ أيضًا؛ لأنَّ جِريةَ الماء إنما تمنع من اختلاطه بما تقدم وما تأخر، و [أما] (٥) ما علا منه، وما سفل من طبقاته، فهو بالراكد أشبهُ، والراكد لا يتميزُ حكمُ أعلاه وأسفلِه في الطهارة والنجاسة (٦). ولاشكَّ أن الحكمَ بنجاسة ما مرَّ عليها من الطبقة السفلى خلافُ

стр. 318

مفهومِ الحديث، وإنما يُخَصُّ - إن خُصَّ - بدليلٍ من خارج. وأما تنجيسُ العليا لأجل ما ذُكر من المعنى الأول، وكونُه أشبهَ بالراكد، فقد يُمنعُ؛ لما فيه من الحكمِ التقديريِّ المخالفِ للحقيقة في نفس الأمر، وَيرَى المانعُ: أنَّ تقديمَ ظاهرِ النص على هذا المعنى أولى. الثالثة والعشرون: إذا كان الماءُ يتراجعُ من موضعِ النجاسة إلى ما فوقَها، فحكمُ ما فوقَها إلى موضع التراجع كحكم ما تحتَها، كما ذكره بعضُ مصنفي الشافعية، والعلةُ فيه ما ذكر من المعنى، والعمومُ من المفهوم يتناوله. وقد ذكر القائلون بما حكيناه من الفرق بين الجاري والراكد بسبب التفاصل والتراد فروعا متعددة، فلنقتص على ما ذكرناه، ونذكر قاعدةً نعتبر بها ما مرَّ من المسائل المبنية على هذا الفرق، ونعتبر بها أيضًا غيرَ ذلك مما لا يُحصَى. الرابعة والعشرون: العمومُ تتفاوتُ درجاتُه في القوة والضعف بالنسبة إلى آحاد الأفراد، وقد يكون لبعض الأفراد دليلٌ راجح بالنسبة إلى ذلك الفرد على تناول العموم له فيُرجَّحُ؛ لأن العموم قد يُقصَد به الحكمُ على الشيء من غير تعرُّضٍ للمانع عند الإطلاق، وهذا مستعمَلٌ في كثير من تصرفات الفقهاء، كما إذا سُئِلنا عن النكاح فقلنا: هو مُستحَبٌّ، فهذ انظرٌ للنكاح من [حيثُ] (١) هو نكاح من غير اعتبار مانع، وقد يَعرِضُ ما يُوجِبُهُ في بعض الصور، وما يُحَرِّمُهُ في بعضها،

стр. 319

وكذلك لو سُئِلنا عن الصيد لقلنا: هو مباح، وقد يعرض له (١) ما يُحرِّمه. ومما يُضعِفُ العمومَ أن يظهرَ المقصودُ من الكلام، وأنَّ ما وقع فيه النزاع خارجٌ عن ذلك المقصود، وهذا قد اختلف فيه الأصوليون. فهذه المسائل [التي] (٢) ذكرناها، وذكرنا أنَّ عمومَ المفهوم يتناولها، [و] (٣) إنما خُولفَ العمومُ فيها - أو في كثير من صورها - للمعنى المذكور من الترادِّ والتفاصُلِ وإقامة مانع يمنع (٤) من العمل بالعموم، فلو قَوِي هذا المعنى المذكور، وظهر أنَّ الشرعَ أدار عليه الحكمَ كان أقوى من التمسك بالعموم في كثير من هذه الصور، ولكنَّ الشأنَ في قوته، فلتجعلْ ذلك محطَّ (٥) النظر، والله أعلم. الخامسة والعشرون: قد قدمنا ما شُنِّع به على الظاهرية في مسألة مفردة، وابن حزم منهم تجلَّد وتشدَّد وتلبَّد، وكان من حقه أن يتلدَّد (٦)، وأورد على مخالفيه أشياءَ قَصَدَ بها أن يساويَ بينه وبينهم، فقال في أثناء كلامه: وهل فَرْقُنا بين البائل وغير البائل، إلا كفرقهم

стр. 320

معنا بين الماء الراكد المذكور في الحديث، وغير الراكد الَّذي لم يُذكَر (١). فنقول: سببُ الشناعة التفريق مع قيام الدليل على التساوي الناشئ عن مقدمتين لا يشكُّ فيهما ناظرٌ مُنصِفٌ، لم يتقدمْهُ ما يميلُه إلى أحد الطرفين، ولم يحرِفْه حتى يكون في ميزان نظره عين، إحدى المقدمتين قطعية، والثانية مقاربة لذلك: أما المقاربة: فهي علمنا بأنَّ المنعَ من الغسل والوضوء إنما كان بسبب وقوع النجاسة، ولأجل تجنبها فيما يُتقرَّب به إلى الله تعالى. وأما القطعية: فمساواةُ حال البائل خارج (٢) الماء إذا جرى البول إليه، وحالِ البائل فيه، بالنسبة إلى معنى التنزُّه عن النجاسة في الصلاة، وأن ذلك ليس إلا لاستقذارها وطلب إبعادها عن حال القُربة لهذا المعنى. ومن زعم أنه لا فرقَ في اجتناب الماء بين أنْ يردَ الشرعُ باجتنابه إذا وقعَ فيه البولُ، أو باجتنابه إذا وقع (٣) فيه المِسْكُ والعنبر، أو (٤) وَرَدَ في معنى الاستقذار وعدمه، فليس له نظر صائب، وإنَّ سماعَ مثلِ هذا لمن المصائب، فإن ذكرتَ لخصمك ما يشبه هذا النظر، فقد أدركت
следующие страницы →