← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يسير (١) الراكد، هذا منه ﵇ على طريق التنزُّهِ والإرشادِ إلى مكارم الأخلاق، والاحتياط على دين الأمة، وهو في الماء القليل آكدُ منه في الكثير لإفساده له، بل ذَكَر بعضُهم: أنه كالوجوب فيه؛ لأنه [قد] (٢) يتغيَّر به وَيفْسُد، فيظن مَنْ مَرَّ به أن فساده لقراره ومُكْثِه، وكذلك يكثر تكرُّرُ (٣) البائلين في الكثير حتى يغَيرَهُ (٤)، فحمى ﵊ هذا العارضَ في الماء الذي أصلُهُ الطهارةُ بالنهي عن ذلك (٥). وهذا الكلام في أوله حكمٌ بالكراهة وعدمِ التحريم، وحكايتُه عن بعضهم تقريبٌ لذلك لا تصريحٌ. الثالثة: هذا النهيُ معلَّلٌ بالاستقذار الحاصل في الماء بسبب البول، وهذه علةٌ عامَّةٌ للقليل (٦) والكثير، فإن كان الماء قليلاً؛ فمَنْ يرى تنجيسَه بوقوع النجاسة فيه نشأت فيه علةٌ أخرى، [وهي إفساده وتعطيلُ منافعِه على غيره. وزاد بعضُهم علةً أخرى] (٧) فيما إذا كان بالليل، وهو ما قيل: إن

стр. 352

الماء بالليل للجِنِّ، فلا يُبال فيه ولا يُغتسل منه خوفًا من آفةٍ تصيب من جهتهم، وهذا أمر (١) لا يثبت وينبغي أن يُنسَبَ إليه زيادةُ الكراهة، اللهم إلا أن يُجعلَ مجرَّدُ احتمالِ صحته سببًا للكراهة من غير (٢) أن يُرَدَّ إلى ثبوته وصحته، فقد يكون لذلك وجةٌ، والله أعلم. وهذه العلةُ التي ذكرناها من الاستقذار، وشبهُها، دليلُها المناسبةُ، وإسنادُ الحكم إليها بعينها ليس بالقوي، وقد يترجَّح عليه المتمسكون بالظاهر القاصرون عليه من غير تعليلٍ به، والله أعلم. الرابعة: الذي قدَّمناه في الحديث السابق، من الحكم بالتساوي في البول في الماء والبول خارج الماء في النهي عن استعماله في الوضوء [أو الغسل] (٣)، هو جارٍ هاهنا [في النهي عن البول، وجَعْلُنا الغائطَ ونحوَه من النجاسات في معنى الأصل جارٍ هاهنا] (٤)، وهو قياسٌ في معنى الأصل. الخامسة: العمومُ يقتضي الاستواءَ في الحكم بالنسبة إلى الماء الكثير والقليل، والعلةُ المذكورة من الاستقذارِ والعِيافةِ النفسية موجودةٌ في الكثير أيضًا، فتعاضَدَ (٥) ظاهرُ اللفظ والعلةُ.

стр. 353

السادسة: قد قدَّمنا في الحديث السابقِ أنَّ الماءَ المُستبحِرَ يَخرُجُ عن ذلك النهي، ويُخصَّ [ذلك] (١) العمومُ بالنسبة إليه، وليس يساويه الحكمُ المُستفادُ من هذا الحديث؛ لأن الاتفاقَ حاصلٌ على أن مثل ذلك [الماء] (٢) لا يؤُثّر البولُ في إفساده ومنعِ (٣) التطهير (٤) فيه، فيجب أن يُخَصَّ من عموم اللفظ، وهذا الحديث ليس فيه إلا النهيُ عن البول في الماء، ولا تَعَرُّضَ فيه للطهارة، فإنْ قام الإجماعُ على عدم كراهة البول في ذلك الماء المستبحر وجبَ التخصيصُ أيضًا في هذا الحكم، فإن (٥) لم يثبتْ قيامُ الإجماع على ذلك، فمن يرجع إلى التعليل بالمناسبة التي ذكرناها في الاستقذار - وما في معناه (٦) - خَصَّصَ أيضًا؛ لأن تلك العلة في مثل ذلك الماء منتفيةٌ إذ لا استقذارَ في مثله، ومَنْ لم يرَ ذلك، واختار الرجوعَ إلى مَدلولِ اللفظ، فهذا يرجعُ إلى أنَّ العمومَ هل يُخَصُّ بالمعتاد في مثله والغالب، أم لا يُخَصُّ؟ فمن قال بالأول صرفَ النهيَ إلى المياه المعتادة في الاستعمال غالباً، وأخرجَ عن ذلك ما يَنْدُرُ استعمالُه ولا يكادُ يخطُر ببال المتكلم، ومن لم يَخُصَّ العمومَ بذلك، فلا يبعُدُ أن يُجرِيَ اللفظَ على ظاهره؛ لأنا نتكلم

стр. 354

على تقدير عدم ثبوت الإجماع على عدم الكراهة في مثل ذلك الماء، وعلى تقدير أن لا يُرَجَعَ إلى التعليل بالمناسبة، ويقالَ بانتفاءِ الحكم عند انتفاء العلة المذكورة، وعلى تقدير أن لا يُخَصَّ العمومُ بالغالب والمعتاد، فحينئذٍ يكون اللفظُ عامًّا مقتضياً سالماً عن معارضةِ [مثل] (١) هذه الأمور، فيُعمَلُ به، والله أعلم. السابعة: فيه تقييدُ الحكم بصفةِ كونِ الماءِ دائماً، فمَنْ يقول بالمفهوم يلزمُهُ المخالفةُ في الحكمِ عندما يكون جاريًا. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقولُه: "الَّذِي لا يَجْري"، دليلٌ على أنَّ الجاري بخلافه (٢). الثامنة: ذُكِرَ في تعليل المخالفة بين الجاري والراكد: أنَّ البولَ لا يستقرُّ فيه، وأن جريَهُ يدفع النجاسةَ، وتَخلُفُه على التوالي الطهارةُ، وأنَّ الجاري في حكم الكثير الغالب، ما لم يكنْ ضعيفاً يغلبه البولُ ويغيِّرُه (٣). التاسعة: منطوقُهُ دالٌّ على النهي عن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم. العاشرة: هو عامٌ بالنسبه إلى المغتسلين [من الجنابة] (٤)، فيدخلُ

стр. 355

فيه المغتسلُ وعلى بدنه أذى، والمغتسل وليس على بدنه، وهو منصوصٌ في "المُدَوَّنة" للمالكية (١)، وفي كلام القاضي عياض ما يُخُصَّصُ ذلك بالقليل؛ أعني: الكراهةَ، وإنْ غَسَل ما به من أذى، وعلَّله بأنه لا يَسلمُ الجسمُ من أذى ووسخٍ، فقد يُغيِّره (٢)، والله أعلم. الحادية عشرة: وهو عامٌ بالنسبة إلى نوعي الجنابة؛ أعني: إنزالَ الماء والتقاءَ الختانين. الثانية عشرة: عامٌّ أيضًا بالنسبة إلى الأغسال المختلفة باختلاف نِيِّاتها، من غُسْل ينوي [فيه] (٣) رفعَ الحدث، أو أداءَ فرضِ الغسل، أو استباحةَ الصلاة، أو استباحةَ ما لا يُستَباح إلا بالغسل، فإن (٤) كلَّه غسلٌ من الجنابة. الثالثة عشرة (٥): فيه تقييد الحكم بالصفة؛ أعني: صفة الدوام، فيفيد نفي الحكم عما يخالف تلك الصفة، وهو الماء الجاري عند من يقول بتلك الصفة، فيباح الغسل فيه. الرابعة عشرة: فيه أيضاً تقييدُ الغسلِ بكونه عن الجنابةِ، فيخرج

стр. 356

عنه ما ليس بغسل جنابة، كالغسل تبرداً وتنظيفاً (١)، وهذا قد يخدش في التعليل بالاستقذار والعِيافة، فإن ذلك قد يحصل بمجرَّد الاغتسال وإن لم يكنْ عن جنابة، إلا أنها في الجنابة أقوى إن لم تتحقَّقْ (٢) سلامةُ البدن من الأذى. الخامسة عشرة: ما ليس بغسلِ جنابةٍ ينقسم قسمين: أحدهما: ما لا يدخل في باب القُرَبِ، كما مثلناه من التبرد والتنظف (٣). والثاني: ما هو داخلٌ في باب القُرَبِ كالأغسال المسنونة؛ مثل غسل العيدين، والكسوف، وغيرهما، فظاهرُ التقييد بغسل الجنابة يقتضي إباحةَ ذلك، ولكنْ فيه نظرٌ يَخْتَصُّ به، وينفرد عن القسم الأول، وهو أداءُ العبادة [به] (٤)، والله أعلم. السادسة عشرة: في قاعدة يُبتنَى عليها غيرُها: اختلفوا في أن الحدثَ هل يرتفع عن كل عضو بإكمال غسلِه، أم لا يرتفع إلا بإكمال الطهارة؟ وأدقُّ المذهبين أنه لا يرتفع إلا بالإكمال (٥)؛ لأنَّ الحدث الذي

стр. 357

يُتصوَّر فيه الرفعُ، على ما تقرر وتحقق، إنما هو المنعُ من أمور ترتَّبت على أسباب مخصوصة، وهذا المنع لا يزول إلا بإكمال الطهارة، وإذا كان لا يزول إلا بالإكمال، وهو معنى ارتفاع الحدث، فلا ارتفاعَ للحدث إلا بعد الإكمال، واستُدِلَّ على طهارة كلِّ عضو بإكماله بقوله ﷺ في ثواب الوضوء: "فإذا غسلَ وجهَهُ خرجَتْ الخطايا مِنْ وجهِهِ" (١)، وكذلك في بقية الأعضاء، ووجهُهُ: أنَّ خروجَ الخطايا مرتَّبٌ على الطهارة، فيُستَدَلُّ به على حصول الطهارة، ويلزم من حصول الطهارة ارتفاعُ الحدث ضرورةً؛ لأنه إمَّا معناها، أو لازمٌ لمعناها (٢). السابعة عشرة: إذا غسلَ الجُنُبُ بعضَ بدنه خارجَ الماء، ثمَّ غمسَ بقيةَ بدنِه في الماء، هل يتعلق به الحكمُ المذكور؟ إن (٣) قلنا: إن الحدث لا يرتفع إلا بإكمال الطهارة تناولَه النهيُ؛ لأنَّ مُسمَّى الغسل إنما تحقق بالإكمال، والإكمال وقع في الماء الراكد، [فمسمى الغسل وقع في الماء الراكد] (٤)، وإن قلنا: إن

стр. 358

الحدث يرتفع عن كل عضو بغسله، فيمكن أن يقال: تحصل الكراهة لحصول ارتفاع الحدث عما غسل من الأعضاء في الماء الراكد. ويمكن أن يقال: إن الحكمَ مرتَّبٌ على اغتسال الجنب، وذلك حقيقة في كلِّه، مجازٌ في بعضه، والله أعلم. الثامنة عشرة: في قاعدة أخرى: اختلفوا في دلالة القِران بين الشيئين على الاستواء في الحكم، والمذكورُ عن أبي يوسف والمزني ذلك، والذين اختاروا غيره تمسكوا (١) بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، [و] (٢) الأول غيرُ واجب، والثاني واجبٌ (٣). التاسعة عشرة: استُدِلَّ لأبي يوسف - رحمه الله تعالى - على أن الماءَ المستعمل نجسٌ بهذا الحديث، بناءً على القاعدة المذكورة، فإنه قرن (٤) بين الغسل فيه والبول فيه، والبولُ فيه ينجسه، فكذلك الغسل. وجوابُهُ عند غيره: منعُ الدلالة كما تقدم، وذكر أبو محمد الحسين بن مسعود البَغَوي الفراء الفقيه في كتاب "شرح السنة" أنَّ فيه دليلاً على أن اغتسال الجنب في الماء القليل الراكدِ يسلبُ حكمَه،

стр. 359

كالبول فيه يسلبُ حكمه، غيرَ أن البولَ فيه ينجسه؛ لأنه (١) نجس، والغسل لا ينجسه، لأن بدنَ الجنب ليس بنجس، لكنْ يسلب الطهوريةَ، ويستدل به مَنْ لا يُجَوِّزُ (٢) الوضوءَ بالماء المستعمل (٣). وهذا منه استدلالٌ بالقِران، إلا أنه أخذ الوصفَ الأعمَّ من التنجيس، وهو سلبُ حكم الماء، وتخصيصُهُ بالقليل ليس من هذا الحديث. العشرون: هل يتعدَّى [هذا] (٤) الحكم إلى الوضوء، حتى يُكرَهَ أنْ يغمِسَ المحدِثُ أعضاءَهُ في الماء الراكد للطهارة الصغرى؟ أما مَنْ لا يقول بالقياس، فلا شَكَّ أنه لا يُعَدِّيه إليه، وأما من يقول به، فيمكن أنْ يُعَدِّيَه بجامع الطهارة عن الحدث، إلا أنَّ هذا ليس قياساً في معنى الأصل، فيكون ملحقاً بفوائد الحديث، وليس أيضاً بقوي؛ لأنه إن أَخَذَ قياسَ شَبَهٍ (٥) - على ضعف قياس الشَّبهَ - فالاختلاف بين الحدث الأكبر والأصغر في الأحكام كثير، يُضعِفُ ذلك القياس، وإن أخذ قياسَ عِلَّةٍ، فالعلةُ المذكورة في هذا [الحديث] (٦) من الاستقذار والعِيافة، قد لا يساوي فيها الحدثُ الأصغرُ الحدثَ الأكبرَ، فيمتنع القياسُ لفقدان شرطِهِ، والله أعلم.

стр. 360

الحديث الرابع روى مسلمٌ من حديث أبي السَّائِبِ مَوْلَى هشامِ بن زُهرةَ: أَنه سَمع أَبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لاَ يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَهُوَ جُنُبٌ"، فَقَالُوا (١): كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فقال (٢): يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلاً (٣). الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريف بِمَنْ ذُكِر فيه: أبو السَّائب: هو مولى هشام بن زهرة، ويقال: [هو] (٤) مولى

стр. 361

أبي زُهْرةَ، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني عبد الله بن زهرة. قال الحاكمُ أبو أحمدَ محمدُ بن محمدِ الحافظُ: وكلُّها عِلْمٌ (١) غيرُ محفوظ إلا من قال: مولى هشام بن زهرة. قال الحافظ (٢): من أصحاب العلاء بن عبد الرحمن وغيرِه، تواطئوا عليه. قلتُ: وأبو السائب المذكور ممن يُعَرفُ بكُنيته، أنصاريٌّ (٣) مدنيٌّ، حديثه في أهل الحجاز، روى عن أبي هريرة وكان من جلسائه، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة، ﵁. روى عنه بُكَيرُ بن الأشجِّ، والعلاء بن عبد الرحمن الخرقي، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي، وأبو عبد الله محمد بن عمرة (٤) العامري، وأبو عثمان عبيد الله بن عمر العدوي (٥)، وصيفي مولى ابن أفلح، وأسماء بن عبيد. ممن انفردَ مسلمٌ بإخراج حديثه عن البخاري، وتابع مسلمًا على التخريج عنه بقيةُ الجماعة غيرُ البخاري: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

стр. 362

قال الحاكم أبو أحمد: وقد ارتفعَ عنه اسمُ الجهالة برواية مَنْ ذكرنا، ودخل في حيِّز المشهورين (١). * * * * الثاني: في تصحيحه: وقد ذكرنا أن مسلمًا أخرجه، وهو مِنْ أفراده عن البخاري. * * * * الثالث: في شيء من مفرداته ، وفيه مسائل: الأولى: الجُنُبُ: مَنْ أصابته الجنابة، وينطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، إذا كان مصدرًا (٢). الثانية: قولهم: (كيف يفعل يا أبا هريرة؟) يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لما أخبرهم بالمنع من اغتسال الجنب في الماء الدائم، احتَمَل أن يكونَ المرادُ الإعراضَ عنه وتركَهُ إلى غيره، ويَحتمِلَ (٣) أنْ يكونَ الاغتسالَ منه (٤) بكيفيةٍ غيرِ الانغماس، فسألوا (٥) عن المراد.

стр. 363

وثانيهما: أن لا يكون الترددُّ بين تركه وعدم تركه، بل يكونُ السؤالُ مخصوصًا بكيفية ما يُفعَلُ مع تقرُّر أنه يُغْتَسَلُ منه عندهم. الثالثة: قول أبي هريرة: "يتناوله تناولاً"، يُسأَلُ عن فائدة هذا التأكيدِ بالمصدر (١)، وما وجهُ حُسنِهِ والحاجةِ إليه؟ فيقال فيه: فائدته (٢) إبعاد تركه والإعراض عنه، وكأنه بالمنع من (٣) الاغتسال فيه وقعَ في النفس نفرةٌ منه تُوجِبُ الاحترازَ عنه، فقيل: "يتناوله تناولاً" تأكيدًا لجواز هذه الصورة، ونفيًا لما عساه [أن يكون] (٤) حَدَثَ في النفس من الإعراض عنه وشدة النفرة منه، وأنَّ ذلك لا يؤثر. الوجه الثالث: في الفوائد والمباحث ، وفيه مسائل: الأولى: النهيُ يدلُّ على فساد المنهي عنه، فمَنْ قال بفساد الغسل بالاغتسال في الماء الدائم فقد جرى على الأصل، ومن لم يقل به، فَبِدليل من خارج، ولقيام معارضات تمنعه من ذلك، وعليه في ذلك البيانُ. الثانية: النهيُ عنه قد يكون لنفسه، وقد يكون لغيره، فمَنْ أفسد

стр. 364

الغسل مطلقًا، واستدلَّ بالنهي، وعمَّمَ الفسادَ في جملة صور الغسل، فالنهيُ عنه لنفسه عنده، ومن أفسده لاعتقاد فساد الماء بالاستعمال، على ما مرَّ من الحكاية فالنهيُ [عنه] (١) عنده؛ لأنه وسيلةٌ إلى بطلان الطهارة، وكذلك مَنْ جعل العلة أنه يُفْسِدُهُ على غيره بسبب ما يُحدِثُه فيه من الاستقذار. الثالثة: النهيُ معلَّقٌ بالغسل، فهل يكون الوضوء كذلك، حتى يمنعَ المتوضِّئُ من غمس أعضاء وضوئه في الماء؟ أما مَنْ لا يرى القياسَ، فلا شكَّ عنده أنه لا يمنعه بهذا النهي، وأما مَنْ يراه، فإلحاقهُ به وعدمُ إلحاقه مرتَّبٌ على تعليل هذا النهي، فمن علَّلَ بفساد الماء - وكونه يصير مستعملاً - ألحقَ الوضوء (٢) به؛ [لكونه] (٣) في معناه، ومَنْ علَّلَ بالعِيافة النفسية فقد يُلحقه به، وقد لا يلحقه؛ لأن المعنى في الأصل - الذي هو الغسل - أَزيدُ منه في الوضوء، وشرطُ الإلحاق إما استواءُ الأصل والفرع في العلة، أو زيادةُ الفرع، [وقد جاء أنَّ النهيَ ورد في الوضوء أيضًا] (٤) (٥).

стр. 365

الرابعة: الحكمُ معلَّقٌ (١) بالماء الدائم - وهو الراكد - كما تقدم، وهو تعليقُ الحكمِ بالصفة، فإما أن يقال بأنه (٢) يدلُّ على نفي الحكم عمَّا عدا (٣) محلِّ الصفة، أو يقال: إن الأصلَ الإباحةُ، والنصُّ إنما ورد في هذا المحل، وهو الماء الراكد، ويؤخَذُ الحكمُ فيما عداه من الأصل، وعلى كلِّ تقدير لا يساوي الجاري الراكدَ في هذا الحكم. الخامسة: قد تقدَّم [لنا] (٤) أنَّ القياسَ في معنى الأصل معمولٌ به، [معدودٌ] (٥) في فوائد الأحاديث عندنا، وقد تعلَّق الحكم فيه بوصف كونِ المغتسلِ جُنُباً، وفي معناه الحائض، فيمتنعُ اغتسالُها فيه، كما امتنع اغتسالُ الجنبِ [فيه] (٦)، والظاهريُّ تبعَ (٧) قاعدة مذهبه، فأجازَ للحائض الاغتسالَ فيه؛ لأنَّ النصَ لم يَرِدْ [فيه] (٨) إلا في الجنب (٩)، وليس إلحاقُ الحائض بالجنب في هذا، في مرتبة

стр. 366

إلحاق المتغوِّط في الماء بالبائل فيه؛ لأن ذلك مقطوعٌ به، وهذا دونه في الدرجة، و [هو] (١) فوقَ درجةِ الحدث الأصغر الذي أشرنا إلى التردُّدِ فيه. السادسة: النفساءُ كالحائض في هذا المعنى، والحكم فيها كالحكم في التي قبلَها، وهذه المرتبةُ مساويةٌ للتي قبلها، أو متأخرةٌ عنها قليلاً. السابعة: [ بعضُ] (٢) الأغسال الواجبة تنقصُ عن هذه المرتبة؛ كالغسل للجمعة، والغسل من غسل الميت عند مَنْ يُوجِبُهما، فهي على هذا المذهب مشابهةٌ للجنابة في الوجوب، فالظاهريُّ لا يلحيقهما (٣) به لانتفاء الاسم (٤)، وإلحاقها به على مذهب القياس ليس بذلك الشديدِ القوةِ؛ لأنه إن ألحقه بقياس الشَّبَهِ لاستوائهما في الوجوب، فقياس الشبهِ منحطُّ الرتبة عن غيره إذا قيل به، وإن ألحقه بعلَّةٍ جامعةٍ، فليستِ المناسبةُ التي تُبْدَى في تعليل النهي عن اغتسال الجنب بالمناسبة [الشديدة القوة في الاعتبار، ومَنْ يتمسك بقياس الشبه في الأحكام، أو يكتفي بمجرد المناسبة] (٥) في العِلِّيَّة، فقد يلحق بذلك.

стр. 367

الثامنة: الأغسالُ المستحبَّةُ؛ كالغسل للعيدين والكسوف مثلاً، هل تُلْحَقُ بالغسل للجنابة؟ هذه المرتبة دونَ التي قبلَها، فمن اقتصر على اللفظ فلا إلحاقَ، ومن يقيس، فمَنْ زعم أنَّ العلةَ الاستعمالُ وإفسادُ الماء، وَجَبَ أن يُخرِّجَ على وجهين: وهو أن الاستعمال في نفل الطهارة هل يجعلُ الماءَ مستعملاً؟ فيه خلاف. ومَنْ علَّلَ بغير ذلك، فإنْ ساوى (١) الفرعُ الأصلَ في العلة - أو رَجَح عليه (٢) - أُلحق، وإلا امتنع، وذلك كالتعليل بالعِيافة النفسية، فقد (٣) يُدَّعَى أنها في هذه الأغسال (٤) ناقصة عنها في (٥) الغسل من الجنابة. التاسعة: الغسلُ للتبرُّد وغيرِه من الأغسال المباحة التي لا تتصفُ بوجوب ولا استحباب ناقصُ الرتبة عن المرتبة التي قبلها، وهو أضعف المراتب، والأمر فيه - كما ذكرنا - إما في اتباع اللفظ، أو القول بالمفهوم، أو أنَّ الأصلَ الإباحةُ فيما عدا المنصوصِ عليه، ويزيد

стр. 368

هنا (١) ضعفُ هذه المرتبةِ (٢) في الإلحاق عن جميع ما قبلَها. العاشرة: قولهُ ﷺ : "لا يغتسلُ أحدُكُمْ فِى الماءِ الدائِمِ وهوَ جُنُبٌ" يظهر منه أن المرادَ: لا يغتسلُ - وهو جنب - من الجنابة، هذا هو السابق إلى الفهم، وعليه يدلُّ الحديثُ الآخرُ: "ولا يغتسلُ فيهِ منَ الجنابةِ" (٣)، إلا أنَّ هذا اللفظَ لا يدلُّ عليه بنصه وصريحه، إذْ يُمكنُ أن يغتسلَ، وهو جنبٌ، لا عن الجنابة، ولهذا زعم الظاهريُّ في مَن كان جنباً ونوى بانغماسه في الماء الراكد غسلاً من الحيض أو الجمعة، أو الغسل من غسل الميت: لم يُجْزِئْ عن الجنابة، ولا عن شيء من هذه الأغسال (٤)، وسببُ هذا أنه قد اغتسلَ في الماء الدائم وهو جنب، [و] (٥) قال ﷺ : "لا يغتسلُ أحدُكُمْ فِى الماءِ الدائِمِ، وهوَ جُنُبٌ". الحادية عشرة: هذا الذي ذكرنا أنه السابق إلى الفهم ينبغي أن يُبْحَثَ عن سببه مع كون اللفظ لا يدلُّ عليه، ولعل سببَه: أنه لما تقرر أنَّ الأصلَ في الماء الطهوريةُ، فالنهيُ عنه إنما يكون لمانع، ثم تقرر في النفوس مناسبةُ الجنابة لمعنى الإبعاد، لترتيب المنع من عبادات عليها، ولمَا جاء أنه: "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ

стр. 369

جُنُبٌ" (١)، مع مناسبة الاستقذار، فحصلَ من مجموع ذلك أنَّ الحدثَ هو المانعُ، فإذا (٢) لم يقع الاغتسال عن الجنابة زال المانع (٣)، ومع هذا فاللفظُ كما ذكرنا لا يدلُّ عليه، والله أعلم. الثانية عشرة: لو قال قائل: قوله ﷺ : "لا يغتسلُ أحدُكُمْ فِي الماءِ الدائِمِ وهوَ جُنُبٌ" عامٌّ أو مطلقٌّ في الأحوال، وقولُه في الحديث الآخر: "ولا يغتسلُ فيهِ منَ الجنابةِ" خاصٌّ أو مقيَّدٌ [فيها] (٤)، فأحمِل هذا على ذاك، ويكونُ الممنوعُ هو الغسل من الجنابة لا الغسلُ المطلقُ مع قيام الجنابة. فالاعتراضُ عليه: أنَّ حملَ المطلقِ على المقيد والعامِ على الخاص يكون عند التعارض، كما إذا دلَّ العامُّ على إباحة شيء، ودلَّ الخاصُّ على تحريم بعضه، فلو عملنا بالعام أبطلنا دلالةَ الخاص، فجمعنا بالحمل، أما إذا لم يقعْ تعارضٌ فدلالةُ العام تتناول جميعَ صورِ مدلوله، فإذا ذكر الحكم في بعضها موافقاً لذلك العام، فلو

стр. 370

خصصنا العامَّ به لزم تركُ دلالةِ اللفظ العام فيما عدا الصورة الخاصة من غير معارِضٍ، وتركُ الدليل من غير معارِضٍ ممتنعٌ، وهاهنا كذلك؛ لأنه إذا نهى عن الاغتسال في الماء الدائم لمن هو جنب، عمَّ اغتسالُه عن الجنابة و [عن] (١) غيرها، ثم إذا نهى عن الاغتسال من الجنابة فليس معارضاً لنهيه عن الاغتسال مع الجنابة، فلو خصصنا ذلك العام بالاغتسال عن الجنابة، تركنا دلالةَ العمومِ السابقِ على المنع من الاغتسال ما دامت الجنابة لا عن الجنابة، وهذا الترك من غير معارض، وهذا على تقدير مراعاة اللفظ دونَ النظر إلى ما يُفهَم منه بَدَئِيًا (٢)، [ولا بدَّ - مع ذلك - من النظر في المفهوم ومعارضته للعموم] (٣). الثالثة عشرة: لو نوى الجنبُ شيئاً من الأغسال مع غسل الجنابة، فعلى رأي الظاهري لا يُجْزِئُه لجنابة ولا لسائر الأغسال (٤)، وبهذا (٥) حَكَم في نية غسل الجنابة مع نية غسل الحيض والنفاس وغسل الجمعة وغسل الميت (٦)، وهذا منطبقٌ جارٍ على (٧) قاعدته في امتناع الغسل مع بقاء الجنابة، وبل أولى في هذه الصورة؛ لحصول نية

стр. 371

الغسل من الجنابة، [وكذا على مذهب غيره إن كان التشريك في الغسل لا يمنع صحةَ الغسل من الجنابة، كالمرأة تنوي غسلَ الحيضِ والجنابةِ، والله أعلم] (١). الرابعة عشرة: إذا شرَّك بين غسل الجنابة وغيرِها من الأغسال التي ليست بواجبة، فلا خفاءَ بالامتناع على مذهب الظاهرية (٢)؛ لأنه مغتسلٌ وهو جنب، وأما على رأي غيره فالنظرُ في هذا التشريك، هل يمنع الصحة؟ وقد اختلف الفقهاء الذين لا يَروْن غسل الجمعة واجباً فيمِنْ نوى غسل الجنابة والجمعة (٣) معاً، هل يصحُّ غسله عن الجنابة؟ وهذا الخلاف موجود في مذهبي مالك والشافعي (٤) و (٥) أصحابهما، رحمهم الله تعالى، فإنْ قلنا: [إنه] (٦) لا يمنع صحةَ الغسل عن الجنابة، فقد حصل مُسمَّى المنهي عنه، وإن قلنا: إنه يمنع

стр. 372

نظراً (١) إلى العلة، رجعَ الأمر إلى اعتبار شروط القياس في صحة الإلحاق أو عدمِه. الخامسة عشرة: اختلفوا فيمن شَرَّك بين نية الجنابة والجمعة في [صحة] (٢) غسل الجمعة أيضاً، فإذا كان ذلك بالانغماس في الماء الدائم فهو جارٍ على المباحث المتقدمة (٣). السادسة عشرة: غَسل بعضَ بدنه بنية غُسْل الجنابة، هل يكون كغَسْل جميعِه، أم لا؟ ذكر الظاهريُّ أنه لو غسل شيئاً من جسده في الماء الدائم لم يُجْزِه، ولو أنه شعرةٌ لا واحدة؛ لأن بعض الغسل غسل (٤)، واعترضه (٥) القاضي أبو محمد عبد الحق بن عبد الله بن عبد الحق الأنصاري (٦) في كتابه الذي ردَّ فيه على ابن حزم، وذكر بعد (٧) حكاية لفظه: أن فسادَه

стр. 373

وخطأه أظهرُ من أن يحتاج إلى تنبيه (١)، وهل يطلق على من غسل يده في غدير (٢)، أو شعرة من (٣) جسده، أنه اغتسل في ماء دائم؟ لا الظاهرَ اتَّبعَ، ولا القياسَ استعمل، ولا اللغة وقف عندها، ولا المعنى لَحَظَ. قال: ومن هذا قوله: لأن بعض الغسل غسل، ومتى قال الشارعُ ﷺ : لا يغسلُ الجنب؟! وإنما قال: "لا يغتسلُ"، ومَنْ لا يفرق بين هاتين اللفظين، كان الواجبُ عليه ألا يعرِّض نفسه لما عرضها له، ولا يتعاطى ما تعاطى. قلتُ: نسبة (اغتسل) إلى الاغتسال كنسبة (غسل) إلى الغسل، والذي أنكره القاضي: أنه ينطلق على من غسل يده في غدير، أو شعرة من جسده، أنه اغتسل في ماء دائم، صحيح جارٍ على الإطلاق العرفي، ولا يندرجُ تحتَ اللفظِ عرفاً كما قال، وكأن (٤) سببَهُ أنَّ الاغتسال أضيف إلى المغتسِل، وهو حقيقةٌ في الجميع مجازٌ في البعض. وأما الفرقُ بين الغسل والاغتسال في الانطلاق على البعض فقد يقال فيه: إنه ليس سببه افتراق مدلول اللفظتين؛ لأن (غَسَلَ) بالنسبة إلى الغسل كـ (اغتسلَ) بالنسبة إلى الاغتسال، فإن كان بعضُ الغسل

стр. 374

غسلاً، فبعض الاغتسال اغتسال، وإنما جاء هذا من حيثُ إضافةُ الاغتسال إلى المغتسِل، وهو حقيقة في جميعه مجازٌ في بعضه، فصحَّ نفيُهُ بأنْ يقال: ما اغتسل في الماء الدائم؛ لأن من أَمارة المجاز صحةَ النفي، وأما الغسل فإما أن يضافَ إلى البدن أو يطلق، فإن أضيف إلى البدن فبعضُهُ ليس غسلاً للبدن، فيصح نفيُه كما في الاغتسال، وإن أطلق من غير إضافة كما إذا قيل: لا يقعُ منك غسلٌ، فإنه حينئذٍ يكون (١) مخالفاً لغسل بعض البدن؛ لأن (٢) بعض الغسل غسلٌ، والله أعلم. السابعة عشرة: استدلَّ بعضُ الأكابر ممن يرى تأثيرَ الاستعمال في سلب الماءِ الطهوريةَ بالنهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، وعلَّلَ [في] (٣) ذلك بأن النهيَ يدُّل على الفساد. والاعتراضُ عليه من وجوه: الأول: أن هذا الحكمَ مخصوصٌ بالماء القليل، فيلزَمُ التخصيصُ للنصِّ. الثاني: أنه يلزم مَنْ سلك هذه الطريقة أن [لا] (٤) يقولَ بكراهة الاغتسال في الماء الدائم [الكثير] (٥) غير مستند (٦) إلى النهي فيه، مع

стр. 375

وجود هذا في كلامهم. الثالث: أن النهي إنما يدل على فساد المنهي عنه، والمنهيُّ عنه هو الاغتسال، فيكون الاغتسال هو الفاسد بمقتضى استدلاله، لكنَّ فسادَ الاغتسالِ يلزم منه عدمَ فسادِ الماء؛ لأن الماء إنما يفسُد بالاغتسال إذا كان الاغتسالُ صحيحاً رافعاً للحدث. فإن قيل: ما ذكرتموه أنه يقتضي (١) فسادَ الغسل يلزمُ منه طهورية الماء، ويلزم من ذلك أن لا يجتمعَ (٢) فسادُ الغسل وفساد الماء، لكنه يجتمع: أما أوَّلاً: فللوجه المحكي عن الخِضْرِيِّ (٣) من أتباع الشافعي ﵄ فيما إذا انغمس الجنب في ماء قليل ناوياً للغسل لم ترتفعْ جنابتُه، وصار الماء مستعملاً؛ لأنه بأول ملاقاة جزء من بدنه الماء مع النية فسدَ الماءُ (٤)، فإذا انغمس بعد ذلك فسد الغسل،

стр. 376

فالغسل فاسد والماء فاسد، فقد اجتمعا. وأما ثانياً: فعند غيره من أصحاب الشافعي فيما إذا أخرج عضوَهُ من الماء، ثم انغمس بعد ذلك، فإنَّ الماءَ فاسدٌ والغسلَ فاسدٌ، فقد اجتمعا أيضاً (١). قلنا: على المذهبين إنما فسد الماء لارتفاع الحدث عن العضو الذي لاقى الماء، إلا أنه لا يُشترَطُ الانفصالُ عن الماء في ثبوت حكم الاستعمال على الوجه المحكي عن الخِضْرِيّ، ويشترط على المذهب الآخر، فالاتفاق على أن فساد الماء إنما هو بارتفاع الحدث عن ذلك العضو، وإنما الاختلاف (٢) في اشتراط الانفصال أو عدم اشتراطه، فلو لم يرتفعِ الحدثُ عن العضو الملاقي للماء، لَمَا صار الماءُ مستعملاً، فصحَّ أنه إنما يفسُد الماءُ لصحة الغسل. فإن قيل: المنهيُّ عنه هو الغسل الكامل المتعقب لإباحة الصلاة، وهذا الغسل الكامل يجتمع فساده مع فساد الماء، إما بأول الملاقاة على مذهب الخِضْرِيِّ، وإما بأن ينفصلَ العضوُ ثم يقعَ الانغماسُ في الماء بعد ذلك على مذهب غيره، فيصير التقدير: لا تغتسلوا الغسلَ الكاملَ بالانغماس في الماء الدائم، فإن الماء يفسد قبلَ كمال الغسل، فلا يصحُّ الغسلُ.

стр. 377

قلنا: الجوابُ عنه من وجهين: الوجه الأول: أنه إذا كان المنهيُّ عنه هو الغسل الكامل لزمَ التخصيصُ مرتين، وفي ذلك زيادةُ مخالفةِ الدليل. بيانُهُ: أن النصَّ يُخَصُّ أولاً بالماء القليل؛ لأن الاستعمال لا يؤثر إلا فيه، ثم إذا قلتم: إن النهيَ منزلٌ على الغسل الكامل، لم يدلَّ على فساد الغسل إلا بواسطة فساد الماء بالغسل الناقص (١)، وفسادُ الماء بالغسل الناقص (٢) مخصو صٌ لا يعمُّ جميعَ صورِ الاغتسال في الماء الراكد [القليل] (٣)؛ لأنَّ مِنْ صوره: ما إذا نوى بعد تمام الانغماس واستواء الماء على رأسه، فإنه حينئذ يرتفع الحدث اتفاقاً، فلا (٤) يكونُ الغسلُ فاسداً، فلا يكون النصُّ دالاً على فساد هذه الصورة حينئذٍ، مع أن اللفظَ يتناول هذه الصورة؛ إذ يصحُّ أن يقال: اغتسل في الماء الدائم. الوجه الثاني: إنكم استدللتم بالنهي الدالِّ على الفساد على فساد الماء بالاستعمال، فيكون فسادُ الماء بالاستعمال لازماً لهذه الدلالة، وإلا لم يصحَّ الاستدلالُ، وإذا حملتم النهي على الغسل الكامل لم يكن فسادُ الماء لازماً للنهي [عن الغسل الكامل] (٥)، ولا ناشئاً

стр. 378

عنه؛ لأنه إنما أنشأ (١) عن صحة الغسل [الناقص] (٢)، لا عن النهي عن الغسل الكامل. وأيضاً: فإذا توقفت دلالة النهي - كما (٣) ذهبتم إليه - على فساد الماء بالغسل الناقم، [الذي] (٤) لا يَتِمُّ إلا بعد ثبوت تأثير الاستعمال في إفساد الماء، فتكونون قد استدللتُم بشيء على أمر لا يتمُّ ذلك الاستدلالُ به إلا بعد ثبوتِ ذلك الأمر؛ لأنكم استدللتم حينئذ بالنهي عن الغسل الكامل على فساد الماء بالاستعمال، المتوقِّفِ على فساده بالغسل الناقم، المتوقفِ على مطلق فساده بالاستعمال، وذلك غيرُ جائز. [وقد استدلَّ بعضُ المتأخرين بنهي النبي ﷺ عن الاغتسال في الماء الراكد على مسألة الماء المستعمل من وجه آخر، وهو أنه لو لم يَفْسُدِ الماءُ، لم يكنْ للنهي عنه معنى، هذا معنى ما ذَكَرَ. وهذا إنما يلزم إذا انحصرت الفائدةُ فيما ادَّعاه، ومخالفوه ينازعون في ذلك، وهو أن تكون علةُ النهي بضرر غيره بالاستقذار الناشئ عن الاغتسال فيه مع الجنابة، أو لأنَّ إباحةَ ذلك طريق إلى تكرره، وتكررُهُ سبيلٌ إلى إفساده على المستعملين في الشرب وغيره] (٥).

стр. 379

الثامنة عشرة: نستنتجُ (١) من قول أبي هريرة ﵁: "يتناولُه تناولاً" أحكاماً (٢)، إلا أنَّ حاصلَها - إذا صحَّت - يَرجِعُ إلى قوله ومذهبه؛ [أعني: إلى قول أبي هريرة ومذهبه] (٣)؛ لأن ذلك اللفظَ لم يرفعه إلى رسول الله ﷺ ، فمن ذلك ما ذكره البغوي - رحمه الله تعالى - في آخر باب النهي عن البول في الماء الدائم بعد إيرادِ ألفاظِ أحاديثَ (٤) - الظاهرُ أنه أراد هذا الحديث منها -: وفيه دليلٌ على أنَّ الجنب إذا أدخل يده فيه ليتناولَ الماء لا يتغيَّرُ به حكمُ الماء، وإن أدخلها ليغسلَها من الجنابة تغيَّر حكمه (٥). قلت: أما أنه لا يغير حكم الماء إذا أدخل يده لتناول [الماء] (٦)، فظاهرٌ [إن كان المرادُ التناولَ باليد] (٧)، وأما أنه إن أدخلها فيه ليغسلَها من الجنابة تغير حكمُه، فليس ذلك من الحديث، ولا يدلُّ عليه [لفظاً، لكن لعله يُؤخَذُ من جهة التفريق بين التناول وغيره، فيكون بطريق المفهوم] (٨)، فإن كان أراد به كلاماً مبتدأ غيرَ مستنبط له من الحديث بدليل

стр. 380

قام عنده، فقريبٌ، لكنَّهُ موهِمٌ؛ لدلالة الحديث على ما لا يدلُّ عليه. التاسعة عشرة: هذا الذي ذكره البغوي - رحمة الله عليه - حملَ التناولَ (١) على التناول باليد، وهو من حيثُ اللفظُ أعمُّ من ذلك، لكنه يجوز حملُه على ذلك؛ لأنه إن لم يكن ظاهراً فيه فهو مُحتمِل له بإطلاقه، فإذا أدخل يده في الإناء كان الإذنُ مُتناوِلاً له، و (٢) يقول: لو كان تناولُهُ بالآلة واجباً، وتناولُهُ باليد ممنوعاً، لتعيَّنَ على المفتي بيانُ ذلك؛ لعدمِ الدلالة على المقصود، وكونِ الآلة على خلاف الأصل، وحاجة المستفتي إلى بيان ذلك، والله أعلم. العشرون: إذا كان دالاً على التناول [باليد] (٣)، فللجُنُبٍ عندَ إدخال (٤) يده في الإناء بعد النية ثلاثةُ (٥) أحوال: أحدها (٦): أن ينويَ الاغترافَ لرفع الحدث، فلا يفْسدُ الماء عند مَنْ يرى أنَّ الاستعمالَ يُفْسِده؛ إذ لا استعمالَ. الثانية: أن ينويَ رفعَ الحدث، فيفسدُهُ على هذا المذهب؛ لحصول المُفْسِد.

стр. 381

الثالثة: أن لا ينويَ واحداً منهما، ففيه احتمالٌ على هذا المذهب من حيثُ [إنَّ] (١) استصحابَ النية السابقة، إذا لم يظهر عليها رافعٌ، يقتضي أنَّ الماء يصير مستعملاً، وهيئةُ الاغتراف تُصرَف عن نية رفع الحدث. فيمكنُ بعد تقرير هذا المذهب أن يقال: حالةُ الإطلاق من جملة حالات التناول، فتدخل تحت الإذن، إذ لو لم تدخل، لَفَسدَ الماءُ وفَسدَ بقيةُ الغسل، والمقصودُ تصحيحُه. الحادية والعشرون: قد تتمسَّكُ بالإطلاق مَنْ يرى أن الماء المستعمل طهورٌ؛ لأنَّ من جملة صور التناول ما إذا نوى رفع الحدث، فيتناوله الإذن، أو يقال: لو كان مُفسِداً لتعيَّنَ بيانُه لمن يجهله، لاسيَّما وهو إذا نوى الاغترافَ لم يرتفعْ حدثُهُ عن اليد، فيحتاج بعد ذلك إلى تجديد النية لرفع الحدث عن اليد، وفي ذلك عُسْرٌ وخفاء على المستفتي، وهذا الاستدلال بالإطلاق على طريقة الفقهاء. وفيما يَعرِض له المتأخرون: أن المطلقَ إذا عُمِل به مرة كفى، وقد عملنا به في صورةِ ما إذا نوى الاغتراف، فلا يبقى حجةً في غيره، وقد تقدَّم ما لنا فيه من البحث، والفرقُ بين العملِ به فعلاً، والعملِ به حَمْلاً. * * *

стр. 382

الحديث الخامس رَوى سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيتَوَضَّأَ منها أَوْ يَغْتَسِلَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي كُنْتُ جُنُباً. قَالَ: "إِنَّ الْمَاءَ لاَ يَجْنُبُ". لفظ رواية (١) أبي داود، وأخرجه الترمذي وصحَّحه (٢). الكلام عليه من وجوه:

стр. 383

* الأول: في التعريف بمن ذكر فيه: أما ابن عباس ﵄: فهو عبد الله بن (١) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، كنيتُهُ أبو العباس، ابنُ عمِّ النبي ﷺ ، سمع من النبي ﷺ وأكثر الرواية عنه، وروى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه جماعة من التابعين، مات بالطائف ﵁ سنةَ ثمان - ويقال: سنة تسع - وستين. [و] (٢) قال يحيى بن بكير: قال ابن عباس: وُلِدتُ قبلَ الهجرة بثلاث، وتوفي النبي ﷺ وأنا ابنُ ثلاثَ عشرةَ (٣). وبحرُهُ في العلم زاخرٌ، وفضلُهُ في التواريخ مُشتهَرٌ ظاهرٌ (٤).

стр. 384

وأما عِكْرِمَةُ: فهو أبو عبد الله، مولى ابن عباس، كان من علماء التابعين، سمع ابن عباس، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر، ﵁ قال عمر [و] (١) بن علي: مات سنة خمس ومئة. وقال أبو نعيم: سنة سبع ومئة. وقال الواقدي: حدثتني ابنتُه أمُّ داودَ: أنه توفي سنة خمس ومئة، وهو ابن ثمانين سنة (٢). وقد احتجَّ البخاري بحديثه، وأخرج له أحاديثَ متعددةً، وعنه أنه قال: ليس أحدٌ من أصحابنا إلا يحتجُّ بعكرمةَ (٣). وأخرج له مسلمٌ مقروناً بطاووسَ (٤).

стр. 385

وروى عنه العدد [الكثير] (١)، وقد ذكر أبو حاتم جماعةً رووا عنه من أهل البلدان، فذكر المدينة ومكة واليمن والكوفة والبصرة وواسط ومصر والشام (٢) وأَيْلَة والجزيرة واليمامة وخراسان. وذكر سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: قال جابر - يعني: ابن زيد - هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس (٣). وقال يحيى بن معين: حدثني مَنْ سمع حمادَ بن زيد يقول: سمعت أيوب، وسُئِلَ عن عكرمة كيف هو؟ قال: لو لم يكن عندي ثقةً لم أكتب عنه (٤). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة مولى ابن عباس فقال: هو ثقة، قلت: يحتجُّ بحديثه؟ قال: نعم إذا روى عنه الثقاتُ، والذي أنكره عليه يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك فلسبب رأيه (٥). وذكر عثمان بن سعيد قال: سألت يحيى بنَ معين قلت: عكرمةُ أحبُّ إليك عن ابن عباس، أو عبيد الله بن عبد الله؟ قال: كلاهما،

стр. 386

ولم يخير. قلت: فعكرمة (١)، وسعيد بن جبير؟ قال: ثقةٌ وثقةٌ، ولم يخيِّر (٢). وعن أحمد بن عبد الله قال: عكرمة مولى ابن عباس ثقةٌ، وهو بريء مما يرميه به الناس (٣) (٤). وأما سِمَاكٌ: فقال ابن طاهر في "رجال الصحيحين": هو سِمَاك ابن حرب بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة بن ربيعة بن عامر بن ذُهَيل (٥) بن ثعلبة الذُّهلي الكوفي، يُكنى أبا المغيرة (٦).

стр. 387

أدرك جماعةً من الصحابة، قال البخاري عن مؤمَّل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سماك: أدركت ثمانين من أصحاب النبي ﷺ ، وكان [قد] (١) ذهب بصري، فدعوتُ اللهَ تعالى فردَّه عليَّ (٢). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه في "العلل": حدثنا أبي [قال] (٣): حدثنا مؤمَّل بن إسماعيل، ثنا حماد؛ يعني: ابن سلمة: سمعت سِماكاً يقول: ذَهبَ بصَرِي، فرأيتُ إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ ﷺ في المنام (٤)، فمسح يدَهُ على عيني فقال لي: ائتِ الفراتَ فاغتمسْ فيه وافتحْ عينيك، [ففعلت] (٥)، فردَّ الله تعالى عليَّ بصري (٦). ووثقه ابنُ معين وأبو حاتم، قيل لابن معين: فما الذي عِيْبَ عليه؟ قال: أسندَ أحاديثَ لم يسندْها غيرهُ (٧). انتهى. وقد اختلفوا فيه؛ فمِنْ مُثْنٍ عليه، ومِنْ متكلِّمٍ، ومن متوسِّط. أما الأول: فعن أبي بكر بن عيَّاش قال: سمعت أبا إسحاق السَّبِيعي

стр. 388

يقول: عليكم بعبد الملك بن عُمير وسِماك (١). وقال أحمدُ بن حنبل: سماك أصلحُ حديثاً من عبد الملك بن عُمير (٢). وإذا كان أصلحُ حديثاً منه، فقد اتفقَ الشيخانِ على الاحتجاج بعبد الملك [بن عمير] (٣)، فهو على هذا القول راجح على من احتجَّ به الشيخان. وأما يحيى بن معين فسُئِلَ عنه فقال: أسندَ أحاديثَ لم يُسندْها غيرُه، وسماك ثقة (٤). وقال الكوفي: هو تابعي جائزُ الحديث، إلا أنه كان يخطئ في حديث عكرمة، وربَّما وصلَ الشيءَ عن ابن عباس، وكان الثوريُّ يضعِّفه بعضَ الضعف، وهو جائزُ الحديث لم يَتْرُكْ حديثَهُ أحدٌ، وكان عالماً بالسير وأيامِ الناس، وكان فصيحاً. هذا نقل أبي الحسين بن القَطَّان، عن الكوفي (٥). وقال أبو حاتم: صدوقٌ (٦)، ومسلمٌ أخرج له عن جابر بن سَمُرة،

стр. 389

والنُّعمان بن بَشير من الصحابة، وعن غيرهما من التابعين (١)، وأخرج عن سبعة (٢) ممن روى عنه من أجلَّائهم؛ شعبةُ، وزائدةُ، وحمادُ بنُ سلمةَ، وأبو الأحوصِ، وأبو عوانةَ. والترمذيُّ يصحِّح له، وكذلك ابنُ حبان في "صحيحه"، والحاكم يخرِّج له ويقول: إنه على شرط مسلم. وأما الثاني (٣): ففي رواية أبي طالب عن أحمدَ بنِ حنبل: كان مضطربَ الحديث (٤). وقال النسائيُّ فيه: إذا انفرد بأصل لم يكن حجةً؛ لأنَّه (٥) كان يُلقَّنُ فيتلقَّن، وربما قيل له: عن ابن عباس، فيقول: عن ابن عباس (٦). وذكر العُقَيلي قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، [ثنا أبي] (٧) قال (٨): ثنا حجَّاجٌ قال: قال شعبةُ: كانوا يقولون لسماك: عكرمة عن ابن عباس؟ فيقول: نعم، قال شعبة: فكنت أنا لا أفعل ذلك (٩) به (١٠).

стр. 390

قال ابن القطَّان: وفي رواية عنه: كان الناسُ ربما لقَّنوه فقالوا: عن ابن عباس فيقول: نعم، وأما أنا فلم أكنْ ألقِّنُه (١). قال ابن القطَّان: وهذا أكثر ما عِيْبَ به سماك، وهو قَبول التلقين، وإنه لعيب يُسْقِطُ الثقةَ بمن يتَّصف به، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدِّث تَجْرِبةً لحفظه وضبطِه وصِدْقِه. ثم حكى: أنَّ سعيد بن بَشير روى عن قَتَادةَ قال: قال أبو الأسود الدِّيلي: إنْ [سرَّك] (٢) أن تكذِّبَ صاحبَك فلقِّنْهُ (٣). [وروى هشامٌ، عن قَتادةَ أنه قال: إذا أردتَ أن تكذِّب صاحبَك فلقِّنْهُ] (٤). وروى محمد بن سليم عن قَتَادة أيضاً قال: إذا سرَّك أن تكذِّبَ صاحبَك فلقِّنه (٥). قلت: مطلق التلقين والإجابة ليس دليلاً صحيحاً على اختلال (٦) حال الراوي، فقد يلقِّنُهُ السائلُ ما لا علمَ له به، فيجيبُه بالصواب عنه، وربَّما يتحققه، وليس يقدَّمُ تلقينُه بالدليل على مجازفته في جوابه، نعم
следующие страницы →