← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ما تقدَّمَ في ولوغ الكلب، وهذا يقتضي منعَ استعماله في الأكلِ والشرب، ولمْ يقلْ به الظَّاهِريُّ، وقال: يُؤكلُ و (١) يشربُ، أو يستعملُ، ثمَّ يغسلُ الإناء بالماءِ (٢) مرَّةً واحدة فقط (٣). الخامسة: إذا كان مقتضاهُ النَّجاسَة، فمقتضاه إراقتُهُ، والظَّاهِريُّ خالفَ في ذلك، وقال بوجـ[ـو] (٤) بِ غسل الإناء، وأنَّهُ لا يجبُ إهراقُ ما فيه؛ لأنَّهُ لمْ ينجسْ، ثمَّ قالَ: ولا يَنجُسُ إلا ما سمَّاهُ الله تعالَى ورسولُهُ ﷺ نَجِساً (٥). قُلْتُ: هذا لا يَصِحُّ؛ أعني: هذا الحصرَ الَّذِي ذكره، ولا يتوقَّفُ التنجيس [علَى] (٦) التسميةِ، وإنَّما يتوقف علَى دليلٍ شرعي يقتضيه، وقولُهُ ﷺ : "تَنَزَّهُوا مِنَ البَوْلِ، فَإنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنهُ" (٧) دليلٌ علَى

стр. 562

وجوبِ التنزُّهِ عنه، ووجوبُ التنزه عنه دليلٌ علَى نجاستِهِ؛ لأنَّهُ معنَى النَّجاسَة، فهذا دليلٌ شرعيٌّ علَى النَّجاسَةِ، وإنْ لمْ يسمَّ نَجِساً. السادسة: من المعلومِ قطعاً أنَّهُ لا أثرَ للذُّكورةِ والأنوثة في معنَى التطهير والتنجيس، فإذا عُلِّقَ الحكمُ بأحدهما تَعَلَّقَ بالآخرِ قطعاً، ويلزمُ الظَّاهِريَّ أنْ (١) يَخصَّه بما ذُكِرَ فيهِ من تذكير أو تأنيث (٢)، إلا أنَّهُ في هذا الجنس يدَّعي أنَّ اللَّفظَ للجنس يعمُّ الذكورَ والإناث، وهو يحتاجُ فيما يدَّعيه من ذلك إلَى نقلٍ خاصٍ، وليسَ إذا فَعَلتِ العربُ هذا في البعيرِ والشاةِ وغيرِهِ يلزمُ تعميمُهُ، والله أعلم. * * *

стр. 563

الحديث التاسع رَوَى مَالِكٌ منْ حَدِيثِ كَبشَةَ بنتِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ، وكانَتْ تَحْتَ ابنِ أبي قتَادَةَ: أنَّ أبا قتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوْءاً، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ. قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أنْظُرُ إلَيهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " [إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ] (١)؛ إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَافَاتِ". أخرجَهُ الأربعةُ، وابنُ خزيمةَ وابنُ حِبَّانَ فى "صحيحيهِما"، وصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢).

стр. 564

وأمَّا ابنُ مَنده فخالف (١). الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريفِ بمَنْ ذُكِرَ فيهِ: أمَّا أبو قَتَادَةَ ﵁: فهو الحارثُ بن رِبعيِّ - بكسر الراء المُهملة، وسكون الباء المُوَحَّدة، بعدها عينٌ مُهملة - (٢) ويُقَال: النُّعمانُ بن ربعي، ويُقَال: عمرو بن ربعي بن بُلْدُمـ[ـة] (٣) - بضم الباء المُوحدة والدال المُهملة أيضاً، وبينهما لامٌ ساكنة - بن خُنَان (٤) - بضم الخاء

стр. 565

المُعجَمَة، وبعدها نونٌ - بن سِنَان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن [سَلِمَةَ] (١) - بكسر اللام - الأنصاري السَّلَمي، بفتح السين واللام معاً. اتَّفقَ الشيخان وبقيةُ الجماعة علَى إخراح حديثه، قالَ يحيَى بن بُكير: مات ﵀ سنةَ أربعٍ وخمسين، وسنُّهُ سبعون سنة (٢). وأما كبشةُ بنت كعب فسيأتي الكلام علَى أمرها. وأما مالكٌ: فهو أبو عبد الله، مالكُ بن أنس [بن مالك] (٣) بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غَيمان - بفتح الغين المُعجمة، وبعدها [ياء] (٤) آخرُ الحروف - بن جُثَيل - بضم الجيم، وفتح الثاء المُثلثة، وبعدها آخرُ الحروف - بن عمرو بن الحارث - وهو ذو أصبح - بن حمير بن

стр. 566

سبأ. ذكر نسبه إسماعيل ابن أبي أويس (١) ابن أُخته (٢). ولد سنةَ ثلاثٍ وتسعين من الهجرةِ - فيما قالَ يَحيَى بن بُكير -، ومات مِن غيرِ خلافٍ سنةَ تسعٍ وسبعين ومئة. وقدرُهُ في الإسلامِ [كبير] (٣)، والثناءُ عليه من الأئمةِ كثيرٌ، أجلُّهُ وأعظمُهُ مَا ذَكرَهُ مُصعَبُ بن عبد الله الزبيري قالَ: قالَ لنا سُفيان بن عُيَينةَ: نَرَى هذا الحديث الَّذِي يُروَى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: "يضرِبُ [الناس] (٤) أكبادَ الإبلِ في طلبِ العلمِ، فلا يَجِدُونَ عالِماً أعلمَ مِنْ عالمِ المَدينةِ": أنَّهُ مالكُ بن أنس (٥).

стр. 567

وقال الطَّهْراني: قالَ عبد الرزاق: وفي قول رسولِ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ أنْ يَضربَ الناسُ أكبادَ الإبلِ يطلبونَ العلمَ، فلا يَجِدونَ عالماً أعلمَ من عالمِ المدينةِ"، قالَ عبدُ الرزاق: وكنا نَرَاهُ مالكَ بن أنس (١). وقال عليُّ بن المَدِيني: سمعت عبدَ الرحمن بن مَهدي يقول: أخبرني وهيب (٢) بن خالد - وكان مِنْ أبصرِ النَّاسِ بالحديثِ - أنَّهُ قدم المدينةَ، قالَ: فلمْ أرَ أحداً، إلا تَعرِفُ وتُنْكِرُ، إلا مالكاً ويَحيى بن سعيدٍ الأنصاري (٣)، قال عبدُ الرحمن بن مهدي: لا أُقَدِّمُ علَى مالكٍ في صحة الحديث أحداً (٤). وقال عليُّ بن المديني: سمعتُ يحيَى بن سعيد يقول: ما في القومِ أصحُّ حديثاً من مالك - قالَ: يعني بالقومِ: الثَّوريَّ والأوْزَاعيَّ وابنَ عُيَينةَ - قالَ: ومالكٌ أحبُّ إليَّ من معمر (٥).

стр. 568

وكان يحيَى بن سعيد يقول: سفيانُ وشعبةُ ليسَ لهما ثالثٌ إلا مالكٌ (١). وقال عبد الرحمن بن مهدي: أئمةُ الناس في زمانهم أربعةٌ: سفيانُ الثوري بالكوفةِ، ومالكٌ بالحجازِ، والأوزاعيُّ [بالشامِ] (٢)، وحمادُ بن زيد بالبصرةِ (٣). وقال يحيَى بن مَعين: كان مالكٌ من حُجَجِ الله تعالَى علَى خلقه (٤). وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: الحجةُ علَى المُسلمينِ الَّذِين ليسَ فيهم لبسٌ: سفيانُ الثوريُّ، وشعبةٌ، ومالكُ بن أنس، وسفيانُ بن عُيَينةَ، وحمادُ بن زيد (٥). وقال الربيعُ: سمعت الشَّافِعيَّ يقول: إذا جاءَكَ الحديثُ عن مالكٍ فشُدَّ به يديكَ، وسمعتُ الشَّافِعيَّ يقول: إذا جاءك الخبرُ فمالكٌ النجمُ (٦).

стр. 569

وقال الحسنُ بن رشيق: سمعتُ أبا عبد الرحمن؛ يعني: النَّسَائي، يقول: أمناءُ الله علَى علمِ رسولِه ﷺ شعبةُ بن الحجَّاجِ، ومالكُ ابن أنس، ويحيَى بن سعيد القَطَّان، قالَ: والثوريُّ إمامٌ إلا أنَّهُ يروي عن الضعفاءِ، قالَ: وما أحدٌ عندي بعدَ التابعين أنبلُ من مالك بن أنس، ولا أحدٌ آمنُ علَى الحديثِ مِنهُ، ثمَّ يليه (١) شعبةُ في الحديثِ، ثمَّ يحيَى بن سعيد القطان، [و] (٢) ليسَ أحدٌ بعد التابعين آمنَ علَى الحديثِ من هؤلاء الثلاثة، ولا أقلَّ روايةً عن الضعفاءِ (٣). ورَوَى ابن دَاسَةَ عن أبي داودَ السِّجِسْتَانِيِّ قالَ: رحمَ اللهُ مالكاً كان إماماً، رحم الله الشَّافِعيَّ كان إماماً، رحم الله أبا حنيفةَ كان إماماً. رواه أبو عمر (٤).

стр. 570

وأمَّا ابنُ حِبَّانَ - بكسر الحاء المُهملة، وبعدها باءٌ مُوحَّدةٌ مشددة -: فهو أبو حاتمٍ محمَّدُ بن حبان بن أحمد بن حبان - كالأولِ - ابن معاذ بن مَعْبَدٍ - بالباءِ المُوحدة -[ثم اختلف بعد هذا، فقيل: ابن سعيد بن سَهِيد، وقيل: ابن معبد] (١) بن هَدِيَّةَ، وقيل: معبد بن سَهِيد - بفتح السين، وكسر الهاء - بن هدية - بفتح الهاء، وكسر الدال المُهمَلَة، وتشديدِ الياءِ آخرِ الحروف، بعدها هاءٌ - بن مرَّة بن سعد (٢) ابن يزيد [بن مرَّة] (٣) بن زيد بن عبد الله بن دارِم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زهير بن زيدِ مَنَاة بن تميم. كان أحدَ الحفاظِ المشهورين، والفضلاءِ في هذه الصناعة (٤) المُبرِّزِين، سمع الخلقَ الكثير، ورحل الرحلةَ الواسعة، وزار (٥) الأقطارَ الشاسعة، وصنَّفَ التصانيفَ العديدة، وأظهر المعارف المُفيدة، قالَ في

стр. 571

مقدمة (١) كتابه المُسمَّى بـ"التقاسيم والأنواع" - وهو الَّذِي عنيناه بـ "صحيحه" -: ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ (٢) من إسبيجابَ إلَى الإسكندريةِ، ولمْ نروِ في كتابنا هذا إلا عن مئة وخمسين شيخاً، أقلَّ أو أكثرَ، ولعلَّ مُعَوَّلَ كتابِنا هذا يكون علَى نحوٍ من عشرين شيخاً ممن أدَرْنا السننَ عليهم، واقتنعْنَا بروايتهم عن رواية غيرهم علَى الشرائطِ الَّتِي وصفتُهَا (٣). وذكر الحافظُ أبو بكر الخطيب في كتاب "الجامع بين أخلاق الراوي وآداب السامع" قالَ: ومن الكتبِ الَّتِي تكثر منافعُهَا - إنْ كَانت علَى قدرِ ما ترجمها به [واضعُها] (٤) - مصنفاتُ أبي حاتم محمَّدِ ابن حِبَّان البُسْتِيِّ الَّتِي ذكرها لي مسعودُ بن ناصر السِّجْزيُّ، وأوقفني علَى تذكرة بأساميها، ولمْ يُقَدَّرْ [ليَ] (٥) الوصولُ إلَى النظرِ فيها؛ لأنَّها غيرُ موجودةٍ بيننا، ولا معروفةٍ عندنا، وأنا أذكرُ منها [ما] (٦)

стр. 572

استحسنته (١) سِوَى ما عَدَلْتُ عنه اطَّرحته. قُلْتُ: وأنا أذكرُ ممَّا ذكرَ الخطيبُ ما استحسنتُهُ (٢): كتابُ "علل أوهام أصحاب التواريخ" عشرةُ أجزاء، كتاب "علل حديث الزهري" عشرون جزءاً، كتاب "علل حديث مالك بن أنس" عشرة أجزاء، كتاب "علل ما أسند أبو حنيفة" عشرة أجزاء، كتابُ "ما خالف الثوريُّ شعبةَ" عشرة أجزاء (٣)، كتاب "ما خالف شعبةُ الثوريَّ" جزءان، كتاب "ما انفردَ به أهلُ المدينة من السننِ" عشرة أجزاء، كتاب "ما انفرد به أهل مكة من السننِ" خمسة أجزاء، [كتاب "ما انفرد به أهل خراسان من السنن" (٤) خمسة أجزاء] (٥)، كتاب "ما انفرد به أهل العراق من السننِ" عشرة أجزاء، كتاب "ما عندَ شعبةَ عن قتادةَ وليسَ عندَ سعيدٍ عن قتادة" جزءان، كتاب "ما عندَ سعيد عن قتادة وليسَ عندَ شعبة عن قتادة" جزءان، كتاب "غرائب الأخبار" عشرون جزءاً، كتاب "ما أَغْرَبَ الكوفيون علَى البصريين" عشرة أجزاء، كتاب "ما أغرب

стр. 573

البصريون علَى الكوفيين" ثمانية أجزاء، كتاب "الفصل والوصل" عشرة أجزاء، كتاب "التمييز بين حديث النَّضر الحداني والنضر الخزاز" جزءان، كتاب " [التمييز] (١) بين أشعث بن عبد الملك وأشعث بن سِوَار" جزءان، كتاب "الفصل بين حديث منصور بن المُعتَمِر ومنصور ابن زاذان" ثلاثة أجزاء، كتاب "الفصل بين حديث مكحول الشامي ومكحول الأزدي" جزء، كتاب "آداب الرحَّالة" جزءان، كتاب "ما جعل عبد الله بن عمر عبيد الله بن عمر" [جزءان] (٢)، كتاب "ما جعل شيبان سفيان أو سفيان شيبان" ثلاثة أجزاء، كتاب "مناقب مالك بن أنس" جزءان، كتاب "مناقب الشَّافِعي" جزءان، [كتاب "المُعجَم علَى المُدنِ" عشرة أجزاء، كتاب "الجمع بين الأخبار المُتضادَّة" جزءان] (٣)، كتاب "وصف العدل والمُعدِّلِ" جزءان، كتاب "أنواع العلوم وأوصافُها" ثلاثون جزءاً. قال: ومن آخر ما صنف كتاب "الهداية إلى علم السنن" (٤)، قصد

стр. 574

فيهِ [إظهارَ] (١) الصناعتين اللتين هما صناعتا (٢) الحديث والفقه، يذكرُ حديثاً ويترجمُ له، ثمَّ يذكرُ من يَتَفَرَّدُ بذلك الحديث، ومِن مَفَارِيدِ أيِّ بلد، ويذكرُ تاريخَ كلِّ اسم في إسناده من الصحابةِ إلَى شيخه مما يُعرَفُ نسبُهُ (٣) ومولده وموته وكنيته وقبيلته وفضله وتيقظه، ثمَّ يذكُرُ ما في ذلك الحديثِ من الفقهِ والحكمة، وإنْ عارضَه خبرٌ آخرُ ذكره، وجَمَعَ بينهما، وإنْ تضادَّ لفظُهُ في خبرٍ آخرَ تَلَطَّفَ للجمع بينهما، حتَّى يُعْلَمَ ما في كلِّ خبر من صناعة الفقه والحديث معاً، وهذا من أنبلِ كتبِهِ وأعزِّها. قال الخطيب: سألتُ مسعودَ بن ناصر فقلتُ له: أكلُّ هذه الكتب موجودةٌ عندكم، ومقدورٌ عليها ببلادكم؟ فقال: لا، إنَّما يوجدُ منها الشيءُ اليسير، والنزرُ الحقير، قالَ: وقد كانَ أبو حاتم بن حبان سَبَّلَ (٤) كتبَهُ، ووقفها (٥)، وجمعها في دار رسمها (٦) بها، فكانَ السببَ في ذهابها - مع تطاولِ الزمان - ضعفُ أمر

стр. 575

السلطان، واستيلاءُ ذوي العبث والفساد علَى أهل تلك البلاد. [و] (١) قال: [و] (٢) مِثْلُ هذه الكتبِ الجليلة كان يجبُ أنْ يكثرَ بها النسخُ، ويتنافسَ أهل العلم، ويكتبوها (٣) لأنفسهم، ويُخلِّدوها (٤) أحرازَهم، ولا أحسبُ المانعَ من ذلك كان إلا قلَّةَ معرفة أهل تلك البلاد بمحلِّ العلم وفضله، وزهدهِم فيهِ، ورغبتهِم عنه، وعدمِ تَبصرتهم به، والله أعلم (٥). قُلْتُ: ولمْ يذكرِ الخطيبُ فيمَا ذَكرَهُ كتابَ "التقاسيم والأنواع" الَّذِي اتَّصلَ وجودُهُ إلَى زماننا، وانتهَى أمرُهُ إلينا، وقد رأيت أيضاً لأبي حاتم غير مَا ذَكرَهُ الخطيب عن مسعود. وقد ذكر أبا حاتم أبو سعد الإدريسيُّ في "تاريخ سَمَرْقَنْدَ" فقال: وكان أبو حاتم علَى قضاء سمرقند مدةً طويلة، وكان من فقهاء (٦) الدين، وحُفَّاظ الآثار، والمشهورين في الأمصارِ والأقطار، عالماً بالطبِّ والنجوم وفنون العلم، ألَّف "المُسندَ الصحيح"، و"التاريخ"،

стр. 576

و"الضعفاء"، والكتب الكثيرة في كلِّ فنٍ، وفقَّهَ الناس (١) بسمرقند، وبنَى له الأميرُ أبو المُظفر أحمدُ بن نصر بن أحمد بن شامان صُفَّةً لأهل العلم، خصوصاً لأهل الحديث، ثمَّ تحوَّلَ أبو حاتم من سمرقند إلَى بُسْتٍ، ومات بها، رحمه الله تعالَى. رَوَى عن الحسنِ بن سفيان، وأبي خليفة، وهذه الطبقة من الخراسانيين، والعراقيين، والشاميين، والحجازيين. وذكره الحاكمُ أبو عبد الله في "تاريخ نَيْسَابور" فقال: أبو حاتم البُستِيِّ القاضي، كان من أوعيةِ اللغةِ والفقة والحديث والوعظ، ومن عقلاءِ الرجال، وكان [قد] (٢) قدم نَيْسَابورَ فسمع (٣) من عبد الله بن شِيرَوَيه، ثمَّ إنَّهُ دخلَ العراق فأكثرَ عن أبي خليفة وأقرانِه، وبالأهوازِ وبالموصلِ وبالجزيرة وبالشامِ وبمصرَ وبالحجازِ، وكتب بهراةَ ومروٍ وبُخارَى، ورحل إلَى عمر بن محمَّد بن بجيرٍ وأكثر عنه، ثمَّ صنَّفَ، فأُخْرِجَ له من التصنيفِ في الحديثِ ما لمْ يُسبقْ إليه، ووَلِيَ القضاءَ بسمرقندَ وغيرِها من المدنِ بخراسان، بمروٍ (٤) ونَيْسَابورَ سنةَ أربع وثلاثين وثلاث مئة، وخرج إلَى القضاءِ إلَى نَسَا وغيرها،

стр. 577

وانصرفَ إلينا سنةَ سبع وثلاثين، وأقامَ بنَيْسَابور، وبنَى الخانِقاهَ (١) في باغ الراس (٢) المنسوب إليه، فبقي بنَيْسَابور [إلَى] (٣) سنة أربعين، وانصرف إلَى وطنه ببُسْتٍ، وكانت الرحلةُ بخراسان إلَى مصنفاتِهِ. وذكره الحافظ أبو بكر الخطيبُ فقال فيهِ: وكان قد سافر الكثيرَ، وسمع وصنَّفَ كتباً واسعةً، وحدَّث عن أبي خليفة الفضل بن الحُباب الجُمَحي، والحسن بن سفيان النسوي، وأبي يعلَى المُوصلي، وأبي بكر بن خُزَيمة، ومحمَّد بن إسحاق السرَّاج النَيْسَابوري، وغيرهم من أهل خرسان والعراق والشام ومصر، وكان ثقةً، ثبتاً، فاضلاً، فَهِماً (٤). وذكره الأميرُ أبو نصرٍ فقال فيهِ: حافظٌ جليلٌ كثيرُ التصانيف (٥). وذكر [هـ] (٦) في موضع آخر فقال: وكان من الحفاظِ الأثبات (٧).

стр. 578

وذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر فقال بعدَ ذكرِ نسبِهِ: أحدُ الأئمةِ الرَّحَّالين (١) المُصنفين المُحسنين (٢). قُلْتُ: وكان أبو حاتم من المُنزِّهةِ المُؤولة، مُتحفِّظاً في الكلامِ علَى الأحاديث المُشكِلَة، نافياً عن أهل الحديث عُقَدَ التشبيه، ناطقاً في هذا الفن بملءِ فيه، فرُبَّما تسبَّبَ بذلك (٣) - أو بعضِه - إلَى الشناءةِ (٤) والشناعة من مخالفيه، واختلاف [الناس] (٥) في العقائدِ والمذاهب جزيلاً طويلاً، وأرتعَ بعضُهُم في أعراضِ بعضٍ مَرتعاً وبيلاً، وسدَّدَ في الطعنِ من السهام ما لا تردُّهُ دروع (٦) الزجرِ ولا المَلام، وبثَّ في الأرضِ داهيةً يَحِقُّ أنْ يُقَال [لها] (٧): صَمِّي صَمامَ (٨) ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥].

стр. 579

قالَ الحاكم بعد كلام ذكره أبو حاتم: كثيرُ العلم، وكان يُحسَدُ لفضلِهِ وتقدمِهِ (١). قُلْتُ: وقد اخترنا في غير هذا الكتاب تركَ اعتبار المذاهب بالنسبةِ إلَى قَبول الرواية، وهو المنقول عن الشَّافِعيِّ ﵁ في أهل الأهواء، واستثنَى الخطَّابِيَّةَ الَّذِين يَرَون شهادةَ الزور علَى وفق مذهبهم (٢). وذكر أبو بكر بن نُقْطَةَ أبا حاتم في كتابِهِ فقال: وكان إماماً، حافظاً، صنَّفَ في علم الحديث كتباً حسنة، توفي سنة أربع وخمسين وثلاث مئة (٣). وكذا ذكره الأميرُ قبلَه (٤).

стр. 580

* الوجه الثاني: في تصحيحِهِ: رواه مالك في "المُوطأ" عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حُميدة بنت عبيد بن رفاعة (١)، عن كبشة، وقد ذكرنا من صحَّحه. وقوله: وأمَّا ابن منده فخالف؛ أي: في التصحيحِ، فإنَّهُ لمَّا أخرجَ الحديثَ في "صحيحه بالاتفاقِ والاختلاف" قالَ: وأمّ يحيَى اسمُها حُميدة، وخالتُها كَبشة، ولا يُعرَفُ لهما روايةٌ إلا في هذا الحديث، ومحلُّها محلُّ الجَهالة، ولا يثبتُ هذا الخبرُ من وجه من الوجوهِ، وسبيلُهُ [سبيلُ] (٢) المعلولُ. فجرَى ابن مَنْدَه على ما اشتهر عن أهل الحديث [أنَّهُ] (٣) مَن لا يروي (٤) عنه إلا راوٍ واحد فهو مجهول، ولعلَّ من صحَّحهُ اعتمد علَى

стр. 581

كون مالك رواه وأخرجه، مع ما عُلِمَ من تشدُّدِهِ وتحرُّزِهِ في الرجالِ. قرأت بخط الحافظ أبي الفضل محمَّد بن طاهر وروايته في "سؤالات أبي زرعة" قالَ: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: مالك إذا رَوَى عن رجل لمْ يُعرَفْ فهو حجَّةٌ (١). ورَوَى طاهر بن خالد بن نزار، عن أبيه، عن سفيان بن عُيَينةَ: أنَّهُ ذكر مالكَ بن أنس فقال: كان لا يُبَلِّغُ من الحديثِ إلا صحيحاً، ولا يُحدِّثُ إلا عن ثقات الناس، وما أرَى المدينةَ إلا ستَخْرَبُ بعد موت مالك بن أنس (٢). وهذا اللَّفظ الَّذِي لسفيانَ أعمُّ من كلام أحمدَ الَّذِي قبله مع احتمال كلام أحمد لموافقته. وذكر بشر بن عمر الزَّهراني قالَ: سألتُ مالكَ بن أنس عن رجلٍ فقال: هلْ رأيتَهُ في كتبي؟ قُلْتُ: لا، قالَ: لو كان ثقةً لرأيته في كتبي (٣). وهذا يُفهَمُ مِنهُ أنَّ كلَّ من في كتبه ثِقَةٌ، وإنْ كَان قد شَغَّبَ في هذا بعضُ المُتَأخِّرين؛ لأنَّهُ لا يلزم من كون كلِّ ثقةٍ في كتابِهِ أنْ يكونَ

стр. 582

كلُّ من في كتابِهِ ثقة، إلا أنَّ هذا يُبْطِلُ فائدةَ هذا الكلام بالنسبةِ إلَى السائلِ؛ لأنَّهُ لو كان في كتابِهِ غيرُ ثقةٍ لمْ يدلَّ وجودُهُ في كتابِهِ علَى أنَّهُ ثِقَةٌ، وكلامُ مالك يدلُّ علَى أنَّهُ أحاله في الثقة علَى وجوده في كتابِهِ. وبالجملةِ فإنْ سلكْتَ هذا (١) الطريق في تصحيح هذا الحديث؛ أعني: الاعتمادَ علَى تخريج مالك له، وإلا فالقولُ ما قالَ ابنُ منده (٢)، وقد ترك الشيخان إخراجَهُ في "صحيحيهما"، وأخرجه أبو داودَ، والنَّسَائيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، ونُسِبَ في الأصلِ إلَى التِّرْمِذِيِّ لحكمِهِ بتصحيحه. ومُرادُنا بما نقوله في هذا الكتاب أنَّ ابنَ خزيمة أخرجه في "صحيحهِ" الكتابُ المُسمَّى بـ"مختصر المُختصر من الصحيحِ"، ومرادنا بـ"صحيح ابن حِبَّان": "التقاسيمُ والأنواعُ". * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيهِ مسائل: الأولَى: قولُهُ: "كانت تحت ابن أبي قتادة" كنايةٌ عن كونها زوجتَهُ، والأشبهُ أنْ تكونَ من مجاز التشبيه، شبَّهَ علوَ الزوجِ المعنوي علَى المرأةِ بالفوقيَّةِ الحِسيَّةِ، وضِدُّهُ في حق المرأة بالتحتيَّةِ الحسية.

стр. 583

الثانية: فسكبتْ له وَضوءاً؛ أي: صبَّتْهُ، قالَ الله تعالَى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١]؛ أي: مصبوب، ومن مَجاز هذه اللفظة فَرَسٌ سَكْبٌ، كأنَّ شدةَ جَريِهِ كَسَكْب الماء، فهو سَكْبٌ (١)، [و] (٢) كذلك ثوب سَكْبٌ، يُشَبَّهُ بالمُنْصَبِّ لدِقَّتِهِ ورِقَّتِهِ، كأنَّهُ ماءٌ مَسْكوب، ودمعٌ ساكِبٌ؛ إمَّا بمعنَى مَسْكوب، وإمَّا تصويراً (٣) له بصورة الفاعل (٤). الثالثة: المشهور أنَّ الوَضوءَ - بالفتحِ - هو الماء، وبالضمِّ: المصدر الَّذِي هو الفعل (٥)، قالَ سِيبَوَيْه - رحمه الله تعالَى - في بابِ ما جاء من المصادرِ علَى (فُعُول): وذلك قولك: توضَّأْتُ وُضُوءاً حَسَناً (٦)، [وتطهَّرْتُ طُهُوراً حسناً] (٧). وذكر بعضُ المُتكلمين عليه: أنَّهُ شذَّ في هذا الباب خمسةُ مصادر فجاءت علَى هيئة الاسم (٨)، وكان الوجهُ فيها أنْ تكونَ مضمومةَ الأول،

стр. 584

إلا أنهم استعملوا ضَمَّ الأول فيها اسماً، فعكسُ القياسِ في ذلك، فقال (١): فمنها الوَضوء - بالفتحِ - المصدر، ولذلك وصفَهَ بالحسنِ ليتبيَّنَ (٢) معنَى المصدرية فيه، ثمَّ قالَ: فإذا أردتَ الاسمَ قُلْتَ: الوُضوء - بضم الواو -، وكذلك الطَّهور والطُّهور. قُلْتُ: لا ينبغي أنْ يكونَ الوَضوء - بالفتحِ - مُختصًّا بالمصدرِ، فإنَّهُ قد ورد إطلاقُهُ في الماءِ هاهنا، فإنَّ المشهورَ علَى الألسنةِ فيهِ الفتحُ، نعم هاهُنا بحثٌ، وهو أن الوَضوءَ - بالفتحِ - هو اسمٌ للماء من حيثُ هو ماءٌ (٣)، [أ] (٤) وللماءِ بقيدِ نسبتِهِ إلَى الوُضوءِ بالضمِّ (٥)؟ وقد ذكرتُ في "شرح العمدة" فائدةً تتَعَلَّقُ بهذا (٦) , وستأتي في

стр. 585

هذا الحديث فائدةٌ أُخرَى إنْ شاء الله تعالَى، ويُستَدَلُّ علَى أنَّهُ اسمٌ للماء، بما جاء في الحديثِ مِنْ وضعِ الوَضوء للغُسل لا للوُضوء، وفيهِ احتمالٌ، والله أعلم. الرابعة: أصغَى: أمال، مُعدَّى بالهمزةِ من (صَغَى) إذا مال، والصَّغْو: الميل، يُقَال: صَغَت النجومُ والشمس صَغْواً: مالت للغروب، ويُقَال: صَغَيْتُ (١) الإناء وأصغَيتُهُ، وأصغيتُ إلَى فلان: مِلْتُ بسمعي نحوه (٢)، قالَ الله تعالَى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ

стр. 586

لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وقيل: صَغَيْتُ أَصْغَى، وأَصْغَيْتُ أُصْغِي، من صَاغِيَةِ الرجل الَّذِين يميلون إليه، ومن مجازِهِ قولُهم: فلانٌ مُصغًى إناؤُهُ؛ أي: منقوصٌ حقُّهُ، وقد يُكنَّى به عن الهلاك (١). الخامسة: قوله: "لِتَشربَ مِنهُ": يُحتمَلُ أنْ يكونَ فيهِ حذفٌ؛ أي: تشرب (٢) من مائه، وتكونُ (مِن) للتبعيض [أو لابتداء الغاية] (٣)، ويُحتمَلُ أنْ لا يكونَ فيهِ حذف، وتكون (من) لابتداء الغاية؛ أي: يكونُ ابتداءُ شربِها من الإناءِ. السادسة: قالَ القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالَى: قوله: "أتعجبينَ يا ابنةَ أخي؟ " يُحتمَلُ أنْ يكونَ علَى معنَى التحقيق لما ظنَّهُ من تعجبِهَا؛ لجواز أنْ يكونَ نظرُهَا إليه لغير ذلك، [فلما] (٤) قالت: نعم، قال لها: إنَ رسولَ الله ﷺ قالَ: "إنَّهَا لَيسَتْ بِنَجَسٍ" (٥). السابعة: "لَيسَتْ بِنَجَسٍ" - مفتوحَ الجيم -: من معنَى النَّجاسَة، وأصلُهَا القذارةُ، قالَ الله تعالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ثمَّ اشتُهرَ في عُرْفِ حَمَلَةِ الشريعةِ فيما يُجتنَبُ استصحابُهُ في الصلاةِ،

стр. 587

ويُعبَّر عن إزالته بالطهارة من الخبث (١). الثامنة: قالَ الراغبُ الأصبهاني: الطَّوْفُ والطَّوَافُ المشيُ حولَ الشيء، ومنه: الطائفُ لمن يطوفُ حولَ البيوت حافظاً، يُقَال: طافَ به يطوف، وقالَ : ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧]، وقالَ تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ومنه استُعيرَ الطائفُ من الجنِّ، والخيال، والحادثة وغيرها، قالَ الله تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وقد قرئ: ﴿طَيْفٌ﴾ (٢): [وهو خيال الشيء وصورته المُترائي له في المنامِ أو اليقظة] (٣)، ومنه قيل للخيال: طَيف، قالَ تعالَى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩] تعريضاً بما نالهم (٤) من النَّائبةِ، ومنه قولُهُ : ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ أي: لِقُصَّادِهِ الَّذِين يطوفون به، والطَّوَافون في قوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] عبارةٌ عن الخدمِ، وعلَى هذا الوجه قالَ ﷺ في

стр. 588

الهِرَّةِ: "إنَّهَا منَ الطَّوافينِ عليكمْ (١) أو الطَّوَافات" (٢). وقال البَغَويُّ رحمة الله عليه في "شرح السنة": وقوله: "إنَّما هيَ منَ الطَّوَافين عليكُمْ أو الطَّوَافَاتِ" يتأوَّلُ علَى وجهين: أحدهما: شبَّهَها بالمماليكِ وبخدم البيت الَّذِين يطوفون علَى أهله للخدمة، كقوله تعالَى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]؛ يعني: المماليكَ والخدم، وقال إبرَاهيمُ [النخعي] (٣): إنَّما الهِرَّة كبعضِ أهل البيت، وقولُ ابنِ عبَّاس ﵄: إنَّما هي من متاع البيت (٤). والآخر: شبَّهَها بمَن يطوفُ للحاجة والمسألة، يريدُ أنَّ الأجرَ في مُواساتِها كالأجرِ في مواساة من يطوف للحاجة والمسألة (٥). قُلْتُ: هذا غريبٌ بعيد؛ لأنَّ قوله: "إنَّهَا منَ الطَّوَافين" يقتضي التعليلَ لما سبق ذكرُهُ، والَّذِي سبق هو كونُها ليست بنجس، لا ذِكْرُ الأجر.

стр. 589

قالَ القاضي أبو الوليد الباجي: وقوله: "أوِ الطَّوَافَاتِ" يُحتمَلُ أنْ يكونَ علَى معنَى الشكِّ من الراوي، ويحتمل أنْ يكونَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ ذلك، يريد أنَّ هذا الحيوانَ لا يخلو أنْ يكونَ من جملة الذكور الطوافين، أو الإناث الطوافات (١). * * * * الوجه الخامس: إذا حملْنَا (الطَّوَافين) أو (الطَّوَافَاتِ) علَى الخدم، كانت (من) للتبعيض، وليست الهِرَّة منهم حقيقة؛ لأنَّ اللَّفظَ [حينَئذٍ] (٢) يدلُّ علَى جمع المذكر العاقل، أو المُؤنثِ العاقل، فيجبُ إمَّا إضمارٌ أو مَجاز، أمَّا الإضمارُ فيُقَدَّرُ أنَّها من شِبْهِ الطوافين، أو مثلِ الطوافين، أو ما يُقاربُه، وأمَّا المجازُ فأنْ يُطلقَ عليها لفظُ (الخدم) مجازاً. * * * * الوجه السادس: في الفوائدِ والمباحث، وفيهِ مسائل: الأُولَى: فيهِ جوازُ الدُّخول علَى المحارمِ بسبب الصهر.

стр. 590

الثانية: فيهِ جوازُ الاستعانةِ في أسباب الطهارة، إنْ كَان لفظُ الوَضوء يعتبر فيهِ نسبتُهُ إلَى الطهارةِ، إمَّا بالفعلِ أو بالصلاحيةِ، وهذا إحدَى (١) الفوائد للبحث الَّذِي حركناه، وهو أنَّ الوَضوءَ - بالفتحِ - للماء من حيثُ هو [هو] (٢)، أو يكونُ للماء بقيدِ كونهِ منسوباً إلَى الوُضوءِ - بالضمِ - الَّذِي يُرادُ به الفعل، وقد ذكرتُ في "شرح العمدة" فائدةً أُخرَى (٣). الثالثة: إصغاؤُهُ الإناءَ لتسهيلِهِ الشربَ عليها، [و] (٤) هو من باب الإحسان إلَى البهائمِ، وطلبِ الأجرِ في كلِّ كبد رطبة، والتسببِ إليه، وهو [من] (٥) دقيقِهِ. الرابعة: هذا الماءُ الَّذِي سكبتْهُ كبشةُ، الظاهرُ أنَّهُ (٦) لها [لثبوتِ يدها عليه] (٧)، وقد سقَى أبو قتادة الهِرَّة، ولم يستأذنها، ففيهِ دليلٌ علَى جوازِ مثلِ هذا للضيفِ.

стр. 591

الخامسة: فيهِ استعمالُ حسنِ الأدب مع الأكابر؛ لعدم إنكارِها عليه فيما تعجَّبَتْ منه، أو شكَّتْ في جوازهِ، ويدخلُ فيهِ ما هو من جنسِهِ. السادسة: فيهِ مع ذلك التَّنبيهُ علَى ما يعرِضُ للسائل، ويقعُ في نفسه؛ لتقَعَ الفائدةُ والعلمُ بما لعلَّهُ يحتاجُ إليه، فإنَّ كبشةَ لا بُدَّ أنْ تكونَ نظرت نظرًا فَهِم مِنهُ أبو قتادةَ التعجبَ، وإلا فأصلُ النظرِ لا يقتضي فهمَ التعجب. السابعة: فيهِ دليلٌ علَى أنَّ اجتنابَ النَّجاسَة وما يتَّصِلُ بها أمرٌ متقرر في أنفسِ حملةِ الشرع وأهل الإِسلام، وذلك من تعجُّبِ كبشةَ، ومن تقريرِ أبي قتادة علَى التعجبِ، وجوابُهُ بأنَّها (١) ليست بنجس؛ لأنَّ النجسَ يُجتنَبُ. الثامنة: فيهِ سؤالُ العالم عن الحالةِ الَّتِي تُوقع عنده احتمالُ غلطِ الجاهل واعتقادِه ما ليسَ بصحيحٍ، ليبيِّنَ أنَّهُ صحيحٌ. التاسعة: فيهِ ذكر الدليلُ مع الحكم، لتحصلَ الثقةُ للجاهلِ به، ويطمئنَّ قلبُهُ إليه، وهكذا ينبغي للمفتي إذا أفتَى بشيء ظهرَ له توقُّفُ المُستفتي فيه، وعدمُ فهمِهِ لعلَّتِهِ، أنْ يذكرَ له الدليلَ لتسكنَ نفسُه، وتنتفي عنه عوارضُ الشكوك، وكذلك الحاكمُ إذا حكم بما لا يظهَرُ

стр. 592

وجهُهُ للمحكوم عليه، وقد ينسبُهُ فيهِ إلَى الظلمِ، فينبغي أنْ يبينَ [له] (١) وجهَهُ (٢). العاشرة: في قوله: "أتعجبين" عدولٌ إلَى أحسن العبارتين، وألطفِ المُخاطَبتين؛ [لأنَّهُ لمْ يقلْ: أتنكرين. وإنَّما قلنا: إنَّهُ أحسن المُخاطبتين] (٣)؛ لأنَّ قولَه "أتعجبين" لا ينافي عدمَ الإنكار، فقد يعجب الإنسان من الشيءِ ولا ينتهي إلَى أنْ ينكرَه؛ أي: يردَّهُ نكرًا، وفي قوله: "أتنكرين" ما ينافي عدمَ الإنكار، ونسبةُ المُخاطب إلَى الإنكارِ إيحاشٌ له؛ لما فيهِ من الحكمِ بالمُنافرة والمُعاندة، بخلاف نسبتِهِ إلَى التعجبِ. الحادية عشرة: فيه استدلالٌ علَى طهارةِ السُّؤْرِ، باللَّفظِ الدالِّ علَى طهارة الجُملَةِ، فتأمَّلْه. الثانية عشرة: اختلفوا في سُؤرِ الهر (٤)، فالمنقولُ عن أكثر أهل العلم طهارتُهُ، وكَرِهَ أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ الوضوءَ من سؤره (٥)،

стр. 593

واستُدِلُّ بهذا الحديث علَى الطهارةِ، وأجاب الطَّحاوِيُّ: بأنَّ ذلك يجوز أنْ يكونَ أُريد به كونُها لا تضرُّ مُماسَّتُها للثياب، فأمَّا ولوغُها في الإناءِ فليسَ في ذلك دليلٌ علَى أنَّ ذلك يوجبُ النَّجاسَةَ، أو لا، وإنَّما الَّذِي في الحديثِ من ذلك فعلُ أبي قتادة، فلا ينبغي أنْ يُحتجَّ من قول النَّبِيِّ ﷺ بما قد يَحتملُ المعنَى الَّذِي احتَجَّ به فيه، ويَحتملُ غيرَهُ، وقد رأينا الكلابَ، كونُها في المنازلِ غيرُ مكروه، وسؤرُها مكروهٌ، فقد يجوزُ أيضًا أنْ يكونَ ما روي عن رسول الله ﷺ مما في حديث أبي قتادة، أريدَ به الكونُ في المنازلِ، وليسَ في ذلك دليلٌ علَى حُكْمِ سؤرها، هلْ هو مكروهٌ، أَمْ لا (١)؟ وهذا من الطَّحاوِيِّ تنبيهٌ علَى أنَّ شربَها من الإناءِ المُتوضّأ منه ليسَ (٢) مرفوعًا إلَى النَّبِيّ ﷺ في هذا الحديث، وإنَّما هو فعلُ أبي قتادة، وحملٌ مِنهُ للفظِ الرسول ﷺ علَى ما يدخلُ تحتَهُ (٣) هذا الحكمُ، والَّذِي ذكره من احتمالِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ لما ذَكرَهُ تأويلٌ وتخصيصٌ، والَّذِي احتَجَّ به خصوصيةُ قوله ﷺ : "إنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ"، وإذا لمْ تكنْ نَجَساً، كان سؤرُها طاهرًا. الثالثة عشرة: يُقال في الشيءِ: إنَّهُ نجسٌ، بمعنَى: نجاسةِ عينهِ،

стр. 594

ويُقال: نَجس، بمعنَى: تَنَجُّسِها بما لابسها من النَّجاسَةِ، وإنْ كان طاهرَ العينِ، والباجي - رحمه الله تعالَى - ذكرَ أنَّ ظاهرَ قولهِ ﷺ : "إنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ" ينفي نجاسةَ العينِ (١). ويمكن أنْ يقرَّرَ هذا الَّذِي ذكره [من الظاهرِ] (٢) بأنَّ الضميرَ في قوله: "إنَّها" عائدٌ إلَى الذاتِ، فيعودُ الحكمُ إليها. الرابعة عشرة: إذا كان (النَّجِسُ) مُنطلِقاً علَى نجس العين، و (المُتَنَجِّسُ) بالغيرِ، فيُحتمَلُ أنْ يكونَ من الألفاظِ الَّتِي يُسمِّيها الأصوليون وغيرُهُم: المُشَكَّكَة (٣)؛ لأنَّهُ في نجس العين أَولَى وأقوَى، إذْ لا يمكنُ زوالُهُ عن العينِ بخلاف (المُتنجِّسِ) (٤)، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ إطلاقُهُ علَى المُتنجسِ مَجازاً. الخامسة عشرة: يمكنُ أنْ يَعتذرَ من لا يَرى طهارةَ سؤرِ الهرِّ عن هذا الحديث بحملِهِ على نجاسةِ العينِ، ونفيُ نجاسة العين لا يلزمُ مِنهُ نفيُ النَّجاسَة بالغيرِ، فإنَّ الظاهرَ من الحيوانِ وغيرِه طاهرٌ، وقد ينجسُ

стр. 595

بملابسةِ النَّجاسَة، فلا يلزم من نفي النَّجاسَة عن العينِ نفيُ نجاسةِ السُّؤر، وتكون فائدةُ نفيِ نجاسةِ العينِ عدمَ الاحتراز عن المُلابسةِ والمُلامسة. ويُجاب عنه بعدَ أنْ يقرّرَ أنَّ ظاهرَ قوله: "لَيْسَتْ بِنَجَسٍ" نفيُ النَّجاسَة عن كلها، فيدخل فيهِ سؤرها، وإذا دخل فيهِ سؤرها لمْ يمكنْ حملُ نفي النَّجاسَة علَى نجاسة العين؛ لأنَّ نفيَ نجاسةِ سؤرها بعينه - مع الحكم بتنجيسه - لا يَصِحُّ تعليلُهُ بالطَّوْفِ (١)، فإنَّهُ إذا انتفتِ النَّجاسَةُ عن ذاتها لمْ يناسبِ الحكمَ بعدم نجاستها التعليلُ بالطوفِ [مع الحكم بتنجيس السؤر] (٢)، فإنَّ العلةَ حينَئذٍ هي الطهارة، وما كان طاهرَ العين مِن غيرِ ورود نجاسة عليه لا يعلَّلُ بالطوفِ، وإنما المُناسبُ للتعليل بالطوفِ رفعُ الحرج في الاحترازِ عنه، مع أنَّ ظاهرَ اللَّفظ يقتضي تعليلَ العفو بالطوفِ (٣)، [ثم فيه نظر] (٤). السادسة عشرة: إذا أكلتِ الهِرَّةُ فأرةً، ووَلغت في ماء قليل،

стр. 596

ولمْ تَغِبْ، ففي تنجيسه (١) وجهان للشافعية والحنبلية رحمهم الله تعالَى، ويُستدَلّ للعفو بالتعليلِ المذكور في الحديثِ، وكذلك إنْ غابَتْ، [ثمَّ] (٢) وردت، ففيهِ خلافٌ دونَ الأول في الرتبةِ، علَى نزاعِ يقعُ في هذه الرتبة، فإنَّ الهِرَّةَ عندَ الغَيبةِ لا تَكْرَعُ في الماءِ، بل تجذِبُهُ بلسانها، فلا يطهر (٣). السابعة عشرة: ألحقَ الحنابلةُ بالسِّنورِ ما دونَهُ في الخِلْقةِ كالفأرِ وابن عُرسٍ، قَالَ الخِرَقيّ منهم: ولا يُتَوَضَّأُ بسؤرِ كل بهيمةٍ لا يُؤكَلُ لحمُها، إلا السنور، وما دونها في الخلقةِ (٤). واعتبارُ الخلقةِ ها هُنا أجنبيّ عن مقتضَى التعليل بالطَّوفِ، وإنَّما المُعتبرُ العلةُ المذكورة، فحيثُ وُجِدَت ثبتَ الحكمُ. الثامنة عشرة: قد يستدِلُّ به مَن يرَى أن أَسْآرَ السِّباع الَّتِي تشارك الهرَّ في استعمالِ النَّجاسَةِ ليست بطاهرة، ووجهه: أنَّ التعليلَ ها هنا بالطوافِ تعليل بالمانعِ؛ لأنَّ المشقةَ اللاحقةَ بسبب الطَّوفِ مانعة من الحكمِ بالنَّجاسَة، والتعليلُ بالمانعِ يستدعي قيامَ المُقتَضِي، فيكون

стр. 597

المُقتَضِي للتنجيس موجودًا في السِّباعِ؛ لأنَّهُ لو لمْ يكنْ المُقتَضِي موجودًا فيها لكان التعليلُ بالأصلِ، لا لقيام المانع، ألا ترَى أنَّهُ لا يَحسنُ أنْ تعلَّلَ طهارةُ سؤر الآدميِّ - وما (١) يُؤكَلُ لحمُهُ، ولا يستعملُ النَّجاسَةَ - بعلةِ (٢) الطَّوْفِ، لَمّا أنَّ المُقتضيَ للنَّجاسةِ ليسَ موجودًا فيه، فلا يَحسُنُ تعليلُه بالمانعِ. التاسعة عشرة: اختلفوا فيما إذا تعارضَ الأصل والغالبُ، أيُّهُما يُقَدَّمُ؟ ورجَّحَ بعضُ مصنفي الشّافِعية العملَ بالأصلِ (٣)، ويردُّ عليه أنَّ العملَ بأقوَى الظَّنَّين وأرجحِهِما واجبٌ، والظنُّ الحاصلُ بسبب إلحاقِ الفرد المُعيَّنِ بالأعمّ الأغلبِ أقوَى من الظنّ الحاصل بالأصلِ، فوجبَ تقديمُهُ. ولو أرادَ مَن رجَّحَ العملَ بالأصلِ الاستدلالَ بهذا الحديثِ كان طريقُهُ أنْ يقولَ: لَمّا كان الغالبُ من الهِرَّةِ استعمالَ النَّجاسَةِ بأكل الميتة: وقعَ التردُّدُ في حال ولوغها في الإناءِ بينَ الحمل علَى الأصلِ؛ فيُحكَمُ بطهارة الإناء، وبين الحمل علَى الغالبِ؛ فيحكم بنجاسته،

стр. 598

وكانَ الحديثُ دليلًا علَى العملِ بالأصلِ، دلَّ تقديمُه علَىْ العملِ بالغالب. وجوابُهُ: أنَّ الأمرَ بالعكسِ، وهو دلالتُهُ علَى العملِ بالغالب لأجلِ التعليلِ بالمعارِضِ، وهو الطوافُ (١) المُوجِبُ للطهارةِ أو العفوِ، وقد تقدَّمَ أنَّ التعليلَ بالمانعِ يستدعي قيام المُقتَضِي، فيكون المُقتَضِي للتنجيس لولا هذا المانعُ الخاصُّ موجودًا، والمُقتضي هو غلبةُ استعمالِ النَّجاسَة، فيكون العملُ به هو الراجحُ عندَ عدمِ [هذا] (٢) المُعارِضِ [الخاص] (٣)، وهو الطواف (٤). أو يقول: دلالتُهُ علَى العملِ بالأصلِ مُطلقًا، أم مع مُعارِضٍ؟ الأول ممنوعٌ، ولا يمكنُ دعواه؛ لأنَّ المُعارضَ قائمٌ علَى ما دلَّ عليه التعليلُ بالطوافِ (٥)، وأرشدَ إليه من اعتبار المشقة. والثاني مُسَلَّمٌ، ولكنْ لا يلزمُ من إعمالِ الأصلِ عندَ قيامِ مُعارِضِ الضرورةِ والحاجة إعمالُهُ مُطلقاً، والله أعلم.

стр. 599

العشرون: المالِكيَّةُ يستدِلُّون بهذا التعليل بالطَّوفِ علَى طهارة الكلب، فإنَّ العلةَ موجودةٌ فيهِ عندَ العرب، وطوافُهُ علَى أهل البوادي منهم - وهم الأكثرون - أغلبُ من طواف الهِرَّة (١) عليهم، وهو في الحقيقةِ قياسٌ للكلب علَى الهرِّ، لكنهم يقولون: هو قياسٌ بعلةٍ وَقَعَ الإيماءُ إليها (٢)، وهو استدلالٌ جيِّدٌ، وطريقُ من يريد الجوابَ عنه أنْ يبينَ أنَّ نجاسةَ الكلبِ - أو سُؤْرَه - مُستندٌ إلَى النصّ، ويرجِّحُ دلالَةَ النَّصِّ عليه، وحينئذٍ يُصارُ إليه؛ لأنَّ الحكمَ المُستنِدَ إلَى النَّصِّ أقوَى من القياسِ، ولو كانت العلَّةُ قد أُومِئ إليها، وهناك يقع النظرُ بين الخصمين؛ أعني: في ترجيح دلالَة الأمر بغسل الإناء من الولوغِ علَى النَّجاسَة، علَى الَّذِي دلّ عليه [هذا] (٣) النَّصُّ من الإيماءِ إلَى العلةِ المُقتضية للطهارة، والله أعلم. الحادية والعشرون: الأصوليون يذكرون هذا الحديثَ في دلالَة التنبيهِ والإيماءِ إلَى التعليلِ؛ لأنَّهُ لو لمْ تكنْ علةً لمْ يكنْ ذكرُ الطواف مفيدًا، فإنَّهُ لو قَالَ: لأنَّها سوداء أو بيضاء لمْ يكنْ منظومًا، إذ (٤) لمْ يَرِدِ التعليلُ.

стр. 600

هذه عبارة بعضهم عن هذا المعنَى (١)، وغيرُهُ يقرِّرُه بأنَّهُ لو لمْ يكنْ للتعليل، تَجرَّدَ إخبارًا عن الواقعِ المعلوم، ويجبُ تنزيهُ لفظِ الشَّارع عن مثلِهِ. الثانية والعشرون: يدلُّ علَى اعتبار المشقة في جنس التخفيف، وهو من القواعدِ الأصولية، والله أعلم. الثالثة والعشرون: إذا ثبتَ حكمُهُ (٢)، وأمكنَ أنْ يُقال: إنَّهُ علَى مقتضَى الأصل، [وأنْ يُقال: إنَّهُ علَى خلاف مقتضَى الأصل] (٣) لمُعارِضٍ، فالمصيرُ إلَى الأولِ أَولَى، لما يلزم في الثاني من مخالفة مقتضَى الدليل. مثاله: إذا حكمَ الشارعُ بأنَّ أثرَ الدم بعد الغسل لا يضرُّ، أمكنَ أنْ يكونَ ذلك؛ لأنَّ المحلَّ قد طَهُرَ، وأمكن أنْ يكونَ ذلك للعفو عنه مع بقاء النَّجاسَة، فيُقال: الأوّل أَولَى؛ لأنَّهُ يلزمُ من الحكمِ بالنَّجاسَة مع العفو مخالفةُ الدليل، فإنْ لزم مخالفةُ أصلٍ آخرَ من القولِ بالطهارة، فحينَئذٍ يُحتاج إلَى الجوابِ والتَّخريجِ.
следующие страницы →