← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولم يخير. قلت: فعكرمة (١)، وسعيد بن جبير؟ قال: ثقةٌ وثقةٌ، ولم يخيِّر (٢). وعن أحمد بن عبد الله قال: عكرمة مولى ابن عباس ثقةٌ، وهو بريء مما يرميه به الناس (٣) (٤). وأما سِمَاكٌ: فقال ابن طاهر في "رجال الصحيحين": هو سِمَاك ابن حرب بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة بن ربيعة بن عامر بن ذُهَيل (٥) بن ثعلبة الذُّهلي الكوفي، يُكنى أبا المغيرة (٦).

стр. 387

أدرك جماعةً من الصحابة، قال البخاري عن مؤمَّل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سماك: أدركت ثمانين من أصحاب النبي ﷺ ، وكان [قد] (١) ذهب بصري، فدعوتُ اللهَ تعالى فردَّه عليَّ (٢). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه في "العلل": حدثنا أبي [قال] (٣): حدثنا مؤمَّل بن إسماعيل، ثنا حماد؛ يعني: ابن سلمة: سمعت سِماكاً يقول: ذَهبَ بصَرِي، فرأيتُ إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ ﷺ في المنام (٤)، فمسح يدَهُ على عيني فقال لي: ائتِ الفراتَ فاغتمسْ فيه وافتحْ عينيك، [ففعلت] (٥)، فردَّ الله تعالى عليَّ بصري (٦). ووثقه ابنُ معين وأبو حاتم، قيل لابن معين: فما الذي عِيْبَ عليه؟ قال: أسندَ أحاديثَ لم يسندْها غيرهُ (٧). انتهى. وقد اختلفوا فيه؛ فمِنْ مُثْنٍ عليه، ومِنْ متكلِّمٍ، ومن متوسِّط. أما الأول: فعن أبي بكر بن عيَّاش قال: سمعت أبا إسحاق السَّبِيعي

стр. 388

يقول: عليكم بعبد الملك بن عُمير وسِماك (١). وقال أحمدُ بن حنبل: سماك أصلحُ حديثاً من عبد الملك بن عُمير (٢). وإذا كان أصلحُ حديثاً منه، فقد اتفقَ الشيخانِ على الاحتجاج بعبد الملك [بن عمير] (٣)، فهو على هذا القول راجح على من احتجَّ به الشيخان. وأما يحيى بن معين فسُئِلَ عنه فقال: أسندَ أحاديثَ لم يُسندْها غيرُه، وسماك ثقة (٤). وقال الكوفي: هو تابعي جائزُ الحديث، إلا أنه كان يخطئ في حديث عكرمة، وربَّما وصلَ الشيءَ عن ابن عباس، وكان الثوريُّ يضعِّفه بعضَ الضعف، وهو جائزُ الحديث لم يَتْرُكْ حديثَهُ أحدٌ، وكان عالماً بالسير وأيامِ الناس، وكان فصيحاً. هذا نقل أبي الحسين بن القَطَّان، عن الكوفي (٥). وقال أبو حاتم: صدوقٌ (٦)، ومسلمٌ أخرج له عن جابر بن سَمُرة،

стр. 389

والنُّعمان بن بَشير من الصحابة، وعن غيرهما من التابعين (١)، وأخرج عن سبعة (٢) ممن روى عنه من أجلَّائهم؛ شعبةُ، وزائدةُ، وحمادُ بنُ سلمةَ، وأبو الأحوصِ، وأبو عوانةَ. والترمذيُّ يصحِّح له، وكذلك ابنُ حبان في "صحيحه"، والحاكم يخرِّج له ويقول: إنه على شرط مسلم. وأما الثاني (٣): ففي رواية أبي طالب عن أحمدَ بنِ حنبل: كان مضطربَ الحديث (٤). وقال النسائيُّ فيه: إذا انفرد بأصل لم يكن حجةً؛ لأنَّه (٥) كان يُلقَّنُ فيتلقَّن، وربما قيل له: عن ابن عباس، فيقول: عن ابن عباس (٦). وذكر العُقَيلي قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، [ثنا أبي] (٧) قال (٨): ثنا حجَّاجٌ قال: قال شعبةُ: كانوا يقولون لسماك: عكرمة عن ابن عباس؟ فيقول: نعم، قال شعبة: فكنت أنا لا أفعل ذلك (٩) به (١٠).

стр. 390

قال ابن القطَّان: وفي رواية عنه: كان الناسُ ربما لقَّنوه فقالوا: عن ابن عباس فيقول: نعم، وأما أنا فلم أكنْ ألقِّنُه (١). قال ابن القطَّان: وهذا أكثر ما عِيْبَ به سماك، وهو قَبول التلقين، وإنه لعيب يُسْقِطُ الثقةَ بمن يتَّصف به، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدِّث تَجْرِبةً لحفظه وضبطِه وصِدْقِه. ثم حكى: أنَّ سعيد بن بَشير روى عن قَتَادةَ قال: قال أبو الأسود الدِّيلي: إنْ [سرَّك] (٢) أن تكذِّبَ صاحبَك فلقِّنْهُ (٣). [وروى هشامٌ، عن قَتادةَ أنه قال: إذا أردتَ أن تكذِّب صاحبَك فلقِّنْهُ] (٤). وروى محمد بن سليم عن قَتَادة أيضاً قال: إذا سرَّك أن تكذِّبَ صاحبَك فلقِّنه (٥). قلت: مطلق التلقين والإجابة ليس دليلاً صحيحاً على اختلال (٦) حال الراوي، فقد يلقِّنُهُ السائلُ ما لا علمَ له به، فيجيبُه بالصواب عنه، وربَّما يتحققه، وليس يقدَّمُ تلقينُه بالدليل على مجازفته في جوابه، نعم

стр. 391

التلقينُ للباطل - إذا عُرِف بطلانُه - فأجاب الملقَّنُ بما عُرِف بطلانه، كان دليلاً على مجازفته، لا على تعمُّدِه الكذبَ، فالكذبُ فيه يقيناً يتوقفُ على أن يثبتَ [على] (١) أنه لقِّنَ الباطلَ الذي عَرَفَ بطلانَه فأجاب به، وأما الإجابة بما يلقَّنُ (٢) من غير تحققٍ لفسادهِ، فإنما يُجَعل (٣) قَدْحاً بطريق التهمة، أو بقرينة شهدت بالمجازفة وعدم التثبت، وقد يكون ذلك مأخوذاً من كثرة وقوعه منه، لاسيَّما مع مخالفة الأكثرين والحفاظ، وهذا الذي يُسأل عنه سماكٌ فيقال: عن ابن عباس؟ فيقول: نعم، قد لا يكون السائل عارفاً بفساده، ويكون صحيحاً، وقد يُستَدلُّ على الخطأ بمخالفة الغيرِ له في روايته. وقال ابن القطَّان: فمَنْ تفطَّنَ لما يُرمَى به يوثَّقُ، ومَنْ يلقَّنُ ولا يفطَنُ لِمَا لقِّنَ من الخطأ تسقطُ الثقةُ به إذا تكرر ذلك منه، ومن شُهِد عليه بالتلقين بما هو خطأ، وكان ذلك منه مرة، تُرِك ذلك الحديثُ من حديثه، ومن شُهِد عليه بأنه كان يتلقَّن، ولم يُعلَم من حاله أنه كان يَفْطَن أو لا يفطن، هذا موضع نظر. قال: وهذه حالُ سماك. قلت: لابدَّ أن يُشهَدَ عليه أنه كان يتلقَّنُ ما عُرِفَ خطؤُهُ فيه حتى ينظرَ بعد ذلك هل كان يَفْطَنُ، أم لا؟ فيحتاج ابنُ القطَّانِ فيما رمى به

стр. 392

سماكاً أنه يشهد عليه بأنه لُقِّن (١) الخطأ. وأما قولهم له: عن ابن عباس؟ فيقول: نعم، فقد يكون صواباً، فلابدَّ أن يُشهَدَ عليه بأنَه لُقِّنَ الخطأ، وأجاب بالخطأ، فَيلْمَحُ هذا (٢) فيمَنْ نُقِلَ عنه أن سماكاً كان يتلقَّنُ، اللهمَّ إلا أن يكونَ هاهنا عُرِفَ أنَّ (٣) مَنْ قيل فيه: إنه كان يتلقن، أُريد به أنه كان يتلقن الخطأ، وأن هذه العبارة إنما تطلق ويراد بها هذا المعنى، فتكون حينئذٍ الشهادةُ عليه بالتلقين كالتبيين؛ لأنه كان يلقَّنُ الخطأ، ومما يقرِّبُ حال هذا التلقين لسِماك: أني رأيت بعضَهم قد حكى عن الكوفي أنه قال فيه: إلا أنه كان في حديث عكرمة ربما وصلَ الشيءَ عن ابن عباس، وربما قال: قال رسولُ الله ﷺ ، وإنما كان عكرمةُ يُحدِّث عن ابن عباس. وأما الثالث (٤): فقال عبد الرحمن بن يوسف -[هو ابن خِرَاش] (٥) - في حديثه: وقال ابن أبي خيثمة: أسندَ أحاديثَ لم يسندها غيرُه (٦)، والبخاريُّ يستشهدُ (٧) به في "صحيحه" (٨).

стр. 393

* الوجه الثاني: في تصحيحه: وقد ذكرنا أن الترمذيَّ صحَّحه (١)، فحصل شرطُنا، وبسطنا القولَ في رواية عكرمة وسماك. * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: القَصْعَة - مفتوحة القاف - تنطلقُ على إناء من خشب، والجمعُ قِصاع وقِصَع، واختلفوا في كونها عربية أصلية، أو معربة عن الفارسية. قال أبو هلال العسكري في كتاب "التلخيص": والقَصْعة والجمع قِصاع: عربيٌ معروف، قال الشاعر [من الطويل] (٢):

стр. 394

وَمَاءُ قُدُورٍ في القِصَاعِ مشيبُ وقال بعضُهم: القَصعة: فارسية معربة، وأصلها كاسة (١). وقال كُرَاع في "المنتخب" (٢): وأعظمُ القِصاع الجَفْنَةُ، ثم القصعة تُشْبعُ العَشَرَةَ، ثم الصَّحْفةُ تشبع الخمسة [و] (٣) نحوهم، ثم المَكِيلةُ تُشْبعُ الرَّجلين والثَّلاثَة، ثم الصَّحِيفةُ تشبعُ الرَّجلَ (٤). الثانية: يشبه أن يكون أصلُ هذه اللفظة؛ أعني: القصعةَ، وما دونَها يرجع إلى التأثير بقوة، فالقصعُ (٥): جرعُ الماء، وقصعتِ الناقةُ بِجرَّتها: ردَّتها إلى جوفها، وقيل: أخرجتها فملأَتْ فَاهَا (٦). قال أبو عُبيد: قصعُ الجِرَّة: شدةُ المَضْغِ وضمُّ بعضِ الأسنان إلى بعض، وقَصَعَ القملةَ: هو أن يَمْرُسَها (٧) ويقتلَها، وقَصَعْتَ هامَتَه:

стр. 395

هامَتَه: إذا ضربتَها ببُسْطِ كفِّك، وقَصَعَ اللهُ شبابَهُ، وغلامٌ مقصوعٌ: إذا بقي قَمِيئاً لا يَشِبُّ ولا يزدادُ، والقَاصِعَاء: من جِحَرَةِ اليربوع. فمعنى التأثير بقوة في الجميع، وكأنَّ القصعةَ لُمِح فيها معنى نَحْتِها وتجويفِها. وأما قصعَ الماءُ عطشَهُ، بمعنى: أذهبه وسكَّنه، (١) فَيحتمِلُ أن يكون مجازاً؛ تشبيهاً لشدة إِذْهابِه العطشَ ببردِه بقوة التأثير في الأجسام، ويحتمل أن يكونَ اللفظُ موضوعاً للقَدْر المشترك، فلا مجازَ. الثالثة: كلمةُ (في) للظرفية حقيقةً، والذين يرونَ دخولَ بعض حروفِ الصفاتِ على بعض في المعنى، ذكروا لها معانيَ؛ منها أن تكونَ بمعنى (مِنْ)، وأنشد بعضُهم في ذلك قولَ امرئ القيس [من الطويل]: وَهَلْ يَنْعَمْنَ مَنْ كانَ أَقْرَبَ عَهْدِهِ ... ثَلاثُونَ شَهْراً في ثَلاثَةِ أحْوَالِ (٢) وهذا ضعيفٌ لقُربِ ردِّهِ إلى معنى الظَّرفية. الرابعة: يقال: أَجْنَبَ وجَنُبَ واجْتَنَبَ، ومستقبلُ أَجْنَبَ: يُجْنِبُ [جزما] (٣)، [وأما مستقبله: يَجنُب - بفتح أوله، وضم ما قبل آخره -] (٤)،

стр. 396

وأما المستقبلُ الذي هو يُجنَب - بضم الياء، وفتح ما قبل الأخير - ففي ماضيه احتمالٌ أن يكونَ جُنِبَ - بضم الأول، وكسر ما قبل الأخير -، [وأن يكون أُجنِبَ - بضم أوله، وكسر ما قبل الأخير -] (١)، بخلافِ يُجْنِبُ (٢)، فإنَّ ماضيَهُ متعيِّنٌ أن يكونَ أَجْنَبَ (٣). * * * * الوجه الرابع: لابدَّ في الكلام من محذوف يوضِّحُهُ السياقُ ويدلُّ عليه، وهو معلومٌ قطعاً، فإنَّ قولَها ﵂: (إنِّي كنتُ جُنُباً)؛ أي: حالةَ استعمالِ الماء، ثم تحذفُ منه أيضاً مقصودَ هذا الإخبار، وهو أنه هل يمنعُ ذلك من استعمالِه، أم لا؟ * * * * الوجه الخامس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: فيه إباحةُ استعمال (٤) أواني الخشب في الطهارة،

стр. 397

ولا خلافَ في صحته، ولا في عدم كراهتِه، وليس كالزُّجاج الذي حُكِيَ عن بعضهم [احتمالُ] (١) تَوَقِّيهِ لاعتقاد أنَّ فيه شرفاً وترفهاً (٢). وقيامُ الإجماعِ على الحكم لا يمنعُ من أن يُستدَلَّ بالنصِّ عليه، فكمْ من مسألةٍ استدلَّ الفقهاءُ عليها بالنص والإجماع، وقد فعلوا ذلك في المتواترات؛ كوجوب الصلاة والزكاة والحج. الثانية: فيه جوازُ البناءِ على الظاهرِ والأصلِ في استعمال الماء في الطهارة، وعدمُ لزومِ السؤال عند احتمال طَرَيانِ ما قد يُفسِدُ الماءَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قصدَ الوضوءَ أو الغسل؛ بناءً على الأصل، ولم يسأل هل طرأ عليه ما يُفسدُه، أم لا؟ الثالثة: قولُها ﵂: (إنيِّ كنتُ جُنُباً) إنما كان لاحتمال أن يكونَ استعمالُه في الغسل من الجنابة مُفسِداً له، فيدخل الإخبارُ بذلك في باب النُّصح، ولا يلزم أن يكونَ لاعتقادها الإفسادَ ولابدَّ، بل يكفي مجرَّدُ احتمالِ ذلك عندها، وكأنَّ سبَبهُ ما تقرر من معنى البعدِ في الجنابة، وكونِها مانعةً من أمورٍ من العبادات. الرابعة: الحديثُ يتعلَّق بمسألة الماء المستعمل، وقد اختلفوا في حكمه على أقوال: أحدها: أنه طَهورٌ إذا لم يتغيَّر، وهو المشهور من مذهب مالك،

стр. 398

واختيار ابن القاسم في "المدونة" (١)، إلا أنه يُكْرهُ استعمالُه عند وجود غيره (٢)، والقول بطهوريته مرويٌّ عن الحسن، والنخعي، وعطاء، والزُّهري، ومكحول، وهو مذهب أبي ثَور، وداودَ، وأهلِ الظاهر، واختيارُ ابن (٣) المنذر، ويُنسَبُ قَوْلاً للشافعيِّ قديماً، ومنهم مَنْ لم يثبتْهُ، وجزم القولَ بالجديد. وثانيها: أنه طاهر غير مطهر، وهو مشهور قولِ الشافعي، وأبي حنيفةَ، ويُنسَبُ إلى الليث بن سعد، والأوزاعي (٤). وثالثها: أنه نجس، وهو محكيٌّ عن رواية الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة، وهو مذهبُ أبي يوسف (٥). ورابعها: أنه يتوضَّأُ به ويتيمَّمُ إذا لم يجدْ سواه كالمشكوك فيه، ويصلّي صلاةً وأحدة، ذكره ابن القَصَّار من المالكية، عن الأبهري منهم (٦). وإذا قيلَ بكراهته مع طهوريته، فقد اختُلِفَ في تعليله، فقيل:

стр. 399

لاختلاف العلماء فيه، فغيرُهُ مما لا اختلافَ فيه أولى. وقيل: لشبَهِهِ بالماء المُضَاف، وإن كانت الإضافةُ لم تغيرْهُ؛ إذ الأعضاءُ في الأغلب لا تخلو من أَعْراقٍ وأوساخٍ، لاسيما أعضاءُ الوضوءِ؛ لأنها بارزةٌ للغَبَرات والقَتَرات فتخالطُه. وأشار بعضُهم إلى التعليل بخروج الخطايا معه، واستُضْعِفَ؛ لأنَّ الخطايا ليست جسماً خالطَ الماء (١). الخامسة: استُدلَّ به على طهورية الماء المستعمل، وهو من وجوه: أحدها: ما دلَّ عليه الجواب من ردّ توهُّمِ المرأة لفساد الماء بالاستعمال، [لاسيَّما] (٢) مع الوضوء منه على ما رُوي في رواية أخرى. وثانيها: قوله ﵇: "إن الماءَ لا يجنبُ"؛ أي: لا ينتقل إليه حكمُ الجنابة، وهو المنع، ذكرَ ذلك تعليلاً لجواز الوضوء به. وثالثها: أنها لما أخبَرَت أنها كانت جنباً؛ أي: عند الاغتسال منه، وأحوالُ الجنب عند الاغتسال مختلفةٌ، تارةً يكون بالانغماس، وتارةً يكون بالتناول، وبعد التناول تارةً ينوي رفع الحدث، وتارةً ينوي الاغترافَ بخصوصه؛ أعني: مع قطع نية رفع الحدث عن اليد، وتارةً لا ينوي واحداً منهما ويَذْهَل، ثم حصل الجوابُ بما يقتضي إباحةَ الاستعمال، فيقتضي عدمَ تاثيرِ الاستعمال في الماء بناءً على القاعدة المشهورة في ترك

стр. 400

الاستفصال مع قيام الاحتمال، وقد يَرِدُ على هذا ما يرد على تلك القاعدة من جواز عِلْمِ النبي ﷺ بالواقعة (١)، وجوابُهُ عنها على حسب علمه، إلا أنه هاهنا ضعيفٌ؛ لأنه حَكَمَ على عموم الماء بأنه لا يجنب، ولم يحكم على خصوص ما سئل عنه، وهذا أمر زائد. السادسة: الذين يرونَ أنَّ المستعملَ غيرُ طهور يعتذرون عن الحديث بوجهين: أحدهما: ما قدَّمناه من أمر رواته (٢) على مذهب مَنْ لا يرى الاحتجاجَ بِسِمَاك أو عكرمة، وجوابُهُ ما تقدم من مقتضيات التصحيح. وثانيهما: حملُ لفظةِ (٣) (في) على معنى (من)، وأن الاغتسالَ كان منها لا فيها، ومخالِفُهم يتمسك بالحقيقة، وقد يُقوَّى تأويلُهم برواية مَنْ رواه بلفظةِ (من)، وذكر الحافظ أبو حاتم بن حبان: أن أبا الأحوصِ انفردَ بهذه اللفظة (٤)، [واللفظة؛ يعني: لفظة (في)] (٥).

стр. 401

[وهذا] (١) إن أُرِيد به أنَّ غيرَهُ لم يذكرْهَا ولا غيرَها، فهذا قريبٌ، وزيادةُ العَدْلِ مقبولةٌ، وإن أُريد به أنَّ غيرَه رواها بلفظ (من) [وهو رواها] (٢) بلفظة (في)، [فهذا] (٣) اختلافٌ على سِمَاك، فإنْ ظَهر ترجيحٌ لأحد الروايتين عُمِل به. وقد أُكِّدَ كونُ المرادِ الاغتسالَ منها لا فيها، باستبعاد الاغتسال فيها عادةً، ويُقرِّب الاغتسالَ (٤) فيها أنَّ البيوتَ لم تكن واسعةً، والظاهرُ أنها غيرُ مُجَصَّصةٍ ولا مُحَجَّرةٍ، فالاغتسال فيها لأجل أن يَسْلَمَ المكانُ من الابتلال والوَحل، على أنَّ هذا لا يمنعُ من التمسك بطريقة ترك الاستفصال وقوله ﵇: "إن الماءَ لا يَجْنُبُ"، وخرَّج ابنُ حبان هذا الحديث من رواية سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ امرأةً من أزواج النبيِّ ﷺ اغتسلت من جفنةٍ [من جنابة] (٥)، فجاء النبيُّ ﷺ يتوضأُ من فَضْلِها، فقالت له، وقال: "الماءُ لا يُنَجِّسِهُ شيءٌ" (٦). السابعة: لا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بـ "إنَّ الماءَ لا يجنبُ" أنه

стр. 402

لا ينتقلُ إليه حكمُ الجنابة بخصوصه (١)؛ لأنَّ ذلك محالٌ عقلاً، فلا يجوز حملُ [لفظِ] (٢) الشارعِ عليه، فبقِي على أن يُحمَلَ على معنى أعم من هذا المعنى، بأن يُؤخَذَ مطلقُ المنع وجنسُه لا المنع الخاص، ويقال: إن الجنبَ تعلق به منعٌ بسبب الجنابة، ولا يتعلق بالماء منعٌ بسبب الجنابة، هذا إن لم يُزاحَم بمعنى آخر ينافيه. قال أبو سليمانَ الخطابيُّ رحمه الله تعالى: قوله: "إنَّ الماءَ لا يجنبُ" معناه: لا ينجُس، وحقيقتُهُ: أنه لا يصيرُ بمثل هذا الفعل إلى حالةٍ يُجتنبُ فلا يُستَعملُ، وأصلُ الجنابة البعدُ، ولذلك قيل للغريب: جُنُب؛ أي: بعيد، وسُمِّي (٣) المُجَامعُ - ما لم يغتسل - جُنُباً؛ لمجانبته الصلاةَ وقراءةَ القرآنِ، كما يُسمَّى الغريبُ جنباً لبعده عن أهلِه ووطنِه. وقد رُوِيَ: "أربعٌ لا يَجْنُبْنَ: الثوبُ، والإنسانُ، والأرضُ، والماءُ" (٤)، وفسَّروه: أنَّ الثوبَ إذا لاصقه عرقُ الجنب لم ينجُس (٥)، والإنسانَ إذا أصابته الجنابةُ لا ينجس، وإن صافحه جنبٌ أو مشركٌ لم ينجُسْ، والماءَ إذا أَدخلَ يدَه فيه جُنُبٌ أو اغتسلَ لم ينجُس، والأرضَ

стр. 403

إذا اغتسل عليها جنبٌ لم تنجُس (١). وأقول: تفسيرُه (لا يجنبُ) بـ (لا ينجسُ) تفسيرٌ لما هو أعمُّ بالأخصِّ، وهو يَحتاج إلى دليل؛ لأنَّ قولَه ﷺ : "إنَّ الماءَ لا يجنبُ" إما أن يُؤخَذ من معنى الجنابة، وهو الذي يدلُّ عليه سياقُ الحديث وقولهُا ﵂: "إني كنت جنباً"، فقوله: "لا يجنب" على هذا التقدير؛ [أي] (٢): لا يكونُ له حكمُ الجنابة، وهو المنع، وهذا أعمُّ من كونِه منعاً لأجل النجاسة أو لأجل عدمِ الطهورية، فتخصيصُهُ بمعنى (٣) النجاسة يحتاج إلى دليل، وإن أُخِذَ من معنى الاجتناب، فهو أعمُّ أيضاً من الاجتناب لأجل النجاسة، أو لأجل عدمِ الطُّهورية. الثامنة: من القواعد الأصوليَّة: أن العامَّ لا يُخَصُّ بسببه على المختار (٤)، فإذا حُمِلَ قولُه ﵇: "لا يجنبُ" على أنه لا يتعلَّقُ به منعٌ بسبب الجنابة، دلَّ على جواز استعماله مع طهارة الحَدَث والخَبَث معاً، وإن كان سببُ الحكم طهارةَ الحدث. التاسعة: بعد القول بإفساد الاستعمال للماء، وأنَّ الاستعمال (٥) كان من الجَفْنَةِ، قد يؤخذُ منه مسألةُ الاغترافِ إذا لم ينوِ به رفعَ

стр. 404

الحدث، ولا مجرَّدَ الاغترافِ، بل غَفَل عنهما حالةَ الاغترافِ، وذلك لترك الاستفصال. العاشرة: إنما يدلُّ على أنه [لم يحصلْ] (١) منعٌ بسبب الجنابة، كما حصل للجُنُبِ منعٌ بسببها، ولا يمنعُ [من] (٢) ذلك من أنْ يتعلَّقَ به منعٌ بسبب آخرَ، كالمنع بسبب تغيُّرِهِ بما يخالِطُه. الحادية عشرة: إنما يدلُّ على أنه لا يحصُلُ له منعٌ لسبب (٣) الجنابة من التطهير، وإن كان اللفظُ إذا حُمِل على [المعنى] (٤) أعمَّ من هذا، وهذا من باب تخصيص العموم بالسِّياق، لا من باب تخصيص العموم بالسبب، وبينهما فرقٌ نافعٌ في مواضعَ عديدةٍ (٥). الثانية عشرة: إذا حملنا (في) على الظرفية، كما هو الحقيقة، وجعلناه دليلاً على الطهورية، فهو دليل على الطهارة من باب الأَوْلَى. الثالثة عشرة: المحكيُّ عن أصْبَغَ من المالكية رحمهم الله تعالى: أن الماءَ المستعمَل غيرُ طَهور (٦)، ولم يعلِّلوه بانتقال مانع ولا بتَأَدِّي عبادة، بل عُلِّلَ بما يلحقُه ويَحُلُّه من الأوساخ والأَدْرَان،

стр. 405

والحديثُ يدلُّ على بطلان هذا التعليل بعد الحمل على كون الاغتسال في الجفنة؛ لأنَّ الاغتسالَ في الجفنة موجودٌ هاهنا، فلو مَنَعَتْ هذه العلةُ التطهيرَ، لامتنعتِ الطهارةُ، [و] (١) لم تمتنعْ، فلا تمتنعُ (٢). الرابعة عشرة: المحكيُّ من مذهب أبي الحسين القَابِسيِّ من المالكية: أنَّ الماءَ القليلَ إذا خالطه طاهرٌ لم يغير [٥] (٣)، فهو غيرُ طهور (٤)، والكلامُ فيه كالكلام في المسألة قبلَها؛ لأنَّ المخالطةَ غالباً حاصلةٌ، فلو مَنَعت، لامتنع التطهيرُ به. والفرقُ بين هذا والذي قبلَه: أنه يُستدَلُّ هاهنا على بطلان الحكم، وهناك يُستدلُّ على بطلان العلة، فقد يمكنُ أنْ يَسْلَمَ الحكمُ لأصبغَ، ويبطُلُ التعليلُ بما ذُكِرَ. الخامسة عشرة: بعضُ مَنْ أفسدَ الماءَ بالاستعمال علَّلَ بوجهين: تأدِّي العبادة، وانتقالِ المنع، وقولُه ﵇: "إنَّ الماءَ لا يجنبُ" كالتصريح بردِّ هذه العلةِ الثانيةِ. السادسة عشرة: بطلانُ هذه [العلة] (٥) لا يلزمُ منه بطلانُ الحكم الذي هو عدمُ الطُّهورية، فقد يقول مَنْ رأى تأثيرَ الاستعمالِ في الماء: إنما يدلُّ قولُه ﷺ : "إنَّ الماءَ لا يجنبُ" على عدم انتقالِ المنعِ إلى

стр. 406

الماء، ولا يلزم من [بطلان] (١) هذه العلة بطلانُ الحكم، فالاستدلالُ (٢) بهذا اللفظ على بطلان [الحكم] (٣) لا يصحُّ، وجوابُهُ: أنَّ ذكرَ هذا الكلامِ إبطالٌ لقيام المانع من استعماله، وهو دليلٌ على عدم تأثير الاستعمال في الماء، ولاسيَّما مع استعماله ﷺ ، ولو انفردَ أنَّ الماءَ لا يجنبُ عن إشعارِ الدلالة به على عدم المانع لاتَّجهَ ما قال. السابعة عشرة: إذا أُقيمَ دليلٌ على أنَّ المرادَ الاغتسالُ من الجفنة، لا فيها، كان الحديثُ دليلاً على جوازِ الوضوءِ بفضل طَهور المرأة في الجملة. الثامنة عشرة: ويكون أيضاً دليلاً على الجواز وإن خَلَتْ به؛ لأنها إنما أخبرت النبيَّ ﷺ لتُعْلِمَه ما لم يكنْ عنده علمُهُ، فيحترزُ منه، فقد خَلَتْ به عنه. التاسعة عشرة: مَنْ جمعَ بين كونِ الماء يفسدُه الاستعمالُ، وكونِ الوضوء من فضل المرأة ممنوعاً؛ إما بشرط الخَلْوة به، أو بغير شرطِها، صَعُبَ عليه الاعتذارُ عن هذا الحديث؛ لأنَّ هذا الغسلَ إما أن يكون في الجَفْنة، أو منها، فإن كان الأولُ: فالماء مستعملٌ، ولم تزُلْ طهوريتُهُ بالحديث، وإن كان الثاني: فهو فضلُ امرأةٍ قد خَلَتْ، ولم تَزُلْ طهوريتُه بالحديث.

стр. 407

العشرون: إذا حُمِلَ الحديثُ على الاغتسال في الجفنة، فيؤخذُ منه طهارةُ عَرَقِ الجُنُبِ، لكنْ بعد تقدير مقدمةٍ أخرى، وهي: تنجُّسُ (١) الماء القليل بوقوعِ النجاسة فيه. الحادية والعشرون: إذا حُمِلَ على الاغتسال في الجفنة، [لا] (٢) منها، فقد يُدَّعى أنَّ الغالبَ أنه يحصُل في الماء تغيُّرٌ ما بسبب ما يُلابِسُ البدنَ من الأَدْرَان والأوساخ، فيؤخذُ منه: أنَّ التغيُّرَ باليسير من الطاهرات لا يَضُرُّ. الثانية والعشرون: يُستَدلُّ بوجود العلة على وجود المعلول، وبوجود المعلول على وجود العلة إذا اختصَّ بها، وفي هذا الحديث كلا الأمرين؛ أما الروايةُ [الأولى] (٣) التي أوردناها (٤)، ففيها (٥) أخذُ المعلولِ من العلة؛ لأن حكمَهُ ﵇ بأنَّه لا يجنبُ، علةٌ لجواز الطهارة به، الذي هو المقصود، فذكرَ العلةَ ليدلَّ بها على المعلول، وأما [على] (٦) روايةِ استعماله [له] (٧) ﷺ ، فيؤخذُ منه العلةُ من المعلول؛ لأن جوازَ تطهُّرِهِ منه ﵇ لازمٌ لطهوريته، فاستعمالُهُ دليلٌ على طهوريتِهِ دلالةَ المعلول على العلة.

стр. 408

الحديث السادس عنْ أبي هُريرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا وَقَعَ الذُّبابُ في شَرابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ، فَإنَّ في أحَدِ جَنَاحَيهِ دَاءً، والآخَرِ شِفاءً"، أخرَجَهُ البُخاريُّ (١).

стр. 409

الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريف بمن ذُكر فيه: أمَّا أبو هُريرَةَ ﷺ : فقد تقدَّمَ التعريف به. وأمَّا البُخَارِيُّ: فهو أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة [بن الأحنف] (١) بن بَرْدَزْبِه - مفتوح الباء الموحدة، ساكن الراء مكسور الدال المهملتين، ساكن الزاي المعجمة، مكسور الباء الموحدة، وآخرها (٢) هاء -، جبلٌ في هذا العلم شامِخٌ، وعالمٌ بالصناعة راسِخٌ، طافَ وجَالَ، ووسَّعَ الطلب المجالَ، فضلُه كبيرٌ، والثناء عليه كثيرٌ. قال الحاكمُ أبو عبد الله الحافظُ في "تاريخ نَيْسَابور": محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله الجُعفي، إمامِ أهل الحديث بلا خلافٍ أَعرِفُه بين أئمة أهل النقل فيه، إلا أن يكون كما قال الأوَّلُ [من الطويل]: بِحسبِكَ أنّي لا أرَى لكَ عائِباً ... سِوَى حاسِدٍ والحَاسِدُونَ كَثيرُ قال الحاكم: سمعت أبا الطيِّبِ محمَّدَ بنِ أحمدَ المُذَكِّرَ يقول: سمعت أبا بكر محمَّد بن إسحاقَ بن خُزيمةَ يقول: ما رأيت تحت أديمِ هذه السماءِ أعلمَ بحديث رسول الله ﷺ وأحفظَ من محمَّدِ بنِ إسماعيل البخاريِّ (٣).

стр. 410

قال: وسمعت يحيى بنَ عمرو بن صالح يقول: سمعت أبا العبَّاس محمَّد بن إبراهيم الفقيه يقول: كُتِب إلى محمَّد بن إسماعيل البخاري من بغداد [من البسيط]: والمُسلِمُونَ (١) بِخَيرٍ مَا بَقِيتَ لهُمْ ... ولَيسَ بعدَكَ خَيرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ (٢) قال: وسمعت أبا عبد الله محمَّد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت أبي يقول: رأيت مسلمَ بن الحجَّاج بين يدي محمَّد بن إسماعيل البخاري، وهو يسأله سؤالَ الصبيِّ المتعلِّم (٣). قال: وسمعت أبا نصر أحمدَ بن محمَّد الورَّاق يقول: سمعت أبا حامد أحمد بن حَمْدُون يقول: سمعت مسلم بن الحجاج، وجاء إلى محمَّد بن إسماعيل البخاري، فقَبَّلَ بين عينيه، وقال: دعني حتَّى أُقبِّل رجلَيك يا أستاذَ الأُستَاذِين، و [يا] (٤) سيدَ المحدِّثين، ويا طبيبَ الحديثِ في عللِهِ، حدَّثك محمَّد بن سلام ... فذكر بقيةَ الحكاية (٥).

стр. 411

وروى الخطيبُ بسنده إلى أحمد بن سيَّار قال: محمَّد بن إسماعيل ابن إبراهيم [بن] (١) المغيرة الجعفي، أبو عبد الله، طلبَ العلم، وجالسَ النالسَ، ورحَلَ في الحديث، ومَهَرَ فيه، وتبصَّر [وخالط] (٢)، وكان حسنَ المعرفة وحسنَ الحفظ، وكان يتفقَّهُ (٣). وروى الحافظُ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيد، عن أبي الفضل جعفر بن الفَضْلِ قال: أخبرنا محمَّد بن موسى بن يعقوب بن المأمون قال: سُئِلَ أبو عبد الرحمن النسائيُّ عن العلاء وسُهَيل فقال: هما خيرٌ من فُلَيح، ومع هذا ما في الكتب كلِّها أجودُ من كتاب محمَّد بن إسماعيل البخاري (٤). وذكره الحافظُ أبو أحمدَ في كتابه "الأسماء والكُنَى" وقال: كان أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجمعِه، ولو قلتُ: إنِّي لم أرَ تصنيفاً يفوق تصنيفَه في المبالغة والحُسن، أو لم أسمعْ بأذني في باب الحديث مثلَه، رجوتُ أن أكونَ صادقاً في قولي. وروى الخطيب من حديث أبي الهيثم الكُشْمِيْهَني قال: سمعت

стр. 412

محمَّد بن يوسف الفِرَبْرِي يقول: قال محمَّد بن إسماعيل البخاري: ما وضعتُ في كتاب "الصحيح" حديثاً إلا اغتسلتُ قبلَ ذلك، وصليتُ ركعتين (١). وذكر أيضاً عن أبي إسحاق المُسْتَملي، عن محمَّد بن يوسف الفِرَبْرِي: أنه كان يقول: سمع كتابَ "الصحيح" لمحمَّد بن إسماعيل تسعون ألفَ رجلٍ، فما بقي أحدٌ يرو [يه عنه] (٢) غيري (٣). قلت: وهذه الرواية في "صحيح البخاري" من جهة الفِرَبْرِي هي المشهورة شرقاً وغرباً، وللمغاربة رواية أخرى من جهة إبراهيم بن معقل النَّسَفي عن البخاري موجودةٌ في فهارسهم وغيرها، ولا أعلمُها اليومَ في جهة أهل الشرق (٤). وكانت وفاة البخاري - رحمه الله تعالى - ليلةَ عيدِ الفطر، سنةَ ست وخمسين ومئتين بخِرْتَنْكَ، مكسور (٥) الخاء المعجمة، ساكن الراء، مفتوح ثالث الحروف، ساكن النون، [و] (٦) آخره كاف (٧).

стр. 413

* الوجه الثاني: في تصحيحه: وقد ذكرنا أنَّ البخاريَّ أخرجه، وحسبُك بذلك، وهو من أفراده، انفرد به عن مسلم، رحمهما الله تعالى، أخرجه في موضعين من كتابه: أحدهما في بَدْء الخلق، والثاني في كتاب الطب. وهو عنده من طريقين: أحدهما عن سليمان بن بلال، والثاني من حديث إسماعيل بن جعفر، كلاهما عن عتبة بن مسلم، عن عبيد ابن حُنين، عن أبي هُريرَةَ، ﵁ (١). * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: قال الجوهري: الذُّبَابُ معروفٌ، الواحدة ذُبَابة، ولا يقال: ذِبَّانة، وجمع القِلَّة: أَذِبَّة، والكثير: ذِبَّان، مثل غُراب وأغرِبة وغِربان (٢).

стр. 414

وقال أبو هلال العسكري في "التلخيص": والذُّبَاب واحد، والجمع: ذِبَّان، والعامةُ تقول: ذُبابة للواحد، والذُّبان للجمع، وهو خطأ، وتقول (١) للأنثى: ذبابة (٢). الثانية: الشرابُ أعمُّ من الماء، فيدخل تحته بعضُ المائعات، قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ [النحل: ٦٩]، وسنذكر ما يترتَّبُ عليه إن شاء الله تعالى. الثالثة: الجَناحُ حقيقة فيما للطائر، ويُستعار لغيره، فمنه جناحُ الآدمي، وجناح العسكر، والاستعارة للمشابهة الحسيَّة في حصول الطرفين عن الجانبين والواسطة بينهما، وأما الجناحُ في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، فهو مُستعارٌ لأجل المشابهة المعنوية بين التواضعِ والنُّزولِ المعنوي، وبين النزول الحسِّيِّ (٣). وفي الآية معنى آخرُ، وهو قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، ولم يقل: جناحَ العزِّ، وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون الإضافة من باب عِرْق النَّسا (٤).

стр. 415

والثاني: أن هذه الإضافة تدل - من الأمر بالتواضع - على أكثر مما (١) تدلُّ عليه الإضافةُ إلى العز؛ لأن هذا يقتضي ذُلاً يخفضُ جناحَه، فأصلُ الذلِّ تواضعٌ، والجناحُ المخفوضُ زيادةٌ في ذلك، بخلاف جناح العز؛ فإنَّه لا يدل على مثل هذه الزيادة. وأيضاً ففيه مبالغةٌ أخرى من جهة لفظ الذُّلِّ، ودلالتُهُ على أزيدَ مما يدلُّ عليه لفظُ التواضعِ. * * * * الوجه الرابع: في شيء يتعلَّق بالعربية، وفيه مسألتان (٢): الأولى: هذا الحديث على الرواية التي ذكرناها (٣) يتعلق بمسألة جواز العطف على عاملين، وقد اختلفوا في ذلك، ورأيتُ في كتاب "القوانين" للأستاذ ابن أبي الرَّبيع عصريِّنا ﵀ وقد ذكر العطفَ على عاملين: لا أعلمُ أحداً من النحويين أجازه غيرَ الأخفش (٤).

стр. 416

وفي كون هذا القولِ مطابقاً لما في نفس الأمر نظرٌ، قال ابنُ يَعيشَ شارحُ "المفصل" لما تكلَّم على المَثَل (مَا كُلُّ سَودَاءَ تَمْرَةٌ، ولا [كُلُّ] (١) بَيضاءَ شَحْمةٌ) قال: وكان أبو الحسين (٢) الأخفش - رحمه الله تعالى - وجماعةٌ من البصريين يحمِلون ذلك وما كانَ مثلَهُ على العطفِ على عاملين، وهو رأيُ الكوفيين، رحمهم الله تعالى (٣). فقد (٤) حُكيَ هذا المذهبُ عن الكوفيين وجماعةٍ من البصريين. ووجهُ تعلُّقِ الحديث بهذه المسألة: أنه إذا جُرَّ قولُه ﷺ : "والآخر"، ونصب قولُه: "شفاء"، فقد عطف (الآخر) على (أحد)، وعطف (شفاء) على (داء)، والعامل في (أحد) حرف الجر الذي هو (في)، والعامل في (داء) (إن)، فقد شُرِّكت الواو في العطف على العاملين اللذين هما (في) و (إن)، وذلك ما يقولُه الأخفشُ ومن معه، وحاصله: عطف شيئين على شيئين، والعامل فيهما شيئان مختلفان، وسيبويه لا يجيز ذلك، وقد استدلَّ الأخفشُ بأشياءَ منها المَثَلُ المذكور، فاحتاج ناصرو مذهبِ سيبويه إلى تخريجها وتأويلها، فقالوا في المثل: إنه على حذف المضاف وإبقاءِ عمله، والتقدير: ما كل سوداء تمرة، ولا كل بيضاء شحمة، فحذفَ (كلَّ) بعد حرف العطف

стр. 417

وأبقَى عملَها، فكأنها ملفوظٌ بها، ولو كانت ملفوظاً بها لما وقع العطف على عاملين، فكذلك إذا حُذفت، فكانت (١) كالملفوظ به، وكذلك قالوا في قراءة حمزة والكِسائي: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿آيَاتٌ﴾ [الجاثية: ٥]، وهي ممَّا (٢) استُدِلَّ بها لمذهب الأخفش، فقالوا: إنه على حذف حرف الجر وإبقاء عمله، والتقدير: في (٣) اختلاف الليل والنهار، وعلى مساق هذا يقولون في الخبر المذكور "والآخر": إنَّ حرفَ الجر محذوفٌ مبقيُّ العملِ، والتقدير: وفي الآخر شفاء (٤).

стр. 418

واعلمْ أنه وردَ في مواضعَ ما ظاهرُه العطفُ [على] (١) عاملين، وتأويلُه وتخريجُه بحذف المضاف أو حذفِ حرف الجر خلافَ الظاهر، وهو أيضاً ضعيفٌ؛ أعني: حذفَ الجار وإبقاءَ عملِه في القياس والاستعمال معاً كما ذكروه، كما أنَّ العطفَ على عاملين ضعيفٌ في القياس والاستعمال، فالفِرار من العطف على عاملين لضعفه قياساً واستعمالاً إلى حذف المضاف وحرف الجر مبقياً عملَهما (٢) مع ضعفه في القياس والاستعمال معاً لابُدَّ فيه من ترجيح (٣). وليس غرضنا هاهنا المناظرة، ولكنَّ الذي نبَّه (٤) عليه: أن المقصودَ بالعربية إنما هو النطقُ بالصواب، وذلك حكمٌ لفظيٌّ، وما عداه من التقديراتِ وغيرِها ممَّا لا يقدح في اللفظ، ليس هو بالمقصود (٥) في علم العربية بالذَّات، فمتى احتجَّ محتجٌّ بشيء مسموع عن العرب لمذهبٍ (٦) له، فذُكِرَ فيه تأويلٌ، وكان ذلك التأويل مما يطَّرِد في جملة

стр. 419

مواردِ الاستعمال، فحينئذٍ لا يظهر للاختلاف (١) فائدةٌ لفظية؛ لأن اللفظَ جائزُ الاستعمالِ على الصورة والهيئة المذكورة [و] (٢) على كل تقدير، إما من غير تأويل كما يذهب إليه المستدلُ، وإما بتأويل مطَّرِد [كما] (٣) في الموارد كما يذكر المجيب، فلا يظهر للاختلاف فائدة في الحكم اللفظي، وهو المقصود من علم العربية، مثالُه فيما نحن فيه: أنَّا إذا قلنا: فإن في أحدِ جناحيه داء والآخرِ شفاء، فأوَّله مؤول بحذف حرف الجر، وأوَّل قولنا: (ما كلُّ سَوداءَ تَمرةٌ، ولا بيضاءَ شحمةٌ) بحذف المضاف، فاللفظُ على الهيئة المذكورة جائزٌ غيرُ خارج عن الصواب، وغايةُ ما في الباب أن يكونَ الخلافُ وقعَ في وجه جوازِه، فقائل يقول: هو على حذف المضاف وإبقاء عمله، وهو جائز، وقائل يقول: هو على تقدير العطف على عاملين، وهو جائز، فالاتفاق وقع على الجواز، واختُلِف في علَّتِهِ، وذلك لا يُفيدُ فائدةً لفظيةً، اللَّهمَّ إلا إذا بُيِّنَ (٤) في بعض المواضعِ فائدةٌ؛ بأن يكون الجواز مختصًّا بأحد المذهبين دونَ الآخر، فحينئذٍ تظهر الفائدةُ المحقَّقةُ المعتبرةُ في علم العربية. فانظر هذا فإنه يقعُ في مواضعَ من مباحثِ النحويين، وقد وقع في بعض الروايات في الحديث: "وفي الآخرِ

стр. 420

شفاءٌ" (١) بإعادة حرف الجر المذكور في الكتاب. [المسألة] (٢) الثانية: قد أجازوا في مثل (٣) (مَا كُلُّ سَودَاءَ تَمْرَةٌ، ولا بَيضاءَ (٤) شَحْمةٌ) وجوهاً خمسةً منها ما يحتملُهُ لفظُ [هذا] (٥) الحديث، فممَّا أجازوه: ما كلُّ سوداءَ تمرةً، بالنصب في (تمرة) على إعمال (ما)، ولا بيضاءُ شحمةٌ، بالرفع فيهما على الاستئناف أو عطف جملة على جملة (٦)، فعلى هذا إن كان أحدٌ روى في هذا الحديث: "والآخرُ شفاءٌ" - بالرفع فيهما - فهو على هذا الوجه، ويخرج (٧) به عن العطف على عاملين، ولكنَّه يحتاجُ إلى حذف مضاف في قوله: "والآخر شفاء"؛ أي: ذو شفاء. * * * * الوجه الخامس: في اللفظ مجازٌ، وهو كون الدَّاءِ في أحد الجناحين (٨)، وهو إما

стр. 421

إما من مجاز الحذف بأن يقال: فإنَّ في أحدِ جناحيه سببَ داء، و (١) ما أشبهَ ذلك من التقديرات، وإما على جهة المبالغات (٢) بأن يجعل كالداء (٣) في أحد جناحيه لَمَّا كان سبباً له ومُفضياً إليه (٤)، كما قال الشاعر [من الرجز]: صَارَ الثَّريدُ في رُؤوسِ العِيدَان (٥) بمعنى أنَّ مآل الزرع بعد انتهائه واشتداده وطحنه وعجنه إلى أن يُعملَ منه ثريدٌ، فجعله في رؤوس العيدان مبالغةً لما أنه سيصير إليه. * * * * الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: اختلفوا فيما لا نفسَ له سائلةً، كالذباب، والنمل، والعقرب، والزنبور، والخنفساء ونحوها، إذا مات في ماء قليل

стр. 422

- أو [في] (١) مائعٍ آخرَ، هل ينجس الماء، [أو المائع] (٢)؟ فالمنقولُ عن الشافعي ﵁ قولان: أصحهما - وهو قول جمهور أهل العلم -: أنه لا يَنجُس [وما] (٣) مات فيه، حتى قال في "الإشراف": وأجمعوا أن الماء لا ينجس بوقوع الذُّباب فيه، والخنفساء بمنزلة الآدمي في أحد قولي الشافعي (٤). وقد استدلَّ الجمهورُ بهذا الحديث، وهو الذي أُدْخِلَ لأجله في باب المياه، ووجهُ الاستدلالِ: أنه أمرَ بغمس الذباب في الطعام مع احتمال موته فيه، وقرب ذلك بما إذا كان الطعام حاراً، ولو كان ينجس الطعام لكان في غمسه تعريضاً لتحريم أكله وإتلاف ماليَّتِه (٥). والقول الثاني: أنه ينجس، قال بعضُ مصنفي الشافعية: وهو القياس، والنبيُّ ﷺ أمرَ بغمسِ الذباب فيه فَطَرْحِه (٦)، لا بقتله، وإنما

стр. 423

أمر به فَطْماً لهم عن عاداتهم (١)، فإنهم كانوا يستقذرون طعاماً يقع فيه الذباب (٢). وهذا الذي ذكره اعتذاراً عن الاستدلال بالحديث ضعيفٌ؛ أما قوله: إن النبي ﷺ أمر بغمسِ الذباب فيه وطرحِه لا بقتله، فوجه الدليل إنما هو التعريض بغمسه لإفساد الطعام بأن يقال: لو كان يُفْسِدُ الطعامَ لَمَا أمر بغمسه لتعريضه الطعامَ للإفساد، فإن كانت هذه الملازمةُ باطلةً: فلتُمنعَ ليُستدلَّ عليها، وإن كانت الملازمةُ صحيحةً: فالدليلُ صحيح، [و] (٣) غايةُ ما في الباب أنَّه لو أمر بقتله لكان أقوى في الدلالة، وليس من شرط اللفظ المستدَلِّ به أن لا يمكنَ ذكرُ ما هو أقوى في الدلالة منه. وأمَّا قوله: وإنما أمر به فطماً لهم عن عاداتهم، فهذا يُعترَض عليه بوجهين: أحدهما: أنه مخالفٌ لظاهر الحديث في التَّعليل؛ فإنَّ ظاهرَه يدل على أنَّ العلةَ إذهابُ الشفاء للداء، والعلة تقتضي الحصرَ على ما قرَّره الخلافيون من المتأخرين.

стр. 424

الثاني: لو سلَّمنا أنَّ علَّةَ الأمر [بالغمس] (١) فطمُهم عن الاستقذار: لما نافَى ذلك دَلالةَ الأمرِ على عدم التنجيس من الوجه الذي ذُكِر، وهو التعريضُ للإفساد. الثانية: اختلف الشافعيةُ في القولين، هل يجريان في نجاسة هذا النوع من الحيوان في نفسه، أم لا؟ فمنهم من قال: نعم، ومنهم من أبَى ذلك، وقال: المذهبُ أنَّها تنجُس بالموت قولاً واحداً، وإنما الاختلافُ في نجاسة ما وقع فيه من المائعات لعموم البلوى، ولتعذُّر الاحتراز (٢). ولقائلٍ أن يقول: قد قلتم: إن علةَ عدم تنجيس ما وقع فيه تعذُّرُ الاحترازِ، [وتعذُّرُ الاحترازِ] (٣) لا يلزم منهُ عدمُ التنجيس، بل اللازم إما هو، وإما العفوُ عنه مع الحكم بنجاسته، فما جعلتموه علةً غيرُ مُستلزِمٍ (٤) لما حكمتم به من عدم التنجيس، نعم إن ثبتَ بدليل خارج أنه لم يُعطَ أحكامَ النَّجِسِ المعفوِ عنه، تمَّ ما قيل. الثالثة: استُدِلَّ بهذا الحديث على [عدم] (٥) نجاسة ما لا نفسَ له

стр. 425

سائلة بالموت، وطريقُه أن يقالَ: لو نَجُسَ بالموت، لنجَّس ما وقع [فيه] (١) من المائع، ولا ينجِّسه بالحديث، فلا ينجُس بالموت. والاعتراضُ عليه بما قدَّمناه من أمر العفو، وتحريرُهُ: أن تُمنعَ الملازمةُ بين كونه لم ينجِّس ما وقع فيه، وكونه لم ينجُس بالموت، بناءً على قيام المانع من التنجيس على تقدير النجاسة بالموت، والمانعُ تعذُّرُ الاحتراز، فيقال عليه: الحكمُ بعدم تنجيس ما وقع فيه دائرٌ بين أن يكونَ لعدم المُقتضِي للتنجيس؛ بأنْ لا تكونَ ميتةُ هذا الحيوان نجسةً، وبين أن يكونَ لقيام المانع [مع] (٢) وجود مقتضي التنجيس، وهو أن يكون نجساً عُفِي عنه لتعذُّرِ الاحتراز، وإحالةُ الحكم على عدم المقتضي أولى من إحالته على قيام المانع، فحينئذٍ يكون الحكمُ بأنَّ هذا الحيوانَ لا ينجس بالموت واقعاً على وِفْقِ المُقتضَى، والحكمُ بتنجيسه (٣) مع عدم تنجيس الماء واقعاً على خلاف المقتضى؛ لأن تنجيسَه بالموت مُقتضٍ (٤) لتنجيس ما وقع فيه، وتكون هذه المخالفةُ لقيام المانع، وهو عُسْرُ الاحترازِ، فكان الأوَّلُ أولى. وقد يقال على هذا: إنَّ الحكمَ - أيضاً - بعدم نجاسة هذا الحيوان على خلاف المُقتضي للدليل الدَّالِّ على نجاسة الميتات، والله أعلم.
следующие страницы →