← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إما من مجاز الحذف بأن يقال: فإنَّ في أحدِ جناحيه سببَ داء، و (١) ما أشبهَ ذلك من التقديرات، وإما على جهة المبالغات (٢) بأن يجعل كالداء (٣) في أحد جناحيه لَمَّا كان سبباً له ومُفضياً إليه (٤)، كما قال الشاعر [من الرجز]: صَارَ الثَّريدُ في رُؤوسِ العِيدَان (٥) بمعنى أنَّ مآل الزرع بعد انتهائه واشتداده وطحنه وعجنه إلى أن يُعملَ منه ثريدٌ، فجعله في رؤوس العيدان مبالغةً لما أنه سيصير إليه. * * * * الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: اختلفوا فيما لا نفسَ له سائلةً، كالذباب، والنمل، والعقرب، والزنبور، والخنفساء ونحوها، إذا مات في ماء قليل

стр. 422

- أو [في] (١) مائعٍ آخرَ، هل ينجس الماء، [أو المائع] (٢)؟ فالمنقولُ عن الشافعي ﵁ قولان: أصحهما - وهو قول جمهور أهل العلم -: أنه لا يَنجُس [وما] (٣) مات فيه، حتى قال في "الإشراف": وأجمعوا أن الماء لا ينجس بوقوع الذُّباب فيه، والخنفساء بمنزلة الآدمي في أحد قولي الشافعي (٤). وقد استدلَّ الجمهورُ بهذا الحديث، وهو الذي أُدْخِلَ لأجله في باب المياه، ووجهُ الاستدلالِ: أنه أمرَ بغمس الذباب في الطعام مع احتمال موته فيه، وقرب ذلك بما إذا كان الطعام حاراً، ولو كان ينجس الطعام لكان في غمسه تعريضاً لتحريم أكله وإتلاف ماليَّتِه (٥). والقول الثاني: أنه ينجس، قال بعضُ مصنفي الشافعية: وهو القياس، والنبيُّ ﷺ أمرَ بغمسِ الذباب فيه فَطَرْحِه (٦)، لا بقتله، وإنما

стр. 423

أمر به فَطْماً لهم عن عاداتهم (١)، فإنهم كانوا يستقذرون طعاماً يقع فيه الذباب (٢). وهذا الذي ذكره اعتذاراً عن الاستدلال بالحديث ضعيفٌ؛ أما قوله: إن النبي ﷺ أمر بغمسِ الذباب فيه وطرحِه لا بقتله، فوجه الدليل إنما هو التعريض بغمسه لإفساد الطعام بأن يقال: لو كان يُفْسِدُ الطعامَ لَمَا أمر بغمسه لتعريضه الطعامَ للإفساد، فإن كانت هذه الملازمةُ باطلةً: فلتُمنعَ ليُستدلَّ عليها، وإن كانت الملازمةُ صحيحةً: فالدليلُ صحيح، [و] (٣) غايةُ ما في الباب أنَّه لو أمر بقتله لكان أقوى في الدلالة، وليس من شرط اللفظ المستدَلِّ به أن لا يمكنَ ذكرُ ما هو أقوى في الدلالة منه. وأمَّا قوله: وإنما أمر به فطماً لهم عن عاداتهم، فهذا يُعترَض عليه بوجهين: أحدهما: أنه مخالفٌ لظاهر الحديث في التَّعليل؛ فإنَّ ظاهرَه يدل على أنَّ العلةَ إذهابُ الشفاء للداء، والعلة تقتضي الحصرَ على ما قرَّره الخلافيون من المتأخرين.

стр. 424

الثاني: لو سلَّمنا أنَّ علَّةَ الأمر [بالغمس] (١) فطمُهم عن الاستقذار: لما نافَى ذلك دَلالةَ الأمرِ على عدم التنجيس من الوجه الذي ذُكِر، وهو التعريضُ للإفساد. الثانية: اختلف الشافعيةُ في القولين، هل يجريان في نجاسة هذا النوع من الحيوان في نفسه، أم لا؟ فمنهم من قال: نعم، ومنهم من أبَى ذلك، وقال: المذهبُ أنَّها تنجُس بالموت قولاً واحداً، وإنما الاختلافُ في نجاسة ما وقع فيه من المائعات لعموم البلوى، ولتعذُّر الاحتراز (٢). ولقائلٍ أن يقول: قد قلتم: إن علةَ عدم تنجيس ما وقع فيه تعذُّرُ الاحترازِ، [وتعذُّرُ الاحترازِ] (٣) لا يلزم منهُ عدمُ التنجيس، بل اللازم إما هو، وإما العفوُ عنه مع الحكم بنجاسته، فما جعلتموه علةً غيرُ مُستلزِمٍ (٤) لما حكمتم به من عدم التنجيس، نعم إن ثبتَ بدليل خارج أنه لم يُعطَ أحكامَ النَّجِسِ المعفوِ عنه، تمَّ ما قيل. الثالثة: استُدِلَّ بهذا الحديث على [عدم] (٥) نجاسة ما لا نفسَ له

стр. 425

سائلة بالموت، وطريقُه أن يقالَ: لو نَجُسَ بالموت، لنجَّس ما وقع [فيه] (١) من المائع، ولا ينجِّسه بالحديث، فلا ينجُس بالموت. والاعتراضُ عليه بما قدَّمناه من أمر العفو، وتحريرُهُ: أن تُمنعَ الملازمةُ بين كونه لم ينجِّس ما وقع فيه، وكونه لم ينجُس بالموت، بناءً على قيام المانع من التنجيس على تقدير النجاسة بالموت، والمانعُ تعذُّرُ الاحتراز، فيقال عليه: الحكمُ بعدم تنجيس ما وقع فيه دائرٌ بين أن يكونَ لعدم المُقتضِي للتنجيس؛ بأنْ لا تكونَ ميتةُ هذا الحيوان نجسةً، وبين أن يكونَ لقيام المانع [مع] (٢) وجود مقتضي التنجيس، وهو أن يكون نجساً عُفِي عنه لتعذُّرِ الاحتراز، وإحالةُ الحكم على عدم المقتضي أولى من إحالته على قيام المانع، فحينئذٍ يكون الحكمُ بأنَّ هذا الحيوانَ لا ينجس بالموت واقعاً على وِفْقِ المُقتضَى، والحكمُ بتنجيسه (٣) مع عدم تنجيس الماء واقعاً على خلاف المقتضى؛ لأن تنجيسَه بالموت مُقتضٍ (٤) لتنجيس ما وقع فيه، وتكون هذه المخالفةُ لقيام المانع، وهو عُسْرُ الاحترازِ، فكان الأوَّلُ أولى. وقد يقال على هذا: إنَّ الحكمَ - أيضاً - بعدم نجاسة هذا الحيوان على خلاف المُقتضي للدليل الدَّالِّ على نجاسة الميتات، والله أعلم.

стр. 426

الرابعة: اختلفوا في رَوْث السَّمَك والجراد، وما ليس له نفسٌ سائلة، هل هو نجس، أم لا؟ (١). فإذا أردنا أن نستدلَّ على عدم نجاسته بهذا الحديث، جعلناه مقدمةً من مقدماتِ الدليل، فنقول: لو كان بولُه نجساً لنجَّس ما وقع فيه من المائع (٢)، لكنه لا ينجِّسه، فلا يكون نجساً، أما الملازمةُ؛ فلأنَّ وقوعَ النجاسة في المائع موجبٌ لتنجيسه، إما قياساً على سائر الصور، وإما عملاً بمفهوم حديث القُلَّتين (٣)، وحديث الفأرة (٤)، ووقوعُ بولهِ فيه يلازمُ وقوعَهُ فيه لِمَا على منفذه من النجاسة، وأما أنه لم ينجِّسْه؛ فلهذا الحديث. الخامسة: منطوقُهُ دالٌّ على ما يقع، وعلى ما يقع (٥) فيه، فكلُّ ما يسمَّى شراباً فهو داخلٌ تحتَ اللفظِ، فيدخل تحته (٦)، [فيتناول الماءَ] (٧)، [ولا يختصُّ به] (٨)، والنظرُ في بقية المائعات، هل يُطلَق

стр. 427

عليها اسمُ (الشراب)؟ وقد وردَ في بعض الروايات: "في إناء أحدكم" (١)، وهو أعمُّ وأكثر في الفائدةِ اللفظيَّةِ من لفظة (الشراب) (٢). السادسة: ما لا يُسمَّى شراباً يُؤخَذ بالقياس في معنى الأصل، وهو هاهنا قويُّ المرتبة؛ لأنَّ الحكمَ في لفظ الشارع أُديرَ على الواقع بسبب وصفٍ فيه، لا على ما يقعُ فيه، فمهما كانت العلةُ موجودةً ثبتَ الحكمُ فيما يقع فيه. السابعة: يُلحَقُ غيرُ الذبابِ بالذباب - ممَّا يشاركه في أنَّه لا نفسَ له سائلة - في معنى عدم التنجيس، وليس ذلك كالرتبة (٣) [التي] (٤) قبلَها؛ لأنَّ الإلحاقَ إنما يكون باعتبار علةٍ (٥) استنبطها المستدلُّ من الأصل، وهو كونُهُ لا نفسَ له سائلة، ويقرِّرُه بالمناسبة التي يُبْدِيها، [وهو قويٌّ؛ أعني: إلحاقَ غيرِ الذباب به] (٦)، [وليس ذلك في القوة كالتي قبله] (٧).

стр. 428

الثامنة: اختلفوا في الحيوان الطَّاهر، إذا وقع في ماء قليل، أو مائعٍ آخرَ، فخرج حيًّا، هل يَنجُس ما وقع فيه، بناءً على نجاسة مَنفَذِ بولهِ؟ وقد استُدِلَّ بهذا الحديث على عدم التنجيس، قال البَغَويُّ ﵀ في "تهذيبه" (١): ولو وقع حيوانٌ سوى الكلبِ والخنزيرِ والمتولِّدِ؛ يعني: من أحدهما، في ماء قليل، أو مائع آخرَ، فخرج حيًّا، لا ينجِّسه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمر بِمَقْلِ الذباب في (٢) الطعام، ولم يحكم بنجاسته. ولقائل أن يقول: الاستدلالُ بالحديث على حكم المسألة لا يصحُّ؛ لأنَّ بولَ هذا الحيوان الذي ورد فيه النصُّ إما أن يكونَ نجساً، أو لا، وأيَّما كان يمتنعُ الاستدلالُ به؛ أمَّا إذا لم يكنْ، فيتعذَّرُ الاستدلالُ به قطعاً؛ لأنه لا يصحُّ أنْ يؤخذَ عدمُ التنجيس بوقوع حيوانٍ نجسِ البول من الحكم بعدم التنجيس بوقوع حيوانٍ ليس بنجس البول، وأمَّا إذا كان؛ فلأنَّ موردَ النصِّ حيوانٌ يكثُر وقوعُه في الأواني، ويشقُّ الاحترازُ منه، وهذا معنى مُعتبرٌ، لا يمكن أن يقال: إنه ملغى، وغيرُه من سائر الحيوانات النجسةِ البولِ لا يساويه في كثرة الوقوع، ولا (٣) في

стр. 429

تعذُّرِ الاحتراز منه، فلا يساويه في الحكم. وقد يقال عليه: لو كان هذا المعنى معتبراً في الأصل، لوقع الفرقُ بين أن يقعَ الذبابُ بنفسه في الإناء، أو يوقعَه غيرُهُ فيه، لكنَّه لم يفرق، فلا يكون المعنى معتبراً. بيان الملازمة: أنَّ ما وقع قصداً لا يشقُّ الاحترازُ منه، ولا يكثر، فكان يجب حينئذٍ أن يفرَّقَ لانتفاء العلة في أحد القسمين. بيان انتفاء الفرق: أنَّ الوقوعَ الذي رُتِّبَ عليه الحكمُ مشترَكٌ، بين الوقوع بنفسه، وبين الإيقاع بغيره (١)، لصحة أن يقال: وقع بنفسه، ووقع بإيقاع غيره، ومَوْرِدُ التقسيم مشتركٌ، وإذا آل الأمر إلى هذا، فيتصدَّى النظرُ في أن لفظة (وقع)، هل تدلُّ على إسناد الفعل إلى الفاعل؟ فقد يقال ذلك، ويُدَّعَى أنه الأصلُ والحقيقةُ. التاسعة: في الحديث شيءٌ (٢) مجزوم به، وإن لم يكنِ اللفظ دالاً عليه بنفسه، وهو أنَّ الأمر بالغمس إنما هو لمقابلة الداء بالدواء، [وعلى رواية من روى "وفي الآخر دواء" (٣)] (٤)، يؤخَذ (٥) منه أمرٌ آخرُ، وهو أنَّ الأمر بالغمس مما يقتضي نفعَ الدواء من الداء.

стр. 430

أما الأول؛ فلأنه (١) لو لم يكنْ كذلك لما صحَّ التعليلُ، وكانت العلةُ أجنبيةً. وأما الثاني؛ فلأنه لو لم يُذهِبْه لما كان في الأمر به فائدةٌ. العاشرة: الذي قدَّمناه (٢) في الكلام، في إلحاق غيرِ الذباب به، إنما هو في الإلحاق في (٣) التنجيس بالوقوع، لا في حكم الغمس، فليُنَتبَّهْ لذلك، فإنَّا لم نأخذْ عدمَ التنجيس من [أجل] (٤) العلة المذكورة، وإنما أخذناه من محضِ الأمر بالغمس مع توقُّعِ إفساد ما (٥) يُغْمَسُ فيه على تقدير نجاسته، فلو تجرَّد الأمرُ بالغمس على (٦) العلة المذكورة لكفانا الأمرُ بالغمس في الإلحاق. الحادية عشرة: إذا أردنا النظرَ في إلحاق غير الذباب به في حكم الغمس مع اعتبارِ العلة، فذلك يتوقَّفُ على أمرين: أحدهما: أن نثبتَ [العلةَ] (٧) فيما نريد إلحاقَه، وهو أن يكون في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء، وهذا أمرٌ مُتعذِّر لا يُرشِدُ الطبُّ إليه، وإنما يُدرَكُ بنور النبوَّة.

стр. 431

والثاني: أن يكون غمسُهُ فيه مما يفيد في ذلك الداء، وهو - أيضاً - لا يُعلَم. الثانية عشرة: إذا أردنا أن نلحِقَ غير ذي الجناحين بالذباب، كما إذا كان في أحد العضوين (١) منه داء، ويكون في الآخر [منه] (٢) شفاء، فهو دونَ الرتبةِ التي قبلَها [في المانِعِيَّة، لإمكان الاطِّلاع من جهة الطبِّ، على أنَّ في أحد العضوين داءً، وفي الآخر دواءٌ له] (٣). الثالثة عشرة: لمَّا تقرَّرَ أنَّ المقصودَ بالغمس إذهابُ (٤) ضررِ الداء، كان ذلك أصلاً في التداوي. الرابعة عشرة: ويكون أصلاً فيما هو أخصُّ من ذلك، وهو استعمالُ ما يَدْفَعُ ضررَ الأغذيةِ. الخامسة عشرة: اللفظُ يدلُّ على تعليق الحكم بأن يقعَ في الشراب، فلا يُلحَق به وقوعُه على الشراب؛ لأنَّ اللفظَ لا يدل عليه، ولا المعنى أيضاً يُرشِدُ إليه؛ لأنَّا لا نعلمُ جريانَ العلة في وقوعه عليه. السادسة عشرة: الظاهرُ في الداء والدواء أنَّه أمرٌ يتعلَّق بالأمراض

стр. 432

وبُرئِها، ويُحتمَلُ (١) أن يكون الداءُ ما يعرِض في نفس المُتْرَفِين والمترفِّهين مِن عيافة الطعام، والنُّفْرة منه، والتكبُّر عن أكله، حتى ربَّما كان سبباً لترك الطعام وإتلافه، والدواءُ ما يحصُلُ مِن قمعِ النفس، وحملِها على سبيل التواضع، وعدم التعمُّق في الترفُّه، وسلوك طريق المتكبرين، وهذا مجازٌ، والحقيقةُ ما تقدَّمَ، والله أعلم. السابعة عشرة: هذا الذي ذكرناه أمرٌ واقع، ومصلحةٌ محقَّقةٌ من توابع الأمر بغمسه، والذي قدَّمناه إنما هو في حمل اللفظ عليه، فإن كان هذا المجازُ مُراداً - والله أعلم -: فإيرادُهُ بلفظ الداء والدواء أبلغُ في تحصيل هذه المصلحة، التي هي كسرُ النفسِ ورياضتُها؛ لِمَا جُبِلت الأنفسُ عليه من محبة البقاء ودفع الضرر والآفات. الثامنة عشرة: الأمرُ بانتزاعه بعد غمسه لحصول المقصود بالغمس، ودفع الداء الذي حصل، أو يُتوقَّع حصولُهُ بالوقوع، وما زاد على ذلك مُستغنى عنه، ولعلَّ بقاءَهُ ومكثَه يُحدِثُ مفسدةً أخرى غيرَ المفسدةِ التي نشأت بالوقوع الأول، أو لعلَّه يَخْرُجُ عن حدِّ النظافة التي بُنِي الدِّينُ عليها، وقد جعل اللهُ لكلِّ شيء قدراً. التاسعة عشرة: قد يُؤخَذ من هذه الصيغة [التي] (٢) وردت في هذه الرواية - أعني قوله: "ثمَّ لِيَنْزَعْهُ" - سرعةُ إخراجِه بعد غمسِهِ لِمَا

стр. 433

تُشْعِرُ به هذه البِنْيةُ من التكلُّف في العمل؛ إذْ ليس في نفس الإخراج كُلْفَةٌ، فلْيُصرَفْ إلى إعمال نفسه في الإسراع، إن لم يزاحمْهُ معنىً آخرُ يساويه، أو يُرجَّحُ عليه. العشرون: التعليلُ يقتضي انتفاءَ الحكم إذا لم يكنْ له جناحان - كما لو انقطعا فوقعَ (١) - لانتفاء العلة، والله أعلم. الحادية والعشرون: [ ويقتضي أيضاً: أنَّه لو انقطعَ أحدُ جناحيه، لم يتعلَّقْ به أمرُ الغمس؛ لأنَّ] (٢) المقصودَ إذهابُ الداء بالجناح الآخر، وذلك لا يحصُل عند انقطاعه. الثانية والعشرون: ذكر الجاحظ [عن] (٣) النَّظَّام في الكلام على هذا الحديث كلاماً رديئاً، وأقوالاً شنيعة (٤)، حاصلُها إبطالُ الحديث باستبعادات وخيالات (٥). قال الخطَّابي ﵀: تكلَّم على هذا الحديث مَن لا خلاقَ له، وقال: كيف يجتمع الداءُ والشفاءُ في جناحَيْ الذبابِ؟ وكيف تعلمُ ذلك من نفسها، حتى تُقدِّم جناحَ الداءِ، وتؤخِّر جناحَ الشفاءِ،

стр. 434

وما هداها إلى ذلك؟ قال: وهذا سؤالُ جاهلِ أو مُتَجاهلٍ، وإنَّ الذي يجدُ نفسَهُ ونفوسَ عامة الحيوان [و] (١) قد جُمِع فيهما بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وهي أشياءُ متضادةٌ إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى (٢) اللهَ قد ألَّف بينها، فقهرها على الاجتماع، وجعل منها قُوى الحيوان [التي] (٣) بها بقاؤها وصلاحُها، لجديرٌ أن لا ينكرَ اجتماعَ الداء والدواء في جزأين من حيوان واحدٍ، وإنَّ الذي ألْهمَ النحلةَ أن تتَّخذَ البيتَ العجيبَ الصنعةِ، وأن تَعْسِل فيه، وأَلهمَ الذَّرَّةَ أن تكتسبَ قوتَها، وتدَّخر [٥] (٤) لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة، وجعل لها الهدايةَ إلى أنْ تقدِّمَ جناحاً، وتؤخِّر آخرَ، [لِما أراد] (٥) من الابتلاءِ الذي هو مدرجةُ التَّعبُّدِ، والامتحانِ الذي هو مضمارُ التكليف، وفي كلِّ شيء حكمةٌ، وما يذَّكَّرُ إلا أولو الألباب (٦). وأقولُ: [إن] (٧) هذا وأمثالَه ممَّا تُرَدُّ به الأحاديثُ الصحيحةُ، إن

стр. 435

أراد به قائلُه (١) إبطالَها بعدَ اعتقاد كون النبيِّ ﷺ قالها، كان كافراً مُجاهراً، وإن أراد به إبطالَ نسبتِها إلى الرسول ﷺ بسببٍ يرجع إلى متنه، فلا يكفرُ بذلك، غيرَ أنَّه مُبطِلٌ لصحة الحديث بطريق سنده الصحيح، وهذه طريقةٌ لجماعة من المتكلمة (٢) وبعض الفقهاء، كمَن أبطلَ حديثَ العاليةِ (٣) في مسألة العِينَة، بقول عائشةَ ﵂: أبلغِي زيداً أنَّهُ (٤) أبطلَ جِهادَهُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، إنْ لمْ يَتُبْ.

стр. 436

وكما يُشنِّع به أهلُ الحديث على أبي حنيفةَ في قولهِ في حديث: "البَيِّعَانِ بالخِيارِ [ما لم يتفرقا] (١) " (٢): أرأيتَ إن كانا في سفينة، فكيف يفترقان (٣)؟ فكأنَّه أبطلَ استنادَهُ إلى الرسول (٤) ﷺ بهذا، إن صحَّ عنه، والله أعلم. * * *

стр. 437

الحديث السابع وعنهُ منْ روايةِ محمَّدِ بنِ سيرينَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "طَهُورُ إناَءَ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ، أنْ يَغْسِلَهُ سَبع مَرَّاتٍ، أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ" [أخرجَهُ مسلمٌ] (١). وفي رواية عليِّ بنِ مُسْهِرٍ عندَ مسلمٍ، عن الأعمش، عن أبي رَزِينٍ، وأبي صَالحٍ، عن أبي هُريرَةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إنَاءَ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبع مَرَّاتٍ" (٢).

стр. 438

الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريف بمَنْ ذُكر: أما أبو هُريرَةَ ﵁: فقد تقدَّمَ [ذكرُه] (١). وأمَّا محمَّدُ بن سيرين: فهو أبو بكر، محمَّد بن سيرين البصري، مولى أنسِ بنِ مالكٍ ﵁. قال موسى بن إسماعيل: سألت الأنصاريَّ؛ يعني: محمَّدَ بن عبد الله، قلت: من أين كان أصلُهُ؟ قال: من عين التمر (٢). وقال ابن [عُليَّة] (٣): كنا نسمع أنَّ ابنَ سيرين وُلِد في سنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁ (٤).

стр. 439

قلت: وكان ابنُ سيرينَ إماماً من أئمة المسلمين، وصدراً في (١) علماء التابعين، ورأساً في أعمال المُتورِّعين، وعَلَماً في سِيمَاءِ الصالحين، وعجباً في طبقات المُعَبِّرين (٢). قال أبو عَوَانة (٣): رأيتُ ابنَ سيرينَ دخلَ السوق، فما رآه (٤) أحدٌ إلا ذكرَ الله (٥). وقال سَوَّار: الحسنُ وابنُ سيرين سيدا أهلِ البصرةِ، رَضِيَ مَنْ رَضِى، وسَخِطَ من سَخِط (٦). وروى أبو بكر بن أبي خَيثمة في "تاريخه" عن بكر بن عبد الله قال: مَنْ سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى أورعِ مَنْ أدركنا في زماننا، فلينظرْ إلى محمَّدِ بن سيرين، إنَّهُ لَيدعُ بعضَ الحلالِ تأثُّماً (٧). وعن عاصمٍ قال: سمعت مُوَرِّقاً يقول: ما رأيتُ (٨) أورعَ مِن

стр. 440

فقيهٍ، ولا أفقهَ من ورعٍ من محمَّدِ بن سيرين (١). [وعن أيوبَ قال: ذُكِرَ يوماً عند أبي قِلابةَ محمَّدُ بن سيرين، قال: وأيُّنا يطيقُ ما يطيقه، يركبُ في مثل حدِّ السِّنَان (٢). وقال ابن عَون: كان ابنُ سيرين] (٣) من أرجى الناس لهذه الأمة، وأشدِّهم إزراءاً على نفسه (٤). [و] (٥) قال ابنُ أبي خيثمةَ: ثنا هارون بن معروف، ثنا ضَمْرة، عن السَّرِي بن يحيى قال: تركَ ابنُ سيرينَ ربحَ أربعين ألفاً، قال: فسمعتُ سليمانَ التيمي يقول: ما نعلمُ أحداً من أهل العلم شكَّ فيها (٦). وعن هشام، عن ابن سيرين: أنه اشترى بيعاً، وأشرف فيه

стр. 441

على ثمانين ألفاً، فعرض في قلبه منه شيء، فتركه، قال هشام: والله ما هو بِرِبا (١) (٢). وروى أحمد بن حنبل قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، ثنا الأشعث قال: كان محمَّدُ بن سيرين إذا سئل عن شيء من الفقهِ الحلالِ والحرام، تغيَّر لونُه وتبدَّل، حتى كَأَنَّه ليسَ بالذي كان (٣). وعن ابن عون قال: كان لابن سيرين منازلُ لا يُكريها إلا من أهل الذِّمة، فقيل له في ذلك، فقال: إذا جاء رأسُ الشهر رُعْتُه، وأكره أنْ أُروِّعَ مسلماً (٤). وعن الفُضيل بن عِياض قال: قال الحسن: إنَّما هي طاعةُ الله أو النارُ، وقال ابنُ سيرين: إنَّما هي رحمةُ الله أو النَّارُ (٥). وعن حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين قال: كان لمحمَّد بن سيرين سبعةُ أوراد يقرؤها بالليل، فإذا فاته منها شيءٌ قرأها من النهار (٦).

стр. 442

وعن [ابن] (١) شَوذبٍ قال: كان ابنُ سيرين يطوي يوماً ويفطر (٢) يوماً، وكان اليوم الذي يفطر فيه يتغدَّى، ولا يتعشَّى، ثم يتسحَّر، ويصبحُ صائماً (٣). وعن أمِّ عباد امرأةِ هشام بن حسان قالت (٤) كنَّا نزولاً مع محمَّدِ ابن سيرين في داره، فكنا نسمع بكاءَه بالليل، وضَحِكَه بالنهار (٥). وعن زهيرٍ الأقطَعِ [قال] (٦): كان محمد ين سيرين إذا ذَكرَ الموتَ، مات كل عضوٍ منه علي حِدَتهِ (٧). وكانت وفاةُ ابن سيرين - رحمه الله تعالى - على ما ذكر الواقدي سنةَ عشر ومئة، بعدَ الحسنِ بمئة يوم، وقيل: بينهما تسعةّ وتسعون يوما، مات الحسن في رجب، ومات ابنُ سيرين فيي ذي القعدة، وإنه دُفِن كل واحدٍ منهما في يوم الجمعة، وقيل: مات ابنُ سيرين في شوَّال.

стр. 443

أسندَ عن عدَّة من الصحابة، منهم: أبو هُريرَةَ، وأبو سعيد الخُدري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعِمران بن الحُصَين، وأبو بَكْرة، وأنس بن مالك، وجماعهٌ، قاله أبو نعيم (١). وأمَّا أبو صالح: فهو ذَكْوان السَّمَّان، ويقال أيضاً: الزيَّات، وكان يجلبهما (٢) إلى الكوفة، يقال: مولى جُوَيرية بنت الحارث امرأةِ قيسٍ الغَطَفاني، ويقال: مولى لعبد الله بن غَطَفَان (٣)، وهو والد (٤) سُهَيل، سكنَ الكوفةَ، أحدُ المشاهير من وواة التابعين، والمعتمد عليهم في الرواية والحديث، أخرج الجماعةُ كلّهم حديثَه، وأخرج الشيخان روايتَهُ عن أبى هُريرَةَ وأبي سعيد، وأخرجا روايةَ عبد الله بن

стр. 444

دينار، وأبي حُصَين، وسُمَي، والأعمش، وعمرو بن دينار، وحُمَيد ابن هلال، وعطاء بن أبي رباح، عنه. قال عمرو بن علي: مات أبو صالح ذكوان سنة إحدى ومئة (١). وأما أبو رَزِين: فهو مسعود بن مالك الكوفي الأسدي، قيل: مولى أبي وائل شَقيق بن سَلَمة، انفردَ مسلمٌ بإخراج روايته هذه مقروناً بأبي صالح. روى عنه: الأعمش، وإسماعيل بن سُميع، قال ابن أبي حاتم (٢) رحمه الله تعالى: روى عن علي، وابن مسعود، وأبي هُريرَةَ، وابن عبَّاس، يقال: إنَّه شهد صفينَ مع علي ﵁. وقال أيضاً: سئل أبو زرعةَ عن أبي رزين، فقال: اسمه مسعود، كوفي، ثِقَةٌ. وذكر البخاري، عن عليِّ بن المديني، قال يحيى القطَّان: وكان شعبةُ ينكرُ أنْ يكونَ أبو رزين سمعَ [من] (٣) ابن مسعود (٤).

стр. 445

وأما الأعمش: فهو أبو محمَّدٍ، سليمانُ بن مَهرانَ الكاهِليّ مولاهم، الكوفيّ، يقال: أصلُه من طَبَرستانَ من قريةٍ يقال لها: دباوند (١)، جاء به أبوه إلى الكوفة، فاشتراه [رجل] (٢) من بني كاهلٍ من بني أسد، فأعتقه. رأى أنسَ بن مالك، وأخرج الشيخان روايتَهُ عن أبي صالح، وأبي وائل، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، ومسلم البَطِين، والشعبي، وسعيد بن جبير، وزيد بن وهب. وأخرج مسلم روايتَه عن جماعةٍ غيرِ هؤلاء. وأخرجا أيضاً رواية شعبةَ، والثوري، [وابن عُيينة] (٣)، وأبي معاوية، وأبي عوانة، وجرير، وحفص بن غِياث عنه، وأخرج مسلم رواية جماعة غير هؤلاء عنه. قالَ عمرو بن علي: ولد عمرُ (٤) بن عبد العزيز مقتلَ الحسين بن علي سنةَ إحدى وستين، وولد معه الأعمش (٥)، ومات سنةَ ثمانٍ

стр. 446

وأربعين ومئة (١). وللأعمشِ - رحمه الله تعالى - مع المحدِّثين حكاياتٌ عجيبة، ونوادرُ غريية، وكان أحدَ القرَّاء المجوِّدين، والحفاظ المُعتَبرين، معدوداً في طبقات النُّسَّاك العاملين (٢). وعن مبشر بن عبيد عنه، أنه قال: قرأتُ القرآن على يحيى بن وثَّاب، وقرأَ يحيى على علقمةَ أو مسروقٍ، وقرأ هو على عبدِ الله بن مسعود، وقرأ ابنُ مسعود على رسول الله ﷺ (٣). وروى أحمد بن حنبل قال: ثنا أبو نعيم قال: سمعت الأعمش يقول: كانوا يقرؤون القرآنَ على يحيى بن وثَّاب، وأنا جالس، فلمَّا ماتَ، أحدَقُوا بي (٤). وعن داود، عن الأعمش قال: قال حبيبُ بن أبي ثابت: أهلُ الحجاز و (٥) أهلُ مكة أعلمُ بالمناسك، قلت له: فأنتَ عنهم، وأنا عن أصحابي، لا تأتي (٦) بحرفٍ إلا جئتك فيه بحديث (٧).

стр. 447

وعن زياد بن أيوب قال: سمعت هُشَيماً يقول: ما رأيتُ بالكوفة أحداً أقرأَ لكتاب الله تعالى، ولا أجودَ حديثا من الأعمش (١). وعن عيسى بن يُونسَ قال: ما رأينا في زماننا مثلَ الأعمش، ولا الطبقةِ الذين كانوا قبلَنا، ما رأيتُ الأغنياءَ والسلاطينَ في مجلسٍ قطُّ أحقرَ منهم في مجلسِ الأعمش، وهو مُحتاجٌ إلى درهم (٢). وعن سفيانَ، عن عاصم قال: كان القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ يقول: ليس أحدٌ أعلمَ بحديث عبدِ الله من الأعمش (٣). وعن محمَّد بن خَلَف قال: سمعت ضرارَ بن صُرَدٍ يقول: سمعت شَرِيكا يقول: ما كان هذا العلمُ إلا في العرب، وأشراف الملوك، فقال له رجل من جلسائه: وأيُّ نبلٍ (٤) كان للأعمش، قال شريك: أما لو رأيت الأعمش ومعه لحم يحمله، وسفيان الثوري عن يمينه، وشريك عن يساره، ينازعه حملَ اللحم، لعلمت أنَّ ثَمَّ نبُلاً (٥) كثيراً (٦). وعن عبد الرزاق قال: أخبرني بعضُ أصحابنا: أنَّ الأعمش قام

стр. 448

من النوم لحاجته، فلم يجدْ ماءً، فوضع يده على الجدار فتيمَّم، ثمَّ قام، فقيل له في ذلك، فقال: [أخافُ] (١) أن أموتَ على غير وضوء، قال عبد الرزاق: وربَّما فعله معمر (٢). وعن محمود بن غيلان قال: قال وَكيع: كان الأعمش (٣) قريبأ من [سبعين سنة، لم تَفُتْهُ التكبيرةُ الأولى، واختلفتُ إليه قريبا من] (٤) سنتين، فما رأيتُهُ يقضي ركعة (٥). وعن إبراهيم بن عَرْعرة قال: سمعت يحيى القطَّان إذا ذكرَ الأعمشَ قال: كان من النُّسُّاك، وكان مُحافظا على الصلاة في الجماعة، وعلى الصَّفِّ الأول (٦). وعن أبي بكر بن عيَّاش - رحمه الله تعالى - قال: دخلتُ على الأعمش في مرضِهِ الذي تُوفَيَ فيه، فقلتُ: أدعو لكَ الطبيبَ؟ فقال: ما أصنعُ به؟! فو اللهِ لو كانت نفسي في يدي لطرحتُها في الحُشِّ (٧)،

стр. 449

إذا أنا متُّ فلا تُؤذِنْ (١) بي أحداً، واذهبْ واطرحني في لَحدي (٢). وكانت وفاتُهُ كما قدَّمنا، وقال أبو نعيم الأصبهاني الحافظُ: تُوفِّي ابنُ عمر، وقُتِلَ ابنُ الزبير، وللأعمشِ ثلاثَ عشرة (٣) سنة (٤). وأما عليُّ بن مُسْهِرٍ - بضم الميم، وسكون (٥) [السين] (٦) [المهملة] (٧)، وكسر الهاء -: فهو أبو الحسن، عليُّ بن مُسهِر الكوفي، قاضي الموصل، أخو عبدِ الرحمن بن مُسهِر، اتَّفق الجماعةُ على إخراج حديثه. وقال أحمدُ بن حنبل: صالحُ الحديث، هو أثبتُ من أبي معاويةَ الضريرِ. وقال أحمدُ بن عبد الله: وكان ممَّن جمعَ الحديثَ والفقه، ثِقةٌ.

стр. 450

وقال أبو زُرعةَ: صدوقٌ، ثِقَة. وقال يحيى بن معين في رواية: ثِقَة. قال ابنُ مَنْجَويه: مات سنة تسعٍ وثمانين ومئة، والله أعلم (١) * * * * الوجه الثاني: ذكرُه لمحمَّدِ بن سيرينَ فائدتُه أنَّ التتريبَ في غسل الإناء من حديث أبي هُريرَةَ راجعٌ إلى روايته، وذكرُه لعليّ بن مُسهِر فائدته أنَّ الأمرَ بالإراقة مُستنِدٌ إلى روايته. واقتصرَ على رواية محمَّد بن سيرين؛ لما فيها من الأمر بغسل الإناء سبعا مع زيادة التتريب، واستغنَى بها عن الروايات التي ليس [فيها] (٢) ذكرُ التتريب، بل الأمرُ بالغسل سبعا لا غيرَ. [وقوله: "وفي رواية علي بن مُسْهِر" إلى آخره، يريد به أنه عند مسلم] (٣).

стр. 451

* الوجه الثالث: في تصحيحه: وقد ذكرنا أنَّ مُسلماً - رحمه الله تعالى - أخرجه، وهو من أفراده عن البخاري بهذا اللفظ من هذا الوجه، وكذلك حديثُ علىّ بن مُسهِر من أفراده أيضاً. * * * * الوجه الرابع: في شيء من مفردات ألفاظه (١)، وفيه مسائل: الأولى: الطَّهور: بفتح الطاء هو المُطَهِّر، وبضمها الفعل، هذا هو المشهور، وقد تقدَّمَ في الحديث الأول (٢) الاستدلالُ به على أنَّ الطَّهور هو المطهّر. الثانية: وَلَغَ الكلبُ في الإناء، يَلَغُ - بفتح اللام في الماضي والمستقبل جميعاً - وُلوغا: إذا شرب ما فيه بطرف لسانه، وَيولَغُ: إذا أولغَهُ صاحبُهُ، قال الشَّاعر [من المديد]: مَا مَرَّ يَوْمٌ إلا وعِنْدَهُمَا (٣) ... لَحْمُ رِجَالٍ، أَوْ يُوْلَغَانِ دَما (٤)

стр. 452

الثالثة: حكَى أبو زيدٍ: وَلَغَ الكلبُ شرابنَا (١) وفي شرابنا، ويقال: ليسَ [في] (٢) شيءٍ من الطيورِ [ما] (٣) بَلَغَ غيرُ الذباب (٤). ورأيت عن القاضي أبي بكر بن العربي: الوُلوغ للسِّباع والكلاب كالشُّراب لبني آدم، وقد يُستعمَلُ الشرب للسباع، ولا يستعمل الولوغ في الآدمي (٥) قال: وقال أبو عبيد: الوُلوغ - بضم الواو -: إذا شَرِب، فإن كَثُرَ ذلك فهو بفتح الواو (٦). * * * * الوجه الخامس: [و] (٧) إنَّما كانت اللامُ مفتوحةً في الماضي والمستقبل لحرف الحلق، وهي (٨) الغين، والثلاثيُّ من الأفعال إذا كان صحيحَ العينِ واللامِ غيرَ مضاعفٍ على (فَعَل) - بفتح العين في الماضي -، وكانت العينُ و (٩) اللامُ حرفَ حلق، فإنَّ الأكثرَ فيه (يفعَل) - بفتح العين في

стр. 453

المستقبل - نحوَ: (ذهب: يذهَب)، (ذبح: يذبَح)، وقد يجيء على الأصل (١). وكذلك إذا كان معتلَّ اللام، وكانت العينُ حرفَ حلق، فإنه يكثرُ (٢) (يفعَل) - بفتح العين - نحو: (سعى: يسعَى)، (مَحَى: يمحَى) (٣)، [و (شأَى، يشأَى)] (٤) (٥). وإن (٦) لم تكن العينُ حرفَ حلق، كان مضارعُه (يفعِل) بكسر العين، إن (٧) كانت اللامُ ياءً، [و (يفعُل) بضم العين، إن كانت اللامُ واواً. أمَّا ما كان معتلَّ العينِ، فمضارعُهُ (يفعِل) بكسر العين، إن كانت العينُ ياءً كـ (باع: يبيع)، (٨)، و (يفعُل) بضم العين، إن كانت واواً

стр. 454

كـ (ضاع: يضوع) (١)، ولا يُنظَر إلى كون اللامِ حرفَ حلقٍ هنا (٢). وكذلك إنْ [تضاعفَا كَثُر في مضارعه] (٣) (يفعِل) بكسر العين، إن كان غيرَ مُتَعَدٍّ، و (يفعُل) بضمها، إن كان مُتعدِّيا، فلا نظرَ (٤) هاهنا إلى كونِ اللام حرف الحلق إلا ما شذَّ. * * * * الوجه السادس: قوله ﷺ : "إذَا وَلَغَ [الكلب] (٥) "يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكونَ فيه حذفٌ على أن يكونَ المرادُ: إذا ولغ في الشيء الذي فى الإناء. والثاني: أن لا يكونَ فيه حذفٌ، لأنه إذا وَلَغ في ماءٍ (٦) في الإناء فقد ولغ في الإناء، وكان (٧) الإناءُ ظرفا لولوغه. [و] (٨) أما الروايةُ التي فيها: "إذَا وَلَغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم، فلْيُرِقْه":

стр. 455

فإنْ أُضمِرَ عند قوله ﷺ : "في [الإناء] (١) "على أن يُقدَّر: في شراب إناء أحدكم، أو في مظروف إناء أحدكم، استُغْنِي عن الإضمار في قوله ﷺ : "فلْيُرِقْه". وإن لم يُضمَرْ أولاً، فلا بُدَّ من الإضمار آخراً، وليكن التقدير: فليرقْ شرابَه، أو مظروفَه، أو ما ولغ فيه، أو أشباه ذلك. ويرجِّحُ الثاني بأنا (٢) إذا أضمرنا: فليرق شرابه، أو ما يقاربُ ذلك، كان الضميرُ للإناء، وقولُه: "ثم لْيغسِلْهُ" الضمير فيه للإناء، فتتحدُّ الضمائر ولا تختلفُ، وإذا أضمرنا: إذا ولغ في شراب [إناء] (٣) أحدكم، كان الضميرُ في قوله: "فليرقْهُ" للشراب، والضمير في "ثم ليغسلْهُ" للإناء، فتختلف الضمائرُ مع المجاورة في اللفظ، وغيرُهُ أولى منه (٤). * * * * الوجه السابع (٥): قوله ﷺ : "أُوْلاهُنَّ"، وفي رواية: "أُخْرَاهُنَّ" (٦)، الذي يُفهَم منه:

стр. 456

أنَّ المرادَ بالأولى المبتدأ بها، وبالأُخرى المختتمَ بها، وفيه نزاعٌ: وهو أنَّ (الأخرى) تأنيث (آخَر) بفتح الخاء، وأنَّ ذلك لا يدلُّ إلا على المغايرةِ لا على الانتهاءِ. قال ابنُ مالك رحمه الله تعالى: الفرق بين (آخِرَة) و (أُخْرَى)، أن التي هي أنثى لا تدلُّ على انتهاء، كما لا يدل عليه مُذَكَّرُها، فلذلك تعطف عليهما مثلَهما من صنف واحد، كقولك: عندي رجلٌ وآخرُ وآخرُ، وعندي امرأةٌ وأخرى وأخرى، وليس كذلك (آخِرة)، بل تدلُّ على الانتهاء، كما يدلُّ عليه مذكرها، وكذلك لا تعطفُ عليهما مثلَهما من صنف واحد، فلا يقال: جاء زيدٌ أوَّلٌ، وعمرو آخِر، ورجل آخِرٌ. وقال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمه الله تعالى: لا يقال: العشرُ الأُخَر؛ لأنَّ (الأُخر) جمع (أُخرى)، و (أخرى) تأنيث (آخَر)، ومدلولُهُ وصفٌ لمُغايرٍ لمتقدّمٍ ذكرُه، وإن كان متقدماً في الوجود، وكذلك مؤنَّثُه ومجموعُه، ونُسيت (١) دلالتُه على المتأخِّر في الوجود، حتى صارت نسياً منسياً، فتقول: مررت بزيدِ ورجلٍ آخَر، فلا يفهَمُ من ذلك إلا وصفُه لمغايرٍ لمتقدِّمٍ ذكرُه وهو (زيد)، حتى صار معناه أحدَ الشيئين، ولا يُفهَم من ذلك كونُه متأخراً وجودًا، ومن ثَمَّ لم يقولوا: ربيع الآخَر، ولا جمادى الأُخرى، لعلمهم بانتفاء دلالة ذلك

стр. 457

على مقصودهم؛ لأنَّ المقصودَ التأخر الوجودي، فعدلوا إلى ربيع الآخِر - بكسر الخاء - وإلى جمادى الآخِرة، حتى تحصل الدلالة على مقصودهم في التأخر الوجودي (١). * * * * الوجه الثامن (٢): في الفوائد والمباحث، وفيهِ مسائل: الأولى: استُدلَّ بلفظة: (طَهور) على نجاسة سُؤْرِ الكلب، من حيث إن لفظة (طهور) تُستعمل إما عن حدَثٍ، أو [عن] (٣) خَبَثٍ، ولا حدثَ على الإناء بالضرورة، فيتعيَّنُ (٤) الخبثُ. واعتُرِض على هذا: بمنع الحصر، فإن التيمّم قد أُطلق عليه الطّهور، وليسَ عن حدث ولا خبث، إذ ليسَ يرفع الحدث، فكان لإباحة الاستعمال، وفي الإناء كذلك يمنعُ من استعماله قبلَ غسله، فيُطلَق عليه (طَهور)، كما يطلق على التيمُّم. وأجيبَ عن هذا الاعتراض: بأنَّ التيمَّم من (٥) حدث، ولا يلزم كونُه عن حدث، أنْ يكونَ رافعاً للحدث.

стр. 458

ولِقائِلٍ أنْ يقولَ: لفظة (طهور)؛ إمَّا أن يلازِمَها معنى التطهير، [أو لا] (١): فإنْ لم يلازمْها معنى التطهير، بطلت دَلالتُها على نجاسة الإناء؛ لأنَّها إنَّما تدكُ على ذلك من حيثُ إنَّ معنى التطهير يلازمه ما يطهَّر عنه (٢)، وهو النَّجاسَة. وإنْ لازَمَها معنى التطهيرِ، فمتى كان عن حدثٍ لزمَ أنْ يرفعَ الحدث، وإلا لزم الجمعُ بين التطهيرِ عن الحدث، وبقاءِ الحدث، وهو محالٌ؛ لأنَّا نتكلم على تقدير أنْ يلازمَها معنى التطهير، ومعنى التطهير يقتضي مُطهَّراً، ولا مطهرَ إذا كان (٣) عن الحَدَثِ إلا الحدَثُ، والذي يدفع هذا أحدُ أمرين: الأول: أن تُلتزَم ملازمةُ معنى التطهير لها، ويقال: بأنَّ التيممَ يرفعُ الحدث، وحيمئذٍ يتمُّ الدليلُ؛ لأنَّه إذا ثبت دلالتها على التطهير، ودلالة التطهير على أنَّ ثَمَّ ما يُطهَّر، وانحصر التطهيرُ بين رفع الحدث ورفع الخبث، وبطلَ الأولُ، تعيَّن الثاني. الثاني: أنْ يُقالَ: إنَّه لا يلازمها معنى التطهير، فيتوجَّهُ حينئذٍ منعُ

стр. 459

الحصر، ولا يغني فيهِ الفرقُ بين كونِ التيمم عن الحدث، أو (١) رافعاً للحدث، وأنَّ التيمُّمَ لا يرفع الحدث. واعلمْ أن هذا لا يمنعُ من الاستدلال بلفظة (الطَّهور) على النجاسَة إلا على تقدير القول بأن التيممَ لا يرفع الحدث، وما يُمنعُ على تقدير لا يلزم أن يُمنعَ في نفس الأمر، فمَن يختار أن التيممَ يرفع الحدثَ أمكنه الاستدلالُ بهذه اللفظة على نجاسة الإناء بالولوغ (٢). الثانية: إذا ثبتت دَلالَةُ [لفظة] (٣) (الطَّهور) على نجاسهَ السُّؤر، فالنجاسَة أعمُّ من نجاسة العيق والذات، ومن النَّجاسَة الطارئة على العين الطاهرة، وإذا كانت (٤) أعمَّ، لم تدل على أحد الخاصَّتين، فلا بدَّ من دليل آخر يدل على تعيين حمل النَّجاسَة على نجاسة العين، ويمكن أن يقالَ فيهِ: لو كان التطهيرُ لنجاسه طارئةٍ لزِمَ أحدُ أمرين، إما التخصيص في محلِّ العموم؛ وإما ثبوتُ الحكم بدون علتِه، وكلاهما على، خلاف الأصل.

стр. 460

بيانُه: أنَّا إذا فرضنا تطهيرَ فمِ الكلب، أو ولوغ كلبٍ لم يأكل النَّجاسَةَ قبلَ الولوغ (١)، كجَرْو صغير، فإما أنْ يُقالَ: لا يلزم غسلُ الإناء، فيلزم التخصيصُ؛ لأنَّ لفظَ الكلب عامٌّ، وإما أنْ يُقالَ: إنه يلزم أن يُغسلَ منه، فيلزم ثبوتُ الحكم بدون علته؛ لأنَّا نتكلم على تقدير عدم تنجيسه باستعمال النَّجاسة، ولا سببَ حينَئذِ للغسل إلا التنجيسُ، وقد انتفى، وقد يقالُ على هذا: الحكمُ مبنيٌ على الغالب من استعمالِ الكلاب النَّجاسةَ واطِّراح النادر. الثالثة: ليسَ يدلُّ على نجاسة ذاتِ الكلب كلِّه بنفسه بعد تقدير نجاسة سُؤرر بذاته، بل لا [بدَّ] (٢) من واسطة، وفيها طريقتان (٣): إحداهما: أنْ يُقالَ: لعابُه نجسٌ للأمر بغسلِ الإناء منه، ففمُهُ نجسٌ؛ لأنَّ اللعابَ متحلِّبٌ منه، وجزءٌ منه، ويلزم من نجاسة عينِ فمه نجاسةُ كلِّه. الثانية: أنْ يُقالَ: لعابُه عَرَقُ فمه، وهو نجسٌ، فعرقُه كلُّه نجسٌ (٤)؛ فكلُّه نجسٌ؛ لأنَّ العرقَ متحلَّبٌ من جملة البدن، وخارجٌ
следующие страницы →