← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

السادسة والعشرون: قد قدَّمْنا كونَه مطلقًا في العيادة، وأن مقتضاه الاكتفاءُ بمرة، وذكرنا ذلك في المباحث مع الظاهريِّ وما فيه. السابعة والعشرون: الاكتفاءُ بالمرة يرفعُ القولَ بالوجوب [ثانيًا] (١) ظاهرًا، فأما بالنسبة إلى الاستحباب فلا يتقيَّدُ بمرة، وقد ثبت عن عائشةَ ﵂[قالت] (٢): لمَّا أُصِيبَ سعدُ بنُ مُعَاذ يومَ الخندقِ، رماه رجلٌ في الأَكحَلِ، فضربَ عليه رسولُ الله ﷺ خيمة في المسجد؛ ليعودَه من قريب (٣). وهذا يُشْعِرُ بالتكرار. الثامنة والعشرون: لا تقييدَ ولا تخصيصَ بالنسبة إلى أوقات المرض، فيسترسل الاستحبابُ مطلقًا، وعلى خاطري حديث: "كان لا يزورُ المريضَ إلا بعد ثلاث"، أو كما قال، فَلْيُكْشَفْ عنه (٤).

стр. 702

التاسعة والعشرون: هو عامٌّ بالنسبة إلى الصِّبْيان، ولا مانعَ من إجرائه على عمومه، بل ربما يكون المُوجِبُ في حقهم أقوى لضَعْفِهم. الثلاثون: هو عامٌّ بالنسبة إلى النِّسوان، ويُخَصُّ منه بعضُهنَّ بالقواعد الشرعية، كحرمة الخَلْوة، والفرق بين من يخاف منهن الافتتان به (١)، ومن لا (٢)، وغير ذلك مما يقتضي المنعَ أو الكراهةَ، فإن لم يقم مانعٌ عُمِلَ بالعمومِ. الحادية والثلاثون: عيادةُ من يجب عليه القَسْمُ بين الزوجات [لغير صاحبة النَّوبة] (٣) إذا لم يَخفِ الهلاكَ، قال بعضُ مصنِّفي الشافعيَّةِ: ليس له العيادةُ بالليل على المذهب، قال: وفيه قولٌ ارتضاه المحققون، وغلَّط صاحبُ "التقريب" من أجاز ذلك (٤). الثانية والثلاثون: إذا خافَ هذا القاسمُ الهلاكَ على امرأةٍ من نسائه، قال بعضُ الشافعية: له أن ينتقلَ إليها ليُمَرِّضَها، إن لم يوجدْ ممرّضٌ غيرُه، وإن وجد، ففيه تردُّد (٥).

стр. 703

الثالثة والثلاثون: المرضُ مطلقٌ يترتب الحكمُ على مسمَّاه ظاهرًا، وقال بعضُ مصنِّفي الشافعية: وليس له العيادة بما يقع عليه اسمُ المرض (١). وهذا يُحتاج فيه إلى دليلٍ يقتضي خلافَ هذا الإطلاق، وهذا يتعلق بالقاسم. الرابعة والثلاثون: هو عامّ بالنسبة إلى القضاة، قال جماعةٌ من أصحاب مالك: وهو مرويّ عن أشهبَ ومُطَرِّفٍ وابنِ الماجَشون: أنه لا بأس للقاضي بحضور الجنائزِ، وقالوا: [و] (٢) بعيادة المرضى (٣). الخامسة والثلاثون: المطلوباتُ الشرعيةُ منها ما يُطلب لنفسه، أي لمصلحةٍ تتعلق بفعله، ومنها ما يُطلب طلبَ الوسائل، وعيادةُ المريضِ تَحتمِلُ أن تكونَ من القسمين معًا؛ لما فيها من تأنيس المريض، وانبساطِ نفسهِ بحضور من يحضُرُهُ، وغيرِ ذلك من المصالح، ثمَّ هي وسيلةٌ إلى القيام بمصالحه، وقضاءِ حاجاته، وإيصالِ النفعِ إليه. السادسة والثلاثون: إذا توقَّفَ أداءُ الفرضِ في الجَنازةِ على الاتِّباع، وجبَ بمقدار ما يتأدى به الفرضُ؛ لأنه ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، وقد تقدم ذلك في أثناء التقاسيم.

стр. 704

السابعة والثلاثون: اختلفوا هل الأفضلُ التشييعُ أمامَ الجنازةِ أو خلفَها؟ ومذهب الشافعي ﵁: أنَّ المشي أمامَها أفضل (١)، ومذهبُ أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵃: أن المشيَ خلفَها أفضلُ (٢)، وقيل: إن كان راكبا كان خلفَها، وإن كان ماشيًا كيف أراد، وهذا محكِيٌّ عن مذهب الثوريِّ، وقولِ أنس ﵁، والمشهورُ عند المالكية: أن المشاةَ يتقدَّمون، على ما نَقلَ بعضُهم (٣). والذين اختاروا المشيَ خلفَها يحتجُّون بظاهر الحديث، بناءً على حمل الاتِّباعِ على [الاتِّباعِ] (٤) الحسيِّ في المكان، والمُختارون للتقديم حَمَلُوْه على الاتِّباع المعنويِّ، فإن كان مجازًا فيه وجب أن يكون الدليلُ الدالُّ على استحباب التقدُّم راجحًا على العمل بظاهر الاتباع وحقيقتِهِ، وإذا كان كذلك كان دليلًا عاضدًا للتأويل.

стр. 705

والدليلُ على التقدُّمِ حديثُ الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنَّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمرَ كانوا يمشون أمامَ الجنازةِ (١). وقد قيل: إنَّه محمولٌ على الجواز، وليس فيه بيانُ الأفضل، ومجرَّدُ الفعل يدل على الأفضليَّة إذا لم يعارضْهُ معارِضٌ أقوى منه، [إلا أنَّ حديثَ الزُّهْرِيِّ هذا اختُلِفَ في رفعه ووَقْفِهِ، وبعضُ أكابر المحدثين يرجّحُ الوقفَ، ويجعلُ الرفعَ وهمًا] (٢). الثامنة والثلاثون: لا بدّ في اتِّباع الجنازة من النِّيَّة والقصدِ لأَنْ يكونَ لأجل الجنازة، فلو مشى في حاجة له خلفَ الجنازة، أو أمامها، لم يكن متَّبعًا، إما لقوله ﷺ : "الأعمالُ بالنيَّات" (٣)، أو لأنَّه المفهومُ والمقصودُ من الاتباع قطعًا بالقرائن، فلا يحتاج إلى دليلٍ من خارج.

стр. 706

التاسعة والثلاثون: هو عامٌّ بالنسبة إلى جنازة المسلم والكافر، فمن لا مُوجبَ لاتِّباعه من الكفار - كالقرابة مثلًا - يَخرجُ عن العموم بدليل يدلُّ عليه إن وُجِد، وأما اتباعُ جنازةِ القريبِ الكافر، فإنَّ المزنيَّ - رحمه الله تعالى - ذكر في "المختصر": أنه يَغْسِلُ المسلمُ قرابتَه؛ أي: من المشركين، ويشيّعُ جنازتَه (١). وهذا داخلٌ تحت العموم، فإذا خرج غيرُه تناولَه اللفظُ مع رعاية المعنى الَّذي اختص من القرابة مع ما جاء من حديث علي ﵁ في شأن والده أبي طالب ومُواراتِهِ (٢). الأربعون: هو عامٌّ بالنّسبة إلى القضاة، وقد قالوا: إنه لا باسَ للقاضي بحضور الجنائز، وإنما ذُكِرَ هذا؛ لأن قومًا خصُّوا القاضي بأمور رأَوْها من باب حفظ الحرمة وإقامة الهيبة التي هي من أسبابِ نفوذِ الكلمة وإقامة الحقِّ، فبيَّن أنَّ هذا ليس من ذلك البابِ. الحادية والأربعون: في قاعدةٍ ينبني عليها غيرُها، اختلف أهلُ

стр. 707

الأصولِ في خطاب المواجهة؛ هل يَخُصُّ، ويكونُ عموم الحكم بالنَسبة إلى غيرهم بدليل من خارج، أو يَعُم؟ (١) فمن قال بخصوصه فينبغي أن يَعتبرَ فيه أحوالَ المخاطَبين، ولا يدخلُ في خطابهم من ليس بصفتهم إلا بدليلٍ من خارج. وهذا غيرُ الاختصاص بأعيانهم، وهو أعلى مرتبةً منه؛ لأنَّ اعتبارَ الأعيانِ في الأحكام مهجورٌ غالبًا غلبةً كثيرةً. ويُحتمل أن يقالَ: لا تُعتبر (٢) أحوالُهم وصفاتُهم إلا أنْ يحتمل اعتبارُها بمناسبة أو غيرِها، والأَلْيَقُ بالتخصيص الأولُ. الثانية والأربعون: إذا قلنا بالعمومِ بالنسبة إلى المخاطَبين وغيرِهم، فهو عامٌّ بالنسبة إلى الأحرار والعبيد، فيُخَصُّ عنه العبدُ إذا كان في الاتِّباع تعطيلُ منافِعِهِ على السَّيّد؛ إما للحاجة إليه في وقتِ الاتِّباع، أو بكونِ الاتِّباعِ للجنائزِ كثيرًا منه، فيتعرَّض (٣) للتّعطيلِ؛ لِمَا عَسَاهَ يَمنعُ من حاجة السِّيد إليه، وأما المنعُ من مطلقِ الاتّباع حتى مرَّةً واحدةً لا تعطِّل حقَّ السِّيد، ففيه نظرٌ بالنسبة إلى مأخذ المجتهدين؛ وهو أنَّه هل يُدار الحكمُ على الحكمة، فتُباح هذه الصورةُ المعيَّنةُ التي لا تُعَطِّلُ

стр. 708

حق السَّيد، أو يُدارُ [الحكمُ] (١) على المَظِنّة، وهي حاجةُ السيِّد إلى منافعه؟ الثالثة والأربعون: هذا الاتِّباع لم يتبيَّن (٢) في هذه الرواية ابتداؤه وانتهاؤه، وقد جاء في حديث أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجَنازةَ حتَّى يُصلَّى عليها فَلَهُ قِيْراطٌ، ومَنْ شهِدَها حتى تُدْفَنَ فلَهُ قيراطان" قيل: وما القيراطانِ؟ قال: "مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ" (٣). وفي رواية قال: "إِنْ شَهِدَ" (٤). قال سالمُ بن عبد الله بن عمرَ: وكان ابن عمرَ ﵄ يصلّي عليها، ثم ينصرفُ، فلمَّا بلغَه حديثُ أبي هريرة قال: لقد فرَّطْنا في قراريطَ كثيرةٍ (٥).

стр. 709

وفي رواية عبد الرزاق، عن مَعْمَر: "حتَّى تُوْضَعَ في اللَّحْدِ" (١). وفي رواية أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النّبيِّ ﷺ : "مَنْ صلَّى على جَنازةٍ لم يَتْبَعْها فلَهُ قيراطٌ، فإنْ تَبِعَها فله قِيْرَاطَان". قيل: وما القِيراطَانِ؟ قال: "أصغرُهُما مِثْلُ أُحُدٍ" (٢). وفي رواية أبي حازم، عن أبي هريرة: "مَنْ صلّى على جَنازةٍ فلَهُ قيراطٌ، ومن اتَّبعَها حتَّى تُوْضَعَ في القبرِ فقيراطَانِ". قال: قلتُ يا أبا هريرة! وما القِيراطُ؟ قال: "مِثْلُ أُحُد" (٣). ومن رواية داودَ (٤) بن (٥) عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه: أنه كان قاعدًا عندَ عبدِ الله بنِ عمرَ، إذْ طَلَع خَبَّابُ صاحبُ المقصورةِ، فقال: يا عبدَ الله بنَ عمرَ! ألا تسمعُ ما قال أبو هريرة؛ أنه سَمعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ خَرَجَ معَ جنازةٍ من بيتها، وصلَّى عليها، ثمَّ تَبِعَها (٦) حتَّى تُدفَنَ، كان له قِيراطانِ مِنْ أجرٍ، كلُّ قيراطٍ مثلُ أحدٍ،

стр. 710

ومن صلَّى عليها ثمَّ رَجَعَ، فإنَّ له مِنْ الأجرِ مثلَ أُحد". فأرسل ابنُ عمرَ خبابًا إلى عائشةَ ﵂ يسألُها عن قولِ أبي هريرةَ، ثم يرجع إليه فيخبرُه ما (١) قالت، وأخذ ابنُ عمرَ قبضةً من حَصْباءِ (٢) المسجد يُقَلِّبُها في يده حتَى يرجعَ إليه الرسول، فقال: قالتْ عائشةُ: صدَقَ أبو هريرةَ، فضربَ ابنُ عمرَ بالحصى الَّذي كان في يده الأرضَ، ثم قال: لقد فرَّطْنا في قراريطَ كثيرةٍ (٣). وفي روايةِ ثَوْبانَ مولى رسولِ الله ﷺ : أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ صلَّى على جَنازةٍ فلهُ قِيراطٌ، فإِنْ شَهِدَ دفْنَها فله قيراطانِ، القيراطُ مثلُ أحد" (٤). وهذه الرواياتُ التي حَكيناها كلُّها في "الصحيح"، وقد تبيّن من بعضها ابتداءُ الاتِّباعِ من أهلها، وفي بعضها الانتهاءُ إلى أن "تُوضَع في اللحد"، وفي بعضِها: "حتى تُوضَعَ في القَبر"، وفي بعضها: "حتى

стр. 711

تُدْفَن"، وفي بعضها: "فإن (١) شَهِدَ دَفْنَها". الرابعة والأربعون: حديثُ البراء الَّذي نحن في شرحِهِ فيه الأمرُ بالاتِّباع، وهذه الأحاديثُ التي سُقْناها إنَّما فيها ترتيبُ ثوابٍ مخصوصٍ على اتِّباع مخصوصٍ، ولا يَلْزَمُ من ذلك أنه لا يحصُل الامتثالُ لأمرِ (٢) الاتِّباع إلا بها، فمقتضى الحديثين ليسَ واحدًا، والذي نقول الآن: إنَّ ما توقَّف أداءُ الواجب عليه من الاتباعِ لا كلامَ فيه؛ لوضوح وجوبه، وعدمِ الاكتفاء بما دونَه، وما لم يتوقف عليه ذلك، فالأليقُ بمذهب الظاهريَّة - ومن لا يعتبرُ المعاني - أن يكتفيَ بالمسمَّى؛ أعني: بما يسمَّى اتباعًا، ومن يتبع المعانيَ؛ فإنْ ظهرَ مقصودُ الاتباع فيه تأدَّى الأمرُ به، لا بما دونَه، سواءٌ كان الاتباعُ في درجةِ الاستحبابِ، [أو في درجةِ الوجوبِ، وإنْ لم يظهرِ المقصودُ، والكلامُ في درجةِ الاستحباب] (٣)، فيُحْتَمَلُ هاهنا أمران: أحدهما: أن يُجعلَ حديثُ البراءِ مفسَّرًا بالأحاديث التي سُقناها في بيانِ الابتداء والانتهاء. وثانيهما: أن تكونَ تلك الأحاديثُ، والاختلافُ فيها، بيانًا لدرجاتٍ متفاوتةٍ بالنسبة إلى الاتِّباعِ المستحبِّ، فإنَّ المستحبَّ تختلفُ رُتبُه (٤).

стр. 712

والفرق بين الاحتمال الأول والثاني: أنّا إذا جعلناها تفسيرًا، لم يقعِ الامتثالُ إلا بها، وإذا جعلناها (١) بيانًا لترتُّبِ (٢) الاستحبابِ لم يلزمْ ذلك، وأمكنَ حصولُ أصلِ الامتثال بما دونَ ذلك. الخامسة والأربعون: رأيتُ في تعليق القاضي الحسين بن محمد المِرْوزي الشافعيِّ (٣) - رحمة الله عليه - ما يشير إلى شيء مما نحن بسبيله، فإنه تكلَّم [فيه] (٤) في مسألةِ المشيِ أمامَ الجنازةِ أو خلفَها،

стр. 713

ورجَّح المشيَ أمامَها بأنهم إذا كانوا يمشون أمامَ الجنازة، يكونون شفعاءَ له، فيكون أولى. قال: فإن قيل: إذا كانوا يَمشون خلفَ الجنازة ينظرون إليه وَيعتبرون. قلنا: فيما قلناه أيضًا يحصلُ الاعتبارُ؛ لأنَّ عندنا إنما يجوزُ المشيُ أمامَ الجنازة بحيثُ لو التفتَ لوقَعَ بصرُه عليها؛ أي: على الجنازة، فأمَّا إذا مشى أمامَ الجنازة بساعةٍ (١) طويلة بحيثُ يجلسُ في المصلَّى وينتظرُ الجنازةَ، فلا يُستحبُّ ذلك، والله تعالى أعلم. السادسة والأربعون: الَّذي أشرنا إليه في أحد الاحتمالَين المتقدمَين، وهو أن يكونَ الاختلافُ في تلك الأحاديثِ بيانًا لرُتَب متفاوتةٍ، قد تعرَّضَ لمعناه - كلِّه أو بعضِه - بعضُ مصنِّفي الشافعيَّة ﵏[و] (٢) قال: قال الأصحابُ: وللانصرافِ عن الجنازة أربعُ درجات: إحداهنَّ: أنْ ينصرفَ عَقيبَ (٣) الصَّلاةِ، فله من الأجر قيراطٌ. والثانيةُ (٤): أن يتَّبعَها حتَّى تُوارى، ويرجعَ قبلَ إهالةِ الترابِ عليه.

стр. 714

والثالثةُ: أن يقفَ إلى الفراغِ من القبر، وينصرفَ من غيرِ دعاء. والرابعةُ: أن يقفَ على القبرِ، ويستغفرَ الله تعالى للميِّت، وهذه أقصى الدَّرجاتِ في الفَضيلة. رويَ: أن النَّبيَّ ﷺ كان إذا فَرغَ من قبرِ الرجل، وقف عليه وقال: "استغفِروا اللهَ تعالى لَهُ، واسألُوا اللهَ تعالى [لهُ] التثبيتَ، فإنَّه الآنَ يُسأَلُ" (١). وحيازة القيراط الثاني يَحصُلُ لصاحب الدرجة الثالثة، وهل يحصُل للثانية؟ حكى الإمامُ فيه ترددًا، واختارَ الحصول. انتهى ما وجدته عنه (٢). قلت: أما الوقوفُ إلى فراغِ الدعاءِ للميت، فلا يرجع إلى معنى الاتِّباعِ حتى يُشترطَ في الامتثال، ويدلُّ عليه أنّ الرواياتِ التي ذكرناها منتهاها الدَّفنُ، والدعاءُ بدليلٍ خارجٍ عن الأمر بالاتِّباع، وأما التردّدُ في حصول القيراطِ الثاني لصاحب الدرجة الثانية - وهو أن يتّبعَها حتى تُوارى ويرجعَ إلى أهله قبلَ إِهالةِ الترابِ عليه - فيدلُّ على

стр. 715

حُصولِ القيراط الثاني له ظاهرُ روايةِ مَعْمَر، عن الزهريِّ: "حتى تُوضعَ في اللَّحْدِ" (١)، وروايةُ أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ: "ومن اتَّبعها حتَّى تُوْضَعَ في القَبْرِ فقيراطانِ" (٢). السابعة والأربعون: إن قلت: هل يُمكنُني أن أقولَ: إنَّ القيراطَ لفظٌ يدلُّ على مقاديرَ مختلفةٍ، وأجعلَ القيراطَ الحاصلَ بالاتِّباع إلى أن يوضعَ الميِّتُ في اللَّحدِ؟ قلت: قد حكيتُ لكَ من روايةِ أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ: "ومن اتَّبعَها حتى تُوضعَ في القبرِ، فلهُ قيراطانِ". قال: قلتُ: يا أبا هريرةَ! وما القيراطُ؟ قال: "مثلُ أُحُد". وحكيتُ لكَ من رواية عامرِ بن سعدٍ: "من خَرَجَ مع جَنازةٍ من بيتِها، وصلَّى عليها، ثم تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، كانَ لَهُ قِيْرَاطَانِ من الأَجْرِ، كُلُّ قِيراطٍ مِثْلُ أُحُدٍ". فأنت ترى أنَّ المقدارَ في روايةِ أبي حازم، هو المقدارُ في روايةِ عامرِ بنِ سعدٍ هذه، وهو تقديرُ القيراطِ بأُحُدٍ، وأَحدُ الحديثين رتَّبه على الوضعِ في اللَّحد، والثاني على الدَّفْن، ومع اتِّحادِ المقدارِ كيف يُمكنُ التفاوتُ فيه (٣)؟

стр. 716

فإذا (١) كان تقديرُ القيراط بشيءٍ واحد - وهو أُحُد - يمنع من اختلاف مقداره، فالذي يبقى هاهنا عندي أحدُ وجهين: إمَّا أن يقالَ بإجراءِ الألفاظِ على ظاهرِها والتعارض، ويُطلبُ التَّرجيحُ بِين الرواياتِ بأحَدِ وجوهِ التَّرجيح؛ كالكثرة مثلًا، وزيادةِ الحفظ. وإمَّا أن يقالَ - وهو الأقرب عندي -: إنَّ اللفظَ من بعض الرُّواةِ وقع فيه (٢) تَجَوُّزٌ؛ فعبَّر (٣) عن الشيء بما يقارِبُه، وهو سائغٌ، لا سيّما مع فهم

стр. 717

المراد، وعدمِ المشَاحَّة (١) في الألفاظ في مثل هذا، فيكون روايةُ من روى "حتى تُوضعَ في اللَّحدِ"، و"حتَّى توضَعَ في القبرِ"، و"حتَّى تُدفنَ": كلٌّ (٢) شيءٌّ واحدٌ عُبِّر به عن الدَّفنِ؛ لأنَّ الوضعَ في اللحد أو القبرِ مقاربٌ لحالة الدَّفن، والمقصودُ - والله أعلم -: الاتِّباعُ إلى حالة الفراغ. ويدلُّ على هذا: أنَّه لا يُتوهَّمُ الفرقُ بين وضعهِ في اللحد، ووضعِه في القبر، وبينهما اختلافٌ في الحقيقة، اللهمَّ إلا على مذهب الظاهريَّة الجامدة. وعلى هذا البحثِ لا يترجَّح حصولُ القيراط الثاني لصاحب الدَّرجة الثَّانية من حيثُ اللفظُ؛ لأنَّه إن سلكنا طريقَ الترجيحِ، فقد يكونُ الراجحُ روايةَ من روى: "إلى أَنْ تُدفنَ"، فلا يترجَّحُ حصولُ القيراطِ لمن لم يتّبعْ إلى الدفن، واكتفى بالوضعِ في اللَّحدِ. وإن سلكنا طريقَ التجوُّزِ فقد آلَ الحالُ إلى أنَّ الكلَّ راجعٌ إلى الاتباعِ إلى أَنْ تدفنَ، وقد اتَّضح لك سبيلان، فاسلكْ أيَّهُمَا رَجَحَ (٣) عندكَ، أو فكِّرْ في طريقٍ ثالث، والله أعلم. الثامنة والأربعون: اتباعُ الجنائزِ عامٌّ بالنسبةِ إلى الرجال والنساء، وقد وردَ في اتباع النساء تشديدٌ يقتضي التخصيصَ من حديثِ إسرائيلَ، عن إسماعيلَ بنِ سلمانَ، عن دينارِ أبي عمرَ، عن

стр. 718

ابنِ الحنفيَّةِ، عن عليٍّ - قال: خرج رسولُ الله ﷺ ، فإذا نِسوةٌ جلوسٌ، قال: "ما يُجْلِسُكُنّ؟ " قلنَ: ننتظر الجنازة، قال: "هل تَغْسِلْنَ؟ " قلن: لا، قال: "هل تَحْمِلْنَ؟ " قلنَ: لا، قال: "تُدْلِيْنَ فيمَنْ يُدْلِي؟ " قلنَ: لا. [قال]: "فارْجعْنَ مأزُوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ". رواه ابن ماجه، عن محمد بن مصفَّى، عن أحمد بن خالد، عن إسرائيل (١). وأصحُّ من هذا حديثُ أمِّ عطيةَ الصحيحِ قالت: نُهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يُعْزَم علينا. متَّفق عليه (٢). وفي "التهذيب" المالكي (٣): وتتبعُ المرأةُ جنازةَ زوجِها وولدِها

стр. 719

ووالدِها وأختِها، إذا كان يُعرف أنَّ مثلَها يخرج على مثلهِ، وإن كانت شابةً، ويُكرَهُ أن تخرجَ على غير هؤلاء ممَّن (١) لا يُنكر عليها الخروجُ عليهم من قرابتها (٢). وذكر بعضُ مصنفي الشافعيَّة: أنَّه يكرهُ لها - يعني: المرأةَ - أتِّباعُ الجَنازةِ، والخروجُ إلى المقبرةِ مع النِّسوان (٣). وقال بعض مصنفي الحنابلة: ويُكره اتباع النساءِ الجنائزَ (٤). قلت: حديثُ أمّ عطيةَ يدلُّ على الكراهة لا على التَّحريم؛ لقولها: ولم يُعزم علينا، والذي ذكرناه عن ابنِ ماجة يقتضي التحريمَ؛ لقوله: "مأزورات"، إلا أنه حديث فيه من لا يُعرف حالُه، وفي معناه حديث رواه أبو داود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لقيَ فاطمةَ، قال: "ما أخرجَكِ يا فاطمةُ من بيتك؟ " قالت: أتيتُ أهلَ هذا البيتِ، فرحمت (٥) على ميِّتهم، أو عزَّيتهم به. قال لها رسولُ الله ﷺ : "فلعلَّكِ بلغتِ معهم الكُدى"، قالت: معاذَ اللهِ! وقد سمعتكَ تذكرُ [فيها] (٦) ما تذكر. قال: "لو بَلَغْتِ مَعهُم الكُدى"، فذكر تشديدًا (٧).

стр. 720

فإن (١) لم يثْبُتِ التحريمُ، فحديثُ أم عطيةَ يقتضي الكراهةَ، ويَخصُّ به هذا الأمرَ باتباعِ الجنائز بالنسبة إلى النساء. التاسعة والأربعون: هاهنا تخصيصٌ آخرُ من رواية إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: نهَى رسولُ الله ﷺ أنْ نتبعَ جنازة معها رانَّةٌ. رواه ابن ماجه، عن أحمدَ بنِ يوسفَ، عن عبيد الله، عن إسرائيل (٢). وقال بعضُ الحنابلة: فإن كان مع الجنازة منكَرٌ يراهُ أو يسمعُه؛ فإنْ قدِرَ على إنكارِه وإزالتِه أَزالَهُ، وإن لمْ يَقْدِرْ على إزالتِهِ، ففيه وجهان: أحدهما: يُنكرُه ويتَّبعُها؛ فيسقطُ فرضُه بالإنكار، ولا يتركُ حقًا بالباطل. والثاني: يرجع؛ لأنه يؤدّي إلى استماعِ محظورٍ ورؤيتِه مع

стр. 721

قدرته على ترك ذلك. ثم ذكر كلامًا يقتضي أصلًا لهذا، وأنَّه يتخرَّجُ وجهانِ على ذلك الأصل (١). والحديثُ الَّذي أوردناه يقتضي المنعَ من الاتباع مع وجود الرانَّة، وغيرُه يكون بالقياس عليه، وهو قياسٌ قويّ. الخمسون: الاتِّباعُ المعنوي، وهذا (٢) التقييد بالجنازة، له مراتبٌ، ومن أبعدِها انتظارُها في المصلَّى قبل أَنْ يؤتَى بها، فإذا أُتي بها صَلَّى عليها، وفي انطلاق الاتباعِ عليه بُعدٌ. ودونَ هذا في البُعد أنْ يبعُدَ عنها في المَمْشَى، وإن كان قد خرج معها، والذي ذكرناه عن القاضي الحسين فيما تقدم، فيه إلمامٌ بهذا الَّذي قلناه، لكنَّه لا يُغني عنه، يُعرف ذلك بالتأمُّل لمدلول لفظه. الحادية والخمسون: من ضرورة تحقُّقِ الاتباعِ وجودُ مُتَّبَع، فإذا لم يوجدْ سقطَ الأمرُ بالاتباعِ، فلو أنّ ميتًا غُسِلَ في مكانه ودُفِنَ فيه، سقط الأمرُ باتّباعه، إذ لا متَّبَعَ وجوبًا كان أو استحبابًا، إن حُمِلَ الاتباعُ على الحسيّ لا على المعنوي، وهل يحصُلُ به الثوابُ الموعودُ به على الاتباع؟ فيه احتمال؛ فيحتملُ أن يقالَ به نظرًا إلى المعنى، واطِّراحِ الظاهرِ إذا لم يتعلَّقْ به مقصودٌ، ويحتمل أن لا يحصلَ الثوابُ

стр. 722

المخصوصُ إلا بما رتِّبَ عليه من اللفظ، وليس ذلك من جُمود الظاهرية لوجهين: أحدهما: أنَّ مقاديرَ الثوابِ لا تَهتدي إليها العقولُ، فهي مثلُ التعبداتِ في الأحكام، لا تتعدَّى محلَّها (١). [و] (٢) الثاني: أنَّ في الاتِّباع زيادةَ عمل يناسبُ زيادةَ الأجرِ. الثانية والخمسون: اختُلف في تشميتِ العاطسِ على أقوال: فقيل: هو واجبٌ على كلِّ من سمعَه على الكفاية كردِّ السَّلام، وهو قول القاضي أبي الوليد بن رشد المالكي. وقيل: هو نَدْبٌ وإرشادٌ، وليس بواجب (٣). وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، فمن قالَ به، فقد مشى على الأصل، ومن لم يقل به، فلا بدّ له من دليل يخرج به عن ظاهرِ الأمر، وقد وردت صيغةُ الوجوب في حديثٍ صحيحٍ، وهي (٤) روايةُ الزُّهري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خمسٌ تجبُ للمسلِمِ على أخيه؛ ردُّ السلام، وتشميتُ العاطسِ، وإجابةُ الدَّعوةِ، وعيادةُ المريضِ، واتِّباعُ الجنازةِ" وهذا لفظُ روايةِ

стр. 723

مَعْمَر، عن الزُّهري عند أبي داودَ، رواه عن محمد بن داودَ بن سفيان، وخُشَيش بن أَصْرم، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر (١). الثالثة والخمسون: لهذا الأمرِ مخصِّصٌ في تَكرارٍ العُطَاسِ، وذلك في أحاديث: منها: روايةُ عِكْرمةَ بنِ عمَّار، عن إياس بن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَع، عن أبيه: أنَّ رجلًا عطَسَ عند النّبيِّ ﷺ فقال له: "يرحمُك اللهُ"، ثم عطسَ [أخرى]، فقال النّبيُّ ﷺ : "الرَّجُلُ مزكومٌ؟ " (٢). ومنها: رواية يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة (٣)، عن أمِّه حُمَيْدَة - أو عُبَيْدَة - بنت عبيد بن رفاعة الزّرَقِيّ، عن أبيها، عن النّبيِّ ﷺ قال: "تشميتُ العاطسِ ثلاثًا؛ فإن شئتَ فشمِّته، وإن شئتَ فكُفَّ" رواه أبو داودَ، عن هارونَ بنِ عبد الله، عن مالكِ بن

стр. 724

إسماعيل، عن عبد السلام (١) بن حَرْب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن يحيى (٢). ومنها: راوية [محمد] (٣) بن عَجْلان، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، واختُلِفَ في رفعه ووقفه: ففي رواية مُسَدَّد، عن يحيى، عن ابن عَجْلانَ موقوفًا قال: شمِّتْ أخاكَ ثلاثًا، فما زاد فهو مَزْكُومٌ (٤). وفي رواية عيسى بن حمَّاد المصري، [عن الليث] (٥)، [عن] (٦) ابنِ عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: لا أعلمه إلا أنه رفعَ الحديثَ إلى النّبيِّ ﷺ بمعناه؛ رواه أبو داود وقال: رواه أبو نعيم (٧) قال: عن موسى بن قَيْسٍ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن

стр. 725

سعيد، عن أبي هريرة، عن النّبيِّ ﷺ (١). وأقوى هذه الأحاديثِ، حديثُ سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ الَّذي بدأنا به، والله تعالى أعلم. الرابعة والخمسون: هذا التخصيصُ في تَكرار العُطاس يقتضي ظاهرُهُ سقوطَ الأمرِ بالتّشميت بعد الثلاث، وأنَّ الثَّلاثَ هي التي استُدلَّ بها على الزُّكام. وبعضُ مصنفي الشافعية - رحمهم الله تعالى - قال: ويكرِّرُ التشميتَ إذا تكرَّرَ العطاسُ، إلا أَنْ يعرفَ أنَّه مزكومٌ، فيدعو له بالشفاء (٢). وهذا يمكن تقريرُه بأنَّ العمومَ يقتضي التكرارَ؛ لأنَّ كلَّ مرة هو فيها عاطس، فيشمِّته (٣) عملًا بالحديث، وأن لا يوجدَ عاطسٌ من غير تشميت، وهو خلافُ العموم، وإذا اقتضى العمومُ الإجابةَ، فيُعملُ بها، إلا في موضع العلة التي عُلِّلَ بها عدمُ التشميت، وهو الزكام. وظاهرُ هذا الكلام الَّذي حكيناه عن هذا المصنف: أنَّ التشميتَ يسقطُ الأمرُ به عند العلم بالزكام، ولا يعتبرُ تكرارَ العطاسِ ثلاثًا، وسنذكر الآن ما يُورَدُ عليه.

стр. 726

الخامسة والخمسون: لو سألَ سائلٌ فقال: التعليلُ بالزُّكام يقتضي أن لا يشمِّتَ من عَلِمَ زكامَه ولا مرةً واحدة عملًا بعموم الحكم؛ لعموم علته، فيقالُ عليه: المذكورُ هو العلةُ دونَ المعلّل، فلا نسلِّمُ أنَّ المعلَّلَ هو مطلقُ التَّركِ، ليعمّ الحكمُ بعموم علتِهِ، بل المعلَّلُ هو التَّركُ بعد التكرير، فكأنَّه قيل: لا يلزمُ تكرارُ التّشميتِ؛ لأنه مزكومٌ (١)، ويؤيد ذلك مناسبةُ المشقةِ الناشئةِ عن التكرار (٢). السادسة والخمسون: تكلم بعضُ الفضلاءِ في تعليلِ عدم التشميت [بالزّكام] (٣) فقال (٤): للحديثِ مخصِّصٌ آخرُ صحيحٌ ثابتٌ مقتضٍ (٥) تَرْكَ التشميتِ لمن لم يحمدِ اللهَ تعالى.

стр. 727

روى سليمانُ التَّيميُّ، عن أنس قال: عَطَسَ رجلان عندَ النّبيِّ ﷺ فشمَّتَ أحدَهما، [وتركَ الآخَرَ، قال: فقلت: يا رسولَ اللهِ! رجلان عَطَسَا فشمَّتَّ أحدَهُمَا!] (١) - قال بعضُ الرواة: فشمتَّ أحدَهما، وتركتَ آخر - قال: "إنَّ هذا حَمِدَ الله، وإنَّ هذا لم يحمَدْ" (٢). وهذا دليل على سقوطِ التشميتِ لمن لم يحمدِ اللهَ، وهو مخصِّصٌ للعموم الَّذي في الحديث، والله أعلم (٣). السابعة والخمسون: إذا ثبت أنَّ التشميتَ مشروطٌ بالحمد، فإنْ سَمِعَهُ فقد حصَلَ الشرطُ، وإن لم يسمعْهُ؛ فإنّ مالكًا - رحمه الله تعالى - يذهبُ إلى أنه لا يشمّته حتى يَسْمَعَهُ يحمدُ اللهَ تعالى (٤)، قيل له: فإنَّه ربَّما كانت الحلقةُ كثيرةَ الأهلِ فأسمعُ القومَ يشمتونه، قال: إذا سمعتَ الذين يشمّتونه فشمّتْهُ. وهذا اكتفاءٌ بالدليل على الحمد عن السماعِ له من العاطس،

стр. 728

وهو دليلٌ ظاهرٌ إذا كان المشمّتون عالِمين بأنه لا يُشَمَّتُ حتى يحمَدَ اللهَ تعالى، وكذا إذا لم يظنَّ بخصوصهم العلمَ بذلك، إذا كان الحكمُ شائعًا. أمّا إذا كانوا من أهلِ الجهل الذين يُظَنُّ بهم عدمُ العلم بذلك، فالدَّلالةُ ليست بالقويَّة، فيحتمل أن يكونَ مالكُ ﵀ اعتبرَ الأعمَّ الأغلبَ، ويمكن أن لا يكونَ حكمُهُ فيمن هو من أهل الجهل. الثامنة والخمسون: الحكمُ عامٌّ بالنسبة إلى المسلم والذمي، وقد روى سفيان، عن حكيم بن الدَّيْلَم، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبيه قال: كانت اليهودُ تَعاطَسُ عند النّبيِّ ﷺ رجاءَ أن يقولَ لها: يرحمُكِ الله، فكان يقول: "يهديكُمُ اللهُ، ويُصْلِحُ بالَكَم". رواه أبو داود، عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكِيعْ، عن سفيان (١). وقد ذكرنا عمَّن حكينا عنه من أهل اللغة: أنّ كلَّ داعٍ مشمِّتٌ، فهذا على هذا (٢) تشميتٌ لأهل الذمة (٣)؛ لأنّه ﷺ دعا لهم بالهداية، وتركَ الدعاءَ لهم بالرحمة، فيقتضي أن لا يُدعى للكافر

стр. 729

برحمةِ الله (١)، والمغفرةُ في معناه، ولعلّ مَن خصَّ التشميتَ بالدعاءِ بالرحمة، إنما بناه على الغالب، لا أنه تقييدٌ لوضع اللفظ في اللغة (٢)، والله أعلم. التاسعة والخمسون: مناسبة الدعاء بالرحمة للعاطس من حيث إنه دفعُ المؤذي للجسد باحتبَاسِهِ، فتسهيلُه نعمةٌ من الله تعالى، ناسَبَ أن يُحمَدَ اللهَ عليها، والنعمةُ من الله تعالى رحمةٌ منه للعبد، فيُدعى له بعدَ الرحمةِ الخاصةِ بالرحمةِ العامَّةِ. [من المتقارب]: كما أحسنَ اللهُ فيما مَضَى ... كذلكَ يُحْسِنُ فيما بَقي (٣)

стр. 730

الستون: ما حكينا عن غيرِ واحدٍ من أن التشميتَ الدعاءُ، ليس فيه تقييدٌ ولا تخصيصٌ بدعاء معيَّنٍ، بخلاف ما حكيناه عمَّن خصَّه بالدُّعاء بالرحمة، وعلى هذا يدلُّ الحديثُ، أعني: التخصيص. والحديث ما رواه هلالُ بنُ يَساف قال: كنّا عند سالمِ بن عُبيد، فعطسَ رجلٌ من القوم، فقال: السَّلامُ عليكم، فقال سالم: وعليك وعلى أمِّك، ثم قال بعد: لعلَّك وجدتَ ممَّا قلتُ لك؟ قال: لودِدْتُ أنَّك لم تذكرْ أمّي بخير ولا بِشَرّ، قال: إنَّما قلتُ لك كما قال رسولُ الله ﷺ ، بينا نحنُ عندَ رسولِ الله ﷺ إذْ عطس رجلٌ من القوم فقال: السَّلام عليكم، فقال رسولُ الله ﷺ : "وعليك، وعلى أمّك"، ثم قال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فلْيَحْمَدِ اللهَ تعالى"، [قال] (١) فذكر بعضَ المحامِد، "وليقلْ له مَنْ عندَهُ: يرحمُك اللهُ، وليردّ؛ يعني: عليهم، يغفرُ اللهُ لنا ولكم" (٢). فهذا أمرٌ بخصوص هذا الدُّعاء، وهو يقتضي سنِّيتَهُ، وأن لا يتأتَّى (٣) المأمورُ به بغيره. الحادية والستون: فيه تخصيصٌ آخرُ بعد تخصيصِهِ بالدعاء

стр. 731

بالرحمة، وهو أن يكونَ ذلك بلفظِ المُخَاطَبة، وهو قولُه: "يرحمُكَ اللهُ"؛ لحديث سالمِ بنِ عُبيد ﵁ الَّذي أوردناه، [وقد نصّ عليه] (١). وهؤلاء المتأخرون إذا خاطبوا من يعظِّمُونَه قالوا: يرحم الله سيِّدَنا، أو ما أشبهَ ذلك، من غيرِ خطاب، وهو خلافُ ما دلَّ عليه الأمرُ في الحديث، وبلغني عن بعضِ رؤساءِ أهلِ العلم في زماننا: أنه خُوطِبِّ بهذا الَّذي جرت عادتُهم به، فقال: قل: يرحمُك الله يا سيِّدنا، أو كما قال. وكأنه قصدَ الجمعَ بين لفظِ الخطاب وبين ما اعتادُوه من التعظيم. الثانية والستون: إذا علمَ من رجل أنه يكرَه أن يُشَمَّتَ، ويرفع نفسه عن ذلك تكبُّرًا؛ كما يُقال: إنّ الملوكَ لا تشمَّت، فقد ذكر بعضُ الأكابرِ من الفقهاء والفضلاءِ فيما إذا علم من رجل [أنه] (٢) يكره أن يشمّت، لَمْ يشمَّت، فقال (٣): لا إجلالًا له، بل إجلالًا للتشميت عن أن يُؤهَّل له من يكرهه، قال الله فيما حكاه عن نوح النّبيّ ﵇ أنّه قال لقومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨]

стр. 732

قال: فإن قيل: إذا كان التشميتُ سنّةً، فكيف تُتركُ السنّةُ بكراهة من يكرهُها؟ قيل: هي السنّة (١) لمن أحبَّها، وليس بسنّةٍ لمن يكرهُها (٢)؛ لأن من يَرغَبُ عن الخيرِ، يَرغَبُ الخيرُ عنه، وإن كَرِهَ رجلٌ أن يُسلَّم عليه عند اللقاء، لم يسلَّمْ عليه؛ لِمَا وَصفْنا، كما أنَّه إذا مرض فكرِهَ أن يُعاد، لم يُعَدْ، وإن أوصى مُحتَضِرٌ بأن لا يصلّى عليه إذا مات، صُلِّي عليه؛ لأن الصلاةَ عليه شفاعةٌ له، وهو - إذا أسرف على نفسه بأن أوصى أن لا يُصلَّى عليه - أحوجُ إلى الشفاعة له منه إذا لم يُوصِ به. وأما السلامُ فتحيةٌ، والتشميت مثلُه، ومن كَرِهَ التحيةَ لم يُحيَّ، كما أن مَنْ كرِهَ الزيارةَ لم يُزَرْ، والله أعلم. ولأنَّ الصلاةَ عليه ودفنَه واجبانِ بإيجاب الله تعالى، وفرضه، فلا يُعْمَلُ بوصيته في إبطالهما، والله أعلم. ويظهر لي: أنه إذا أَمِنَ من الضَّررِ من هذا المتكبِّر، فإنَّه ينبغي تشميتُه؛ لأنَّ فيه امتثالًا للأمر (٣)، وفعلَ السنة مع مناقضة كِبْرِه، وكسرٍ سَوْرتهِ (٤) في الكِبْرِ بما يضادُّ مقصودَه، وهذا المعنى أظهرُ من معنى

стр. 733

إجلالِ التشميت عنه (١)، إلا أَنْ يقالَ: إنَّ المشمّتَ لا يخلو من أنَ يقصِدَ معنى اللفظِ، وهو الدعاء، أو لا، والئاني لا فائدةَ فيه، والأول لا يناسبُهُ حالُ المتكبرِ المخالفِ للشرع كِبْرًا وعُلُوًّا، بل مناسِبُ حالِه الإغلاظُ، والله أعلم. الثالثة والستون: إذا ظُنّ أو خيفَ من المسلَّمِ عليه أن لا يردَّ الردَّ الواجبَ، فهذا أولى بأن لا يسلَّمَ عليه، مما ذكرهُ هذا الفقيهُ الفاضلُ؛ لأنَّ فيه إقامةَ سنة، يلزمها (٢) التعريضُ لتركِ واجب، والله أعلم. الرابعة والستون: إذا عطسَ أحدُ الحاضرين للخطبة، والإمام يخطب، وقال: الحمد لله، فقد اختلفوا فيه: هل يشمَّت بالإشارة، أو يشفت بالكلام، أو لا يشمّت؟ [والذين قالوا: إنه لا يشمّت، إذا تمَّ الدليلُ على ما قالوه، فهو من محالِّ التخصيص] (٣)، والذين قالوا: يشمَّتُ بالكلام، جَرَوْا على العموم، والذين قالوا: يُشمَّت بالإشارة، حملوا اللفظَ على مجازِهٍ؛ لأن التشميتَ حقيقةٌ في الكلام (٤).

стр. 734

الخامسة والستون: ذكر بعضُ أكابر الفضلاء (١) فيما إذا عطسَ الخاطبُ، وقال: الحمد لله: أنه - إنْ مرَّ في خطبته - لم يشمّت، وإن وقفَ شمَّتوه، وهذا - إذا قام عليه دليلٌ وتمَّ - من محالِّ التخصيص أيضًا (٢). السادسة والستون: قال: وينبغي إذا عطسَ العاطسُ، أن يتأنّى حتى يَسْكُنَ ما به، ثم يشمّتوه، ولا يُعَاجِلُوه بالتشميت، وهذا إذا (٣) لم يكن في الأمر بالتشميت لفظٌ يقتضي التعقيبَ، فلا منافاةَ بينه وبين ما قال، ولا دَلالةَ لهُ أيضًا عليه، بل يُطلب دليلٌ (٤) من أمر خارج (٥)، والله أعلم. السابعة والستون: قولُ المشمِّتِ: "يرحمك الله" الظاهرُ منه والسابقُ إلى الفهم: أنه دعاءٌ بالرحمة، ويحتمل أن يكونَ إخبارًا على طريقةِ البِشارة المبنيّة على حسنِ الظنِّ، كقوله ﷺ للمَحْمُومِ: "لا بأسَ، طَهُورٌ إن شاء الله" (٦)؛ أي: هي طهورٌ لك إن شاء الله، واللهُ أعلمُ بمُرادِ

стр. 735

رسولِهِ، فكأنَّ (١) المشمِّتَ بشَّر العاطسَ بحصول الرحمة في المستقبل؛ بسبب حصولها في الحال الحاضر بدفع المؤذي، فيكون من باب ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] عند مَنْ فَهِمَ منه هذا المعنى. [من المتقارب]: كما أحسنَ اللهُ فيما مضى ... كذلك يُحْسِنُ فيما بَقِي (٢) الثامنة والستون: في قاعدة: إذا كان الغالب من إطلاق اللفظ إرادةَ معنىً مع احتماله لغيره، فالحالُ فيه بالنسبة إلى ما بعد إطلاقه على أقسام: أحدها: أن يستحضِرَ المطلِقُ أنَّه نوى المعنى الغالبَ إرادتُه عند الإطلاق. الثاني (٣): أن يستحضرَ أنه نوى المعنى المحتملَ؛ أعنى: غيرَ الغالب. والثالث: أنّه (٤) لا يحضرُه أنَّه نوى الغالِبَ، ولا غيرَه. فأمَّا القسم الأول: فلا إشكال فيه، وأته يعملُ بما نواه. وأما الثانى: فهو أيضًا محمولٌ على المحتَمِلِ، إلا لمانعٍ فيه

стр. 736

تفصيل بين ما يتعلق بالعبادات وألفاظ الشارع في المأمورات، وبين ألفاظ المكلَّفين في أيمانهم وتعليقاتهم، وفي ذلك طولٌ اقتصرناه. وأما الثالث: فهو محلُّ نظرٍ، فيحتمل أن يقال: لا يلحق بما وُجِدَتْ فيه نيَّةُ الغالب؛ لعدم نيَّةِ الغالب إذ لم يستحضر، ويحتمل أن يقالَ: يجري مجرى ما وُجِدت فيه نيَّةُ الغالب؛ لغلبة إرادة الغالب عند الاسترسال في الإطلاق، ولهذا القولِ غَور (١) نذكره، إن شاء الله تعالى (٢). التاسعة والستون: هاهنا قاعدةٌ عقلية (٣)، وهي الفرق بين العلم بالشيء، والعلم بالعلم بالشيء، والفرقُ بين حضورِ الشيء، وبين حضورِ تذكُّرِه، فقد يكون الشيءُ حاضرًا، ولا يحضُرُ تذكُّره بعد ذلك في وقت، والمَلَكَاتُ النفسانيَّةُ كلُّها من هذا القَبيل؛ لأنَّ شرطَ الفعلِ لا يحصُل الفعلُ إلا به، فإذا صار ذلك مَلَكَةً للنفس كان الشرطُ حاضرًا، وإلا وُجِدَ المشروطُ بدون شرطِه، لكنه إمّا حصلَ العلمُ به عند الفعلِ وَلم يحصلِ العلمُ بالعلمِ به، أو حصلَ لكن لم يحضرْ تذكُّره بعد انقضاء وقتِ حضورِه. مثال ذلك: أن الكتابةَ تتوقف على العلم بكيفية التركيب بين

стр. 737

الحروف، وتقدُّمِ (١) بعضِها على بعضٍ ضرورةً، ثم إنَّها تكثرُ وتتكرر إلى أن تصيرَ ملكةً للنفس، فيكتب الإنسانُ مجلدًا، بل ما شاء الله تعالى أن يكتبَ، ولا يستحضرُ أنه رتَّب الترتيبَ الَّذي يتوقفُ عليه انتظامُ الكتابةِ، وفي التحقيق قد حصل ذلك في نفس الأمر عند الكتابة، ولكنه لم يحضر (٢) تذكُّره بعد (٣) انقضائه. وكذلك نقول في الكلامِ واللفظِ إذا كثُرَ استعمالُه في معنىً وتكرَّر على الألسنة، فإنه عند الاسترسال يُرادُ به ذلك المعنى ظاهرًا، وإن كان بعد ذلك لو سُئِلَ المتكلِّمُ: هل تَستحضِرُ أنك أردت به هذا المعنى [المعين] (٤)، أو لا؛ لم يذكر أنه حَضَرَتْهُ النيّةُ بعينها، ويُحرِّكُ هذا إلى النظر في بعض دَلائلِ المتكلمين في بعض المسائل (٥). السبعون: فيما يترتَّب على هذا مما نحن فيه، أنَّا قد ذكرنا أنّ قولَ المشمّت: "يرحمك الله" الظاهرُ منه إرادةُ الدعاء، وأنَّ إرادةَ الخبر على طريق البِشَارة المبنية على حسن الظن محتملةٌ، وإذا كان كذلك وحُمِلَ الأمرُ على الظاهر - وهو الدعاء - فحينئذٍ يكون المأمورُ به على جهة الدعاء، وهو قوله: "يرحمك الله"، فيرجع إلى الأقسام الثلاثة:

стр. 738

أحدها: أن يقصدَ المشمّت الدعاءَ، فهذا يكون ممتثلًا جزمًا، آتيًا بما أُمِر به. وثانيها: أن يقصِدَ صرفَه إلى الخبر، فهذا لا يكون ممتثلًا على مقتضى ما قلناه، وأنَّ كونَه دعاءً داخلٌ (١) تحت الأمر (٢). وثالثها: أن يُطْلِقَ اللفظَ إطلاقًا، ولا يحضرُهُ بعدُ أَنّه قصد الدعاء أو الخبر، فمقتضى ظاهرِ الحديث الاكتفاءُ به؛ لأنَّه قد أتى بما أُمِرَ به، وهو قوله: "يرحمك الله". ففيه دليلٌ على أنَّ اللفظَ عند الإطلاق وعدم الاستحضارِ لنية التخصيص بعدهُ، يُحمل على ما الغالب إرادتُه؛ لأنه لو لم يكن كذلك؛ أعني: أنه (٣) لا يكونُ الأصلُ حملَه على ما الغالب إرادته، لَمَا اكتفى بقوله: "يرحمك الله" في هذه الصورة؛ [لأنّه لم يكُ آتيًا بما دخل تحت الأمر، وهو الدعاء] (٤)، لكنه اكتفى به عملاً بقوله ﷺ : "وليقل: يرحمك الله"، والإتيانُ بالمأمورِ به يقتضي الإجزاءَ. الحادية والسبعون: فإذا تقرر هذا جاءك تحت هذا مسائلُ من

стр. 739

أحكامِ الأيمان، منها: أنّ البدويَّ إذا أطلقَ لفظَ البيتِ في يمينه، وقال: لا أدخل بيتًا، فإنه يُحمل على بيتِ الشَّعر حتى يحنَثَ بدخوله؛ لأن الغالب إرادتُه مع وضع اللفظ له. وبهذا علَّل بعضُ مصنفي الشافعية حملَ هذ اللفظ من البدوي على بيتِ الشعر، وقال: فإذا (١) أطلقه من يغلب عليه إرادتُه كالبدوي حُمِل عليه؛ لاجتماع الوضع وغلبةِ الإرادة. فتراه اعتَبرَ غلبةَ الإرادة، وهو دليل على أن النيّةَ (٢) لإرادة بيت الشَّعْر لم تُستحضَر؛ لأنها لو استُحْضِرَت لم يحتجْ إلى التعليل بغلبة الإرادة (٣). فإن قلت: إنما اعتبر غلبة الإرادة عند موافقةِ الوضعِ لذلك؛ لأنَّ لفظَ البيتِ حقيقةٌ في بيت الشَّعْر؛ بدليل أنه يجيء في القُرويِّ أوجه: أحدها، وهو النص أنه: كالبدويّ. والثاني: أنه لا يحنث إلا بالبيت المبنيّ. والثالث: إن قَرَبتْ قريتُه من البادية بحيث يطرُقُونها ويناطقونهم فيها، فهو كالبدوي، وإن لم يكن كذلك، لم يحنث (٤).

стр. 740

قلت: إن لم يكن لغلَبَةِ الإرادة عند عدم استحضار النيّة أثرٌ [أصلًا] (١)، فكلامُهُ لغوٌ، وإن كان له أثر مانعٌ (٢) عدمَ استحضارِ النيّة حصلَ المراد، والأصلُ الذي ذكرته؛ لأنه قد تبين (٣) أنَّ الاستدلالَ بغلبة الإرادة إنما يكون حيث لم تُستحضَرْ النيّةُ، فإنها لو استُحضرت لم يُحتجْ إلى التعليل بغلبة الإرادة. وأمَّا الخلاف المذكور في القروي، فالقول بعدم تحنيثه، جارٍ على ما قلناه (٤)، والفارقُ بين من قربت قريتُه من البادية وغيرِه تحويمٌ على حصول الغلبة، والقولُ بالتحنيث اعتبارٌ للوضع عند عدم استحضار النيّة المعينة، ونحن ما ادَّعينا الإجماعَ على ما قلناه، وإنما ادَّعينا أنَّ مقتضى ظاهرِ الحديثِ الاكتفاءُ، وهذا حاصل، وإن اختُلف فيه. الثانية والسبعون: حلف لا يأكلُ اللحمَ، لم يحنثْ بلحم السمك، وهو حقيقةٌ فيه، قال الله تعالى: ﴿مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، والمسألةُ مفروضةٌ فيما إذا لم يحضرْه أنه نوى اللحمَ المعتادَ تسميتُه باللحم عند الإطلاق، وهو (٥) محمول على المعتاد لغلبة إراداته عند
следующие страницы →