← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الحادية والستون: فيما يترتَّبُ عليه: لمَّا كان الأمرُ هاهُنا مُتعلِّقًا بالترابِ وجبَ أنْ لا يقعَ الامتثالُ إلا به؛ لأنَّهُ لا خروجَ عن العُهدةِ إلا بفعل المأمور به، والأمرُ مُتعلَّقُهُ الترابُ، نعم، لو قالَ قائل: إذا ولغ في كفِّ إنسان، لمْ يجبْ غسلُه بالترابِ، مُستنِدًا في ذلك إلَى المفهومِ ودلالته، قيل: محلُّ الحكمِ هاهُنا هو الإناء، وهو لقبٌ لا يدلُّ علَى نفي الحكم عما عداه. وإنَّما قُلْتُ: مستندًا في ذلك إلَى المفهومِ للإضراب عن الاستناد (١) إلَى الظاهرِ والتَّعبُّد، فإنَّ ذلك توجيهٌ آخر. الثانية والستون: اختلفَت (٢) الشَّافِعيةُ - رحمهم الله تعالَى - في أنَّ التعفيرَ لماذا رُوعيَ؟ فمنهم مَنْ قالَ: [هو] (٣) تعبُّدٌ يُتبَعُ فيهِ ظاهرُ النقل، وهذا يَرجعُ إلَى القاعدةِ الَّتِي ذكرناها فيما مضَى، وهو أنَّهُ لا يلزمُ من كون المعنَى معقولًا في الأصلِ أنْ يطرحَ ما تعلَّقَ به الأمرُ في التفصيلِ، ولا يَمتنع (٤) حملُهُ علَى التَّعبُّدِ، وإنْ عُقِلَ المعنَى في الأصلِ.

стр. 527

ومنهم مَنْ قالَ: سببُهُ الاستظهارُ بغيرِ الماء، [فكأنَّ اقترانُ هذه اللُّزوجةِ] (١) الَّتِي في لُعاب الكلب يُوهِم (٢) أنَّ ذلك سببُ إضافةِ التراب لإزالتها. ومنهم مَنْ قالَ: سببـ[ـه]، الجمعُ بين نوعي الطَّهور. وَينبنِي (٣) علَى هذا الخلاف ما إذا غسلَ بالصابونِ والأشْنَان بدلَ التراب، فمَنْ قالَ بالتَّعبُّدِ، أو الجمعِ بين نوعي الطهور لمْ يكتفِ به، ومَنْ قالَ: سببُهُ الاستظهارُ بغيرِ الماء [اكتفَى (٤). وتعيينُ التراب يُوجِبُ عدمَ الاكتفاء، ومَنْ قالَ بالاكتفاءِ مستندًا إلَى أنَّ المقصودَ الاستظهارُ بغيرِ الماء] (٥)، فهو ضعيفٌ لوجهين: أحَدُهُما: أنَّ هذا استنباطُ عِلَّةٍ من الحكمِ المنصوص [عليه] (٦) يعود علَى النَّصِّ لإبطالِ؛ لأنَّا إذا اكتفينا بما لا يُسَمَّى ترابًا لمْ يجبِ الترابُ أصلًا، وصار هذا كما ردَّ الشَّافِعيةُ علَى الحنفيةِ حيثُ قالوا:

стр. 528

المقصودُ سَدّ خلَّة الفقر (١) بمقدار ما [ليَّة] (٢) الشاة دونَ عينِها، فقالوا لهم: هذا استنباط لعلَّةٍ تقتضي أن لا تجبَ الشاةُ المنصوصُ عليها، فعادت علَى النَّصِّ بالإبطالِ، فكذلك (٣) هذا. الوجه الثاني: إنَّ القاعدةَ في (٤) الأوصافِ الَّتِي يشتمل عليها محلّ الحكم [أن تكون معتبرةً] (٥) إلا ما يُعلَمُ عدمُ اعتباره، ومهما كان في محلِّ الحكمِ مما (٦) يمكنُ أنْ يكونَ معتبرًا لمْ يجزْ إلغاؤُهُ، ومحلّ النَّصِّ قد اشتمل علَى الترابِ وله وصفُ التطهير، وهو وصف يمكن أنْ يكونَ مُعتبرًا في معنَى التغليظِ للنَّجاسةِ المُزالة، فلا يُلغَى. وللشافعيةِ وجهٌ: أنَّهُ يقومُ غيرُ الترابِ مقامَه (٧) عندَ عدمِهِ دونَ وجودِه (٨). [وهذا الذي ذكرناه من تعيين ما عُيِّن في لفظ الرسول واردٌ على

стр. 529

قائل هذا الوجه أيضًا، إلا لمانع من دليل منفصل] (١). الثالثة والستون: غسلهُ ثامنةً (٢) مِن غيرِ ترابٍ، هلْ يقوم مقام التراب؟ اختلف فيهِ الشَّافِعيةُ - رحمهم الله تعالَى - علَى ثلاثة أوجه: ثالِثُها: الفرقُ بينَ وجودِ التراب وعدمِهِ، [والقول في هذا] (٣) كما [قلنا] (٤) في غيرِ الترابِ من المَذْرُورات في الماءِ (٥). وهذا متأخِّرُ الرتبة عن (٦) ذلك لقُربِ المذرورات من الترابِ في معنَى الاستعانة. والصوابُ عدمُ الاكتفاء لما ذكرناه من أنَّ المعيَّنَ لا يقعُ الامتثالُ إلا به، واحتمالِ اعتبار معنَى الجمع بين [نوعين، أو] (٧) نوعي الطَّهور، وما يذكرُ من المعاني المستنبطةِ ليسَ بالقويِّ بالنسبة إلَى مدلولِ الألفاظِ إذا كانت مُزاحِمَةً لغيرِها.

стр. 530

الرابعة والستون: كان المائعُ الَّذِي يصحبُهُ التعفيرُ غيرَ الماءِ كماءِ الوردِ والخَلِّ، وغسلَهُ ستًّا بالماءِ، ففي الاكتفاء به وجهان للشافعية (١)، واستُدِلِّ لعدم الاكتفاء بقوله ﷺ " [فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا] (٢)، إحْدَاهُنَّ بالتُّرابِ"، معناه "فليغسله بالماءِ سبعًا، وإلا لجازَ الغسلُ ستًّا بغيرِ الماء. الخامسة والستون: كان الترابُ نجسًا، ففيهِ للشافعية ﵏ وجهان: قيل: يُكتفَى به (٣)؛ لأنِّ المقصودَ الاستعانةُ بشيء آخرَ، وهذا ضعيف؛ لأنَّهُ لا دليلَ علَى [أنَّ] (٤) ذلك كانَ (٥) المقصودَ، إذا سُلِّمَ أنَّهُ مقصودٌ، ولا سيَّما والإطلاقُ فيما يُقصَدُ به التطهيرُ محمولٌ علَى الطاهرِ؛ لمنافاةِ النَّجِسِ لمقصود الطهارة. السادسة والستون: الأرضُ الترابيةُ إذا تنجَّسَت بإصابة الكلب إيَّاها، هلْ تَحتاجُ في تطهيرها إلَى تراب آخر، أم يَكفي مَحضُ الماء؟ فيهِ اختلافٌ للشافعية، ورُجِّحَ أنَّهُ لا حاجةَ إلَى استعمال التراب؛

стр. 531

لأنَّهُ لا معنَى للتعفير في الترابِ (١). ويُقَال علَى هذا: إنَّ مَنْ ذهبَ للتَّعبُّدِ بالترابِ، ينبغي أنْ يقولَ بالاحتياجِ إليه هاهُنا؛ لأنَّ كلَّ ما تنجَّسَ بنجاسة الكلب عندَهُ كالإناءِ، ولا اعتبارَ باسم الإناء، وإذا كانَ كالإناءِ، واقتضَى اللَّفظُ [ثَمَّ] (٢) استعمالَ الترابِ، فكذلك هاهُنا، والله أعلم. السابعة والستون: غمسَ الإناءَ في ماء كثير، فَهلْ يَطهُرُ، أم يعدُّ ذلك غسلةً واحدة، ويجب غسلُهُ ستًّا، إحداهُنَّ بالترابِ؟ فيهِ اختلافٌ للشافعية ﵏ (٣)، ومقتضَى الحديثِ عدمُ الاكتفاء؛ لعدم حصول ما عُيِّنَ للتطهير (٤)، والقولُ بالاكتفاءِ إنَّما هو بالنظرِ إلَى المعنَى. الثامنة والستون: قالَ أقضَى القضاة المَاوَردِيُّ الشَّافِعيُّ رحمهما الله تعالَى: اختلفَ أصحابُنا في قَدْرِ ما يلزمُهُ استعمالُه (٥) من التراب علَى وجهين: أَحدهما: أنَّهُ يستعملُ مِنهُ ما يَنطَلِقُ عليه اسمُ التراب من قليلٍ أو

стр. 532

كثيرٍ لورود الخبر بإطلاقه. والوجه الثاني: أنَّهُ يستعملُ مِنهُ ما يستوعِبُ محلَّ الولوغ؛ لأنَّهُ ليسَ موضعٌ مِنهُ لاستعمالِ الترابِ فيهِ أخصُّ من موضعٍ، فَلَزِمَ استيعابُ جميعِهِ (١). فقد استدلَّ بالخبرِ للوجهِ القائل بالاكتفاءِ، وهو مقتضَى ظاهرِ اللفظ، وكذلك هو مقتضَى مَن يرَى بالتَّعبُّدِ في استعمال التراب، وأمَّا الاستيعابُ فمتوجِّهٌ علَى القولِ بأنَّ الغسلَ للنَّجاسةِ، وقد تنجَّسَ كلُّ جزء ممَّا اتصل به الماءُ الَّذِي ولغ فيهِ، والمقصودُ التطهيرُ، فيجبُ في كلِّ ما حصل له التنجيس. التاسعة والستون: قالَ بعضُ مصنفي الشَّافِعية (٢): لا يكفي ذرُّ التراب علَى المحلِّ، وإنْ غسلَهُ سبعًا، بل لا بُدَّ من مائع يمزجه [به] (٣) ليَصِلَ الترابُ بواسطته إلَى جميع أجزاء المحلِّ. وفي إطلاقِ اسمِ التعفيرِ علَى هذا نظرٌ، فإنَّ من غسل وجهَه بماءٍ

стр. 533

يتكَّدرُ بالترابِ فلا يُطلَقُ (١) عليه أنَّهُ عفَّرَ (٢) وجهَهُ بالترابِ، إلا أنْ يُؤخَذَ من اشتقاقِ التعفير من [العفرِ] (٣)، وإنْ كَان كذلك - أو لمْ يكنْ - فلا شكَّ أنَّ التعفيرَ ينطلق علَى إيصال التراب إلَى المحلِّ واتِّصالِهِ به مِن غيرِ ماءٍ أصلًا، وقد ثبتَ في "الصحيحِ" إنَّ أبا جهل قالَ: هلْ يُعفِّرُ محمَّدٌ وجهَهُ في الترابِ (٤). وقال الشاعر (٥): لأُعَفِّرَنَّ مَصُونَ شَيبِي بَينهَا (٦) فإذا كانَ الاسمُ مُنطلِقًا عليه، وعلَى ما يُمزَجُ به، فتعيينُ المزجِ بالماءِ بعينه يحتاجُ إلَى دليلٍ، فإنْ كَان الدليلُ وجوبُ إيصال التراب إلَى جميع المحلِّ، فهذا يحصُل بذرِّه إلَى حيثُ وصولُ (٧) الترابِ إلَى جميعِ أجزائِهِ. نعم، هاهُنا بحثٌ (٨) من حيثُ لفظُ الحديثِ، وهو أنَّ اللَّفظَ يقتضي

стр. 534

حصولَ مُسمَّى الغسلِ في مرَّةِ التراب، وأنَّ الغَسلةَ تكونُ مُستصحِبَةً للتراب، والغسلةُ إنَّما تكون بالماءِ، فيكون يقتضي ماءً مُستصحَبًا بالترابِ، وذلك بالمزجِ به، إلا أنَّ هذا يتوقَّفُ علَى أنَّ الاستصحابَ المذكورَ لا يكونُ إلا بالمزجِ عندَ إطلاقِ اللَّفظ، وفيهِ وَقْفةٌ، ولا يَبعُدُ أنْ يُقَال: إنْ [من] (١) ذَرَّ السِّدرَ والخِطميَّ علَى رأسه ثمَّ أتبعَهُ بالماءِ، أنَّهُ غَسَلَ رأسَهُ بالخطميِّ والسِّدر، فانظر في ذلك. اللَّهُمَّ إلا أنْ يُرادَ بالمزجِ اجتماعُ الماءِ والترابِ كيف كان؛ أبالمزج (٢) قبلَ الصَّبِّ، أو بالذرِّ ثمَّ الصَّبِّ؟ ويكون قوله: لا يكفي ذرُّ الترابِ علَى المحلِّ؛ أي: مقتصرًا علَى ذرِّهِ دونَ اجتماعِه مع الماء، فلا إشكالَ علَى هذا من هذا الوجه، وتكون فائدةُ ما ذكرناه التنبيهَ علَى ما في هذا الوجه. السبعون: مَنْ قال بالتتريبِ، اختلفوا في تعيينِ مرَّة التتريب، واختلفـ[ـت] (٣) الرواياتُ فيها، والشَّافِعيةُ والحنبليةُ لمْ يُخصِّصوه بغسلة معينة (٤)، وفي "صحيح مسلم": "أولاهُنَّ بالترابِ"، وروي:

стр. 535

"السابعة" و"الثامنة" (١). وقال الظاهريُّ بتعيين الأولَى، قالَ: وقد جاء الخبر بروايات شَتَّى في (٢) بعضها: "والسابعة بالترابِ" (٣)، وفي بعضها: "إحداهُنَّ بالتراب" (٤)، قال (٥): وكلُّ ذلك لا يختلف معناه؛ لأنَّ الأُولَى هي بلا شَكٍّ إحدَى الغسلات، وفي لفظ "الأولى" (٦) بيانُ أيَّتُهُنَّ هي، ومن (٧) جعل التراب في أولاهن فقد جعلهُ في إحداهن بلا شَكٍّ، واستعملَ اللفظتين معًا، ومن جعلـ[ـه] في أُخراهن (٨) فقد خالف أمرَ رسولِ الله ﷺ في أنْ تكونَ أولاهن، وهذا لا يحلُّ، وبلا شَكٍّ ندري

стр. 536

أنَّ تعفيرَهُ بالترابِ أولاهنَّ [تطهيرٌ] (١) ثامنٌ إلَى سبع غَسَلات، وأنَّ تلك الغسلةَ سابعةٌ لسائرِهِنَّ إذا جُمِعْنَ، وبهذا تصحُّ الطاعةُ لجميع ألفاظِه ﷺ المأثورةِ في هذا الخبر (٢). قُلْتُ: أمَّا مَا ذَكرَهُ من عدم الاختلاف بالنسبةِ إلَى إحداهن [والأُولَى] (٣): فصحيحٌ واضحٌ، وأمَّا مَا ذَكرَهُ من أنَّ تلك الغسلةَ سابعةٌ لسائرهنَّ إذا جُمِعْنَ، فإنْ أراد به [أنه] (٤) ينطلق علَى الأُولَى سابعةٌ باعتبار الإجماع مع الست، فهذه (٥) الأعداد إنَّما تُعتبَرُ بالنسبةِ إلَى المبدأِ والاختيارِ (٦)، [فيلزم] (٧) أنْ يُطلَقَ علَى جميعِ السبع جميعُ أسماء الباقيات بحسب اختلاف المبدأ الَّذِي تعتبره، فالسابعةُ ثانيةٌ إنْ أخذت المبدأ من السادسةِ، والسادسةُ ثانيةٌ إن أخذت المبدأ من الخامسةِ، وكذا (٨) إلَى آخر الأعداد، وهذا ليسَ بشيء؛ فلا يَصِحُّ له أنْ يكونَ

стр. 537

عاملًا برواية السابعة أو الثامنة إذا عيَّنَ الأولَى. وأما قوله: وبلا شَكٍّ ندري أنَّ تعفيرَهُ بالترابِ في أولاهن ثامنٌ إلَى السبعِ غسلات. قُلْتُ (١): أتعني أنَّهُ غسلٌ ثامن، أو تعني أنَّهُ فعلٌ ثامن؟ فإن عَنَيْتَ الأوَّلَ فذلك باطلٌ؛ لأنَّ استعمالَ التراب - من حيثُ هو ترابٌ - ليسَ غسلًا، ويلزم علَى هذا أنْ يكونَ الإناءُ لا يغسل سبعًا أصلًا، بل لا يزالُ الغسلُ ثامنًا (٢) متَى استعملَ الترابَ في واحدة من الغسلاتِ. وإنْ أردتَ به أنَّهُ فعلٌ ثامن فمُسَلَّمٌ، ولكنَّ الظاهرَ يقتضي أنَّ الثامنةَ غسلةٌ كما قبلها، وهو ظاهرٌ قوي. وجعل بعضُهُم اختلافَ الرواياتِ دليلًا علَى أنَّ محلَّ التراب من الغسلاتِ غيرُ مقصودٍ (٣). وقال آخرُ: لَمَّا نصَّ علَى الطرفينِ كانَ حكمُ الوسط مُلحَقًا (٤) بهما أو بأحدهما، وهذان ضعيفان، أمَّا الأوَّلُ (٥).

стр. 538

الحادية والسبعون: أُورِدَ علَى الشَّافِعيِّ ﵁ في عدم تعيين مرَّة التتريب سؤالٌ، وهو: أنَّ من مذهبِهِ حملَ المُطلَقِ علَى المُقَيَّدِ، وقد ورد "إحداهنَّ"، وورد "أولاهنَّ"، فيجبُ حملُ المُطلَقِ في "إحداهن" علَى المُقَيَّدِ في "أولاهن"؟! هذا أو معناه (١). وهذا هو الَّذِي حكيناه عن ابن حزم فيما تقدَّمَ. وأُجِيب عنه بما حاصلُهُ: أنَّهُ لَمَّا اختلفت الرواياتُ في التعيينِ تعارضت، وبَقِيَ المُطلَقُ علَى إطلاقه. ويُعترَضُ علَى هذا: بأنَّ شرطَهُ التساوي في الرواياتِ (٢) وعدمُ وجود الترجيح في إحداهما (٣)، فأمَّا إذا وُجِدَ ذلك وجبَ العملُ بالراجحِ واطِّراحُ المرجوحِ؛ لامتناعِ إسقاط الراجح بمعارضة المرجوح.

стр. 539

الثانية والسبعون: اختلفوا في إراقة ما وَلَغ الكلبُ فيه، وعند المَالِكيَّةِ أقوالٌ: ثالثها (١): الفرقُ بين الماء والطعام نظرًا إلَى رعاية الماليَّةِ. ورابعها: قالَ عبد الملك: إنْ شربَ من لبنٍ وكان بَدَوِيًا أُكِلَ (٢)، وإنْ كَان حضريًا طُرِحَ، بخلاف الماء، فإنَّهُ يطرحه البدويُّ والحضريُّ. وخامسها: إنْ كَان الطعامُ كثيرًا أُكِلَ، وإنْ كَان قليلًا طُرِحَ (٣). وظاهرُ اللَّفظِ في الأمرِ بالإراقةِ يقتضي عدمَ [هذه] (٤) التخصيصاتِ كلِّها، والقولُ بعدم إراقته مُطلقًا مخالفةٌ لظاهر (٥) الحديث، وباقي الأقوال تَرجِعُ إلَى مصالحَ مُرسَلَةٍ، أو استحساناتٍ يُخصَّصُ بها الظاهرُ أو يُقيَّدُ، والعملُ بالظاهرِ أَولَى. الثالثة والسبعون: استُدِلَّ (٦) بإراقتِهِ علَى نجاسةِ ما وَلَغَ فيهِ، وهو

стр. 540

دليلٌ آخرُ غيرُ الدليلِ المأخوذِ من غسلِ الإناء مِنهُ. الرابعة والسبعون: ظاهرُ الأمر الوجوبُ، فيقتضي وجوبَ الإراقةِ، والَّذِي قدَّمْناه من الفرقِ بين الماء والطعام، إنْ كَان المرادُ مِنهُ أنَّهُ (١) لا يجوزُ إراقةُ الطعام، ففيهِ مخالفةٌ [ظاهرةٌ] (٢) قويةٌ للظاهر، وإنْ كَان المرادُ مِنهُ أنَّهُ يجوز عدمُ الإراقة وإبقاؤُهُ، فهو أقربُ من الأولِ لاحتمالِ أنْ يُحمَلَ الأمرُ علَى الاستحبابِ. الخامسة والسبعون: حكَى المَاوَردِيُّ عن الشَّافِعيِّ - رحمة الله عليهما - أنَّهُ قالَ: وعليه أنْ يُهريقَهُ. قالَ: فاختلف (٣) أصحابُنَا؛ هلْ إراقتُهُ واجبةٌ، والانتفاعُ به مُحرَّمٌ؟ فذهب بعضُهُم إلَى التمسُّكِ بظاهر هذا الكلام، وأوجبَ إراقتَهُ، وحرَّمَ الانتفاعَ به استدلالًا بقوله ﷺ : "إذَا وَلَغَ الكَلبُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَأَرِيقُوهُ" (٤)، ولأنَّهُ لمَّا كان الانتفاعُ بأجزاء الكلب كلِّها حرامًا، كان الانتفاعُ بما نفذت (٥) إليه نجاستُهُ حرامًا.

стр. 541

وقال جمهورُهُم: إنَّ إراقتَهُ لا تجبُ، وإنَّما تُسْتَحَبُّ، والانتفاعُ به من وجهٍ مخصوصٍ لا يَحْرُمُ؛ لأنَّها نجاسةٌ طرأت علَى عينٍ طاهرة، فلم تكنِ المنفعةُ بها مُحرمةً كالميتةِ، ويكون قوله: "فَأَرِيقُوهُ" ليُتَوَصَّلَ بالإراقةِ إلَى غسله، لا لوجوب استهلاكِهِ، قالَ (١): وهذا أصحُّ (٢). وهذا الَّذِي قاله حملٌ للإراقة علَى الاستهلاكِ وعدمِ الانتفاع، وليسَ ذلك بلازمٍ من لفظِ الإراقة؛ فإنَّها لا يلازمُهَا الإتلافُ وامتناعُ الانتفاعِ؛ لجوازِ أنْ يراقَ ويبقَى بحيثُ (٣) يمكنُ الانتفاعُ به. السادسة والسبعون: إذا ثبتَ أنَّ الإراقةَ تدلُّ علَى الإتلافِ والاستهلاك، فيُؤخَذُ مِنهُ: أنَّهُ لا يجوزُ غسلُهُ بالماءِ المولوغ [فيه] (٤)؛ لأنَّ كلمةَ (ثُمَّ) في قوله ﷺ : "فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبع مَرَّاتٍ" تقتضي تَرَتُّبَ سبعٍ علَى الإراقةِ، فلو جازَ غسلُهُ بالمولوغِ فيهِ، لأمكنَ أن يغسلَ مرَّة [به] (٥) قبل الإراقة، يَحتسِبُ بها، فلا يجبُ غسلُهُ سبعًا بعد الإراقة، وهو خلافُ النَّصِّ.

стр. 542

السابعة والسبعون: الَّذِين قالوا بالفرقِ بينَ كونِ الماء وارداً علَى النَّجاسَةِ، وكونِ النَّجاسَةِ واردةً علَى الماءِ يستدِلُّون بالحديثِ، ووجهُهُ: أنَّ الحديثَ يقتضي إراقةَ الماء، ويقتضي غسلَ الإناء (١)، وإراقةُ الماء حقيقةٌ في إراقة جميعِهِ، فلا (٢) يتأدَّى المأمورُ إلا به، وحقيقةُ الغسلِ المأمورِ به تتأدَّى بما يُسَمَّى غسلاً، وإنْ كَان أقلَّ من الماءِ الأول، فقد اقتضَى الحديثُ تنجيسَ الماء الأكثرِ بورود النَّجاسَةِ عليه مع حصولِ التطهيرِ بالماءِ الأول (٣)؛ لوروده علَى النَّجاسَةِ، وذلك دليلٌ علَى ما قيل من الفرقِ، وهذا بناءً علَى (٤) نجاسةِ الغُسالة. الثامنة والسبعون: ويُستدلُّ بالحديثِ علَى أنَّ الماءَ المتغيّرَ بالترابِ المطروح فيهِ طهورٌ؛ لأنَّ الطهورَ هو المُطَهّرُ، وقد جُعِلَ المُطَهِّرُ سبعَ غسلات، فما كلُّ واحد مطهِّرٌ، وإلا لكان المُطَهّرُ ستًّا، وهو خلاف الحديث، ولا يُقَال: إنَّما يتمُّ هذا إذا كان التعفيرُ بمزج التراب بالماءِ، وأمَّا إذا كانَ بذرِّ التراب علَى المحلِّ وإِتْباعه بالماءِ، فلا؛ لأنَّا نقول: إنَّ دلَّ (٥) دليلٌ علَى تَعَيُّنِ المزج للتعفير، فقد تمَّ (١) "ت": "غسله ".

стр. 543

المقصودُ، وإلا فالمأمورُ به مُطلَق [التعفير] (١)، فما دخل تحتَ اسمِهِ وجبَ أنْ يَحصُلَ الإجزاءُ به، وصورةُ المزج تدخل تحت اسمه، فيجبُ أن يحصلَ بها امتثالُ الأمر. فإن قلتَ: فهذا لا بُدَّ فيهِ من أنْ يكونَ اسمُ التعفير منطلقاً علَى صورة المزج. قلتُ: نعم، الأمرُ كذلك لا بُدَّ مِنهُ. التاسعة والسبعون: إذا ولغ الكلبُ في إناءٍ فيهِ [ماءٌ] (٢) أقلُّ من قُلَّتين، تنجَّسَ الماءُ علَى مذهب الشَّافِعيِّ رحمة الله عليه، وكذلك الإناءُ، فلو صُبَّ علَى الماءِ ماءٌ آخرُ حتَّى بلغَ قُلَّتين فصاعداً، فالماءُ طاهرٌ بغيرِ خلافٍ عندَ الشَّافِعية رحمهم الله تعالَى (٣). وأمَّا الإناءُ فحُكِيَ فيهِ ثلاثةُ أوجه (٤): أحدها: أنَّهُ نجسٌ، حتَّى أنَّهُ لو نقصَ الماءُ عن قُلَّتين نجسَ الماءُ بنجاسة الإناء. والثاني: أنَّ الإناءَ طاهرٌ.

стр. 544

والثالث: أنْ يُفَصَّلَ فيُقَال: إنْ ولغ الكلبُ في الإناءِ ولا ماءَ فيه، فيَحصُلُ (١) فيهِ قُلَّتان من ماءٍ: لمْ يطهرِ الإناء. وإنْ كَان فيهِ ماءٌ أقلُّ من قُلَّتين، فولغ فيهِ، تنجَّسَ الإناءُ بنجاسة الماء، ثمَّ صُبَّ فيهِ ماءٌ حتَّى صار قُلَّتين: طَهُرَ الإناء. وقد وُجِّهَ القولُ بأنَّهُ لا يطهرُ الإناءُ؛ بأنَّ الإناءَ حُكِمَ له بنجاسة الكلب، فلا يُحكَمُ بزوالها إلا بعد حصول الغسلات، فأمَّا إذا كان في الإناءِ قُلَّتان من ماءٍ، فولغَ فيهِ، لمْ ينجسْ لكثرة الماء، وفي مسألتنا قد ثبتت النَّجاسَةُ، فلا يُحكَمُ بزوالها وإن صار الماءُ قُلَّتين؛ لأنَّ الغسلاتِ المشروطةَ لمْ توجدْ. قُلْتُ: وهذا يندرجُ تحتَ لفظِ الحديثِ بما أشارَ إليه من قوله: لأنَّ الغسلاتِ المشروطةَ لمْ توجدْ، وُجِّهَ [وجهُ] (٢) التفصيلِ بأنَّ الكلب إذا ولغ في الإناءِ - وفيهِ أقلُّ من قُلَّتين - فإنَّما ينجُسُ الإناءُ تَبَعاً للماء، فإذا حُكِمَ للماء بالطهارةِ، حكم للإناء بالطهارةِ أيضاً تبعاً، فأمَّا إذا ولغَ - ولا ماءَ فيهِ - فإنَّما نَجُسَ الإناءُ نفسُهُ، لا علَى طريق التَّبَع، فلا يَطْهُرُ إلا بأنْ يُغسَلَ سبعاً، وجعلُ القُلَّتَين من الماءِ فيهِ ليسَ كغسلِهِ سبعَ مرات، والله أعلم.

стр. 545

الثمانون: قد مرَّ في المسألةِ قبلَها تصويرُ نجاسة الإناءِ نفسِهِ (١) مِن غيرِ أنْ يكونَ فيهِ ما ولغ (٢) فيهِ الكلب، وهذه الصورةُ لا تندرجُ تحتَ لفظ الحديثِ؛ لأنَّ اسمَ الولوغِ لا ينطلقُ إلا علَى أخذِ الكلبِ من شيءٍ مائعٍ في الإناءِ، وأمَّا تنجُّسُ الإناء بمباشرة بعضِ أعضائه له، فلا ينطلقُ عليه ولوغٌ، فإنْ أُجرِيَ حكمُهُ عليه، فبِطريقِ القياسِ بعدَ تبينِ أنَّ العلةَ النَّجاسَةَ لجميع أعضائه، ومن هاهُنا ينبغي أنْ يُؤخَذَ علَى مَن صوَّرَ نجاسةَ الإناء بنفسِهِ في صور (٣) الولوغ، وأدرجها تحت لفظه. والصوابُ أنْ يُقَالَ في تصوير أصل المسألة: إذا تنجَّسَ الإناءُ بنجاسةٍ كلبيةٍ، ويندرجُ تحتَ هذه العبارة ما تنجَّسَ بالولوغِ في مائعٍ، وما تنجَّسَ بمباشرة الإناء مِن غيرِ ولوغٍ، والله أعلم (٤). * * *

стр. 546

الحديث الثامن رَوَى التِّرْمِذِيُّ من حديثِ المُعتَمِرِ بنِ سليمانَ، عن أيوبَ، عن محمَّدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هُرَيرَةَ ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "يُغْسَلُ الإنَاءُ إِذَا وَلَغَ فِيْهِ الكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ (١)، أُوْلاهُنَّ - أو أُخْرَاهُنَّ - بِالتُّرَابِ، وَإِذَا وَلَغَتْ فِيْهِ الهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً"، صحَّحهُ التِّرْمِذِيُّ، وقد اختُلِفَ في رَفْعِهِ (٢).

стр. 547

الكلامُ عليه من وجوهٍ: * الأول: في التعريفِ: أمَّا أبو هُرَيرَةَ ﵁ فقد تقدَّمَ، وكذلك محمَّدُ بن سيرينَ رحمَهُ الله تعالَى. وأمَّا أيوبُ: فهو ابنُ أبي تميمةَ كَيسانَ، بصريٌّ، والمشهورُ في كُنيتِهِ أبو بكر، وذكر ابنُ الحذَّاء أنَّهُ يُكنَى أبا عثمان، وأنَّهُ رأَى أنسَ ابن مالك، وأيوبُ يُعرَفُ بالسَّخْتَيَانِيِّ، بفتح السين المهملة. قالَ أبو القاسم الجَوهري: مولَى عمَّارِ بن شدَّاد مولَى لعنزة (١)، ثمَّ انتمَوا إلَى بني طُهَيَّةَ (٢)، وماتَ ﵀ في الطاعونِ (٣) الجارفِ بالبصرةِ سنةَ إحدَى وثلاثين ومئة، وقيل: سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل: سنة ثلاثين ومئة، وهو ابنُ ثلاثٍ وستينَ سنةً، وإنَّما يُسَمَّى (٤) بالسَّخْتَيَانِيِّ؛ لأنَّهُ كانَ يبيعُ الجلودَ. قُلْتُ: وكان أيوبُ - رحمه الله تعالَى - من أكابر المسلمين،

стр. 548

وسادات المُتعبِّدِين، وخِيَارِ المُتَثبِّتين (١)، قالَ حماد بن زيد: [قال] (٢) ثنا ميمون الغزَّال قالَ: كُنَّا عندَ الحسن فجاءه أيوبُ، فسلَّمَ عليه وساءَلَهُ، فلمَّا مَضَى أيوبُ، قالَ الحسنُ: هذا سيِّدُ الفِتيان (٣). وعن عبد الله بن بشر (٤) قالَ: كان محمَّدُ بن سيرين إذا حدَّثَهُ أيوبُ بالحديثِ يقول: حدَّثَني الصَّدوقُ (٥). ورَوَى أحمد بن عليٍّ - هو القاضي أبو بكر - حدثنا (٦) أحمد الموصلي، ثنا حماد بن زيد، عن ابن عون قالَ: كانَ أيوبُ أعلمَنَا بالحديثِ (٧). ورَوَى أبو بكر أيضاً قالَ: ثنا أبو السائب، ثنا حفص بن غياث قالَ: سمعتُ هشامَ ابن عُروةَ يقول: ما قَدِمَ علينا من العراقِ أفضلُ من

стр. 549

أيوبَ السَّخْتَيَانِيِّ، ومن ذلك الرَّواسي،؛ يعني: مِسعَراً، لأ [نَّ] (١) رأسَه كان كبيراً (٢). ورَوَى أيضاً قالَ: ثنا داود بن رشيد، ثنا معمر، ثنا عبد الله بن بشر قال: إنَّ الرجلَ رُبَّما جلسَ إلَى أيوبَ، فيكونُ لما يرَى مِنهُ أشدَّ انتفاعاً [منه] (٣) لو سمعَ مِنهُ حديثاً (٤). ورَوَى الجوهريُّ من حديث عَفَّان: ثنا حماد بن زيد قالَ: قالَ أيوبُ السَّخْتَيَانِيُّ: ينبغي للعالمِ أنْ يضعَ الترابَ علَى رأسِهِ تواضعاً لله (٥). قُلْتُ: وحسبُك بمالكِ [بن أنس] (٦) ﵁، وناهيك بما قال في مدحه، وهو قوله: ما حدَّثُتكُم - أو ما أُحَدِّثُكُم - عن أحدٍ إلا

стр. 550

وأيوبُ أفضلُ مِنهُ (١). وكذلك ما قالَ عبدُ الله بن الزُّبَيرِ الحميدي: لقيَ ابنُ عُيَينةَ ستةً وثمانينَ من التابعين، وكان يقول: ما لقيتُ فيهم مثلَ أيوبَ (٢). وقال ابنُ أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو أحبُّ إليَّ في كلِّ شيءٍ من خالد، وهو ثِقَةٌ لا يُسألُ عن مثله، وهو أكبرُ من سليمانَ التيميِّ، ولا يبلغُ التيميُّ منزلةَ أيوبَ (٣). وقال محمَّدُ بن سعدٍ فيهِ: [كان] ثِقَةً، [ثبتاً في] (٤) الحديث، جامعاً، كثيرَ العلم، عَدْلاً، حجةً (٥).

стр. 551

وأما المُعتَمِرُ: فهو ابنُ سليمانَ بن طَرْخَانَ البصري، أبو محمَّدٍ، المشهورُ بالتيميِّ، قيل: كانَ نازلاً فيهم، وهو مولَى مُرَّة. سمع أباه، وعبيدَ الله بن عمر، وخالداً الحذاءَ، وكَهْمساً، وغيرَ واحد. رَوَى عنه: عليُّ بن المَدِيني، وأحمد بن حنبل، ومحمَّد بن أبي بكر، ومحمَّدُ بن الفضل. قالَ محمَّدُ بن سعد (١): كان ثقةً، وُلِدَ سنةَ ستٍّ ومئة، ومات سنة سبع وثمانين بالبصرةِ. وعن قُرةَ بن خالد: ما مُعتمرٌ عندنا بدون أبيه. وقال أبو حاتمٍ: ثِقَةٌ صدوقٌ. وعن [أبي] (٢) سعيد بن يونسَ (٣) قالَ: مات معتمرٌ يوم قُتِلَ زَبَّانُ (٤) الطّليقي بالبصرةِ، وكان الناسُ يقولون: ماتَ اليومَ أعبدُ الناس، وقُتِلَ أشطرُ الناس.

стр. 552

وقد اتَّفقَ الجماعةُ كلُّهم علَى إخراج حديثه؛ الشيخان في "الصحيحين"، وباقي الستة (١). وأمَّا التِّرْمِذِيُّ فقد تقدَّمَ. * * * * الوجه الثاني: ذَكَرَ المُعتَمِرَ وبقيةَ الإسنادِ للتعريف بمَخرَج هذه الرواية. وقولُهُ: وقد اختُلِفَ في رفعه، إشارةٌ إلَى ما يُعَلِّلُ به مَنْ يُعَلِّلُ هذا الحديثَ تبرِّياً عن العُهدةِ. * * * * الوجه الثالث: في تصحيحه: قد ذكرنا تصحيحَ التِّرْمِذِيِّ له، وهو اعتمادٌ علَى عدالةِ الراوي، وقَبولِ زيادةِ العدل فيما يرويه، وحاصلُ تعليل من علَّلَهُ يرجع إلَى

стр. 553

الاختلافِ في رفعه ووقفه. والَّذِي تلخَّصَ لنا: أنَّهُ مُختلَفٌ في رفعه عن أيوبَ (١)، وعن المُعتَمِر (٢)، وعن قُرَّةَ بن خالد، عن محمَّد (٣)، ورواه مرفوعاً عن قُرَّةَ أبو عاصم النَّبِيلُ، وفيهِ: "والهِرَّة مَرَّتين" (٤).

стр. 554

وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرِّ: وهذا الحديثُ لمْ يرفعْهُ إلا قُرَّةُ بن خالد، وقرة ثِقَةٌ ثبت، إلا أنَّهُ قد خالفه (١) غيرُهُ (٢). وقال البَيهَقِيُّ: وأبو عاصمٍ الضحاكُ بنُ مخلد ثِقَةٌ؛ إلا أنَّهُ أخطأ في إدراج قول أبي هُرَيرَةَ [في الهرة] (٣) في الحديثِ المرفوع في الكلبِ، وقد رواه عليُّ بن نصر (٤) الجَهْضَمِيُّ، عن قرة، فبيَّنَهُ بياناً شافياً. ثمَّ أخرجه البَيهَقِيُّ بلفظ: "طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فيهِ الكَلبُ أنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ"، ثُمَّ ذكر أبو هُرَيرَةَ الهِرَّةَ، لا أدري قالَ (٥): مرَّةً أو مرتين.

стр. 555

قالَ نصرُ بن عليٍّ: وجدتُهُ في كتاب أبي في موضعٍ آخر (١) [عن قُرَّة] (٢)، عن ابن سيرينَ، عن أبي هُرَيرَةَ، في الكلبِ مسنداً، وفي الهِرَّة موقوفاً (٣). فتبيَّنَ بما ذكرناه أنَّ مَن صحَّحهُ اعتمد علَى عدالة الرواة الرافعين، ومَن علَّلَهُ علَّلَهُ بالوقفِ (٤). وأمَّا ما اعترضَ به أبو الفرج بن الجوزي علَى هذا الحديث، وقد رواه من جهة التِّرْمِذِيِّ عن سوار بن عبد الله العنبري عن المُعتَمِر، فأجاب بأنَّ سواراً قالَ سفيان الثوري؛ يعني: أنَّهُ ليسَ بشيء (٥). [فهذا الَّذِي اعتَرَض به أبو الفرج ليسَ بشيء] (٦)؛ لأنَّ سواراً الَّذِي قالَ فيهِ سفيان هذا غيرُ سوار الَّذِي رَوَى عنه (٧) التِّرْمِذِيُّ، ذاك سوارُ بن عبد الله بن قدامة متقدِّمٌ في الطبقةِ (٨)، وشيخُ التِّرْمِذِيِّ ماتَ

стр. 556

سنةَ خمس وأربعين [ومئتين] (١) فيما قيل (٢). وقد قالَ الطَّحاوِيُّ بعدما ذكر حديثَ قرة بن خالد، ثنا محمَّد بن سيرين، عن أبي هُرَيرَةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: "طَهُورُ الإناَءِ إذَا وَلَغَ فيهِ الهِرُّ أنْ يُغسَلَ مرَّةً أو مَرَّتَين"، قرةُ شكَّ (٣). رواه (٤) عن أبي بكرة، عن أبي عاصم، عن قرة، وقال: هذا حديثٌ مُتَّصِلُ الإسناد، فيهِ خلافُ ما في الآثارِ الأُوَلِ؛ يعني: الآثار الَّتِي فيها الوضوء من سؤر الهِرَّة، قالَ: وقد فصلَهَا هذا الحديثُ بصحة إسناده، فإنْ كَانَ هذا الأمرُ يُؤخَذُ من جهة الإسناد، فإنَّ القولَ بهذا أَولَى من القولِ بما خالفه، قالَ: فإنْ قالَ قائل: فإنَّ هشامَ بن حسانٍ قد رَوَى هذا الحديثَ عن محمَّد بن سيرين، فلمْ يرفعْهُ - ثمَّ أسندَ الطَّحاوِيُّ الخبرَ من هذه الجهة إلَى أبي هُرَيرَةَ قالَ: سؤرُ الهِرَّةِ يُهْراقُ، ويغسَلُ الإناءُ منه مرَّةً أو مرَّتين. رواه من حديث [أبي هريرة، عن] (٥) وهب بن جرير، عن هشام قالَ: [قيل له] (٦): ليسَ في هذا

стр. 557

ما يُوجِبُ فسادَ حديث قرة؛ لأنَّ محمَّدَ بن سيرين قد كان يفعل هذا في حديث أبي هُرَيرَةَ يَقِفُها (١) عليه، فإذا (٢) سُئِلَ عنها، هلْ [هي] (٣) عن النَّبِيِّ ﷺ ؟ رَفَعَها. والدليلُ علَى ذلك ما حدثنا إبرَاهيمُ بن أبي داود، ثنا إبرَاهيم بن عبد الله الهَرَوِي، ثنا إسماعيل بن إبرَاهيم، عن يحيَى بن عتيق، عن محمَّد بن سيرين: أنَّهُ كان إذا حدث عن أبي هُرَيرَةَ فقيل له: عن النَّبِيِّ ﷺ ؟ فقال: كلُّ حديثِ أبي هُرَيرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ . وإنَّما كان يفعلُ ذلك؛ لأنَّ أبا هُرَيرَةَ لمْ يكنْ يحدِّثُهم إلا عن النَّبِيِّ ﷺ ، فأغناه ما أعلمهم من ذلك في حديث إبرَاهيمَ بن أبي داود أنْ يرفعَ كلَّ حديث يرويه لهم محمَّدٌ عنه. قال: فثبتَ بذلك اتصالُ حديث أبي هُرَيرَةَ [هذا] (٤) مع ثَبْتِ قُرَّةَ وضبطِه وإتقانِهِ (٥). * * *

стр. 558

* الوجه الرابع (١): فيهِ استعمالُ لفظِ (الوُلوغ) في شُرب الهِرَّة. * * * * الوجه الخامس (٢): في حكمه، وفيهِ مسائل: الأولَى: اختلفـ[ـت] (٣) الروايةُ في المرةِ الَّتِي يكون فيها الترابُ، فالَّذِي في "الصحيحِ" لمسلم: "أُولاهُنَّ" (٤)، وروي "أخراهنَّ" (٥) أو [ما] (٦) في معناه، وروي بالشكِّ في "أولاهن" و"أخراهن" (٧)، ورَوَى عنه (٨) غيرُ مسلم "إحداهُنَّ" (٩). وهذه الروايةُ قد حصل فيها لفظة (أو)، وهي إمَّا للشكِّ من (١٠)

стр. 559

الراوي، أو للإباحة من الشارعِ، وظاهر اللَّفظ: أنَّهُ من لفظ الشارع. والأقربُ من جهة الدليل: أنْ يكونَ شكًّا من الراويِ، أمَّا أوَّلاً: فلأنَّا لا نعلمُ أحداً يقول بتعيين الأولَى أو الأخيرة (١) فقط، بل إمَّا بتعيينِ الأُولَى، أو التخييرِ بين الجميع، وأمَّا ثانياً: فلأنَّهُ لا يظهر معنًى معقولٌ لتخصيصِ التخييرِ بين الأُولَى والأخيرة، فتأمَّلْه (٢). الثانية: الخبرُ يَرِدُ بمعنَى الأمر، والأمرُ يرد بمعنَى الخبر؛ لاشتراكِ كلِّ واحدٍ منهما مع الآخر في معنَى التحقُّقِ (٣) والثبوت، فمِنْ ورود الخبر بمعنَى الأمرِ قولُهُ تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ

стр. 560

كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وهذا الحديث مِنهُ؛ أعني: قولَهُ ﷺ : "يُغْسَلُ الإناءُ مِنْ وُلُوغِ الكلب" (١). ولَمَّا كان إطلاق الخبر علَى الأمرِ استعمالاً للفظ في غير موضعِهِ كان مجازاً، ولا بُدَّ في الحملِ عليه من دليل يدلُّ عليه، ودليلُهُ (٢) استحالةُ حملِهِ علَى الحقيقةِ لوجوبِ صدقِ الرسول ﷺ في إخباره عن الواقعِ، وعدمِ لزومِ وقوعِ ذلك في الوجودِ. الثالثة: يَستدلُّ به مَن يرَى غسلَ الإناء من ولوغ الهِرَّة (٣)، وعذرُ مَن خالفَهُ ما قدَّمْناه من أمر رفعِ الحديثِ ووقفِهِ، وقد ذكرنا ما قيل فيه، أو لعلَّهُ يحمِلُه علَى الندبِ، وهو خلافُ الظاهر، يحتاجُ فيهِ إلَى دليلٍ، فإنْ جَعل دليلَهُ الحديثَ الَّذِي يأتي بعد ذلك، فهناك يُنْظَرُ في الترجيحِ بين السَّندَين، أو غيرِهِ. الرابعة: ظاهرُ الأمر بغسلِ الإناءِ من ولوغه تنجسُه (٤)؛ بناءً علَى

стр. 561

ما تقدَّمَ في ولوغ الكلب، وهذا يقتضي منعَ استعماله في الأكلِ والشرب، ولمْ يقلْ به الظَّاهِريُّ، وقال: يُؤكلُ و (١) يشربُ، أو يستعملُ، ثمَّ يغسلُ الإناء بالماءِ (٢) مرَّةً واحدة فقط (٣). الخامسة: إذا كان مقتضاهُ النَّجاسَة، فمقتضاه إراقتُهُ، والظَّاهِريُّ خالفَ في ذلك، وقال بوجـ[ـو] (٤) بِ غسل الإناء، وأنَّهُ لا يجبُ إهراقُ ما فيه؛ لأنَّهُ لمْ ينجسْ، ثمَّ قالَ: ولا يَنجُسُ إلا ما سمَّاهُ الله تعالَى ورسولُهُ ﷺ نَجِساً (٥). قُلْتُ: هذا لا يَصِحُّ؛ أعني: هذا الحصرَ الَّذِي ذكره، ولا يتوقَّفُ التنجيس [علَى] (٦) التسميةِ، وإنَّما يتوقف علَى دليلٍ شرعي يقتضيه، وقولُهُ ﷺ : "تَنَزَّهُوا مِنَ البَوْلِ، فَإنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنهُ" (٧) دليلٌ علَى

стр. 562

وجوبِ التنزُّهِ عنه، ووجوبُ التنزه عنه دليلٌ علَى نجاستِهِ؛ لأنَّهُ معنَى النَّجاسَة، فهذا دليلٌ شرعيٌّ علَى النَّجاسَةِ، وإنْ لمْ يسمَّ نَجِساً. السادسة: من المعلومِ قطعاً أنَّهُ لا أثرَ للذُّكورةِ والأنوثة في معنَى التطهير والتنجيس، فإذا عُلِّقَ الحكمُ بأحدهما تَعَلَّقَ بالآخرِ قطعاً، ويلزمُ الظَّاهِريَّ أنْ (١) يَخصَّه بما ذُكِرَ فيهِ من تذكير أو تأنيث (٢)، إلا أنَّهُ في هذا الجنس يدَّعي أنَّ اللَّفظَ للجنس يعمُّ الذكورَ والإناث، وهو يحتاجُ فيما يدَّعيه من ذلك إلَى نقلٍ خاصٍ، وليسَ إذا فَعَلتِ العربُ هذا في البعيرِ والشاةِ وغيرِهِ يلزمُ تعميمُهُ، والله أعلم. * * *

стр. 563

الحديث التاسع رَوَى مَالِكٌ منْ حَدِيثِ كَبشَةَ بنتِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ، وكانَتْ تَحْتَ ابنِ أبي قتَادَةَ: أنَّ أبا قتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوْءاً، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ. قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أنْظُرُ إلَيهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " [إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ] (١)؛ إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَافَاتِ". أخرجَهُ الأربعةُ، وابنُ خزيمةَ وابنُ حِبَّانَ فى "صحيحيهِما"، وصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢).

стр. 564

وأمَّا ابنُ مَنده فخالف (١). الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريفِ بمَنْ ذُكِرَ فيهِ: أمَّا أبو قَتَادَةَ ﵁: فهو الحارثُ بن رِبعيِّ - بكسر الراء المُهملة، وسكون الباء المُوَحَّدة، بعدها عينٌ مُهملة - (٢) ويُقَال: النُّعمانُ بن ربعي، ويُقَال: عمرو بن ربعي بن بُلْدُمـ[ـة] (٣) - بضم الباء المُوحدة والدال المُهملة أيضاً، وبينهما لامٌ ساكنة - بن خُنَان (٤) - بضم الخاء

стр. 565

المُعجَمَة، وبعدها نونٌ - بن سِنَان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن [سَلِمَةَ] (١) - بكسر اللام - الأنصاري السَّلَمي، بفتح السين واللام معاً. اتَّفقَ الشيخان وبقيةُ الجماعة علَى إخراح حديثه، قالَ يحيَى بن بُكير: مات ﵀ سنةَ أربعٍ وخمسين، وسنُّهُ سبعون سنة (٢). وأما كبشةُ بنت كعب فسيأتي الكلام علَى أمرها. وأما مالكٌ: فهو أبو عبد الله، مالكُ بن أنس [بن مالك] (٣) بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غَيمان - بفتح الغين المُعجمة، وبعدها [ياء] (٤) آخرُ الحروف - بن جُثَيل - بضم الجيم، وفتح الثاء المُثلثة، وبعدها آخرُ الحروف - بن عمرو بن الحارث - وهو ذو أصبح - بن حمير بن
следующие страницы →