← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ولمْ تَغِبْ، ففي تنجيسه (١) وجهان للشافعية والحنبلية رحمهم الله تعالَى، ويُستدَلّ للعفو بالتعليلِ المذكور في الحديثِ، وكذلك إنْ غابَتْ، [ثمَّ] (٢) وردت، ففيهِ خلافٌ دونَ الأول في الرتبةِ، علَى نزاعِ يقعُ في هذه الرتبة، فإنَّ الهِرَّةَ عندَ الغَيبةِ لا تَكْرَعُ في الماءِ، بل تجذِبُهُ بلسانها، فلا يطهر (٣). السابعة عشرة: ألحقَ الحنابلةُ بالسِّنورِ ما دونَهُ في الخِلْقةِ كالفأرِ وابن عُرسٍ، قَالَ الخِرَقيّ منهم: ولا يُتَوَضَّأُ بسؤرِ كل بهيمةٍ لا يُؤكَلُ لحمُها، إلا السنور، وما دونها في الخلقةِ (٤). واعتبارُ الخلقةِ ها هُنا أجنبيّ عن مقتضَى التعليل بالطَّوفِ، وإنَّما المُعتبرُ العلةُ المذكورة، فحيثُ وُجِدَت ثبتَ الحكمُ. الثامنة عشرة: قد يستدِلُّ به مَن يرَى أن أَسْآرَ السِّباع الَّتِي تشارك الهرَّ في استعمالِ النَّجاسَةِ ليست بطاهرة، ووجهه: أنَّ التعليلَ ها هنا بالطوافِ تعليل بالمانعِ؛ لأنَّ المشقةَ اللاحقةَ بسبب الطَّوفِ مانعة من الحكمِ بالنَّجاسَة، والتعليلُ بالمانعِ يستدعي قيامَ المُقتَضِي، فيكون

стр. 597

المُقتَضِي للتنجيس موجودًا في السِّباعِ؛ لأنَّهُ لو لمْ يكنْ المُقتَضِي موجودًا فيها لكان التعليلُ بالأصلِ، لا لقيام المانع، ألا ترَى أنَّهُ لا يَحسنُ أنْ تعلَّلَ طهارةُ سؤر الآدميِّ - وما (١) يُؤكَلُ لحمُهُ، ولا يستعملُ النَّجاسَةَ - بعلةِ (٢) الطَّوْفِ، لَمّا أنَّ المُقتضيَ للنَّجاسةِ ليسَ موجودًا فيه، فلا يَحسُنُ تعليلُه بالمانعِ. التاسعة عشرة: اختلفوا فيما إذا تعارضَ الأصل والغالبُ، أيُّهُما يُقَدَّمُ؟ ورجَّحَ بعضُ مصنفي الشّافِعية العملَ بالأصلِ (٣)، ويردُّ عليه أنَّ العملَ بأقوَى الظَّنَّين وأرجحِهِما واجبٌ، والظنُّ الحاصلُ بسبب إلحاقِ الفرد المُعيَّنِ بالأعمّ الأغلبِ أقوَى من الظنّ الحاصل بالأصلِ، فوجبَ تقديمُهُ. ولو أرادَ مَن رجَّحَ العملَ بالأصلِ الاستدلالَ بهذا الحديثِ كان طريقُهُ أنْ يقولَ: لَمّا كان الغالبُ من الهِرَّةِ استعمالَ النَّجاسَةِ بأكل الميتة: وقعَ التردُّدُ في حال ولوغها في الإناءِ بينَ الحمل علَى الأصلِ؛ فيُحكَمُ بطهارة الإناء، وبين الحمل علَى الغالبِ؛ فيحكم بنجاسته،

стр. 598

وكانَ الحديثُ دليلًا علَى العملِ بالأصلِ، دلَّ تقديمُه علَىْ العملِ بالغالب. وجوابُهُ: أنَّ الأمرَ بالعكسِ، وهو دلالتُهُ علَى العملِ بالغالب لأجلِ التعليلِ بالمعارِضِ، وهو الطوافُ (١) المُوجِبُ للطهارةِ أو العفوِ، وقد تقدَّمَ أنَّ التعليلَ بالمانعِ يستدعي قيام المُقتَضِي، فيكون المُقتَضِي للتنجيس لولا هذا المانعُ الخاصُّ موجودًا، والمُقتضي هو غلبةُ استعمالِ النَّجاسَة، فيكون العملُ به هو الراجحُ عندَ عدمِ [هذا] (٢) المُعارِضِ [الخاص] (٣)، وهو الطواف (٤). أو يقول: دلالتُهُ علَى العملِ بالأصلِ مُطلقًا، أم مع مُعارِضٍ؟ الأول ممنوعٌ، ولا يمكنُ دعواه؛ لأنَّ المُعارضَ قائمٌ علَى ما دلَّ عليه التعليلُ بالطوافِ (٥)، وأرشدَ إليه من اعتبار المشقة. والثاني مُسَلَّمٌ، ولكنْ لا يلزمُ من إعمالِ الأصلِ عندَ قيامِ مُعارِضِ الضرورةِ والحاجة إعمالُهُ مُطلقاً، والله أعلم.

стр. 599

العشرون: المالِكيَّةُ يستدِلُّون بهذا التعليل بالطَّوفِ علَى طهارة الكلب، فإنَّ العلةَ موجودةٌ فيهِ عندَ العرب، وطوافُهُ علَى أهل البوادي منهم - وهم الأكثرون - أغلبُ من طواف الهِرَّة (١) عليهم، وهو في الحقيقةِ قياسٌ للكلب علَى الهرِّ، لكنهم يقولون: هو قياسٌ بعلةٍ وَقَعَ الإيماءُ إليها (٢)، وهو استدلالٌ جيِّدٌ، وطريقُ من يريد الجوابَ عنه أنْ يبينَ أنَّ نجاسةَ الكلبِ - أو سُؤْرَه - مُستندٌ إلَى النصّ، ويرجِّحُ دلالَةَ النَّصِّ عليه، وحينئذٍ يُصارُ إليه؛ لأنَّ الحكمَ المُستنِدَ إلَى النَّصِّ أقوَى من القياسِ، ولو كانت العلَّةُ قد أُومِئ إليها، وهناك يقع النظرُ بين الخصمين؛ أعني: في ترجيح دلالَة الأمر بغسل الإناء من الولوغِ علَى النَّجاسَة، علَى الَّذِي دلّ عليه [هذا] (٣) النَّصُّ من الإيماءِ إلَى العلةِ المُقتضية للطهارة، والله أعلم. الحادية والعشرون: الأصوليون يذكرون هذا الحديثَ في دلالَة التنبيهِ والإيماءِ إلَى التعليلِ؛ لأنَّهُ لو لمْ تكنْ علةً لمْ يكنْ ذكرُ الطواف مفيدًا، فإنَّهُ لو قَالَ: لأنَّها سوداء أو بيضاء لمْ يكنْ منظومًا، إذ (٤) لمْ يَرِدِ التعليلُ.

стр. 600

هذه عبارة بعضهم عن هذا المعنَى (١)، وغيرُهُ يقرِّرُه بأنَّهُ لو لمْ يكنْ للتعليل، تَجرَّدَ إخبارًا عن الواقعِ المعلوم، ويجبُ تنزيهُ لفظِ الشَّارع عن مثلِهِ. الثانية والعشرون: يدلُّ علَى اعتبار المشقة في جنس التخفيف، وهو من القواعدِ الأصولية، والله أعلم. الثالثة والعشرون: إذا ثبتَ حكمُهُ (٢)، وأمكنَ أنْ يُقال: إنَّهُ علَى مقتضَى الأصل، [وأنْ يُقال: إنَّهُ علَى خلاف مقتضَى الأصل] (٣) لمُعارِضٍ، فالمصيرُ إلَى الأولِ أَولَى، لما يلزم في الثاني من مخالفة مقتضَى الدليل. مثاله: إذا حكمَ الشارعُ بأنَّ أثرَ الدم بعد الغسل لا يضرُّ، أمكنَ أنْ يكونَ ذلك؛ لأنَّ المحلَّ قد طَهُرَ، وأمكن أنْ يكونَ ذلك للعفو عنه مع بقاء النَّجاسَة، فيُقال: الأوّل أَولَى؛ لأنَّهُ يلزمُ من الحكمِ بالنَّجاسَة مع العفو مخالفةُ الدليل، فإنْ لزم مخالفةُ أصلٍ آخرَ من القولِ بالطهارة، فحينَئذٍ يُحتاج إلَى الجوابِ والتَّخريجِ.

стр. 601

الرابعة والعشرون: وهذا الحديث يُؤخَذُ مِنهُ ما قدَّمْنا بيانَهَ أنَّ عدمَ المُؤاخذة باستعمال سُؤره، يُحتمَلُ أنْ يكونَ لطهارته، ويُحتمل أنْ يكونَ للمشقة، والحديث دلَّ علَى عدم النَّجاسَة المُساوي لطهارتها، ولو تساوَى القولُ بنجاستها - مع عدم المُؤاخذةِ باستعمال سُؤرها لأجل المانع - مع القول بطهارتها، لمْ يدلَّ طوافُها علَى طهارتها، ولا استلزمه؛ لاحتمالِهِ لأمرين مُتساوِيين علَى هذا التقدير، لكنَّ الشرعَ جعل ذلك دليلًا علَى طهارتها كما أشعر به التعليلُ، فدلَّ علَى أنَّ الإضافةَ إلَى ما لا يلزمُ مِنهُ مخالفةُ الدليل، أَولَى من الإضافةِ إلَى ما يلزمُ مِنهُ مخالفةُ الدليل، والله أعلم بالصواب.

стр. 602

الحديث العاشر عنْ أَنسَ بْنِ مالِكٍ ﵁ قَالَ: جاءَ أَعْرابِيٌّ فَبالَ في طائِفَةِ المَسْجدِ، فَزَجَرَهُ النّاسُ، فَنَهاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمّا قَضَى بَولَهُ، أَمَرَ النَّبِي ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ، فأُهْرِيقَ عَلَيهِ. لفظُ روايةِ البخاريِّ، وهو مُتَّفَقٌ عليه (١).

стр. 603

الكلامُ عليه من وجوه: * الأول: في التعريفِ بمَنْ ذُكِرَ فيهِ: فنقولُ: أنسُ بن مالكٍ بنِ النَّضْر بن ضَمْضَم بن حَرام - بفتح الحاء والراء المُهمَلَتين - بن جُندب بن عامر بن غَنْم بن عَدِي بن النَّجّارِ، الأنصاريُّ، النجاريُّ، خادمُ رسول الله ﷺ ، أمُّهُ أمُّ سُليم بنت مِلْحان الأنصاريةُ، كان سِنُّهُ حين قدم النَّبِيُّ ﷺ عشرَ سنين (١)، وقيل: تسعًا، وقيل: ثمانياً. وكانت وفاتُهُ ﵁ سنةَ إحدَى وتسعين من الهجرةِ (٢)، وقيل: [سنة] (٣) ثلاث وتسعين (٤). وقيل: كان سنُّهُ إذ مات مئةَ سنة وعشر سنين، وقيل: بزيادة سبع علَى المئةِ فقط، وقيل: بزيادة ثلاث فقط، وقال حُمَيد: إنَّ أنسَ بن

стр. 604

مالك عُمِّرَ مئة سنةٍ إلا سنةً (١). قال أبو عمر: ويُقال: إنَّ أنسَ بن مالك قَدَّمَ من صُلبه من (٢) ولدِهِ وولدِ ولده مئةً قبلَ موته، وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ دعا له فقال: "اللهُمَّ اززُقْهُ مالًا وولدًا، وبارِكْ لَهُ"، قَالَ أنس ﵁: فإني لمِنْ أكثرِ الأنصار مالًا وولداً (٣). ويقال: إنَّه وُلِدَ لأنسِ بن مالك ثمانون ولدًا، منهم ثمانية وسبعون ذكورًا وأُنثَيان، الواحدة تسمَّى حفصةُ، والثانية تُكنَى أمَّ عمرو، وهذه الأولاد لمْ تعرفْ أسماءُ جميعهم، والَّذِين ذُكِرَ اسمُهُم (٤) منهم: عبد الله، وعبيد الله، وزيد، ويحيى، وخالد، وموسَى، والنضر، وأبو بكر، والبراء، والعلاء، وأبو عمير، وعمر (٥) ابن بنتِهِ. وأنسُ بن مالك ﵁ من المُكثِرِينَ عن رسول الله ﷺ في روايته، معدودٌ في (٦) أصحاب الألوف، وقد عُدَّ له ألفا حديثٍ، ومئتا

стр. 605

حديث، وستةٌ وثمانون حديثاً، وهذا العددُ بالنسبةِ إلَى مُسنَدِ بَقِيِّ بن مَخْلَد الأندلسي، كذا وجدتُهُ. وأمَّا في "الصحيحينِ" فإنَّهُ نُسِبَ إليهما ثلاثُ مئةِ حديثٍ وثمانيةَ عشرَ حديثًا، المُتَّفَقُ عليه منها مئةٌ وثمانية وستون، وانفردَ البخاريُّ بثمانين، ومسلمٌ بتسعين، والَّذِي رأيته في "الجمعِ بين الصحيحين" في عدد أفراد البخاريّ: اثنان وثمانون، وفي عدد أفراد مسلم: واحدٌ وسبعون (١). ويقال: إنَّ أنس بن مالك آخرُ من مات من أصحاب رسول الله ﷺ بالبصرةِ (٢).

стр. 606

* الوجه الثاني: في تصحيحه: وهو مُتَّفَقٌ علَى صحَّتِهِ وإخراجِهِ في "الصحيحينِ" من رواية إسحاقَ بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، فأخرَجَهُ البُخاريُّ عن موسَى، عن همام (١)، وأخرجَهُ مسلمٌ عن زهير، عن عمر بن يونس عن عكرمة بن عمار (٢)، [وكلاهما] (٣) عن إسحاق المذكور، والله أعلم. * * * * الوجه الثالث: في شيءً من مفردات ألفاظه، وفيهِ مسائل: الأولَى: قَالَ الراغب: العَرَبُ: أولادُ إسماعيلَ ﵊، والأَعْرابُ: جمعُهُ (٤) في الأصلِ، وصارَ ذلك اسماً لسكّان البادية، قَالَ الله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقال الله تعالَى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧]، ثم قال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩]، وقيل في جمع

стр. 607

الإعراب: أَعارِيبُ، قَالَ الشاعر [من الوافر]: أَعارِيبٌ ذَوُو فخرٍ بإفكٍ (١) والأَعْرابُ في التعارفِ [صار اسماً] (٢) [للمنسوبين] (٣) إلَى سكان البادية (٤). الثانية: قال الراغب: والطائفةُ من الناس: جماعةٌ منهم، ومن الشيءِ: القطعةُ منه، وقولهُ : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، قَالَ بعضُهُم: قد يقعُ علَى واحد [فصاعداً]، وعلَى ذلك قولُهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وقولُهُ : ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. وطائفةٌ إذا أُرِيدَ به الجمعُ فجَمْعُ طَوّاف (٥)، وإذا أريد الواحدُ

стр. 608

فيصحُّ أنْ يكونَ (١) جمعًا، وكُني به عن الواحدِ، ويصحُّ أن يُجعلَ كراوِيَةٍ وعَلَّامَةٍ ونحوِ ذلك (٢). الثالثة: قَالَ الجوهريُّ: الزَّجْرُ: المنع والنهي (٣)، يقال: زَجَرَهُ وازْدَجَرهُ فانْزَجَرَ وازْدَجَر، والزَّجُورُ من الإِبلِ: الَّتِي تَعْرِفُ بعَيْنها، وتُنْكِرُ بأَنفها (٤). وقال الراغب: الزَّجْرُ: طردٌ بصوتٍ، يقال: زَجَرَهُ فانْزَجَرَ، قَالَ الله تعالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]، ثمَّ يستعمل في الطردِ [تارةً]، وفي الصوتِ تارةً، وقولُه تعالَى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢]؛ أي: الملائكة تَزْجُرُ السَّحاب، وقوله تعالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤]؛ أي: طَرْدٌ ومَنعٌ عن ارتكاب المآثم، وقوله : ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]؛ أي: طُرِدَ، ومنه استعمالُ الزجرِ فيهِ لصياحهم بالمطرودِ، نحو أنْ يُقالَ: اُغْرُبْ، وتَنَحَّ، ووراءَكَ (٥).

стр. 609

الرابعة: الذَّنُوبُ: لفظٌ مُشتَرَكٌ في اللغةِ، قَالَ الشاعر [من مجزوء الرجز]: وما الذَّنُوبُ والذنُو ... بُ والذَّنُوبُ والرَّمَل فالذَّنُوبُ: يُطلَقُ علَى الفرسِ الطويل الذنب، وعلَى النَّصيبِ، قَالَ الله تعالَى: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وعلَى الدَّلوِ الكبيرة، والمرادُ ها هُنا: الدلو المَلأَى. قال الجوهري: والذَّنُوبُ: الدَّلْوُ المَلأَى ماءً، وقال ابن السِّكِّيت: فيها ماءٌ قريبٌ من المِلْء، تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، ولا يُقال لها وهي فارغةٌ: ذَنوب (١)، والجمع في أَدنىَ العَدد: أَذْنِبة، والكثيرُ: ذَنائبُ، مثل قَلُوصٍ وقَلائصَ (٢). * * * * الوجه الرابع: في شيءٍ من العربيةِ، [وفيهِ مسألتان] (٣): [الأُولَى] (٤): الأعرابيُّ نسبةٌ إلَى الأعرابِ، والأعرابُ جمعٌ في اللَّفظِ والمعنَى له واحدٌ مُستعمَلٌ، وما كان كذلك فالأصلُ في النسبِ

стр. 610

أن يُنسَبَ إلَى الواحدِ، كـ (مَسجديٍّ) في النسبةِ إلَى (المساجد) (١)، وقد جاء نسبُ الأعرابيِّ إلَى اللفظِ، فيحتاج إلَى التخريجِ. قال سِيْبَوَيْه رحمه الله تعالَى: وتقول في الأعرابِ: أعرابي؛ لأنَّهُ ليسَ له واحدٌ علَى هذا المعنَى، ألا ترَى أنَّك تقول: العَرَب، فلا يكون علَى هذا المعنَى (٢). وقال أبو علي رحمه الله تعالَى: لو رَدَدتَهُ إلَى الواحدِ - وهو (عَرَبٌ) - لَزِدتَهُ عُموماً (٣). والكلامان متقاربان أو مُتَّحِدا المعنَى، وتقريرُهُ: أنَّ الأعرابَ أخصُّ من العربِ، وكلُّ أعرابي عربيٌّ، وإذا كان كذلك، فلو رددته إلَى الواحدِ لكان معناه العموم؛ لأنَّ (٤) الخصوصَ الَّذِي في (أعراب) (٥)، فعلَى هذا قَالَ سِيْبَوَيْه: لأنَّهُ ليسَ له واحد علَى هذا

стр. 611

المعنَى؛ أي: ليسَ له واحد علَى معنَى الخصوص. وقوله: ألا ترَى أنَّك تقول: العَرَب، فلا يكون علَى هذا المعنَى؛ أي: يكون عامًّا ليسَ علَى معنَى الخصوص، فكأنَّهُ وإنْ كان له واحد، فليسَ (١) بمنزلة عباديد، فإنَّ واحدَهُ ليسَ علَى معنَى لفظه (٢)، وهو كلامُ أبو على رحمه الله تعالَى. وقال بعضهم: إنَّهُ بمنزلة عباديد، واحتَجَّ بأنَّهُ ليسَ علَى معنَى الإعراب للتخصيص [الَّذِي فيه] (٣)، وقال بعضُهم: الأعرابُ اسمٌ للجمع، [و] (٤) قال بعضُهم: جمع سُمّيَ به (٥)، وعلَى هذا يدلُّ كلامُ الرّاغبِ الَّذِي قدَّمْناه حيثُ قال: والأعرابُ جمعُه (٦) في الأصلِ، وصار ذلك اسمًا لسكان البادية. الثانية (٧): لا بُدَّ من حذفٍ في قوله: "بذَنُوب من ماء"؛ لأنَّ الذنوبَ لا يُصَبُّ، ولا هو أيضاً من جنس الماء، ولا بعضُهُ، فتكون

стр. 612

(من) لبيان الجنس، أو للتبعيض، ولا يَحسنُ أنْ يُقدَّرَ المحذوفُ: ماء، حتَّى يصيرَ التقدير: فأمر بماء ذنوب من ماء، والَّذِي ينبغي أنْ يُقدَّرَ: بملاءِ ذنوب من ماء، أو ما يقارب (١) هذا، ويجوز أنْ يكونَ التقدير: بذنوب مملوء من ماء. وقولُهُ: "فزجرَهُ النّاسُ"، إمّا أنْ يكونَ من العامّ الَّذِي أُريدَ به الخاص، أو يكون من باب حذفِ الصّفةِ، كأنَّهُ قيل: فزجره الناس الحاضرون مثلًا. * * * * الوجه السادس: في الفوائدِ والمباحث، وفيهِ مسائل: الأولَى: فيهِ دليلٌ علَى أن الاحترازَ عن النَّجاسَةِ، وتَجَنُّبَها في الجملةِ، أمرٌ مُتَقَرِّرٌ في نفوس حَمَلَةِ الشرع. الثانية: فيهِ المبادرةُ إلَى الأمرِ بالمعروف والنهي عن المُنكرِ. الثالثة: فيهِ أمرٌ زائدٌ علَى أصل الأمر بالمعروفِ، وهو استعمالُ القوة والغلظة في ذلك، إمّا لما حكيناه عن بعضهم: أنَّ الزجرَ أشدُّ النهي، وإمّا لمبادرةِ جماعة من الناسِ إليه. وذلك أمرٌ مطلوبٌ لما فيهِ من الغضبِ والغَيْرةِ لحق الله تعالَى،

стр. 613

ولأنَّهُ أبلغُ في حصول المقصود، وقد كان ﷺ إذا خطب على صوتُهُ واشتدَّ غضبُهُ كأنَّهُ مُنذِرُ جيش (١). فإن قُلْتَ: فقد أنكرَ ﷺ هذا الإنكارَ؟ قُلْتُ: لعلَّ إنكارَهُ ﵇ لأجلِ مُعارِضِ (٢) الجهلِ من الأعرابي، وقربِ العهد بالإِسلامِ (٣)، والإنكارُ من هذا الوجهِ لا يُنافي الإغلاظَ عندَ عدم هذا المُعارِض، والله أعلم. الرابعة: فيهِ أنَّ مبادرةَ الصحابة ﵃ أجمعين إلَى الإنكارِ بحضرة رسول الله ﷺ مِن غيرِ مُراجعة، ليسَ من باب التَّقدم بين يدي الله ورسوله، وذلك أنَّهُ قد تقرَّرَ عندهم من الشرعِ ما أوجبَ الإنكارَ، فأمرُ الشرع متقدّمٌ، فلا يكونُ فعلُهُم تقدُّماً (٤)، ولا شكَّ أنَّ هذه الواقعةَ الخاصَّة لمْ يتقدَّمْ فيها إذنٌ، فيدلُّ علَى أنَّهُ لا يُشتَرَطُ الإذنُ الخاص، ويُكتفَى بالعامّ، وقد اختلف المُفسرون في معنَى قوله تعالَى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] (٥).

стр. 614

الخامسة: في قاعدةٍ ينبني عليها غيرُها: المحكيُّ عن ابن سُرَيجٍ رحمه الله تعالَى: أنَّهُ لا يجوزُ التمسكُ بالعامّ قبل البحث عن المُخصصِ، وعن الصَّيْرَفي - رحمه الله تعالَى - جوازُهُ، واختيارُ بعض المُتَأخّرين (١) المنعُ، وزعم أنَّهُ لا يكادُ يُختلَفُ فيه (٢). والَّذِي أقوله: إنَّهُ إنْ أريدَ بذلك أنَّهُ لا بُدَّ للمجتهدِ من نظرةٍ فيما [تأخَّر من النصوص، أو ما] (٣) تيسَّرَ له مراجعتُهُ ممَّا شُعر فيهِ باحتمال التخصيص، فذلك صحيح، وإن أُريد به التوقُّفُ حتَّى يقعَ علَى ما لمْ يبلغْهُ من النصوصِ، ولا شعر به مع قُربِ المُراجعة، فلا يصحُّ،

стр. 615

والدليلُ عليه: أنَّ علماء الأمصار ما بَرِحوا يُفتون بما بَلَغهم مِن غيرِ توقفٍ علَى البحثِ في الأمصار والبلاد عمّا لعلَّهُ يكونُ تخصيصاً (١). وبهذا نجيب عن قول الناصر للوجوب: إنَّهُ لو كان كذلك، لكانت رتبةُ الاجتهادِ مُمكِنَةً لكلِّ أحدٍ حصلت له أدنىَ أهليَّةٍ؛ لأنّا أولًا شرطنا أنْ يكونَ أهلًا للاجتهاد، وذلك يقتضي اطِّلاعَهُ علَى جملةٍ من النصوصِ زائدةٍ لا يصلُ إليها من له أدنىَ أهلية، وأيضًا [فقد] (٢) شرطنا [النظر] (٣) فيما بَلَغه من النصوصِ، وهلْ فيها تخصيص، أم لا؟ (٤) وذلك لا يكفي فيهِ أدنىَ أهلية. السادسة: مما (٥) يُبتنَى علَى هذه القاعدة: أنَّ الصحابةَ رضوان الله عليهم أجمعين لما استقرَّتْ عندهم [هذه] (٦) القاعدةُ الكليَّةُ، وثبت الحكمُ [العام] (٧) في وجوب تنزيه المسجد عن النَّجاسَةِ، وكانت هذه الواقعةُ المُعينةُ مخصوصةً من ذلك الحكم العام، كما تبيَّن من قول

стр. 616

الرسول ﷺ ونهيِهِ عن زَجْرِه، وقد جرَى الصحابةُ علَى الحكمِ بالأمرِ العام مِن غيرِ مراجعة الرسول ﷺ مع احتمال التخصيص، فيدلُّ (١) ذلك علَى ما ذكرناه. ويُعتَرَضُ عليه: بأنَّ بحثَ المُجتهدِ عن المُخصِّصِ بحثٌ عن أمر مُحتمَلٍ غيرِ محقَّقِ الوجود في نفس الأمر، وها هُنا المُخصّصُ -[أي: سببُ التخصيص - المُناسبُ] (٢) موجودٌ في نفس الأمر - وهو أعرابيَّتُهُ، وقربُ عهده بالإِسلامِ، وتَيَسُّرُ مراجعة الرسول ﷺ [وفي مثلِ ذلك يجبُ طلبُ المُخصص جَزمًا] (٣)، [فيكون الحكم بالعموم خطأ] (٤). وقد يُجاب عن هذا الاعتراض: بأنَّ وجوبَ البحث عن المُخصصِ إنَّما هو للتحرُّزِ عن الخطأِ المُحتمَل، ورجاءَ إدراكِ الصواب بالبحثِ، وهذا المعنَى موجودٌ في هذه الواقعة؛ لأنَّ احتمالَ التخصيص واقعٌ جزمًا، وإدراكُ الصواب بمراجعة الرسول ﷺ حاصلٌ قطعًا، بل هو أيسرُ من طلب المُخصِّصِ المجهولِ والبحثِ عنه، فإنْ لمْ تكنِ المسألةُ بعينها، فهي مشاركةٌ في العلةِ لها، ومساويةٌ في المُقتضِي لوجوب البحث عن أمر يُحتمَلُ أنْ يكونَ الحكمُ بدون

стр. 617

البحث عنه خطأً، ويُحتمل أنْ يكونَ الحكمُ مخصوصًا بمخصص متقدم في نفس الأمر علَى حالة السؤال لرسول الله ﷺ ، وفيهِ بعد ذلك محلٌّ للنظر في موضعين اثنين. السابعة: من القواعدِ الكليَّةِ: أنْ ندرأَ (١) أعظمَ المفسدتين باحتمال أيسرِهما، إذا تعيَّنَ وقوعُ إحداهما (٢)، وأن نُحَصِّلَ أعظمَ المصلحتين بتركِ أخفِّهِما، إذا تعيَّنَ عدمُ إحديهما (٣)؛ أعني: أنَّ ذلك في الجملةِ أمرٌ معتبَرٌ، لا أعني: أنَّ ذلك أمر عامٌّ مُطلَقًا حيثُ كانَ ووُجِدَ (٤). وهذا الموضعُ أحدُ ما يشهد لهذه القاعدة، فإن (٥) البولَ في المسجدِ مفسدةٌ، وتنزيهُهُ عنه مصلحة، وقد احتُمِلَتْ تلك المفسدةُ، ودُفِعَت تلك المصلحة، فلولا رجحان وقع في الطرفينِ لِما دُفعَ من

стр. 618

المفاسدِ، ولما حُصّلَ من المصالحِ، لكان ذلك احتمالًا لمفسدة خالصَةٍ، ودفعًا لمصلحة خالصة، وذلك غيرُ جائز، فحيثُ منعَ رسولُ الله ﷺ زجره، وتَرَكَهُ إلَى فراغ بوله، دلَّ علَى رجحان المفاسد المدفوعة علَى المفسدةِ الواقعة، وهو من هذه القاعدة. الثامنة: هذه المفاسدُ التِي دُفِعَت واحتُمِلَ لأجلها مفسدةُ التنجيس، [يُحتمَلُ أنْ تكونَ مراعاةً لِحقّ المسجد في صونِهِ عن احتمال انتشار النَّجاسَةِ عندَ انصرافِهِ بالزجرِ عن ذلك المكان، ويَحتمِلُ ذلك أنْ يكونَ ذلك مراعاةً لحقِّ البائل لِما يلحقُهُ من الضررِ من قطع البول بعد تهيئتِهِ للبروز] (١)، ويحتمل أنْ يكونَ مراعاةً للتيسيرِ علَى الجاهل، والتأَلُّفِ للقلوب علَى الدينِ الحق. وقد وقع الإيماءُ إلَى هذين الأمرين الأخيرين (٢)، وأحدُهُما أقوَى من الآخرِ؛ لأنَّ قوله ﷺ : "لا تُزْرِمُوهُ" (٣) في بعض الروايات؛ أي: لا تقطعوا عليه بولَهُ (٤)، قد يُفهَمُ مِنهُ الإشارةُ إلَى مراعاةِ حقّهِ،

стр. 619

وقولُهُ ﷺ في رواية: "فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسرِينَ ولمْ تُبْعَثُوا مُعَسرِينَ" (١) أظهرُ في التعليلِ، واحتمالُ أنْ يكونَ (٢) مراعاةً لمصلحةِ بدنِهِ وصونًا له عن الضررِ المُحتمَلِ علَى تقدير القطع، [فهو] (٣) معنى مناسبٌ [أيضاً] (٤)، والحكمُ علَى وِفْقِهِ، فيكونُ عِلَّةً علَى ما قَرَّرُوهُ، وليسَ يمتنعُ أن يكونَ (٥) جميعُ المعاني مُعتبَراً (٦)، إمّا علَى سبيل الاستقلال، أو علَى سبيل الجُزئية؛ أعني: أن تكونَ جُزءَ عِلَّةٍ. التاسعة: ويكونُ الحديثُ أصلًا في الرفقِ بالجاهل، واللطفِ في تعليمه، واستمالةِ قلبِهِ للحقّ. العاشرة: فيهِ المُبادرةُ إلَى إزالةِ المفسدةِ عندَ زوال المانع من إزالتها، وذلك من قوله في الحديث: "فلمّا قَضَى بولَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ"، والقواعدُ تقتضيه، فإنَ المانعَ إذا زالَ، وجبَ إعمالُ المُقتضي. الحادية عشرة: قولُ الرّاوي: "أَمَرَ" تعبيرٌ عن أمرِه ﷺ ، لا حكايةٍ للفظِه، وهو حجةٌ علَى المُختارِ في علم الأصول؛ لأنَّ علمَهُ باللغةِ

стр. 620

وأوضاع الكلام مع ديانته مُقتضٍ لمطابقةِ ما حكاه للواقع، واحتمالُ كونهِ اعتقدَ ما ليسَ بأمرٍ أمرًا يُبْعِدُهُ الأمران المذكوران. وما وقعَ في حديثِ ابن عباس ﵄ في خبرِ إجارة الأرض فنادرٌ لا يقدحُ فيما ذكرناه، وقد وقعتِ الحكايةُ للفظ الرسول ﷺ في حديثٍ آخرَ حيثُ قال: "صُبّوا عَلَيهِ ذَنُوبًا مِنْ ماءٍ" (١). الثانية عشرة: إذا اشتملت الواقعةُ (٢) علَى أمورٍ، فقد تنقسمُ تلك الأمورُ علَى أقسام؛ أحدها: ما يُقطَعُ بعدمِ اعتباره. والثاني: ما يُقطَعُ باعتباره. والثالث: ما يُحتمَلُ اعتبارُهُ وعدمُ اعتبارِه، ويدلُّ علَى اعتباره ما يقتضيه مقصودُ الحكم، وما يُعلَمُ اعتبارُ الشارعِ له بالنسبةِ إلَى ذلك الحكم، وما يُعلَمُ عدمُ اعتباره بالنسبةِ إليه. وممّا اشتملت عليه هذه الواقعةُ كونُ المصبوب مِنهُ ذَنوبًا، وذلك غيرُ معتبَرٍ جزمًا؛ لأنَّ المقصودَ التطهير، وهذا المقصودُ لا أثرَ فيهِ لكويهِ ذنوبًا، والجرَّةُ والحُبّ (٣) والخشب وغيرُهُ قائمٌ

стр. 621

مقامَهُ قطعًا في تحصيل المقصود، ولست أدري ما تقولُهُ الظّاهِريّة الجامدة ها هنا، فإنْ ذهبوا -[همْ] (١) أو بعضُهُم - إلَى اعتبار الذَّنوب عندَ القدرة عليه فليسَ ذلك بعيدًا عن تصرفاتهم، ولا قريبًا من الحقّ، والله أعلم. الثالثة عشرة: ودونَ هذا مرتبةٌ أُخرَى، وهو اعتبارُ القصد في التطهيرِ، والفقهاء - أو من شاء الله منهم - ألغَوْه أيضًا، فلو صَبَّ المطرُ علَى الأرضِ، وحصل ما يكفي في التطهيرِ عندَ القصدِ كَفَى ذلك. وإنَّما جعلتُه دونَ الأُولَى؛ لاحتمال اعتبار القصد لأجل امتحان (٢) المُكلَّفِ، والامتحانُ والتكليف أمر معلومُ الاعتبارِ في الجملةِ في الأحكام، ولا مانع من أنْ نَعتبرَها (٣) ها هنا، ولا قاطعَ علَى عدمِ اعتبارِه، بخلاف كونِ المصبوب مِنهُ دلوًا، فإنَّهُ معلومُ الإلغاء بالنسبةِ إلَى مقصودِ التطهير. الرابعة عشرة: تعيينُ الماء قيدٌ (٤) يُستدَلُّ به علَى تَعَيّنهِ في الإزالةِ؛ لأنَّ المُعيَّنَ لا يقعُ الامتثالُ إلا به، وليسَ يُقطَعُ بإلغائِهِ، بل

стр. 622

رُبَّما يُدَّعَى مناسبتُهُ لما فيهِ من الرِّقةِ واللَّطافة، ويردُّ عليه ما يُقال من أنَّهُ مفهومُ لقبٍ لا يقتضي نفيَ الحكم عمّا عداه، ونحن قد أشرنا إلَى بحثٍ فيه، وهو أنَّ المُعينَ لا يقعُ الامتثالُ إلا به، وإنْ كان لقباً؛ لأنَّ الآتيَ بغيرِه لمْ يأتِ بما أُمِرَ به، فيبقَى في العُهْدةِ، وهذا إذا لمْ يُقطَعْ بعدم اعتباره، علَى أنَّهُ لو كان للقب (١) مفهومٌ، لأمكنَ الخصمُ أنْ يقولَ: المفهومُ إنَّما يدلُّ علَى نفي الحكم عما عدا محلِّ الذكر إذا تعيَّنَ [في] (٢) اختصاصِ الحكم به ذكرًا فائدة (٣) للتخصيص بالذكرِ، أمَّا إذا لمْ يتعينْ فلا يدلُّ، ولهذا علَّلوا عدمَ القول بالمفهومِ في قوله تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] بأنَّهُ خرج علَى العادةِ (٤)، ولا قَالَ الأكثرون بمفهوم: "أَيّما امرأةٍ نكحتْ نفسَها بغيرِ إِذْنِ وليّها فنِكاحُها باطِلٌ" (٥) حيثُ حملوه علَى أنَّ الغالبَ والعادةَ

стр. 623

أنَّ المرأةَ لا تنكحُ نفسَها مع موافقة الولي لها؛ لما هي عليه من الحياءِ، وإذا ثبتَ هذا فيقولُ الخصمُ: إنَّما ذكرَ الماءَ؛ لتيسُّرِ وجودِهِ، وعدمِ إتلافِ الماليَّةِ باستعماله في إزالة النجاساتِ (١)، بخلاف غيرِهِ مما له ماليَّةٌ. وجوابُهُ: أنَّ هذا إنَّما يلزمُ من يستدلُّ بالمفهومِ، وأمَّا (٢) من يستدلُّ بتَعَيُّنِ ما تَعَلَّقَ به الأمرُ، إذا لمْ يُقطَعْ بعدم اعتباره، فلا يلزمهُ ذلك. الخامسة عشرة: عُلّقَ (٣) الحكمُ بما يُسَمَّى ماءً، وذلك يقتضي حصولَ التطهير بما ينطلقُ عليه اسمُ الماءِ عندَ الإطلاق، [وهو الماء] (٤) المطلق في اصطلاح الفقهاء، الَّذِي ينصرف إليه اللَّفظُ إذا لمْ يُقَيَّد، وهو الباقي علَى أوصاف خِلْقتِهِ في حدِّ بعضهم للماء المُطلَقِ، فما (٥) يكون المأمورُ مُمتثلًا به، فهو الَّذِي يرتَّبُ عليه الحكمُ.

стр. 624

وإنَّما قلتُ: في اصطلاح [الفقهاء] (١)؛ تحرُّزًا مما يقوله بعضُ مَنْ يميل إلَى المَعقولِ من الفَرْقِ بين الماء المُطلَق ومطلق الماء، ولأنَّ الماءَ المُطلَق باعتبار اصطلاح الفقهاء مقيَّدٌ بقيدِ عدمِ التغيّرِ، وهذا لا يضرُّنا في الاستدلالِ؛ لأنَّ النصوص إنَّما تطلق لأجل الامتثال، والامتثالُ بحسب الفَهْم، والفهمُ بحسب المُتعارَفِ عندَ السامعين، فإذا كانوا عندَ الإطلاق للفظِ الماءِ لا يصرفونَهُ إلا إلَى المُقَيَّدِ بقيد عدم التغيير مثلًا، وجبَ تعليقُ الحكمِ به، لا بمطلق الماء. السادسة عشرة: هذا الأمرُ بصبِّ الذَّنوب، إنَّما هو لقصدِ التطهير جزماً، فيجبُ أنْ يحصلَ به التطهيرُ، والمخالفون لأبي حنيفة يَحكون عنه: أنَّ الأرضَ إذا أصابَتْها نجاسة يُحفَرُ الترابُ ويُنقَلُ (٢)، ويستدلون عليه بالحديثِ (٣): أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يأمر (٤) بنقل التراب. والطَّحاوِيّ الحنفيُّ - رحمه الله تعالَى - لمْ يطلقِ القولَ بالحفرِ، وفصَّلَ في "مختصره" فقال: ومَنْ بالَ علَى الأرضِ، فطهارةُ ذلك المكان - إذا كان إذا صُبَّ عليه الماءُ نزل إلَى ما هو أسفلَ من الأرضِ - صَبُّ الماء عليه حتَّى يُغسَلَ وجهُ الأرض وينخفضَ إلَى ما تحتَها، وإنْ

стр. 625

كانت حجرًا، فحتَى يغسِلَها غسلًا يُطهّرُها، وإنْ كانت غيرَ ذلك من الأرضِ الصلبة فإنَّهُ (١) يُحفَرُ مكانُ البول منها حتَّى تعودَ طاهرةً مِنه (٢). وبهذا (٣) التفصيلِ الَّذِي ذكره، يتأتَّى لهم الجوابُ عن الحديثِ، إمّا بما قيل: إنَّها كانت رملًا ينزل فيها الماء، أو بأنَّهُ يُحتمَلُ ذلك، إنْ لمْ يكنْ نُقِلَ، ولمْ (٤) تبطلْه المُشاهدةُ في الأرضِ المذكورة؛ أعني: أرضَ المسجد. وعلَى كلِّ حالٍ فكان القياسُ يقتضي ما أُطلِقَ من القولِ عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك غُسالةُ نجاسة، فهو ماءٌ قليلٌ حلَّته نجاسةٌ، فينجُسُ علَى مذهب من يقول ذلك، إلا أنَّ النَّصَّ يدلُّ علَى التطهيرِ مع بقاء البلل، فلا اعتبارَ بالقياسِ إنْ لمْ يصحَّ نقل بالنقلِ؛ أعني: بنقل التراب. وقد وردَ الأمرُ بالحفرِ في حديثٍ مُرسَلٍ عن طاوس (٥)، وفي حديثٍ مسند عن عبد الله، والمسندُ من رواية أبي بكر بن عيّاش، عن

стр. 626

سمعان بن مالك الأزدي، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: بالَ أعْرابِيٌّ في المَسْجِدِ، فَأَمَرَ به النَّبِيُّ ﷺ فَصُبَّ عليه دلوٌ مِنْ ماء، ثمَّ أَمَرَ به فَحُفِرَ مَكانُهُ (١). واعْتُرِضَ علَى الأولِ بالإرسال؛ بناءً علَى أنَّهُ ليسَ بحجةٍ، و [قد يُورد] (٢) علَى الثاني المُطالبةُ بمعرفةِ حالِ سمعان بن مالك الأزدي، فلْيُكْشَفْ عنه (٣). السابعة عشرة: اختلفوا في الماءِ المُستعملِ في إزالة النَّجاسَة، إذا كان قليلًا غيرَ مُتَغَيِّرٍ علَى مذاهب: أحدُها: أنَّهُ طاهِرٌ طَهور.

стр. 627

والثاني: أنَّهُ نَجِسٌ. والثالث: أنَّ حكمَهُ حكمُ المحلّ بعد الغسل، إنْ كان نجسًا بعدُ فهو نجس، وإلا فطاهرٌ غيرُ طهور. والأخيرُ منسوبٌ إلَى جديد قولي الشّافِعيّ ﵁، والأول إلَى قديمهما، والأوسط إلَى التخريجِ (١)، وهو منسوب إلَى أبي حنيفة ﵁؛ أعني: أنَّهُ نجس (٢) [وقيَّدَ بعضُهم الخلافَ فيما إذا لمْ يزدِ الوزنُ] (٣). وقد استُدِلُّ بالحديثِ علَى طهارةِ غُسالةِ النَّجاسَةِ الواقعة علَى الأرضِ، وهو محلُّ النَّصّ الوارد، ووجهه أمران: أحدهما: ما تقدَّمَ من أمرِ البِلَّةِ الباقيةِ علَى الأرضِ، فإنَّها غُسالةُ نجاسة، فإذا لمْ يثبتْ أنَّ الترابَ نُقِلَ، وثبتَ يقيناً أنَّ المقصودَ التطهيرُ، وجبَ الحكمُ بطهارة تلك البِلَّةِ. وثانيهما: أنَّ الماءَ المصبوبَ لا بُد وأنْ يتدافعَ عندَ وقوعه علَى الأرضِ، ويصلَ إلَى محلّ لمْ يُصبْهُ البولُ مما يجاوزه، فلولا أنَّ

стр. 628

الغُسالةَ طاهرةٌ، لكان الصبُّ ناشرًا للنَّجاسةِ، وذلك خلافُ مقصودِ التطهير. الثامنة عشرة: واستُدِلُّ به علَى طهارةِ مُطلَقِ الغُسالة، سواءٌ كانت علَى الأرضِ أو غيرها، بناءً علَى أنَّهُ لا فارقَ، وأنَّ غيرَ الأرض في معنَى الأرض الَّتِي هي محلُّ النصِّ. والحنابلةُ فرَّقوا بين الأرض وغيرِها، فالمُنفصِلُ غيرَ مُتغيّرٍ من الغسالةِ الَّتِي طهرت الأرضُ بها طاهرٌ، وذكر بعضُهم: أنَّهُ روايةٌ واحدة، وإنْ كان غيرَ الأرض: فوجهان (١). وقد ذكرنا مأخذَ الجمهور وإلحاقَ ما هو في معنَى الأرض بهـ[ـا]، ولعلَّ سببَ التفرقةِ عندَ مَن يراها إتباعُ القياسِ في تنجُّسِ الغُسالةِ لحلول النَّجاسَةِ بها مع قلَّتِها، ويُخرِجُ عنه الأرضَ بالنصِّ، فيبقَى فيما عداه علَى القياسِ، ويمكنُ فيهِ غيرُ هذا. التاسعة عشرة: ذكر بعضُ الحنابلةِ (٢): أنَّهُ إنَّما يُحكَمُ بطهارة المُنفصِلِ من الأرضِ إذا كانت [قد] (٣) نشفت أعيانُ البولة، فإنْ كانت أعيانُها قائمةً - وجرَى الماء عليها - طهَّرَها، وفي المُنفصلِ روايتان، كالمنفصلِ عن غير الأرض، قال: وكونُهُ نَجِسًا أصحُّ في كلامه.

стр. 629

قَالَ غيرُهُ منهم (١): والأَولَى الحكمُ بطهارته؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر بغسل بول الأعرابيِّ عَقيبَ بولِه؛ يعني: ولمْ يشترطِ النُّشوفَةَ (٢). العشرون: ذكر المُزنيُّ - رحمه الله تعالَى - في "المختصر": وإنْ بالَ رجلٌ في مسجدٍ أو أرض، طَهُرَ بأنْ يُصَبَّ عليه ذَنوب من ماء (٣). فنُقِلَ عن الأنماطيّ والإصطَخْرِيِّ: أنَّهُ شرطٌ وتحديدٌ، حتَّى لو بال اثنان، لمْ يُطَهّر إلا دلوان، كعدد السبع في وُلوغ الكلب، والأكثرون [على] (٤) أنَّ الاعتبارَ بالمُكاثرةِ، قيل: إنَّما ذَكرَهُ الشّافِعيُّ رحمة الله عليه علَى سبيل التقريبِ، أو لموافقةِ الخبر (٥). الحادية والعشرون: المنقولُ عن الشّافِعيِّ ﵁ أنَّهُ قال: الَّذِي يشبه أنْ لا يُزالَ البولُ بأقلَّ من سبعة أمثالِهِ (٦). وقد حُكِيَ هذا وجهًا في اشتراط سبعةِ أمثال البول، وهذا ليسَ له وجهٌ إلا أنْ يقومَ دليلٌ علَى أنَّ الذَّنوبَ كان سبعةَ أمثال البول، فيُجزِئُ علَى ظاهر الأمر، وهذا لا سبيلَ إليه، والظاهرُ أنَّهُ كان أكثرَ من ذلك،

стр. 630

أو يُقال: إنَّ التجرِبةَ دلَّت علَى أن هذا المقدارَ هو الَّذِي يحصلُ به الانغمارُ والغلبة، وهذا أيضًا مُختَلِفٌ باختلاف مقادير البول. الثانية والعشرون: قد يتعلق به مَنْ يرَى استعمالَ اللَّفظِ في حقيقتِهِ ومجازِه، وذلك في الروايةِ الَّتِي جاء فيها: "صُبُّوا عَلَيه ذَنُوبًا مِنْ ماءِ". ووجهُهُ: أنَّ صيغةَ الأمر توجَّهَت إلَى صبِّ الذَّنوب، والقدرُ الّذِي يَغمُرُ النَّجاسةَ واجبٌ، [والقدرُ الزائدُ على ذلك غيرُ واجب] (١) في إزالتها، فتناوُلُ الصيغةِ له (٢) استعمالٌ اللَّفظَ في حقيقتِهِ، وهو الوجوبُ، والزائدُ علَى ذلك مُستحَبّ، فتناولُ الصيغة له استعمالٌ لها في الندبِ، وهو مجازٌ فيه، فقد استعملَتْ صيغةُ الأمر في حقيقتها ومجازها (٣)، وهذا بناء علَى زيادة الذَّنُوب علَى القدرِ الواجب، والله أعلم. الثالثة والعشرون: يستدلُّ به علَى الاستظهارِ في إزالة النَّجاسَةِ بزيادة الماء علَى القدرِ الَّذِي يَحصُلُ به المقصودُ (٤) طلبًا لزيادة التنظيف

стр. 631

والتطهير (١)، وقد استحبَّهُ الشّافِعيُّ في زيادة الغسلات في كلِّ نجاسة تُزال، واستحبَّ الثلاث، ووجَّهَ ذلك بحديث أمرِ المُستيقِظِ بغسلِ يديه ثلاثًا، وأنَّهُ إذا استُحِبَّ ذلك لتوهُّمِ النَّجاسَة فَمَعَ تحقُّقِها أَولَى (٢). ووجهُ هذا الاستدلال من هذا الحديث علَى ما ذكرناه من الاستظهارِ بالزيادةِ، أنَّ الذَّنوبَ يزيدُ علَى القدرِ الَّذِي يتَحَصَّلُ به المقصودُ من انغمارِ النَّجاسَة، فالزائدُ عليه يكونُ من هذا القَبيل، والله أعلم. الرابعة والعشرون: ها هُنا بحيث يُنظَرُ فيه، وهو أنَّ تواليَ الصبِّ إذا حصل به مقصودُ الاستظهار، هلْ يقومُ مقامَ عددِ المرات؟ فيمكنُ أنْ يُقالَ ذلك، ويُستدَلُّ عليه بأنَّهُ لو لمْ يقمْ مقامَها لما حصل تأدِّي السنة في الثلاثِ الَّتِي دلَّ عليها حديثُ المُستيقِظِ من النومِ، مع [طلب] (٣) حصول المقصود في الاستظهارِ كما في عدد المرات، وفي هذا بعضُ نظرٍ، وهو أنَّ العددَ المُعتبَرَ في غسل الإناء من ولوغ الكلب لو صُبَّ عليه مُتَّصلًا بحيثُ لو قُطّعَ لكان سبعًا، هلْ يعدُّ غسلةً أو سبعًا، وفي الثاني بعدٌ ظاهر، [أو لا ينبغي أن يُجزَم به] (٤).

стр. 632

الخامسة والعشرون: فإنْ قلنا: إنَّ تواليَ الصبِّ يقومُ مقامَ العدد في المراتِ، دلَّ أيضًا علَى أنَّ جِريات الماء البخاري يقوم مقامَ المرات في الغسلاتِ المُعتبرة، كعدد الغَسَلات في ولوغ الكلب؛ لمساواةِ ذلك للماء المصبوب. السادسة والعشرون: قد ذكرنا من مذهب الشّافِعية أن جِرياتِ الماء الجاري مُتَفاصِلَة، فما فوقَ النَّجاسَة من الماءِ الجاري طاهر، ما لمْ ينتهِ إليها، واستشهدَ بعضُهُم في ذلك بما أجمعوا عليه من أنَّ إبريقًا لو صُبَّ من بُزالِهِ ماءٌ علَى نجاسة، كان الماءُ الخارجُ من البزالِ طاهرًا ما لمْ يلاقِ النَّجاسَة، وإنْ كان جاريًا إليها، كذلك ما جرَى إلَى نجاسة، فلِقائِلٍ أنْ يقولَ: الصبُّ من الذنوبِ علَى الأرضِ فيهِ هذا المعنَى المذكور في بزال الإبريق، فليكنْ دالًا وأصلًا يُستشهَدُ به علَى ما قَالَ. فإن اعتُرِضَ عليه: بأنَّ الذنوبَ يمكنُ أنْ يصبَّ ماؤُهُ دفعةً واحدة، فلا يَحصُلُ فيهِ المعنَى المذكور في بزال الإبريق، فلا يكون مثلَهُ في صحة الاستشهاد. فيقال عليه: قد أُمِرَ بالصبِّ مُطلقاً، فمتَى حصل مُسمّاه حَصَل الامتثالُ، وبالصبِّ علَى التدريج يَحصل المُسمَّى؛ أعني: مُسمَّى صبِّ الذَّنُوب عليه، فيَحصُلُ به الإجزاءُ لاندراجه تحتَ ما دلَّ عليه (١) إطلاق اللفظ، وإذا حصل الإجزاءُ به في هذه الصورة،

стр. 633

تساوَى مع بزال الإبريق فيما ذُكِرَ، إلا أنَّ الذِيَ ذكرَهُ، وهذا الَّذِي أُلحِقَ به موقوفُ (١) الصحةِ علَى أنْ لا تحصلَ طهارةُ [النَّجاسَة] (٢) بأولِ المُلاقاة، فإنَّ ما قاله مبنيٌ علَى نجاسة أسفلِ الماء - أو ما يلاقيه - وطهارةِ أعلاه، [و] (٣) مع حصولِ الطهارة بأول المُلاقاة لا يَحصلُ هذا المعنَى، اللهُمَّ إلا أنْ يَدَّعِيَ أنَّ الإجماعَ قائمٌ علَى طهارة أعلَى الماء الَّذِي عندَ البُزال وإنْ كان الأسفلُ لمْ يطهر، فيلزمُهُ إثباتُهُ. السابعة والعشرون: في طهارةِ الأرض قبلَ نُضُوب الماء خلافٌ للشافعية (٤)، ويمكنُ أنْ يستدلَّ علَى عدمِ اشتراط النضوب بالحديثِ. وطريقُهُ: أن يَحصل امتثالُ الأمر بصبِّ ماء الذنوب علَى الأرضِ لحصول مسمَّى ما تَعَلَّقَ به الأمر، وفعلُ المأمور به يقتضي الإجزاءَ، وهذا ضعيف؛ لأنَّ فعلَ المأمور به يقتضي الإجزاء بالنسبةِ إلَى ما تَعَلَّقَ به الأمر، والَّذِي تَعَلَّقَ [به] (٥) الأمرُ الصبُّ، وهذا الفعلُ يقتضي الإجزاءَ في الأمر بالصب، لا في تطهير الأرض، إلا أنْ يُقالَ (٦): إنَّ

стр. 634

الأمرَ وإنْ كان بالصبّ، إلا أنَّهُ لمقصودِ التطهير؛ ليَحصُلَ (١) التطهيرُ علَى هذا التقدير؛ أعني: على تقديرِ اعتبار معنَى التطهير في هذا الأمر. والذِين اشترطوا النضوبَ بنَوْهُ علَى نجاسة الغُسالة، واشتراطِ العصر، وأنَّ عَصرَكلِّ شيءٍ علَى حَسَبِهِ. الثامنة والعشرون: وبهذا الطريقِ أيضًا يُؤخَذُ عدمُ اشتراطِ الجفاف، وفيهِ من البحثِ ما تقدَّمَ في الَّذِي قبلَهُ. التاسعة والعشرون: قد يُؤخَذُ مِنهُ أنَّ العصرَ في الثوبِ المغسول من النَّجاسَةِ لا يجبُ. وطريقُهُ أنْ يُقالَ: لو وجبَ العصرُ في الثوبِ لتوقَّفَتْ طهارةُ الأرض علَى النّضوبِ، ولا تتوقَّفُ لما ذكرناه، فلا يجبُ العصر. بيانُ الملازمة: أنَّ النضوبَ في الأرضِ قائمٌ مَقامَ العصرِ كما ذُكِرَ؛ لأنَّ عصرَ (٢) كلِّ شيء علَى حسبه، فلو وجبَ [النضوبُ الذي هو في الأرض بمنزلة العصر في الثوب، لوجب العصرُ في الثوب] (٣).

стр. 635

الثلاثون: استُدِلَّ به علَى أنَّ الأرضَ إذا أصابَتْها نجاسةٌ لا تَطهُرُ بالجفافِ، ولا بشروقِ الشمس عليها، إلا بالماءِ. وعن أبي قِلاَبة أنَّهُ قال: تطهُرُ بالجفافِ (١). وعن أصحابِ الرأيِ: أنَّهُ إذا أشرقت عليها الشمس حتَّى ذهب أثرُ النَّجاسَة تطهُرُ (٢). ووجهُ الاستدلالِ بهِ: أنَّ الأمرَ توجَّهَ بصبِّ الماءِ على الأرضِ، والمقصودُ به التطهيرُ، فلا يحصلُ الامتثالُ إلا بهِ. والاعتراضُ: أنَّ ذكرَ الماء لوجوب المبادرة إلَى تطهير المسجد، وتركَه إلَى الجفافِ تأخيرٌ لهذا الواجب، وإذا ترددَ الحالُ بين الأمرين لا يكونُ دليلًا علَى أحدِهِما بعينِهِ، والله أعلم بالصواب.
следующие страницы →