← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تفصيل بين ما يتعلق بالعبادات وألفاظ الشارع في المأمورات، وبين ألفاظ المكلَّفين في أيمانهم وتعليقاتهم، وفي ذلك طولٌ اقتصرناه. وأما الثالث: فهو محلُّ نظرٍ، فيحتمل أن يقال: لا يلحق بما وُجِدَتْ فيه نيَّةُ الغالب؛ لعدم نيَّةِ الغالب إذ لم يستحضر، ويحتمل أن يقالَ: يجري مجرى ما وُجِدت فيه نيَّةُ الغالب؛ لغلبة إرادة الغالب عند الاسترسال في الإطلاق، ولهذا القولِ غَور (١) نذكره، إن شاء الله تعالى (٢). التاسعة والستون: هاهنا قاعدةٌ عقلية (٣)، وهي الفرق بين العلم بالشيء، والعلم بالعلم بالشيء، والفرقُ بين حضورِ الشيء، وبين حضورِ تذكُّرِه، فقد يكون الشيءُ حاضرًا، ولا يحضُرُ تذكُّره بعد ذلك في وقت، والمَلَكَاتُ النفسانيَّةُ كلُّها من هذا القَبيل؛ لأنَّ شرطَ الفعلِ لا يحصُل الفعلُ إلا به، فإذا صار ذلك مَلَكَةً للنفس كان الشرطُ حاضرًا، وإلا وُجِدَ المشروطُ بدون شرطِه، لكنه إمّا حصلَ العلمُ به عند الفعلِ وَلم يحصلِ العلمُ بالعلمِ به، أو حصلَ لكن لم يحضرْ تذكُّره بعد انقضاء وقتِ حضورِه. مثال ذلك: أن الكتابةَ تتوقف على العلم بكيفية التركيب بين

стр. 737

الحروف، وتقدُّمِ (١) بعضِها على بعضٍ ضرورةً، ثم إنَّها تكثرُ وتتكرر إلى أن تصيرَ ملكةً للنفس، فيكتب الإنسانُ مجلدًا، بل ما شاء الله تعالى أن يكتبَ، ولا يستحضرُ أنه رتَّب الترتيبَ الَّذي يتوقفُ عليه انتظامُ الكتابةِ، وفي التحقيق قد حصل ذلك في نفس الأمر عند الكتابة، ولكنه لم يحضر (٢) تذكُّره بعد (٣) انقضائه. وكذلك نقول في الكلامِ واللفظِ إذا كثُرَ استعمالُه في معنىً وتكرَّر على الألسنة، فإنه عند الاسترسال يُرادُ به ذلك المعنى ظاهرًا، وإن كان بعد ذلك لو سُئِلَ المتكلِّمُ: هل تَستحضِرُ أنك أردت به هذا المعنى [المعين] (٤)، أو لا؛ لم يذكر أنه حَضَرَتْهُ النيّةُ بعينها، ويُحرِّكُ هذا إلى النظر في بعض دَلائلِ المتكلمين في بعض المسائل (٥). السبعون: فيما يترتَّب على هذا مما نحن فيه، أنَّا قد ذكرنا أنّ قولَ المشمّت: "يرحمك الله" الظاهرُ منه إرادةُ الدعاء، وأنَّ إرادةَ الخبر على طريق البِشَارة المبنية على حسن الظن محتملةٌ، وإذا كان كذلك وحُمِلَ الأمرُ على الظاهر - وهو الدعاء - فحينئذٍ يكون المأمورُ به على جهة الدعاء، وهو قوله: "يرحمك الله"، فيرجع إلى الأقسام الثلاثة:

стр. 738

أحدها: أن يقصدَ المشمّت الدعاءَ، فهذا يكون ممتثلًا جزمًا، آتيًا بما أُمِر به. وثانيها: أن يقصِدَ صرفَه إلى الخبر، فهذا لا يكون ممتثلًا على مقتضى ما قلناه، وأنَّ كونَه دعاءً داخلٌ (١) تحت الأمر (٢). وثالثها: أن يُطْلِقَ اللفظَ إطلاقًا، ولا يحضرُهُ بعدُ أَنّه قصد الدعاء أو الخبر، فمقتضى ظاهرِ الحديث الاكتفاءُ به؛ لأنَّه قد أتى بما أُمِرَ به، وهو قوله: "يرحمك الله". ففيه دليلٌ على أنَّ اللفظَ عند الإطلاق وعدم الاستحضارِ لنية التخصيص بعدهُ، يُحمل على ما الغالب إرادتُه؛ لأنه لو لم يكن كذلك؛ أعني: أنه (٣) لا يكونُ الأصلُ حملَه على ما الغالب إرادته، لَمَا اكتفى بقوله: "يرحمك الله" في هذه الصورة؛ [لأنّه لم يكُ آتيًا بما دخل تحت الأمر، وهو الدعاء] (٤)، لكنه اكتفى به عملاً بقوله ﷺ : "وليقل: يرحمك الله"، والإتيانُ بالمأمورِ به يقتضي الإجزاءَ. الحادية والسبعون: فإذا تقرر هذا جاءك تحت هذا مسائلُ من

стр. 739

أحكامِ الأيمان، منها: أنّ البدويَّ إذا أطلقَ لفظَ البيتِ في يمينه، وقال: لا أدخل بيتًا، فإنه يُحمل على بيتِ الشَّعر حتى يحنَثَ بدخوله؛ لأن الغالب إرادتُه مع وضع اللفظ له. وبهذا علَّل بعضُ مصنفي الشافعية حملَ هذ اللفظ من البدوي على بيتِ الشعر، وقال: فإذا (١) أطلقه من يغلب عليه إرادتُه كالبدوي حُمِل عليه؛ لاجتماع الوضع وغلبةِ الإرادة. فتراه اعتَبرَ غلبةَ الإرادة، وهو دليل على أن النيّةَ (٢) لإرادة بيت الشَّعْر لم تُستحضَر؛ لأنها لو استُحْضِرَت لم يحتجْ إلى التعليل بغلبة الإرادة (٣). فإن قلت: إنما اعتبر غلبة الإرادة عند موافقةِ الوضعِ لذلك؛ لأنَّ لفظَ البيتِ حقيقةٌ في بيت الشَّعْر؛ بدليل أنه يجيء في القُرويِّ أوجه: أحدها، وهو النص أنه: كالبدويّ. والثاني: أنه لا يحنث إلا بالبيت المبنيّ. والثالث: إن قَرَبتْ قريتُه من البادية بحيث يطرُقُونها ويناطقونهم فيها، فهو كالبدوي، وإن لم يكن كذلك، لم يحنث (٤).

стр. 740

قلت: إن لم يكن لغلَبَةِ الإرادة عند عدم استحضار النيّة أثرٌ [أصلًا] (١)، فكلامُهُ لغوٌ، وإن كان له أثر مانعٌ (٢) عدمَ استحضارِ النيّة حصلَ المراد، والأصلُ الذي ذكرته؛ لأنه قد تبين (٣) أنَّ الاستدلالَ بغلبة الإرادة إنما يكون حيث لم تُستحضَرْ النيّةُ، فإنها لو استُحضرت لم يُحتجْ إلى التعليل بغلبة الإرادة. وأمَّا الخلاف المذكور في القروي، فالقول بعدم تحنيثه، جارٍ على ما قلناه (٤)، والفارقُ بين من قربت قريتُه من البادية وغيرِه تحويمٌ على حصول الغلبة، والقولُ بالتحنيث اعتبارٌ للوضع عند عدم استحضار النيّة المعينة، ونحن ما ادَّعينا الإجماعَ على ما قلناه، وإنما ادَّعينا أنَّ مقتضى ظاهرِ الحديثِ الاكتفاءُ، وهذا حاصل، وإن اختُلف فيه. الثانية والسبعون: حلف لا يأكلُ اللحمَ، لم يحنثْ بلحم السمك، وهو حقيقةٌ فيه، قال الله تعالى: ﴿مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، والمسألةُ مفروضةٌ فيما إذا لم يحضرْه أنه نوى اللحمَ المعتادَ تسميتُه باللحم عند الإطلاق، وهو (٥) محمول على المعتاد لغلبة إراداته عند

стр. 741

الإطلاق، وهذا يخالف مسألةَ البدوي الحالفِ أنه لا يدخل بيتًا، فإن اعتيادَ الإرادةِ ثَمَّ وافَقَ الوضعَ، واعتيادُ الإرادة هاهنا خالفَه مخالفةَ التخصيص. الثالثة والسبعون: حلف لا يدخل بيتًا، فدخل الكعبةَ أو المسجدَ، لم يحنثْ عند الجمهور، وقيل: يحنث (١)، وقول الجمهور موافق للقاعدة (٢) التي ذكرناها؛ لأن غلبةَ الإرادةِ تقتضي إرادةَ غيرِ المساجد، وهو كالمسألة قبلَها في أنّ غلبةَ الإرادةِ خالفتِ الوضعَ مخالفةَ الخصوصِ للعموم. الرابعة والسبعون: دخل الرّحى والحمام فقيل: إنه كالمسجد (٣)، وهذا أيضًا تخصيص للوضع بغلبة الإرادة، والله أعلم. الخامسة والسبعون: بعضُ ما ذكرناه - وما لم نذكره - من مسائلِ الأيمان، قد ندَّعي فيه أنَّ السببَ في التخصيص نقلُ الاسم إلى حقيقةٍ عُرفية عن الحقيقة الوضعية، فالحملُ عليه عند الإطلاق من باب اتباع الوضع لا النظرِ إلى غلبة الإرادة، فتأمَّلْه؛ لئلًا يُوْرَدَ عليك دَفعًا لما قررناه (٤)، وفَرْقًا [بينه و] (٥) بين ما ادَّعيناه واستشهدنا

стр. 742

به، وهذه الدعوى لا تصحُّ في كل مكان، وصاحبُها مطالَبٌ بالدليل عليها، ولا يُمكِنُ أن يُدَّعَى أنَّ (١) البدويَّ نقلَ لفظَ البيتِ إلى بيت الشَّعر، حتى صار إطلاقُه على يت المَدَرِ مهجورًا؛ كهجران لفظ الغائطِ بالنسبة إلى المُطْمَئِنِّ من الأرض، ولا أيضًا نقل القروي (٢) لفظ البيت إلى بيت المَدَرِ، حتى صار إطلاقُه على بيت الشعر مهجورًا، والأغلب إرادة كلِّ واحدٍ منهما ما اعتاده وأَلِفَهُ، فانصرافُ اللفظِ إليه بالغلبةِ في الإرادة. وقد قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] فأطلق لفظَ البيوت على المساجد، وهو إطلاقٌ عُرْفي في زمن نزول الآية، فإن ادعى أن النقلَ العرفي إنما حدث بعد ذلك؛ أي: بعد نزول الآية، فقد أبعد، وأقلُّ ما يُدفَعُ به [قولهُ] (٣): أن (٤) الأصلَ عدمُ التغيير بعد الإطلاق عند نزول الآية، والناس يقولون: الكعبة والمسجد (٥) بيت الله، إلى الآن، والله أعلم. السادسة والسبعون: وطريقُ الاستدلالِ في مسائل الأيمان التي من هذا الجنس بردِّها إلى الحديث، أنْ يقالَ: لو لم يُحْمَلْ

стр. 743

هذا اللفظُ في المسألة الفُلانية على ما يُعتادُ قصدُه به غالبًا، لما حُمِلَ قولُهُ: "يرحمك الله" للمشمِّت على ما يقصد به غالبًا، وهو الدعاء؛ لأنه أحدُ أفرادِ هذه القاعدة، لكنه حُمِلَ عليه عملًا بالحديث، فإنه يقتضي الاكتفاءَ بقوله: "يرحمك الله"، والاكتفاء بذلك إنما هو لرجحان حملِهِ على ما يعتاد قصده من اللفظ غالبًا مع احتماله لغيره؛ لأنه لو لم يكن راجحًا لكان (١) إما مرجوحًا أو مساويًا، وكلاهما يمتنع (٢) الحملُ عليه. السابعة والسبعون: ويجيء من هذا اعتبارُ ما يقتضيه سببُ كلام الحالف، ومثارُ يمينه (٣) الذي اعتبره مالكٌ وأحمدُ - رحمهما الله تعالى - وهو [الذي] (٤) تسميه المالكيةُ بساطَ اليمين، ويقال: إنه يُرْجَعُ (٥) إليه، إذا لم تكن نية (٦). وهذا فيه تَسامُحٌ في اللفظ، وتعبير عن عدم استحضار النية بعدم النيّة، فإنَّ الفائتَ في هذه الصورة - على ما قررناه في هذه القاعدة

стр. 744

العقلية - إنما هو استحضارُ النيّةِ. والاستدلالُ بالبساطِ على حضور النيّة عند الإطلاق مثالُه: إذا مرَّ إنسانٌ بمن يأكل فاستحضرهُ للأكل، وأكَّد عليه طلبَه لذلك، فقال: والله لا أكلتُ. فلو قيلَ له بعد ذلك: أتستحضرُ أنَّكَ نويتَ لا أكلتَ الآن أو معك، [أو ما أشبهه] (١)، لقال: لا أستحضرُ هذا، لكنَّ البساطَ دلَّ على أن المرادَ لا أكلت الآن أو معك أو ما أشبه (٢)، فيسدلن به على حضور النيّة وقتَ اليمين، وأن الفائتَ بعدَه تذكُّرُ النيّةِ، لا أنَّ الفائتَ نفسُ النيّةِ عند التلفُّظ، وقد حَمَلَهُ قومٌ على العمومِ فحنّثوه بالأكل مطلقًا. وأنا أرى صحةَ هذه القاعدة في الجملة، وهي عندي من قَبيل دَلالةِ السياقِ التي ترشُد إلى بيانِ المُجْمَلات (٣)، وتخصيصِ العمومات، وتعميمِ الخصوصات، واستعمالُها في ألفاظ الشارع كثيرٌ جدًا، بل هي الدالَّةُ على مقصود الكلام (٤)، وإني لأَستَبْعِدُ أنّ العامي

стр. 745

إذا أَطلقَ لفظًا وأراد به معنى أَنْ يقالَ له: قد بَرَرْتَ، أو حَنَثْتَ، بسبب شيءٍ لم يخطُرْ بباله، ولا يفهمه إلا بعد قوله له وتفهيمِهِ [إيَّاه] (١)، كما لو قال لزوجته: وهي في ماءٍ جارٍ: اطلعي من هذا الماء، فأبت عليه، فقال: إن أقمتِ فيه، فأنت طالقٌ، فيقال له: لو أقامت يومًا مثلًا لم تَطْلُق؛ لأن الماءَ المعيَّنَ الذي (٢) هي فيه حين يمينك لم تُقِمْ فيه؛ لأنَّه قد مضى، فإنَّ (٣) جريانَه على الدوام له، فهذا معنى لا يفهمُه إلا بعد

стр. 746

التفهيم، وربما يُتْعَبُ (١) مع بعضهم في تفهيمه، فكيف نقول: إنَّ لفظَه محمولٌ عليه؛ ويمينُه بارَّةٌ بما لم يخطر بباله؟! ولا شكَّ أن (٢) حالةَ الإطلاق، لم يكن كلامُه لغوًا ولا هَذْرًا لا معنى له، فله معنى أراده قطعًا، فكيف يَبَرُّ بموافقته ما لم يفهم (٣) إلا بعد قوله المفتي له، وإنما [هذا] (٤) يَرْجِعُ إلى القاعدة التي قدَّمناها، وهو أنه لم يُرِدْ إلا مطلقَ الماء وجنسَه، لا الجزئية المعينة، وإنما فَقَدَ بعد إطلاقِهِ اللفظَ استحضارَ النيّة التي كانت عند الإطلاق، فإذا قيل له: هل نويتَ جنسَ الماء؟ لم يستحضر ذلك، والله أعلم. نعم لا أسترسل في هذه القاعدة استرسالًا يفعلُه بعضُ من يرى بها، وإنما الذي ينبغي: أن ينظر إلى القرب في دلالة الحال على وجودِ النيّة والبعدِ من ذلك، والله أعلم. الثامنة والسبعون: الذي ذكرناه في اليمين على اللحم أقوى مما ذكرناه هاهنا، والسببُ في قوته: أنه يمكن المُدَّعي أن يدّعيَ انتقالَ اللفظِ إلى الخصوص بوضعٍ عرفي، فيقوله: إن أهل العرف نقلوا لفظَ اللحمِ عند الإطلاق إلى اللحم الفلانيّ، فيصير حملُ اللفظِ على

стр. 747

الحقيقةِ العرفيةِ كحمله على الحقيقة الوضعية. ومسألةُ بِسَاطِ اليمين لا يُدَّعى فيها ذلك، ولا يقال: إنّ قولَ الحالف: والله لا أكلتُ، نُقِلَ عُرفًا (١) إلى خصوصِ ما خُوطِب بأكله (٢)، وقد قدمنا ما في هذه الدعوى، والمسألتان تشتركان في أمرٍ عالم، وهو حملُ اللفظ على ما يقتضيه حملُه عليه عرفاً؛ إمّا بطريق النقل العرفي للاسم، أو بطريق الدَّلالةِ العرفيَّةِ على التخصيص، والدلالةُ العرفيةُ أعمُّ من الدلالة العرفية في نقل موضوع اللفظ، وإذا أردت العبارةَ في مسألة البساطِ لتردَّه إلى الحديث؛ أعني: قوله: "يرحمك الله"، فله طريقان: أحدهما: أن يقال: لو لم يَعْتَبِرْ ما دلَّ عليه البساطُ عند احتمال اللفظ لغيره، وعدمَ تذكُّرِ نية التخصيص، لما اكتفى بقوله: "يرحمك الله" في مثل هذه الصورة؛ أعني: صورة ما إذا قال: "يرحمك الله" ولم تحضرهُ نيةُ الدعاء، لكن (٣) اكتفى به عملًا بظاهر الحديث، وهو قولُه: "وليقلْ: يرحُمك الله"، فإنَّ ظاهرَه يقتضي الاكتفاءَ به مطلقًا، قَصَدَ الدعاءَ أو لم يقصِدْ. بيانُ (٤) الملازمةِ: أنه لو لم يعتبرْ، لكان ذلك للاحتمال المعارض

стр. 748

للفظ مع عدم حضور نية التخصيص، وهذا المعنى موجودٌ في قوله: "يرحمك الله"، فإنه محتمِلٌ، ولا نيةَ تخصيصٍ، وقد حُمِلَ على الدُّعاء الذي يقتضي اللفظُ اعتبارَه، وفيه البحث في النقل العرفي وغيرِه. الطريق الثاني: لو لم يَعتبر البساطَ، لكان المانعُ عدمَ حضور نية التخصيص، ووجوب حمل اللفظ على الوضع حينئذٍ، لكن ذلك غير مانع؛ لأنه لو كان مانعًا لَمَا حُمِلَ قوله: "يرحمك الله" على الدعاء؛ لاحتماله للخبر، وعدمِ حضور نية التخصيص. التاسعة والسبعون: هذا التشميت للعاطس من حكمته حصولُ المودَّةِ والمؤالفةِ بين المسلمين، وهي قاعدةٌ لا يحصى ما دلّ عليها من الشرع؛ "لا تحاسَدُوا، ولا تباغَضُوا" (١)، "لا تختلِفوا فتَخْتَلِفَ قلوبُكُمْ" (٢)، "لا يَحِلُّ لمسلِمٍ أن يهجُرَ أخاه" (٣)، "عودُوا المريِضَ وأجيبوا

стр. 749

الدَّاعي" (١)، وهذا الموضعُ على الخصوص - وهو تأديبٌ راجع إلى تشميتِ العاطس - أصلٌ في استجلاب المودّات بحُسْنِ المواظبات (٢). الثمانون: فيه مع ذلك [أنّ] (٣) التأديبَ للعاطس بكسرِ النفس عن طُغيان الكِبْر، وحملِها على التواضع، وتقريرِه (٤) عندها، وذلك لِمَا في الدُّعاء بالرحمة من الإشعار بالذَّنب الذي يُحتاج فيه إلى الدعاء بالرحمة، ولهذا يُرى بعضُ المُتَخلِّفين يُعرِضُ عن الدعاء بالرَّحمة إلى الدعاء بالعيش، فيقول: عِشْتَ، أو غير ذلك، وزاد الملوك - أو من شاء الله تعالى منهم - فترفعوا عن التشميت بالكليَّة، وجعله حاضروهم (٥) من الآدابِ مع الملوك، والأدبُ أدبُ اللهِ ورسوله، والكبرياءُ رداءُ الحقِّ فمن نازَعَه (٦) قَصَمَه. وقد أشار الإمام الحليميُّ في دعاء التشميت إلى معنى حسن يتعلق بأمر الذنوب، ومناسبة دعاء التشميت لها؛ وهو [أن] (٧) أنواعَ

стр. 750

البلاءِ والآفاتِ كلَّها مؤاخذاتٌ يؤاخِذُ اللهُ بها عبادَه، وإنما تكون المؤاخَذةُ بالذنوب، فإذا حَصَلَتْ مغفرةٌ، وأدركت العبدَ رحمةٌ من الله تعالى، لم تقعِ المؤاخذةُ، فإذا قيل للعاطس: يرحمك الله، أو يغفر الله لك؛ أي: جعل الله ذلك لك؛ لقدوم السلامة والصحة لك (١). الحادية والثمانون: قد يكون فيه أيضًا تنبية للعاطس وتعريضٌ لطلبِه الرحمةَ من الله تعالى بالتوبة من الذنوب، فينبغي أن يستحضرَ ذلك، ويجعل التشميتَ سببًا للتذكير، وتأمّلْ ما دلّ عليه الحديثُ من رد العاطس على المشمت بقوله: "يغفرُ اللهُ لنَا ولكُم" تجدْه مؤكَدًا لهذا المعنى، دالًا على محاسن وضعِ الشريعة ولطائفِ مَقاصدِها. الثانية والثمانون: ليس في الحديث تعرُّضٌ لتشميت العاطس؛ أعني: هذا الحديث، ولكن في غيره ما أرشد إلى حمد الله (٢) تعالى، كما سيأتي في توقيف التشميت على الحمد، وذكر الإمام الحليْمِيّ في حكمة ذلك: أن معنى حمد لله تعالى عند (٣) العُطَاس (٤): دفعُ الأذى (٥) من الدّماغ الذي فيه قوةُ الذِّكْر والفِكْر، ومنه

стр. 751

منشأُ الأعصاب التي هي معدِنُ الحسِّ والحركةِ، وبسلامتها تكون سلامةُ الأعضاء؛ يعني: والتوصُّل بكل شيء منها إلى ما خُلِقَ له، فإذا تيسَّرَ ذلك، فإنما هو نعمةٌ [من الله] (١) جليلة، وفائدة عظيمة، فلا أقلَّ من أن يُعرفَ قدرُها بالحمد لله ، وفيه مع ذلك اعترافٌ له بالخلق والتدبير، وإضافةُ ما يصدر (٢) منه إليه، لا إلى الطباع كما يقوله المُلْحِدون، فكان مما تحقق المحافظة عليه بهذا المعنى. الثالثة والثمانون: يُستحبُّ للعاطس إجابةُ المشمّت بدعاء يخاطِبُه به، كما ذكرناه في الحديث السابق، لكنه ليس من مقتضيات هذا الحديث الذي نحن في شرحه، إلا أنهم ذكروا في تعيين ما يجيبه به العاطسُ اختلافًا وترجيحاتٍ ذكروها، وهي لا تختصُّ بجواب العاطسِ للمشمت، بل هي مطَّردة في تشميت العاطس، فينجرُّ [النظرُ] (٣) بسبب ذلك إلى البحث عنها بالنسبة إلى التشميت، وهل ينتقلُ إلى التشميت ويجري فيه، أم لا؟ فنذكرها، ونذكر ما يَنجرُّ إليه النظرُ بسببها، فنقول:

стр. 752

[نقل] (١) القاضي أبو الوليد بنُ رشد المالكيُّ قاضي الجماعة، عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه قال: إن شاء قال العاطسُ في الرد على من يشمّته: "يغفر الله لنا ولكم"، وإن شاء قال: "يهديكم الله ويُصلحُ بالَكُم"، [وهو قول الشافعي؛ أي: ذلك. قال: وقال أصحابُ أبي حنيفة: يقول: "يغفر الله لنا ولكم"، ولا يقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم"، (٢)، ورووا عن [إبراهيم]، (٣) النخعي أنه قال: "يهديكم الله ويصلح بالكم" قالته الخوارج؛ لأنهم لا يستغفرون للناس (٤). قال: والصحيحُ ما ذهب إليه مالك، من أنه يَرُدُّ عليه بما شاء من ذلك، فقد (٥) جاء عن النّبيِّ ﷺ الأمران جميعًا. قال: وقد اختار الطَّحاوي وعبدُ الوهاب وغيرُه: "يهديكم الله ويصلح بالكم"، على قول: "يغفر الله لنا ولكم"؛ لأنَّ المغفرةَ لا تكون إلا عن (٦) ذنب، والهداية قد تَعْرَى عن الذنوب (٧).

стр. 753

[قال] (١): والذي نقول به: إنّ قوله: "يغفر الله لنا ولكم" أولى؛ إذْ لا يَسْلَمُ أحدٌ من مواقعة الذنوب، وصاحبُ الذنب يحتاج إلى الغفران؛ لأنه إن هُدي فيما يستقبل، ولم يُغفَر له ما تقدم من ذنوبه، بقيت التَّبِعَةُ عليه فيها، وإن جَمَعَهما جميعًا، فقال: يغفر الله لنا ولكم، ويهديكم الله ويصلح بالكم، كان أحسن وأولى، إلا في الذمِّي إذا عطس وحمد الله، فلا يقال له: يرحمك الله، وإنما يقال: يهديك الله ويصلح بالك؛ لأن اليهودي والنصراني لا تُغفر له السيئاتُ حتى يؤمن (٢). قلت: هذا الترجيح الذي ذكره لقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم، على قوله: يغفر الله لنا ولكم (٣)، لا يختصُّ بردِّ العاطس على المشمّت، بل هو مطَّردٌ في المشمّت أيضًا، ولا تتأدَّى [به] (٤) السنةُ في المشمّت للمسلم، وإنما تتأدَّى به للكافر، فقد يُستدل بإلغاء هذا الترجيح في المشمّت على الغاية في الرادِّ على المشمّت، فإن المعنى عامٌّ فيهما، فإلغاؤه في أحدهما إلغاءٌ له في الآخر. وقد يقول المرجِّحُ: إنما أرجِّحُ حيث دلَّ الدليلُ على جوازِ الأمرين، لا حيثُ لم يدلَّ على جوازهما، بل خصص بلفظ آخر

стр. 754

غيرهما، وهو الرحمة، ولا يخفى ما يرِدُ عليه. وما قاله القاضي أبو الوليد في اختيار الجمع بين اللفظين حسنٌ، ولا يُردُّ في التشميت؛ للتخصيص باللفظ الوارد في الرحمة، والله أعلم. الرابعة والثمانون: الأمر بإيجاد الصفة وإدخالِها في الوجود، يقتضي الأمرَ بالموصوف؛ لاستحالةِ دخولِ الصِّفةِ في الوجود بدون الموصوف (١)، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب. وقد يكون الأمر بالصفة على تقدير وجود الموصوف، وقد يحتمل الحالُ الأمرين، كما سيأتي في قوله ﷺ : "أَفشوا السَّلام"، وهل المرادُ إدخالَ إفشاءِ السلام في الوجود، فيكون أمرًا بأصل السلام، أو المرادُ إفشاؤُه على تقدير وجودِه؛ أي: إذا سلَّمتم فليكن فاشيًا؟ في ذلك بحث. الخامسة والثمانون: إذا تقرر هذا، فالأمرُ بإبرارِ القَسَم إذا كان المرادُ به أن يكونَ ذا بِرٍّ لا إثمَ فيه، من باب الأمر بالصفة على تقدير وجود الموصوف؛ أي: إذا حلفتم فلتكن اليمينُ برّةَّ؛ أي: ذاتَ برّ، وليس أمرًا بإيجاد الصِّفة الذي يستلزم الأمرَ بوجود [الموصوفِ] (٢)؛ لأن اليمينَ لا تكون مَأمورًا بها على الإطْلاق، بل قَدْ نصَّ بعضُ مصنِّفي الشافعيَّة على أنَّ الأيْمانَ مكروهةٌ إلا إذا كانتْ في

стр. 755

طاعة، وذَكَر قَولَه ﷺ : "واللهِ لأغزونَّ قريشًا" (١) مستدِلًا به على أنَّ اليمين لا تُكْرِهُ على الطَّاعَةِ؛ [كبَيعة الجهاد] (٢). قال: ويُستثنى أيضًا اليمينُ الواقعةُ في الدَّعاوى إذا كَانتْ صَادِقةً فإنها لا تُكْرِه (٣). وهذا الذي ذكره في كراهة الأَيْمان على الإطلاق وردَ فيه حديثٌ يخالفُه، ذُكِرَ فيه: "فإنَّ الله يُحب أن يُحْلَف بِه" (٤)، فإنْ صحَّ، أو كان بمثابةِ ما يَسْتَدِلُ به الفُقهاءُ، لَزِمَ القولُ بخلافه؛ إمَّا في نَفْس الأمر، أو إلْزَامًا لَهُمْ. السَّادسة والثَّمانون: إذا كانتِ اليمينُ على فِعْلِ واجبٍ أو تركِ مُحرَّمٍ، فهي يمينٌ بَرّ [ةٌ] غيرُ محرَّمَةٍ، ونصَّ بعضُ فقهاءِ الشَّافعيَّة على أنَّها طاعةٌ (٥)، وفيه بحثٌ؛ لأنَّ الطَّاعةَ امتثالُ الأمرِ، فيلزَمُ مِنْ كونِها

стр. 756

طاعةً أنْ يكون الأمرُ متوجِّهاً بها قبلَ وقوعِها، وأقلُّ درجاتِ الأمرِ النَّدبُ، فيلزم أن يكونَ الإنسانُ مندوبًا إلى اليمينِ على فعلِ الطاعاتِ وتركِ المحرَّماتِ، وهذا بعيدٌ إذا أُخِذَ على الإطْلاقِ، أمَّا إذا حصلتِ الدَّاعية إلى فِعْلِ ممنوعٍ أو تركِ واجبٍ، ولم تتعيَّنِ اليمينُ طريقاً لأداءِ ما يجبُ منَ التَّركِ أو الفعلِ، بلْ كانتْ مُقَرِّبَةً لفعلِ ما يجبُ وتَرْكِ ما يَحْرُمُ، فحينئذٍ يَصِحُّ القولُ بالنُّدْبِيَّةِ فيها، وإنَّما قلتُ: ولم تتعيَّن؛ لأنَّها لو تعيَّنتْ طريقًا تعيَّنَ الوجوبُ فيها (١). السابعة والثَّمانون: إذا حلفَ على فعلِ محظورٍ أو تركِ واجب، فاليمينُ مَعْصيةٌ، وهذا ظاهرٌ؛ لأنّ المختارَ عند جمعٍ من العلماء: أنَّ العزمَ على المعصية ذنبٌ وإثمٌ (٢)، فكيف يكون الحال في تأكيده بالحلف؟! [وما تقدَّمَ من أنّ الطاعة تقتضي تقدُّمَ الأمرِ، ينبغي أن يُنظر فيه، وهل اقتضاؤها (٣) للأمر الخاص، أو ما هو أعمُّ من ذلك؟] (٤). الثامنةُ والثَّمانون: إذا حلفَ على فعل مُستَحَبٍّ؛ كصلاةِ التطوُّع وصدقةِ التَّطُوُّعِ مثلًا، فنفي الكراهة حاصل بما نقلناه فيما تقدَّم،

стр. 757

ولكن النَّظر في كونها مستحبّهً أو طاعةً، وفيه ما قدَّمناه من البحث، وأنّ مقتضى كونِه طاعةً أن يتقدَّمَ الأمرُ بها، ومقتضى ذلك: أنْ يكونَ الإنسانُ مندوبًا إلى أن يحلفَ على فعلِ المستحبَّاتِ [أو ما في] (١) معناها، وفي هذا بُعدٌ، إلاّ أنْ يعرضَ ما يقتضي تركَها وتكون اليمين مقرِّبَة لفعلها، فحينئذٍ يتَّجه القولُ باستحبابِ اليمينِ؛ لما فيها من الحثِّ على فعلِ الطاعةِ. التاسعة والثمانون: حَلَفَ على فعلِ مكروهٍ، فاليمينُ مكروهةٌ؛ لأنَّها وسيلةٌ إلى فعلِ المكروهِ، والتوسُّلُ إلى المكروهِ مكروهٌ، وهذا ظاهر. التُّسعون: هذهِ الأقسامُ التي ذكرناها في حُكْمِ الأيمان على تَقْدِيرِ أنْ يُحْمَلَ إبرارُ القَسَمِ على أن يكون ذا بِرّ، فإن تعيَّن (٢) ذلك، فالطاهرُ أنَّ المرادَ طلبُ أنْ تكونَ اليمينُ حاصلًا فيها البرُّ؛ أي: موجودًا، وقد يراد به: أنّه لا إثمَ فيها، وهو أعمُّ من الأوَّلِ، فإنَّ عَدمَ الإثمِ أعمّ من وجودِ البرِّ. وإذا حملنا الأمرَ على الوجوبِ، فيصيرُ التَّقديرُ: أنَّه يجبُ أن تكونَ اليمين برَّةً؛ أي: طاعةً، فيتعيَّنُ حينئذٍ التّخصيصُ؛ لأنَّ ذلك

стр. 758

[إنما] (١) يكونُ في اليمينِ على الماضي، فإنَّه يجب أن تكونَ صادقةً، والصِّدقُ واجبٌ، فهي متَّصفةٌ بطاعةٍ واجبةٍ، وأمَّا اليمينُ على المستقبل فلا يتأتَّى فيها ذلك، فإنَّ اليمينَ على المستقبلِ؛ إمَّا على فعلِ واجب أو تركِهِ، أو تركِ محرَّمٍ أو فعلِهِ، أو فعلِ مُستَحَبٍّ أو مكروهٍ، أو تركِ مستحَبٍّ أو مكروهٍ (٢)، وكلُّ ذلك لا تكونُ اليمين فيه متَّصفةً بطاعةٍ واجبةٍ؛ لأنَّ أعظمَ الدَّرجاتِ أن يكونَ على تركِ محرَّمٍ أو فعلِ واجبٍ (٣)، ولا تجبُ اليمينُ على شيءٍ منهما عندَ الإطلاق، والمكروهُ لا يتعلَّق به الوجوبُ، وكذلك المستحبُّ لا يتعلق الوجوبُ بفعله، ولا باليمين على فعله، وأمّا وجوب الوفاء عند الحلف على فعلِ الواجب أو تركِ المحرم، فليس مما نحنُ فيه؛ لأنَّا نتكلم على أنه يجب أن تكونَ اليمينُ ذاتَ برّ؛ أي: مشتملة على وجوب، وهذا غير وجوب الوفاء، فاعلمْهُ. أما إذا حملنا كونَها ذاتَ برّ على أنها ليست بمعصية، فلا تخصيصَ؛ لأنهّ لا واحدَ - ولا شيء - من الأيمان إلا ويجب أن لا يكون معصية، وهذا الحمل يكون مجازًا؛ أعني: حملَ كونِها بَرَّة، على أنه لا معصيةَ فيها، إذا كان حملُه على أن يكون طاعةً هو

стр. 759

الحقيقة، وهو الأقرب (١). الحادية والتسعون: الحملُ على أنّ المرادَ بكونها برّةً عدَمُ الإثم فيها، مجازٌ لا يلزم فيه التخصيصُ كما ذكرناه، وحملُه على أن يكونَ طاعة، يلزم فيه التخصيصُ على تقدير الحمل على الوجوب كما ذكرناه من أنه يختص باليمين على الماضي، فمن أراد ترجيحَ أحد المَحْمَلين على الآخر، فهذا موضعُ تعارضِ المجاز والتخصيص، وقد قالوا: إنّ التخصيصَ أولى (٢)، والله أعلم. الثانية والتسعون إلى تمام السابعة: وإذا حملنا إبرارَ القَسَمِ على الوفاء بمقتضى اليمين، وهو الظاهر كما تقدم في المفردات، فما كانت اليمينُ فيه على فعل واجبٌ، فالوفاءُ واجبٌ، والحِنث محرّمٌ، وكذلك ما كان فيه على ترك محرم، وإن كانت على ترك واجب أو فعل محرم، فالوفاء بمقتضى هذه اليمينِ محرّمٌ، وإن كانت على [فعل] (٣) محبوب، فالوفاء مستحبٌّ والمخالفة مكروهةٌ، وإن حلف على ترك محبوبٍ، فالوفاء مكروهٌ [والإقامة عليها مكروهة] (٤)، ويستحبُّ أن يحنّثَ نفسَه.

стр. 760

هذا (١) مقتضى ما ذكره الشافعية - رحمهم الله تعالى -، أو من ذكره منهم (٢)، وهو ظاهر، ويدل على الأخير منه قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢]. والمرادُ بالنهيِ عن اليمين في الآية: النهيُ عن الوفاء بمقتضاها - والله أعلم - إطلاقًا لاسم الابتداء على الدوام، ويُحتَمل أن يكون النّهيُ على ظاهره متناوِلًا للمستقبل، وإذا تحقق النهيُ [عنه] (٣) في المستقبل، كان الأمرُ باختيار الحنث لازمًا من لوازم هذا الأمر، والله أعلم. فهذه ستُّ مسائل تنضاف (٤) على العدد السابق، واعلمْ أن حملَ القَسَم على أن تكون اليمينُ برّةً يحتاج إلى أن تتأمله لتخرِّجَه على القواعدِ النَّحوية. الثامنة والتسعون: حلفَ على مباح؛ كدخول دار، وأكل طعام، ولُبْسِ ثوب، وتَرَك ذلك، فله أن يقيمَ عليه، وله أن يحنّث نفسَه. وأطلق القول في "التهذيب" المالكي فقال في يمين الرجل: والله

стр. 761

لأفعلنّ، ووالله لا فعلتُ: أنه إن رأى الحنثَ أفضل، حنَّث نفسَه (١). وفي الأَولى في صورة الحلف على المباح أوجه للشافعية ﵏: الأول: أن الوفاء أولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]؛ لما (٢) فيه من تعظيم اسم الله تعالى. والثاني: الحنثُ أولى؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]، ولينتفعَ المساكينُ بإخراج الكفارة. والثالث: أنه مخيَّرٌ بين الوفاء والحنث ولا ترجيح، كما قيل [في] اليمين (٣). والذي يقتضيه اللفظُ في الحديث أن يُحمل على كل وفاء، ويخرج عنه ما تعيَّن إخراجُه؛ كاليمين على فعل الممنوع وترك الواجب، وكذلك يخرج منه اليمين على فعل المكروه، ويبقى اليمينُ على فعل المستحب وترك المكروه، وعلى المباح، إلا أن يقومَ دليلٌ خارج عن هذا العموم، فيصار إليه، والله أعلم. التاسعة والتسعون: حلف لا يأكلُ طيبًا ولا يلبسُ ناعمًا، اختلف فيه الشافعية رحمهم الله تعالى:

стр. 762

فقيل: اليمينُ مكروهةٌ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وهذا اختيار أبي حامد منهم. وقيل: اليمين طاعةٌ، لاختيارِ السلف خشونةَ العيش، وهذا اختيار أبي الطَّيب. وقيل: يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس وقصودهم وفراغِهم للعبادة، ولتمتعاتهم (١) بالضيق والسعة (٢). وينبني على كونِها مكروهةً استحبابُ الحنثِ وعدمِ الوفاء، وعكسُه على كونِها طاعةً، ويقتضي لفظُ الحديث الوفاءَ، إلا أن المعارض في هذه الصورة قذ يقوى بالتسبب (٣) إلى ذلك العمومِ. والأصحُّ عندي - مع اعتبار القصد -: أن لا يخرجَ الفعلُ إلى التنطُّعِ والتشديد والتشبُّه بأفعال المترهبين (٤)، والخروج عن سيرة السلف، وحينئذٍ أقدّمُ المعارضَ في هذه الصورة على العموم لقوته، والله أعلم.

стр. 763

المُوفِيّة (١) المئة: قد ذكر في الحديث (٢): "إبرار المقسم" على ما (٣) ذكره من الترديد (٤)، وهو محمول على أن يجعلَ يمينَه بَارّةً؛ أي: لا يحنث (٥) فيها، وله صور: منها: أن يحلفَ عليه إنسانٌ: ليفعلنَّ كذا، أو لا يفعلنّ كذا، فإبرارُ يمينه أن يوافقَ مقتضاها، ولا يحنثه، وهذا يختلف الحكم فيه بحسب حكم تلك اليمين: فإن كانت يمينًا على فعلِ محرم أو تركِ واجب، فلا شكّ في تحريمِ إبرارِ قسمِهِ. وإن كانت على فعلِ واجب أو تركِ محرم، فلا شكّ في وجوب إبرار قسمه، لا من جهةِ اليمين، بل بأصل الشَّرع. وإن كانت على فعل مستحبٍّ، فالإبرار مستحبٌ، وكذلك على تركِ المكروهِ. وإن كانت على ترك مستحبٍ أو فعلٍ مكروه، فالإبرارُ مكروهٌ، [و] (٦) هذا ما تقتضيه الأصول المتقدِّمةُ.

стр. 764

وإن كانت على فعل مباح أو تركه، فالأقرب أن يكون الإبرارُ مستحبًا؛ لدخوله تحت اللفظ حيث يقول: إنّ إبرارَ يمينِ المُقْسِم مستحبٌ، فمن مصلحته سلامةُ المقسم عن غرامة كفارة اليمين إذا كان قد بتّ اليمين، و [قد] (١) تعارضه مصلحةُ انتفاع المساكين بالكفارة على تقدير عدم الإبرار لقَسَم الحالف، وقد تُقَدَّمُ مصلَحةُ سلامته عن غرامة الكفارة على مصلحةِ انتفاع المساكين بها، كما يَقتضيه ظاهرُ لفظِ الحديث، كما (٢) ذكرناه. فلك أن تسأل: لِم قُدّمَتْ مصلحةُ سلامةِ الحالف على مصلحة انتفاع المساكين؟ فيمكن أن يقالَ فيه: إن المصلحتين لو تساوتا بحيث لا يظهرُ الترجيحُ بينهما، لكان في جانب المُقْسِم مصلحةٌ أخرى، وهو الإحسان إليه بفعل ما تعلق غرضُه به، وأكّد اليمينَ عليه، وفي تحنيثه إيحاشٌ له ومعاندةٌ في فعل مقصوده، وذلك أمر زائد على إلزامه غرامةَ الكفارة. ووجهٌ ثانٍ: وهو أنّ في إبرار يمينه مع سلامته من غرامته (٣) الكفارة أمرٌ زائد، وهو تعظيمُ اسمِ الله تعالى بالوفاء بما أكد وجودَه به، فإذا تقابلت مصلحةُ المقسم ومصلحةُ المساكين، ترجح هذا

стр. 765

الجانبُ بهذا الوجه، وهو تعظيم اسم الله تعالى. ووجهٌ ثالث: وهو أن المساكينَ غيرُ معيَّنين، فعلى تقدير إبرار القسم، لا يلحق الضررُ بفرد معين منهم، بل قد لا يُعلَمُ أحدٌ منهم، فتتعلق أطماعُه بالكفارة، وأما تحنيثُ الحالف (١) فضررٌ لاحقٌ به بعينه، والضرر الذي لا يتعين من يلحقه أخفُّ من الضررِ الذي يلحق المتعين (٢)، والله أعلم. الحادية بعد المئة: إبرارُ المقسم أعمُّ من مقسمٍ تلزمُه الكفارةُ بحنثه، ومقسمٍ لا تلزمُه الكفارةُ بحنثه، كالصبيِّ مثلًا؛ فإذا حلف الصبيُّ على غيره: ليفعلنَّ كذا، فهل يستحب أن يُوفِيَ بمقتضى يمينه؟ لا شكَّ أن اسمَ المُقْسِمِ يتناولُه لغةً، [و] (٣) لكنه قَسَمٌ لا تتعلق به الكفارةُ، وليس يلزم من كونه قسمًا لا تتعلق به الكفارةُ أن لا يكونَ قسمًا، واعتبارُ لزوم الكفارةِ يقتضي أنّ العلةَ في إبرار المُقْسِم صيانتُه عن غُرم الكفارة، فإذا انتفت هذه العلةُ انتفى الأمرُ بإبرار المُقْسِم، لكن ليس في اللفظ إيماءٌ إلى هذا التعليل، ولا تنبيهٌ عليه، وإنما هو مجردُ مناسبةٍ، وهي مُزاحَمَةٌ بغيرها (٤)، ونحن نذكر ما قلنا من

стр. 766

مناسبات (١) في ذلك: أحدها: سلامةُ المقسم من لزوم الكفارة. والثانية: تعظيمُ اسمِ الله تعالى بموافقة مقتضى اليمين به. والثالثة: الإحسانُ إلى المقسم بموافقة غرضه، ومتابعتِه على مقصودِه، وعدمِ إيحاش نفسه بالمخالفة. فأما الأولى: فمنتفية في حقِّ من لا تلزمه الكفارةُ بالحنث. وأما الثانية: فموجودةٌ في حق من تلزمه الكفارةُ ومن لا تلزمه. وأما الثالثة: فإذا كان الإحسان موجودًا في حقّ من تلزمه الكفارة ومن لا تلزمه، والإحسان أمرٌ مطلوب شرعًا بالنسبة إلى سائر المسلمين، والله يحبُّ المحسنين، واللفظ بعمومه يتناولُ (٢) الصبيَّ، فلا مانعَ من استحباب الموافقة. الثانية بعد المئة إلى تمام السادسة: [الثانية بعد المئة]: هذا الذي قدَّمناه إذا تحققتِ اليمينُ من المخاطب، وقد يصدرُ منه ما لا يكون مقتضاه اليمين، أو يحتملُ أن لا يكونَ كذلك، فإن (٣) قال: أُقسم عليك بالله، أو أقسمتُ عليك، أو أسألُك بالله لتفعلنّ، قال أصحابُ الشافعيِّ - رحمة الله عليهم - أو من

стр. 767

قال ذلك منهم: إتَّه إِنْ قصدَ به المناشدةَ؛ ليُقرِّبها (١) للغرض، لم تكن يمينًا. قلت: وإن لم تكن يمينًا، فلا يبعدُ أن تندرجَ تحتَ إبرارِ المقسم القائل: أقسمتُ عليك، أو أُقسم عليك، حتى يُؤمَر أنْ يوافِقَه المخاطَبُ في مقتضى كلامِهِ. [الثالثة بعد المئة]: قال: وإن قصدَ القائلُ عقدَ اليمين عليه، لم يكن ذلك يمينًا لا في حقِّه ولا في حقِّ القائل؛ أمّا في حقه فلأنَّه لم يوجد منه لفظ ولا قصد، وأمّا في حق القائل فإنَّ (٢) اللفظ ليس صريحًا في القسم، وهو قصدَ اليمينَ على غيره لا على نفسه. [الرابعة بعد المئة]: قال: وإن قصدَ عقدَ اليمين على نفسِهِ كان يمينًا كأنه قال: أسألُك، ثم حَلَف أنَّه يفعل، والإنسان قد يحلف على فعلِ نفسِهِ، وقد يحلف على فعلِ غيرِه. قال الرافعيُّ ﵀: وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ وجهٌ عن ابن أبي هريرةَ ﵏: أن (٣) لا يكون يمينًا وإن قصده، وهو بعيد (٤). [الخامسة بعد المئة]: قال: قال في "التهذيب": ويُستحبّ

стр. 768

للمخاطَبِ إبرارُه في قسمه (١)، لما روي عن البراء بن عازب ﵁: أنَّ النّبيَّ ﷺ أمرَ بسبعٍ؛ قلت: وذكر في الحديث: "إبرار المقسم"، من غيرِ تردُّدٍ وقال: "ونصرُ المظلومِ من الظَّالمِ". قلت: اندراجُه تحتَ الحديثِ بعد صحة كونه مقسمًا لا إشكالَ فيه. [السادسة بعد المئة]: قال الرافعيُّ: وإن أطلقَ ولم يقصد شيئاً فهو محمول على المناشدة (٢). السابعة بعد المئة: الرواية التي أوردناها في الأصل فيها تردُّدٌ كما قدمناه بين إبرار القَسَم وإبرارِ المُقْسِم، فإنْ كان الواقعُ إبرارَ القسم: فهو متناولٌ لليمين التي يقسم بها الحالف، ولليمين التي يحلِفُ عليه بها، وكلاهما داخلٌ تحتَ اللفظِ، ولا مانعَ من الحمل عليهما. وإن كان الواقعُ إبرارَ المقسم: فهو متناولٌ لليمين التي يُقسم بها الغيرُ على الإنسان، ولا يتناول يمينَ الحالفِ نفسه إلا على بُعْدِ بَعيد، ووجهُ تناولِه: أنَّ التقدير: إبرارُ يمين المقسم، والحالفُ مقسمٌ.

стр. 769

الثامنة بعد المئة: نذرُ اللَّجاجِ والغضبِ، وهو ما يُقصَدُ به حثٌّ على فعلِ أو منعِ منه، فيه عند الشافعية ﵏ أقوالٌ: وجوبُ الوفاء بما التزم، وكفارةُ يمين، والتخييرُ بينهما (١)، ومذهب مالك هو الأول (٢). وهذا القدر قد يطلق عليه يمين اللَّجاج، والغضب، ويمين الغَلَق، فقد يجري هذا الإطلاقُ على ظاهره، ويُستدلُّ على وجوب الوفاء بالحديث المذكور، وهذا لا يصحُّ؛ لأن إطلاقَ اليمين عليه مجاز من مجاز التشبيه؛ لأنَّ هذا النذرَ يشبهُ اليمينَ من حيث إنَّ مقصودَه الحثُّ أو المنعُ، وقوله ﷺ : "كفّارةُ النَّذر كفَّارةُ اليمين" (٣)، أو "كفارةُ نذرٍ كفارةُ يمينٍ" (٤)، لا يلزمُ منه أن يكونَ يمينًا، وإنما فيه تنزيلُهُ منزلةَ اليمينِ في الكفارة.

стр. 770

وإنما ذكرنا هذا دفعًا لِمَا عَسَاه [أن] (١) يقعَ [من] (٢) الغَلَطِ، فقد سقط بعضُ المشهورين في مثل هذا من عَلُ، فاعتقد فيمن جعل على نفسِهِ المشيَ إلى مكة، أو فيمن حنثَ فيها: أنه لا يلزمُه [شيء] (٣)؛ للدليل الدال على منع اليمين بغير الله تعالى، وكأنه أوقعه في ذلك إطلاقُ الفقهاءِ قولَهم: إذا حلف بالمشي إلى مكة، وهذا مجازٌ منهم؛ فأما جعلُهُ على نفسه المشيَ إلى مكة فنذرٌ، وإن علَّقه بشيء فهو تعليق لا يمين، وأمّا اليمين التي لا تلزم، [فأن] (٤) يقول: والمشي إلى مكة لا فعلتُ، أو لأفعلنًّ، فهذا لا يلزمه شيءٌ للدليل المذكور. التاسعة بعد المئة: إذا أردنَا أن نجعلَ إبرارَ القسم متناولًا لجعله ذا برٍّ وللوفاء بمقتضاه معًا، فهو من حملِ اللفظ على معنيين مختلفين، وإن أمكنَ أن يُجعلَ لقدرٍ مشتركٍ ينطلق عليهما، خرجَ عن ذلك. العاشرة بعد المئة: نصرُ المظلوم من باب إنكار المنكر، وهو من فروض الكفايات كما مرَّ فى التقاسيم التي أوردناها، وقد تكررتِ الأحاديثُ وكثرت؛ أعني: في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا خلافَ في الوجوب، وهو من فروض الكفايات؛ لأنَّ المقصودَ زوالُ المفسدة، وذلك يتأدَّى بفعل البعض. الحادية عشرة بعد المئة: إذا ثبت أنّه فرضُ كفاية، فهل دخلة تخصيصٌ بالنسبة إلى المخاطَبِين؟

стр. 771

هذا يُبتنى [على] (١) أن فرض الكفاية على بعضٍ منهم، أو على الجميع، ويسقط بفعل البعض؛ فعلى القولِ الأول: يلزم التخصيصُ لدلالة اللفظ -[الذي هو "أمرنا"] (٢) - على التعميم، وعلى القول الثاني: لا يلزم، والله أعلم. الثانية عشرة بعد المئة: لا يشترط في مُنكِر المُنْكَر أن يكون عَدْلًا، حتى يجب على متعاطي الكأس أن يوجِّهَ الإنكارَ إلى الجُلًاس؛ لأن النَّهيَ عن المنكر واجبٌ، وتركَ ارتكاب المحرم واجبٌ، والإخلال بأحد الواجبين لا يمنعُ من وجوب الفعلِ الآخر. ونُقل عن بعضهم: أنه ليس للعاصي أن يأمرَ بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالاً بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، ذكره في مَعْرِضِ الذنب، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وربما شنَّع على القائلين بما ذكرناه، بأنه يلزم عليه أنَّ الزاني بالمرأة ينكر عليها كشفَ وجهها (٣). وجوابُه: أن الجمع بين الأمر بالبرِّ ونسيانِ النفس، وردَ لبيان زيادة القُبْح وتعظيم ما ارتكبوه، لا أنه يشترط في الإنكار عدمَ نسيانِ

стр. 772

الأنفس، وأما التشنيعُ بالصورة المذكورة فيلزمه (١) للدليل المذكور. إذا ثَبَت هذا، فهل يُؤخذ هذا الحكمُ من الحديث؟ فيه نظرٌ، تُقدَّم عليه مسألة (٢) نذكرها الآن. الثالثة عشرة بعد المئة: في قاعدة الخطاب مع الموجودين في زمن النّبي ﷺ ، لا يتناول مَنْ بعدَهم إلا بدليل منفصلٍ، هكذا عبّر بعضُ الأصوليين عن هذه المسألة (٣)، وذكر بعضُهم أخصَّ من هذه العبارة، وفَرَضَ المسألةَ في نحو: (﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، والمنسوبُ إلى الحنابلة التعميمُ (٤). وقال بعض المتأخرين: مسمَّيات الألفاظ لها حالتان: تارةً تكون محكومًا بها نحو: زيدٌ قائمٌ، أو مخاطبةً بخطاب المواجهة نحو: يا زيد ويا عمرو. وتارةً تكون متعلق الحكم، نحو: اصحبِ العلماءَ. فالمسميّات في الحالة الأولى يجب أن تكون موجودةً حالةَ

стр. 773

الحكمِ والخطابِ، فإنَّ القضاءَ بالحقيقة (١) في الخارج فرعُ وجودها، [وكذلك التكلم معها ونداؤها] (٢). وفي الحالة الثانية: لا تجبُ أن تكونَ موجودة في الخارج، بل اللفظُ حقيقةٌ فيما وُجِدَ وسيُوجد منها، كقول الوالد لولده: اصحبِ العلماءَ، لا فرق فيه بين من كان عالمًا قبل الخطاب ومن سيصير عالمًا بعد ذلك، وكذلك: اقطعوا السارق، وحُدُّوا الزُّناة، واقتلوا المشركين، والله تعالى أعلم (٣).

стр. 774

الرابعة عشرة بعد المئة: [ هل يترتب على هذه القاعدة حكمٌ في] (١) قول البراء ﵁: أمرنا رسولُ الله ﷺ بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ؟ هل يقتضي أن [يكون] (٢) ذلك الأمرُ خطابَ مواجهةٍ (٣) حتى ينبنيَ على هذه المسألة السابقةِ ويدخلَ تحتَها؟ قد يسبق إلى الفهم ذلك، [و] (٤) لكنه غيرُ متعيِّنٍ له؛ لأنه يصحُّ أن يُقالَ: أمرنا، بطريق خطاب المواجهة، وأن يكون (٥) الصادر من النَّبي ﷺ أمرًا يتناولهم لا بطريق خطاب المواجهة. فلو قال قائل - بسبب سَبق الفهم الذي قدمناه -: إنْ بنينا على أنَّ خطابَ المواجهة [لا] يخصُّ المخاطَبين إلا بدليلٍ من خارج، والخطابُ هاهنا مع الموجودين من الصحابة، فلا يتناولُ غيرَهم، على ما عُرِفَ عند الأصوليين من عدالة جميعهم، ولا يكون اللفظُ متناولًا لمن ليس بعدل بطريق العموم، وإن بنينا على العموم أمكنَ ذلك؛ لأنَّ الخطاب على هذا التقدير يتناولُ العدلَ وغيرَه، ويحتاج على المذهب الأول في تناوله غير العدل إلى دليل منفصل يقتضي دخولَ غيرِ المخاطبين ممن لا يتَّصفُ بوصفهم، وهو العدالة، أو دليلٍ

стр. 775

يقتضي أنَّ وصفَ العدالة في هذا الخطاب غيرُ معتبر، وحينئذ يعمّ؛ لوجوب الاستواء في الأحكام بين المخاطبين وغيرِهم اتفاقًا. فهذا إن قاله قائل بعد وجود دليل يدل على أن الأمر بطريق المخاطبة، فهو متوجِّهٌ أو قريبٌ، وفيه بحث (١). الخامسة عشرة بعد المئة: اشترطَ بعضُهم في الإنكار بالوعظ عدمَ الفسق بالنسبة إلى [من] (٢) يُعرف فِسقُه؛ لأنه لا يتَّعظ، فأما الحِسْبةُ العامةُ فلا يُشرَط فيها ذلك (٣). السادسة عشرة بعد المئة: عمومُ الخطاب بالنسبة للمكلفين (٤) يدلُّ على عدم الافتقار إلى إذن الإمام في ذلك، وإلا خرج عن العموم من لم ياذن له الإمامُ، ونُقل عن الروافض - أو بعضِهم - المخالفةُ في هذا، وأنه لا يجوزُ إلا بإذن الإمام العدلِ؛ أي: لا يجوز الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر إلا بإذنه أو نائبه (٥)، [وهو باطلٌ
следующие страницы →