← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

ضرَبه في صَاع صَدْرهِ، وصاعٌ خوجِيَّةٌ، وسيق ذلك في المجاز] (١)، وهذا قريب؛ لأنَّ الصَّدْرَ جامعٌ، حاوٍ لما تحته، كجَمْعِ الصَّاع؛ أي: لما يحويه، فالعلاقة الاحتواءُ والجمعُ. وربما عُدَّ - أيضًا - في المجاز (٢) قولهم: الرَّاعي يصوعُ إبلَه، والكَمِيُّ يصوعُ أَقْرانه، والتَّيس يصوع المَعْز، قال الشاعر [من الوافر]: يَصُوْعُ عنوقَها أحوى زنيمٌ ... له ظَأَبٌ كَمَا صَخِبَ الغَرِيمُ (٣) ولعلَّ العلاقة في هذا الحوز والجمع من النواحي. وما يقرب من هذه المادة: صوَّعَ الطارقُ موضعًا للطُّروق: هيَّأه وسوَّاه. ويمكن أن تكون العلاقةُ التسويةَ؛ فإن الصَّاعَ يسوِّي المكيلةَ، وأمَّا التَّصَوُّع: بمعنى التفرق، يقول ذي الرُّمة [من الطَّويل]: عَسفْتُ اعْتِسافاً دونَها كلُّ مُذْهلٍ ... تظلُّ بها الآجالُ عنِّي تَصَوَّع (٤) أي: تَفَرَّقُ، وكذلك انصاع: بمعنى انفتلَ راجعاً، ومرَّ مسرعاً، تقول: صِعْتُ الشيء فانصاعَ؛ أي: فرَّقْتُه فتفرَّقَ، ففي ردِّ هذا إلى

стр. 2557

معنى الصاع بالاشتقاق، وجَعْلِها من مادة واحدة بُعدٌ (١). الثَّانية: يجمع الصَّاعُ على أَصْوُع - بسكون الضَّاد وضمِّ الواو - كأفْلُس، وعلي صِيْعَان، وأصواع (٢). * * * * الوجه الثالث: في شيء من العربية، وفيه مسائل: الأولى "الباء" في قوله: "بالمد وبالصاع" للاستعانة. الثَّانية: لا بُدَّ من حذفِ مُضافٍ؛ أي: يَغْتَسِلُ بملء مُدٍّ، أو بملء صاعٍ من الماء. الثالثة: إذا جُمِعَ الصَّاعُ على أصْوُعٍ، جاز أن تُبْدَلَ واوه همزةً؛ لأنَّ الواو إذا كانت عيناً مضمومة، جاز أن تُقلبَ همزة بشرطين: أحدهما: أن تكون غير مضاعَفَةٍ؛ احترازاً من التقول، فإنَّها لا تقلب؛ لأنها مضاعفة. الثَّاني: أن لا تكون للإلحاق؛ [احترازاً من التسهيل، وما هو على بنيته، فلا تُقلب فيه الواو همزة؛ لأنها للإلحاق] (٣)، فلو قلبت، إن الهمزة غير منقلبة (٤)، وأنها صيغت بذاتها للإلحاق، وهذان الشرطان

стр. 2558

موجودان في أصوع، فجاز قَلْيبُ الواوِ همزةَ، قال الجوهريُّ: وإنْ شئتَ أبدلتَ من الواو المضمومةِ همزةً (١)، يعني: في أصوع. الرابعة: "إلى" لانتهاء الغايةِ حقيقةً، فقوله في الحديث: "إلى خمسة أمداد" الأقرب (٢) أنه انتهاء لغايةِ الزيادةِ، بمعنى: أنه يَغْتسل بالصاعِ، وقد يزيد عليه إلى خمسة أمداد؛ لأنَّ الصَّاع أربعة أمداد. * * * * الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: قد ثيتَ بالنصوص والظواهر: أن الواجبَ هو الغسل، ومقتضى ذلك أن يكتفى بالمُسَمَّى، فحيث حصلَ، حصلَ الإجزاءُ، وحيثُ نقص، لم يحصُلِ الإجزاء، ومقتضى ذلك: عدمُ التحديد فيما يُتَوَضَّأ به ويغتسل، وليس في الحديث دلالة على عدم الاكتفاء بما دون المقدارين المعيَّنَيْن، أعني: المدَّ والصاعَ، فلا تعارَض الظواهرُ في الاكتفاء بالمسمَّى إذا نقَص عن ذلك، إنْ أمكن أن يحصُل المسمَّى بما دون المقدارين المذكورَين. الثَّانية: المنقول عن الشَّافعي ﵀ أنه قال: "وبلغنا أن النبي ﷺ توضَّأ بالمُدِّ، واغتسل بالصَّاع"، وفي هذا ما دل على أن لا وقت فيه إلَّا كماله (٣).

стр. 2559

قلت: دلالته على أن لا وقت بالنسبة إلى الزيادة، ظاهرٌ؛ لأنَّه لو كان الواجبُ أمراً زائداً على هذا المقدار، لما اكتفى بهذا المقدار. وأمَّا دلالتُه على أن لا وقت، فيما دون هذا المقدارِ إلَّا كَمَالُه، ففيه نظر، وسيأتي في المسألة بعدها ما يشير إليه. والذي يدلّ على عدم التحديد مطلقاً: هي الظواهُر التي اقتضت تعليقَ الحكمِ بمسمَّى الغسل، أو بمسمى الإفاضة. الثالثة: حكي عن محمد بن الحسن ﵀ أنه قال: لا يمكن المُغْتَسِل أن يَعُمَّ جسدَه [بأقلَّ من صاع، ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوئه] (١) بأقلَّ من مُدٍّ. قال بعض الشارحين المتأخرين: وفي هذا نظر: فإنَّه قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ : "أنه توضأ بثلثي مد". قلت: هذا النظر الذي ذكره، يحتاج إلى تحقيق، فإن هذا الذي ذكر فيه ثلثا المد مذكور في حديث الرُّبيِّعِ بنتِ معوِّذ: "أنه ﷺ أُتيَ بماءٍ قَدْرَ ثلثي المُدّ" (٢)، فحمله هذا الشارح على مُدّ النَّبيّ ﷺ ، وبه يتمُّ ردُّه

стр. 2560

ونظره، لكن المد مدان: مُدُّ النَّبيّ ﷺ ، ومُدّ هشامِ بن إسماعيل، وهو أَزْيَدُ من المُدِّ الأول، قيل: بثلث، وقيل: بنصف (١)، فإذا كان كذلك، وكان الإخبار عنه، لم ينقُصِ الذي توضأ به النَّبيّ ﷺ عن مُدِّه، لكنَّ ذلك يتوقف على تاريخ موتِ الرُّبيِّعِ، ومدة ولايةِ إسماعيل، وهل أدركَتْ زمن هشام بن إسماعيل، أو لا؟ فإن كان يمكن اجتماعُهما، فلا دلالةَ، لجواز أن تكونَ أرادت مُدَّ هشام، ولا تتوهمنَّ أنَّ قولها: "فأُتِيَ بماءٍ قَدْرَ ثلثي المد" يتعين لِئَن يكونَ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّها إذا أدركت مد هشام، جازَ أن يعين ما كان أولاً عند المقدار بثلثي المقدار الحاضر عند إخبارها. والمنقولُ عن ابنِ شعبان وهو المالكي القُرْطي (٢)، بضم القاف، وسكون الراء، والطاء المهملة، كأنه نسبةٌ إلى قُرْطة (٣)، الموضع الذي بين النَّوبة وأسوان، نقل عنه: أنه قال: لا يُجْزِئُ في الغُسْل أقلُّ من صاعٍ، ولا في الوضوء أقلّ من مُدَّ (٤).

стр. 2561

وهذا إن كان إخباراً عن أمر شرعيٍّ، بناءً على أمر وجودي، كأنه قيل: لا يحصل في الوجود مسمَّى الغُسْل بدون هذا: فلا يجزئ ما دون هذا، فهذا يعودُ إلى ظاهر كلام محمد بن الحسن الذي قدَّمناه، فإنَّه يقتضي الإخبارَ عن الأمر الوجودي بقوله (١): لا يمكن المغتسلَ أن يَعُمَّ جسدَه بأقلَّ من صاعٍ، ولا المتوضئَ أن يسبغَ أعضاءَ وضوئه بأقل من مُدٍّ. وإن كان إخباراً عن أمرٍ شرعي، بمعنى: أن الدليل الشرعيَّ يقتضي عدمَ الاكتفاء بما دون ذلك، فهل يحتاج إلى دليل شرعي، يعلى حكم الإجزاء بهذا المقدار، وعدم الاكتفاء بما دونه؟ الرابعة: يمكنُ أن يستدل لمذهب ابن شعبان، بناء على القول: بأنَّ الفعل للوجوب، مع ضميمة دليلِ التأسِّي إلى الفعل، فإن ذاك يقتضي وجوبَ هذا المقدار، وفيه بحثٌ؛ فإنا إذا جعلنا الحكم مُداراً على مسمى الغُسْل، وأمكن حصولُه بما دون هذا المقدار، فلا يتنافى وصفُ هذا المقدار بالوجوب، مع جوازِ الاقتصار على ما دونه بناءً على [أن] (٢) ما جاز الاقتصارُ عليه في الواجب بالنسبة إلى الشيء الواحد إذا مُدَّ، هل تتصف الجملة بالوجوب، كما في مَدِّ الركوع أكثرَ من الطمأنينةِ الواجبةٍ، [و] (٣) كما في مَدِّ مَسْحِ الرأسِ إذا لم يقدر أقله،

стр. 2562

فمدعي عدم جواز الاقتصار على ما دون ذلك، يحتاجُ إلى إبطال هذا المذهب، فتأمَّلْ هذا البحث، وتنبَّهْ له. وقد يُستدل بمفهومِ حديثٍ جاء في "المسند" عن أحمد ﵀ من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : فيُجْزِئُ من الغُسْلِ الصاعُ، ومن الوضوء المُدُّ" (١). الخامسة: المشهور المعروفُ أن المُدَّ والصاعَ مقداران مُعَيَّنان، لا يختلفان باختلاف المَكِيْلات، وبعضُ الشَّافعية فرَّق بين صاعِ الوضوء، وصاعِ الزكاة، فقال: صاعُ الجنابة ثمانيةُ أرطالٍ، والمُدُّ منه رِطلان، بخلاف صاعِ الزكاة، وذكر في صاع الجنابةِ أنَّه رواه أنس؛ حكاه أبو المحاسن الروياني الشَّافعي (٢) صاحب كتاب "بحر المذهب"، قال: وقال بعض أصحابنا (٣). وهذا القول حكاه أيضاً بعضُ المتأخرين. قلت: وقد روي عن موسى الجُهَنِيِّ، قال: أُتِىَ مجاهدٌ بقَدَحِ حزرتُهُ ثمانية أرطال، فقال: حَدَّثَتْني عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يَغْتَسِلُ بمثلِ هذا. أخرجه النَّسائيّ (٤).

стр. 2563

السادسة: إذا قلنا بالمشهور، وهو أن الصاع لا يختلف مقداره، فقد اختلفوا في مقداره: والمشهور: أنه خمسةُ أرطال وثلث، والمد رطل وثلث، وهذا مذهب أهل الحجاز. ومذهب أبي حنيفة: أنَّ الصَّاع ثمانيةُ أرطال. وقد رجع أبو يوسف ﵀ إلى مذهب أهلِ الحجازِ، لَمَّا اجتمع بمالك، وتناظرا في المسألة، فاحتجَّ مالكٌ بصيعان أهلِ المدينة المتواترة، وأحضَرها، أو بعضَها، فرجعَ أبو يوسف، وأخبرَ النَّاسَ برجوعِهِ عندَ وصوله العراقَ (١). السابعة: هذا الحديثُ، وحديثُ عبد الله بن عمرو الماضي، كيف ما كان يدل على الاقتصاد في الماء الذي يُتَطَهَّر به. الثامنة: الشَّافعي ﵀ يَسْتَحبُّ أن لا ينقصَ عن هذين المقدارين في الوضوء والغُسْل (٢)، وقد تبيّن أنه لا يَلْزم من استحباب الشيءِ كراهةُ ضدِّه، فمَنْ أراد أن يُثبِتَ الكراهةَ في الاقتصارِ على ما دون ذلك، يحتاج إلى دليل غير دليل استحباب الفعل، وعند الطّبرانيّ حديثٌ عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ توضَّأ بنِصْفِ مُدّ، ويُحتاج إلى النظر في إسناده (٣).

стр. 2564

التاسعة: كما يدل على استحباب الاقتصاد في ماء الطهارة، فكذلك يدل على أن الغايةَ التي زادها النبيُّ ﷺ ليستْ داخلةً في باب الكراهة، ولا خارجةً عن الاقتصاد المطلوب. العاشرة: [ إذا أردنا أخذَ استحبابِ عدم] (١) النقصانِ عن هذا القدر الذي في الحديث، أو الكراهة للنقصان عنه، إن قيلَ بها، فالأجسام تختلف في الحاجة إلى مقدار ما يحصل به مُسَمَّى الغُسْل، كاختلافها بحسب العَبَالَة (٢)، والضخامة وضدها، [و] (٣) بحسب الليونة والقشافة والغلظ، وما هو ضد ذلك. فأمَّا استحبابُ عدمِ النُّقصان، فجيِّد؛ لأنَّ بدنَ النَّبيّ ﷺ كان الدرجةَ العاليةَ من اللِيْنِ، كما شهد به حديث أنس: ما مَسستُ بيدي ديباجاً، ولا حريراً، ألينَ من كفِّ رسولِ الله ﷺ (٤)، فإذا دلَّ الاقتصارُ

стр. 2565

على هذا القدر في قريب من هذه الليونة، فلأَن يدلَّ على عدم استحباب الاقتصار فيما هو أخشنُ منها وأغلظُ من باب الأولى، وهذا بخلاف الكراهة، فإنَّه لا يلزَمُ من عدمِ كراهة الاقتصار على هذا القدر في البدن الليِّن عدمُ الكراهةِ لما دونه في البدن الخشن. الحادية عشرة: تَصَرَّف شيخنا أبو محمد ابن عبد السلام ﵀ تصرُّفاً أخصَّ من هذا، فجعل للمتوضِّئ والمغتسل ثلاثةَ أحوال: إحداهنَّ: أن يكون معتدلَ الخَلْق؛ كاعتدال خَلْق رسول الله ﷺ ، فيقتَدِي به في اجتنابِ التنقيصِ عن المُدِّ والصَّاع. الحالة الثَّانية: أن يكون ضئيلاً لطيفَ الخَلقْ، بحيث يعادلُ جسدُه بعضَ جسدِ رسولِ الله ﷺ ، فيُسْتَحَبُّ له أن يستعملَ من الماءِ ما تكونُ نسبتَه إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسدِ رسولِ الله ﷺ . الحالة الثالثة: أن يكونَ مُتَفَاحِشَ الخَلْقِ في الطُّول والعرض، وعِظَمِ البَطْن، وتخامَةِ الأعضاء، فيستَحَبُّ أن لا ينقص عن مقدارٍ تكون نسبتُه إلى بدنه، كنسبة المد والصاع إلى رسول الله ﷺ ، كذا ذكر (١). الثَّانية عشرة: هذا النوع - أعني: مراعاةَ هذا القدر - فرعٌ من فروع قاعدةٍ شرعية؛ وهي الاقتصاد في المصالح والطاعات،

стр. 2566

والاقتصاد رتبةٌ بين رتبتين، ومنزلةٌ بين منزلتين: فالمنزلة الدنيا: التقصيرُ في جلبِ المصالحِ، وهو مذموم. والمنزلة القُصوى: الإسرافُ في جَلْبها، ويدخل فيه الغلوُّ في الدينِ والتنطُّعُ، وهو مذموم. والاقتصاد: التوسُّط بينهما، وهو محمود، كما قيل الحسنة بين السيئتين؛ بمعنى: أن التقصيَر سيئةٌ، والإسرافَ سيئةٌ، والحسنةُ ما توسط بين الإسراف والتقصير، وخيرُ الأمور أوساطها، وها هنا أمرٌ دقيقٌ عَسِرٌ في العلمِ به، وفي العمل في مواضع: منها: الفرق بين الوَرَعِ والوَسْوَاسِ، فإن الوسواسَ مذمومٌ، والورعَ محمودٌ. وآخرُ كل مرتبة تلي الأخرى، وأولُ الأخرى تلي آخرَ الأولى، وهذا في الأخلاق والشجاعة والتهوُّر؛ فإنَّ الشجاعةَ محمودةٌ، فإذا زادت على القدرِ المطلوبِ، انتهت إلى التهوُّر المذموم. وكذلك التحرز والاحتياط والنظر في العواقب محمودٌ، فإذا أفرط، انتهى إلى الجُبْنِ والخَوَرِ المذموم. فهذا هو العسر في معرفة التوسط علماً وعملاً، حيث تتقارب المراتب، فأمَّا إذا تباعدت، فلا إشكال. ولمرتبة الاقتصاد في الشرع أمثلة: أحدها: التوسط في الإنفاق ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧].

стр. 2567

وثانيها: التوسط في العبادة، وعدم تكليف النفس ما لا تطيقُ الدوام عليه، وتؤدي إلى الملالة والسآمة "إنَّ هذا الدينَ متينٌ، فَأوْغِلْ فيه بِرفْقٍ، ولا تُبَغِّضْ إلى نفسِك عبادةَ الله" (١). "ألا هلك المتنطِّعون" (٢). وقيل لرسول الله ﷺ : هذه الحولاءُ بنتُ تويت، لا تنامُ الليل، فقال: "لا تنام الليل! اكلفوا من العملِ ما لكم به طاقة" (٣). وروى بعض الصحابة النَّهي عن التبتُّل، فقال: ولو أُذِنَ لنا، لاختصينا (٤).

стр. 2568

ورَدَّ النبيُّ ﷺ على عبد الله بن عمرو التزامَه قيامَ الليل، وصيامَ النهار، ولم يُقِرَّه على طلب كثرةِ التلاوةِ، التي رامَها (١). وثالثها: ما تعلق بالزيادة في لذات الدُّنيا، فإن الشَّرعَ دل على طلبِ الزهدِ في الدُّنيا، وذمَّ قوماً أذهبوا طيباتهِم في حياتهم [الدُّنيا] (٢)، فتكلَّف قومٌ من أهل الرِّيادة أموراً شاقة (٣)، والتزموا تركَ مباحاتٍ؛ كالزواجِ، وأكلِ بعضِ الطيِّباتِ، فردَّ عليهم؛ قال عليه أفضل الصَّلاة والسلام: "من رَغِبَ عن سُنَّتي، فليسَ منِّي" (٤)، وقصة عثمان مع عامر بن عبد قيس ﵄ أحد الثمانية الزهاد، مذكورة. ورابعها: الشريعة طافِحَةٌ بمجاهدَةِ النَّفس، ورَدْعِها عن شهواتها، وأخلاقِها المذمومة، فتكلَّف المتعبِّدون والمتصوِّفون أفعالاً شاقَّة، قصدوا بها المجاهَدة، وتوغَّلوا (٥) في ذلك، فكان هذا في جانب الفعل، كما تقدَّم في جانب التَّرك، من الامتناع عن المباحات، وأُنكِر بعض ذلك، وقيل (٦): إنه تصرُّف في المملوك بغير إذن المالك،

стр. 2569

فإن الأنفس ليست مِلْكاً لإنسان، بل هي مِلْكٌ لله تعالى، فالتصرفُ فيها بغير ما أَذِنَ فيه ممتنعٌ، وهذا كلّه يشّهد لك ما ذكرناه من صعوبة الفرق علماً وعملاً. وخامسها: ما نحن فيه، فإن إسباغَ الوضوءِ مطلوبٌ: "ويلٌ للأعقابِ من النَّارِ، أسبِغُوا الوضوء" (١)، والزيادة سَرَفٌ ممنوعٌ، كما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو. وسادسها: المواعظُ النَّافعةُ في الدين المؤدِّيةُ إلى سلوك سبيل المتقين مطلوبةٌ شرعًا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، والإكثارُ منها يُسْقِط وَقعها، ويؤدي إلى السآمة منها، فتبطُل فائدتُها المطلوبة، فالاقتصادُ هو المحمود: "كان رسول الله ﷺ يتخوَّلُنا بالموعِظَةِ مخافةَ السآمِة علينا" (٢). وانظر (٣) إلى الحِكْمة الشَّرعية في جعلها مرةً في الأسبوع؛ لأنَّ طولَ تركِها يُطْغي النفسَ، ويقوِّي دواعِيَها المذمومةَ، فربما عَسُرَ ردُّها بعد تمكُّنِها من النَّفس، وكثرةِ فعلها فيه ما ذكرنا من إيطال فائدتها وحكمها، فتوسط في ذلك.

стр. 2570

وسابعها: الاقتصادُ في العقوبات، والحدود، والتعزيرات، بأنْ يُعاقَب كلُّ واحد من الزُّناة على حسب ضَعْفه وقُوَّته، فلا يجلد الزَّاني والقاذفُ جَلْدَ مبالغةٍ بحيث يُسْفَح الدم، ولا يُضْرب ضرباً لا أثر له في الزَّجْر والردع، بل يكون ضَرْباً بين ضربين، وسَوْطاً بين سوطين، وزَماناً بين زمانين؛ أي: يُتَجَنَّبُ زمنُ الحرِّ الشديد، والبردِ الشديد، [أعني] (١): حينَ إقامة الحدود، وكذلك الاقتصاد في التأديبات للرقيق، والصِّبيان، والبهائم، والنِّسوان. وثامنها: الإحسانُ في صفة الهلاك إذا وجب، أو جاز، كما قيل في الزاني إذا رُجِم لا يرجَمُ بحصَيَاتٍ، ولا بصَخراتٍ، وإنَّما يرجم بما تقتضيه العادة في مِثله، وكذلك في ذَبْح الحيوان: "إنَّ الله كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحْتُم، فأحسنوا الذِّبْحَةَ" (٢). وتاسعها: الاقتصادُ في الدُّعاء، قيل: لأنَّ الغالبَ على أدعية رسول الله ﷺ في الصَّلاة وغيرها اختصارُ الأدعيةِ، فنُقِلَ عنه ﷺ دعواتٌ جامعاتٌ، وغيرُ جامعاتٍ، وعلَّة ذلك: أنَّ الله تعالى أمرَ بالتضرُّع، والخِيفة في الدُّعاء، ولا يحصل (٣) ذلك غالبًا إلَّا بتكلف، وإذا

стр. 2571

طال الدعاء، عَزَبَ التضرُّع والإخْفاءُ، وذهبَ أدبُ الدعاء، وقد استحبَّ الشافعيُّ أن يكون دعاءُ التشهُّدِ دون التشهُّدِ (١)، انتهى. قلت: وقد وردَ أنَّ قوماً يعتدون في الطُّهور والدُّعاء (٢). وعاشرها: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. والحادي عشر منها: الأكلُ والشربُ، بحيث لا يتجاوز حدَّ الشِّبَعِ والرِّيِّ، ولا يقتصرُ على ما يُضْعِفُ ويُقْعِدُ عن العباداتِ والتصرفاتِ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. الثَّاني عشر منها: الاقتصادُ في السَّيْر إلى الحَجِّ والعُمْرة. والثالث عشر منها: زيارُة الإخوانِ مطلوبةٌ مُرَغَّبٌ فيها، والإكثارُ منها داعيةُ الملالة: "زُرْ غِبًّا تزدْد حُبًّا" (٣)، والإبطاءُ فيها

стр. 2572

يُسلِم إلى الجفاء والوَحْشة. والرابع عشر منها: مخالطةُ النِّساءِ، وحسنُ العِشْرةِ معهن، إذا أكثرَ منه غلبت عليه أخلاقُهُنَّ، وإذا أقَلَّ منه جاء استثقالُهنَّ واستجفاؤهنَّ. الخامس عشر منها: دراسة العلوم في الكثرةِ والقلةِ؛ فالأول: يؤدي إلى السآمة، والثاني: يؤدي إلى القُصور فيها. والسادس عشر منها: السؤال عما تدعو الحاجةُ إلى السؤال عنه من أمور الدُّنيا، الإكثارُ منه مذمومٌ، ووردتْ فيه أحاديثُ، وتوعُّدات، والإقلالُ عند الحاجة والضرورة مُضِرٌّ، وقد ينتهي بعضُه إلى الحُرْمة. والسابع عشر منها: المُباح من المِزاح، والانبساطِ، واللعبِ، والضحكِ؛ والكثرةُ منه مذمومةٌ، مُذْهِبة للخشوع، مُوْجِبة للخروج عن السَّمْت الحَسَنِ، والإقلالُ منه جداً داخل في الانقباض المُوْحِشِ للمخالطين والزائرين، وربما أدَّى إلى نَفْرَة الأنفس عن قومٍ صالحين.

стр. 2573

[من السريع]: إنْ شِئْتَ أنْ تُصْبحَ بينَ الوَرَى ... ما بَيْنَ شَتَّامِ ومُغْتَابِ فكُنْ عَبُوسًا حينَ تلقاهُمُ ... أو خَالِطِ النَّاسَ بإِغْرابِ (١) وقد ينتهي بعضُ المتنطِّعين في هذا إلى سوءِ العِشْرة، والإنكار فيما لا يُنْكَر، بل ربَّما ينتهي بعضهم إلى إنكارِ استعمالِ المَجَازِ في اللغةِ، التي امتلأت لغةُ العربِ منه، وربَّما فوَّتَ بعضُهم مصالحَ، وأوقعَ مفاسدَ أشدَّ ممَّا رغب فيه، أو نهى عنه. والثامن عشر منها: المَدْحُ، وَرَدَ فيه الذَّمُّ: "احثوا في وَجْهِ المدَّاحِيْنَ التُّرابَ" (٢)، ويُحْمَلُ على المذمومِ منه، فإنَّ الإكثارَ من المدحِ فيه مفسدَةُ التخطي إلى الكذب والوقوع فيه، ومفسدةُ فسادِ نفسِ الممدوحِ، بما يحدث عنده من الكِبْرِ، والفخرِ، فاليسيرُ (٣) منه عند مسيسِ الحاجة إليه ترغيبٌ للممدوح ممَّا مُدِحَ به، وتذكيرٌ له بنعمة الله عليه ليشكُرَها، فيتحرَّزُ من المفسدة، ويفعل المصلحةَ، حيثُ تؤْمَنُ الفتنةُ للممدوحِ. قال بعض المتكلمين في هذا المعنى: وعلي الجملة، فلا ينبغي

стр. 2574

لعاقل أن يخطرَ بقلبه، ولا يجري على جوارحه، إلَّا ما يَجلبُ صلاحاً، أو يَدرأ فسادًا، فإن سَنَحَ له غيرُ ذلك، فليدرأه ما استطاع (١). الثالثة عشرة: هذا الذي ذكرناه، إنَّما هو باعتبار الأعَمِّ والأغلب، وقد يقعُ في بعض الأحيان ما يُوجِب أن يكونَ المصلحةُ في الخروجِ عن بعض ما ذكرناه، كما في التوسُّط في رفع الصوت، فإنَّه ممدوح "اربَعوا على أنفسكم، إنَّكم لا تَدْعُون أَصَمَّ، ولا غَائباً" (٢). ثم دعت الحاجة في الوَعْظِ إلى رَفْع الصوت: كان النَّبيّ ﷺ إذا خَطَبَ احمرَّتْ عيناه، وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبُه (٣)؛ لأنَّ المقصود من الخطبة يقتضي هذه الهيئةَ، لأجلِ إحداثِ التأثُّر في أنفسِ المستمعين، ووجود ما يتأثرون به من الهيئة المذكورةِ، إلى غير ذلك ممَّا تقتضيه الحالاتُ المخصوصة في بعض الأحيان. الرابعة عشرة: ها هنا أمور مقسَّمةٌ في الشرع إلى محمودٍ ومذمومِ، فلا ينبغي في كثيرٍ منها أن يدخلَ تحت هذا الباب، ولا يندرجُ تحت هذا

стр. 2575

النوع الذي يُؤْمر فيه بالاقتصاد ليفعل، ولكنَّ ذلك يدخل في باب تأمُّلِ الحِكَمِ الشرعية، وتقسيمِها إلى ما يُمدح ويُذم، بحسب المصالح. مثال ذلك: مدحُ النفسِ مذمومٌ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وقد حُمِد (١) حيث تدعو الحاجة إليه، وتتعلق به المصالح: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] فما زادَ على مقدار المصلحة هو مذمومٌ متعيِّنٌ للذَّم، وما كان بَقْدرِ الحاجة، فهو محمود متعيِّن للمدح بنفسه، لا باعتبارِ الاقتصاد والغلوِّ في المباحات أو المطلوبات. الخامسة عشرة: ومن هذا الباب أيضًا: الذَّمُّ والهجوُ، حيث أُبيح في التجريح المضطَّرِ إليه، ما زاد عليه مذمومٌ متعينٌ للذَّمِّ، وما اقتصر فيه على الضرورة ممدوحٌ متعين للمدحِ، وليس متعلّقُ المدح والذم الاقتصادَ وعدمَه المطلوبَ منهما الفعل. السادسة عشرة: التسميع مذموم: "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بهِ" (٢)، وقد ورد عن بعض الأكابر ذِكْرُ مآثر، وخيراتِ، وقربات صدرَتْ منهم، وفضائلَ. تعلَّقَتْ بهم. قال عثمان - رضي - الله عنه -: ما تغنَّيْتُ منذ أسلمتُ، ولا مسستُ

стр. 2576

ذكري بيميني مُذْ بايَعْتُ بها رسولَ الله ﷺ (١)، أو كما قال. وكذلك جمع من أكابر الأولياء ذكروا لهم عباداتٍ صدرتْ منهم، وكراماتٍ جَرَت عليهم، وذلك لأمرين: أحدهما: الترغيب والتبسيط للمريدين، والسالكين في طريقهم؛ لأنّ النفس مجبولةٌ على طلب حَظِّها الأخروي والدنيويِّ معًا، وهذا قد خُصَّ بالأقوياء الذين أَمِنوا التسميع (٢).

стр. 2577

الحديث الثاني والعشرون وثبت في "الصَّحيحين" من حديث المغُيرةِ بنِ شُعبةَ: أنَّهُ صَبَّ على النَّبيٍّ ﷺ الماءَ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ (١).

стр. 2578

أما المغيرة بن شعبة: فقد تقدم ذكره. ثم الكلام عليه من وجوه:

стр. 2579

* الأول: في إيراد الحديث على الوجه: روى مسلمٌ من حديث أبي معاوية، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: "يا مُغيرةُ! خُذِ الإداوَةَ"، فأخذْتُها، ثم خرجْتُ معه، فانطلقَ رسولُ الله ﷺ ، حتَّى توارى عنِّي، فقضى (١) حاجته، ثم جاء، وعليه جُبَّةٌ شاميَّةٌ ضيقةُ الكُمَّين، فذهب يُخْرج يده من كُمِّها، فضاقت [عليه]، فأخرج يَدَه من أسْفَلها، فصَبَبْتُ عليه، فتوضأ وُضوءَه للصلاة، ومسحَ على خُفَّيه، ثم صَلَّى. وفي رواية عيسى، عن الأعمش بسنده: خرجَ رسولُ الله ﷺ يقضي حاجَتَهُ، فلما رَجَعَ تلقَّيْتُهُ بالإدَاوَةِ، فصببت عليه. . .، الحديث. وفي رواية عروةَ بن المغيرة، عن أبيه قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ في مسيرٍ، فقال لي: "أَمَعَكَ مَاءٌ؟ " فقلتُ: نعمْ، فنزل عن راحلته، فمشى حتَّى توارى في سَواد الليل، ثم جاء، فأفْرَغْتُ عليه من الإداوة. . .، الحديث. وفي رواية عن عروة بن المغيرة، عن أبيه: أنه وضَّأَ النبيَّ ﷺ ، فتوضأ، ومَسَحَ على خُفَّيه، فقال له، فقال: "إنِّي أدْخَلْتُهُما طاهرتين".

стр. 2580

* الوجه الثاني: في تصحيحه: وقد ذكر في الأصل: أنه في "الصحيحين"، وهذه الروايات التي حكيناها، هي ألفاظُ رواية مسلم. * الوجه الثالث: في شيء من العربية (١). * الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: المقصود بإيراد الحديثِ هاهنا، مسألةُ الاستعانة في الوضوء، فنبدَأُ بها، ثم نعطِف على شَرْحِ بقيةِ ألفاظ الحديثِ الكاملِ، فنقول أولًا: فرقٌ (٢) بين الإعانة والاستعانة، وليس أحدُهما مُلازمًا للآخر، فقد تقعُ الإعانة ولا [تقع] (٣) الاستعانة؛ بأن لا تَطْلُبَ، وقد تقعُ الاستعانة ولا إعانة؛ بأن لا تَفْعل. الثانية: [ المقصود] (٤) بهذا الكلام: أنه قد استُدِلَّ على جواز الاستعانة بأحاديث فيها الإعانة، وعلى مقتضى ما ذكرناه: لا يكونُ

стр. 2581

الاستدلال صحيحًا إلا بمقدِّمةٍ زائدة، ولا يكون الحديث بنفسه كافيًا في الاستدلال؛ كما فُعل، والمقدمة أن يقال: لو كُرِهَتِ الاستعانةُ، لكُرهت الإعانة، وتَثْبت هذه الملازمة بدليل، ويبقى اللازم بالأحاديث التي استدل بها. الثالثة: هذا الذي ذكرناه إنما هو تنبيهٌ على الاستدلال الذي (١) استمرَّ بين الفقهاء، وما فيه، وقد ورد في حديث الرُّبيِّع - بضم الراء، وفتح الباء ثاني الحروف، وتشديد آخرها مكسورًا - بنت مُعوِّذ - بكسر الواو المشددة - التصريحُ بالاستعانة؛ لأنَّ في حديثها (٢): صببتُ على رسول الله ﷺ ماءً، وقال لي: "اسكبى عليَّ". . . الحديث، وفيه: أنَّه في الوضوء (٣). الرابعة: ورد في غير حديثٍ الإعانةُ بصبِّ الماء على رسول الله ﷺ في الوضوء: منها: حديث المغيرة، وقد ذكرناه. ومنها: حديث أسامة بن زيد: أنَّ رسولَ الله ﷺ لما أفاضَ من عَرَفَةَ، عدلَ إلى الشِّعب، فقضى حاجته، قال أسامة: فجعلْتُ أصبُّ عليه ويتوضأ، وهو في "الصحيح" (٤).

стр. 2582

ومنها: حديث الرُّبيِّع، وفيه: وصببتُ على رسول الله ﷺ . ومنها: حديث عمرو بن العاص، وفيه: صببت [على] (١) النبي ﷺ ، فتوضأَ وُضوءًا مُنكَّسًا (٢). ومنها: حديث عن رجل من قَيس: صببتُ على رسول الله ﷺ ، فتوضأ. رواه أبو مسلم الكشِّي (٣). ومنها: حديث أُميمة مولاةِ رسول الله ﷺ : كنت أُوضِّئ رسول الله ﷺ ، أفرغُ (٤) عليه الماءَ، ذكره أبو بكر بن أبي خَيثمة (٥). الخامسة: المحقق من هذه الأحاديث، جوازُ الإعانة بالمعنى الأعمّ، الذي يدخل تحته الوجوب، والنَّدب، والكراهة، والإباحة المستوية في الطرفين، ولا يناقضه إلا التحريمُ، وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل. السادسة: هذا المعنى الأعمّ في جواز الفعل، لا يناقضه استحبابُ الترك، وهو مذهب الشافعي ﵀ قال: وأحبُّ أن لا يستعينَ على وضوئه بأحد، ويتولاه بنفسه. وهذا الاستحباب إن أخذ من دلائل عامة وقواعد كلية، فله وجهُ

стр. 2583

قُربٍ (١)، وإن أريد دليلٌ خاص عليه، فقد يَعسُرُ على وجهٍ تقوم به الحُجَّة، والذي يُقال في هذا، وأشهر (٢) من استدلال الشافعية: أنه رُوي: أنَّ النبي ﷺ توضأ، فأراد بعضُ أصحابه أن يَصُبَّ عليه ماءً، فقال: "أنا لا أستعينُ على وُضُوئي بأحدٍ"، وهو حديث غريب، يُحتاج إلى معرفة مخْرجِهِ، وحالِ رواته، ولم يحضُرني ذلك الآن، ولم أذى هـ في "الإمام" (٣)، ولكن قد ورد ما يقتضي معناه من أمر الاستعانة، وسنذكره في المعارض لهذا الحديث. السابعة: عُلِّلَ عدمُ استحبابِ الاستعانة بأنَّه نوعٌ من التنعم والتكبر، وذلك لا يليق بحال المتعبِّدِ، والأجرُ على قدر النَّصَب. الثامنة: يُخطِّئ بعضُ الشافعية الخراسانيين، فكَرِهَ الاستعانة بالغير إلا لعذر، واعتذرَ -[أو] (٤) مَنِ اعتذرَ عنه - عن الاستعانة بالمغيرة بنقل ثيابه ﷺ [عليه] (٥)، أو لأنَّه كان في السَّفَر، فأراد أن لا يتأخر عن الرُّفقة تعليمًا للحزم والاحتياط (٦).

стр. 2584

وهذا الاعتذار بالسفر، قد ورد ما يُلغيه من حديث صَفْوانَ بن عسَّال قال: صببتُ على رسول الله ﷺ الماء لوُضُوئه في السَّفر والحضر، فتوضأَ، ذكره البزَّار في "مسنده" (١). التاسعة: الصادرُ من الرسولِ ﷺ يُحْمَل ظاهرًا على الجواز، الذي لا تُجامعه الكراهةُ؛ لأنَّ الظَّاهرَ عدمُ ارتكابِ المكروه؛ لأنَّ الجَزْمَ بعدم ارتكابِ المكروه من غير معارضٍ واقعٌ في حق الرسول ﷺ ، وقد يعلِّلون في بعض ما يكرهون الفعل ببيان الجواز، فيقولون: إنَّما فعل لتبيين الجواز، لكنَّ ذلك بعد قيام الدليل المقتضي للكراهة، فإن لم يقمْ دليلٌ شرعيٌّ على الكراهة، لم يصحَّ أن يقال بها، فلا يكون المانع قائمًا، فلا يَحْسُن تعليل الفعل بأنه بيان للجواز، وبهذا يبينُ ضعفُ القول بالكراهة، وهو المرجَّح عند الشافعية على ما ذكره بعضهم؛ أعني: القول بعدم الكراهة. العاشرة: قد تلخَّص لك من مذهب الشافعي ﵀: أنَّ ترك الاستعانة مستَحَبٌّ، وأن الصحيحَ من مذهب أصحابه: أنها لا تُكْره، ولا تعارضَ بين الأمرين، لأنك علمْتَ أنه لا يلزم من استحباب الشيء كراهةُ ضدِّه، ومثاله الظاهر: كثرةُ شغل الأوقات بالعبادات، فإنه مستحبٌ، ولا يوصَفُ تركُه بالكراهة.

стр. 2585

الحادية عشرة: لهذا الذي دلَّت عليه الأحاديث من جواز الإعانة أو الاستعانة ما قد يُعارضه، وكنَّا قد أشرنا إلى ذِكْرِه، وهو ما رواه النَّضْر بن منصور، عن أبي الجَنوب قال: رأيت علِيًّا ﵁ يستقي ماءً لوُضوئه، فأردتُ أن أُعينه عليه، فقال: "رأيتُ عمرَ بن الخطاب ﵁ يستقي ماءً لوُضوء، فقلت: ألا أعينُك عليه؟ قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يستسقي ماءً لوضوئه، فأردتُ أن أُعينَه، فقال: إِنِّي لا أحبُّ أن يعينَني على وضوئي أحدٌ" رواه الحافظ أبو بكر البزار في كتاب الطهارة من "السنن"، وقال: هذا الفعل لا نعلمه يُروى عن النّبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وأبو الجنوب لا يُعلم حدَّث عنه إلا النضرُ بن منصور، والنضر قد حدَّث عنه غيرُ واحد (١). وهذا الحديث، إنما ذكرناه؛ لأنه لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ولعل الحديث الذي ذكره الفقهاء مختصرٌ من هذا. وذكر أبو أحمد بن عدي، عن عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: فالنضر بن منصور العَنَزِيّ تعرفه؟ روى عنه ابن أبي معشر، عن أبي الجنوب، عن علي، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء حمالةُ الحطب (٢). قلت: أبو الجنوب مسمى بعقبة بن علقمة. الثانية عشرة: وهاهنا حديثٌ اَخرُ يدل على عدمِ استحباب الاستعانة من رواية مُطَهرِ بن الهيثم: أنبأ علقمةُ، عن أبيه أبي جمرةَ

стр. 2586

الضُّبَعِيِّ، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسولُ الله ﷺ لا يَكِلُ طهورَه إلى أحد، ولا صدقتَهُ التي يتصدَّقُ بها، حتى يكونَ هو الذي يتولاها بنفسِهِ". وجدته من رواية أبي الحسن الدارقطني ﵀ في غير كتاب "السنن"، مما صنفه في بعض أنواع علوم الحديث (١)، في ترجمة علقمةَ بن أبي جمرة الضبعي، عن أبيه، وهو نصر بن عمران (٢). وهذا يدل على الاستحباب (٣) الذي استحبه الشافعي، فإن كان رواتهُ مُحْتَجًّا بهم عن آخرهم، فهو دليلٌ معين جيد (٤)، أجودُ مما استدل به الفقهاء. الثالثة عشرة: وأما مَنْ كرهَ الاستعانة، فقد وردَ عن ابن عمر ما يقتضي المنع، وهو ما جاء عنه أنه قال: "ما أُبالي أَعانني على طُهْري أحدٌ، أو أعانني على رُكوعي وسجودي"، رواه الحافظ أبو علي الحسن بن علي (٥) بن شبيب المعمري (٦). وهو محتمل للتأويل الذي سنذكره الآن.

стр. 2587

الرابعة عشرة: جميع ما ذكرناه يُحمل على الاستعانة في أسباب الطَّهارة، والاستعانةُ على وجهين: استعانةٌ في الأسباب، واستعانة في نَفْسِ الفعل. فالاستعانةُ في الفعل: أن يتناولَ غَسْلَ الأعضاء غيرُ المتوضِّئ بنفسه، وهذا أقربُ إلى الكراهة من الاستعانة في الأسباب؛ كاستقاء الماء، ويمكن أن يُحْمَل عليها (١) ما دلَّ على كراهة الاستعانة من الألفاظ المطلقة، التي لا تدلُّ على الاستعانة في الأسباب، والله أعلم.

стр. 2588

الحديث الثالث والعشرون روى مسلمٌ من حديث عمرَ، في حديث طويلٍ، قال فيه: "مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ يتوضَّأُ، فَيُبْلِغُ، أو فَيُسْبغُ الوضوءَ، ثُمَّ يقولُ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ؛ إلَّا فُتِحَت لَهُ أبْوابُ الجنَّةِ الثمانيةُ، يدخُلُ مِنْ أيِّها شاءَ" (١). وعنده في رواية: "مَنْ توضَّأَ، فقال: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله،

стр. 2589

وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ" (١). الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريف: أما عمر ﵁: فهو أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب بن نُفَيْل ابن عبد العُزّى بن رِياح - بكسر الراء المهملة، وبعدها آخر الحروف مخفَّفًا - بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح - بفتح الراء المهملة، وبعدها

стр. 2590

زاي - بن عَدِي بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشيُّ العدويُّ، المدنيُّ. أمُّه حَنْتَمةُ - بفتح الحاء المهملة، وبعدها نون ساكنة، ثم ثالث الحروف مفتوحًا - بنتُ هاشم، ويقال (١): هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، فمن قال: بنتُ هشام، فهي أختُ أبي جهل، ومن قال: هاشم، تكون بنتَ عمه. قال الحافظ أبو عمر: الصحيحُ بنتُ هاشم، ومن قال: بنت هشام، فقد أخطأ. وقال الزبير بن بَكَّار: بنت هاشم؛ كما قال أبو عمر. وقال ابن منده، وأبو نعيم: بنت هشام أخت أبي جهل، ونقله أبو نعيم، عن ابن إسحاق. قيل: وُلد عمرُ ﵁ بعد الفِيْل بثلاث عشرة سنة، وكانَ من أشرافِ قريش. قالوا: وإليه كانت السِّفارة في الجاهلية، وكانت (٢) قريشٌ إذا وقعت الحرب بينهم، أو بينهم وبين غيرهم، بعثوه (٣) سفيرًا، أي: رسولًا. وكان إسلام عمر ﵁ قديمًا، قيل: بعد أربعين رجلًا،

стр. 2591

وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعدَ تسعة وثلاثين رجلًا، وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين، وإحدى عشرةَ امرأة. وعن سعيد بن المسيِّب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلًا، وعشرِ نسوة، فما هو إلا أن أسلم، فظهر الإسلامُ بمكة (١). وقال الزبير بن بَكَّار: أسلم عمرُ بعد دخول رسول الله ﷺ دارَ الأرقم، بعد أربعين رجلًا، أو نيِّفٍ وأربعين من رجال ونساء، وكان النبي ﷺ قال: "اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبِّ الرجلين إليكَ؛ عمرَ بنِ الخطاب، أو عمرو بن هشام" (٢) يعني: أبا جهل. وقد اشتُهر خبرُ إسلامه، وسببُه: أنَّ (٣) أختَه فاطمةَ بنتَ الخطاب ﵂ كانت زوجةَ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، أحدِ العشرة، وكانت أسلمتْ هي وزوجُها، فسمعَ بذلك عمر، فقصدها، فقرأا عليه القرآن، فأوقع الله تعالى في قلبه الإسلام، فأسلمَ، ثم جاءَ إلى النبيِّ ﷺ وأصحابه، وهم مُختفون في دارٍ عند الصَّفا، فأظهر إسلامه، فكبَّر المسلمون فَرَحًا بإسلامه، ثم خرجَ إلى مجامعِ قريش، فنادى بإسلامه، فضربتْه جماعةٌ منهم، فضارَبَهم، فأجارَه خالُه، فكفُّوا عنه، ثم لم تَطِبْ نفسُ عمر ﵁ حينَ رأى المسلمين يُضرَبون،

стр. 2592

وهو لا يُضرَبَ في الله، فردَّ جِوارَه، فكان يضارِبُهم [ويضاربونه] (١)، إلى أن أظهرَ اللهُ تعالى الإسلام. وعن ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: كانَ إسلامُ عمرَ فَتْحًا، وكانت هجرتُهُ نَصْرًا، وكانت إمامتُهُ رَحْمَةً، ولقد رأيتُنَا، وما نستطيعُ أن نصليَ في البيت، حتى أسلمَ عمر، فلمَّا أسلم قاتلَهُم، حتى تركونا، فصلَّينا (٢). وروى البخاريُّ عن ابن مسعود قال: ما زلنا أَعِزَّةً منذُ أسلمَ عمر (٣). وعن حذيفةَ قال: لما أسلمَ عمرُ كان الإسلامُ كالرجل المُقبِل، لا يزدادُ إلا قُربًا، فلما قُتِلَ عمر، كان الإسلام كالرجل المُدبِرِ، لا يزدادُ إلا بُعدًا" (٤). قال محمد بن سعد: كان إسلامُ عمر ﵁ في السَّنَةِ السادسة من النبوَّة (٥)، واتفقوا على تسميته بالفاروق (٦).

стр. 2593

ورووا عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله جعلَ الحَقَّ على لسانِ عمرَ، وقلِبهِ، وهو الفاروقُ، فرَّقَ الله [به] (١) بين الحقِّ والباطلِ" (٢). وعن عائشة قالت: سمَّى رسولُ الله ﷺ عمرَ الفاروقَ (٣). واتفقوا على أنه أوَّلُ من سُمِّي أميرَ المؤمنين، وإنما يقال لأبي بكر: خليفةُ رسول الله ﷺ . وعمرُ ﵁ أحدُ السابقين للإسلام، وأحدُ العشرة المشهودِ لهم بالجنة، وأحدُ الخلفاءِ الراشدين، وأحدُ أصحاب رسول الله ﷺ ، وأحد أكابرِ علماءِ الصحابة وزُهَّادهم. قال بعضهم: رُوي له عن رسول الله ﷺ خمس مئة حديث، وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفق البخاريُّ ومسلم منها على ستةٍ وعشرين حديثًا، وانفرد البخاريُّ بأربعة وثلاثين، ومسلمٌ بأحد وعشرين (٤). قلت: قد تقدم إن هذا لابدَّ أن يُضافَ إلى شيء معين، وإلا فلا يمكن حصرُهُ على الوجه. قيل: روى عنه عثمان بن عفَّان، وعليُّ بن أبي طالب، وطلحة

стр. 2594

ابن عُبيد الله، وسعدُ بن أبي وَقَّاص، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوف، وابن مسعود، وأبو ذَرٍّ، وعمرو بن عَبَسَةَ، وابنه عبد الله بن عمر، وابن عباسٍ، وابنُ الزُّبيرِ، وأنسٌ، وأبو موسى الأشعريُّ، وجابر بن عبد الله، وعمروُ بن العاص، وأبو لُبابة بن عبد المُنْذِر، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخُدري، وأبو هريرة، وابن السَّعْدِيِّ، وعقبة بن عامر، والنعمانُ بن بشيرٍ، وعَدِيُّ بن حاتم، ويَعْلَى بن أُمية، وسفيان ابن وَهْب، وعبد الله بن سِرْجِس، والفَلَتَان بن عاصم، وخالد بن عَرْفَطَة، والأشعثُ بن قيس، وأبو أُمامة الباهليّ، وعبد الله بن أُنيس، وبُريدَةُ الأسلميّ، وفُضالة بن عبيد، وشدَّاد بن أوس، وسعيد بن العاص، وكعب بن عُجْرة، والمِسْوَر بن مَخْرمة، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن الأرقم، وجابر بن سَمُرة، وحبيب بن مَسلمة، وعبد الرحمن بن أبزَى، وعمرو بن حُريث، وطارق بن شهاب، ومَعْمَر بن عبد الله، والمسيَّب بن حَزْن، وسفيان بن عبد الله، وأبو الطُّفيل، وعائشة، وحفصة ﵃، وكلهم صحابة. قلت: ولو قيل: وكلهم معددون في الصحابة لكان أجود. قيل: وروى عنه من التابعين خلائق؛ منهم: ابنه عاصم، ومالك ابن أوس، وعلقمة بن وقاص، وأبو عثمان النَّهْدي، وأسلمُ مولاه، وقيس بن أبي حازم، وخَلْق سواهم. قيل: وأجمعوا على كثرةِ علمهِ، ووُفُورِ فَهْمه، وزهدِهِ، وتواضُعِهِ، ورفْقِهِ بالمسلمين، وإنصافِهِ، ووقوفهِ مع الحقِّ، وتعظيمه

стр. 2595

آثارَ رسول الله، وشدةِ متابعته له، واهتمامِه بمصالح المسلمين، وإكرامه أهلَ الفضلِ والخير، ومحاسنُه أكثرُ من أن تُستقصى. قال ابن مسعود حينَ توفيَ عمرُ ﵁: ذَهَبَ بتسعة أعشار العلم (١). وأقوالُ السلف في علمه مشهورةٌ، وهاجر إلى المدينة، حتى أراد النبيُّ ﷺ الهجرةَ، فتقدم قُدَّامه في جماعة. قال البراء بن عازب: أوَّلُ من قدم علينا من المهاجرين مُصعب بن عمير، ثم ابنُ أمِّ مكتوم، ثم عمرُ بن الخطاب في عشرين راكبًا، فقلنا: ما فعلَ رسول الله ﷺ ؟ قال: هو على إثري، ثم قدم رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁ (٢). وعن علي ﵁ قال: ما علمتُ أحدًا هاجرَ إلا مُخْفيًا، إلا عمرَ بن الخطاب؛ فإنه لما همَّ بالهجرة تقلَّدَ سيفه، وتنكَّبَ قوسه، وانتضى (٣) في يده أَسْهُمًا، وأتى الكعبةَ، وأشرافُ قريش بفِنائها، فطاف سبعًا، ثم صلَّى ركعتين عند المَقام، ثم أتى [حِلَقَهم] (٤). واحدةً واحدةً،
следующие страницы →