← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أنَّ المرادَ بالأولى المبتدأ بها، وبالأُخرى المختتمَ بها، وفيه نزاعٌ: وهو أنَّ (الأخرى) تأنيث (آخَر) بفتح الخاء، وأنَّ ذلك لا يدلُّ إلا على المغايرةِ لا على الانتهاءِ. قال ابنُ مالك رحمه الله تعالى: الفرق بين (آخِرَة) و (أُخْرَى)، أن التي هي أنثى لا تدلُّ على انتهاء، كما لا يدل عليه مُذَكَّرُها، فلذلك تعطف عليهما مثلَهما من صنف واحد، كقولك: عندي رجلٌ وآخرُ وآخرُ، وعندي امرأةٌ وأخرى وأخرى، وليس كذلك (آخِرة)، بل تدلُّ على الانتهاء، كما يدلُّ عليه مذكرها، وكذلك لا تعطفُ عليهما مثلَهما من صنف واحد، فلا يقال: جاء زيدٌ أوَّلٌ، وعمرو آخِر، ورجل آخِرٌ. وقال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمه الله تعالى: لا يقال: العشرُ الأُخَر؛ لأنَّ (الأُخر) جمع (أُخرى)، و (أخرى) تأنيث (آخَر)، ومدلولُهُ وصفٌ لمُغايرٍ لمتقدّمٍ ذكرُه، وإن كان متقدماً في الوجود، وكذلك مؤنَّثُه ومجموعُه، ونُسيت (١) دلالتُه على المتأخِّر في الوجود، حتى صارت نسياً منسياً، فتقول: مررت بزيدِ ورجلٍ آخَر، فلا يفهَمُ من ذلك إلا وصفُه لمغايرٍ لمتقدِّمٍ ذكرُه وهو (زيد)، حتى صار معناه أحدَ الشيئين، ولا يُفهَم من ذلك كونُه متأخراً وجودًا، ومن ثَمَّ لم يقولوا: ربيع الآخَر، ولا جمادى الأُخرى، لعلمهم بانتفاء دلالة ذلك

стр. 457

على مقصودهم؛ لأنَّ المقصودَ التأخر الوجودي، فعدلوا إلى ربيع الآخِر - بكسر الخاء - وإلى جمادى الآخِرة، حتى تحصل الدلالة على مقصودهم في التأخر الوجودي (١). * * * * الوجه الثامن (٢): في الفوائد والمباحث، وفيهِ مسائل: الأولى: استُدلَّ بلفظة: (طَهور) على نجاسة سُؤْرِ الكلب، من حيث إن لفظة (طهور) تُستعمل إما عن حدَثٍ، أو [عن] (٣) خَبَثٍ، ولا حدثَ على الإناء بالضرورة، فيتعيَّنُ (٤) الخبثُ. واعتُرِض على هذا: بمنع الحصر، فإن التيمّم قد أُطلق عليه الطّهور، وليسَ عن حدث ولا خبث، إذ ليسَ يرفع الحدث، فكان لإباحة الاستعمال، وفي الإناء كذلك يمنعُ من استعماله قبلَ غسله، فيُطلَق عليه (طَهور)، كما يطلق على التيمُّم. وأجيبَ عن هذا الاعتراض: بأنَّ التيمَّم من (٥) حدث، ولا يلزم كونُه عن حدث، أنْ يكونَ رافعاً للحدث.

стр. 458

ولِقائِلٍ أنْ يقولَ: لفظة (طهور)؛ إمَّا أن يلازِمَها معنى التطهير، [أو لا] (١): فإنْ لم يلازمْها معنى التطهير، بطلت دَلالتُها على نجاسة الإناء؛ لأنَّها إنَّما تدكُ على ذلك من حيثُ إنَّ معنى التطهير يلازمه ما يطهَّر عنه (٢)، وهو النَّجاسَة. وإنْ لازَمَها معنى التطهيرِ، فمتى كان عن حدثٍ لزمَ أنْ يرفعَ الحدث، وإلا لزم الجمعُ بين التطهيرِ عن الحدث، وبقاءِ الحدث، وهو محالٌ؛ لأنَّا نتكلم على تقدير أنْ يلازمَها معنى التطهير، ومعنى التطهير يقتضي مُطهَّراً، ولا مطهرَ إذا كان (٣) عن الحَدَثِ إلا الحدَثُ، والذي يدفع هذا أحدُ أمرين: الأول: أن تُلتزَم ملازمةُ معنى التطهير لها، ويقال: بأنَّ التيممَ يرفعُ الحدث، وحيمئذٍ يتمُّ الدليلُ؛ لأنَّه إذا ثبت دلالتها على التطهير، ودلالة التطهير على أنَّ ثَمَّ ما يُطهَّر، وانحصر التطهيرُ بين رفع الحدث ورفع الخبث، وبطلَ الأولُ، تعيَّن الثاني. الثاني: أنْ يُقالَ: إنَّه لا يلازمها معنى التطهير، فيتوجَّهُ حينئذٍ منعُ

стр. 459

الحصر، ولا يغني فيهِ الفرقُ بين كونِ التيمم عن الحدث، أو (١) رافعاً للحدث، وأنَّ التيمُّمَ لا يرفع الحدث. واعلمْ أن هذا لا يمنعُ من الاستدلال بلفظة (الطَّهور) على النجاسَة إلا على تقدير القول بأن التيممَ لا يرفع الحدث، وما يُمنعُ على تقدير لا يلزم أن يُمنعَ في نفس الأمر، فمَن يختار أن التيممَ يرفع الحدثَ أمكنه الاستدلالُ بهذه اللفظة على نجاسة الإناء بالولوغ (٢). الثانية: إذا ثبتت دَلالَةُ [لفظة] (٣) (الطَّهور) على نجاسهَ السُّؤر، فالنجاسَة أعمُّ من نجاسة العيق والذات، ومن النَّجاسَة الطارئة على العين الطاهرة، وإذا كانت (٤) أعمَّ، لم تدل على أحد الخاصَّتين، فلا بدَّ من دليل آخر يدل على تعيين حمل النَّجاسَة على نجاسة العين، ويمكن أن يقالَ فيهِ: لو كان التطهيرُ لنجاسه طارئةٍ لزِمَ أحدُ أمرين، إما التخصيص في محلِّ العموم؛ وإما ثبوتُ الحكم بدون علتِه، وكلاهما على، خلاف الأصل.

стр. 460

بيانُه: أنَّا إذا فرضنا تطهيرَ فمِ الكلب، أو ولوغ كلبٍ لم يأكل النَّجاسَةَ قبلَ الولوغ (١)، كجَرْو صغير، فإما أنْ يُقالَ: لا يلزم غسلُ الإناء، فيلزم التخصيصُ؛ لأنَّ لفظَ الكلب عامٌّ، وإما أنْ يُقالَ: إنه يلزم أن يُغسلَ منه، فيلزم ثبوتُ الحكم بدون علته؛ لأنَّا نتكلم على تقدير عدم تنجيسه باستعمال النَّجاسة، ولا سببَ حينَئذِ للغسل إلا التنجيسُ، وقد انتفى، وقد يقالُ على هذا: الحكمُ مبنيٌ على الغالب من استعمالِ الكلاب النَّجاسةَ واطِّراح النادر. الثالثة: ليسَ يدلُّ على نجاسة ذاتِ الكلب كلِّه بنفسه بعد تقدير نجاسة سُؤرر بذاته، بل لا [بدَّ] (٢) من واسطة، وفيها طريقتان (٣): إحداهما: أنْ يُقالَ: لعابُه نجسٌ للأمر بغسلِ الإناء منه، ففمُهُ نجسٌ؛ لأنَّ اللعابَ متحلِّبٌ منه، وجزءٌ منه، ويلزم من نجاسة عينِ فمه نجاسةُ كلِّه. الثانية: أنْ يُقالَ: لعابُه عَرَقُ فمه، وهو نجسٌ، فعرقُه كلُّه نجسٌ (٤)؛ فكلُّه نجسٌ؛ لأنَّ العرقَ متحلَّبٌ من جملة البدن، وخارجٌ

стр. 461

منه، وهذا بعد ثبوت أنَّ نجاسةَ الفم عينيَّة (١). الرابعة: يدلُّ على أنَّ حكمَ النَّجاسَة يتعدَّى عن محلِّها إلى ما يجاوِرُها بشرط كونِهِ مائعًا؛ لأنَّ الكلبَ إذا ولغ في شيء لم يُبَاشِرْ بلسانه كلَّ ذلك المائعِ، أو قد لا يُباشرُ، فالأمرُ بإراقته على العموم دليل على ما ذكرنا، بل الأمر بغسل الإناء من ولوغه فيهِ مع إمكانِ أن لا يصلَ لسانُه إلى الإناء دليل على ذلك. الخامسة: وإذا دلَّ على ذلك دلَّ على نجاسة المائعات إذا وقعَ في جزء منها نجاسة، وإن عُلِمَ أنَّ ذلك الجزءَ لا يسري إلى جميع ذلك المائع لنجاستها بما يجاورُ ذلك الجزء. السادسة: ثُمَّ يُجعَلُ أصلاً في نجاسة ما يتَّصلُ مع البِلَّة بنجس يُعلَم أنه لا يتحلَّلُ منه شيءٌ، كما لو وطئ برجله المبتلةِ عظماً نَخِراً لا دُهْنِيَّةَ فيه، أو مُتنجساً صلباً كجيرِ (٢) ممزوج بالسِّرْقين (٣) النجس، ورأيت لبعض نُظَّار المالكية منعا في هذه المسألة؛ أعني: نجاسةَ

стр. 462

الطاهر إذا اتصل بنجس لا يتحلل منه شيء، هذا أو معناه، ذَكَرَه في مسألة خلافية. السابعة: [ و] (١) يدلُّ حينئذٍ على نجاسة الإناء الذي يتَّصلُ بالمائع النجس للأمر بغسل الإناء، وهو عامّ فيما يصل إليه لسانُ الكلبِ، وما لا يصلُ إليه. وهذه المسائل تفريع على [دلالة] (٢) لفظة (طهور) على النَّجاسَة. الثامنة: استُدِلَّ به على أنَّ الماءَ القليل ينجسُ بوقوع النَّجاسَة فيهِ وإنْ لم يتغيَّر، بناءً على أنَّ الغسل للنجاسة، وولوغُ الكلب فيهِ لا يغيِّره غالباً. [قلت] (٣): و [قد] (٤) يُتمسَّك بالعموم الذي يتناول ما غيَّره، وما لم يغيِّرْهُ. التاسعة: الإناءُ عامّ يدخلُ تحته أحوالُ الإناء؛ لِما كنَّا قد قرَّرنا في عموم الحكم في الأحوال إذا كان التخصيصُ ببعضها يخالفُ

стр. 463

ما دلَّ عليه اللَّفظُ من العموم في الذوات (١)، على خلاف ما يقوله بعضُ المتأخرين. العاشرة: فعلى هذا يدخل فيهِ الإناءُ الذِي فيهِ الطَّعام للعموم، ولمالكٍ - رحمه الله تعالى - قولٌ: إنَّه لا يغسل إلا إناء الماء دونَ إناء الطعام، قال في "المُدَونَةِ": إن كان يغسل سَبعًا للحديث، ففي الماء وحدَه (٢). وقد وجَّهَ ذلك بأمرين: أحَدُهُما: مبنيٌّ على تخصيص العامِّ بالعُرف، والعُرْفُ أنَّ الطعامَ محفوظٌ عنْ الكلابِ مصونٌ عنها لعزَّتهِ عندَ العرب، فلا يكاد الكلبُ يصلُ إلا إلى آنية الماء، فيقيَّدُ اللَّفظُ بذلك. الثاني: أنَّ في الحديث: "فليُرِقْهُ، وَلْيَغْسِلهُ سَبع مَرَّاتٍ"، والطعام لا يجوز إراقتُهُ لحرمته، ولنهيهِ ﷺ عن إضاعة المال (٣). وَيجيء على البحث المُتأخِّرِ وجهٌ ثالثٌ، وهو أنْ يُقالَ: هو عامٌّ

стр. 464

في الأواني، مُطلَقٌ في أحوالها، عمِلْنا (١) به فيما إذا كان فيها الماء، والمُطلَقُ إذا عُمِلَ به مَرَّة [كفَى] (٢) في تَأَدّي الواجبِ، فلا يبقَى حجة في إناء الطعام. فامَّا الوجهُ الأوَّلُ: فمبنيٌّ على تخصيص العموم بالعُرْف، وفيهِ منع في الأصول، والراجحُ عندَ كثيرٍ من الأصوليّين خلافُه (٣). وأمَّا الثَّاني: فضعيفٌ؛ لأنَّ عمومَ الأمر بالإراقة يقتضي إراقةَ الطعام أيضاً، وتحريمُ إراقتِهِ ممنوعٌ بعد دَلالَة العمومِ على الأمر بها، وماليَّتُهُ أيضاً يمنعها القائلُ بتنجيسِهِ بعد الولوغِ فيه، وأمَّا الاستدلالُ بالنهي عن إضاعة المال، فنتكلَّمُ عليه عقيبَ (٤) هذه المسألة. وأمَّا الوجهُ المُتَأخِّر: فمتأخِّر؛ لِما بيَّنا أنَّا لو خصَّصناه ببعض أحواله لكان الخارجُ عن تلك الحال (٥) مخصوصاً عن العموم مع دَلالَة العموم على تناوله، ووجوبِ المحافظة (٦) عليها.

стр. 465

الحادية عشرة: نهيُه ﷺ عن إضاعةِ المال خاصٌّ بالمال، عامٌّ بالنسبة إلى ما يَلغُ فيهِ الكلب، وما لمْ يَلغْ فيه، وأمره ﷺ بإراقة ما ولغ فيهِ [الكلب] (١) خاصّ بالنسبة إلى ما يَلغُ فيه، عامٌّ بالنسبة إلى المال وغير المال، فكلُّ واحدِ منهما عامٌّ من وجه، خاصٌّ من وجه، فلئن (٢) قال أحد الخصمين: أخصُّ عمومَ الأمر بإراقة ما ولغ فيهِ الكلبُ بالماء؛ عملًا بنهيهِ ﷺ عن إضاعة المال، قال خصمُهُ: أخصُّ نهيَهُ ﷺ عن إضاعة المال بما [لمْ] (٣) يَلَغْ فيهِ الكلبُ؛ عملاً بقوله: "إذَا وَلغَ الكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيُرِقْهُ"، فإذا تقابلا، فلا بُدَّ من التَّرجيح، وقد يُرجَّحُ العملُ بهذا الحديث لوجهين: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: النهيُ عن إضاعة المال عامٌّ مخصوصٌ بالاتِّفاق، فإنَّهُ يخرج عنه المائعاتُ الَّتِي تغلو قيمتُها وتكثُرُ بعد وقوعِ قطرةٍ من البول فيها، والعمومُ في هذا الحديث غيرُ مخصوصٌ بالإجماع؛ أعني: [أنه] (٤) لمْ يُجْمَعْ على تخصيصه، فإنَّ القائلَ بالنَّجاسَة يعمُّ به كلَّ ما يُولَغُ فيه، والعملُ بالعموم الَّذِي لمْ يُجمع على تخصيصه أَولَى من العموم الَّذِي أُجمعَ على تخصيصه، فإن قال: لا أسلِّمُ أنَّ المائعَ الَّذِي وقعت فيهِ قطرةُ البول مالٌ (٥) بعد وقوعها فيه،

стр. 466

قال خصمُه: لا أسلِّم أنَّ الطعام مال (١) بعد ولوغ الكلب فيهِ. الوجهُ الثاني: أن يقال: مقصود ذلك الحديث النهى عن التبذير وإضاعة المال من غير عوض صحيح، والمقصود من هذا الحديث، إما الإبعاد، وإما التنزه عما لحقه سؤر الكلب؛ لنجاسته أو لقذارته، وهذا المقصود أخص بالنسبة إلى ما يقع فيه الولوغ من ذلك المقصود؛ أعنى: النهى عن إضاعة المال، وقد ظهر اعتباره فى بعض ما يقع فيه الولوغ، فالعموم بالنسبة إلى هذا المقصود أمسُّ من العموم بالنسبة إلى ذلك إذا اعتبرنا المقاصد. الثانية عشرة: لفظُ (الإناء) لما كان عامًّا دخل تحته إناء الفَخَّار غير المترشح (٢) مما يتشرب الماء أو غيره، ويغوص فيه، وقد حكم بطهارته بالغسل، فقد يجعل أصلا لمسألة اختلف فيها، وهي أن الفخار إذا اتصل به نجس غواصُّ (٣) كالخمر، هل يطهر بالغسل؛ وكذلك ما يناسبه مثل الزيتون يُمَلح بماء [نجس] (٤)، والقمح يُنقع بماء نجس، وهذا البحث بناء على نجاسة الماء فيستمرُّ (٥) من غير

стр. 467

اعتراض؛ لأنَّهُ حينئذٍ لا فرقَ بين أنْ يلغَ في الماء الَّذِي في الإناء، أو يُؤخَذَ الماءُ الَّذِي في الإناء بعد ولوغه، ويُجعلَ في إناء فخَّار. الثالثة عشرة: الطَّحاوِيُّ - رحمه الله تعالى - لمَّا تكلَّم في مسألة نزحِ ماءِ البئرِ قال: فإنْ قال قائل: فأنتم قد جعلتم ماءَ البئر نجساً بوقوع النَّجاسَة فيها، وكان (١) يقتضي ذلك أنْ لا تطهُرَ البئرُ أبداً؛ لأنَّ حيطانَها قد تشرَّبت ذلك الماءَ النجسَ واستَكَنَّ فيها، فكان ينبغي (٢) أن تُطمَّ. قيل [له] (٣): [ألم] (٤) ترَ العاداتِ جرت على هذا؟ [و] (٥) قد فعلَ عبدُ الله بن الزُّبير ما ذكرنا في ماء زمزم (٦)، ورآه أصحابُ رسول الله ﷺ فلمْ ينكروا ذلك عليه، ولا أنكرَهُ مَن بعدَهم، ولا رأى أحدٌ منهم طمَّها، وقد أمرَ رسولُ الله ﷺ في الإناء الَّذِي قد نَجَس من ولوغ الكلب فيهِ أن يُغسَلَ، ولم يأمرْ أنْ يكسرَ (٧)، وقد تشرَّب من الماء

стр. 468

النجس، فكما (١) لمْ يأمرْ بكسر الإناء في ذلك، فكذلك لا يُؤمَرُ بطمِّ تلك البئر، فهذه فائدة استنتجتُها من هذا الحديث (٢). الرابعة عشرة: الظاهريُّ لا يرَى بالغسل إذا وقع اللعابُ في الإناء من غير ولوغ (٣)، وهذا زيادةٌ في التَّعبُّد على ما في الغسل عندَ الولوغ من التعبُّد، فإنَّ (٤) الأمر بالغسل لأجل اتّصال اللعاب بالماء، لا لمعنى يقال على غير اللعاب، فيكونُ (٥) وقوعُ اللُّعابِ فيهِ من غير ولوغ مساوياً للولوغ، من غير أن ينافيَهِ التعبدُ بالغسل لأجل اتصال اللعاب به، وإذا كان التعبد قليلاً في الأحكام بالنسبة إلى ما عُقِلَ معناه، كان القول به على خلاف الغالبِ والأصلِ، ويكون هذا زيادةً في مخالفة الأصل، ومالكٌ - رحمه الله تعالى - لما قام عنده الدليلُ على طهارة الكلب، ولم يمكنْ مخالفةُ الأمر بالغسل، لزم الجمعُ بالقول بالتعبُّد، فالموجبُ لذلك هو قيامُ الدليل المانع من القول بالنَّجاسَة عنده، والله أعلم. الخامسة عشرة: هاهُنا مرتبةٌ دون الَّتِي قبلَها، وهو أن يأكلَ الكلبُ من طعام الإناء مع بِلَّتِهِ المتصلةِ بالإناء.

стр. 469

السادسة عشرة: وهاهُنا [مرتبة] (١) أيضاً دون [مرتبةِ] (٢) الَّتِي قبلها، وهو أن يقعَ الكلبُ كلُّهُ في الإناء. السابعة عشرة: لو أدخل جزءاً من أجزائه كاليد والرجل وغيرِهما، فالتعبُّد يقتضي عدمَ إجراء [هذا] (٣) الحكم في هذه المسائل، ويقتضي (٤) القولُ بالنَّجاسَة إجراءَها (٥) فيها، وهو الَّذِي ذكره المُزَنيُّ في "المختصر"، قال: وما مسَّ الكلبُ والخنزير من أبدانهما نجسٌ، وإن لمْ يكنْ فيهما قذرٌ (٦). وربَّما ادُّعِيت الأولويَّةُ في هذا، ووُجِّه ذلك: بأنَّ فمَهُ أنظفُ من غيره، فإذا وردَ التغليظُ فيهِ، فغيرُهُ أَولَى. ولبعض أصحاب الشَّافِعي - رحمه الله تعالى - وجه: أنَّ غيرَ اللعاب كسائر النجاسات (٧)، والأولويةُ المذكورةُ قد تُمْنَعُ؛ لأنَّ فمهُ محل استعمال النَّجاسات أكلاً. الثامنة عشرة: ادَّعَى بعضُ مَن يُعمِّم الحكمَ في سائر أعضائه

стр. 470

الأولويَّةَ في الحكم فيها، وذكر وجهين: أحدهما: أنه لما نَصَّ على الولوغ، وهو أصونُ أعضاءِ الكلب، كان وجوبُ الغسل بما ليسَ بمصونٍ منها أَولَى. والثاني: أنَّ ولوغَهُ يكثُر، وإدخالُ غير ذلك من أعضائه يَقِلُّ، فلما علَّق وجوبَ الغسل بما يكثُرُ، كان وجوبُهُ بما يقلُّ أَولَى؛ لأنَّ النَّجاسَة إذا عمَ وجودُها خَفَّ حكمُهَا، وإذا قلَّ وجودُها تغلَّظ (١) حكمُها (٢). وهذا إن كان مَبنياً على القول بالقياس، وفَرعاً له، فلا يصلُحُ ردًّا على داودَ مُنكِرِ القياسِ، بل طريقُه إثباتُهُ عليه، ثمَّ ادِّعَاءُ أولويتِهِ، وإن كان ذلك بنَاء على ما في نفس الأمر، سواءٌ قلنا بالقياس، أم لا، فهذا إنَّما يكونُ فيما يقوَى فيهِ الإلحاقُ، كالضرب مع التأفيف، مع القول بأنَّ ذلك ليسَ بقياس. التاسعة عشرة: لا بُدَّ من التَّخصيص في الأواني عند مَن يرَى أنَّ الغسلَ للنجاسة، ويرَى أنَّ القليلَ من الماء ينجُسُ بوقوع النَّجاسَة فيه، فحينئذٍ يَخصُّ ذلك بالماء القليل، ويُخرِج عنه الماءَ الكثير. والشَّافِعيُّ ﵁ لمَّا حدَّد (٣) الكثيرَ بالقُلَّتين يُخرِجُ الإناء الَّذِي

стр. 471

[يكون] (١) فيهِ قُلَّتان من العموم. العشرون: لمَّا تَعلَّقَ الحكمُ بالإناء، فمَن قال بالتعبد يُخرِجُ عنهُ كلَّ ما لا يُسَمَّى إناءً، كبقعةٍ من الأرض، ويدِ الإنسان (٢) مثلاً. الحادية والعشرون: ومن قال بالتعبُّد لا يُعدِّي الحكمَ أيضاً إلى ما (٣) لا يُسَمَّى ولوغًا، كما إذا مسَّ اللعابُ ثوباً أو جسداً أو متاعاً، أو عضَّ صيداً، أو وَطِئَ برطوبة يديهِ أرضًا أو بِسَاطاً أو ثوبا [يابساً] (٤) (٥). الثانية والعشرون: هذه الإضافةُ الَّتِي في (أحدِكُمْ)، والضميرُ الَّذِي في (أن يغسلَهُ)، مُلغَى الاعتبارِ بخصوصِهِ في هذا الحكم؛ لأنَّ الطهارةَ لا تتوقَّفُ على ملكه الإناء المُطَهَّر، ولا على أن يكونَ هو الغاسل. الثالثة والعشرون: في مرتبةٍ دون هذه، وهو ما إذا صبَّ المطر على الإناء [مثلاً] (٦)، و (٧) تركُهُ من غير قصدِ قاصدٍ، والمعنى فيهِ

стр. 472

كالَّذِي قبلَه، لكنَّ (١) مرتبتَهُ دونَ ما قبلَه؛ لأنَّ (٢) ذاك فيهِ إلغاءُ خصوصِ الفاعل، [وهذا فيهِ إلغاءُ أصل الفاعل] (٣)، والله أعلم. الرابعة والعشرون: الألفُ واللامُ تكون للجنس، وتكون للعهد، وتكون لتعريف الماهيَّةِ، وقد دخلت على لفظة (٤) (الكلب)، فيجب النظرُ في أنَّها من أيِّ هذه الأقسام [هي] (٥)؛ ليترتَّبَ عليه غيرُه من المسائل. فأمَّا العهدُ: فسيأتي الكلامُ على مَن ادَّعى حملَ بعضِ المسائل على كون الألف واللام للعهد. وأما تعريفُ الحقيقة: فإنَّهُ يلزم مِنهُ ترتُّبُ الحكم على ولوغ كلِّ كلب، فإنَّهُ يصير الحكم مرتباً على ولوغ ما وُجِدَت فيهِ هذه الحقيقة، [وكلّ كلبٍ وَلَغ فقد وُجِدَت فيهِ هذهِ الحقيقة] (٦) ضرورةَ وجودِ (٧) المُطلَق في المُقَيَّد، فيَثبت وجوبُ الغسل بالنسبة إلى كلِّ كلب والغ، ثمَّ بعدَ ذلك بحثان دقيقان يجب أنَ ينظرَ فيهما لا يختصَّان بهذا

стр. 473

الموضع [فقط] (١): أحَدُهُما: حملُ الألف واللام على الجنس الاستغراقي (٢)، والنظر في دَلالته حينَئذٍ على ثبوت الحكم في كلِّ فرد، أو على تَوَقُّفِهِ على المجموع بحسب اختلاف المجال. والثاني: الفرقُ بين هذا العمومِ الَّذِي جاء من حملِها على تعريف الحقيقة، والعمومِ الَّذِي يأتي من حملها على الجنس الاستغراقي إذا كان دالاً على ثبوت الحكم في كلّ فرد، فتأمَّله. الخامسة والعشرون: خصَّصَ بعضُ المالكيَّةِ الحكم (٣) بالكلب المنهيّ عن اتخاذِهِ دونَ المأذونِ فيه، وأشار بعضُهم إلى أنَّ هذا التخصيصَ مبنى على حمل الألف واللام على العهد (٤) (٥)، وهذا (٦) التخصيصُ خلافُ العموم، وحملُهُ على العهد يحتاج إلى أمرين: أحَدُهُما: أنْ يثبتَ تقدُّمُ النهي عن اتخاذ الكلاب على هذا الأمر بالغسل من ولوغها. والثاني: أنَّه - وإنْ تقدَّمَ - فلا بُدَّ من قرينة تُرشدُ إلى أنَّ المُرادَ

стр. 474

هذا المنهيُّ عن اتخاذه، ولا يكفي مجرَّد تقدّمِ النهي، ولعلَّه أن يأخذَهُ من مناسبة هذا الحكم والكُلفةِ فيهِ لتقدّم (١) مخالفة ومعصية، فينصرفُ إلى ما نهي عن اتخاذه، ولم يُنْتَهَ عنه، وإذا لمْ تَقُمْ قرينة على إرادة ما تقدَّمَ النهيُ عنه، فهذه المناسبةُ - الَّتِي ذكرتُ - عِلَّةٌ استُنْبِطَت من اللَّفظ تعودُ عليه بالتخصيص، وفيهِ ما عُرِفَ في الأصول [من الخلاف في الصحة، واختيارِهم عدمَ الصحة في كثير من المسائل] (٢). السادسة والعشرون: إذا ولغ كلبٌ واحدٌ (٣) في إناء مرَّتين فأكثر، فَهلْ يُغسَلُ لكلِّ مَرَّة سبعًا، أم تكفي غسلَة (٤) واحدةٌ للمرَّتين؟ فيهِ اختلافٌ عن أصحاب الشَّافِعي رحمة الله عليه، فالمنقولُ عن أبي سعيد الإصْطَخْرِيِّ منهم: أنَّهُ يُغسَلُ لكلِّ ولوغ سبعاً، وتنفرِدُ كلُّ واحدة (٥) باستحقاق السبع لها، فإنْ ولغ مرَّتين غُسِلَ أربعَ عشرةَ مَرَّة، وإن وَلغ عشراً غسل سبعين مَرَّة، والمنقول عن أبي العبَّاس ابنِ سُرَيج، وأبي إسحاق المَرْوَزي، وأبي علي ابن أبي هريرة: أنه يُغسَلُ

стр. 475

من جميع ولوغه سبعاً (١). السابعة والعشرون: إذا ولغ جماعةُ كلاب في إناء، فَهلْ يغسل لكل سبعاً (٢)، أو للجميع؟ فيهِ اختلافٌ عند الشَّافِعية والمالكية، وجمع الماوَرْدِيُّ [بين] (٣) هاتين المسألتين (٤) فحكَى فيهما ثلاثةَ أوجه (٥): الثالث - وهو قول بعض المُتأخِّرين -: أنَّهُ إذا (٦) كان تكراراً لولوغٍ مِن كلبٍ واحد اكتُفِيَ فِيهِ بسبع، وإن كان من كلابٍ وجب أن يُفرَدَ ولوغُ كلِّ كلب بسبع. قال: ولا أعرف بينهما فرقاً، والأَصَحُّ هو الوجهُ الثاني (٧)، والله أعلم (٨)؛ يريد الَّذِي حكيناه عن أبي العبَّاس بن سُرَيج ومن معه. قُلْتُ: علَّلَ الماورديُّ ذلك الوجهَ بأنَّ الأحداثَ لَمَّا تداخلَ

стр. 476

بعضُها في بعض، كان تداخلُ الولوغ اعتباراً له بسائر الأنجاس أَولَى بالتداخل، فهذا يرجعُ إلى التعليل بأمر خارج عن اللَّفظِ الَّذِي ورد في هذا الحديث، ويعود إلى القياس. وأمَّا إنْ أردنا أنْ نرَدَّ المسألتين إلى لفظ [هذا] (١) الحديث، فقد ذكر بعضُ المالكية بناءَه على ما تقتضيه الألفُ واللامُ، فنقول في بيانه: إنَّا إنْ حملنا الألفَ واللامَ على تعريف الحقيقة، اقتضى ذلك تكرارَ الغسل عند تكرر الولوغ من كلب واحد لوجود الحقيقة في كلِّ مَرَّة، ولا يجبُ على تقدير حملِها على الاستغراق؛ بمعنى: ثبوتُ الحكمِ في كلِّ فرد؛ لأنَّه (٢) لو قيل: إذا ولغ كلُّ كلب، فولغ [كلُّ] (٣) كلبٍ مَرَّة، لمْ يدخلْ [تحتَ] (٤) اللَّفظ - الَّذِي هو (كلّ كلب) - ولوغُهُ مَرَّةً ثانية [من واحد] (٥). وإذا (٦) حملناه على الاستغراق، بمعنى: ثبوت الحكم في (٧) كلِّ فرد، لزم تكررُ الغسلِ عند ولوغ جماعة من الكلاب، ولا يلزم عند تكرُّر الولوغ من واحد.

стр. 477

الثامنة والعشرون: ما تولدَ من كلبٍ (١) وحيوانِ طاهرٍ مُلحَقٌ (٢) بالكلب عند مَن يرَى التعليل بالنَّجاسَة مع ضَميمة [مقدمة] (٣) أُخرَى، وهو تغليبُ المُحرّم على المبيح، ومَن يقول بالتعبُّد أو الظاهِرِ لا يُلحقُهُ به؛ لانتفاء الاسم، والله أعلم. التاسعة والعشرون: هاهُنا مرتبةٌ دونَ الَّتِي قبلَها، وهي أنَّ الحكمَ معلَّقٌ بولوغ الكلب، فَهلْ يُلحَقُ به الخنزيرُ في هذا الحُكم؛ أعني: الغسلَ سبعاً؟ فيهِ اختلافٌ محكيٌ عن مالك والشَّافِعي، رحمة الله عليهما (٤). وبعضُ الشَّافِعية ﵏ لا يثبِتُ القولَ بعدم الإلحاق، ومَن أثبته - أو بعضُ من أثبته - منهم نسبَهُ إلى القديم، وذكر المُزَنِيُّ عن الشَّافِعي - رحمة الله عليهما -: أنَّهُ احتجَّ بأنَّ الخنزير أسوأ حالاً من الكلب (٥)، فقاسه عليه، وقرَّرَ كونَ الخنزير أسوأَ حالاً بوجهين:

стр. 478

أحدُهُما: أنَّ نجاستَهُ بالنَّصّ، والكلبُ نجاستُه (١) بالاستدلال. والثاني: أنَّ تحريمَ الانتفاع بالخنزير عامّ، وبالكلب خاصٌّ (٢). والأول ممنوعٌ؛ أعني: [أن] (٣) نجاسةَ الخنزير بالنص، والذِي استدلَّ به على هذا، قولُهُ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، بناءً على أن المرادَ بلحم الخنزير هو جملةُ الخنزيرِ؛ لأنَ لحمَه قد دخل في عموم الميتة، فكان حمله على الجملة أَولَى من حمله على (٤) التكرار (٥)، فيقال عليه: إنَّ حملَهُ على ما ذكرتَ يلزَمُ مِنهُ مجازُ إطلاقِ لفظِ البعضِ على الكلِّ. واعلم أنَ إلحاقَ الخنزير بالكلب قويٌّ على مذهب مَن يرَى التعليلَ بالإبعاد بناءً على هذين الوجهين؛ لأنَّهما يثبتان زيادةً فيما جعلَ علةً، وهو الإبعاد، فيكون من باب ثبوت الحكم فيما هو أَولَى بالعِلَيَّة، ولا يساوي ذلك إلحاقه على التعليل بالنَّجاسَة؛ لأنَّ زيادةَ الإبعاد ليست قوةً فيما جُعِل عِلَّةً، وإنَّما يُنْقَلُ (٦) إلى ذلك بطريق خارجٍ تتجاذبُهُ النظرُ، والخمرُ مبعد ممنوعٌ مِن اتخاذها، ولم يلزم غسل

стр. 479

الإناء منها سبعاً، وأيضاً فإنَّ مُطلَق النَّجاسَة ليسَ هو العلَّةُ، بل لا بُدَّ من مقدار زائد عليه، وذلك القدرُ (١) بالنسبة إلى الخنزير قد لا يظهر كلَّ الظهور، وأيضا فاعتبارُ العدد المخصوصِ مع ما فيهِ من استعمال التّرابِ بخصوصِهِ، أمَّا حقيقةُ التعبّدِ أو القربُ من التعبّد، فلا يقوَى الإلحاقُ كلَّ القوة على التعليل بالنَّجاسَة. وقد يقال أيضاً - على التعليل بالإبعاد -: إنَّ العلَّةَ إبعادُ ما كانوا يتَّخذونه لما فيهِ من المنافع الَّتِي ليست في الخنزير، فشُددَ عليهم فيهِ، فلا يقاسُ الخنزيرُ به. وأمَّا مَن (٢) ذهب إلى (٣) التعبّد، فعدم إلحاق الخنزير أظهر، ومالك - رحمه الله تعالى - يقول بالتعبُّد، وله قول بإلحاق الخنزير بالكلب، وهذا يلتفت على (٤) ما قدَّمْناه من البحث في مسألة إلحاقِ وقوع الكلب في الإناء بالولوغ فيه، وأنَّ ذلك لا يُنافي التعبُّدَ. الثلاثون: الحكمُ إذا عُلِّقَ بشيءٍ (٥) لمْ يثْبُتْ إلا بحقيقة ذلك الشيء، وتيقُّنِ وجود ما عُلِّقَ الحكمُ عليه، فإنْ وقع شَكٌّ متساوي الطرفين فلا ثبوتَ، كما إذا ولغ حيوانٌ، ولم يتَحَقَّقْ كونُهُ كلباً،

стр. 480

لا يجب غسلُهُ، إلا أن يذهبَ [إليه] (١) مَن يرَى الاحتياطَ عند الشَّكِّ. الحادية والثلاثون: وكذا لو تحقَّقَ كونُهُ كلبًا، ولم يَتَحَقَّقِ الولوغُ، كما لو أدخلَ فمَهُ في الإناء، ثمَّ أخرجه، ولم تقمْ قرينة على ولوغه مثلُ ابتلالِ فمه. الثانية والثلاثون: فإن وقعت قرينةٌ مُغلِّبةٌ للظنِّ بولوغه، فَهلْ تُجعَلُ كالتحقيق، فيترتَّبُ (٢) عليها الحكمُ، أو لا؟ ومثاله: ما إذا أدخل فمه في الإناء، ثمَّ أخرجه مُبتلاً، فقد حكَى القاضي أبو الحسن الماوردي الشَّافِعي وجهين: أحَدُهُما: أنَّهُ نجسٌ؛ لأنَّ رطوبةَ فمه شاهدةٌ على ولوغه، فصار كنجاسةٍ وقعت في ماءٍ كثير، ثمَّ وُجِدَ مُتغيِّراً، ولم يُعلَم هلْ تغيَّر بالنَّجاسَة أو غيرها (٣)؛ حُكِمَ بنجاستِهِ تغليباً لتغيُّرِه بها. والوجه الثاني: [قال:] (٤) وهو الأَصَحُّ: أنَّ الماءَ طاهرٌ؛ لأنَّ طهارتَهُ يقين، ونجاستَهُ شَكٌ، والماء لا يَنجُس بالشكِّ، وليست رطوبةُ فَمِه شاهداً قاطعا لاحتمالِ أن يكونَ من لُعَابه، أو من ولوغه في غيره، وليسَ كالنَّجاسَة الواقعة في الماء؛ لأنَّ لوقوع النَّجاسَة

стр. 481

تأثيراً في الماء (١). فيقال عليه: إنْ أردتَ باليقين ما لا احتمالَ فيه، فلا نسلِّم أنَّ نجاستَهُ في الصورة المذكورة شَكٌّ بل ظاهر، وإنْ [أ] ردتَ ما فيهِ احتمال، فلا نسلِّمُ أنَّهُ لا تَثبتُ النَّجاسَة إلا بيقين لا احتمالَ فيه، بل يكفي فيهِ غلبةُ الظن بالأمارة، [كما في مسألةِ الماءِ المتغيِّرِ بعد وقوع النَّجاسَة فيهِ] (٢). الثالثة والثلاثون: هذا الَّذِي ذكرناه أمرٌ يَتَعَلَّقُ بتحقُّقِ ما عُلِّقَ الحكمُ به، وهو الولوغ، وأنَّ غلبةَ الظنِّ بالولوغ، هلْ تجري مجرى تحقُّقِ الولوغ، أم لا؟ ومن هذا القبيل إخبارُ العَدْلِ عن الولوغ في الإناء، فإنَّهُ يجري مَجرَى اليقين لوجوب قَبول خبرهِ، فيثبتُ الولوغ، فيترتَّبُ الحكم. الرابعة والثلاثون: إذا جعلنا إخبارَ العدل عن ولوغ الكلب في الإناء كتحقُّقِ (٣) الولوغ، فلو كانَ له إناءان، فأخبرَهُ مَن يَسكنُ إلى خبرة أنَّ كلباً ولغ في الأكبر منهما دونَ الأصغر (٤)، وأخبره آخرُ ثقة أنَّ كلباً

стр. 482

ولغ في الأصغر دون الأكبر (١)، قال الشَّافِعيُّ ﵁: كان والغاً فيهما جميعاً؛ لأنَّهُ قد يرَى كلُّ واحد منهما ما غفَلَ عنه الآخرُ، ويلزم من كونه والغًا فيهما وجوبُ الغسل [فيهما] (٢) لاندراجِهِ تحتَ اللَّفظ، والله أعلم (٣). الخامسة والثلاثون: أخبره مَن يثقُ بخبره أنَّ هذا الكلبَ بعينه وقع في إنائه هذا في وقتِ كذا في يومِ كذا، وشَهِدَ عندَهُ عَدْلان أنَّ ذلك الكلبَ بعينه كان في ذلك الزمان ببلدٍ آخر، قال الماوَرْدِيّ: فقد اختلفَ أصحابُنَا في حكم الإناء على وجهين: أحَدُهُما: أنَّهُ طاهر؛ لأنَّ الخبرين [قد] (٤) تعارضا، فسقطا، ووجب الرجوعُ إلى حكم الأصل. والوجه الثاني: أنَّ الماءَ نجس؛ لأنَّ الخبرَ الأولَ موجبٌ للنجاسة، والشهادةُ المعارضةُ له محتملة؛ لأنَ الكلابَ قد تَشْتَبِه (٥). وهذه المسائلُ الَّتِي ذكرناها في تحقُّقِ ولوغ الكلب ترجع إلى

стр. 483

[تحقُّقِ] (١) كونه كلبًا، أو تحققِ كونه والغاً إلى اللفظ، ويرجع [عند] (٢) عدمِ تحقق ذلك إلى دَلالَة المفهوم؛ لأنَّ الحكمَ معلَّقٌ (٣) بولوغ الكلب، وهو تعليق بصفة، فيدلُّ على (٤) انتفاء الحكم عندَ انتفاء تلك الصفة، وانتفاءُ تلك الصفة إمَّا بانتفاء ولوغ ما تحقَّقَ كونُهُ كلباً، أو بانتفاء تحقُّقِ كويهِ كلباً؛ لأنَّهُ إذا انتفَى تحقُّقُ كونِه كلبًا، فقد انتفى ولوغُ ما هو كلب حقيقةً، أو وُجِدَ ما يتَسَاوَى (٥) مع انتفائه (٦) في الحكم وهو عدم التحقُّق، والبحث الَّذِي في هذهِ المسائل، إنَّما هو في تحقُّقِ (٧) الولوغ، وفي تحقُّقِ (٨) كونه كلباً، فإذا تحقَّقَ ذلك بدليلٍ دخلَ تحتَ الاستدلال [بالحديث لفظًا، وإن لمْ يتحقَّقْ دخلَ في الاستدلال به مفهوماً] (٩). السادسة والثلاثون: الغسلُ المأمورُ به يُحمَلُ مطلقُهُ على الغسل

стр. 484

بالماء، كما حُمِلَ (١) مُطلَقُ قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وغيرِه على ذلك، وقد صرَّحَ به بعضُهم هاهُنا، وقال: المعنى: فليغسلْهُ بالماء. السابعة والثلاثون: اختلفوا في هذا الأمر، هلْ هو على الوجوبِ، أم [لا]؟ فظاهرُ الأمر الوجوب، وبه قال الشَّافِعي ﵁ (٢)، وعن مالك ﵁ قولٌ يحمِلُ (٣) على الندب (٤)، ويمكن توجيهُهُ بأنَّ الأمرَ يُصرفُ عن ظاهره إلى الندب بقرينةٍ، أو أمر خارجٍ، فيُجعَلُ (٥) قيامُ الدليل عندَه على طهارة الكلب سبباً لصرفه (٦) عن الظاهر. الثامنة والثلاثون: اختلفوا هلْ هذا الأمر تعبُّدِيٌّ لا يُعقَلُ معناه، أو مُعلَّل؟ والَّذِين (٧) علَّلوا اختلفوا في العلَّة، فقيل: النَّجاسَة، وقد قدَّمْنا أنَّهُ لا ينبغي أنْ يعلَّلَ بمُطلَقِ النَّجاسَة، بل بما هو أخصُّ من ذلك،

стр. 485

و [قد] (١) قيل: العلَّةُ القذارةُ؛ لاستعمالِ (٢) النجاسات، وعلى هذا فالسبعُ تعبُّدٌ؛ لأنَّ القذارةَ لا تقتضي هذا العددَ المخصوص، وهذا هو البحث الَّذِي ذكرناه فيما تقدَّمَ في الاستدلال على نجاسة عينه، وقيل: علَّتُهُ أنَّهم نُهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا، فغُلِّظ عليهم بذلك، ومنهم من ذهب إلى أنَّ ذلك معلَّلٌ بما يتَّقَى منْ أنْ يكونَ الكلبُ كَلِباً (٣)، وذكر أنَّ هذا العددَ - السبعَ - قد جاء في مواضعَ من الشرع على جهة الطبِّ والتداوي، كما قال: "مَنْ تصبَّح كلَّ يومٍ بسَبع تَمَرَاتٍ من عَجْوَةِ المدينةِ لمْ يضرَّه ذلك اليومَ سُمٌّ [ولا سِحْرٌ] " (٤) (٥)، وكقوله ﷺ في مرضِهِ: "أهْرِيقُوا عليَّ مِنْ سَبع قِرَبٍ لمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ" (٦)، ومثلُ هذا [كثيرٌ] (٧). وأُورِدَ على هذا أنَّ الكلبَ الكَلِبَ لا يقرَبُ الماء، وانفصل بعضُ

стр. 486

العارفين بالطب عن ذلك بأنَّ ذلك لا يكون إلا في حالةِ تَمكُنِ [ذلك] (١) الداء، وأما في مبادئه فيقرَبُ الماء ويشربُهُ، انتهى محصول ما ذكروا (٢) (٣). أمَّا (٤) القولُ بالتعبُّد، فيَرِدُ عليه ندرتُهُ بالنسبة إلى معقوليَّةِ المعنى، والأمرُ بالغسل إبعادٌ للمغسول قبلَ الغسل، فيقتضي ظاهرُهُ تنجيسَهُ، وقد استدلُّوا على نجاسة المَذْيِ بالأمر بغسله، وعلى نجاسة المني بذلك أيضاً عند مَن يقولُ بنجاسته. والمالكيةُ استدلوا على كونه تعبُّدًا بأمرين: أحدُهُما: دخولُ عددِ السبعِ فيهِ، ولو كان للنجاسة اكتُفِيَ فيهِ بمرَّةٍ واحدة. والثاني: جوازُ أكلِ ما صادَهُ الكلبُ من غيرِ غسل. وزاد بعضُهُم وجهاً ثالثاً: وهو دخول التراب، وقال: غسلُ النَّجاسَة لا مَدخلَ للتراب فيه (٥).

стр. 487

فأما دخولُ عدد السبع، فالاستدلالُ به على التعبُّد (١) ينبني على قاعدة سنذكرها عقيبَ هذه المسألة، إن شاء الله تعالى. وقوله: لو كان للنجاسة لَاكتُفِيَ فيهِ بمرة، يمنعه الخصْم، ويُحيلُ زيادةَ العدد على زيادة الغِلَظ (٢) في نجاسة الكلب. وأمَّا وجهُ دخولِ التراب [فيه] (٣): فيتعذَّرُ عليه الاستدلالُ به، مع كونه لا يقول به، فكيف يكون منشأُ القول بالمذهب أمراً لا يقولُهُ صاحبُ المذهب؟! وأما بقيَّةُ المعاني: فمَن علَّل أنَّهم (٤) نُهوا فلم ينتهوا، فغُلِّظ عليهم بذلك، فلا بُدَّ [له] (٥) من إثبات هذا، وأنَّ النهيَ تقدَّمَ، ولم (٦) يقع الانتهاء، وأمرَ بالغسل ليفيد (٧) التغليظ، وهذا بعيدُ الثبوت، ولا يُكتَفَى في إثبات الأمور الَّتِي يُدَّعَى وقوعُها في الماضي بالمناسبة؛ لأنَّ طريقَ ذلك إنَّما هو النقل.

стр. 488

وأما أمر التداوي، فهو معنى مُزاحِم للتعليل به، وما استشهدَ به من أمرِ السبعِ في التَّداوي فقرينةٌ تمسَّك بها، وليست بالقوية. والصوابُ - إن شاء الله تعالى - إجراءُ اللَّفظِ على العموم، وعدمُ تخصيصِهِ بالمعاني الَّتِي ليسَ فيها إلا المناسبة، [و] (١) لا سيَّما إن كانت المناسبة ليست قويةَ المرتبة (٢)، وما كان في معنَى [المعنى] (٣) المنصوصِ [عليه] (٤) قطعاً - أو بظن غالبٍ - قويَ الإلحاقُ به، لا بمجرَّد المناسبة المُزاحمَةِ (٥) بغيرها. التاسعة والثلاثون: الحكم إذا عُلِّقَ بشيءٍ معيَّنٍ على أقسامٍ، منها ما لا يُعقَل معناه في أصلِهِ وتفصيلِهِ، ومنها ما يُعقل فيهما (٦)، ومنها ما يُعقَل معناه في أصله، ويتعلَّقُ الأمرُ بشيء من تفصيله لمْ تتحقَّقْ فيهِ التَّعبّديةُ ولا عدمُها. فأمَّا ما عُقِلَ المعنى فيهِ مطلقاً: فيتبع ويُقَاس على المنصوص عليه ما هو في معناه عند (٧) القائلين بالقياس إلا لمعارض، وهذا مثلُ

стр. 489

تعيين الأحجار في الاستجمار؛ فإنَّهُ فُهِمَ مِنهُ أنَّ المقصودَ إزالةُ النَّجاسَة جزما، فلم يقتصروا فيهِ على الأحجار، وعَدُّوهُ إلى (١) ما في معناها (٢) بالنسبة إلى الإزالة من الخَزَف والخِرَق. وأمَّا ما لمْ يُعقَل فيهِ المعنى أصلاً وتفصيلاً: فيُمثَّلُ بالحكم المعلَّقِ بالأحجار في رمي الجمار على ما هو المشهورُ من أنَّ ذلك تعبُّدٌ لا يعقَلُ معناه، فلم يُعدُّوه إلى غيره، واقتصروا على ما يُسَمَّى حجراً؛ لأنَّ شرطَ القياس معقوليةُ المعنى، وتعيينُ العِلِّة لتعدي (٣) الحكم بسببها إلى ما وُجِدَت فيه. وأمَّا ما عُقِل أصلُ معناه، وورد [أمرٌ في] (٤) تفصيلِهِ: فيمثَّلُ بإزالة النَّجاسَة بالماء؛ فإنهُ عُيِّنَ الماءُ فيها على مُقتضَى ما رَووه من الحديث، وأصلُ (٥) المعنى معقولٌ جزماً، و [هو] (٦) طلب إزالة النَّجاسَة، لكنْ تعلَّقَ الأمرُ بالماء (٧)، فَهلْ يقال: الأصلُ اتِّباع اللفظ وما عُلِّق به الحكمُ إلى أنْ يتبيَّنَ أنَّ التعيينَ لِمَا عُيّن غيرُ مُراد، أو يقال: لمَّا

стр. 490

فهمنا (١) أصلَ المعنى لمْ يخرج عنه، حتى يتبيَّن التَّعبُّد؟ هذا محلُّ نظرٍ، والَّذِي نحن فيهِ من هذا القَبيل، فإنَّ السبع، إن لمْ يظهرْ فيها بعينها معنى، فقد ظهر عند القائلين بالتنجيس أصلُ المعنى، وهو [إزالة] (٢) النَّجاسَة، فإذا قالوا بالتَّعبُّد في هذا التفصيل؛ أعني: في السبع، لمْ يلزم مِنهُ اطِّراحُ أصل المعنى الَّذِي ثبت عندهم، وأصلُ هذا: أنَّ القولَ بالتَّعبُّد على خلاف الغالب، فيكون على خلاف الأصل، فيُقتَصَرُ فيهِ على محل النَّصِّ؛ لأنَّ ما كان على خلاف الأصل يتقيَّدُ (٣) بقدر الضرورة (٤). الأربعون: هلْ يجبُ هذا الغسل على الفور، أو عند إرادة الاستعمال؟ مَن قَصَرَ الأمرَ على التَّعبُّد، فيناسبُهُ إيجابُهُ على الفور، وفي كلام بعض المَالِكيَّةِ بناءُ ذلك على أنَّ الأمرَ المُطلَقَ، هلْ يقتضي الفورَ؟

стр. 491

وأنَّهُ إذا لمْ يقلْ بذلك جاز التأخير، هذا معنى قوله (١). وهو مُعترَض؛ لأنَّهُ إذا لمْ يقلْ بأنَّ الأمر المُطلَق على الفور، لمْ يلزم مِنهُ انقطاعَ دَلالَةِ هذا الأمر على الفور من حيثُ إنَّهُ أمرٌ مطلق، وقد يدلُّ عليه من غير هذا الوجه، وهو (٢) التعقيب الَّذِي تدل عليه الفاء، [والظرفية الَّتِي تدل عليها "إذا"، مع أن العاملَ فيها الفعلُ الَّذِي بعدها [في لفظ بعض الروايات] (٣)، فيقتضي الأمرُ بالغسل المذكور عند الولوغ، فيخرج عنه ما لا يمكن اعتبارُه، وهو حالة الولوغ تحقيقاً، ويبقى فيما عداه بحسب الإمكان، والمشهور من مذهب المَالِكيَّة: أنه لا يؤمر إلا عند قصد الاستعمال، وأمَّا من قال بالتنجيس، فالأمر ظاهر [في ذلك] (٤). الحادية والأربعون: في غسلِهِ بالماء المولوغ فيهِ خلافٌ عند المَالِكيَّة، ذكَرَه (٥) بعضُ مُتأخِّريهم، وهو قَريبٌ على القول بالتَّعبُّد، مُحالٌ على القول بالنَّجاسَة؛ أعني: نجاسةَ الماء (٦).

стр. 492

الثانية والأربعون: الضميرُ في قوله ﷺ : "يغسلُهُ سبعاً" (١) عائدٌ إلى الإناء؛ أعني: ضميرَ المفعول، والإناءُ حقيقةٌ في جملتِهِ، وقد لا يقعُ الولوغُ فيما يعمُّ الإناءَ، بلْ يَختصُّ بما يلاقي بعضَ الإناء، فَهلْ يُقال: إنَّما يَغسِلُ ما لاقَى الشيءَ الَّذِي حصل فيهِ الولوغُ، أو يقال: يغسل جميعَ الإناء؟ أمَّا مَن قال: إنَّ الغسلَ للنجاسة أو القذارة، فلا شَكَّ أنه لا يقول إلا بالغسل (٢) فيما لاقاه الولوغُ، وأمَّا مَن قال بالتَّعبُّد، فيلزمُهُ أنْ يقولَ بغسل جميع الإناء، ما لاقَى الولوغ وما لمْ يلقه (٣)، عملًا بحقيقة لفظة (٤) (الإناء)، فإنْ استكرَهْتَ هذا فتَأْنَسُ بما قالَهُ المغاربةُ من المَالِكيَّة: إنَّهُ يغسلُ جميعَ الذكر من المذي عملًا بحقيقة لفظة (٥) (الذكر)، وانطلاقِها (٦) على الجملةِ (٧)، هذا مع كون المعنى معقولاً قطعاً في غسل ما لاقى المذي، وأنَّهُ للنجاسة، وإنْ لمْ يقلْ هذا

стр. 493

الذاهب إلى التَّعبُّد بغسل الإناء كلِّه، واقتصر على الغسل فيما يلاقي، [عكَّر] (١) عليه في هذا (٢) القولُ بالتَّعبُّد، وذلك بأنْ يُقالَ: لو كان تعبُّدًا لما اختصَّ بمحلِّ الولوغ، لكنْ يختصُّ، فليسَ بتعبُّد، وحينَئذٍ يحتاج إلى الجواب عن هذا، وهذا الكلامُ يجري في غسل ظاهر الإناء. الثالثة والأربعون: يُؤخَذُ مِنهُ الأمرُ بالعدد المخصوص، وهو السَّبع، وذلك يقتضي أنْ لا يقعَ الامتثالُ بما دونَها، والحنفيَّةُ يخالفون فيهِ، ولا يقولون بتعيينِ السبع، ويقال من جهتهم في الاعتذار عن هذا الحديث [وجوه] (٣): الأول: مخالفةُ [حديث] (٤) أبي هُرَيرَةَ في فتواه، ذكرَ الطحاويُّ ﵀ في "شرح الآثار" عن أبي نعيم، ثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هُرَيرَةَ في الإناء يلغ فيهِ الكلب أو الهرة (٥)، قال: يُغسَلُ ثلاثَ مرات (٦). قال الطحاوي: فلما كان أبو هُرَيرَةَ قد رأى أنَّ الثلاثةَ تطهِّرُ الإناءَ

стр. 494

من ولوغ الكلب فيه، وقد رَوَى عن النَّبِي ﷺ ما ذكرنا، ثبت بذلك نسخُ السبعِ؛ لأنَّا نحسنُ الظنَّ به، ولا نتوهَّمُ عليه أنَّهُ يترك ما يسمعه (١) من النَّبِيِّ ﷺ إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالتُهُ، فلم (٢) يُقبَلْ قولُه وروايتُه. الثاني: المعارضةُ برواية عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن هشام بن عروة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرَةَ، عن النَّبِي ﷺ في الكلب يَلَغُ في الإناء: "أنْ يغسلَهُ ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا" (٣). وجهُ الدليل: أنَّ السبعَ لو كانت واجبةً لمْ يخيَّرْ بينها وبين الثلاث. الثالث: إلزامُ (٤) الخصم القائل بالسبع أنْ يغسلَ سابعةً بالتراب،

стр. 495

وثامنةً بالتراب، لحديث عبد الله بن المُغفَّلِ الَّذِي فيهِ: "وعفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بالتُّرَابِ" (١). قال الطَّحاويُّ: فكان ينبغي لهذا المخالفِ لنا أنْ يقولَ: لا يَطهُرُ الإناءُ حتَّى يُغسَلَ ثماني مرات [الثامنةُ] (٢) بالتراب (٣)؛ ليأخذَ بالحديثين جميعًا؛ يعني: أنَّ أحدَ الحديثين يقتضي أن تكونَ السابعةُ بالتراب، والآخرُ يقتضي أن تكونَ الثامنةُ (٤) بالتراب، وهو زائدٌ على الأول، قال: [فإن] (٥) تركَ حديثَ عبد الله بن المغفل (٦) فقد لزِمَهُ ما ألزمَ (٧) خصمَهُ في ترك السبع الَّتِي (٨) قد ذكرنا. الرابع: الاستدلالُ بحديث أبي هُرَيرَةَ في الأمر بغسل اليدِ قبلَ إدخالها في الإناء ثلاثًا (٩)، وما في معناه، بناءً على أنَّ ذلك للطهارة من
следующие страницы →