← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وفيه وجهٌ: أنه يجوز ذلك (١)، وهذا الوجه مندرجٌ تحتَ عمومِ المفهوم في هذا الحديث، مع زيادة إمكان إدراجه (٢) تحت حديث القلتين. وإنما أوجب هذا عندهم ما ذُكِرَ من المعنى، وهو تفاصُلُ جريات الماء، وأن كلِّ جِرية منفردةٌ في الحكم، فلم يوجد هاهنا إلا جريانُ الماء النجس من محل إلى محل، والجريانُ لا يوجب الطهارةَ. الحادية والعشرون: قالوا: الأنهارُ الكبيرة - وهي التي يمكن التباعد فيها من (٣) جوانب النجاسة بقدر القلتين (٤) - يُجتَنَبُ فيها حريمُ النجاسة، وفُسِّرَ الحريمُ بما يتغيَّرُ شكلُه بسبب النجاسة، بتحريكه إياها، وانعطافِه عليها، والتفافِه بها (٥)، وفيه وجه: [أنه] (٦) لا يُجتَنَبُ كغيره (٧)، فيمكن (٨) توجيهُ هذا الوجه بأنَّ صفةَ الجريانِ ثابتةٌ [له] (٩)، فيندرجُ تحت مفهومِ الحديث، والذي عُلِّلَ به اجتنابُهُ؛ أنه في العِيافة والاستقذار كالمتغير بالنجاسة (١٠).

стр. 317

الثانية والعشرون: قد ذكرنا أنَّ ما هو في معنى الأصل قطعًا، أو قريبٌ (١) من الأصل، فهو كالمنصوصِ عليه. فلتفرض النجاسةُ راسبةً في أسفل الماء الجاري وقرارِهِ، وليس تمرُّ بها الطبقةُ العليا [من الماء] (٢)، وإنما تمرُّ بها السفلى، قال بعضُ أكابر الشافعية: فالماءُ (٣) طاهر ما لم ينتهِ إليها، فإذا انتهى إليها كانت [الطبقة، (٤) السفلى من الماء نجسة لمرورها على النجاسة، وإنما اختلف أصحابنا في نجاسة الطبقة العليا على وجهين: أحدهما: أنها طاهرة؛ لأنها لم تجرِ على النجاسة ولا لاقتها، فصار كالماء المتقدِّم عليها. والوجه الثاني: أنها نجسةٌ أيضًا؛ لأنَّ جِريةَ الماء إنما تمنع من اختلاطه بما تقدم وما تأخر، و [أما] (٥) ما علا منه، وما سفل من طبقاته، فهو بالراكد أشبهُ، والراكد لا يتميزُ حكمُ أعلاه وأسفلِه في الطهارة والنجاسة (٦). ولاشكَّ أن الحكمَ بنجاسة ما مرَّ عليها من الطبقة السفلى خلافُ

стр. 318

مفهومِ الحديث، وإنما يُخَصُّ - إن خُصَّ - بدليلٍ من خارج. وأما تنجيسُ العليا لأجل ما ذُكر من المعنى الأول، وكونُه أشبهَ بالراكد، فقد يُمنعُ؛ لما فيه من الحكمِ التقديريِّ المخالفِ للحقيقة في نفس الأمر، وَيرَى المانعُ: أنَّ تقديمَ ظاهرِ النص على هذا المعنى أولى. الثالثة والعشرون: إذا كان الماءُ يتراجعُ من موضعِ النجاسة إلى ما فوقَها، فحكمُ ما فوقَها إلى موضع التراجع كحكم ما تحتَها، كما ذكره بعضُ مصنفي الشافعية، والعلةُ فيه ما ذكر من المعنى، والعمومُ من المفهوم يتناوله. وقد ذكر القائلون بما حكيناه من الفرق بين الجاري والراكد بسبب التفاصل والتراد فروعا متعددة، فلنقتص على ما ذكرناه، ونذكر قاعدةً نعتبر بها ما مرَّ من المسائل المبنية على هذا الفرق، ونعتبر بها أيضًا غيرَ ذلك مما لا يُحصَى. الرابعة والعشرون: العمومُ تتفاوتُ درجاتُه في القوة والضعف بالنسبة إلى آحاد الأفراد، وقد يكون لبعض الأفراد دليلٌ راجح بالنسبة إلى ذلك الفرد على تناول العموم له فيُرجَّحُ؛ لأن العموم قد يُقصَد به الحكمُ على الشيء من غير تعرُّضٍ للمانع عند الإطلاق، وهذا مستعمَلٌ في كثير من تصرفات الفقهاء، كما إذا سُئِلنا عن النكاح فقلنا: هو مُستحَبٌّ، فهذ انظرٌ للنكاح من [حيثُ] (١) هو نكاح من غير اعتبار مانع، وقد يَعرِضُ ما يُوجِبُهُ في بعض الصور، وما يُحَرِّمُهُ في بعضها،

стр. 319

وكذلك لو سُئِلنا عن الصيد لقلنا: هو مباح، وقد يعرض له (١) ما يُحرِّمه. ومما يُضعِفُ العمومَ أن يظهرَ المقصودُ من الكلام، وأنَّ ما وقع فيه النزاع خارجٌ عن ذلك المقصود، وهذا قد اختلف فيه الأصوليون. فهذه المسائل [التي] (٢) ذكرناها، وذكرنا أنَّ عمومَ المفهوم يتناولها، [و] (٣) إنما خُولفَ العمومُ فيها - أو في كثير من صورها - للمعنى المذكور من الترادِّ والتفاصُلِ وإقامة مانع يمنع (٤) من العمل بالعموم، فلو قَوِي هذا المعنى المذكور، وظهر أنَّ الشرعَ أدار عليه الحكمَ كان أقوى من التمسك بالعموم في كثير من هذه الصور، ولكنَّ الشأنَ في قوته، فلتجعلْ ذلك محطَّ (٥) النظر، والله أعلم. الخامسة والعشرون: قد قدمنا ما شُنِّع به على الظاهرية في مسألة مفردة، وابن حزم منهم تجلَّد وتشدَّد وتلبَّد، وكان من حقه أن يتلدَّد (٦)، وأورد على مخالفيه أشياءَ قَصَدَ بها أن يساويَ بينه وبينهم، فقال في أثناء كلامه: وهل فَرْقُنا بين البائل وغير البائل، إلا كفرقهم

стр. 320

معنا بين الماء الراكد المذكور في الحديث، وغير الراكد الَّذي لم يُذكَر (١). فنقول: سببُ الشناعة التفريق مع قيام الدليل على التساوي الناشئ عن مقدمتين لا يشكُّ فيهما ناظرٌ مُنصِفٌ، لم يتقدمْهُ ما يميلُه إلى أحد الطرفين، ولم يحرِفْه حتى يكون في ميزان نظره عين، إحدى المقدمتين قطعية، والثانية مقاربة لذلك: أما المقاربة: فهي علمنا بأنَّ المنعَ من الغسل والوضوء إنما كان بسبب وقوع النجاسة، ولأجل تجنبها فيما يُتقرَّب به إلى الله تعالى. وأما القطعية: فمساواةُ حال البائل خارج (٢) الماء إذا جرى البول إليه، وحالِ البائل فيه، بالنسبة إلى معنى التنزُّه عن النجاسة في الصلاة، وأن ذلك ليس إلا لاستقذارها وطلب إبعادها عن حال القُربة لهذا المعنى. ومن زعم أنه لا فرقَ في اجتناب الماء بين أنْ يردَ الشرعُ باجتنابه إذا وقعَ فيه البولُ، أو باجتنابه إذا وقع (٣) فيه المِسْكُ والعنبر، أو (٤) وَرَدَ في معنى الاستقذار وعدمه، فليس له نظر صائب، وإنَّ سماعَ مثلِ هذا لمن المصائب، فإن ذكرتَ لخصمك ما يشبه هذا النظر، فقد أدركت

стр. 321

أدركت من مقابلة التشنيع بالتشنيع الوط (١)، وإلا: فتلكَ شكاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُهَا (٢) ونحن لا ننكر الفرق عند وجود (٣) المعنى الَّذي يوجب الفرقَ، ولا عندَ انحسامِ المعنى ووجوبِ المصير إلى التعبُّدِ، وإنما أنكرناه عند ظهور المعنى ظهورًا قويًا جدًّا، واقتضى ذلك المعنى التسويةَ، فإنكارُ الفرق من هاهنا جاء، وما ذكرتُهُ من الفرق بين الراكد والجاري ليس كذلك. وأيضًا فالتفرقةُ من طريق المفهوم، والمفهومُ مفهومُ موافقةٍ ومفهومُ مخالفة، ومفهوم الموافقة ما يقتضي رجحانَ حالِ المسكوت عنه على حالِ المنطوق به، أو مساواتَه له (٤) إن ساواه، ويُعَرفُ ذلك بالرجوع إلى أهل اللسان والعُرف، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، [والحكمُ ثابت فيهما؛ أعني: في المسكوت عنه والمنطوق به؛ لأجل العلم بالتساوي أو الأولوية، وقد فرَّقتَ بينهما مع وجوب التساوي.

стр. 322

وأما مفهوم المخالفة فنحن فرقنا به، ولا ينتهي الأمر فيه إلى شيء من التشنيع؛ لكون المسألة نظرية متقاربة الدلائل، بخلاف ما فعلتَهُ] (١). قال (٢): وإلا فليقولوا لنا: ما الَّذي أوجب الفرق بين الماء الراكد وغير الراكد، ولم يوجب الفرق بين البائل وغير البائل، إلا أنَّ ما ذُكِرَ في الحديث لا يتعدَّى حكمُهُ إلى ما لم يُذكَر فيه بغير نص؟ (٣) قلنا: الفرقُ بينهما ما أشرنا إليه من قوة المعنى المذكور وإيجابِه للمساواة قطعًا، ولا كذلك في الراكد والجاري، فإنه لم تُوجَدِ القوةُ [التي] (٤) في المعنى ثَمَّ، [كما وُجِدت] (٥) هاهنا؛ لأنَّ المساواةَ في المعنى الَّذي ظهرَ [ثَمَّ] (٦) قطعيةٌ، وقد نتبرعُ بذكر معنى يقتضي الفرقَ من جهة المناسبة، إلا أنا في هذا المقامِ نكتفي بعدم الإلحاق في الفرق؛ لقصور هذه الصورة عن تلك. وقولهُ: إلا أن ما ذُكِر في الحديث ... إلى آخره، حصرٌ في سبب التفرقة بين الجاري والراكد، وهو ممنوعٌ؛ أعني: انحصارَ المأخذِ فيما ذُكِر. قال: وكتفْرِقتِهم في الغاصب للماء، فيَحرُمُ عليه شربُهُ

стр. 323

واستعمالُه، وهو حلالٌ لغير الغاصب له (١). قلنا: هذا ركيك جدًّا؛ لأنَّ ما ثبت لعلة تتعيَّنُ إضافةُ الحكم إليها، وجب أن يثبُتَ عند وجودها، وينتفي عند انتفائها، وهذه العلة [في مسألة الغصب] (٢) مُقتضيةٌ للتفريق بين الغاصب وغيره؛ لأنها ليست إلا العدوانَ وتحريمَ مالِ الغير، وغيرُ الغاصب لا عدوانَ منه. قال: وهل البائل وغير البائل إلا كالزاني وغير الزاني، والسارق وغير السارق، والشارب وغير الشارب، والمصلي وغير المصلي، لكل ذي اسم منها حكم (٣)، وهل الشنعة والخطأ الظاهر إلا أنْ يَرِدَ نصٌّ البائل، فيُحمل ذلك الحكمُ على غير البائل! وهل هذا هو إلا كمَنْ حَمَلَ حكمَ السارق على غير السارق، وحكمَ الزاني على غير الزاني، وحكمَ المصلي على غير المصلي، وهكذا في جميع الشريعة؟! نعوذ بالله من هذا (٤). قلنا: جميعُ ما ذكرتَ من التفرقة في هذه الصور ليس للأسامي كما تَزْعُم، ولا للاقتصار على الاسم في هذه الصور؛ لأنَّ الحكمَ لا يتعلَّقُ فيها بالاسم، بل بالعلل التي أوجبت تلك الأحكام، وعُلِمَ أنَّها أسبابُها، والعقوبات المرتبة على ارتكاب الجنايات المحرمة

стр. 324

شرعًا، تقتضي الفرقَ بين من جنى بارتكاب المعصية وبين مَنْ لم يجنِ. هذا إن أراد به وجوبَ التسوية في خصوص الأحكام، وهو أنْ يُساوى بين السارقِ وغيرِه في خصوص العقوبة، وهي القطعُ في السرقة، والجَلْدُ في زنا البِكر، والرجمُ في زنا المُحْصَن ... إلى آخره. وإن أراد وجوبَ التسوية فيما هو أعمُّ من خصوص العقوبة فنقول حينئذ: [لا يخلو إما أنْ يظهرَ معنى يقتضي الحكمَ المعين بالصورة المخصوصة، أو لا، فإن ظهر معنى يقتضي تخصيصَ الحكمِ فقد ظهر ما يوجب الفرق، ونحن نتكلم معك فيما ظهر فيه ما يوجب الجمع، وإن لم يظهر معنى يقتضي التخصيصَ: فلا يخلو إما أن يظهرَ معنى يجوز أن يُسنَدَ إليه الحكمُ، أو لا، فإن ظهر معنى يجوز أن يُسنَدَ إليه الحكمُ، ألحقنا حيثُ يجوز الإلحاقُ] (١)، وإن لم يظهر [معنى] (٢)، وجب أنْ نقتصرَ على المنصوص، ونجعلَهُ تعبُّدًا، فإن شرطَ التعدية (٣) فهمُ المعنى. وكذلكُ الفرق بين المصلِّي وغيرِ المصلي، إن أراد به الفرق في

стр. 325

الإكرام واستحقاقِ الثواب شرعًا، فعليه قيامُ الفارق بين المصلي وغيره، وهو (١) وجودُ العلة فيه، وانتفاؤُها عن غيره، لا مجرَّدَ الاسم كما تقول. قال: ولو أنصفوا أنفسَهم؛ لأنكرَ المالكيون والشافعيون على أنفسهم تفريقَهم بين مَسِّ الذَّكرِ بباطن الكفِّ؛ فينتقِضُ (٢) الوضوءُ، وبين مَسِّهِ بظاهر الكف؛ فلا ينتقض (٣) الوضوء (٤). قلنا: سببُ التفريق أنه ذُكِرَ أنَّ الإفضاءَ لا يكون إلا بباطن الكف، وذلك قضاءٌ على اللغة، وإخبار عنها [بأن هذا هو الوضع] (٥)، فإن صحَّ فالانتقاض بباطن الكف على هذا التقدير كالنص (٦)، وعدم الانتقاض بظاهر الكف؛ لعدم ظهور المعنى المعقول في انتقاض الوضوء بمسِّ الذَّكَرِ في الجملة، وما قيل فيه من المعنى المناسب ليس بالقوي، ولا ينتهي في درجة الظن إلى ما يُقارِبُ القطعَ، بخلاف ما نحن فيه. وإن لم يصحَّ ما ذُكِر من أنَّ الإفضاءَ لا يكون إلا بباطن [الكف] (٧)، فالخطأ هاهنا مبنيٌ على فساد الأصل، لا على وجوب

стр. 326

المساواة بين باطن الكف وظاهرِها الَّذي أنت تحاولُ تقريرَهُ. قال: ولأنكرَ المالكيون على أنفسهم تفريقَهُم بين حكم الشريفة وحكم الدنيَّة في النكاح، وما فَرَّقَ الله تعالى بين فرجيهما في التحليل والتحريم والصَّدَاق والحَدِّ (١). قلنا: إنما فرقوا بين الدنيَّة والشريفة لمعنى رأوا أنَّه العلةُ في اشتراط الولي الأقرب. وتقريرُه: أنَّ النساءَ مَظِنَّةُ الانخداعِ، والميلِ إلى الشهوات، وتقديمِ أهل الغنى على أهل الدين، وذلك قد يجرُّ إلى إلحاق العار الشديد بالأولياء، لاسيَّما في طباع العرب، فاقتضى هذا المعنى عندهم أن يكونَ علةً لتفويض الأمر إلى الأولياء، دفعًا لضرر العارِ عنهم، وللمفاسد الناشئة عن (٢) تفويض أمر النكاح إلى المرأة، وهذا المعنى معدومٌ في الدنية التي لا عارَ في تزويجها مِنْ أحدٍ على أحد، فلا تساوي الشريفةَ، فاقتضى الحالُ التفرقةَ، فإذا امتنع تزويجُها نفسَها مباشرةً وزوَّجها غيرُها - مَنْ كان - لم تحصل مفسدةُ الإضرار لإلحاق العار، فلا يخلو حينئذٍ: إما أن يكونَ هذا المعنى مُعتبَرًا، أو لا؛ فإن كان معتبرًا فالفرقُ ظاهرٌ، وإن لم يكنْ معتبرًا فالخطأ في الحكم؛ لأجل الخطأ في النظر في العلة، لا لأجل التفريق، وخطؤكم في التفريق مع مقتضى الجمع قطعًا أو قريبًا منه.

стр. 327

قال: ولأنكرَ المالكيون والشافعيون تفريقَهُمْ بين حكم التمر وحكم التين (١) في العرايا (٢). قلنا: فرَّقوا بقيام الدلائل الشرعية على تحريم بيع الرَّطْبِ باليابس، فإنْ ظهرَ معنى يقتضي التخصيصَ، [أو] (٣) يجوز اعتبارُه شرعًا [في علة الحكم] (٤)، فلا إنكارَ في التخصيص، وإن لم يظهرْ، وجب الاقتصارُ على موضع النص، لفقدان شرط الإلحاق، وهو فهمُ المعنى. قال: وهؤلاء المالكيون يُفرِّقون معنا بين ما أدخل الكلبُ فيه لسانَه، وبين ما أدخل فيه ذَنبَهَ المبتلَّ [من الماء] (٥). قلنا: حَمَلَهم عليه أنَّهم رأوا إباحةَ الاصطياد به وملابستَه، وأكلَ ما يصيده دليلَ الطهارة، ولم يظهرْ لمالك - رحمه الله تعالى - في غسل الإناء سبعًا [معنى] (٦) بعد طهارته، فقضى بالتَّعبُّدِ، ولا قياسَ مع التعبد، وهذه أمورٌ نظريةٌ لا تنتهي إلى ما ارتكبتموه من الفرق، فإنْ صحَّتْ، فالفرقُ صحيحٌ، وإلا فلا خطأَ من جهة الفرق، ولا من جهة اتباعِ الاسم في غير صورة الفرق.

стр. 328

قال: ويفرقون بين بول البقرة وبين بول الفرس، ولا نصَّ في ذلك (١). قلنا: فرقوا؛ لأنَّ الأبوالَ تابعةٌ للُّحوم، وأقاموا دليلًا على طهارة بول ما يؤكَلُ لحمُه، والبقرةُ مأكولةُ اللحمِ، فكان بولُها طاهرًا عندهم، والخيلُ مكروهةُ اللحم، فكان بولُها مكروهًا أو نجسًا على حسب ما اختلفوا فيه، والكلامُ في جميع هذه المقدمات اجتهاديٌّ لا ينتهي الخطأ فيه إلى ما انتهيتم إليه، فلا (٢) يساويه. قال: بل أشنعُ من ذلك تفريقُهم بين خُرء الدَّجاجة المُخَلَّاة، وخُرئها إذا كانت مقصورةً، وبين بول الشاة إذا شربت ماء نجسًا، وبولها إذا شربت ماء طاهرًا (٣). قلنا: فرقوا؛ لأن الأبوالَ والأَرْواثَ فضلةُ المأكول والمشروب بعينها لم تأتِ من غيرها، ولا انتقلت (٤) إلى صلاح، فإذا كانت نجسةً قَبْلَ استعمالِ الحيوانِ لها، ثبتت (٥) على ما كانت عنيه، إذ لا موجبَ لانقلابها طاهرةً بعد نجاستها أولًا، وعدمِ انتقالها إلى صلاح، بل قد انتقلت إلى صفة الاستقذار التي تؤكِّدُ الحكمَ بالنجاسة.

стр. 329

قال: وفرَّقوا بين الفول وبين نفسه، فجعلوه في الزكاة مع الجُلْبَان (١) صنفًا واحدًا، وجعلوهما (٢) في البيوع صنفين (٣). قلنا: فرقوا؛ لاعتقادهم أنَّ علَّةَ الجمع في الزكاة غيرُ علة الجمع في البيوع، فإن صحَّ هذا الاعتقاد فالفرقُ صحيح، وإلا فهو خطأ في نصب العلة في محل اجتهاد، وليس كلُّ خطأ في محل الاجتهاد في طريق الشناعة، ولا انتهى إلى ما ارتكبتموه، ولو انتهى بعضُ (٤) المجتهدين إلى هذا الحدِّ لالتحقَ بكم في الشناعة، لكنه بعيدٌ أن ينتهيَ معكم إلى هذا التشنيع. قال: وكلُّ ذي عقل يدري أنَّ الفرقَ بين البائل والمتغوط بنصٍّ [جاء] (٥) في أحدهما دونَ الآخر، أوضحُ من الفرق بين البولِ أمسِ والبول اليومَ، وبينَ الفول ونفسه، بغير نصٍّ ولا دليلٍ أصلًا (٦). قلنا: أما الأمس واليوم فلا مدخلَ له في أحكام النجاسة والطهارة، وإن كنتَ أردتَ أن بولَ الشاة أمسِ قبلَ أكلها النجاسة، يفارق بولَها اليومَ بعد أكلها النجاسةَ، فليس ذلك للأيام حتى يصلُحَ

стр. 330

التشنيعُ بها، وإنما هو لأجل استعمال النجاسة، وانتفاءِ العلة بالأمس ووجودِها اليوم، وإدخالُك الأيامَ في هذا إيهامٌ؛ لأنها (١) العلةُ التي أُدير عليها الحكمُ حتى [تقيمَ] (٢) فيه الشناعةَ، وليس الأمرُ كذلك. وافتراقُ الأحكامِ بسبب تغاير عللهِا وزوالهِا كثيرةٌ لا تُحصَى، والشريعةُ لا يُشَنَّعُ (٣) فيها بأنْ ينسَبُ الحكمُ إلى الأيام التي لا اعتبار بها، والتفريقُ بين البول أمسِ والبولِ اليومَ؛ لانتفاء العلة أمس ووجودِها اليوم، كالتفريق بين حلِّ الفرج أمسِ وتحريمِهِ اليومَ بحدوث (٤) علة التحريم، وهي (٥) الطلاق، وبين تحريمِه أمس وإباحته اليوم؛ لأجل وجود علة الإباحة، وهي النكاح، وحلِّ نَقِيعِ الزَّبيبِ والتمر أمسِ وحرمتُه اليومَ؛ لِطُرءِ علة التحريم، وهي (٦) الإسكار، وهذا الَّذي ذكره من المغالطات شبيهٌ بتصرفات الشعراء. وقوله: بغير نص ولا دليل أصلًا، فأما كونه بغير نصٍّ، فقد نسلِّمه مسامحةً في بعض الصور، إلا أن الحكم عند خصمه لا يتوقف على النص فقط، فإن كان يُشنِّعُ عليه بكونه يُثبِتُ (٧) حكمًا بغير نصٍّ،

стр. 331

وأنه لا تثبتُ الأحكامُ إلا بالنصوص، فهذا كلامٌ في أصل القياس وكونِهِ دليلًا، فليشنِّعُهُ على الأمةِ شرقًا وغربًا، وقُربًا وبُعدًا (١) في أمصار الإسلام. قال: وهؤلاء الشافعيون فرقوا بين البول في مخرجه من الإحليل، فجعلوه يَطْهُرُ بالحجارة، وبين ذلك البول في نفسه من ذلك الإنسان نفسه إذا بلغ أعلى الحَشَفة، فجعلوه لا يَطْهُرُ إلا بالماء (٢). قلنا: فرقوا للدليل الدالِّ على اجتناب النجاسة، مع الدليل الدالِّ على الاكتفاء بالحجر في محل الإحليل، مع قاعدة وهي: أنَّ مَوْرِدَ النصِّ إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكونَ مُعتبرًا في الحكم، لم يجزْ إلغاؤه؛ لأنه لو أُلغِيَ لكان قياسًا مع إمكان الفارق، وهو غلط، ولاشكَّ أن البول في الإحليل متكرِّرٌ ابتُلي المكلف بتكرُّرِهِ، ولا يساويه في هذا المعنى البولُ في غير الإحليل، ويمكن أن يكون الشارعُ سامح في ذلك المحلِّ مع كون الأصل تحريمَ استصحاب النجاسة في العبادة (٣)؛ لأجل هذه المشقة المتكررة، فلا يُلحَقُ غيرُ محلِّ النصِّ بهْ؛ لاحتمال اعتبار الفارق الَّذي في محل النص. قال: وفرَّقوا بين بول الرضيع وبين غائِطِه في الصَّبِّ والغَسل،

стр. 332

وهذا هو (١) الَّذي أنكروا علينا هاهنا بعينه (٢). قلنا: للتفريق مآخذ: أحدُها: أنَّ الأصلَ اجتنابُ النجاسة ووجوبُ غَسْلِها، والنصُّ في النَّضْح وَرَدَ في البول (٣)، فيبقى في الغائط على مقتضى الأصل، ففرقوا بين البول والغائط لاقتضاء الدليل وجوبَ الاحترازِ عن الغائط وغسلِه، وتفريقهم هاهنا بين البول والغائط لا يساوي هذا. وثانيها: أنَّ التخفيفَ في البول يمكن أن يكونَ لما فيه من القصور في الاستقذار عن الغائط، ويمكن أن يكونَ الشارعُ اعتبر هذا المعنى، فإلحاقُ غيرِه به قياسٌ مع إمكان الفارق، وأما إلحاقُ الغائطِ بالبول فيما نحن فيه فهو عكسُ هذا، فإنه إذا نصَّ على الأخف بالمنع، فالأغلظُ أولى قطعًا، كما في تحريم التأفيف مع الضرب. قال: وهؤلاءِ الحنفيةُ فرقوا بين بول الشاة في البئر فيفسدُها، وبين ذلك المقدار نفسه من بولها بعينه في الثوب فلا يفسدُه. وفرقوا بين بول البعير في البئر فيفسده، ولو أنه نقطةٌ، ولو وقعت بَعْرتان من بَعْر ذلك الجمل في الماء في البئر (٤) لم يَفْسُدِ الماءُ،

стр. 333

وهذا نفسُ ما أنكروا علينا. وفرقوا بين روث الفرس (١) يكون في الثوب منه أكثرُ من قدر الدرهم البغلي (٢) فيفسدُ الصلاة، وبين [بول] (٣) ذلك الفرس نفسه يكون في الثوب، فلا يفسدُ الصلاة إلا أن يكون ربعَ الثوب عند أبي حنيفة، أو شبرًا في شبر [عند أبي يوسف] (٤)، فيفسدها حينئذ، وزفرٌ منهم يقول: بولُ ما يؤُكَلُ لحمُه طاهرٌ كلّه، ورجيعُهُ نجسٌ (٥)، وهذا هو الَّذي أنكروا علينا. وفرقوا بين ما يملأ الفم من القَلَس وبين ما لا يملأ الفمَ [منه] (٦). وفرقوا بين البول في الجسد فلا يُزيله إلا الماءُ، وبين البول في الثوب فيزيلُه غيرُ الماء. قال: ولو تتبعنا سَقَطاتِهم لقام منها ديوانٌ (٧). قلنا: لسنا ننكرُ عليك، ولا على أحد من المجتهدين ما كان عن اجتهاد فأخطأ فيه، وإنما ننكرُ على مَنْ فرَّق بين المنصوص عليه وبين

стр. 334

ما هو في معنى المنصوص عليه قطعًا، وننكرُ جحدَ ما يَبِيْنُ من مقصود المتكلم وعلة الحكم قطعًا أو قريبًا من القطع، فإن كان شيءٌ مما ذكرتَ من هذا القبيل فبيِّنه، وإلا فلا مساواة. قال: فإن قالوا: مَنْ قال بقولكم هذا في الفرق بين البائل والمتغوِّط في الماء الراكد قبلَكم، قلنا: قاله رسولُ الله ﷺ ، الَّذي لا يأتيه الباطلُ مِنْ بين يديه ولا من خلفِه؛ [إذ بيَّن لنا حكمَ البائل] (١)، وسكت عن المتغوِّط والمتنخِّم والمتمخِّط (٢). قلنا: لم يفرقْ رسولُ الله ﷺ بين البائل والمتغوط في الحكم قطُّ، وإنما فرق بينهما في الذِّكر والسكوت، وأَخْذُ التفريق بينهما في الحكم من التفريق بينهما في الذكر والسكوت يتوقفُ على دليل خارجٍ عن اللفظ، فلا يجوزُ أن يُنسَبَ إلى قول الرسولِ ﷺ ؛ أعني: التفريقَ في الحكم، وأقلُّ درجات ما ادَّعينا فيه القطعَ أو قريبًا منه أن يكون مُحتمِلًا، فكيف يحلُّ مع الاحتمال أنْ تَجْزِمَ القولَ بأنَّ رسولَ الله ﷺ قاله؟! وأينَ هذا من نسبتك الناسَ إلى الكذبِ على رسولِ الله ﷺ إذا فهموا معنى، ورتَّبوا عليه (٣) الحكم؟! قال: ولكن أخبِرونا مَنْ قال مِنْ ولد آدم بفروقكم هذه قبلَكم، كالفرق بين بول الشاة في البئر وبولها في الثوب، وبين بولها في

стр. 335

الجسد وبولها في الثياب، وبين بول الشاة تشرب ماء طاهرًا وبولها إذا شربت ماء نجسًا، وبين البول في رأس الحَشَفة وبينَه فوقَ ذلك، فهذا (١) هو الَّذي لم يقلْهُ أحدٌ قطُّ قبلَهم، وليتهم - إذْ قالوه (٢) مبتدئين - قالوه بوجه يُفهَم أو يُعقَل، وكذلك سائرُ فروقهِم المذكورة، والحمد لله رب العالمين. ونحنُ لا ننكرُ القول بما جاء به القرآنُ والسنة، وإن لم نعرف قائلًا مُسمَّى به، وهم ينكرون ذلك ويفعلونه، فاللوائمُ لهم لازمةٌ لا لنا (٣). قلت: الواجبُ أن لا يقولَ الناظرُ ما قال أهلُ الإجماع [خلافَهُ] (٤)، ودونَ هذا في الرتبة ما اشتهر به العملُ بين الأمة من غير نكير، وإنْ لم يتحَّققْ قولُ كلِّ واحد منهم، فمَنْ خالف وابتدع (٥) قولًا شُنِّعَ عليه به، وأما أنَّ الواجبَ أن لا يقولَ إلا ما قال بعضُهم وِفَاقَه، [وإن ظهر] (٦) عليه دليل من كتاب أو سنة، ولم يكنْ [من أحد

стр. 336

القسمين] (١)، فهذا موضعُ نظر، ومَنْ لم يُوجِبْ ذلك، فلا تشنيعَ عليه فيما يذهبُ إليه، لا من جهتك، ولا من جهتهم، وأما إنكارهم ذلك مع فعله، فمنكرٌ على مَنْ فعله منهم قبيحٌ. * * *

стр. 337

الحديث الثالث رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الْمَاءَ الدَّائِم، وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ". [أخرجَهُ أبو داود] (١) (٢). الكلام عليه من وجوه: ...

стр. 338

* الأول: أبرزَ ذكرَ محمد بن عجلان ليبيِّن نسبةَ هذا اللفظ إلى روايته، فإنه مخالفٌ في مدلوله لمدلول الحديث الَّذي قبلَه، كما تبيَّنَ في الفرق بين النهي عن الشيئين على الجمع وعن الجمع، فالأولُ نهيٌّ عن الجمع، وهذا نهي على الجمع. ووقع (١) لابن عجلان رواية أخرى على هذا المعنى من رواية ابن جريج (٢) عنه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ في (٣) كتاب الطهارة في "شرح الآثار" [للطحاوي] (٤) (٥). * * * الوجه الثاني: في التعريف بمَن ذُكِرَ فيه: أما ابن عجلان: فمدنيٌّ يُكنَّى أبا عبد الله، روى عن غير واحد من التابعين وغيرِهم، روى عنه الأئمة الأجلاء: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، واللَّيثُ بن سعد، ويحيى بن سعيد القَطَّان، وغيرُهم.

стр. 339

قال أحمد بن حنبل: [قال يحيى بن سعيد] (١): حدثنا محمد بن عَجلان، وكان ثقةً (٢). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألتُ أبي عن محمد بن عجلان وموسى بن عقبة، أيُّهما أعجبُ إليك؟ فقال: جميعًا ثقةٌ ما أقربُهما؛ كان ابن عيينةَ يثني على محمد بن عجلان (٣). وكذلك صالح بن أحمد، عن أبيه: محمد بن عجلان ثقة (٤). وكذلك قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين (٥). وقال (٦) ابن أبي حاتم: سألت أبي عن محمد بن عجلان قال (٧): [ثقة، وقال:] (٨) سمعت أبا زرعة يقول: محمد بن عجلان من الثقات (٩). وذكر ابن أبي حاتم قال: ثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة قال: زعم جرير قال: ما رأيتُ من المدنيين من يشبهُ محمدَ بن عجلان،

стр. 340

كان مثلَ الياقوتِ الأحمرِ (١). قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يذكر عن مشيخته، عن ابن المبارك قال: لم يكن بالمدينة أحدٌ أشبهَ بأهل العلم من ابن عجلان، كُنْتُ أشبِّهُه بالياقوتة بين العلماء (٢). وقال البخاري في "تاريخه": حدثنا علي، [عن] ابن أبي [الوزير] (٣)، عن مالكٍ: أنه ذَكَرَ محمدَ بن عجلان، فذكر خيرًا (٤). قلتُ: قد خرَّجَ مسلمٌ لمحمد بن عجلان في "الصحيح"، واستشهد به البخاري في كتاب التوحيد (٥). وبعد هذا كله: فقد روى ابن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمدَ بنَ عجلان (٦). وقال يحيى القطان: لا أعلمُ إلا أني سمعت ابنَ عجلان يقول: كان سعيدُ المقبُري يحدِّث عن أبيه، و (٧) عن أبي هريرة، وعن رجل، عن أبي هريرة، فاختلطتْ عليَّ، فجعلتُها عن أبي هريرة (٨).

стр. 341

وقال عباس الدُّوري عن يحيى بن معين: محمد بن عجلان ثقةٌ أوثقُ من محمد بن عمرو بن علقمة، ما يشك في هذا أحد، كان داودُ بن قيسٍ يجلس إلى محمد بن عجلان يتحفَّظ عنه، ويقال: إنها اختلطت على محمد بن عجلان (١)؛ يعني: في حديث سعيد المقبري. قلت: أما قوله: كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمد بن عجلان: فليس هذا باللفظ المقتضي لما (٢) يوجب سقوطَ الرواية، وقد يقال مثله فيمَنْ يَكْرَه القائلُ منه شيئًا لا يُوجِب تركَهُ، هذا مع تشديد الإمام [الجليل] (٣) أبي سعيد يحيى بن سعيد في الرجال. وقد ذكر [ابن] (٤) شاهين من رواية عباس (٥) الدوري، عن يحيى ابن معين، قال يحيى بن سعيد: لو لم أروِ إلا عن كلِّ مَنْ أرضى - أو كلمة نحوها - ما رويتُ إلا عن خمسة (٦). ومن رواية بُندار قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وقلت له عن ثقة فقال: لا تقل عن ثقة، لو حققتُ لك، ما حدثتك إلا عن

стр. 342

أربعةِ: ابنِ عون، وشعبةَ، ومسعرٍ، وهشامٍ الدَّستوائي (١). ومعلوم قطعًا أنه لا يمكن الاقتصارُ في الاحتجاج على مثل هؤلاء، ولا عن مثل من هو في طبقتهم، فقد ضعُفَت دَلالةُ اللفظِ على (٢) التجريح، مع تشديد الإمام أبي سعيد، وكثرةِ الثناء على محمد ابن عجلان، مما تبين لك في ذلك. وأما حديثُ روايته عن سعيد المقبري واختلاطِها وفعلِه فيها: فهذا قد عُدَّ في النوع المسمَّى بالتسوية، وهو قريبٌ من التدليس في المعنى، ويفترقان في أن التدليسَ يستعمل فيما بين الراوي وشيخه؛ بأن يسقط ذكر شيخه ويذكر شيخ شيخه، والتسويةَ تُستعمل فيما بين الراوي وشيخِ شيخِه بأنْ يذكرَ الراوي شيخَه ويُسقِطَ شيخَ شيخِه، ويذكرَ شيخَ شيخِ شيخِه. وذكر أبو الحسنِ ابن القطان: أن ابن عجلانَ كان قد أخذ عن المقبري ما رواه [عن أبيه] (٣)، عن أبي هريرة، [وما رواه عن أبي هريرة] (٤)، وما رواه عن رجل عن أبي هريرة، فاختلطتْ عليه، فجعلها كلَّها عن أبي هريرة (٥) (٦).

стр. 343

قال: وأنت لا تشاء أن ترى لابن عجلان حديثًا عن المقبري عن أبي هريرة إلا رأيتَه. وكان ابنُ القطَّانِ لما ذكر أحاديث ابن عجلان عن المقبري ذكر: أنه (١) قد اعترف على نفسه بأنه سوَّاها؛ يعني: أن ابن عجلان اعترف. قلت: الَّذي ذكرتُه عن ابن القطان هو الَّذي ذكره [أبو] (٢) محمد بن أبي حاتم (٣)، وهو مخالف لما ذكره أبو الحسن بن القطان من وجهين: أحدهما: أن في اللفظ الَّذي ذكرناه [عن يحيى] (٤) بعضَ شكٍّ؛ لقوله: لا أعلم إلا أني سمعت، واللفظ الَّذي ذكره ابن القطان ليس فيه ذلك، فإنه جزم بفعل ابن عجلان ما ذكر. والوجه الثانى: [أن] (٥) الَّذي حكيناه (٦) قولُه: فاختلطت عليَّ فجعلتُها عن أبي هّريرة، والذي قال ابنُ القطانِ: فاختلطت عليه فجعلَها (٧) عن المقبري، عن أبي هريرة، وبين اللفظين تفاوتٌ؛ فإن الأولَ أعمُّ من الثاني، وأقربَ إلى التأويل.

стр. 344

ثم أقول: إما أن يُؤخَذَ هذا اللفظُ على أنه قدحٌ في الراوي، أو قدحٌ في الرواية، فإن أُخِذَ قدحًا في الراوي فهذا يحتاج إلى صيغة لفظه في الرواية، فإن ذَكَر صيغةً تدل على سماع شيخِه من شيخِ شيخِ شيخِه الذي ذكره، مع أنه أسقط ذكرَ شيخِ شيخه، فهذا كذبٌ لا شكَّ فيه، ولا يمكن أن يثبتَ عن ابن عجلان هذا، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يظنَّ [به] (١) ذلك، ومثاله أن يقول: حدثني المقبري قال: سمعت أبا هريرة، وإن ذَكَر صيغةً لا تدل على السماع كما لو قال: ذكر المقبري عن أبي هريرة، أو استعمل ما كان يستعمله المتقدمون من ذكر اسم الشيخ من غير أن يذكر روايته، كما لو قال: المقبري عن أبي هريرة، فهذا وما أشبهه تدليسٌ، ولا تَسقطُ العدالةُ به مع احتمال الصدق، إلا أن يكون المدلِّسُ أسقطَ مجروحًا عنده، ويثبت (٢) ذلك عنه، فروَّجَ الحديثَ بتركه، فإن هذا لا يَحِلُّ، ولا يكاد يثبت عن أحد بإقراره، ولو أُسْقِطَ الراوي بمطلق التدليس، لتُرِكَ حديثُ كثيرٍ من الأئمة الذين وُصِفوا بالتدليس. فالذي حكيناه من قوله: فجعلتها عن أبي هريرة، والذي حكاه ابنُ القطان من قوله: فجعلتها كلَّها عن المقبُري عن أبي هريرة: أمرٌ مشكوكٌ في لفظه (٣)، لا يثبت ما يوجب الردَّ لروايته بعد تواترِ الثناءِ عليه من الأئمة.

стр. 345

وأما إن أُخِذَ قدحًا في الرواية دون الراوي: فهذا خارجٌ عما نحن فيه؛ لأن هذا الحديثَ الذي ذكرناه ليس من رواية ابن عجلان عن المقبري، ومع هذا فنذكر ما عندنا من هذا القسم فنقول: ما خُرِّجَ من (١) روايته عن المقبري (٢)، عن أبي هريرة لا إشكال فيه، مثل ما يرويه عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وكذلك ما صرَّح فيه بسماع المقبري عن (٣) أبي هريرة، وما ليس كذلك فمَنْ يقبل روايةَ المدلِّس حتى يتبيَّنَ التدليسُ ينبغي أن يقبل، ومن يردُّ روايته حتى يتبين السماعُ ينبغي أن يرد، والله أعلم. وقد ذكر الحاكمُ ما معناه: أنَّ مُسلمًا روى عن ابن عجلان ثلاثةَ عشرَ حديثًا، كلُّها في الشواهد، وقال: قال المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه (٤)، والأئمةُ المقتدى بهم في عصره قد أَثْنَوْا عليه، وقد روى النعمان بن عبد السلام، وإبراهيم بن طهمان، عن مالك بن أنس، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة في المملوك: "لَهُ طَعَامُه وكِسْوَتُهُ" (٥)، قال مالك رحمه الله تعالى: وهو

стр. 346

الحكم في أهل المدينة، فإنه لم يُرْوَ (١) إلا عن ثقة. ومات محمد بن عجلان سنةَ ثمان وأربعين ومئة (٢). وأما عجلان والد محمد فقالوا: مولى فاطمة بنت عتبة (٣) [بن ربيعة القرشي، سمع أبا هريرةَ وفاطمةَ بنت عتبة] (٤)، [و] (٥) روى

стр. 347

[عنه] (١) بُكير (٢) بن الأشج وابنُه محمد بن عجلان، وقد خَرَّجَ له مسلم ابن الحجاج في "الصحيح" روايةَ بكير (٣) عنه عن أبي هريرة في حق المملوك (٤)، واستشهد به البخاري في بدء الخلق في ذكر إبراهيم ﵊ (٥)، والله أعلم (٦). * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفردات ألفاظه، وفيه مسألتان (٧): الأولى: هذه المادة؛ أعني: مادة [لفظ] (٨) (الجنابة) (٩) دالةٌ على

стр. 348

على البعد (١) وما يقاربه من المعنى، قال [الشاعر] [من الطويل] (٢): ينالُ نداكَ المُعْتَفِي عَنْ جَنَابةٍ ... وللجَارِ حظٌّ مِنْ نَداك سمينُ (٣) أي: يناله عن بُعد. وتجانبَ الرجلان: تباعدَ كلٌّ منهما عن صاحبه، والجُنُبُ من الرجال: البعيد الغريب، قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وقال الشاعر (٤) [من المنسرح]: ما ضَرّها لو غَدا لحاجَتِنَا ... غادٍ كريم أورائدٌ جُنُبُ أي: بعيد. وقد حُمل [عليه] (٥) قولهُ تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، فقيل: [أي:] (٦) عن بعد. ويُثنَّى هذا [ويجمع] (٧) فيقال: [هما] (٨) جُنُبَان، وهم جُنُبون

стр. 349

وأجناب، قالت الخنساء [من البسيط]: فابكِي أَخَاكِ لأيتامٍ وأرملةٍ ... وابكي أخاكِ إذا جَاوَرْتِ أَجْنَابَا (١) أي: أقوامًا (٢) بعداء، وقيل: معنى تَجَنَّبَ الرجلُ الشيءَ إذا جعله جانبًا [وتركه] (٣)، فقيل: من هذا يقال: رجل جُنُب؛ أي: أصابته جنابة (٤)، كأنه في جانب عن الطهارة (٥). الثانية: الجنابة - في عرف [حملة] (٦) الشرع - تطلق على إنزال الماء، أو التقاء الختانين، أو ما يترتَّبُ على ذلك. قال أبو القاسم الراغب في "المفردات" (٧): وقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: أصابتكم الجنابة، وذلك بإنزال الماء، أو بالتقاء الختانين، ثم قال: وسُمِّيت الجنابةُ بذلك لكونها سبباً لتجنُّبِ الصلاة في حكم الشرع (٨).

стр. 350

* الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: قد تقدَّم أنَّ دلالةَ هذا الحديث على النهي عن الشيئين على الجمع، والذي قبلَه على النهي عن الجمع، ومقتضى النهي على الجمع تعلُّقَه بكل واحد منهما على انفراده. الثانية: ظاهرُ النهي التحريمُ، فمن يقول بالظاهر يذهب إليه، ومن [رأى] (١) ذلك مكروهاً غيرَ محرَّمٍ فقد خرج عن الظاهر، فيحتاجُ إلى دليل يقتضي ذلك، وليس الطريق هاهنا كالطريق في الحديث الذي قبله؛ لأن ذلك (٢) الحديث يرجع الأمرُ فيه إلى النهي عن الوضوء أو عن الغسل بعد البول فيه، فمَنْ قام عنده الدليلُ على أنَّ الماء لا يَنجُسُ إلا بالتغيُّرِ، جعل ذلك مانعاً من إجراء النهي على ظاهره، وصرفه إلى الكراهة، وكذلك من قام عنده الدليلُ على أنَّ القلتين فما زاد لا ينجس إلا بالتغيُّرِ، مَنَعَهُ ذلك من إجراء النهي على ظاهره في عموم التحريم، وأما في هذا الحديث فلا تَعَرُّضَ للوضوء ولا للغسل، فلا يتأتَّى فيه مثلُ تلك الموانع، فيحتاج إلى صارف آخرَ عن إجراء اللفظ على ظاهره. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ونهيه ﵇ عن البول (٣) في الماء الراكدِ أو الدائمِ الذي لا يجري، ثم يغتسل منه، وهو

стр. 351

يسير (١) الراكد، هذا منه ﵇ على طريق التنزُّهِ والإرشادِ إلى مكارم الأخلاق، والاحتياط على دين الأمة، وهو في الماء القليل آكدُ منه في الكثير لإفساده له، بل ذَكَر بعضُهم: أنه كالوجوب فيه؛ لأنه [قد] (٢) يتغيَّر به وَيفْسُد، فيظن مَنْ مَرَّ به أن فساده لقراره ومُكْثِه، وكذلك يكثر تكرُّرُ (٣) البائلين في الكثير حتى يغَيرَهُ (٤)، فحمى ﵊ هذا العارضَ في الماء الذي أصلُهُ الطهارةُ بالنهي عن ذلك (٥). وهذا الكلام في أوله حكمٌ بالكراهة وعدمِ التحريم، وحكايتُه عن بعضهم تقريبٌ لذلك لا تصريحٌ. الثالثة: هذا النهيُ معلَّلٌ بالاستقذار الحاصل في الماء بسبب البول، وهذه علةٌ عامَّةٌ للقليل (٦) والكثير، فإن كان الماء قليلاً؛ فمَنْ يرى تنجيسَه بوقوع النجاسة فيه نشأت فيه علةٌ أخرى، [وهي إفساده وتعطيلُ منافعِه على غيره. وزاد بعضُهم علةً أخرى] (٧) فيما إذا كان بالليل، وهو ما قيل: إن

стр. 352

الماء بالليل للجِنِّ، فلا يُبال فيه ولا يُغتسل منه خوفًا من آفةٍ تصيب من جهتهم، وهذا أمر (١) لا يثبت وينبغي أن يُنسَبَ إليه زيادةُ الكراهة، اللهم إلا أن يُجعلَ مجرَّدُ احتمالِ صحته سببًا للكراهة من غير (٢) أن يُرَدَّ إلى ثبوته وصحته، فقد يكون لذلك وجةٌ، والله أعلم. وهذه العلةُ التي ذكرناها من الاستقذار، وشبهُها، دليلُها المناسبةُ، وإسنادُ الحكم إليها بعينها ليس بالقوي، وقد يترجَّح عليه المتمسكون بالظاهر القاصرون عليه من غير تعليلٍ به، والله أعلم. الرابعة: الذي قدَّمناه في الحديث السابق، من الحكم بالتساوي في البول في الماء والبول خارج الماء في النهي عن استعماله في الوضوء [أو الغسل] (٣)، هو جارٍ هاهنا [في النهي عن البول، وجَعْلُنا الغائطَ ونحوَه من النجاسات في معنى الأصل جارٍ هاهنا] (٤)، وهو قياسٌ في معنى الأصل. الخامسة: العمومُ يقتضي الاستواءَ في الحكم بالنسبة إلى الماء الكثير والقليل، والعلةُ المذكورة من الاستقذارِ والعِيافةِ النفسية موجودةٌ في الكثير أيضًا، فتعاضَدَ (٥) ظاهرُ اللفظ والعلةُ.

стр. 353

السادسة: قد قدَّمنا في الحديث السابقِ أنَّ الماءَ المُستبحِرَ يَخرُجُ عن ذلك النهي، ويُخصَّ [ذلك] (١) العمومُ بالنسبة إليه، وليس يساويه الحكمُ المُستفادُ من هذا الحديث؛ لأن الاتفاقَ حاصلٌ على أن مثل ذلك [الماء] (٢) لا يؤُثّر البولُ في إفساده ومنعِ (٣) التطهير (٤) فيه، فيجب أن يُخَصَّ من عموم اللفظ، وهذا الحديث ليس فيه إلا النهيُ عن البول في الماء، ولا تَعَرُّضَ فيه للطهارة، فإنْ قام الإجماعُ على عدم كراهة البول في ذلك الماء المستبحر وجبَ التخصيصُ أيضًا في هذا الحكم، فإن (٥) لم يثبتْ قيامُ الإجماع على ذلك، فمن يرجع إلى التعليل بالمناسبة التي ذكرناها في الاستقذار - وما في معناه (٦) - خَصَّصَ أيضًا؛ لأن تلك العلة في مثل ذلك الماء منتفيةٌ إذ لا استقذارَ في مثله، ومَنْ لم يرَ ذلك، واختار الرجوعَ إلى مَدلولِ اللفظ، فهذا يرجعُ إلى أنَّ العمومَ هل يُخَصُّ بالمعتاد في مثله والغالب، أم لا يُخَصُّ؟ فمن قال بالأول صرفَ النهيَ إلى المياه المعتادة في الاستعمال غالباً، وأخرجَ عن ذلك ما يَنْدُرُ استعمالُه ولا يكادُ يخطُر ببال المتكلم، ومن لم يَخُصَّ العمومَ بذلك، فلا يبعُدُ أن يُجرِيَ اللفظَ على ظاهره؛ لأنا نتكلم

стр. 354

على تقدير عدم ثبوت الإجماع على عدم الكراهة في مثل ذلك الماء، وعلى تقدير أن لا يُرَجَعَ إلى التعليل بالمناسبة، ويقالَ بانتفاءِ الحكم عند انتفاء العلة المذكورة، وعلى تقدير أن لا يُخَصَّ العمومُ بالغالب والمعتاد، فحينئذٍ يكون اللفظُ عامًّا مقتضياً سالماً عن معارضةِ [مثل] (١) هذه الأمور، فيُعمَلُ به، والله أعلم. السابعة: فيه تقييدُ الحكم بصفةِ كونِ الماءِ دائماً، فمَنْ يقول بالمفهوم يلزمُهُ المخالفةُ في الحكمِ عندما يكون جاريًا. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقولُه: "الَّذِي لا يَجْري"، دليلٌ على أنَّ الجاري بخلافه (٢). الثامنة: ذُكِرَ في تعليل المخالفة بين الجاري والراكد: أنَّ البولَ لا يستقرُّ فيه، وأن جريَهُ يدفع النجاسةَ، وتَخلُفُه على التوالي الطهارةُ، وأنَّ الجاري في حكم الكثير الغالب، ما لم يكنْ ضعيفاً يغلبه البولُ ويغيِّرُه (٣). التاسعة: منطوقُهُ دالٌّ على النهي عن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم. العاشرة: هو عامٌ بالنسبه إلى المغتسلين [من الجنابة] (٤)، فيدخلُ

стр. 355

فيه المغتسلُ وعلى بدنه أذى، والمغتسل وليس على بدنه، وهو منصوصٌ في "المُدَوَّنة" للمالكية (١)، وفي كلام القاضي عياض ما يُخُصَّصُ ذلك بالقليل؛ أعني: الكراهةَ، وإنْ غَسَل ما به من أذى، وعلَّله بأنه لا يَسلمُ الجسمُ من أذى ووسخٍ، فقد يُغيِّره (٢)، والله أعلم. الحادية عشرة: وهو عامٌ بالنسبة إلى نوعي الجنابة؛ أعني: إنزالَ الماء والتقاءَ الختانين. الثانية عشرة: عامٌّ أيضًا بالنسبة إلى الأغسال المختلفة باختلاف نِيِّاتها، من غُسْل ينوي [فيه] (٣) رفعَ الحدث، أو أداءَ فرضِ الغسل، أو استباحةَ الصلاة، أو استباحةَ ما لا يُستَباح إلا بالغسل، فإن (٤) كلَّه غسلٌ من الجنابة. الثالثة عشرة (٥): فيه تقييد الحكم بالصفة؛ أعني: صفة الدوام، فيفيد نفي الحكم عما يخالف تلك الصفة، وهو الماء الجاري عند من يقول بتلك الصفة، فيباح الغسل فيه. الرابعة عشرة: فيه أيضاً تقييدُ الغسلِ بكونه عن الجنابةِ، فيخرج
следующие страницы →