← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والتطهير (١)، وقد استحبَّهُ الشّافِعيُّ في زيادة الغسلات في كلِّ نجاسة تُزال، واستحبَّ الثلاث، ووجَّهَ ذلك بحديث أمرِ المُستيقِظِ بغسلِ يديه ثلاثًا، وأنَّهُ إذا استُحِبَّ ذلك لتوهُّمِ النَّجاسَة فَمَعَ تحقُّقِها أَولَى (٢). ووجهُ هذا الاستدلال من هذا الحديث علَى ما ذكرناه من الاستظهارِ بالزيادةِ، أنَّ الذَّنوبَ يزيدُ علَى القدرِ الَّذِي يتَحَصَّلُ به المقصودُ من انغمارِ النَّجاسَة، فالزائدُ عليه يكونُ من هذا القَبيل، والله أعلم. الرابعة والعشرون: ها هُنا بحيث يُنظَرُ فيه، وهو أنَّ تواليَ الصبِّ إذا حصل به مقصودُ الاستظهار، هلْ يقومُ مقامَ عددِ المرات؟ فيمكنُ أنْ يُقالَ ذلك، ويُستدَلُّ عليه بأنَّهُ لو لمْ يقمْ مقامَها لما حصل تأدِّي السنة في الثلاثِ الَّتِي دلَّ عليها حديثُ المُستيقِظِ من النومِ، مع [طلب] (٣) حصول المقصود في الاستظهارِ كما في عدد المرات، وفي هذا بعضُ نظرٍ، وهو أنَّ العددَ المُعتبَرَ في غسل الإناء من ولوغ الكلب لو صُبَّ عليه مُتَّصلًا بحيثُ لو قُطّعَ لكان سبعًا، هلْ يعدُّ غسلةً أو سبعًا، وفي الثاني بعدٌ ظاهر، [أو لا ينبغي أن يُجزَم به] (٤).

стр. 632

الخامسة والعشرون: فإنْ قلنا: إنَّ تواليَ الصبِّ يقومُ مقامَ العدد في المراتِ، دلَّ أيضًا علَى أنَّ جِريات الماء البخاري يقوم مقامَ المرات في الغسلاتِ المُعتبرة، كعدد الغَسَلات في ولوغ الكلب؛ لمساواةِ ذلك للماء المصبوب. السادسة والعشرون: قد ذكرنا من مذهب الشّافِعية أن جِرياتِ الماء الجاري مُتَفاصِلَة، فما فوقَ النَّجاسَة من الماءِ الجاري طاهر، ما لمْ ينتهِ إليها، واستشهدَ بعضُهُم في ذلك بما أجمعوا عليه من أنَّ إبريقًا لو صُبَّ من بُزالِهِ ماءٌ علَى نجاسة، كان الماءُ الخارجُ من البزالِ طاهرًا ما لمْ يلاقِ النَّجاسَة، وإنْ كان جاريًا إليها، كذلك ما جرَى إلَى نجاسة، فلِقائِلٍ أنْ يقولَ: الصبُّ من الذنوبِ علَى الأرضِ فيهِ هذا المعنَى المذكور في بزال الإبريق، فليكنْ دالًا وأصلًا يُستشهَدُ به علَى ما قَالَ. فإن اعتُرِضَ عليه: بأنَّ الذنوبَ يمكنُ أنْ يصبَّ ماؤُهُ دفعةً واحدة، فلا يَحصُلُ فيهِ المعنَى المذكور في بزال الإبريق، فلا يكون مثلَهُ في صحة الاستشهاد. فيقال عليه: قد أُمِرَ بالصبِّ مُطلقاً، فمتَى حصل مُسمّاه حَصَل الامتثالُ، وبالصبِّ علَى التدريج يَحصل المُسمَّى؛ أعني: مُسمَّى صبِّ الذَّنُوب عليه، فيَحصُلُ به الإجزاءُ لاندراجه تحتَ ما دلَّ عليه (١) إطلاق اللفظ، وإذا حصل الإجزاءُ به في هذه الصورة،

стр. 633

تساوَى مع بزال الإبريق فيما ذُكِرَ، إلا أنَّ الذِيَ ذكرَهُ، وهذا الَّذِي أُلحِقَ به موقوفُ (١) الصحةِ علَى أنْ لا تحصلَ طهارةُ [النَّجاسَة] (٢) بأولِ المُلاقاة، فإنَّ ما قاله مبنيٌ علَى نجاسة أسفلِ الماء - أو ما يلاقيه - وطهارةِ أعلاه، [و] (٣) مع حصولِ الطهارة بأول المُلاقاة لا يَحصلُ هذا المعنَى، اللهُمَّ إلا أنْ يَدَّعِيَ أنَّ الإجماعَ قائمٌ علَى طهارة أعلَى الماء الَّذِي عندَ البُزال وإنْ كان الأسفلُ لمْ يطهر، فيلزمُهُ إثباتُهُ. السابعة والعشرون: في طهارةِ الأرض قبلَ نُضُوب الماء خلافٌ للشافعية (٤)، ويمكنُ أنْ يستدلَّ علَى عدمِ اشتراط النضوب بالحديثِ. وطريقُهُ: أن يَحصل امتثالُ الأمر بصبِّ ماء الذنوب علَى الأرضِ لحصول مسمَّى ما تَعَلَّقَ به الأمر، وفعلُ المأمور به يقتضي الإجزاءَ، وهذا ضعيف؛ لأنَّ فعلَ المأمور به يقتضي الإجزاء بالنسبةِ إلَى ما تَعَلَّقَ به الأمر، والَّذِي تَعَلَّقَ [به] (٥) الأمرُ الصبُّ، وهذا الفعلُ يقتضي الإجزاءَ في الأمر بالصب، لا في تطهير الأرض، إلا أنْ يُقالَ (٦): إنَّ

стр. 634

الأمرَ وإنْ كان بالصبّ، إلا أنَّهُ لمقصودِ التطهير؛ ليَحصُلَ (١) التطهيرُ علَى هذا التقدير؛ أعني: على تقديرِ اعتبار معنَى التطهير في هذا الأمر. والذِين اشترطوا النضوبَ بنَوْهُ علَى نجاسة الغُسالة، واشتراطِ العصر، وأنَّ عَصرَكلِّ شيءٍ علَى حَسَبِهِ. الثامنة والعشرون: وبهذا الطريقِ أيضًا يُؤخَذُ عدمُ اشتراطِ الجفاف، وفيهِ من البحثِ ما تقدَّمَ في الَّذِي قبلَهُ. التاسعة والعشرون: قد يُؤخَذُ مِنهُ أنَّ العصرَ في الثوبِ المغسول من النَّجاسَةِ لا يجبُ. وطريقُهُ أنْ يُقالَ: لو وجبَ العصرُ في الثوبِ لتوقَّفَتْ طهارةُ الأرض علَى النّضوبِ، ولا تتوقَّفُ لما ذكرناه، فلا يجبُ العصر. بيانُ الملازمة: أنَّ النضوبَ في الأرضِ قائمٌ مَقامَ العصرِ كما ذُكِرَ؛ لأنَّ عصرَ (٢) كلِّ شيء علَى حسبه، فلو وجبَ [النضوبُ الذي هو في الأرض بمنزلة العصر في الثوب، لوجب العصرُ في الثوب] (٣).

стр. 635

الثلاثون: استُدِلَّ به علَى أنَّ الأرضَ إذا أصابَتْها نجاسةٌ لا تَطهُرُ بالجفافِ، ولا بشروقِ الشمس عليها، إلا بالماءِ. وعن أبي قِلاَبة أنَّهُ قال: تطهُرُ بالجفافِ (١). وعن أصحابِ الرأيِ: أنَّهُ إذا أشرقت عليها الشمس حتَّى ذهب أثرُ النَّجاسَة تطهُرُ (٢). ووجهُ الاستدلالِ بهِ: أنَّ الأمرَ توجَّهَ بصبِّ الماءِ على الأرضِ، والمقصودُ به التطهيرُ، فلا يحصلُ الامتثالُ إلا بهِ. والاعتراضُ: أنَّ ذكرَ الماء لوجوب المبادرة إلَى تطهير المسجد، وتركَه إلَى الجفافِ تأخيرٌ لهذا الواجب، وإذا ترددَ الحالُ بين الأمرين لا يكونُ دليلًا علَى أحدِهِما بعينِهِ، والله أعلم بالصواب.

стр. 636

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام تأليف الإمام المجتهد ابن دقيق العيد أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري المصري (٦٢٥ هـ - ٧٠٢ هـ) حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد خلوف العبد الله [المجلد الثاني]

стр. 637

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 638

شَرْحُ الأَلْمَامِ

стр. 639

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى مِن إِصْدَارَاتِ وَزَارَة الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَالدَّعْوَةَ وَالإِرْشَادِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م الطَّبْعَةُ الثَّانِيَة مِنْ إِصْدَارَاتِ دَارُ النَّوَادِرِ ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م دَارُ النَّوَادِرِ لصاحبها ومديرها العام نُورِ الدِّين طَالِب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٢٤٣٠٦ لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 640

باب الآنية الآنية: جمعُ إناءٍ، كخِمارٍ وأخْمِرةٍ، ورِداءٍ وأرديةٍ ونحوِهما، وجمعُ الآنيةِ: أواني (١)، وأطلقَ بعضُ الفقهاء لفظَ الآنيةِ على المفرد، وقيل: ليس بصحيح (٢)، وقد جاء في "الصحيح": "لا تشربوا في آنية الفضة" (٣)، وهو جمعٌ مُضافٌ فيعُمّ، والعموم يقتضي ترتُّبَ (٤) الحكمِ على كلَ فردٍ فردٍ.

стр. 641

الحديث الأول منه عَنْ مُعَاويةَ بنِ سُويدٍ بن مُقَرِّن قال: دخلتُ على البَراءِ بنِ عازبٍ فسمعتُه يقولُ: أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ بسَبع، ونَهانَا عَنْ سَبع؛ أَمَرَنَا بعيادةِ المَرِيْضِ، واتِّباعِ الجَنَازة (١)، وتَشْمِيْتِ العَاطِسِ، وإبْرارِ القَسَم - أو المُقْسِم -، ونَصْرِ المَظْلُومِ، وإجابَةِ الدَّاعي، وإفْشَاءِ السَّلام، ونهَانَا عن خَواتَيِمَ - أو [عن] (٢) تختُّمٍ - بالذَّهَبِ، وعن شُرْبٍ بالفِضَّةِ، وعن المَيَاثِرِ، وعن القَسِيِّ، وعن لُبْسِ الحريْرِ والإسْتَبْرقِ والدِّيباجِ. لفظ رواية مسلم في بعض وجوهه (٣).

стр. 642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 643

الكلامُ عليه من وجوهٍ: * الأول: في التعريفِ بمن ذُكِرَ فنقول: البراءُ بنُ عازبٍ - بالعين المهملة، وبعد الألف زايٌ معجمة - بن حارثِ بن عَديِّ بن جُشَم - بضم الجيم، وفتح الشين المعجمة - بن مَجْدعَة - بفتح الميم، وسكون الجيم، وفتح الدال المهملة - بنِ حارثةَ بنِ الحارثِ بنِ الخَزْرَجِ، قال أبو عمر: الأنصاريُّ الحارثيُّ الخزرجيُّ، يكنى: أبا عُمارة، وقيل: أبا الطُّفيل، [وقيل: أبا عمر] (١)، وقيل: أبا عمرو، والأشهر: أبا عُمارة، وهو الأصحُّ إن شاء الله تعالى. وفي إطلاق أبي عمر - رحمه الله تعالى -: "الحارثيَّ الخزرجي" ما يسبق إلى الفهم منه: أنَّه مِنَ الخزرجِ [أخي الأوس] (٢)، والأوسُ والخزرجُ ولدا حارثةَ بنِ ثعلبةَ العنقاءِ بنِ عمرِو مُزَيقياء بنِ عامرِ بنِ ماءِ السَّماءِ بن حارثةَ الغِطْريف بن ثعلبةَ بن مازنٍ بنِ أَزْدٍ (٣)، وقد رأيتُ [في] (٤) نسَبِهِ في كتاب "ذيل المُذَيَّل" (٥) لأبي جعفر

стр. 644

الطَّبَرِيّ، فلمّا انتهى إلى حارثة بن الحارث بن الخزرج قال: ابن عمرو وهو النَّبِيت (١) بن مالك بن أوس (٢)، فعلى هذا هو أوسيٌّ. والبراءُ معدودٌ في أهلِ الكوفةِ، ويقال: توفّي في إمارةِ مُصْعبِ ابنِ الزُّبير، وفي "الصحيح" (٣) من حديث شعبةَ، عن أبي إسحاق، [عن البراء] (٤): استُصْغِرْتُ أنا وابنُ عمرَ يومَ بدْرٍ (٥). [و] (٦) عن بعضِهم: أولُ غزوةٍ شهدَها ابنُ عمرَ والبراءُ بن عازبٍ وأبو سعيدٍ وزيدُ بنُ أرقمَ الخندقُ (٧). وعازبُ: والدُ البراءِ، أغفله أبو عمرَ بنُ عبد البَرِّ، فلم يذكره في "الاستيعاب"، فاستدركَه عليه أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن يَحْيَى المعروف بابن الأمين (٨)، وقال ابنُ عمرو - هو الواقديّ -: عندي لم يَسْمَع

стр. 645

بعازبٍ يُذكر في شيء من المغازي، وقد سمعنا حديثَه في الرَّحل الذي اشترى [منه] (١) أبو بكر (٢). وللبراء أخٌ لأبيه وأمِّه، اسمه عُبيد بن عازب، وقيل: هو أحدُ العَشَرَةِ الذين وجَّههم عمرُ بنُ الخطَّاب مع عمَّار بنِ ياسرٍ إلى الكوفةِ ﵃ أجمعين (٣). وأمَّا معاويةُ بن سويد وهو ابن مقرِّن بن عائدٌ - بالذال المعجمة -،

стр. 646

وأبوه (١) سُويد بن مُقَرِّن أحدُ الصحابة، أخو النَّعمان بن مُقَرِّن، وهم سبعة إخوة ذكرهم أبو عمر بن عبد البر في ترجمة مَعْقِل بن مقرِّن، وذكر أنهم كانوا سبعةَ إخوة كلُّهم هاجَر وصَحِبَ النبيَّ ﷺ ، وليس ذلكَ لأحد من العربِ سواهم، قاله الواقديُّ، ومحمدُ بن عبد الله بن نُمَير، وسمى الواقديُّ منهم خمسةً من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، وذكر غيرَه سَبْعَةً. قال الحافظ أبو بكر بن محمد بن سليمان بن فَتْحُون الأندلسي (٢): وقد ذكرَ الشَّيخُ ﵀ يعني: ابنَ عبدِ البرّ - أبناءَ الحارثِ بنِ قيسٍ السَّهْميِّ، وهم: بِشر، وتميم، والحارث، وعبد الله، وأبو قيس، وسعيد (٣)، وحجاج، والسائب، ومعمر، كلهم هاجرَ إلى أرض الحبشة، وهم أشرف محتدِاً، وأكثر عددًا، وأعظم منقبةً. قلت: ومعاوية بن سويد [بن مقرن] (٤) متَّفقٌ على الاحتجاجِ به

стр. 647

في "الصَّحيحين"، مُخرَّجٌ له في بقيَّة الكتبِ المشهورةِ، سمع البراءَ و [أباه سويداً] (١)، وروى عنه أبو عمر، وعامرٌ الشَّعبي، وأبو عبد الله عمرو بن مُرَّة الجَمَلي، وسَلَمة بن كُهيل، وحديثُه عن أبيه في صُحْبة المماليك من كتابِ مسلم (٢). * * * * الوجه الثَّاني: في تصحيحه: وهو حديثٌ متَّفقٌ عليه، أخرجَه الجماعةُ، إلَّا أنَّ منهم من يختصِر ويقتصِر على بعضِ الأمور التي فيه، ومنهم من يُخرج الجميع، وقد ذكَرَه البُخاريّ في عشرةِ مواضعَ من كتابه؛ في الجنائزِ والملازمةِ، واللِّباسِ، والطِّبِّ، والأدبِ، والنُّذورِ، والنِّكاحِ، والأشربةِ، والاستئذانِ، وأخرجَه مسلمٌ في الأطعمةِ (٣). وقوله في الأصل: لفظُ مسلم في (٤) بعض وجوهه، يقتضي أمرين: أحَدهما: أنَّ لفظَ غيرِه قد يخالفه، والثاني: أنَّ له وجوهاً عندَ

стр. 648

مسلم قد يخالف بعضُها لفظَه (١)، والوجوهُ التي رواها مسلم فيه من حديث زهير بن معاوية، وأبي عوانة، وأبي إسحاق الشَّيباني، وليث ابن أبي سُليم مع الشَّيباني مقروناً، وشعبةَ، وسفيانَ، كلُّهم عن أشعثَ ابنِ أبي الشَّعثاء المحاربي، عن معاوية بن سُويد (٢). * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفردات ألفاظه: أحدها: مُقَرِّن: بضم الميم، وفتح القاف، وتشديد الراء المكسورة، وآخره نون. وثانيها: العيادةُ من مادة العَود، من الرُّجوع إلى الشَّيء بعد الانصراف عنه، إمَّا انصرافاً بالذَّات أو بالقول والعزيمة، وقد أُطْلِقَ العَوْدُ على الطَّريق [القديم] (٣) يعود إليه السَّفْرُ (٤)، فإن أُخِذَ

стр. 649

من الأولِ، فقد يُشعر بتَكرار العيادة، وإن أُخِذَ من الثَّاني بعد نَقْلِهِ نقلًا عُرْفِيًّا إلى الطَّريق، لم يدلَّ على ذلك. وثالثها: قال أبو القاسمِ الحسينُ بنُ محمدِ بنِ المفَضلِ الرَّاغبُ الأصبهانيُّ: المَرَضُ: الخروجُ عنْ الاعتدالِ الخاصِّ بالإنسان وذلك ضربان: [الأول]: مَرَضٌ جِسْمِيٌّ، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١]. والثاني: عبارةٌ عن الرَّذائل؛ كالجهلِ، والجبنِ، والبخلِ، والنِّفاقِ، ونحوها من الرَّذائلِ الخُلُقيةِ. قلتُ: الحقيقةُ هو المرضُ الجِسميُّ، وأما مرضُ القلوبِ فمجازٌ، وهو مجازُ التَّشبيهِ. قال الرَّاغبُ: ويُشَبَّه النِّفاقُ والكفرُ ونحوُهما من الرذائلِ بالمرضِ؛ إمَّا لكونها مانعةً من إدراكِ الفضائلِ، كالمرضِ المانعِ للبدنِ عنِ التَّصرُّفِ - الكاملِ، وإما لكونها مانعةً عن تحصيلِ الحياةِ الأُخروَّيةِ المذكورة في - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وإمَّا لميلِ النَّفسِ عن الاعتقاداتِ (١) الرَّدية ميلَ البدنِ المريض إلى الأشياءِ المُضرَّة. قال: ويكون هذه الأشياء مُتَصوَّرَةً بصورةِ المرضِ (٢) قيل: دَوِيَ

стр. 650

صدرُ فلانٍ ونَغِلَ (١) قلبُه. قال ﷺ : "وأيُّ داءٍ أدوأُ مِنَ البُخْلِ؟ " (٢)، قال: ويقال: شمسٌ مريضةٌ: إذا لم تكنْ مضيئةً لعارضٍ يعرِض لها (٣). قلت: يجوزُ في [هذا أن يكونَ من مجاز التَّشبيه الصُّوريِّ، و] (٤) أن يكونَ من مجازِ التَّشبيه المعنويِّ. ورابعها: قال الرَّاغبُ: يقال: تَبِعه وأتْبعه: قَفَا (٥) أثرَه، وذلك تارةً بالجسمِ، وتارةً بالارتسامِ والائتمار، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، و ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢١] (٦).

стр. 651

قلت: الحقيقةُ: الاتِّباع بالجسم، والمجاز كثير شائع، فمن الحقيقة: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ﴾ [الدخان: ٢٣]، ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩]، ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [المؤمنون: ٤٤]، والمُسْتَتْبَع من البهائم: التي يتبعُها ولدُهها، والتَّبِيع: ولدُ البقرة إذا اتَّبع أمَّه. ومن انطلاقِهِ على المعنى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: ٣٨]، ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ [يوسف: ٣٨]، ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]، ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. ومن المحتَمِلِ للأمرين: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف: ٦٦]، فيحتَمِلُ أنْ يكونَ من الحقيقة، بمعنى أنْ يتقدَّمه ويتَّبِعَه ليتعلَّمَ منه، ويَحْتَمِل أن يكونَ من المجازِ؛ أي: أَلْتَزِمُ اتِّباعَك واقتفاءَ أمرِك، والمجازُ هنا (١) أقرب. ومن المحتمل أيضاً: ما في هذا الحديث من اتِّباع الجنازة، وعلي هذا ينبغي ما الأفضلُ؛ هل المشيُ خلفَها أو أمامَها، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 652

وعلى طريقة المتأخِّرين: يمكن أن يُجعلَ حقيقةً في القَدْر المُشْتَرَكِ دَفْعاً للاشتراك والمجاز، إلَّا أنَّ الأَولى عندي إذا كثُرَ الاستعمالُ في أحد الخاصَّتين وتبادرَ الذِّهنُ إليه عند الإطلاق أن يُجْعَلَ حقيقةَ اللفظِ، وتقدمه على الأصل المذكور؛ أعني: عدمَ الاشتراكِ والمجاز؛ لأنَّ الأصل يُتركُ بالدَّليل (١) الدالِّ على خلافه، ومبادرةُ الذهن، وكثرةُ الاستعمال: دليلٌ على الحقيقة، [نعمْ] (٢) حيثُ يقرُبُ الحالُ أو يُشْكِل، فلا بأسَ باستعمالِ الأصْلِ. وخامسها: قال الجوهريُّ في "صحاحه": [الجِنازة: واحدة] (٣) الجنائز؛ يعني: بالكسر في جيم الجنازة، قال: والعامَّةُ تقول: الجَنازة - بالفتح -، والمعنى: الميِّتُّ على السَّرير، فإذا لم يكن عليه الميِّت، فهو سريرٌ ونعش (٤). وقال أبو بكر الزُّبيدي (٥): الجَنازةُ: الميتُ، والجِنازة: خَشَبُ

стр. 653

الشَّرْجَعِ - قلت: الشَّرْجَعُ - مفتوح الشين المعجمة، ساكن الراء المهملة، [و] (١) مفتوح الجيم، وآخره عين مهملة -، وقد ضبط بعضهم معنى الجَنازة - بالفتح -، والجِنازة - بالكسر - فقال: الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل (٢). وسادسها: التَّشْمِيْتُ: وفيه النَّظر من جهات: الأولى: صيغةُ (٣) لفظهِ، ويقال بالشِّين المعجمة، وبالسِّين المهملة. الثَّانية: قال الجوهري: وتشميت العاطس: أن يقال له: يرحمُك الله، بالسّين والشِّين (٤)، قال ثعلب: الاختارُ: بالسِّين؛ لأنَّه

стр. 654

مأخوذ من السَّمْت (١)، هو القصدُ (٢) والمَحجَّة، وقال أبو عبيد: الشين أعلى في خاصتهم وأكثر (٣)؛ لأنَّ فعله يتعدى إلى المفعول بنفسه وبحرف الجرِّ. قال ابن الأنباري فيما حكاه عن القاضي: يقال: سمَّت (٤) فلاناً، وشمّت عليه، وكلُّ داعٍ إلى الخير مشمّت ومسمّت (٥). الثَّالثة: في موضوعه، وفيه وجوهٌ منها: التَّشميت بمعنى الدُّعاء، قال الزُّبيدي في "مختصر العين": وشمّتُّ العاطس، إذا دعوتُ له، ويقال بالسِّين. وقال ابن سِيْدَه في "المحكم": وكلُّ داعٍ بالخير مُشَمِّتٌ (٦). وقال الخطَّابيُّ: وسمّتَ وشمّتَ بمعنى، و [هو] (٧) أن يدعوَ للعاطسِ بالرَّحمة (٨).

стр. 655

وقال أبو عبد الله محمدُ بن جعفرٍ التَّميميُّ في "جامعِ اللغةِ" (١): وقيل: التَّسميتُ (٢): الرَّجاءُ والتبريك، والعربُ تقول: سَمَّته، إذا دعا له بالبركة، وفي [الـ] (٣) ـحديث المرفوعِ: شمَّتَ (٤) عليهما؛ أي: علياً وفاطمة ﵄، دعا لهما، وبرَّك عليهما (٥). ومنها: [أنَّه] (٦) مأخوذ من الشَّماتةِ التي هي فرحُ الرَّجل ببلاءِ عدوِّه وسوءٍ يَنزِلُ به، يقال: شَمَتَ بعدوِّه شَماتةً وشَماتاً، وأشمتَهُ اللهُ بهِ، وبات بليلةِ سوءٍ من ليالي الشَّوامتِ (٧)؛ أي: من الليالي التي تشوبها الشَّوامت.

стр. 656

ثمَّ في توجيه هذا المعنى وجهان: أحدهما: قالَ أبو عليِّ فيما ذكره عنه ابن سِيْدَه: معناه: دعا له أن لا يكون في حالٍ يُشْمَتُ به فيها (١). وثانيهِما: أنَّك إذا قلتَ: يرحمُك الله، فقد أدخلتَ على الشَّيطان ما يُسخِطُه، فيُسَرُّ العاطسُ بذلك. ومنها: أنّه مأخوذٌ منَ التَّشميت الذي هو اجتماع الإبل في المرعى، قال صاحب "الجامع": والتشميتُ: اجتماعُ الإبل في المرعى، قيل (٢): [و] (٣) منه شَمَّتَ العاطسَ، إذا قلتَ له: يرحمُك الله، فيكون معنى شمتُّه: سألتُ اللهَ أن يجمَعَ شملَه وأمرَه. ومنها: ما ذَكَرَهُ القاضي أبو بكر بن العربي فيما وجدْتُه عنه قال: فإن كان بالشِّين المعجمة فهو مأخوذٌ من الشَّوامت، وهي القوائم، وإن كان بالسِّين المهملة فهو مأخوذ من السَّمْت، وهو قصدُ الشّيء وناحيتُه، كأنَّ العُطاسَ يَحُلُّ معاقِدَ البَدَنِ، ويَفْصِلُ معاقدَه، فيدعو له بأنْ يردَّ اللهُ شوامتَه على حالها، وسَمْتَهُ على صِفَتِهِ (٤). وهذا يقتضي أنَّ الشَّوامتَ تنطلَقُ على قوائمِ الإنسان؛ لأنَّ العاطسَ المُشَمَّتَ إنسانٌ لا غيرُ، وقد قال ابنُ سِيْدَه: الشَّوامتُ: قوائم

стр. 657

الدابة (١)، وهذا أخصُّ ممَّا ذكرتُه عن القاضي أبي بكر. ومنها: ما ذكره التميميُّ: وقال قومٌ: معنى سَمَّتَّه (٢) وأسْمَتَّهُ: دعوتَ له بالهُدى والاستقامةِ على سَمْتِ الطريق، وقال: العرب تجعل الشين والسين في لفظٍ بمعنى، كقولهم: جَاحَشْتُه وجاحسته بمعنى. قلت: يقال جَاحَشَ عن نَفْسِهِ: دافعَ، فيكون جَاحَشْتُه بمعنى دَافعْتُه، هذا ما يتعلق بالتَّشميت بالشين المعجمة. فأما السين المهملة: فقد قدَّمنا ما حكيناه عن القاضي ابن العربي أنه أُخِذَ من السَّمْتِ الذي هو قصدُ الشَّيِء وناحيتُه، وأحسنُ منه عندي أنْ يكونَ مأخُوذاً مِنَ السَّمتِ الذي هو الهيئةُ الموصوفةُ بالحُسْنِ والوَقَار، ومنه ما جاء في الحديث: "إنّ الهَدْيَ الصالحَ والسَّمْتَ والاقْتِصادَ جُزْءٌ منْ خَمْسةٍ وعشرين جُزْءاً من النُّبوَّة" (٣). وسابعها: القَسَم - بفتح القافِ والسِّين معًا -: [الحَلْفُ] (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩].

стр. 658

قيل: وأصلُه منَ القَسَامة، وهي أَيمانٌ تُقسَم على أولياءِ المقتولِ (١)، ثمَّ صارَ اسماً لكلِّ حَلِفٍ (٢). وفي هذا نظرٌ، ولو قيل: إنَّ القَسامة مِنَ القَسَمِ كان (٣) أولى، ولو قيل أيضاً: إنَّه مأخوذ من القِسامة التي [هي] (٤) بمعنى الحُسْنِ، يقال: وَجْهٌ قَسيمٌ؛ أي: حَسَنٌ (٥)، لكان له وجهٌ، [و] (٦) كأنَّ الحالفَ حَسَّن ما حُكِمَ [بِهِ] (٧) بتأكيده باسمِ الله تعالى. وثامنها: إبرارُ القَسَم: يكونُ المرادُ به الوفاءَ بمقتضاه، وعدمَ الحِنْث فيه، قال الزُّبيديُّ: وبرَّتْ يمينُه: صَدَقَتْ، وأبرَّها: أمضاها صِدْقاً. ويحتملُ أنْ يكونَ إبرارُ القَسَمِ جَعْلَه ذا بِرٍّ، والمرادُ بالبِرِّ: ما يقابِلُ الإثمَ؛ كما جاء في الحديث: "جئْتَ تسألُني عن البِرِّ والإثمِ" (٨)، فيكون إبرارُها أن يحلفَ بها على الأمر الجائزِ، لا على

стр. 659

فعلِ المحظورِ، ولا على تركِ الواجبِ. فإن حملْنَا اللفظَ على الأوَّلِ، وكان متعلِّقاً بالقَسَمِ، فلا حاجةَ إلى إضمارٍ، ثمَّ يُحتمل أنْ يكونَ المرادُ إبرارَ الإنسانِ قَسَمَ نفسِه؛ بأنْ يفيَ بمقتضى اليمين، وإبرارَه لقَسَمِ غيرِه عليه، وهو أن لا يحنثه، ويوقِعَه في مخالفةِ اليمينِ، وإن كان الإبرارُ متعلقًا بالمُقْسِمِ، فلا بدَّ فيه من إضمار؛ وهو أن يقدِّر: وإبرار يمين المقسم، أو ما يقاربُ ذلك. وتاسعها: قد وَقَعَ التَّردُّدُ بكلمة (أو) بين القَسَمِ و (١) المُقْسِم، و (أو): تكونُ للشَّكِّ والإباحة، والأقربُ أنها ها هنا للشَّكِّ مِنْ بعضِ الرُّواة؛ لأنَّ في رواية النَّسائيِّ، وعند البخاريِّ: "إبرار القسم" (٢) مِنْ غَيْرِ شك (٣). وعاشرُها: قيل: النَّصر والنّصرة: العونُ ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] (٤).

стр. 660

[الحادية عَشرة] (١) منها: الإجابةُ: تنطلق على القولِ والفعلِ مَعاً، يقالُ: أجاب الله دعاءَك؛ أي: فعلَ ما سألتَه إيَّاه، وقول الشاعر (٢) [من الطَّويل]: وَداع دَعا يا مَنْ يُجيبُ إِلى النَّدَى ... فلم يَسْتَجِبْه عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ (٣) يحتمل الإجابةَ بالقولِ؛ لتقدُّمِ النِّداءِ، ويحتمل الإجابة بالفعلِ ببذلِ العَطاءِ. الثَّانية عشرة منها: قيل: الظُّلم: وضعُ الشَّيءِ في غيرِ مَوْضِعهِ المُخْتَصِّ به، إمَّا بنقصانٍ أو بزيادة، أو بعدولٍ عن وقتهِ ومكانهِ، ومن هذا يقال: ظَلَمْت السِّقاء (٤): إذا تناولته في غير وقته (٥). الثالثة عشرة منها: الدُّعاء: يُسْتَعْمَلُ بمعنى (٦) النِّداء ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤].

стр. 661

ويستعملُ استعمالَ التَّسميةِ، نحو: دعوتُ ابني زيدًا؛ أي: سمَّيتُهُ، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] حثًّا على تعظيمه، وذلك مخاطبةُ منْ [كان] (١) يقولُ: يا محمد! ودعوتَه: إذا سألتَه واستغثتَ به، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨]؛ أي: سَلْه. وقال أبو القاسم أيضًا: إنَّ الدُّعاءَ إلى الشَّيْء: الحثُّ على قَصْدِهِ، قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] (٢). الرابعة عشرة منها: قال أبو القاسم: والدُّعاء: كالنِّداء، لكنَّ النِّداءَ قد يقال (٣): (يا) و (أيا) ونحوُ ذلك، من غير أن يَضُمَّ إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلَّا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يُستعمل كلُّ واحد منهما موضعَ الآخر، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١] (٤). الخامسة عشرة منها: قال الراغبُ: ونصرةُ الله للعبد (٥) ظاهرةٌ، ونصرةُ العبدِ [لله] هي نصره لعبادِه، والقيامُ بحفظِ حدودِه، ورعايةُ

стр. 662

عهدِهِ، واعتناقُ (١) أحكامِهِ، واجتنابُ نهيِهِ، قال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] (٢). السادسة عشرة منها: مادَّةُ (الإفْشَاءِ) تدل على الظُّهور والانتشارِ، فَشَتِ المقالة: إذا انتشرت وذاعت، وليُفْشوا العلم؛ أي: يُظْهروه وَينْشُروه، وأفشى (٣) السرّ: أظهرَه ونشرَه (٤). فإفشاء السلام: إظهارُه وعدمُ إخفائه بخفضِ الصَّوتِ، وأما نشرُه: فتداوله (٥) بين النَّاس، وأن يحيوا سنَّتَه ولا يميتوها. السابعة عشرة منها: السلام يطلق بمعنى السلامة، قال الشاعر (٦) [من الوافر]: تُحَيِّي بالسَّلامَةِ أُمُّ عمروٍ ... وهَلْ لَكِ بعد قَومِكِ من سَلامِ ويُطلَقُ اسماً من أسماء الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

стр. 663

﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ويطلق بإزاء اللفظِ الموضوعِ للتَّحية، وهو المرادُ هاهنا، فمن المواضع المذكورة ما يراد به المعنى الأول، وهو السَّلامة، كالبيت الذي ذكرناه: وهَلْ لَكِ بعد قَومِكِ من سَلامِ ومنها ما يَحْتَمِلُ أنْ يرادَ به السَّلامةُ، ويرادَ به التَّحيَّةُ كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ﴾ [يس: ٥٧ - ٥٨] على أنْ يكون (سلام) بَدَلاً مِنْ (ممَّا يدعون)؛ كأنَّه قيلَ: ولهم سلامٌ؛ أي: سلامة، ويحتمل أن يرادَ التَّحيَّةُ؛ أي: منَ الملائكةِ أو منَ اللهِ، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] مُخْتلَفٌ في معناهُ (١). الثامنة عشرة منها: الخواتِيْمُ: جمعُ خاتِم، قال أبو عمر الجرمي (٢): وكلُّ ما كانَ على فَاعَل - يريد: مفتوحَ العينِ - نحو تابَل، فإنَّ جمعَه على فواعِيْل، نحو طوابِيق وتوابِيل وخواتِيم.

стр. 664

وفي الخاتَم لغاتٌ: فتحُ التَّاءِ وكسرُها، وخاتَام، وخَيتام (١). وفي اللفظ تردُّدٌ بين (خواتيم) و (تختم)، فعلى الأولى: لا بدَّ من حذفِ مضافٍ؛ أي: لُبْسُ خواتيم، وعلي الثَّاني: لا حاجةَ إلى الحذف؛ لأنَّ في اللفظ الأول أضيف النَّهيُ إلى الذات، فلا بدّ وأن يُصرفَ إلى فعل يتعلَّقُ بها، وفي اللفظ الثَّاني أُضيف إلى المصدر، فلا حاجة إلى غيره، فإن النَّهيَ يصحُّ تعلُّقه به بنفسه. التاسعة عشرة منها: الذَّهبُ لفظٌ مشتَرك في لسانِ العربِ، ويرادُ به هاهنا ما غَلَبَ استعمالُه فيه، وهو النَّقْدُ المشهور، ويُذَكَّر ويُؤَنَّثُ، قال الجوهريُّ: والقِطْعةُ منه ذَهَبَةٌ، ويُجْمع على الأَذْهَابِ والذُّهُوبِ. والذَّهَبُ أيضًا: مِكْيالٌ لأهلِ اليمن معروفٌ، والجمع أذْهاب، وجمعُ الجمعِ أَذَاهِب، عن أبي عُبَيْد (٢). العشرون منها: المَياثِر: جمع مِيْثَرَة - بكسر الميم، وبعد آخرِ الحروفِ ثاءٌ مثلَّثةٌ لا (٣) همزَ فيها - واختلفت عباراتُهم في تعريفها، قال

стр. 665

الزُّبيدي: المِيْثَر والمِيثَرة: مِرفَقةٌ كصُفَّةِ السَّرْج، وقال الطبري: المياثر: [وطائفُ] (١) كانتِ النِّساء يَصْنَعْنَهُ لأزواجهنّ من الأُرجوان الأحمر ومن الدّيباج على سُروجهم، وكانت مراكبَ العجمِ، وقيل: هي أغْشِيَةُ السُّروجِ من الحرير، وقيل: هي سروجٌ من الديباج (٢). قال أبو عبيد: وأما المياثر الحمرُ، التي جاء فيها النص، فإنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباجٍ أو حرير (٣). قلت: أصلُ اللفظ من الوَثَارة، والوِثْرة - بكسر الواو، وسكون الثاء -، والوثيرُ: هو الفراشُ الوَطِيُّ، يقال: ما تحته وِثْر ووِثَارٌ، وامرأةٌ وَثيرةٌ: كثيرةُ اللحمِ، ووَثُرَ الشيءُ وُثَارةً - بالضم -؛ أي: وطئ، [والجمع للميثرة: مياثر ومواثر] (٤) (٥). الحادية والعشرون منها: القَسِّي - بفتح القاف، وتشديد السين المهملة -، وذكر أبو عبيد - رحمه الله تعالى -: أن أصحاب الحديث يقولونه: القِسِّي - بالكسر - (٦)، وأهل مصرَ يفتحون القاف، يُنسب إلى بلادٍ يقال لها: القَسّ (٧).

стр. 666

وقال ابن وهب وابن بُكير فيما حكاه القاضي: هي ثياب مُضُلَّعة بالحرير، تُعملُ بالقَسِّ من بلاد مصرَ ممَّا يلي الفَرْمَا (١). وقال الجوهريُّ: والقَسِّيُّ: ثوبٌ يحمل من مصر يخالطُه الحريرُ (٢). وقد روى أبو داودَ من حديثِ أبي بُرْدَةَ، عن عليّ ﵁ في حديث ذكره: ونهاني عن القَسِّيَّةِ والمِيْثَرَةِ، قال أبو بردة: فقلنا لعلي ﵁: ما القَسِّيَّةُ؟ قال: ثيابٌ تأتينا من الشام أو من مصرَ، مُضَلَّعةٌ، فيها أمثالُ الأُتْرُجّ، قال: والميثر: شيءٌ (٣) كانت تصنعه النساءُ لبعولتِهنَّ (٤). قلتُ: ومنهم من جَعَلَ السين مُبْدَلةً من الزَّاي، ويكون بمعنى القَزِّيّ المنسوبِ إلى القَزّ (٥). الثَّانية والعشرون منها: اللُّبس - بضم اللام - مصدرُ لبِستُ

стр. 667

الثوبَ، ألبَس، بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل. وأما اللِّبس - بكسر الباء - (١) فهو ما يُلَبس، ولِبْس الكعبةِ والهودجِ: ما (٢) عليهما من لِباس. وأمَّا اللَّبسُ - بالفتح - فمصدر لَبَسْتُ الأمرَ ألبِسُ - بفتح الماضي، وكسر المستقبل - قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] (٣). والثالثة والعشرون منها: قال أبو منصورٍ موهوبُ بن أحمدَ الجواليقيّ في كتابه في "المُعَرَّب من الكلام العجمي": والإستبرقُ: غليظُ الدِّيباج، فارسيٌّ معرَّبٌ، وأصلُه: اسْتَفْرَهَ، وقال ابن دُريد: إِسْتَرْوه، ونُقِلَ من العجمية إلى العربية، فلو حُقِّر استبرق أو كُسِّر لكان في التحقير أُبَيْرِق، وفي التكسير أبارِق، بحذف السين والتاء جميعاً (٤). وقال بعضهم: الباء في استبرق ليست باءً خالصة، وإنَّما هي بين الفاء والباء. الرابعة والعشرون منها: قال الجوهري: الديباج: فارسيٌّ

стр. 668

معرَّبٌ، ويجمع على: ديابيج، وإن شئت: دباييح - بالباء - على أن تجعل (١) أصله مشدداً كما (٢) قلنا في الدينار، وكذلك في التصغير (٣). والذي قاله في الدينار: إن أصله دِنّار - بالتشديد -، فأبدلَ من أحد حرفي تضعيفه ياءً لئلا يلتبس بالمصادر، والتي (٤) تجيء على فِعَّال، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٨] إلَّا أن يكون بالتاء (٥)، فيخرج على (٦) أصله، مثل: الصِّنَّارة والدِّنَّامة؛ لأنَّه أُمِنَ الآن الالتباس (٧). قال الجواليقي: والدِّيباجُ: أعجميٌّ معرَّبٌ، وقد تكلمت به العرب، قال مالك بن نُوَيْرَة [من البسيط]: ولا ثيابٌ مِنَ الدِّيْبَاجِ تَلْبَسُها ... هي الجِيَادُ وما في النَّفْسِ مِنْ دَبَبِ

стр. 669

قال: الدَّبَب: العيب، وأصل الديباج بالفارسية: دِيُوبَاف؛ أَي: نِسَاجَةُ الجِنّ (١)، والله أعلم. * * * * الوَجْهُ الرابعُ: في شيءٍ من العربيَّة والمعاني: قد ذكرنا أنَّ المِيْثَرَةَ، من مادَّة الوَثارة، فأصلها الواو، وإنَّما انقلبت ياء؛ لانكسار ما قَبْلها معَ سكونها على القاعدة التَّصريفيَّة. وذكرنا ما يتعلق بالحذف وعدمِهِ في إبرارِ القَسَمِ، وكذلك يقعُ الحذفُ في قوله: "وعن المياثر"، ويُقدَّرُ: وعن افتراشِ المياثرِ، أو ما يقربُ منه، وقوله: "وعن القَسِّيِّ" يقدر فيه: وعن لُبس القَسِّيّ، وقد وقع مصرَّحاً به في الخبر (٢)، [والاستبرق: الديباج] (٣)، وقوله: "وعن خواتيم أو عن تختم الذهب" هو من بابِ: بين ذراعَي وجبهة الأسدِ (٤)

стр. 670

وفيه مذهبان: أحدهما: أن يكونَ من الفصلِ بينِ المضافِ والمضافِ إليه، والأصلُ: عن خواتيمِ الذَّهبِ. والثاني: أنَّ يكون على حذفِ المضافِ إليه من الأوَّلِ. والأول (١) أولى، فإنّه لو كانَ كما ظَنَّ لقال: وجبهتِهِ (٢). * * * * الوجهُ الخامسُ: في الفوائدِ والمباحثِ، وفيه مسائل: الأولى: إخبار الصحابيِّ في الأمرِ والنَّهي على ثلاث (٣) مراتب: الأولى: أن يحكيَ صيغةَ لفظِ الرَّسولِ ﷺ ، كقوله مضيفاً إلى الرسول ﷺ : "عُودوا المريض"، و "أفْشوا السَّلام"، و"انْصَرْ أخاك"، و"أَجِيبوا الدَّاعي" (٤). الثَّانية: قولُه: "أمرَنَا رسولُ الله ﷺ بكذا"، أو "نهانا عن كذا"، والمختار أنه كالمرتبة (٥) الأولى في العمل به أمراً ونهياً، وإنَّما نزل عن الرتبة الأولى لاحتمال أن يكون ظَنَّ ما ليس بأمرٍ أمراً، إلَّا أنّ
следующие страницы →