← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأنَّهُ إذا لمْ يقلْ بذلك جاز التأخير، هذا معنى قوله (١). وهو مُعترَض؛ لأنَّهُ إذا لمْ يقلْ بأنَّ الأمر المُطلَق على الفور، لمْ يلزم مِنهُ انقطاعَ دَلالَةِ هذا الأمر على الفور من حيثُ إنَّهُ أمرٌ مطلق، وقد يدلُّ عليه من غير هذا الوجه، وهو (٢) التعقيب الَّذِي تدل عليه الفاء، [والظرفية الَّتِي تدل عليها "إذا"، مع أن العاملَ فيها الفعلُ الَّذِي بعدها [في لفظ بعض الروايات] (٣)، فيقتضي الأمرُ بالغسل المذكور عند الولوغ، فيخرج عنه ما لا يمكن اعتبارُه، وهو حالة الولوغ تحقيقاً، ويبقى فيما عداه بحسب الإمكان، والمشهور من مذهب المَالِكيَّة: أنه لا يؤمر إلا عند قصد الاستعمال، وأمَّا من قال بالتنجيس، فالأمر ظاهر [في ذلك] (٤). الحادية والأربعون: في غسلِهِ بالماء المولوغ فيهِ خلافٌ عند المَالِكيَّة، ذكَرَه (٥) بعضُ مُتأخِّريهم، وهو قَريبٌ على القول بالتَّعبُّد، مُحالٌ على القول بالنَّجاسَة؛ أعني: نجاسةَ الماء (٦).

стр. 492

الثانية والأربعون: الضميرُ في قوله ﷺ : "يغسلُهُ سبعاً" (١) عائدٌ إلى الإناء؛ أعني: ضميرَ المفعول، والإناءُ حقيقةٌ في جملتِهِ، وقد لا يقعُ الولوغُ فيما يعمُّ الإناءَ، بلْ يَختصُّ بما يلاقي بعضَ الإناء، فَهلْ يُقال: إنَّما يَغسِلُ ما لاقَى الشيءَ الَّذِي حصل فيهِ الولوغُ، أو يقال: يغسل جميعَ الإناء؟ أمَّا مَن قال: إنَّ الغسلَ للنجاسة أو القذارة، فلا شَكَّ أنه لا يقول إلا بالغسل (٢) فيما لاقاه الولوغُ، وأمَّا مَن قال بالتَّعبُّد، فيلزمُهُ أنْ يقولَ بغسل جميع الإناء، ما لاقَى الولوغ وما لمْ يلقه (٣)، عملًا بحقيقة لفظة (٤) (الإناء)، فإنْ استكرَهْتَ هذا فتَأْنَسُ بما قالَهُ المغاربةُ من المَالِكيَّة: إنَّهُ يغسلُ جميعَ الذكر من المذي عملًا بحقيقة لفظة (٥) (الذكر)، وانطلاقِها (٦) على الجملةِ (٧)، هذا مع كون المعنى معقولاً قطعاً في غسل ما لاقى المذي، وأنَّهُ للنجاسة، وإنْ لمْ يقلْ هذا

стр. 493

الذاهب إلى التَّعبُّد بغسل الإناء كلِّه، واقتصر على الغسل فيما يلاقي، [عكَّر] (١) عليه في هذا (٢) القولُ بالتَّعبُّد، وذلك بأنْ يُقالَ: لو كان تعبُّدًا لما اختصَّ بمحلِّ الولوغ، لكنْ يختصُّ، فليسَ بتعبُّد، وحينَئذٍ يحتاج إلى الجواب عن هذا، وهذا الكلامُ يجري في غسل ظاهر الإناء. الثالثة والأربعون: يُؤخَذُ مِنهُ الأمرُ بالعدد المخصوص، وهو السَّبع، وذلك يقتضي أنْ لا يقعَ الامتثالُ بما دونَها، والحنفيَّةُ يخالفون فيهِ، ولا يقولون بتعيينِ السبع، ويقال من جهتهم في الاعتذار عن هذا الحديث [وجوه] (٣): الأول: مخالفةُ [حديث] (٤) أبي هُرَيرَةَ في فتواه، ذكرَ الطحاويُّ ﵀ في "شرح الآثار" عن أبي نعيم، ثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هُرَيرَةَ في الإناء يلغ فيهِ الكلب أو الهرة (٥)، قال: يُغسَلُ ثلاثَ مرات (٦). قال الطحاوي: فلما كان أبو هُرَيرَةَ قد رأى أنَّ الثلاثةَ تطهِّرُ الإناءَ

стр. 494

من ولوغ الكلب فيه، وقد رَوَى عن النَّبِي ﷺ ما ذكرنا، ثبت بذلك نسخُ السبعِ؛ لأنَّا نحسنُ الظنَّ به، ولا نتوهَّمُ عليه أنَّهُ يترك ما يسمعه (١) من النَّبِيِّ ﷺ إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالتُهُ، فلم (٢) يُقبَلْ قولُه وروايتُه. الثاني: المعارضةُ برواية عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن هشام بن عروة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرَةَ، عن النَّبِي ﷺ في الكلب يَلَغُ في الإناء: "أنْ يغسلَهُ ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا" (٣). وجهُ الدليل: أنَّ السبعَ لو كانت واجبةً لمْ يخيَّرْ بينها وبين الثلاث. الثالث: إلزامُ (٤) الخصم القائل بالسبع أنْ يغسلَ سابعةً بالتراب،

стр. 495

وثامنةً بالتراب، لحديث عبد الله بن المُغفَّلِ الَّذِي فيهِ: "وعفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بالتُّرَابِ" (١). قال الطَّحاويُّ: فكان ينبغي لهذا المخالفِ لنا أنْ يقولَ: لا يَطهُرُ الإناءُ حتَّى يُغسَلَ ثماني مرات [الثامنةُ] (٢) بالتراب (٣)؛ ليأخذَ بالحديثين جميعًا؛ يعني: أنَّ أحدَ الحديثين يقتضي أن تكونَ السابعةُ بالتراب، والآخرُ يقتضي أن تكونَ الثامنةُ (٤) بالتراب، وهو زائدٌ على الأول، قال: [فإن] (٥) تركَ حديثَ عبد الله بن المغفل (٦) فقد لزِمَهُ ما ألزمَ (٧) خصمَهُ في ترك السبع الَّتِي (٨) قد ذكرنا. الرابع: الاستدلالُ بحديث أبي هُرَيرَةَ في الأمر بغسل اليدِ قبلَ إدخالها في الإناء ثلاثًا (٩)، وما في معناه، بناءً على أنَّ ذلك للطهارة من

стр. 496

البول؛ لأنَّهم كانوا يتغوَّطون [ويبولون] (١) ولا يستنجون بالماء، فأمرهم بذلك إذا قاموا من نومهم؛ لأنَّهم لا يدرون أينَ باتت أيديهم من أبدانهم، وقد يجوز أن تصيبَ ذلك فتنجس، فأُمِروا بغسلها ثلاثًا، وكان ذلك لطهارتها من الغائط والبول إن كانَ أصابَهُما، وهما أغلظُ النجاسات، فما دونهَما أحرَى أن يطهُرَ بالثلاث. الخامس: ما نُقِلَ عن بعضهم: أنَّ هذا إنَّما كان إذْ أمرَ بقتل الكلاب، فلمَّا نهَى عن قتلها، نُسِخَ ذلك. السادس: ما نُقِلَ عن بعضهم أيضًا: أنَّهُ كان ذلك على وجه التغليظ. السابع: التأويلُ بحمل الأمر بالسبع على مَنْ غلب على ظنِّهِ أنَّ نجاسةَ الولوغ لا تزولُ بأقلَّ من السبع (٢). الثامن: حملُ السبعِ على الاستحباب، والثلاثِ على الإيجاب لفتوى أبي هُرَيرَةَ - راويه (٣) - بالثلاث، ولا يجوزُ أنْ يفتيَ بخلاف ما روَى إلا وهو قد عَقَلَ معنى الرواية وصرفَهَا عن الإيجاب إلى الاستحباب، كما حملْتُم حديثَ ابن عمر على التفرق بالأبدان (٤)؛ لأنَّ

стр. 497

ابن عمر ﵄ فسَّرَهُ بذلك (١). فأمَّا الوجهُ الأول: فالجوابُ عنه فيما ذكروا (٢)، بيانُ أنَّ مذهبَ الراوي، إذا خالف روايتَهُ لا يمنعُ التمسكَ بها، وقولُ الطحاويِّ رحمه الله تعالى: ثبتَ نسخُ السبعِ، [الجوابُ] (٣) عنه من وجهين: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يلزَمُ [مِنهُ] (٤) النسخُ لاحتمال مخالفةِ ذلك برأيٍ و (٥) اجتهاد رآه، فقد يكون اعتقدَ أنَّ الأمرَ بالسبع على الندب، ولا يتعيَّنُ حملُه على النسخ. [و] (٦) الثاني: لو سلَّمنا أنَّهُ يلزمُ النسخُ، لكنْ عندَهُ، أو في نفس الأمر؟ الأول مُسلَّم، ولكن لا يلزمُ ثبوتُهُ في نفس الأمر؛ لاحتمال مخالفة مجتهدٍ آخرَ سواه في ذلك. والثاني ممنوعٌ، وهو ظاهرٌ، هذا ما نراه من الجواب. وأمَّا البيهقيُّ ﵀ فإنَّهُ سلكَ في الجواب غيرَ هذا، ونحن

стр. 498

نذكر ما قال ملخَّصا (١)، وذلك من وجوه: الأول: تضعيفُ الرواية، فإنَّه (٢) لمْ يروِهِ عن عطاء غيرُ عبد الملك، وعبدُ الملك لا يُقبَلُ مِنهُ ما يخالِفُ [فيهِ] (٣) الثقاتَ، وقد رواه محمَّدُ ابن فضيل عن عبد الملك مضافًا إلى فعلِ أبي هُرَيرَةَ دونَ قوله (٤). قُلْتُ: عبد الملك قد أخرج له مسلم في "صحيحه"، والثناءُ عليه كثيرٌ (٥) من جهات، فعن سفيانَ أنه قال فيهِ: ثِقَةٌ (٦). وقال الترمذيُّ عقيبَ (٧) حديث الشُّفعة الَّذِي أورده عبد الملك: هو ثِقَةٌ مأمون عند أهل الحديث، لا نعلَمُ أحدًا تكلَّمَ فيهِ غيرَ شعبةَ من أجل هذا الحديث (٨). وقال عليُّ بن الحسين بن حبان، وجدتُ في كتاب أبي بخط

стр. 499

يدِهِ: سُئِلَ [أبو] (١) زكريا عن حديث عطاء، عن جابر، عن النَّبِيِّ ﷺ في الشُّفعهْ، فقال: هو حديثٌ لمْ يحدِّثْ به إلا عبدُ الملك، عن عطاء، وقد أنكر عليه الناس، ولكنَّ عبدَ الملك ثِقَةٌ صدوق لا يُرَدُّ على مثله (٢). وقولُ البيهقي ﵀: لا يُقبَلُ مِنهُ ما يخالف فيهِ الثقات. قُلْنا: المخالفةُ على وجهين: مخالفةُ معارضةٍ ومناقضة، ومخالفةٌ على غير ذلك، كالمخالفة في الزيادة وتركِها مثلًا، وحيثُ يمكنُ الجمع، [و] (٣) الَّذِي ذكرَهُ مِنْ مُخالفةِ رواية محمَّد بن فضيل بكونه رواها فعلًا، [ورواها] (٤) عبد الملك قولًا، ليسَ من قَبيل مخالفة المعارضة والمناقضة، ولا يمتنع الجمعُ بينهما، بأنْ (٥) فَعَلَ مَرَّة، وقال أُخرَى. الثاني: أنه روى عن أبي هُرَيرَةَ من قوله نحوَ (٦) روايته عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: فروينا عن حماد بن زيد ومعتَمِر بن سليمان، عن

стр. 500

أيوب، عن محمَّد بن سيرينَ، عن أبي هُرَيرَةَ من قوله، نحو (١) روايته عن النَّبِيِّ ﷺ . ثمَّ ذكر من جهة أبي داود رواية المعتمر وحماد عن أيوبَ بالوقف (٢). فنقول: هذا اختلافٌ في حديث واحد، ورواية أيوب والَّذِي ذكره أبو داودَ من رواية معتمر بالوقف هي روايةُ مسدَّد، عن معتمر مرفوعًا، ذكره الطحاوي من رواية المقرئ، عن المعتمر. وإذا كان اختلافًا في حديثٍ واحد وروايةٍ ترجعُ إلى أصل واحد: فإما أن يَسلُكَ الطريقَ الفقهية، ويخرج ما أمكن الجمع إذا لمْ يقع التعارضُ والتَّنافي. وإمَّا أن يَسلُكَ الطريقَ الحديثية بالتعليل عند الاختلاف في الحديث الواحد. فإنْ سلكَ البيهقيُّ - رحمه الله تعالى - الطريقَ الأول بطَلَ تعليلُهُ السابقُ لرواية عبد الملك لمخالفة ابن فضيل (٣)، فإنَّهُ اختلافٌ يمكن الجمع فيه، وإن سلك الطريق الحديثية، فإمَّا أن يجريَ على تقديم رَفْعِ

стр. 501

مَن رفع على وَقْفِ مَن وقف، أو يُعلّلَ روايةَ (١) الرفع بالوقف، ويحكُمَ بالوقف، فإنْ قدَّمَ الرفعَ، فالحديثُ واحد ثبت رفعُهُ، فلا يكونُ موقوفًا، فلا يَصِحُّ أنْ يجعلَ مذهبا لأبي هُرَيرَةَ، وإن قدم [الوقفَ على الرفعِ] (٢) في الحديث الواحد، فهو - مع كونهِ مذهبًا يَرغَبُ عنه هو وغيرُهُ في مواضعَ - يُبطِلُ استدلالَهُ بالحديث، ويمكنه هاهُنا أن يقول: أتمسَّكُ برواية هشام بن حسَّان، عن محمَّد بن سيرين الَّتِي لمْ يُختَلَفْ في رفعها (٣)، وأرجعُ في رواية أيوبَ إلى الوقف فأثبتُ قولَ أبي هُرَيرَةَ، لكنْ لمَّا كان الكلُّ راجعًا إلى قول محمَّد بن سيرين وروايته [فـ]ـقد يُجعل حديثًا واحدًا مُختلَفًا فيهِ من أيّ جهة ورد عن ابن سيرين. الثالث: قال البيهقيُّ مُريدًا للطحاوي رحمه الله تعالى: وهلَّا أخذنا الأحاديثَ (٤) الثابتةَ عن رسول الله ﷺ [في السبع] (٥)، وبما (٦) روينا عن أبي هُرَيرَةَ من فُتياه بالسَّبعِ، وبما (٧) روينا عن عبد الله بن مغفَّل، عن النَّبِيّ ﷺ ، وهو مُحتمِل أنْ يكونَ موافقًا لحديث

стр. 502

أبي هُرَيرَةَ، ولِما تقدَّمَ ذكرُنا له على خطأِ عبد الملك فيما تفرَّدَ به من بين أصحابِ عطاء، ثمَّ أصحابِ أبي هُرَيرَةَ. فنقول: إنَّما ردَّ الأحاديثَ الثابتةَ بناءً على زعمه النسخَ كما تقدم، وما يتعلَّقُ بمخالفة عبد الملك فيما تفرَّد به، فقد أشرنا إلى أنها مخالفةُ زيادةٍ لا مخالفةُ مناقضةٍ وتضادٍّ، وأمَّا مخالفة أصحاب أبي هُريرَةَ، فإن أراد الَّذِين رووه مرفوعًا عنه (١)، فلا يُعارَضُ ذلك بما رواه عبد الملك موقوفا، فإنَّ الرافعين أسندوه إلى رسول الله ﷺ ، وعبد الملك ردَّهُ إلى فتوى أبي هُريرَةَ، وإنَّما يُرَدُّ عليه بمثل هذا الَّذِي ذكره البيهقيُّ إذا كان تقديمُ الطحاويّ روايةَ (٢) عبد الملك [على رواية غيره من جهة تعارض الروايتين، بحيث يَحْكُم للمرجوحة على الراجحة] (٣)، فأمَّا إذا ثبتت تلك الروايات، ويدَّعِي نسخَهَا بهذه الروايات، فلا تعارضَ فيهِ، وإنْ أراد البيهقيُّ الَّذِي رووه موقوفًا، فقد قدَّمْنا ما فيهِ، وأنه يجبُ أنْ يحكمَ للرافع على الواقف إذا كان الحديث واحدًا على طريقه. الرابع: وقع في كلامه مُريدًا لعبد الملك بن أبي سليمان: ولم يحتجَّ به محمَّد بن إسماعيل في "الصحيح".

стр. 503

وهذا ضعيف؛ لأنَّهَ تعارضَ (١) بتخريجِ مسلمٍ له، وتركُ احتجاجِ البخاريّ لا يعارض ما ذكرناه من [الثناء عليه] (٢)، وكمْ من حديثٍ يُحتَجُّ به، لمْ يَحتجَّ به الشيخان [برواية] (٣) في "الصحيحين"، ولم يلتزما إخراجَ حديثِ جميعِ الثقاتِ، وأيضًا فتركُ الاحتجاج به لا يلزم مِنهُ القدحُ فيه؛ لاحتمالِ أن يكون [ذلك] (٤) لتوقُّفٍ وقع له، وفرقٌ بين الترك للتوقف، وبين الترك لثبوت الجرح. الخامس: قالَ البَيهَقِيُّ رحمه الله تعالَى: وحديثُهُ هذا مُختلَفٌ عليه فيهِ، يُروَى عنه من قول أبي هُرَيرَةَ، ويُروَى عنه من فعله، فكيف يجوز تركُ رواية الحُفَّاظ الثِّقات الأثبات من أوجهٍ كثيرةٍ لا يكونُ مثلُها غلطًا لروايةِ واحدٍ (٥) قد عُوِفَ بمخالفة (٦) الحُفَّاظ في بعض أحاديثه (٧). فيُقَال عليه (٨): الَّذِي رواه الثقات الأثبات من أوجه (٩) كثيرة هو

стр. 504

الحديث المرفوع، ولم يتركْها الطَّحاوِيُّ لنزاع مِنهُ في صحَّتِها، وإنَّما تركها زاعمًا أنَّ عنده روايةً دلَّتهُ علَى النسخِ، فلو صحَّ له ما ادَّعاه من جهة النظرِ الأصولي لمْ تعارضْهُ تلك الروايات الثابتة، وإنَّما يَتَّجِهُ هذا الَّذِي ذكره البَيهَقِيّ حيثُ يحصل الاختلافُ بين الرواة ويُحتاج إلَى الترجيحِ من جهة الرواة، فيغلب رواية الأضعف علَى الأقوَى (١)، والجواب المُتَّجِهُ [ما] (٢) قدَّمْناه من النزاعِ في القاعدة. وأمَّا ابنُ حزم فإنَّهُ ردَّ روايةَ عبدِ الملك بوجوهٍ: أحدها: أنَّ عبدَ السلام بنَ حربٍ ضعيفٌ. وثانيها: أنَّ رواية عبد السلام بن حرب إنَّما فيها: أنَّهُ يغسلُ الإناء ثلاثَ مرات؛ يريد: أنهم لا يقولون بالثلاثِ. وثالثها: أنَّ الحجةَ في قول النَّبِيّ ﷺ لا في قولِ أحدٍ غيره. ورابعها: أنَّهُ لو صحَّ عن أبي هُرَيرَةَ خلافُ ما رَوَى، فقد رواه من الصحابةِ غيرُ أبي هُرَيرَةَ، وهو ابن مغفل، ولم يخالِفْ ما رَوَى (٣). هذا مُلخَّصُ ما تحصَّلَ من كلامه بعد حذف بعضِهِ وتشنيعٍ مُشَنَعٍ (٤) به.

стр. 505

فأمَّا تضعيفُهُ عبدَ السلام بن حرب: فإنَّ البخاريَّ أخرج عنه في "الصحيحِ" ووثَّقَهُ، وقال أو حاتم: ثِقَةٌ، وفي رواية عن يحيىَ بن معين أنَّهُ قالَ: صدوقٌ، وفي رواية: ليسَ به بأسٌ، يُكتَبُ حديثُهُ (١). وأمَّا كونهم لا يقولون بالثلاثِ، فإنَّهُ قد (٢) حكَى المَاوَردِيُّ (٣): أنَّ بعضَهُم يجعل الثلاثَ استحبابًا، وبعضهم يجعلُهَا واجبًا (٤). وأمَّا الثالث: فجيِّدٌ. وأمَّا الرابع: فليسَ اعتراضًا، وإنَّما هو احتجاج صحيحٌ في السَّبعِ، ويحتاج إلَى الجوابِ فيما يقتضيه من غسلها ثامنًا (٥). وأمَّا الوجهُ الثاني: وهو المعارضةُ بحديث عبد الوهاب: [فحاصلُ ما يُقَال فيهِ وجوهٌ: أحدُها: أنَّ عبدَ الوهاب متروك.

стр. 506

والثاني: أنَّهُ اختُلِفَ علَى عبد الوهَّاب] (١)، فرواه الحسنُ بن سُفيانَ عنه، ومتنه: "إذا ولغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم، فليغْسِلْهُ سبعَ مرَّاتٍ" (٢)، وقيل في تلك الرواية: إنَّ راويَها كثيرُ الغلط. الثالث: أنَّ عبد الوهاب بن نجدة رواه عن إسماعيل بن عيَّاش شيخِ عبد الوهاب بن الضحَّاكِ بالإسنادِ وقال: "فاغسلُوهُ سبعَ مرَّاتٍ"، وقال الدَّارَقُطني: إنَّ هذا هو الصحيح (٣). الرابع: أنَّ الأمرَ فيهِ بالسبع كالأمرِ بالثلاثِ، فلمْ يكنْ حملُ الثلاث علَى الإيجابِ دونَ السَّبع بَأولَى من حملِ السَّبعِ علَى الإيجابِ دونَ الثلاث. الخامس: [أنَّ] (٤) (أو) تحتمل التَّخييرَ، أو (٥) الشكَّ من الراوي، فلا يثبتُ التخييرُ. وأمَّا الوجهُ الثالث: وهو إلْزامُ الخصمِ القولَ بحديث عبد الله بن المغفَّل، وأنَّهُ يقتضي إيجابَ غسله ثامنةً بالترابِ مع سابعةٍ بالترابِ:

стр. 507

فإنْ كانَ المقصودُ بهذا الكلام مقابلةَ تشنيعٍ بتشنيعٍ، فهذا قد يقرُبُ في هذا المقصود، وإن كَان المقصودُ به الاعتذارَ عن ترك العمل بالسَّبعِ، فليسَ بشيء؛ لأنَّهُ إمَّا أنْ يكونَ للخصم عذر صحيح أو لا، فإنْ لمْ يكن له عذر صحيح فهو مَلوم في ترك (١) العمل به، والآخرُ ملومٌ في ترك (٢) العمل بالسَّبعِ، فإنْ (٣) كَان له عذرٌ صحيح ومعارِضٌ راجحٌ فلا لومَ عليه فيهِ، فيحتاجُ خصمُهُ إلَى إبداءِ عُذرٍ ومعارِضٍ راجحٍ، وإلا كان مُنفردًا باللومِ. وأمَّا الوجهُ الرابع: وهو الاستدلالُ بحديث أبي هُرَيرَةَ في المُستيقظِ من نومه: فمَبنيٌّ علَى أنَّ الغائطَ والبول (٤) أغلظُ النجاسات، والخصمُ يمنعُهُ، ويرَى (٥) أنَّ نجاسةَ الكلب أغلظُ من نجاسة العَذِرَة والبول، ودليلُهُ علَى ذلك هذا الحديثُ مع الدليل الدالِّ علَى الاكتفاءِ في الغائطِ والبول بدون السَّبع.

стр. 508

وأمَّا الوجهُ الخامس: فأجاب عنه ابنُ حزمٍ بوجهين: أحَدُهُما: قالَ: دعوَى فاضحة بلا دليلٍ، وقَفْوٌ لما علمَ لقائلِهِ به، وهذا حرام. والثاني: أنَّ ابنَ المغفل رَوَى النهيَ عن قتل الكلاب، والأمرَ بغسل الإناء منها سبعًا في خبرٍ واحدٍ معًا. قالَ: وأيضًا فإنَّ الأمرَ بقتل الكلاب كان في أوَّلِ الهجرةِ، وإنَّما [روى] (١) غسلَ الإناء منها سبعًا أبو هُرَيرَةَ وابنُ مغفل، وإسلامُهُما مُتأخِّرٌ (٢). وأمَّا الوجهُ السادس: وهو وإنْ كَان قُبِلَ مثلُهُ في غير هذا الموضع، فهو قبيح جدًّا؛ لأنَّهُ لا يجوزُ عليه ﷺ أنْ يأمرَ إلا بما هو شرع لله (٣) واجبُ الطاعة. وأمَّا [الوجهُ] (٤) السابع: فأُجِيبَ عنه بوجهين: أحَدُهُما: أنَّ نجاسةَ الولوغ ليست عينًا مُؤثِّرَةً فيُرجُعُ في زوال

стр. 509

عينها (١) [إلى] (٢) غلبةِ الظن [بزوالها] (٣) [منها] (٤). والثاني: أنَّ ما كان مُعتبرًا بغلبة الظن لمْ يجزْ أنْ يكونَ محدودًا بالشرعِ؛ كالتقويمِ في المُتلَفات. وأمَّا الوجهُ الثامن: فهو خلافُ الظاهرِ، [و] يحتاج إلَى دليلٍ راجح. وأمَّا تفسيرُ الراوي فينقسم قسمين: أحَدُهُما: تفسيرُ مُحتمِلِ اللَّفظِ، فهذا يُقبَلُ فيهِ تفسيرُ الراوي، وعليه حُمِلَ تفسيرُ ابنِ عمر ﵄ للتفريق (٥) بالأبدانِ. والثاني: نسخٌ أو تخصيصٌ، فلا يقبَلُ؛ كتخصيصِ ابنِ عبَّاس ﵄ لقوله ﷺ : "مَنْ بدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ" (٦) في إخراجِ النساء من الجملةِ (٧)، وحديثُ الولوغِ مُفَسَّرٌ لا يفتقِرُ إلَى تفسيرِ راوٍ،

стр. 510

ولا غيره، فوجب حملُهُ علَى ظاهرِهِ. الرابعة والأربعون: هذا العددُ المخصوصُ - وهو السبع - يقتضي (١) الخروجَ من العهدةِ به، ومفهومُهُ أيضًا يقتضي عدمَ وجوبِ الزائدِ؛ لأنَّهُ مفهومُ العدد، وبهذا قالَ الأكثرون، وحديثُ عبدِ الله بن المغفل يقتضي غسلَهُ (٢) ثامنةً، وهو ما خرَّجَهُ مسلم في "صحيحه" عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن ابن المُغفَّل قالَ: أمرَ رسولُ الله ﷺ بقتلِ الكلابِ، ثُمَّ قالَ: "مَا بَالُهم وبَالُ الكِلابِ"، ثمَّ رخَّصَ في كلبِ الصيدِ وكلب الغنم، وقال: "إذَا وَلَغَ الكَلبُ في الإناَءِ فَاغْسِلُوهُ سَبع مَرَّاتٍ، وعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بالتُّرابِ" (٣)، ونُقِلَ عن الحسنِ أنَّهُ قالَ به (٤)؛ أعنِي: بالغسلةِ الثامنة، وهو قولٌ [عن] (٥) أحمد ﵀

стр. 511

تعالَى (١)، ويقوِّي القولَ به بأنَّهُ [يقتضي] (٢) زيادةً علَى ما في حديثِ أبي هُرَيرَةَ، والأخذُ بالزائدِ مُتَعَيِّن، والاعتذارُ الَّذِي يُعتذَرُ به عنه وجهان: أحَدُهُما: ما نُقِلَ أنَّ الشَّافِعيَّ ﵁ قالَ: هو حديث لمْ أقفْ علَى صحَّتِهِ (٣). والثاني: لو صحَّ لكان محمولًا علَى أحدِ أمرين: إما أنْ يكونَ جعلها ثامنةً؛ لأنَّ الترابَ جنسٌ غيرُ الماء، فجُعِلَ اجتماعُهما (٤) في المرةِ الواحدة مَعدودًا باثنتين. وإما أنْ يكونَ مَحمولًا علَى مَن نسيَ استعمالَ التراب في السبعِ، فيلزمُهُ أنْ يعفرَهُ ثامنةً. فأمَّا الوجهُ الأول: فعُذرُ الشَّافِعى - رحمة الله عليه -[عنهُ] (٥) عذر صحيح في حقِّهِ، وأما مَن صحَّ عنده: فلا عذرَ له [عنه] (٦) من هذا الوجه.

стр. 512

وأمَّا التأويلان: فمُستكرهان مُخالفانِ (١) للظاهرِ مخالفةً ظاهرةً؛ لأنَّ قولَهُ ﷺ : "فَاغْسِلُوهُ سَبع مَرَّاتٍ"، ذِكرُ السبعِ فيهِ لبيانِ عددِ الغسلاتِ الَّتِي دلَّ عليها قولُهُ ﷺ : "فَاغْسِلُوهُ". و [قوله] (٢): "عَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بالتُّرابِ" إمَّا أنْ يُحافَظَ فيهِ علَى معنَى الغَسلةِ كما هو في سبع مرات؛ كأنَّهُ قيل: الغسلةُ الثامنةُ بالترابِ، أو لا، فإنْ حوفظَ علَى ذلك فإلقاءُ (٣) التُّرابِ في الماءِ لا يُطلَقُ عليه اسمُ الغسلة (٤)، وإنْ كان التعفيرُ بأنْ يُذَرَّ الترابُ علَى المحلِّ فاللَّفظُ لا يقبلُهُ أصلًا، فإنْ (٥) لمْ يُحافظْ علَى معنَى الغسلةِ؛ كأنَّهُ قيل: الفَعلةُ الثامنة، فهو أبعدُ أيضًا، فقولُهُ ﷺ : "وعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بالتُّرابِ" ظاهرٌ في كونها غَسلةً ثامنةً (٦)، ومخالفةُ هذا الظاهر إنْ كَان سببُها (٧) الرواية الَّتِي فيها "السبعُ" فلا معارضةَ بينهما؛ لحصولِ الزيادةِ في هذا الحديثِ.

стр. 513

وما يُقَال: مِن أنَّ مقتضَى [ذلك الحديث]، (١) الإجزاءُ بالسبعِ وذلك مُعارِض لوجوب الثامنة، فهذا مثلُهُ لازِم لِمَن يقولُ بوجوب التتريب؛ لأنَّ الرواياتِ الَّتِي فيها الأمرُ بالسبعِ دونَ التتريب تقتضي الاكتفاءَ بها (٢) دونَ التراب بغيرِ ما ذكروه، فلو كانَ مثلُ هذا يقتضي نفيَ (٣) الزائدِ ومعارضتَهُ بما يقتضي إثباتَهُ، لزمَ أنْ لا يجبَ التتريبُ. وإنْ احتُمِلَ تركُ الظاهر وارتكابُ مثلِ هذا التأويل لأجل هذا الَّذِي ذكرناه، فلنْ يَعْدَمَ المَالِكيَّةُ لأجلِهِ تأويلًا مثلَ هذا التأويل - أو أجودَ - في تركِ التتريبِ. والعجبُ من الظاهريِّ في تركِهِ هذا الحديث وعدمِ إيجابه الثامنةَ، والَّذِي قاله في هذا أنْ قالَ: وبلا شَكِّ ندرِي (٤) أنَّ تعفيرَهُ بالترابِ في أولاهن ثامن إلَى السبعِ غسلات (٥). فيُقَال له: أتريدُ أنَّ تعفيرَهُ بالترابِ [فعلة ثامنة] (٦)، أم غسلةٌ ثامنة؟ إنْ قلتَ بالأولِ فصحيح، لكنَّهُ ليسَ هو ظاهرُ اللَّفظ، وسياقُهُ في

стр. 514

اعتبار معنَى الغسلِ، لا مُطلَقِ الفعل. وإن قُلْتَ: إنَّهُ غسل ثامن فممنوعٌ. وأمَّا التأويلُ [الثاني] (١) - وهو حملُهُ علَى مَن نسيَ استعمالَ التراب في السبعِ -: فبعيدٌ جدًّا؛ لأنَّهُ حملُ اللَّفظِ العامِّ الواردِ في (٢) غير سببٍ خاصٍّ لأجل تأسيسِ قاعدةٍ شرعية علَى أمرٍ نادرٍ عارضٍ، وهو من التأويلاتِ المَردودةِ كما عُرِفَ في فنِّ الأصول، وبه يَرُدُّ (٣) الشَّافِعيةُ علَى الحنفيةِ في حملِهِم الحديثَ الدالَّ علَى اعتبارِ الولي في النِّكاحِ (٤) علَى المُكاتِبَةِ. وأمَّا مَا ذَكرَهُ الطَّحاوِيُّ من أنَّهُ يقتضي التتريبَ في السابعةِ عملًا

стр. 515

بحديث السبع، وفي الثامنةِ [عملًا] (١) بحديث عبد الله بن المغفل (٢) أخذًا بالزائدِ، فإنْ لمْ يقمْ إجماعٌ علَى عدمِ وجوبِ ذلك، وإلا فهو قولٌ يحتاج إلَى ردّهِ بطريقة. الخامسة والأربعون: لو غَسَلَ الإناء ثلاثًا من الولوغِ، ثمَّ ولغ الكلبُ فيهِ (٣)، فَهلْ يَغسِلُ سبعًا، أو يُدخِلُ فيها تلك الثلاثَ ويُكْتَفى بأربع؟ الحديثُ يقتضي الغسلَ سبعًا، لأنَّ الغسلَ مُرتَّبٌ علَى الولوغِ، وقد وُجِدَ هاهُنا، فيَتَرتَّبُ (٤) عليه موجِبُهُ، وهو السبع، والله أعلم. السادسة والأربعون: غَسَلَهُ دونَ السبع، فولغ الكلبُ فيهِ (٥)، فغسله سبعًا كما ذكرنا، فَهلْ يُكْتَفى بها، وينوبُ عمَّا بَقِيَ من السبعِ الأُوَلِ (٦)؟ هذا مبنيٌ علَى المسألةِ السابقة، فيما إذا ولغ الكلبُ مرتين، أو

стр. 516

كلبان في إناء، فإنْ قلنا (١) ثَمَّ: يُكتفَى بسبعٍ واحدة، فهاهُنا أَولَى؛ لأنَّهُ إذا نابَ عن كاملٍ، فلأَنْ ينوبَ عمَّا (٢) دونَهُ أَولَى، فإن قلنا ثَمَّ: لا يُكتفَى، فهاهُنا كذلك، وقد تقدَّمَ في تلك المسألةِ ما يتعلَّقُ باستنادها (٣) إلَى الحديثِ، وهو هاهُنا جارٍ، لأنَّ بالولوغِ الأول وَجَبَ السبعُ عملًا بالنَّصِّ، وبالثاني كذلك، وإنَّما قيل بالاكتفاءِ بسبع واحدة بناءً علَى تداخل النجاسات في الحكمِ، وذلك أمرٌ خارجٌ عن دلالَة اللَّفظ، فإنْ ثبتَ أنَّ ذلك قاعدةٌ مقرَّرةٌ، فقد يُرجِّحُهُ بعضُ الناظرين علَى الظاهرِ هاهُنا، وليسَ يَليق بمذهب مَن يقول بالتَّعبُّدِ إلا تكرارُ الغسل بتكرار الولوغ؛ عملًا بالظاهرِ من اللَّفظ ومُقتضاه، والله أعلم. السابعة والأربعون: كانَ المحلُّ نجسًا قبلَ الولوغ، ثمَّ طرأ عليه الولوغُ، فغسلَهُ سبعًا، يقتضي - ما ذكروه - الاكتفاءَ بالغسلِ سبعا بناءً علَى تداخل النجاسات في الغسلِ، ويمكن (٤) أنْ يوجدَ ذلك من قولهِ ﷺ : "طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ (٥)، أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا"، فإنَّهُ يقتضي طهارةَ الإناء بالغسلِ سبعًا، وذلك عامٌّ بالنسبةِ إلَى الإناءِ

стр. 517

المتنجِّس والإناءِ الَّذِي لمْ يتنجسْ، إلا أنَّهُ ليسَ بذاك القوي؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ المُرادَ طهورُهُ عن ولوغ الكلب؛ لأنَّهُ حكمٌ رُتِّبَ علَى مُناسب له، فيكون المناسبُ علةً، وإذا كان طهورًا عن الولوغِ، لمْ يدلَّ علَى كونِهِ طهورًا عن غير الولوغ. الثامنة والأربعون: إذا كانت النَّجاسَة عينيةً فطرأتْ عليها نجاسةُ الولوغ، كما لو كانت دمًا فوَلَغَ فيها الكلب، وكانت تلك النَّجاسَةُ لا تزولُ إلا بغَسلةٍ أو غسلتين، فغُسِلَت، هلْ (١) يُحسَبُ ذلك من السبعِ، أم (٢) لا؟ فيهِ اختلافٌ عن الشَّافِعية ﵏ (٣)، والكلامُ فيها كما في الَّتِي قبلَها، لكنَّ الحديثَ يقتضي أنَّ الغسلَ عن الولوغِ بسببه (٤) ترتَّبَ الحكمُ على الوصفِ، وإذا وَجَبَ سبع عن الولوغِ، فالغسلتان الأُوليان لإزالةِ العين لا للولوغ، ووجهُ الاستدلال [به] (٥) ما ذكرناه من العمومِ في الأولَى، وفيهِ الاعتراضُ المذكورُ وجوابُهُ.

стр. 518

التاسعة والأربعون: لما جاءَ الأمرُ بالعددِ في الغسلات وَجَبَ اعتبارُ ما يُسَمَّى غسلةً ليحصلَ امتثالُ الأمر بغسلها (١)، فلو طرح الماء في الإناءِ لمْ يحتسب (٢) به غسلة حتَّى يُفرِغَهُ مِنهُ، هكذا قالَ بعضُهم، وعلَّله بأنَّهُ العادةُ في غسله، وينبغي أنْ يقولَ: حتَّى يتفرَّغَ مِنهُ، وكأنَّه (٣) مقصودُهُ؛ لأنَّ تفريغَهُ [مِنهُ] (٤) ليسَ شرطًا عندهم، والأَولَى أنْ يُقَال في ذلك: إنَّهُ [ما] (٥) لا يُسَمَّى غسلةً عرفًا فلا يَحصُلُ به الامتثالُ. [المسألة] (٦) الخمسون: وقعَ الإناءُ في ماءٍ كثير، واستوَى عليه الماءُ، [قيل] (٧): يُحتسَبُ بوضعه فيه ومرورِ الماءِ علَى أجزائه غسلة، وهذا بخلاف المسألة [قبلَهَا] (٨) في أنه لا يكفِي وضعُ الماء في الإناءِ حتَى يُفرَغَ منه، وهو راجع إلَى اعتبار العُرف، وكأنَّهُ يدَّعي أنَّ العرفَ يفرِّقُ بين الإناء والماء الكثير. الحادية والخمسون: خضخضَ الماء في الإناء وحرَّكَهُ بحيثُ

стр. 519

يمرُّ عليه أجزاءٌ غير الَّتِي كانت تلاقيه، قالَ بعضُهم: يُحسَبُ (١) غسلةً ثانيةً كما لو مرَّت جَرياتٌ من الماءِ (٢). [الثانية والخمسون] (٣): إذا كان الإناءُ يسعُ قُلَّتين فصاعدًا، فملأه وخضخضه، قالَ بعضُ الحنابلة: [و] (٤) يحتمل [أن] (٥) إدارَةَ الماء فيهِ تَجري مَجرَى الغَسَلات؛ لأنَّ أجزاءَهُ يمرُّ عليها جَريات [من الماءِ] (٦) غيرُ الَّتِي كانت ملاقيةً لها، فأشبهَ كما لو مرَّت عليها جَرياتٌ من جارٍ. قال: وقال ابنُ عقيل: لا يكونُ غسلةً إلا بتفريغه مِنهُ أيضًا (٧). قُلْتُ: والمُتَّبَعُ في هذا ما يُسَمَّى غسلةً في اللسانِ والعُرف، فما كانَ (٨) دلَّ اللَّفظُ علَى الاكتفاءِ به، وما لا يُسَمَّى غسلةً، فإنَّما يُكتفى فيهِ بالقياسِ؛ لأنهُ معنَى الأصلِ عندَ مَن يقول به.

стр. 520

الثالثة والخمسون: وهي دونَ المرتبة الَّتِي قبلَها، وَضَعَ الإناءَ في ماءٍ كثير راكدٍ مُتغيّر لا يسلبُ الطهورية، فمرَّ عليه أزمنةٌ، [وهو ساكن] (١)، هلْ يُكتفى بها، ويقومُ مقامَ سبع غسلات؟ في اندراجِهِ تحتَ اللَّفظ بُعدٌ، وإنَّما يُقَال به إذا قيلَ بالقياسِ. الرابعة والخمسون: ظاهرُ الخِطابِ (٢) مُتوجّهٌ إلَى فعلِ المُكلَّفِ لقوله: "فليغسله"، وهذا أمرٌ متعلِّقٌ (٣) بفعل المكلف، إلا أنَّ مَن يعلِّلُ بالنَّجاسَةِ لا يَعتبرُ الفعل، فلو نزل عليه المطرُ، أو كان في نهرٍ جارٍ فمرَّت عليه جرياتُ النهر، كانـ[ـت] (٤) كلُّ جِرْية تمرُّ عليه غسلةً، وهذا تخصيص بالمعنى (٥) وإلغاءٌ لما دلَّ عليه اللَّفظ بسبب ما فُهِمَ من المقصودِ، وينبغي لمَنْ قالَ بالتَّعبُّدِ أن لا يكتفيَ بذلك، لا سيَّما الظاهرية. الخامسة والخمسون (٦): عدمُ اعتبارِ القصدِ من الآدمي (٧) في الغسلِ

стр. 521

المذكور مبني علَى هذا الَّذِي قدَّمْناه، والله أعلم. السادسة والخمسون: المَالِكيَّةُ يقولون: إنَّ مُجرَّدَ إصابةِ الماء لا يُسَمَّى غسلًا، ولا بُدَّ من أمرٍ زائد، فأوجبوا (١) الدَّلكَ، وأُورِدَ عليهم قولُهم: غَسلَت المطرُ، وأجابوا بأنَّ الصبَّ وتكرارَ الماء يقوم مقامَ الدَّلك، هذا أو قريبا منه (٢). فعلَى هذا يلزم أن لا يَحصُلَ مُسمَّى الغسل بمُجرَّد الإصابة (٣)، وإذا لمْ يحصلْ لمْ يُكتفَ به في امتثال الأمر. السابعة والخمسون: اختلفوا في وجوبِ العَصْرِ من النَّجاسَةِ، وبُنِيَ علَى وجوبه أنَّهُ إذا كان المغسولُ جسمًا يدخل فيهِ أجزاءُ النَّجاسَة، لمْ يحتسبْ برفعه من الماءِ إلا بعدَ عصرِهِ، وعصرُ كلِّ شيءٍ علَى حَسبِه (٤)،

стр. 522

فلو كان بساطًا ثقيلًا أو زَلِّيًا (١)، فعصرُهُ بَقْلبِهِ ودقِّهِ، وهذا كلُّهُ بناءً علَى إرادة الحكم علَى النَّجاسَةِ مِن غيرِ اعتبارِ لفظِ (٢) (الولوغ) ولا (الإناء). وبعد ذلك: فإذا صحَّ إطلاقُ لفظة (٣) (الغسلة) علَى الشيءِ قبل عصرِه، فيمكن أنْ يُستدَلَّ به علَى عدم وجوب العصر، وطريقُهُ أنْ يُقَال: اللَّفظ يقتضي حصولَ الاكتفاء بمُسمَّى الغسلات، وإيجابُ العصر ليسَ مأخذُهُ تحصيل مسمَّى الغسل، بل بدليل خارج عندَ من يراه، وإذا كان بدليل خارج كان اللَّفظُ متناولًا لما قبله؛ أعني: أنَّهُ غسلَ غسلةً، فلا يجبُ [عليه] (٤) غيرُهَا، [لحصول المسمى] (٥) عملًا بقوله (٦) ﷺ : "طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ، أنْ يَغْسِلَهُ (٧) سَبْعًا" [فإنه يقتضي حصولَ مسمى الغسلاتِ بمجرد إصابةِ الماء، وهذا المسمى حاصلٌ في الثوب، فليكتفَ به، إلا أن يقومَ دليلٌ على اعتبار أمر زائد] (٨).

стр. 523

الثامنة والخمسون: ألحقَ أحمدُ - رحمة الله عليه - في روايةٍ عنه سائرَ النجاسات بنجاسة الولوغ (١) في اعتبار العدد فيها، وإذا قيل بها، ففي قدره روايتان: ثلاث وسبعٌ، وقال الخِرَقيُّ من الحنابلةِ: وكلُّ إناء حلَّت فيهِ نجاسة من ولوغ كلب أو بول أو غيره، فإنَّهُ يُغسَلُ سبعًا، إحداهُنَّ بالترابِ (٢). قالَ القاضي منهم: الظاهرُ [من] (٣) قولِ أحمدَ ما اختاره الخرقي، وهو وجوبُ العدد في جميع (٤) النجاسات (٥). وإيجابُ العددِ والتتريبِ قياسًا علَى الولوغِ، [وهذا إنما يصِحُّ إذا أُلغي الفارقُ بين نجاسة الكلب وغيره، وهو غِلَظُ أمرِ النجاسة، أو المعنى الموجبُ لغِلْظَتِها، والله أعلم] (٦). التاسعة والخمسون: الحديثُ يقتضي استعمالَ التراب في غسل الإناء بمنطوقهِ، وقد قالَ به الشَّافِعي ﵁ (٧)، ولم يقل به مالك،

стр. 524

و [لا] (١) أبو حنيفة رحمة الله عليهما، فقيل في العذر لمالك: إنَّهُ لمْ يروِ هذه الزيادة، فلم (٢) يقلْ بها، ومنهم مَن علَّلَ باضطراب الزيادة من قوله: "أولاهن"، أو "السابعة"، أو "الثامنة"، قال هذا القائل: فهذه (٣) الزيادةُ مضطربةٌ، ولذلك لمْ يأخُذْ بها مالكٌ، ولا أحدٌ من أصحابه (٤). فأمَّا الوجهُ الأولى في العذر: فصحيحٌ لمالك إنْ كَان لمْ يقفْ عليها من رواية عدلٍ غيرِه، وليسَ عذرًا أصلًا لمَن وقف عليها من رواية [عدلٍ] (٥) غيرِه. وأمَّا الثَّاني: [فلابدَّ في التعليل بهذا الاضطراب من عدم الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى بوجهٍ من وجوه الترجيحات، وإلا فالعملُ بالأرجحِ واجبٌ، والمرجوح مُطَّرَحٌ، وأيضًا فإذا صحَّ التعارضُ الموجُب للاطِّراح فيُخَصُّ بما وقع فيه التعارض، وهو محل التتريب، فلا يسوغ إسقاطُ ما اتُّفِقَ عليه، وهو أصل التتريب] (٦).

стр. 525

الستون: في قاعدة يُبنَى عليها غيرُها: [وهي] (١): الأمرُ إذا تعلَّقَ بشيء بعينه، لا يقعُ الامتثالُ إلا بذلك الشيء؛ لأنَّهُ قبل فعلِهِ لمْ يأتِ بما أُمِرَ به، فلا يَخرج عن العُهدةِ، وسواءٌ كانَ الَّذِي تناولهُ الأمرُ صفةً أو لقبًا عندنا؛ لما ذكرناه من توقُّفِ الامتثال عليه. وكان بعضُ أصحابنا قد اعترض في مسألةِ غسلِ النَّجاسَة، وأنَّهُ يتعيَّنُ فيهِ بالماءُ بناءً] (٢) علَى الاستدلالِ بقوله ﷺ : "ثمَّ اغْسِلِيهِ بالماءِ" (٣)، [و] (٤) أنه حكمٌ عُلِّقَ بلقبٍ، ومفهومُ اللقب ليسَ بحجَّةٍ، فلا يدلُّ علَى أنَّهُ لا يجوز بغيرِ الماء، هذا أو قريبًا منه. والَّذِي نقول: إنَّ ما هو مُتعلِّق بالأمرِ (٥) لا بُدَّ مِنهُ لضرورة الامتثال، إلا أن يُعلَمَ إلغاؤُهُ، ولا نظرَ هاهُنا لكونه لقبًا أو صفة، ومحلُّ ذلك الحكمِ يُفرَّقُ فيهِ بين اللقب والصفة كالحديثِ المذكور، فإنَّ محلَّ الحكم هو الدم، فلا يُقَال: إنَّهُ يدلُّ علَى أنَّ غيرَ الدم يجوز غسلُهُ بغيرِ الماء عملًا بالمفهومِ؛ لأنَّ الدمَ لقب لا يدلُّ علَى انتفاء الحكم عمَّا عداه.

стр. 526

الحادية والستون: فيما يترتَّبُ عليه: لمَّا كان الأمرُ هاهُنا مُتعلِّقًا بالترابِ وجبَ أنْ لا يقعَ الامتثالُ إلا به؛ لأنَّهُ لا خروجَ عن العُهدةِ إلا بفعل المأمور به، والأمرُ مُتعلَّقُهُ الترابُ، نعم، لو قالَ قائل: إذا ولغ في كفِّ إنسان، لمْ يجبْ غسلُه بالترابِ، مُستنِدًا في ذلك إلَى المفهومِ ودلالته، قيل: محلُّ الحكمِ هاهُنا هو الإناء، وهو لقبٌ لا يدلُّ علَى نفي الحكم عما عداه. وإنَّما قُلْتُ: مستندًا في ذلك إلَى المفهومِ للإضراب عن الاستناد (١) إلَى الظاهرِ والتَّعبُّد، فإنَّ ذلك توجيهٌ آخر. الثانية والستون: اختلفَت (٢) الشَّافِعيةُ - رحمهم الله تعالَى - في أنَّ التعفيرَ لماذا رُوعيَ؟ فمنهم مَنْ قالَ: [هو] (٣) تعبُّدٌ يُتبَعُ فيهِ ظاهرُ النقل، وهذا يَرجعُ إلَى القاعدةِ الَّتِي ذكرناها فيما مضَى، وهو أنَّهُ لا يلزمُ من كون المعنَى معقولًا في الأصلِ أنْ يطرحَ ما تعلَّقَ به الأمرُ في التفصيلِ، ولا يَمتنع (٤) حملُهُ علَى التَّعبُّدِ، وإنْ عُقِلَ المعنَى في الأصلِ.

стр. 527

ومنهم مَنْ قالَ: سببُهُ الاستظهارُ بغيرِ الماء، [فكأنَّ اقترانُ هذه اللُّزوجةِ] (١) الَّتِي في لُعاب الكلب يُوهِم (٢) أنَّ ذلك سببُ إضافةِ التراب لإزالتها. ومنهم مَنْ قالَ: سببـ[ـه]، الجمعُ بين نوعي الطَّهور. وَينبنِي (٣) علَى هذا الخلاف ما إذا غسلَ بالصابونِ والأشْنَان بدلَ التراب، فمَنْ قالَ بالتَّعبُّدِ، أو الجمعِ بين نوعي الطهور لمْ يكتفِ به، ومَنْ قالَ: سببُهُ الاستظهارُ بغيرِ الماء [اكتفَى (٤). وتعيينُ التراب يُوجِبُ عدمَ الاكتفاء، ومَنْ قالَ بالاكتفاءِ مستندًا إلَى أنَّ المقصودَ الاستظهارُ بغيرِ الماء] (٥)، فهو ضعيفٌ لوجهين: أحَدُهُما: أنَّ هذا استنباطُ عِلَّةٍ من الحكمِ المنصوص [عليه] (٦) يعود علَى النَّصِّ لإبطالِ؛ لأنَّا إذا اكتفينا بما لا يُسَمَّى ترابًا لمْ يجبِ الترابُ أصلًا، وصار هذا كما ردَّ الشَّافِعيةُ علَى الحنفيةِ حيثُ قالوا:

стр. 528

المقصودُ سَدّ خلَّة الفقر (١) بمقدار ما [ليَّة] (٢) الشاة دونَ عينِها، فقالوا لهم: هذا استنباط لعلَّةٍ تقتضي أن لا تجبَ الشاةُ المنصوصُ عليها، فعادت علَى النَّصِّ بالإبطالِ، فكذلك (٣) هذا. الوجه الثاني: إنَّ القاعدةَ في (٤) الأوصافِ الَّتِي يشتمل عليها محلّ الحكم [أن تكون معتبرةً] (٥) إلا ما يُعلَمُ عدمُ اعتباره، ومهما كان في محلِّ الحكمِ مما (٦) يمكنُ أنْ يكونَ معتبرًا لمْ يجزْ إلغاؤُهُ، ومحلّ النَّصِّ قد اشتمل علَى الترابِ وله وصفُ التطهير، وهو وصف يمكن أنْ يكونَ مُعتبرًا في معنَى التغليظِ للنَّجاسةِ المُزالة، فلا يُلغَى. وللشافعيةِ وجهٌ: أنَّهُ يقومُ غيرُ الترابِ مقامَه (٧) عندَ عدمِهِ دونَ وجودِه (٨). [وهذا الذي ذكرناه من تعيين ما عُيِّن في لفظ الرسول واردٌ على

стр. 529

قائل هذا الوجه أيضًا، إلا لمانع من دليل منفصل] (١). الثالثة والستون: غسلهُ ثامنةً (٢) مِن غيرِ ترابٍ، هلْ يقوم مقام التراب؟ اختلف فيهِ الشَّافِعيةُ - رحمهم الله تعالَى - علَى ثلاثة أوجه: ثالِثُها: الفرقُ بينَ وجودِ التراب وعدمِهِ، [والقول في هذا] (٣) كما [قلنا] (٤) في غيرِ الترابِ من المَذْرُورات في الماءِ (٥). وهذا متأخِّرُ الرتبة عن (٦) ذلك لقُربِ المذرورات من الترابِ في معنَى الاستعانة. والصوابُ عدمُ الاكتفاء لما ذكرناه من أنَّ المعيَّنَ لا يقعُ الامتثالُ إلا به، واحتمالِ اعتبار معنَى الجمع بين [نوعين، أو] (٧) نوعي الطَّهور، وما يذكرُ من المعاني المستنبطةِ ليسَ بالقويِّ بالنسبة إلَى مدلولِ الألفاظِ إذا كانت مُزاحِمَةً لغيرِها.

стр. 530

الرابعة والستون: كان المائعُ الَّذِي يصحبُهُ التعفيرُ غيرَ الماءِ كماءِ الوردِ والخَلِّ، وغسلَهُ ستًّا بالماءِ، ففي الاكتفاء به وجهان للشافعية (١)، واستُدِلِّ لعدم الاكتفاء بقوله ﷺ " [فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا] (٢)، إحْدَاهُنَّ بالتُّرابِ"، معناه "فليغسله بالماءِ سبعًا، وإلا لجازَ الغسلُ ستًّا بغيرِ الماء. الخامسة والستون: كان الترابُ نجسًا، ففيهِ للشافعية ﵏ وجهان: قيل: يُكتفَى به (٣)؛ لأنِّ المقصودَ الاستعانةُ بشيء آخرَ، وهذا ضعيف؛ لأنَّهُ لا دليلَ علَى [أنَّ] (٤) ذلك كانَ (٥) المقصودَ، إذا سُلِّمَ أنَّهُ مقصودٌ، ولا سيَّما والإطلاقُ فيما يُقصَدُ به التطهيرُ محمولٌ علَى الطاهرِ؛ لمنافاةِ النَّجِسِ لمقصود الطهارة. السادسة والستون: الأرضُ الترابيةُ إذا تنجَّسَت بإصابة الكلب إيَّاها، هلْ تَحتاجُ في تطهيرها إلَى تراب آخر، أم يَكفي مَحضُ الماء؟ فيهِ اختلافٌ للشافعية، ورُجِّحَ أنَّهُ لا حاجةَ إلَى استعمال التراب؛
следующие страницы →