وقال ابن وهب وابن بُكير فيما حكاه القاضي: هي ثياب مُضُلَّعة بالحرير، تُعملُ بالقَسِّ من بلاد مصرَ ممَّا يلي الفَرْمَا (١).
وقال الجوهريُّ: والقَسِّيُّ: ثوبٌ يحمل من مصر يخالطُه الحريرُ (٢).
وقد روى أبو داودَ من حديثِ أبي بُرْدَةَ، عن عليّ ﵁ في حديث ذكره: ونهاني عن القَسِّيَّةِ والمِيْثَرَةِ، قال أبو بردة: فقلنا لعلي ﵁: ما القَسِّيَّةُ؟ قال: ثيابٌ تأتينا من الشام أو من مصرَ، مُضَلَّعةٌ، فيها أمثالُ الأُتْرُجّ، قال: والميثر: شيءٌ (٣) كانت تصنعه النساءُ لبعولتِهنَّ (٤).
قلتُ: ومنهم من جَعَلَ السين مُبْدَلةً من الزَّاي، ويكون بمعنى القَزِّيّ المنسوبِ إلى القَزّ (٥).
الثَّانية والعشرون منها: اللُّبس - بضم اللام - مصدرُ لبِستُ
стр. 667
الثوبَ، ألبَس، بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل.
وأما اللِّبس - بكسر الباء - (١) فهو ما يُلَبس، ولِبْس الكعبةِ والهودجِ: ما (٢) عليهما من لِباس.
وأمَّا اللَّبسُ - بالفتح - فمصدر لَبَسْتُ الأمرَ ألبِسُ - بفتح الماضي، وكسر المستقبل - قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] (٣).
والثالثة والعشرون منها: قال أبو منصورٍ موهوبُ بن أحمدَ الجواليقيّ في كتابه في "المُعَرَّب من الكلام العجمي": والإستبرقُ: غليظُ الدِّيباج، فارسيٌّ معرَّبٌ، وأصلُه: اسْتَفْرَهَ، وقال ابن دُريد: إِسْتَرْوه، ونُقِلَ من العجمية إلى العربية، فلو حُقِّر استبرق أو كُسِّر لكان في التحقير أُبَيْرِق، وفي التكسير أبارِق، بحذف السين والتاء جميعاً (٤).
وقال بعضهم: الباء في استبرق ليست باءً خالصة، وإنَّما هي بين الفاء والباء.
الرابعة والعشرون منها: قال الجوهري: الديباج: فارسيٌّ
стр. 668
معرَّبٌ، ويجمع على: ديابيج، وإن شئت: دباييح - بالباء - على أن تجعل (١) أصله مشدداً كما (٢) قلنا في الدينار، وكذلك في التصغير (٣).
والذي قاله في الدينار: إن أصله دِنّار - بالتشديد -، فأبدلَ من أحد حرفي تضعيفه ياءً لئلا يلتبس بالمصادر، والتي (٤) تجيء على فِعَّال، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٨] إلَّا أن يكون بالتاء (٥)، فيخرج على (٦) أصله، مثل: الصِّنَّارة والدِّنَّامة؛ لأنَّه أُمِنَ الآن الالتباس (٧).
قال الجواليقي: والدِّيباجُ: أعجميٌّ معرَّبٌ، وقد تكلمت به العرب، قال مالك بن نُوَيْرَة [من البسيط]:
ولا ثيابٌ مِنَ الدِّيْبَاجِ تَلْبَسُها ... هي الجِيَادُ وما في النَّفْسِ مِنْ دَبَبِ
стр. 669
قال: الدَّبَب: العيب، وأصل الديباج بالفارسية: دِيُوبَاف؛ أَي: نِسَاجَةُ الجِنّ (١)، والله أعلم.
* * *
* الوَجْهُ الرابعُ: في شيءٍ من العربيَّة والمعاني:
قد ذكرنا أنَّ المِيْثَرَةَ، من مادَّة الوَثارة، فأصلها الواو، وإنَّما انقلبت ياء؛ لانكسار ما قَبْلها معَ سكونها على القاعدة التَّصريفيَّة.
وذكرنا ما يتعلق بالحذف وعدمِهِ في إبرارِ القَسَمِ، وكذلك يقعُ الحذفُ في قوله: "وعن المياثر"، ويُقدَّرُ: وعن افتراشِ المياثرِ، أو ما يقربُ منه، وقوله: "وعن القَسِّيِّ" يقدر فيه: وعن لُبس القَسِّيّ، وقد وقع مصرَّحاً به في الخبر (٢)، [والاستبرق: الديباج] (٣)، وقوله: "وعن خواتيم أو عن تختم الذهب" هو من بابِ:
بين ذراعَي وجبهة الأسدِ (٤)
стр. 670
وفيه مذهبان:
أحدهما: أن يكونَ من الفصلِ بينِ المضافِ والمضافِ إليه، والأصلُ: عن خواتيمِ الذَّهبِ.
والثاني: أنَّ يكون على حذفِ المضافِ إليه من الأوَّلِ.
والأول (١) أولى، فإنّه لو كانَ كما ظَنَّ لقال: وجبهتِهِ (٢).
* * *
* الوجهُ الخامسُ: في الفوائدِ والمباحثِ، وفيه مسائل:
الأولى: إخبار الصحابيِّ في الأمرِ والنَّهي على ثلاث (٣) مراتب:
الأولى: أن يحكيَ صيغةَ لفظِ الرَّسولِ ﷺ ، كقوله مضيفاً إلى الرسول ﷺ : "عُودوا المريض"، و "أفْشوا السَّلام"، و"انْصَرْ أخاك"، و"أَجِيبوا الدَّاعي" (٤).
الثَّانية: قولُه: "أمرَنَا رسولُ الله ﷺ بكذا"، أو "نهانا عن كذا"، والمختار أنه كالمرتبة (٥) الأولى في العمل به أمراً ونهياً، وإنَّما نزل عن الرتبة الأولى لاحتمال أن يكون ظَنَّ ما ليس بأمرٍ أمراً، إلَّا أنّ
стр. 671
هذا الاحتمالَ مرجوحٌ؛ للعلم بعدالته، ومعرِفَته بمدلولاتِ الألفاظ لغة (١).
الثالثة: قوله: "أُمرنا أو (٢) نُهينا"، وهي كالمرتبةِ الثَّانيةِ في العلمِ على المختار عندَ الجمهور، وإنَّما نزلتْ عنها لاحتمالٍ [آخرَ] (٣) يَخُصُّها؛ وهو أنْ يكون الآمرُ غيرَ النبيِّ ﷺ ، وهو مرجوحٌ أيضاً (٤).
الثَّانية: قد ورد في هذه الأمور كلِّها من لفظ الرسول ﷺ ما يقتضي الحثَّ عليها أو الأمر، فترقَّت إلى الدَّرجةِ الأولى، ففي حديث أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خَمْسٌ تَجِبُ للمُسْلمِ على أخِيه؛ ردُّ السَّلامِ، وتشميتُ العاطسِ، وإجابةُ الدَّعوةِ، وعيادةُ المريضِ، واتِّباعُ الجنائز (٥) " (٦).
وفي حديثِ عبد الله بن دِينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ : "إذا عَطَسَ أحدُكم فليقُلْ: الحمدُ لله على
стр. 672
كلِّ حالٍ، وليقُلْ من صَحِبَهُ أو سَمِعَه (١): يرحمُك اللهُ، ويقول هو: يَهْدِيكُم اللهُ ويصلحُ بالكُم" لفظ رواية أبي داود (٢).
وأما نصرُ المظلومِ فثابتٌ من حديث أنس ﵁: "انصرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً" (٣).
وأما إفشاءُ السَّلامِ ففي حديث الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - أنَّه - قال: قال رسولُ الله ﷺ ... الحديث، وفيه: "أَفشُوا السَّلامَ بينكمْ" (٤).
فقدْ تبيَّن أنَّ جَميعَ السَّبعِ المأمورِ [بها] (٥) قد وردَ في لفظ الشَّارع ما يقتضي الحديث عليها والأمرَ بها، وفي حديث: "وعودوا المريضَ، وأجيبوا الدَّاعي" (٦)، وقد حصل بهذا الحديث الواحد الاكتفاءُ عن جلب أحاديثَ كثيرةٍ في هذا المعنى.
стр. 673
الثالثة: الأوامرُ والنَّواهي في هذا الحديث تعود إلى فَصْلِين؛ فالأوامرُ تعود إلى حقّ المسلم على أخيه على رواية: "المقسم"، والنواهي تعود إلى ما يرجع إلى اللباس أو الاستعمال.
الرابعة: يجبُ أن يُفرَّقَ بين الجمعِ في الخبرِ، وبينَ الخبرِ عن الجَمْعِ؛ فإنَ الخبرَ قد يقع عن أمورٍ متعدّدة في أوقاتٍ مختلفة، فيجمعها الرَّاوي في إخباره، كما لو رأى رجلًا يأكلُ ويشربُ ويتكلَّم ويصلي في أوقات مختلفة، فأخبرَ عن الجميع، فقد جَمعَ في خبره بين هذه الأمور، وإن كانت متفرقةً غيرَ مجتمعةٍ بالنسبة إلى وقتِ الفعل.
وأمَّا الخَبرُ عن الجمع فأَنْ يكونَ الفاعلُ قد فعلَ أشياءَ في وقتٍ واحدٍ أو حالٍ واحدةٍ، فأخبر عن الجميع (١).
والجمعُ في الخبرِ أعمُّ من الخبر عن الجمعِ؛ لأنَّه متى ثبت الخبرُ عن الجمع ثبتَ الجمعُ في الخبر، ولا ينعكس، ويترتب على هذا فوائدُ حكميَّة في غير ما موضع مثل قولِ الراوي: "مَسَحَ على ناصيته وعِمامته" (٢)، وفرضنا أنه لم يدلَّ دليلٌ على الجمعِ بينهما في وضوءٍ واحدٍ، فإذا أردنا أن نَستدِلَّ به على أنَّ مَنْ مَسح بعضَ رأسِه كمَّل على العمامة، أو أردنا أَنْ نجعلَه قرينةً دالَّةً على
стр. 674
وجوب التَّعميم كما فعله أصحابُ مالك: ﵏ أجمعين - لم يتمَّ ذلك؛ لجوازِ أن يكون ذلك جمعاً في الخبر (١)، لا خبراً عن الجمع، ويكون النبيُّ ﷺ فَعلَ ذلك في وقتين مختلفين، وحينئذٍ لا يدلُّ على التكّميل، ولا تتمُّ القرينةُ.
وكذلك لو أرادَ مَنْ يجيزُ المسحَ على العِمامة مِنْ غيرِ مسحِ الشَّعرِ أو بعضِه أن يستدلَّ بمثل هذه الصيغة، وقولهِ: (وعلى عمامته)، لاعتُرِضَ عليه بأنَّه يجوزُ أن يكونَ خبراً عن الجمع؛ أي: جُمعَ بينهما في وقتٍ واحد، فلا يكونُ دليلاً على جواز الاكتفاء بالمسح على العِمامة.
وإنَّما قلتُ: مثل قولِ الراوي: "على ناصيته وعمامته"، وفرضنا أنَّه لم يدلَّ دليل على الجمعِ بينهما في وضوء واحد؛ لأنَّ الظاهرَ من روايةِ المغيرةِ: أنه في وضوء واحد، وإنَّما قصدنا بيانَ الطريقِ بضرب المثال.
الخامسة: ممَّا يترتب على هذه القاعدةِ في هذا الحديثِ أنه: هل استَعْمل اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، أم لا؟
وأمَّا في لفظِ الرَّسولِ ﷺ فلا؛ أعني: أنْ يقالَ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ استعملَ ها هنا اللفظَ الواحدَ في حقيقتِهِ ومجازِه، وإنَّما قلنا ذلك؛ لأنَّ بعضَ هذه المأموراتِ مستحبٌّ وبعضُها واجبٌ، إمَّا بالإجماع أو بدليلٍ يُدلُّ عليه، فقولُ البراءِ ﵁: " أَمر رسولُ الله ﷺ "، احْتَمَل أن يكون جمعاً في الخبر، لا خبراً عن الجمع، واحْتَمَلَ أن يكون
стр. 675
النبيُّ ﷺ قد تعدَّدت صيغةُ الأمرِ في لفظِه بالنَّسبة إلى [بعض] (١) هذه الأمور [دون بعض] (٢)، فأمرَ ببعضها بصيغةٍ مفرَدَةٍ له، وأمر بأُخرَ بصيغةٍ مفردةٍ، وأرادَ بإحداهما الوجوبَ، وبالأخرى النَّدبَ، فلا يلزم في لفظه ﷺ أن يكونَ لفظاً واحداً استُعمِلَ في حقيقتِهِ ومجازه (٣).
وأمَّا لفظُ الراوي، وهو قوله: "أمرنا"، فهل يكون مستعملاً للفظِ في حقيقتِه ومجازِه؟ فيه نظرٌ دقيق عندي، فيُلْمَح ها هنا ما قيل في علم الأصول: أنَّ مدلولَ اللفظِ قد يكونُ لف ظًا، ومذهبُ من يرى أنَّ الأمرَ حقيقة في الوجوب (٤)، مع أن بعضَ هذه الأوامرِ للوجوب جَزْماً، وتأمَّلْ [في] (٥) ذلك.
السَّادسة: ومما يترتَّب على ذلك أيضاً أنه قال: "وعن الحريرِ والإستبرقِ والدّيباج"، ولقائلٍ أَنْ يسألَ ويقول: ما الفائدةُ في التكّرارِ وكلُّه حريرٌ؟
فيقال فيه: إنَّما يكونُ تَكراراً لو كانَ إخباراً عن الجمع، بمعنى: أنه أخبر عن الرسول ﷺ أنه نهى عن هذه الثلاثةِ في وقتٍ واحدٍ،
стр. 676
فحينئذٍ يُحتاج إلى الجوابِ وإظهارِ الفائدةِ في الجمع بين (١) النَّهي عنها مع إمكانِ الاكتفاء بذكر الحرير، أمَّا إذا كان جمعاً في الإخبار بأنْ يكونَ سمعَ النَّهيَ عن الحرير في وقتِ، [وعن الإستبرقِ في وقتِ] (٢)، وعن الدِّيباج في وقتِ، فلا يلزَمُ طلبُ الفائدةِ؛ لأنَّ السؤالَ إنَّما يقرُبُ إذا كان النَّهيُ عن الجميع في وقت واحد، فأردنا (٣) أن نبيّنَ تعلُّقَ [هذه] (٤) الألفاظِ بهذه القاعدة، واحتمالِ الجوابِ بها.
[المسألة] (٥) السابعة: هذا الذي ذكره الصحابي ﵁ في جانب الأمرِ يتعلَّقُ النَّظرُ فيه بالأمِر، والمأمور، والمأمورِ لأجله؛ لأئا بينَّا أنها كلها حقوقُ المسلم على أخيه على رواية المُقْسم. وأما (٦) الأمرُ فيُنْظَرُ فيه؛ هل هو على الوجوب، أو الندب؟
وأمَّا المأمورُ فهم المخاطَبون، فيُنْظَر هل تناولَهمُ الأمرُ على الأعيان، أو على الكفاية؟
وأمَّا المأمورُ من أجله فيُنظر في عمومه وخصوصه.
وَينْشَأُ من هذه الأنظار أقسامٌ متعدِّدةٌ، بعضُها يتعذَّر الحَمْلُ
стр. 677
عليه، وبعضُها يُمكِنُ ويتوقَّفُ على الدَّليل.
القسم الأول: أن يكونَ الأمرُ للوجوبِ على الأَعيان، والعمومُ بالنسبة إلى المأمور من أجله.
الثَّاني: أنْ يكونَ الوجوبُ على الأعيان لا على العمومِ بالنسبة إلى المأمور من أجله.
الثالث: أنْ يجبَ على الكفاية على العموم بِالنسبة إلى أفرادِ المأمورِ من أجله.
الرابع: أن يجبَ على الكفاية لا على العموم بالنسبة إلى أفراد المأمور من أجله.
الخامس: أن يكونَ الأمرُ للنَّدب، ويكونَ فيه هذه الأقسام الأربعةِ كلها.
وهذه الأقسامُ تجري في كل نوعٍ من هذه السَّبعةِ المذكورة في الحديث، فتزيد الأقسام وترتقي إلى ستَّةٍ وخمسين قسماً من ضرب ثمانية في سبعة.
الثامنة: في مقدمةٍ يُحتاج إليها فيما بعد: اختلفَ الأصوليُّون في أن فرض الكفاية؛ هل يتعلق بالجميع ويسقُط بفعلِ البعض؟ أو يتعلق ببعضٍ منهم؟ واختاروا القولَ الأولَ (١).
التاسعة: في مقدمةٍ أخرى؛ وهو أن فرضَ الكفاية إذا باشَرَه أكثرُ
стр. 678
مِمَّن يَحْصُل به تأدِّي الفرض، هل يُوصَف فعلُ الجميعِ بالفَرْضيَّة؟ تكلَّموا فيه (١)، ونحن إذا قُلنا في بعض الأقسام الآتية: إنه يُسْتحَبُّ في حقِّ مَنْ حصلتِ الكفايةُ بغيره، أرَدْنا به أنَّه يُستحبُّ الشُّروعُ والابتداءُ، ولم نُردْ به أن يقعَ مُستحبًّا في حَقِّه، إذا شَرَعَ فيه مع غيره، فإنَّ ذلك لا غرضَ لنا فيه (٢).
العاشرة: كلُّ ما نَصِفهُ بالوجوبِ أو بالجوازِ أو بالاستحبابِ على العموم، إنَّما نعني به في محل (٣) الإمكان، ولا نريدُ العمومَ بالنسبةِ إلى حالة الاستحالة، حتَّى نجعلَ اللفظَ مخصوصاً بالنِّسبة إلى تلك الحالةِ، فإنَّ من جُملة المُخصِّصاتِ العقلَ، لكنَّا إنَّما نريدُ العمومَ في محلِّ الإمكانِ كما قلنا؛ مثلًا: [إن] (٤) عيادةَ المريض فَرْضٌ على الكفاية في حق عمومِ المرضى، فلا نعني به مرضى بلادِ السِّنْدِ والهندِ، والغائبين الذين يعسُر - أو يُتعَذَّر - الوصولُ إليهم.
الحادية عشرة: قد نُطلقَ القولَ بالأحكام بالنِّسبة إلى بعضِ الأمورِ، ولا نريدُ به إلَّا ذلكَ الأمرَ من حيثُ هو هو، وقد يكون ثَمَّ عوارضُ وموانعُ في خُصوص بعض الصُّور، فليس مرادنا العمومَ
стр. 679
فيها، وليس (١) محلَّ ذكرِها في هذا الموضع، وإنَّما محلُّ ذكرها حيث نتعرض إلى المُخصِّصاتِ، وما يُستثنى من العُمومات، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وهذا حكمٌ بالنَّظر إليها من حيثُ هي مَيْتَةٌ، وقد يعرِض الوجوبُ في بعض الصُّور عند خوف الهَلاكِ.
ولم يزلِ الفقهاءُ يفعلون هذا، فيقولون: هذا واجِبٌ على الأعيان، ولا يريدون به وجوبَه على المجنونِ، ولا على الصبيِّ، ولا مَنْ يقومُ به بعضُ الموانعِ (٢)، وكذلك يقال: الصَّيْدُ حلالٌ، ولا نعني به في كلِّ حال، فقد يقوم مانعٌ يحرِّمه، أو مقتضِ يوجبُه في بعض المواضع، وكذلك نقول: النكاح مستحبٌّ، وقد يعرض ما يُوجبه أو يُحرِّمه، وكذلك قولنا (٣): الإجابةُ لدعوةِ العُرس فرضٌ، لا يزيد به معَ قيام الموانعِ؛ كحضورِ الخمرِ والمنكرِ، وإنَّما ذكر هذا عند التعرض للموانع.
الثَّانية عشرة: القانونُ في معرفة فرض الكفاية: [أنَّ] (٤) ما كان المقصودُ منه تحصيلَ المصلحةِ منه، أو دفعَ المفسدة، ولم يتعلَّقِ
стр. 680
المقصودُ بأعيانِ الفاعلين وامتحانِهم، فهو فرضُ كفايةٍ، وما لم يظهرْ فيه ذلك، واقتضى الخطابُ فيه العمومَ، فهو فرضُ عينٍ، إلَّا لمعارضٍ خارجٍ يُخرج اللفظَ عن عمومِهِ (١).
الثَّالثة عشرة: فيما يمكن من هذه الأقسام بالنِّسبة إلى عيادة المريض (٢)؛ أمَّا القسمُ الأول فمقتضاه: أن يجبَ على كل مسلمٍ عيادةُ كلِّ مريضٍ، وهذا القسم ممتنعٌ جزمًا، ولا استمرَّ عليه عملُ الأمَّةِ.
وأمَّا القسم الثَّاني فمقتضاه: أن يجبَ على كلِّ مسلمٍ عيادةُ مُطْلَقِ المرضى؛ أي: أنَّه يجبُ على كلِّ مسلمٍ القيامُ بهذه الوظيفةِ بالجملة، حتَّى يعصيَ من مات ولم يَعُدْ مريضًا ما (٣)، وهذا ممكن، بل هو مقتضى الحديث إذا قلنا بالعموم بالنِّسبة إلى المخاطَبين، وقد تعذَّر العمومُ بالنسبة إلى المرضى، فيجيءُ منه ما قلناه، وهو أنْ يجبَ على الجميعِ عيادةُ مطلَقِ المرضى، أو مطْلَقُ عيادةِ المرضى، فإن قامَ الإجماعُ على أنَّ هذه الوظيفةَ لا تجبُ على الأعيانِ بالنسبة إلى مطلقِ العيادة، أو مطلقِ المرضى، امتنعَ هذا (٤) القسْمُ لأمرٍ من خارجٍ، لا لعدمِ دَلالةِ اللفظِ عليه.
стр. 681
واعلمْ أنَّه قد وردَ في بعض فروض الكفايات ما يدل على مثل [هذا] (١) الحكمِ، وهو قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "مَنْ ماتَ، ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يحدِّثْ نَفْسَهُ بالغَزْوِ، ماتَ على شُعْبَةٍ من النِّفَاقِ" (٢)، فإنَّ لَفْظَ "مَنْ" للعموم، فيقتضي طلبَ الجهاد، أو العزمَ مِنْ كلِّ أحدٍ عليه (٣)؛ أي: على مُطْلَقِ الجهاد.
وأما القسمُ الثالث - وهو الوجوبُ على الكفاية مع العموم في المرضى - فمقتضاه: أن تجبَ في حقِّ كلِّ مريض عيادةُ عائدٍ وجوبًا على الكفاية، يسقطُ بفعل البعض، فهذا قسمٌ مُخْتَلَفٌ فيه؛ لأنّ بعضَ النَّاس يُوجِبُ عيادةَ كلِّ مريضٍ على وجهٍ سنذكره إن شاء الله تعالى، فهذا يقول بهذا القسم وهو محافظٌ (٤) على صيغةِ العموم في المريض، وليس محافظاً على العموم في ضمير المخاطَبِيْن، وأمَّا على المذهب المشهور فإنَّما يجب عيادةُ مريضٍ يضيعُ بترْكِ عيادتِهِ، فلا يستقيمُ الوجوبُ في حقِّ جميعِ المرضى على هذا.
وأما القسمُ الرابع: وهو أن يجبَ على الكفاية عيادةُ مطلقِ المريض، لا على العموم، فهذا ثابتٌ على مذهب الجمهور؛ لأنّه
стр. 682
يجب عيادةُ مريضٍ يضيعُ بترك العيادة وجوبًا على الكفاية، هذا إذا حُمِلَ الأمرُ على الوجوبِ.
أما إذا حُمِلَ على النَّدب؛ فالقسمُ الأولُ: وهو (١) أنْ يُستحبَّ لكل أحدٍ عيادةُ كلِّ مريض، فهذا لا يتأتَّى؛ لأنَّ بعضَ المرضى واجبُ العيادة على بعض النَّاس، وذلك يُضَادُّ الاستحبابَ في حق الجميع.
والقسم الثَّاني: وهو أن يُستحبَّ في حقِّ كل أحدٍ عيادةُ بعضِ المرضى، فهذا ثابتٌ.
والقسم الثالث: وهو أن يُستحبَّ في حقِّ البعض عيادةُ كلِّ مريضٍ، فهذا ثابتٌ في حقِّ من سقط الفرضُ عنه.
والقسم الرابع: وهو أن يُستحبَّ في حقِّ البعض عيادةُ بعض المرضى، ولا شك أيضاً في وقوع هذا، ولا خلاف فيه.
الرابعة عشرة: في الكلامِ على هذه الأقسام بسبب اتِّباع الجنائز (٢)؛ أمَّا على حمل الأمر على الوجوب، فاتِّباع (٣) جَنازةٍ يُحتاج فيها إلى الاتِّباع؛ لسقوطِ الفرضِ الواجبِ منَ الدَّفن وغيره، واجبٌ على الكفاية:
[فأمَّا القسمُ الأول: وهو الوجوب على الكلِّ في حق الكلِّ، فهو ممتنعٌ.
стр. 683
والثَّاني] (١): وهو الوجوبُ على الكلِّ في حقِّ البعض، ممتنع، وهو ظاهرُ اللفظِ في العموم بالنسبة إلى المخاطَبين، فالقولُ به - إذ (٢) مَنعَ منه الإجماعُ - ممتنعٌ.
والثالث: وهو وجوبُ الاتِّباعِ على البعض في حقِّ كلِّ جَنازة، وهذا ليس بثابتٍ؛ لأنَّ بعضَ الجنائز لا يجب اتِّباعُه على أحد، وهو ما يتأدَّى (٣) الفرض فيه من الصَّلاة والدفن من غير حَمْلٍ؛ بأن يُصلّى عليه ويدفنَ في مكانه، هذا إذا حملنا الاتّباعَ على الاتّباعِ الحسّيّ (٤).
[وأما الرابع: وهو الوجوبُ على الكفاية، لا في حق كلِّ جَنازةٍ] (٥)، فهو ثابتٌ؛ لأنّه يصيرُ معناه: أنَّ بعضَ الجنائزِ لا يجب اتباعُه، وذلك ثابتٌ لما ذكرناه في القسم قبلَه.
أمَّا إذا حُمِلَ الأمرُ على الاستحباب؛ فالقسم الأولُ ممتنعٌ؛ لأنَّ بعضَ الاتِّباع واجبٌ، وذلك ما يقوم به الفرضُ، ونَفْيُ الوجوبِ الكليِّ يناقضه إثباتُ الوجوبِ الجزئيِّ.
أما القسمُ الثَّاني: وهو أن يُستحبَّ في حقِّ كل أحدٍ اتِّباعُ
стр. 684
مطلق الجنازة، فهذا أيضاً ممتنع؛ لأنَّ بعضَ الاتباعِ فرضُ كفاية، وفرضُ الكفايةِ إما واجبٌ على الجميعِ ويسقط بفعل البعض، وإما على البعض، وكيف (١) ما كان، فالاستحبابُ الكليُّ ينافيه (٢) الوجوبُ الكليُّ والجزئيُّ معاً.
وأما القسم الثالث: وهو الاستحباب في حق البعض أنْ يتّبع كلَّ جَنازة، وذلك ثابتٌ في حق البعض الذين سقط فرضُ الاتباعِ بغيرهم، بالنسبة إلى الجنائز المتَّبعة، وأما إذا أخذناه (٣) عموماً [في الجنائز] (٤)، لم يقعْ هذا القسْمُ بخروج الجنازة التي لا تُتَّبَعُ، ويلزمُ منه جوازٌ.
القسم الرابع: وهو الاستحبابُ في حق البعض أن يتّبع البعض؛ لأنَّه إذا ثبت في حق البعض، وهم الذين سقط الفرضُ بغيرهم اتِّباعُ كل جَنازة، لزمَ منه اتِّباعُ جَنازةٍ بالضرورة.
الخامسة عشرة: في هذه الأقسام بالنسبة إلى تشميت العاطس: المشهورُ في تشميتِ العاطس أنّه مُستحبٌّ بخلافِ ردِّ السَّلام (٥)،
стр. 685
وظاهرُ الحديثِ الوجوبُ (١)، وكذلك ظاهرُ (٢) قوله ﷺ : "حقُّ المسلمِ على المسلمِ خمس" (٣)، فإن قيل به: فالقِسْمُ الأولُ: وهو العموم في حق كل سامعٍ لكل عاطس، فهذا لا يمتنعُ القولُ به، وهذا بخلافِ هذا (٤) القسم في عيادةِ المريضِ، حيث منعناه؛ لأنّه لا يتأتَى أن يُوْجَبَ على كل واحدٍ (٥) عيادةُ كل مريض يمكن أن يُعاد؛ لمخالفته لعملِ الأُمَّةِ، وليس من الممتنع [أن يجبَ على كل سامع للعاطس تشميتُ كل عاطسٍ سَمعَ.
والقسم الثَّاني: وهو عمومُ الوجوب لبعض العاطسين، وهو] (٦) أن يجبَ على كل مَنْ سمع التشميت، لا في حق [كل عاطس، بل في حق، (٧) البعض، ولا يتجه لهذا وجهٌ من حيثُ المعنى عند الإطلاق (٨).
стр. 686
والقسمُ الثَّالث: وهو الوجوبُ على الكفايةِ في حقِّ كلِّ عاطس سَمِعَ، وهذا ممكنٌ، لكنه مخالفٌ للعموم في حقِّ المخاطَبين.
القسم الرابع: وهو الوجوبُ على الكفاية في حقِّ بعض العاطسين، وهذا يخالف العمومَ في المخاطبين وفي العاطسين، ولا يتَّجه معنى في تخصيصِ بعض العاطسين عند الإطلاق، هذا الكلامُ على طَرَفِ الوجوب.
وأمَّا [الكلام] (١) على طَرَفِ الاستحباب فلا يمتنعُ الاستحبابُ عموماً في حقِّ السامعين وحق العاطسين إلَّا لمعارِضٍ، لكنْ فيه مخالفةُ ظاهرِ الأمر، وفيه وفاءٌ بالعمومَين؛ أعني: العمومَ في المخاطَبين وفي العاطِسين.
[وأمَّا الاستحبابُ عموماً في حقِّ السامعين، وخصوصاً في حقِّ العاطسين، فمخالفٌ للعموم في العاطسين، مع عدم اتِّجاه معنى يقتضي التخصيصَ عند الإطلاقِ.
وأما الاستحبابُ كفايةً في حقِّ بعض السامعين، وعموماً في حقِّ العاطسين، فمخالفٌ للعموم في حقِّ المخاطبين.
وأما الاستحباب كفايةً في المخاطبين في حق بعض العاطسين، فمخالفٌ للعمومين معاً؛ أعني: العمومَ في المخاطَبين والعاطسين] (٢)،
стр. 687
معَ أنَّه لا يظهر معنًى في التَّخصيص ببعض العاطسين عند الإطلاق.
السادسة عشرة: في الفَرْقِ بين الفرض على الكفاية والاستحبابِ على الكفاية؛ لتعلُّقِهِ بما قبلَه: أنَّ الفرض على الكفاية لا ينافيه الاستحبابُ في حقِّ من زادَ على القَدْرِ الذي سقطَ به الفرضُ.
وأما الاستحبابُ على الكفايةِ: فمعناه أن (١) يقعَ الامتثالُ لأمر الاستحباب بفعل البعض، فتنقطعُ دلالةُ النَّصِّ على الاستحباب فيما زاد على ذلك، ولا يبقى مستحباً، بل هو (٢) داخلٌ في حيِّز المباح أو غيرِه (٣).
فالفرضُ على الكفاية لا ينافيه الاستحبابُ فيما زاد، والاستحبابُ على الكفاية ينافيه الاستحبابُ فيما زاد من ذلك الوجهِ الذي اقتضى الاستحبابَ.
السابعة عشرة: في الكلام في الأقسام بالنِّسبة إلى إبرار القسم، ولنتكلمْ أولاً فيما إذا حملنا إبرارَ القَسمِ على الوفاء بمقتضى اليمين، ولا شكَّ أن من الأيمانِ ما يحرُم الوفاءُ بمقتضاه؛ كالوفاء بمقتضى اليمينِ على فعل المحرَّم، ومنها ما يجب الوفاءُ بمقتضى اليمينِ فيه،
стр. 688
وهو اليمينُ على فعلِ الواجب، لكنْ ليس الوجوبُ من جهته، بلْ من جهة الخطابِ الأصليِّ.
فعلى هذا يمتنع القِسْمُ الأولُ: وهو أن يجبَ على كلِّ حالفٍ الوفاءُ بمقتضى كلِّ يمين.
ويمتنع أيضًا القسمُ الثالثُ: [وهو] (١) أن يجبَ على بعض المخاطَبين الوفاءُ بمقتضى كلِّ يمين.
ويجوز القسمُ الثاني: وهو أن يجبَ على العمومِ الوفاءُ بمقتضى بعضِ الأَيمانِ، وهو اليمينُ على فعلِ (٢) الواجبات.
وكذلك الرابعُ: وهو أن يجبَ على بعض المخاطَبين الوفاءُ بمقتضى بعض الأيمان، وهذا الكلام في طَرَفِ الوجوبِ.
أمَّا في طَرَفِ الاستحبابِ، فالنَّظرُ إلى ما قدمناه، وهو وجوبُ الوفاءِ بمقتضى بعض الأيمان، وتحريمُهُ في بعض الأيمان، يقتضي (٣) منعَ القولِ بالاستحباب عمومًا في المخاطبين، وفي حقِّ [جميع] (٤) الأقسام؛ لأنَّ بعضَ الوفاء واجبٌ وبعضَه محرمٌ، والوجوبُ الجزئيُّ والتحريمُ الجزئي يضادُّ الاستحبابَ الكليَّ.
стр. 689
وبهذا يمتنعُ أيضًا الخصوصُ بالنسبة إلى المخاطَبين، وعمومُ الاستحبابِ بالنسبة إلى الأقسام، بمعنى أنه: يُستحَبُّ لبعض الناس إبرارُ جميع الأقسام؛ لما ذكرناه من الوجوبِ في البعض والتحريمِ في البعض، معَ أن التخصيصَ خلافُ ظاهرِ العموم في المخاطبين.
وأمَّا الخصوصُ بالنسبة إلى بعض المُقْسِمين، والخصوصُ بالنسبة إلى بعضِ الأقسام، فهذا واقعٌ؛ لأنَّ المُقسِم (١) على فعل المُستحبِّ يُستحَب له الوفاءُ، هذا إذا حملنا إبرارَ القسم على الوفاء بمقتضى اليمين، أما إذا حملناه على جعلِ القَسَمِ بارًّا؛ أي غير آثم، فلا أحسب أحدًا من المُقْسِمين إلا ويجبُ عليه أن يكونَ قَسَمُه بارًا؛ أي: غيرَ ذي إثم.
أما إبرارُ المُقْسِم؛ أي: الحالف عليك بالشيء، فإبرارُ قَسَمِهِ أن تفعلَ ما حلَف على فعلِك له، أو تتركَ ما حلفَ على تركِك له.
ولا يمكنُ العموم في الأقسام؛ لاحتمال أن يحلفَ على فعلِ معصيةٍ، أو تركِ واجبٍ، فيحرمُ إبرارُ يمينه (٢)، فالتخصيصُ لا محالةَ واقعٌ في هذه الصورة، وأمَّا العموم في المخاطبين فممكن، ويكون المرادُ أمرَ جميعِ المخاطَبين بإبرار بعضِ الأقسام، وذلك ثابتٌ؛ لوجوب إبرار يمين المُقسم على فعلِ الواجبِ أو تركِ المحرَّم، لكنَ هذا الوجوبَ ليس ناشئًا عن كونِهِ إبرارًا للمُقْسم، بل هو ثابتٌ
стр. 690
بأصل الخطابِ الشَّرعيِّ.
وإن حلفَ على فعلِ مُحرَّمٍ أو تركِ واجبٍ، فالإبرارُ محرَّمٌ، وإن حلف على فعل مكرهٍ، فالإبرارُ لقَسمِهِ مكروهٌ إلا لمُعَارض، وذلك عندما تكون المَفْسَدةُ في عدم الإبرار أعظمَ من المفسدة في فعلِ المكروهِ.
فتلَخَّص من هذا: أنه لا سبيلَ إلى الحملِ على الوجوب مُستنِدًا إلى إبرار القسم، بل بأصل الشرع، ولا على الوجوب مطلقًا بالنسبة إلى فعل المحرَّم، ولا على الوجوب بالنسبة إلى فعل المكروه إلا لمُعارِضٍ، ولا عليه بالنسبة إلى اليمين على (١) فعل يستحب إلا لمعارض.
أما إذا حُمِل الأمرُ على الاستحباب، فلا شكَّ في تعذُّرِ الحمل على العمومِ؛ لتحريمِ إبرار القَسَم على فعل المعصية أو تركِ الواجب.
وإذا تعذَّرَ الحملُ على العموم في المُقْسِمين والأقسام معًا؛ أي: على سبيل الجمع بالضرورة، فبطل القسمُ الأول.
وأما الثاني: وهو الاستحبابُ لكلِّ أحدٍ أن يَبَرَّ بعضَ أقسام المُقْسمين، فهذا ثابتٌ عندما يكون قد حلفَ عليك أن تفعلَ مُسْتَحَبًّا، أو تفعلَ مُبَاحًا.
والثالثُ: وهو الاستحبابُ لبعض المخاطَبين إبرارُ كلِّ الأقسام، وهو ممتنعٌ.
стр. 691
والرابعُ: وهو إبرارُ بعضِ المخاطَبين لبعضِ الأقسامِ واقعٌ، لكنَّ فيه البحثَ الَّذي قدمناه في الفرقِ بين الفرض على الكفايةِ والاستحبابِ على الكفاية، وإنَّ مقتضى الاستحباب على الكفاية أن ينقطعَ الاستحبابُ عمَّن حصلَ المقصودُ بغيره، وذلك بهذا الاعتبار غيرُ ثابت، إذ (١) يُستَحبُّ لكلِّ المخاطَبين أن يَبَرُّوا بعضَ الأقسامِ، والله أعلم.
الثامنة عشرة: في هذه الأقسام بالنسبة إلى نصرِ المظلوم.
أما الوجوب عمومًا؛ أعني: عمومًا بالنسبة إلى المظلومين، فهذا ثابتٌ من حيثُ المظلوميَّةُ والنظرُ إليها مجردًا عن العوارض، إذ لا شيءَ ولا واحدَ من الظلُّم - من حيث هو ظلمٌ - إلا وهو واجبُ الإزالةِ.
وأما بالنسبة إلى المُنْكِرين؛ أعني: العالِمين بالظُّلم، فلا عمومَ فيه؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكر من فروض الكفايات، وإن كان ظاهرُ اللفظِ يقتضي العمومَ بالنسبة إلى المخاطبين، وذلك لما مَرَّ في المسألة الثانية عشرة من قانون فرض الكفاية، وعلى هذا؛ أعني: القولَ بفرض الكفاية، امتنعَ القولُ بالوجوب عموما بالنسبة إلى المخاطبين والمظلومين؛ أعني: العمومَ بصفة الاجتماع في الفريقين، على ما هو القسمُ الأول؛ لأنه إذا امتنعَ العمومُ بالنسبة إلى المخاطبين،
стр. 692
امتنعَ بالنسبة إليهم وإلى المظلومين معًا ضرورةً.
وأمَّا العمومُ في الناصرين، والخصوصُ في المظلومين، والخصوصُ في الناصرين، والعمومُ في المظلومين، وهو مقتضى القولِ بكونه فرضَ كفايةٍ، فهنا يظهر الفرقُ بين القولِ بأن فرضَ الكفاية على الجميع أو على البعض، وقِسْ على (١) أمثاله فيما تكلَّمنا فيه من فروض الكفايات.
وأمَّا الخصوصُ بالنسبة إلى النَّاصرين، والخصوصُ بالنسبة إلى المظلومين فممتنعٌ أيضًا؛ لوجوب العموم بالنسبة إلى المظلومين من حيث هم مظلومون، أمَّا الاستحبابُ فلا مساغَ للقول به (٢) في العمومَين معًا؛ أعني: أن نجعلَه عامًا بالنسبة إلى النَّاصرين والمظلومين؛ لأن نصرَ المظلومين واجبٌ، والاستحبابُ يضادُّ الوجوبَ، وبه يمتنعُ الحملُ على العموم في حقِّ الناصرين، والخصوصِ في حقِّ المظلومين، من حيث هم مظلومون؛ لوجوبِ نُصرة كلِّ مظلوم من حيث هو مظلوم، ولأن بعض المخاطبين ثَبَتَ الوجوبُ (٣) في حقِّه.
وأما استحبابُه في حقِّ بعض الناصرين وكل المظلومين، فذلك في حق القوم الذين باشَر (٤) إسقاطَ فرضِ الكفاية في النُّصْرة غيرُهم
стр. 693
ممن يكفي في ذلك، فيستحبُّ لغيرهم المشاركةُ في دفع الظلمِ، وهنا (١) تظهرُ فائدةُ المسألةِ التَّاسعة.
وأما الاستحبابُ في حق بعض الناصرين وبعض المظلومين، ففي مثالِ هذا القسمِ قبلَه يقعُ هذا، وهو استحبابُ شُروعِ مَنْ باشرَ الفرضَ غيرُه ممن يكفي في ذلك، والله أعلم.
التاسعة عشرة: في هذه الأقسام بالنسبة إلى إجابة الدَّاعي.
إن حملناه على الإجابة بالفعل، فقد اختلفَ الفقهاء في وجوبِ إجابة الدّاعي إلى وليمة العُرس (٢)، فإن قام الإجماعُ على أنه لا يجبُ
стр. 694
إجابةُ كلِّ داعٍ بل البعضِ منهم، امتنعَ الحملُ على العموم في الداعين والمدعُوِّين معًا؛ أعني: على سبيل الجمع؛ لأنه إذا امتنع في أحدِهما امتنعَ فيهما قطعًا، فبطلَ القسمُ الأول على هذا التقدير، وكذلك يبطلُ الحملُ على العمومِ في الدَّاعين والخصوصِ في المدعُوِّين لهذا بعينه على هذا التقدير، وأردنا بالداعين (١) هاهنا الداعين إلى وليمة العُرسِ.
وأما العمومُ في حق المدعُوِّين، والخصوصُ في حقِّ الداعين؛ فمنْ أوجبَ الإجابةَ إلى وليمة العرس فقط، أو إلى دعواتٍ مخصوصة، فهذا القسمُ واقعٌ عندَه؛ لأنه يجب على كل مدعُوِّ إجابةُ هذا الدَّاعي الخاص، وهو الداعي إلى وليمة العرس مثلًا.
وأما الخصوصُ بالنسبة إلى الداعين والمدعُوِّين: فغيرُ واقعٍ عند من يرى وجوبَ إجابةِ كلِّ مدعوٍّ إلى وليمةِ العرسِ، ولا يخفى عليك أنَّ هذا النظرَ في العموم والخصوص إنما هو بالنسبة إلى المدعُوِّين، لا إلى كل المكلفين.
أما إذا حملنا الأمرَ على الاستحباب؛ فمن يُوجب الإجابةَ إلى وليمة العرس تعذَّر على قوله القسمُ الأولُ، وهو الحملُ على العموم في الدَّاعين والمدعوِّين معًا؛ لأنَّ إجابةَ وليمة العرس واجبةٌ، فلا مَدْخَلَ للاستحباب فيه، ومن لم يوجبِ الإجابةَ إليها - ولا إلى غيرها - أمكنَ عندَه هذا القسمُ؛ أي: يُستحبُّ لكلِّ مدعوٍّ إجابةُ كلِّ
стр. 695
داعٍ إلا لمُعارِض (١).
ومن أوجب الإجابةَ إلى وليمة العرس دونَ غيرها، فالاستحباب محمولٌ على غيرها عنده، فهو محمولٌ على الخصوص بالنسبة إلى الدَّاعين؛ لأنَّه يَستحبُّ الإجابة إلى الداعين لغير وليمة النكاح، ويوجبُها (٢) على الداعين إلى وليمة النكاح.
العشرون: في هذه الأقسام بالنِّسبة إلى إفشاء السلام، فسيأتي الكلامُ في الإفشاء إن شاء الله تعالى.
وإنما نتكلَّم هاهنا في السَّلام نفسِهِ، والمشهورُ: أنَّ ابتداءَه مستحبٌ، وردَّهُ واجبٌ (٣)، وإذا جَرَينا على هذا، سَقَطَ الوجوبُ بالنسبة إلى العمومَين؛ أعني: بالنسبة إلى عموم المسلِّمِين والمسلَّمِ عليهم، دماذا سقط بالنسبة إلى العمومَين، سقط بالنسبة إلى الخصوصَين؛ لأنَّ معنى سقوطِه بالنسبة إلى العمومَين: أنه لا واحدَ من الناس يجبُ عليه ابتداءُ السلامِ على واحدٍ من الناس، وذلك يُوجب سقوطَ الخصوصين؛ أعني: سقوطَ كلِّ واحدٍ منهما، فسقطتِ الأقسامُ كلُّها بالنسبة إلى الوجوب.
стр. 696
وأما بالنسبة إلى الاستحباب، فالعمومُ بالنسبة إلى كلا الفريقين؛ أي: يُستَحبُّ لكلِّ لاقٍ التسليمُ (١) على كل ملقٍّ، وهذا مُمكنٌ إلا أنَّ التخصيصاتِ الخارجةَ عن هذا اللفظ تمنع (٢) القولَ به، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في التَّسليم على الكفار والنساء.
وإذا خرج بعضُ هذه الأقسام في المسلَّم عليهم كان الحملُ على الخصوصِ بالنسبة إليهم، وعلى العمومِ بالنسبة إلى اللَّاقين، إلا أنَّ ما يُوجِبُ التَّخصيصَ فيهم (٣) أيضًا، فيُحْمَلُ على الخصوص فيما يأتي، فبهذه المسائلِ يتبين ما يُمكِنُ الحملُ فيه على العموم، وما لا يُمكنُ، على حَسَب ما قدَّمناه.
الحادية والعشرون: ظاهرُ الأمرِ في هذه الأشياء الوجوبُ، وقد وردتْ صيغةُ الوجوب في بعضها عن حديث الزُّهْرِيِّ، عن ابن المُسَيِّبِ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَمْسٌ تجبُ للمُسْلِم على أخيه؛ ردُّ السَّلامِ، وتَشْميتُ العاطسِ، وإجابةُ الدَّعوةِ، وعِيادةُ المريضِ، واتِّباعُ الجَنازةِ" (٤)، والله أعلم.
الثانية والعشرون: ظاهرُ النَّهيِ في هذه الأشياء السَّبْعةِ التحريمُ،
стр. 697
وهو معمولٌ [به] (١) عند الجمهور؛ أعني: أنَّ هذه الأمورَ يتعلَّق بها التَّحريمُ، إلا ما خُصَّ منها، فيخرج موضعُ التَّخصيصِ منها، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
الثالثة والعشرون: أطلقوا القولَ باستحبابِ عيادة المريض، وأنَّه سُنَّةٌ (٢)، ولا شكّ في أنَّ تركَ عيادةِ من يَضِيع إذا لم يُعَدْ محرَّمٌ، والقيامَ عليه فرضُ كفاية، فإذا لم يتمَّ إلا بعيادته، فعيادتُه فرضُ كفاية؛ لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب، فالإطلاق إذنْ بالنسبة إلى الأعمِّ الأغلبِ من غير نظرٍ إلى العوارض، أما الظاهريُّ فإنَّه ذهبَ إلى أن عيادةَ مرضى المسلمين فرضٌ، ولو مرة على الجار الَّذي لا تشقُّ عليه عيادتُه (٣).
فأمَّا قولُه بالفرضيَّةِ فهو مقتضى ظاهرِ الأمر، وظاهرُ صيغةِ الوجوب التي رَويناها من حديثِ الزُّهْرِيِّ، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة (٤).
وأمَّا تخصيصُه بالجارِ فليس في حديث البَراء ما يقتضيه، وكذلك الحديثُ الَّذي ذكره الظاهريُّ في هذه المسألة، وهو قوله ﷺ : "حقُّ
стр. 698
المُسْلِمِ على المُسْلِمِ خَمْسٌ" (١)، لا يقتضي أيضًا التَّخصيصَ بالجار، فتخصيصُه بالجار يحتاج إلى دليل، وليس هذا التخصيصُ بالهيِّن؛ لأنه إذا خُصَّ الوجوبُ بالجار لا يتأدَّى [الفرضُ] (٢) بعيادة غيرِ الجار، وإذا عمَّمنا الوجوبَ تأدَّى الفرضُ بعيادة غيرِ الجار من المسلمين، بل نزيد ونقول: إنَّ قوله ﷺ : "حقُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ خَمْسٌ" يقتضي ثُبُوت هذا الحكم على المسلمِ، والمسلمُ أعمُّ من المسلمِ الجار، فصار اللفظُ دليلًا على عدمِ التَّخصيص.
وأمَّا تخصيصُه الوجوبَ بمرةٍ فظاهرٌ؛ لأنه مطلقٌ في عدد المرَّات، يتأدَّى بمرة واحدة، اللهم إلا أن يكونَ الوجوبُ ثابتًا لسبب مستمرٍّ كخوف الضَّيْعَةِ على المريض مثلًا، فيبقى الوجوبُ ما بقي سببُهُ.
وأما قولُه (٣): الَّذي لا تشُقُّ [عليه] (٤) عيادتُه، فليس فيه تعريفٌ لمقدار المشقَّة المسقطِ (٥) للوجوب، وليس كلُّ (٦) المشقَّاتِ مسقطًا.
стр. 699
الرابعة والعشرون: هو عامٌّ بالنسبة إلى المرضى، فيدخلُ فيه المسلمُ والكافرُ؛ فأمَّا الجوازُ في حقِّ الكافر: فثابتٌ بعيادة النبيِّ ﷺ عمَّه أبا طالب (١)، وعيادتِه ﷺ الغلامَ اليهوديَّ الَّذي [أَسلم] (٢) بحضرته (٣).
وأما الوجوب: فإنَّ الظاهريَّ أسقطه في حقّ الكافر، وقال: إنَّ عيادَته فعل حسن (٤). فإنْ أَخَذَهُ من مفهوم قوله ﷺ : "حقُّ المسلمِ على المسلم"، وأنَّ مفهومه: أنَّ غيرَ المسلم ليس كذلك، فهو لا يقولُ بالمفهوم، وكان يَلْزمُه أن يأخذ بحديث البراء في عموم عيادة المريض؛ لأنهّ زائدٌ على ما في ذلك الحديث.
وأما من يرى الاستحبابَ فيقول بالمفهوم، فيقول: هاهنا مفهومُ صفةٍ، فيقتضي نفيَ الحكم عمّا عدا محلِّها، لا سيَّما مع ما دلَّ الشرعُ عليه من (٥) المنافاة بين المسلمِ والكافرِ، وانقطاعِ الوصلة، وعيادةُ النبي ﷺ لعمه والغلامِ اليهودي الَّذي كان يخدمُه لا عمومَ فيها؛ لأنها
стр. 700
واقعةُ فعلٍ لا تقتضي العمومَ، وقد حصل فيها ما يمكنُ أن يُعتبرَ في الحكم، وهو القرابة والخدمة، فإنهما مقتضيان لمعنىً من الرعاية لا يوجد في عمومِ الكفار، وقد ذكر بعضُ أئمة الشافعيَّة: أنه إن كان ذميًّا جازَتْ عيادتُه، ولا يُستحب إلا لقرابة أو جِوَارٍ (١).
الخامسة والعشرون: هو [عندنا] (٢) عامٌّ بالنسبة إلى المرضى، ويلزم (٣) منه العمومُ بالنسبة إلى الأمراض، لئلا يخرجَ عنه بعضُ المرضى، وهو خلافُ مقتضى صيغةِ العموم.
وقد أُوْلِعَ بعضُ العوامِّ بأنَّ الأرمدَ لا يُعادُ (٤)، وخرَّج أبو داود في "السنن" من حديث زيد بن أرقم قال: عَادَني رسولُ الله ﷺ مِنْ وَجَعٍ كان بِعَيْني. ورجالُه ثقات (٥).
стр. 701
السادسة والعشرون: قد قدَّمْنا كونَه مطلقًا في العيادة، وأن مقتضاه الاكتفاءُ بمرة، وذكرنا ذلك في المباحث مع الظاهريِّ وما فيه.
السابعة والعشرون: الاكتفاءُ بالمرة يرفعُ القولَ بالوجوب [ثانيًا] (١) ظاهرًا، فأما بالنسبة إلى الاستحباب فلا يتقيَّدُ بمرة، وقد ثبت عن عائشةَ ﵂[قالت] (٢): لمَّا أُصِيبَ سعدُ بنُ مُعَاذ يومَ الخندقِ، رماه رجلٌ في الأَكحَلِ، فضربَ عليه رسولُ الله ﷺ خيمة في المسجد؛ ليعودَه من قريب (٣). وهذا يُشْعِرُ بالتكرار.
الثامنة والعشرون: لا تقييدَ ولا تخصيصَ بالنسبة إلى أوقات المرض، فيسترسل الاستحبابُ مطلقًا، وعلى خاطري حديث: "كان لا يزورُ المريضَ إلا بعد ثلاث"، أو كما قال، فَلْيُكْشَفْ عنه (٤).
стр. 702
التاسعة والعشرون: هو عامٌّ بالنسبة إلى الصِّبْيان، ولا مانعَ من إجرائه على عمومه، بل ربما يكون المُوجِبُ في حقهم أقوى لضَعْفِهم.
الثلاثون: هو عامٌّ بالنسبة إلى النِّسوان، ويُخَصُّ منه بعضُهنَّ بالقواعد الشرعية، كحرمة الخَلْوة، والفرق بين من يخاف منهن الافتتان به (١)، ومن لا (٢)، وغير ذلك مما يقتضي المنعَ أو الكراهةَ، فإن لم يقم مانعٌ عُمِلَ بالعمومِ.
الحادية والثلاثون: عيادةُ من يجب عليه القَسْمُ بين الزوجات [لغير صاحبة النَّوبة] (٣) إذا لم يَخفِ الهلاكَ، قال بعضُ مصنِّفي الشافعيَّةِ: ليس له العيادةُ بالليل على المذهب، قال: وفيه قولٌ ارتضاه المحققون، وغلَّط صاحبُ "التقريب" من أجاز ذلك (٤).
الثانية والثلاثون: إذا خافَ هذا القاسمُ الهلاكَ على امرأةٍ من نسائه، قال بعضُ الشافعية: له أن ينتقلَ إليها ليُمَرِّضَها، إن لم يوجدْ ممرّضٌ غيرُه، وإن وجد، ففيه تردُّد (٥).
стр. 703
الثالثة والثلاثون: المرضُ مطلقٌ يترتب الحكمُ على مسمَّاه ظاهرًا، وقال بعضُ مصنِّفي الشافعية: وليس له العيادة بما يقع عليه اسمُ المرض (١). وهذا يُحتاج فيه إلى دليلٍ يقتضي خلافَ هذا الإطلاق، وهذا يتعلق بالقاسم.
الرابعة والثلاثون: هو عامّ بالنسبة إلى القضاة، قال جماعةٌ من أصحاب مالك: وهو مرويّ عن أشهبَ ومُطَرِّفٍ وابنِ الماجَشون: أنه لا بأس للقاضي بحضور الجنائزِ، وقالوا: [و] (٢) بعيادة المرضى (٣).
الخامسة والثلاثون: المطلوباتُ الشرعيةُ منها ما يُطلب لنفسه، أي لمصلحةٍ تتعلق بفعله، ومنها ما يُطلب طلبَ الوسائل، وعيادةُ المريضِ تَحتمِلُ أن تكونَ من القسمين معًا؛ لما فيها من تأنيس المريض، وانبساطِ نفسهِ بحضور من يحضُرُهُ، وغيرِ ذلك من المصالح، ثمَّ هي وسيلةٌ إلى القيام بمصالحه، وقضاءِ حاجاته، وإيصالِ النفعِ إليه.
السادسة والثلاثون: إذا توقَّفَ أداءُ الفرضِ في الجَنازةِ على الاتِّباع، وجبَ بمقدار ما يتأدى به الفرضُ؛ لأنه ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، وقد تقدم ذلك في أثناء التقاسيم.
стр. 704
السابعة والثلاثون: اختلفوا هل الأفضلُ التشييعُ أمامَ الجنازةِ أو خلفَها؟ ومذهب الشافعي ﵁: أنَّ المشي أمامَها أفضل (١)، ومذهبُ أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵃: أن المشيَ خلفَها أفضلُ (٢)، وقيل: إن كان راكبا كان خلفَها، وإن كان ماشيًا كيف أراد، وهذا محكِيٌّ عن مذهب الثوريِّ، وقولِ أنس ﵁، والمشهورُ عند المالكية: أن المشاةَ يتقدَّمون، على ما نَقلَ بعضُهم (٣).
والذين اختاروا المشيَ خلفَها يحتجُّون بظاهر الحديث، بناءً على حمل الاتِّباعِ على [الاتِّباعِ] (٤) الحسيِّ في المكان، والمُختارون للتقديم حَمَلُوْه على الاتِّباع المعنويِّ، فإن كان مجازًا فيه وجب أن يكون الدليلُ الدالُّ على استحباب التقدُّم راجحًا على العمل بظاهر الاتباع وحقيقتِهِ، وإذا كان كذلك كان دليلًا عاضدًا للتأويل.
стр. 705
والدليلُ على التقدُّمِ حديثُ الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنَّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمرَ كانوا يمشون أمامَ الجنازةِ (١).
وقد قيل: إنَّه محمولٌ على الجواز، وليس فيه بيانُ الأفضل، ومجرَّدُ الفعل يدل على الأفضليَّة إذا لم يعارضْهُ معارِضٌ أقوى منه، [إلا أنَّ حديثَ الزُّهْرِيِّ هذا اختُلِفَ في رفعه ووَقْفِهِ، وبعضُ أكابر المحدثين يرجّحُ الوقفَ، ويجعلُ الرفعَ وهمًا] (٢).
الثامنة والثلاثون: لا بدّ في اتِّباع الجنازة من النِّيَّة والقصدِ لأَنْ يكونَ لأجل الجنازة، فلو مشى في حاجة له خلفَ الجنازة، أو أمامها، لم يكن متَّبعًا، إما لقوله ﷺ : "الأعمالُ بالنيَّات" (٣)، أو لأنَّه المفهومُ والمقصودُ من الاتباع قطعًا بالقرائن، فلا يحتاج إلى دليلٍ من خارج.