← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الأولى بعد المئتين: من أعظم نصرةُ المظلومين فِكاكُ الأسرى (١) المسلمين من أيدي العدو؛ إما بالجهاد أو بالفداء، وقد أَعْظَمَ العلماءُ ذلك، وإنه لعظيمٌ. فعند الشافعية وجه: أنه كدخول الكفار بلاد الإسلام (٢)، فعلى هذا يصيرُ الجهادُ فرضَ عين، ويجبُ النَّفيرُ العام، وينحلُّ حَجْر السادة على الأرقاء، على الوجه الذي فُصِّلَ في مسألة نزول الكفار بلاد الإسلام. وروى أَشْهَبُ عن مالك أنه قال: ويجب على المسلمين فِداءُ أُساراهم بما قدروا عليه، كما يجب عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم. وقال أَصْبَغ، عن أشهب، عن مالك: وإن لم يقدروا إلا على فدائه بكل ما يملكون، فذلك عليهم (٣). الثانية بعد المئتين: قتال الكافر للمسلم ظلم، فإذا تبارز كافر ومسلم فخيف على المسلم، فهل يُعان؟ اختلفوا فيه؛ فأجاز الشافعيةُ ﵏ قتلَ الكافر إذا لم يكن شرطَ الكفَّ عنه (٤).

стр. 807

وأمّا المالكية فاختلف قولُ سُحْنُون: إذا بارز مشركاً فخيف عليه، هل يُعان؛ فقال: لا يُعانُ، وقال: لا بأس أن يُعانَ (١)، ولا يقتل الكافر؛ لأن مبارزته كالعهد أن لا يقتلَه إلا واحدٌ. وذكره (٢) ابنُ حبيب أيضًا الخلافَ، وقال (٣): لا بأس أن يُعضد إذا خِيْفَ عليه الغلبة، وقيل: لا يُعْضَد؛ لأنه لم يُوفِ بالشَّرطِ. قال: ولا يعجبنا (٤)؛ لأن العِلْج إذا أَسرَهُ فحقٌّ علينا أن نستنقذَهُ إذا قدرنا (٥) (٦). وقد ضرب شيبة رِجْل عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في المبارزة فقطعها (٧)، فكرَّ عليه حمزةُ وعليٌّ فاستنقذاه من يده (٨). الثالثة بعد المئتين: إذا بارزَ المسلمُ الكافرَ، وشرَطَ الكافرُ الكفَّ

стр. 808

عنه إلى انفصال القتال، فأثُخِنَ المسلمُ، فقد انقضى القتال، فيُمنع منه، هذا مقتضى كلامِ بعضِ مصنفي الشافعية ﵏ (١). الرابعة بعد المئتين: قال سُحْنُون: ولو أنَّ ثلاثة أو (٢) أربعة بارزوا مثلَهم، جاز معونةُ بعضِهم بعضًا، مثل أن يفرُغَ أحدُهم من صاحبه من الكفار، فلا بأس أن يعينَ أصحابَه، ودليلُه: ما ذُكِرَ في مبارزة الثلاثةِ [الثلاثةَ] (٣) يوم بدر (٤). الخامسة بعد المئتين: المماثَلةُ التي يعتبرها مالك والشافعي ﵄ في القصاص، وكيفيَّته (٥) أن يُفعَل في الجاني ما فَعل بالمَجني عليه (٦)، ويخالفهم فيها أبو حنيفة ﵁ فلا يرى القَوَدَ إلا بالسيف (٧)، ويمكن (٨) أن يستدِلَّ بالحديث على رعايتها بأن يقال: الألمُ الحاصل ببعض (٩) تلك الصفات فوقَ الألمِ الحاصل

стр. 809

[بالقود بالسيف، فما أنزله القاتلُ بالمقتول من الألم الزائد ظلمٌ للمقتول، فإذا أنزل به ما يقابله في جرأته فقد نصر فيه] (١). والمخالف إمّا أن يَمنعَ عدمَ النصرة بعد القتل بالسيف، أو يقيم دليلاً على اعتبار القدر الزائد، ويدخل تحت هذه القاعدة مسائلُ. السادسة بعد المئتين: اختلفوا على [الجناية على] (٢) العبد فيما دون النفس، على مذاهب: أحدها: أرشُ ما نَقَصَ من قيمته فقط، وربما عُبِّر عن القيمة بالثمن، فقيل: ما نقص من ثمنه، وهذا مروي عن الحسن (٣)، [ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهْري: أن رجالاً من [العلماء] (٤) ليقولون: العبيد والإماء [سلع] (٥) يبلغ فينظر ما نقص ذلك من أثمانهم (٦)، وهذا مذهب الظاهرية] (٧) (٨).

стр. 810

وثانيها: أن خَراجَ العبدِ من قيمته كخراج الحرِّ من ديته، فعلى هذا في كل واحد من عينه ويده ورجله نصفُ قيمته، ورُوي هذا عن عمر ﵁ من طريق عبد الرزاق، عن ابن جُرَيج، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: وعَقْلُ (١) العبد في ثمنه كعقل الحر في ديته (٢). ورُوي أيضًا عن علي بن أبي طالب ﵁ (٣). [و] (٤) الروايةُ عن عمر منقطعةٌ فيما بين عمر بن عبد العزيز وعمر ابن الخطاب ﵄؛ إذ لم يلْقَه (٥)، ولعلّه اشْتُهِر عندهُ (٦) فنقله. ومن طريق عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن سعيد بن المُسَيِّب قال: جِراحاتُ العبيد في أثمانهم بقدر جِراحات الأحرارِ في دِيَاتِهم (٧).

стр. 811

قال بعضُهم (١): وهو قول الشَّعْبي والنَّخَعِيّ وعمرَ بن عبد العزيز والشافعي وسفيان الثَّوري والحسن بن حي (٢) وشُرَيْح، إلا أنَّ الحسن قال: إنْ بَلغ فيه جميعَ القيمة لم يكن له إلا أن يسلِّمَه ويأخذَ قيمَتَه، أو يأخذَ ما نقصه (٣). وثالثها: مذهب مالك رحمه الله تعالى: أن الواجب في جراحه (٤) ما نقصه بعد بُرْئه إلا في أربع جراحات: المُوضحة (٥) والمَأْمُومة (٦) والجَائِفَة (٧) والمُنَقِّلة (٨)، فإن الواجبَ فيها من قيمته (٩) بمنزلتهنَّ من دية الحر، هذا هو المعروف من مذهبه (١٠).

стр. 812

وقد رويَ عن مالك فيما حكى ابنُ حزم: إذا قطع يدي (١) عبد أو فَقَأَ عينَه، أُعتق عليه، وغَرِم قيمتَه كاملةً لسيده (٢)، وهذه المسألة إحدى المسائل التي اختارها المُزَنيّ للرد على مالك فيها، وهي (٣) ثلاثون مسألةً جمعها في كتاب، وأجابه عنه من المالكية أبو بكر الأَبْهَري (٤) وأبو محمد عبد الوهاب القاضي (٥) رحمهم الله تعالى. ورابعها: أن جِراحَ العبدِ في قيمته كجراح الحرِّ في ديته إلا أن تبلغَ قيمةُ العبدِ عشرةَ آلاف درهمٍ فصاعدًا، أو تبلغَ قيمةُ الأمَةِ خمسةَ آلافِ في رهمٍ فصاعدًا، فلا يبلغُ بأرش تلك (٦) الجراحة مقدارها من دية الحرِّ أو الحرة، لكن يحطُّ من ذلك [قيمتَها] (٧) وحصتها من عشرة دراهم في العبد، وحصتها من خمسة دراهم في الأمة، إلا أن يكون

стр. 813

قطعَ أذناً فَبرِأ، أو نتفَ حاجبًا فَبرِأَ، ولم ينبت، فليس فيه إلا ما نقصه، وهذا محكيٌ عن أبي حنيفةَ رحمة الله عليه. فإن بلغ من الجناية على العبد ما لو جنى على حرٍّ لوجب فيه الديةُ كلُّها، فليس له إلا إمساكُهُ كما هو، ولا شيء له، أو إسلامُه إلى الجاني، وأخذ جميع قيمته، ما لم تبلغْ عشرةَ آلافِ درهمٍ فصاعدًا، فليس له إلا عشرةُ آلافِ درهم غيرَ عشرةِ دراهم، وفي الأمةِ نصفُ ذلك، وقد نُقل في المسألة غيرُ هذه الأقاويل التي ذكرناها (١). أما القول الأول - وهو تضمين الجراحات بما نقص من القيمة مطلقًا - فظاهر، وطريقُ الاستدلالِ عليه من الحديث أن يقالَ: قد عُلِمَ جزمًا أن مقصودَ التضمين في الجنايات على الأموال جبرُ ما فات على المالك بالجناية، والجبرُ يقتضي (٢) المماثلةَ والمساواةَ، فما نقص أو زاد فهو ظلم؛ إما للمالك أو للجاني، فحينئذ نقول: لو كانت جراحُ العبدِ من قيمته كجراح الحرِّ من ديته، لزم إما الظلم للمالك أو الجاني. بيانُ الملازمة: أنه إذا لو قَطعَ يدَ عبدٍ يساوي مئةً (٣)، فنقَصَ من قيمته ثلاثون، فإيجابُ الخمسين مع حصول الجبر بثلاثين ظلمٌ

стр. 814

للجاني، ولو نقص من قيمته ستون، فالاكتفاء بخمسين في جبر ما نقص على المالك ظلم له، وإذا كان ظلمًا وَجَبَ أن يُمنعَ بالنص، وهو الأمر بنصر المظلوم، وهذا قياس جليٌّ جدًا، فالقاعدةُ - وهي أن المقصودَ بالضمان جبرُ المالية الفائتة على المالك - معلومةٌ جزمًا (١)، فلا ينبغي أن يُخرَجَ عن هذا إلا بمانع من النصوص يمنع منه. وابن حزم يدَّعي أن [قولَ] (٢) من قال: جراح العبد في قيمته كجراح الحر في ديته قولٌ لا دليلَ عليه، لا من قرآن ولا من سُنَّة [ولا من رواية] (٣) فاسدة (٤). [قلت] (٥): وأما الأقيسة الشَّبْهِية، ورَدُّ هذا القياس الجلي بها، فمشكل. السابعة بعد المئتين إلى تَمامِ العاشرةِ بعدَها: قدْ ذكرنا الحكم (٦) في تحاكُم المسلمِ والذمّي إلى حاكم المسلمين، وأنه يجب دفعًا للظلم، وهذا عند الشافعية. أما تحاكم الذمي مع أهل دينه، ففي وجوب الحكم بينهما قولان

стр. 815

عند الشافعية، الصحيحُ الوجوب. وإن كان ملة أخرى ففيه طريقان: منهم من خرَّجه على القولين، وقطع الجمهورُ بوجوب الحكم، فإنهما لا يجتمعان على حاكم واحد، فيستمر خصامُهما في دار الإسلام. وأهل العهد إذا كانت خصومتُهم مع المسلمين وجب الحكم، وإن اتحدت ملَّتُهم لم يجب الحكم اتفاقًا، نقله بعضُ مصنفي الشافعية ﵏، وإن اختلفت ملَّتُهم، فقيل: يُلْحَقُ باختلاف ملَّة الذميين، وإنما لم يوجب الحكم بين المعاهدين إذا اتفقت ملتهم بناءً على أنَّا إنما التزمنا الكفّ عنهم دون الذَّبِّ والسياسة. وهذا مأخذ غيرُ ما نحن فيه، فإنَّا إنما ننظر بالنسبة إلى الظلم ووجوب النصرة فيه، لا بالنسبة إلى مآخذ أُخرَ، وهذه أربع مسائل للبحث فيها مدخلٌ بالنسبة إلى الظلم و [وجوب] (١) النصرة، تنبني على مسألة نذكرها، وهي في محل النظر. الحادية عشرة بعد المئتين: [ هل] (٢) يُوصَفُ مالُ الكافرِ على الكافر بالحرمة بناءً على القول بأنهم مخاطَبون بالفروع؟

стр. 816

فقد قالوا في الأصول: إنّ المسألة معناها أنهم يُعاقَبون عليها في الدار الآخرة (١)، وهذا ممَّا لا يثبت بالعقل وإنما يثبت بالنقل، فإن وُجِدَ دليل يدل عليه فقد ثبتت (٢) الحرمة، وترتب عليها الظلم، وترتب عليها وجوب النصرة في المسائل المذكورة، وإن لم يقم دليل عليه، فسبب وجوب الحكم بين المسلم والذمي أنَّ ظلم المسلم للذمي وبالعكس حرام، والأول بمقتضى العهد، والثاني بمقتضى الدين. وأما في مسألة حكم الذميين أو المعاهدين، فهو يبنى على ما قلناه من أن مالَ الكافرِ على الكافر حرام، أم لا؟ فإن قيل به، دخل في نصرة المظلوم، وإن لم يُقَلْ به، خرج منه (٣) ما إذا جاء الحربيُّ لأجل مال الذميّ؛ لأنه لا يكون حينئذٍ من باب الظلم، ويكون عن الذمي من باب الوفاء بمقتضى الذمّة، وبهذا ينظر ما في المسائل المذكورة، وقد يُستدلُّ على أنه ليس من باب الظلم بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، فإنه لو كان ظلمًا لزمه التخصيصُ في نصرة المظلوم، ومخالفة القاعدة الكلية التي فُهمتْ من الشرع في دفع

стр. 817

الظلم وإزالة البغي والفساد في الأرض مع التمكن من إزالته، والله لا يُحِبُّ الفساد. وقد يُستدَلُّ على أنه منه بقوله ﷺ حكايةً عن الله تعالى: "يا عبادي إنيّ حَرَّمْتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلْتُهُ بينكم مُحَرَّمًا، [فلا تظالموا] (١) " (٢)، وهو عامٌّ في جميع العباد، فيدخل فيه ظلمُ الكافرِ للكافر، إذا حمل الظلمُ على الظلمِ العرفيِّ، لا على الظُّلم الشرعيِّ، فإنَّه إنْ حُمل عليه فقد يمنع كونه ظلمًا، وأنه يدخل تحت النص، فتتبَّعِ الأدلةَ في هذه المقدمة فعليها تنبني (٣) المسائلُ المذكورة. * القول في الموانع من النصرة، وما يتوهَّمُ كونُه مانعًا واختلف فيه، وفيه مسائلُ نُورِدُها على سياق العدد السابق [إلى الثالثة والثلاثين بعد المئتين] (٤): الثانية عشرة بعد المئتين: قد يتحقق كونُ الشيء ظلمًا لكونه إضرارًا بالغير محرمًا، ويمتنع فيه بعضُ النصرة لمانع، ومنه امتناع القِصاص في جناية العَمْد عمَّنْ لا يكافئ الجاني، كجناية المسلم

стр. 818

على الذميّ، وجناية الحرِّ على العبد عند من لا يرى القصاصَ فيه، وجنايةِ الأب على ولده؛ إمَّا مطلقًا عند من يراه، وإما حيثُ يُتفق عليه، فإنه ظلمٌ قطعًا، وامتنعتِ النصرة بإيجاب القصاص، ولم يمتنعْ مطلقُ النصرة، ولتعرض ذلك في الجناية على الطّرَف؛ لما أشرنا إليه من أن دخولِ الجناية تحت هذا المعنى فيه نظر، وإذا وجب البدلُ في الجناية فلم تعْدُه النصرةُ. الثالثة عشرة بعد المئتين: فإن قلتَ: فهل (١) يلزم في مثل هذا تخصيصُ العمومِ في وجوب النصرة، أم لا؟ قلتُ: لا يبعُد أن يُبنى [على] (٢) أنَّ موجبَ العمد ماذا؟ فإن قلنا: إن موجبَه القودُ عينًا، فها هنا امتنعتِ النصرةُ الواجبةُ للمجني عليه لمعارضٍ، فيلزم التخصيصُ. وإن قلنا: إن موجبَ العمدِ أحدُ الشيئين، إما القصاصُ أو الدِّيةُ، فلا تخصيص. الرابعة عشرة بعد المئتين: وكذلك يلزم التخصيصُ في كيفية المماثَلَة التي يعتبرها مالكٌ والشافعيُّ - رحمهما الله تعالى - في القصاص إذا ثبت لقيام المانع من بعضها، كالقتل باللِّياطَة، واتِّجار الخمر، والأفعال المحرمة.

стр. 819

الخامسة عشرة بعد المئتين: كلُّ عمد من الجنايات أُسقِطَ القصاصُ فيه بالشبهة التي لا ترجع إلى اعتقاد الحلّ، كشريك الخاطئ، وشريك الأب عند من يرى ذلك، فهو ظلم لتحريمه، ولا يجب نصرُه عند ذلك (١) القائلِ بالقصاصِ، وفيه البحثُ المتقدم (٢). وإنما قلت: بالشبهة التي لا ترجع إلى اعتقاد الحلّ؛ لأن اعتقادَ الحلِّ قد ينفي التحريمَ عن مُعتقِد، فلا يكون ظلمًا، وإنْ أوجبنا الضمانَ، فالضمانُ لا يتوقف على الظلم. السادسة عشرة بعد المئتين: قد تتوقف نُصرة المظلوم على شرط يراه بعضُ العلماء، كما يُقالُ في حقوق الآدميين: إنها تتوقف على استدعاء المدّعي، فإذا ثبت ذلك فهذا تخصيصٌ آخرُ. السابعة عشرة بعد المئتين: باع عبدين من رجلٍ دلَّس بعيب في أحدِهما، ففي جواز إفرادِهِ بالردّ خلافٌ، وعند الشافعية قولان (٣)، فيمكن أن يُستَدلَّ على تمكينه بأن البائعَ ظالمٌ بتدليسه عليه، فتمكينه من الرد عليه نصرٌ للمظلوم، والمانعُ من ذلك يراعي حقَّ البائعِ بتبعيض الصفقة عليه، وهذا يكسِرُ شوكةَ القولِ بتغريمِ الغاصبِ

стр. 820

[من] (١) ماله إذا جَبَرَ حقَّ المغصوبِ منه بما يُوفيه، وإنما فرضنا المسألةَ في تدليس الغاصب لتدخُلَ تحت نصرةِ المظلومِ، فإنه لو لم يكن مُدَلِّسًا، كان الردُّ عليه من [باب] (٢) إيفاء الحق لمستحِقِّه، وقد بينَّا أنَّه أعمّ من نصرة المظلوم. الثامنة عشرة بعد المئتين: فإن كان العبدان معيَّنَين، ففي الإفراد خلاف مرتَّبٌ على ما قبلَه، والكلامُ كالكلامِ (٣). التاسعة عشرة بعد المئتين: اشترى اثنان عبدًا من واحد، فأراد أحدُهما أن ينفردَ بردِّ نصيبِه، جاز على أصح القولين عند الشافعية ﵏، فتُفْرَضُ المسألة في التَّدليس، ويجيء الكلام إلى آخره، ومَنْ مَنعَ فلِقيامِ مانعٍ عندَه، وفي هذه المسألة مانعان: أحدُهما: عيبُ التَّشقيصِ بسبب الردّ. والثاني: اتّحادُ الصفقة. وفي تعيين أحدِهما للاعتبار وجهان: يُخَرَّج عليهما ردّ ما لا ينقصه التشقيصُ من ذوات الأمثال (٤). العشرون بعد المئتين: الحربيُّ إذا ظلمَ المسلمَ في نفسه وماله

стр. 821

ثم أسلم، لم يُطالَبْ بما سلف من جناياته، وإن (١) كان ظالمًا للمسلم، وإنَّما كان كذلك للمصلحة الراجحةِ، [و] هي التأليفُ (٢) على الإسلامِ وعدمُ التنفير عنه. الحادية والعشرون بعد المئتين: في مقدمة، نُقل عند الشافعية اختلاف في أن البغيَ هل هو اسمُ ذمٍّ؟ وهل يسمَّى الباغي عاصيًا؟ فقيل: ليس باسم ذم، وإنَّ الباغين ليسوا فَسَقة، كما أنهم ليسوا بكفرة، ولكنهم مخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل، ومنهم من يسمّيهم عصاةً، ولا يسمّيهم فسقةً، ويقول: ما (٣) كلُّ معصيةٍ توجبُ الفسقَ (٤). الثانية والعشرون بعد المئتين: ما وُجِد من أموال أهل العدل عند البُغاة، وجب ردُّه إلى أربابه، وهو ظاهر. الثالثة والعشرون بعد المئتين: اختُلف في ضمان البغاة ما أتلفوه على أهل العدل من نَفْسٍ أو مال، وهذا ينبني أولًا على أنَّ الباغي عاصٍ، أو لا؟ فإن قلنا: لا، لم يدخلْ تحتَ نصرةِ المظلوم (٥)، وإن

стр. 822

وجبَ (١) الضمانُ، فمِنْ باب إيفاء الحقّ، وإن [قلنا] (٢) بالعصيان، فإتلافُهم ظلمٌ، فمقتضاه ضمانُهم لِمَا أتلفوه، ولكنَّ المانعَ قائمٌ، وهو مصلحة التأليف بالعَوْدِ إلى الطاعة، وقد قيل به عند الشافعية؛ أي: بأنَّهم لا يلزمُهم الضمانُ (٣). وقال سُحنون المالكيُّ في الخوارج: ولا يُتْبَعوا بما سفكوا من دمٍ، ونالوا من فرج، لا بِقَوَدٍ ولا دية ولا صَدَاق ولا حدّ (٤). الرابعة والعشرون بعد المئتين: اختلفوا في الجماعة من المرتدّين لهم شوكةٌ، إذا أتلفوا مالًا أو نفسًا (٥) ثم أسلموا، هل يجب عليهم الضمان؟ وهذه نصرةُ مظلومٍ، ومن لم يوجبِ المطالبةَ راعى المانعَ الذي ذُكر في الكافر الأصليِّ، وهو التألُّفُ (٦) وعدمُ التنفيرِ. الخامسة والعشرون بعد المئتين: أصحاب الشوكة - إذا لم يكن لهم تأويل - ظَلَمَةٌ، وفي إلزامهم تغريمَ المُتْلَفاتِ خلافٌ للشافعية،

стр. 823

ومقتضى القاعدةِ الإلزامُ، [وعدمُهُ لمانع (١)] (٢). السادسة والعشرون بعد المئتين: من الموانع المُحَقَّقة مسألةُ ما إذا غَصبَ سَاجَةً (٣)، وأدخلها في سفينة، وفيها حيوان أو مال مُحتَرمٌ لغير الغاصب، فإنه يمتنع نزعُها ودفعُها للمالك إذا كان سببًا لإتلاف ما ذكر (٤)، وهذا ظاهرٌ جارٍ على القواعد؛ لأن حقَّ المالك يمكِنُ جبرُه من غير إتلافٍ لهذه المُحْتَرمات، فتقديمُه [على] (٥) الإتلاف تقديمٌ لأخفّ المفسدتَيْن على أعظمِهِمَا. السابعة والعشرون بعد المئتين: ومن الموانع ما إذا غصب خيطًا وخَاطَ به جرحَ حيوانٍ محتَرمٍ (٦). الثامنة والتاسعة والعشرون بعد المئتين: إذا تبارز فارسان مسلمٌ وكافرٌ، وشَوطَ الكافر أن لا يُعانَ المسلمُ عليه إلى انقضاء القتال،

стр. 824

وجب الوفاءُ بالشَّرط في ترك إعانةِ المسلم عليه قبلَ انقضاءِ القتال، نصُّوا عليه عند الشافعية (١). ولا شكَّ أن قتالَ الكافرِ للمسلم ظلمٌ، وإعانةُ المسلم عليه نصرةٌ للمظلوم (٢)، فهذه نصرةٌ محرَّمة (٣)، وإنما قيل بها لمعارضٍ، وهو أن المبارزةَ عظيمةُ النفعِ في الجهاد، ولا تتمُّ إلا بأن [يأمنَ] (٤) كلُّ واحد منهما من غير قِرْيهِ. الثلاثون بعد المئتين: من صور تعذُّر النصرة، ما لو ظلم القاسِمُ بين النساء إحدى نسائه ثم طلق المظلوم لهنّ (٥)، فقد تعذَّرتِ (٦) النصرةُ، وهو القضاء؛ لأن معناه انقطاعه عنهن، والاشتغال بقضاء المظلومة، وهو بطلاقه مترفِّع عنهن. وكذلك لو طلَّق المظلومةَ ولم يردَّها، وهناك قيل: تبقى الظُّلامةُ إلى يوم القيامة. وكذلك لو مَرِضت واحدةٌ حيث توجَّب عليه القضاء، تعذّر عليه

стр. 825

القضاءُ، قال بعضُهم: فإن برئتْ قضى بالإجماع (١). الحادية والثلاثون بعد المئتين: قد تبين أن من أعظم نصرة المظلوم إنقاذَ أسيرِ المسلمين من أيدي العدو؛ إمَّا بالقتال أو بالفداء، وقد يقع في بعض صور الفداء موانعُ، أو ما يمكن أن تكون موانعُ، فيحتاج إلى النظر فيها، وفي إباحة الفداء بها. فمن ذلك الفداءُ بالسلاح والخيل، وفيه من المفسدة إعانةُ الكفّار وتقويتُهم على قتال المسلمين، فأجاز أَشهبُ من المالكية ذلك، قال: فإن طلبوا الخيلَ والسلاحَ فلا بأس أن يُفْدَى به، وفي رواية ابن سُحنون، عن أبيه: يفدى بالخيل والسلاح، والمؤمنُ أعظمُ حرمَة. وفي كتاب "ابنِ الموَّاز" (٢) قال ابنُ القاسم: إذا طلبوا منّا فداءَ المسلم بالخيل والخمر، فلا نصالح بالخيلِ، وهو بالخمر أخفُّ (٣).

стр. 826

فاقتضى هذا النقلُ الخلافَ في الفداءِ بالخيل، وأما بالسلاح: فاذا مُنِع بالخيل ففي السِّلاح أولى. الثانية والثلاثون بعد المئتين: ومن ذلك الفداء بالخمر، وقد قدَّمنا تخفيفَ ابنِ القاسم له بالنسبة إلى الخيل، والمنقول عن أَشهب أنه قال: وأما الخمرُ فلا، ولا يدخل في نافلةٍ بمعصية. وعن سُحنون: لا بأس أن يبتاعَ لهمُ الخمرَ للفداء، وهذه ضرورة. وفي كتاب ابنه (١) عنه: وإن طلبوا الخمرَ والخنزيرَ والمَيْتةَ أمرَ الإمامُ أهلَ الذمةِ بدفع ذلك إليهم، وحاسَبَهم بقيمته في الجزية، فإن أبى من ذلك أهلُ الذمة لم يُجبروا، ولم يرَ أشهبُ؛ يعني أنه: لا يُفدى (٢) بالخمر (٣). قلت: النظر في هذا كلِّه إنما هو راجعٌ إلى اعتبار المصالح والمفاسد، وترجيحِ بعضِها على (٤) بعض، وفي النظر إلى العمومات والنصوص في مثل هذا عُسْرٌ شديدٌ، يدور فيه رأسُ من يريد أن يحاوِلَه من الظاهرية [إنْ حاولوه] (٥)؛ لِمَا يقع فيه من التعارضِ بين

стр. 827

العمومات، والذي أقولُه الآن بالنسبة إلى النظر إلى المصالح والمفاسد - والعلم عند الله تعالى -: إنّ الحال لا يخلو من أن يتعيَّن الفداء بما ذُكِر (١)، أو لا، فإن تعين الفداء بأحد هذه الأمور؛ بأن لا يرضى العدوُّ إلا بها، فها هنا يقعُ التعارضُ، والأقربُ الجواز، أمّا في حقِّ الخمر؛ فلأنَّ وضعَ اليدِ عليها وعدمَ إراقتها متأخرُ المرتبة في المصلحة عن فِكاك المسلمِ من أسر العدو قَطْعًا؛ لأنَّ ذلك من (٢) مرتبة الضرورة، والمنعُ من وضع اليد على الخمر من (٣) مرتبة التكميل، والأولُ أرجح، وأمَّا الفداءُ بالسلاح والخيل فهو - وإن كانْ أعظمَ مفسدةً من الفداء بالخمر - إلا أنه يرجُحُ على ترك الفداء بهِ في حال تعيُّن الفداء به لوجوه: الأول: أنَّ المنعَ من تمكين العدو من السلاح، [من قَبيل منعِ الوسائل، والمنعَ من إذلال المسلمين في الحال] (٤) من قبيل المقاصد، والثاني راجحٌ على الأول. الثاني: ما قدمناه من مرتبة الضرورة والتكميل. والثالث: أنَّ المفسدةَ في إذلالِ العدو والإضرارِ به مفسدةٌ محقَّقةٌ في الحال، والمفسدةُ في استعانةِ العدو به على القتال مفسدةٌ

стр. 828

مترقَّبةٌ مُحتمِلةٌ لعدم الوقوع، فالأولُ أولى بالدفع. وأما قول سُحنون: [فلعله يقول] (١) بجواز الفداء بالخمر، فإذا فوَّضه الإمامُ إلى أهل الذمَّة، فلم يفوِّضْ إليهم إلا أمرًا جائزًا، وتُستفاد بالتفويض إليهم مصلحةُ عدمِ وضعِ اليد عليه. الثالثة والثلاثون بعد المئتين: قَدِمَ من له أمان، وبيده مالُ المسلم وأحرارٌ مسلمون، اختلف المالكيةُ فيه، فقال بعضُهم: إنهم يُعْطَوْنَ قيمةَ المسلمين الأحرارِ وإن كرهوا. وقال ابنُ الموَّاز: لا يُعْرَض للمستأمَنين فيما بأيديهم من متاعِ المسلمين ومن عبيدِهم (٢)، ولا أحرارٌ مسلمون وذميون ولا مكاتَبون ومدبَّرون، وقال: وله بيعُ ما شاء من ذلك وأخذُ ثمنِهِ، أو الرجوعُ به بعد أن يُغْرَم ما بَذَلَ عليه. قال ابنُ أبي زيد - يزيدُ على قول ابن القاسم في روايته -: قال ابنُ المَوَّاز: وأما إذا أَسلمَ المستأمَنُ أو الحربيُّ فلا حقَّ له في كل ما بيده من حرٌّ ومسلم، وَيخرجون من يده بلا غُرْمٍ، لم يختلف في ذلك أحد. وهذا الذي حكيناه عن ابن الموَّاز من المُشنَّعات، وهو تجويزُ

стр. 829

بيعِ الأحرارِ المسلمين واستملاكِ الكافر لهم، [وليس فيه ما يعارضه إلا اعتبار المصلحة العامة، فإنه إذا أقرَّ يزيده كان أقرب إلى التمكين بسبب إمكان العود، أما لو رُدَّ واحد منهم لامتنعوا من العود بذلك] (١). الرابعة والثلاثون بعد المئتين: قد قدمنا المنعَ (٢) من التفريق بين الأم وولدها وإيجابَ الجمع، قال بعضُ مصنِّفي الشافعية - رحمة الله عليهم -: ويجوز التفريقُ للضرورة؛ بأن تكونَ الأمّ حرةً، أو مِلْكًا لغير مالكِ الطفل (٣). الخامسة والثلاثون بعد المئتين: المانعون للخروج على الإمام الجائرِ - وهم الأكثرون، حتى عُدَّ ذلك في اعتقاد أهل السنة - قائلون بالتخصيصِ لنصرةِ المظلوم في هذا المحل، ولهم أحاديثُ وردتْ بذلك، وأقرّوها (٤) على ظاهرها لمعارضِ مفسدةِ الفتن وثَوَران الهيج، ومن رأى الخروجَ لإزالة ظلمهم عن المظلومين - وهم بعضُ السَّلف - فهو داخلٌ على مذهبهم تحت الحديثِ.

стр. 830

السادسة والثلاثون بعد المئتين: المانعون لقضاء القاضي بعلمه في الحدود، سببُه: عظيم أمرها، واقتضاء ذلك أن لا يتولاها إلا الأئمةُ، فيكون هذا تخصيصًا لعمومِ نصرةِ (١) المظلوم. السابعة والثلاثون بعد المئتين: المانعون لقضاء المّاضي [بعلمه] (٢) في غير الأموال، سببُه: انحطاطُ رتبة الأموال (٣) عن غيرها، [وهذا كما تقدَّم من رجوع الأمر إلى التخصيص للمانع المدَّعى] (٤). الثامنة والثلاثون بعد المئتين: ما عُدَّ من منع (٥) الإنكار بالوعظ في حقّ الفاسق [لمن يعلم فسقَه، سببُهُ] (٦): أنهُ يُفضي إلى تطويل اللسان في عرضِهِ بالإنكار (٧)، وأما الحِسْبة القَهْرية فلا [حسبةَ] (٨) على الفاسق في إراقة الخمر، وكسرِ الملاهي، وغيرِها، إذا قَدر عليه. التاسعة والثلاثون بعد المئتين: قال بعضُ مصنِّفي الشافعية

стр. 831

- ﵏: ولو قُصِد (١) قريبُه أو أجنبيٌّ بقتلٍ أو فاحشةٍ كان دفعُه عنهما كدفعه عن نفسه في الوجوب وغيره. وقال أربابُ الأصول: لا يجبُ ذلك إلا على الوُلاة. قال: واختلفوا في جوازِ شَهْرِ السلاح لذلك في حقِّ الآحاد. [وهذا الذي قاله قد فُصِّل من قولِ غير؛ وبُسِط، وحاصلُه ومعناه: أنَّه إذا صالَ صائلٌ على أجنبي، فلغير ذلك الأجنبي دفعُ ذلك الصائل؛ لأنه معصوئم مظلومٌ، وسواءٌ في ذلك أن يكونَ الصائلُ أبًا للمصول عليه أو سيدًا له، وإذا كان المصولُ عليه ذمّياً والصائلُ مسلمًا، فكذلك يجوز الدفعُ عنه (٢). قلت: وإذا كان ذلك داخلًا في نصرةِ المظلومِ، فمقتضى الأمرِ الوجوبُ، فينبغي أن يقالَ به بمقتضى الحديث. والشافعيةُ اختلفوا في وجوب الدفع عن الغير على ثلاثة طرق: الأظهر منها: أن حكمَ الدفع عن الغير حكمُ الدفع عن النفس حتى يجبَ هنا حيث يجبُ هناك، وينتفي الوجوبُ هنا حيث ينتفي هناك. والثانية: القطعُ بالوجوب؛ لأنَّ الإيثارَ إنما يكون لحظ النفس، فأما سائرُ الناسِ فلا يُؤْثرُ بعضُهم على بعض. والثالثة: القطعُ بالمنع، ونُسِب إلى معظم الأصوليين؛ لأنَّ شَهْرَ

стр. 832

السلاح يحرِّكُ الفتن، وليس ذلك من شأن آحاد الناس، وإنما هو من وظيفةِ السلطان. وعلى هذا: فهل يحرم، أو يجوز من غير وجوب؟ حُكيَ عنهم فيه اختلاف] (١) (٢). قلت: لاشك أنَّ هذا داخلٌ تحت نصرِ المظلوم، ومن أراد إخراجَه فعليه دليلٌ يدلُّ عليه، والذي ظهر من الكلام الذي حكيناه: أنه جَعَلَ الولاية في دفع هذا المنكر شرطا في الوجوب، فيكون عدمُها مانعًا أو مساويًا للمانع، وهذا بعيدٌ عندي إن (٣) أُخِذَ على إطلاقه، ولم يُشترط فيه إمكانُ الإنكار من جهة الولاة، وكيف يمكن أن يقال: إنه إذا قصدَه بالقتل حيث لا واليَ وأمكن خَلاصُه بنصره أنه يترك وقتلَه، وهذا الحديث الذي نحن فيه مما يأبى ذلك، وكذلك قوله ﷺ : "المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يُسْلِمُه" (٤)، وهذا إسلامٌ للمسلمِ [إلى] (٥) الهلاك (٦)، إلى غير ذلك من الدلائل.

стр. 833

الأربعون بعد المئتين: إذا قلنا: إن الكافر مخاطَبٌ بالفروع، فهل يُخص من نصرة المظلوم حتى يمتنعَ عليه ذلك في حق المسلم؟ هذا قد تُكلم فيه في (١) باب الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر، وقيل فيه: إنَّ الكافر إنْ مَنع المسلمَ بفعله، فهو تسليط عليه، فيمنع (٢) من حيث إنه تسلُّطٌ، وما جَعَلَ اللهُ للكافرين على المؤمنين سبيلاً. وأما مجرد قوله: "لا تزنِ"، فليس محرَّمًا عليه من حيث إنه نَهْيٌ عن الزنى، ولكن من حيث إنه إظهارُ دلالةِ الاحتكام على المسلم، وفيه (٣) إذلال للمتحكَّم (٤) [عليه] (٥)، والفاسقُ يستحق الإذلال، لكنْ لا من الكافر الذي هو أولى بالذلِّ منه، فهذا وجهٌ منعنا (٦) إياه من الحسبة، وإلا فلسْنا نقول: إنَّ الكافر يعاقَب بسبب قوله: "لا تزنِ" من حيث إنه نهي، بل نقول: إذا لم يقل: "لا تزِن"، يعاقب (٧) إن رأينا خطابَ الكفار بفروع الدين، وفيه نظر.

стр. 834

هكذا وجدته عمن نقلته عنه، أو كما قال (١). ولقائلٍ أن يقولَ: قوله: "لا تزن" حقيقةٌ واحدةٌ، والنظر في ترتيب حقيقة واحدة عليها، وهو مقدار من العقاب، فلا يخلو الحالُ من أن يكونَ معاقبًا على ترك هذه الحقيقة الواحدة، أو لا؛ فإن كأن معاقبًا - وقد فرضنا أنه ممنوعٌ من أن يقول للمسلم: "لا تزنِ"، ومن لوازم كونه ممنوعًا منه أن يُعاقَبَ على فعله - فإذاً يلزم أن يترتبَ على هذه الحقيقة الواحدةِ العقابُ على فعلها، والعقابُ على تركها، وهو مُحالٌ؛ لأن من لوازم العقاب على فعلها عدمُ العقابْ على تركها، ومن لوازم العقاب على تركها عدمُ العقاب على فعلها، ولو وُجِدَ الملْزومان لوُجِدَ الَّلازمان، وهو العقاب وعدم العقاب، وهو محال، واختلاف الجهتين هاهنا لا أثرَ له؛ لأنّا فرضنا الكلامَ في حقيقة واحدة، وهو مقدارٌ من العقاب، فمتى دخلت تلك الحقيقةُ في الوجود الخارجيّ، امتنع أن يدخلَ نقيضُها معها [قطعا] (٢)، نعم اختلاف الجهتين قد يفيد إذا رتِّبَ على إحدى الجهتين حكم وعلى الأخرى (٣) حكمٌ آخرُ لا ينافيه لذاته، كالصلاة في الدارِ المغصوبة؛ فإنة يُرتَّب على الغصبِ العصيانُ، وعلى الصلاة الإجزاءُ، والعصيانُ والإجزاءُ ليسا بمتناقضين لذاتهما.

стр. 835

الحادية والأربعون بعد المئتين: قد يحصل طريقان في النصر، ويختلفون في تعيين أحدهما، فمن ذلك ما قدّمناه في الممتنع من أداء الحق الماليِّ إذا قدرنا على ماله، وتمكنَّا من بيعه. ومنه إذا امتنع المُوْلي من الفَيْئَةِ أو الطلاق، فهل يطلّق عليه الحاكمُ أو يُحْبَسُ حتى يُطلِّق؟ فيه خلاف عند أصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى (١)، ولعل السببَ في هذا الخلاف معارضةُ القاعدة (٢) لتطليق غير الزوج المالكِ للعصمة، كما قيل: الطلاقُ بيد من أخذ بالسَّاق (٣). وكذلك في المسألة قبلَها: بيعُ مالِ الرشيد من غير رضاه، ولا توكيلِهِ، مخالفٌ القياسَ، ويقول هذا القائل: الإلجاءُ إلى الوفاءِ بالحبسِ طريقٌ إلى إيفاء الحقِّ مع المشيِ على قاعدة القياس. الثانية والأربعون بعد المئتين: ومنه مُؤَنُ المرهون؛ كالنَّفقة على الحيوان عند من يُوجب النفقةَ على الراهن عينًا، إذا امتنع فهل يُجْبَرُ على الإنفاق، أو لا يجبرُ ويبيعُ الحاكمُ جزءًا ينفقُ منه؟ فيه اختلاف (٤).

стр. 836

الثالثة والأربعون بعد المئتين: إذا امتنع الزوجُ من الكسب لنفقة زوجتِهِ، وهو قادرٌ عليه، فهل للمرأة رفعُ النكاح؟ اختلف العلماءُ فيه، وأظهرُ قولي الشافعي ﵁: أن لها ذلك. والذين قالوا: لها ذلك، اختلفوا؛ هل رَفْعُه بالطلاق، أو بالفسخ؟ [و] (١) فيه قولان عند الشافعية رحمهم الله تعالى (٢). فإذا وجبَ على الزوج الكسبُ لنفقة الزوجة، فامتنعَ مع القدرة فهو ظالمٌ مُضرٌّ بالمرأة (٣)، ورفْعُ ضررِها بارتفاع النكاح نصرٌ لها، وقد وُجِدَ طريقان كل واحدٍ يرفعُ الضررَ: الطلاقُ والفسخُ، واختلفوا في التعيين. الرابعة والأربعون بعد المئتين: إذا جعلنا رفعَه بالطلاق، أَمَره الحاكمُ [به] (٤)، فإن أبى فهل يطلّق عليه، أو يحبِسُه حتى (٥) يطلّقَ؟ فيه اختلافٌ كما ذكرنا في الإيلاء.

стр. 837

القول في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ذَكَرناها هاهنا لتعلق ما نحن فيه بها. الخامسة والأربعون بعد المئتين: لمّا كان الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر أعمَّ من نصرة المظلوم، كما تبين مما ذكرناه (١)، كانت الشروط التي في الأعم شروطًا في الأخص، وكان عدمها في الأخصر مانعًا أو مساويًا للمانع، فلزم (٢) التخصيصُ في النص الذي نحن بسبيله. السادسة والأربعون بعد المئتين: الشروط المذكورة منها ما يُسقِطُ عدمُه الوجوبَ، ومنها ما يُسقِطُ الجوازَ أيضًا، وكلاهما يقتضي التخصيصَ؛ لأنَّ ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، والجوازُ من لوازم الوجوب، وأعني بالجواز: إباحةَ الإقدام على الفعل، فإذا انتفى الجوازُ انتفى الوجوبُ بالضرورة. السابعة والأربعون بعد المئتين: يُشترط في الآمر والنّاهي أن يكون عالما بالمعروف والمنكر، وفيما نحن فيه يجب أن يكون محقِّقًا لكون الفعل ظُلمًا، وقد يختلف العلماءُ في ذلك كما مرَّ، وهذا الشرط إذا انتفى انتفى الوجوبُ والجوازُ معًا؛ لأن من لا علمَ عندَه

стр. 838

بذلك قد يرى المنكرَ معروفاً والمعروفَ منكراً، كما نشاهد من العامة العَمْيَاء، ولهذا قيل: العامّي ينبغي (١) أن لا يحتسبَ إلا في الجَلِيَّات المعلومات؛ كشرب الخمر والزنا وتركِ الصلاة. الثامنة والأربعون بعد المئتين: إذا عَلِمَ أنَّه لا يُفيدُ إنكارُه، ولكنه [لا] (٢) يَخاف مكروهاً، فقد أُسقط الوجوبُ؛ لعدم الفائدة، وأُثبت الاستحبابُ؛ لإظهارِ شِعَار الإسلام، وتذكيرِ الناس بأمور (٣) الدين. التاسعة والأربعون بعد المئتين: وإن كان غالبُ الظن أنّه لا يُفيد، ولكن يحتمل أن يُفيدَ، وهو مع ذلك لا يتوقع مكروهاً، فقد ذكر في "الإحياء" اختلافًا في وجوبه، وجعل الأظهرَ وجوبَه، ووجه هذا: أن المقتضي للوجوب - وهو الأمر - قائم، فلا يترك إلا لمعارضِ خوفِ الضرر، أو اليأسِ من فائدة الأمر، ولا ضررَ هاهنا ولا يأسَ، فيُعمل بالمقتضي (٤). الخمسون بعد المئتين: عَلم أنه لا ينفع كلامُه، وينالُه ضرر إن تكلَّم، فالنظر في الوجوب والجواز. أما الوجوب: فإذا سقط الوجوب عندنا (٥) إذا لم يخفِ الضررَ،

стр. 839

فَلأنْ يسقطَ إذا خاف الضررَ أولى، وهذا ظاهرٌ. وأما الجواز: ففي "الإحياء" فيما إذا علم أنه لا ينفع كلامُه، ويتضرر إن تكلم: لا يجب عليه الحِسْبةُ، بل ربما يحرُم في بعض المواضع، قال: نعم يلزُمه أن لا يحضرَ موضعَ المنكر، ويعتزلَ في بيته حتى لا يُشَاهِدَ، ولا يخرجَ إلا لحاجة مهمة أو واجب، ولا يلزمه مفارقةُ البلد والهجرةُ إلا أن يُرهقَ إلى الفساد، أو يُحملَ على مساعدة السلاطين في الظلم والمنكرات، فيلزمه الهجرةُ إن قدر عليها، فإن الإكراهَ لا يكون عذراً في حقِّ من يقدر على الهرب من الإكراه (١). وقال غيرُه من المتكلمين: إن غلب على ظن المُنْكِر أن الذي يُنْكِر عليه لا يترك المنكَر، ويُوصِلُ إليه الضررَ الكبيرَ، لم يجزْ [له] (٢)؛ لأنه مفسدةٌ محققة من غير وجود مصلحة. ورأيت في "المحيط" (٣) من كتب الحنفية في كتاب "السير"، وذكره عن "السير الكبير": أنه لا بأس بأن يحملَ الرجلُ وحدَهُ على العدو إذا كان بحيث يُنْكِي فيهم ظاهراً، ووجَّهَ ذلك، ثم ذكر بعده: وإن كان يعلم أنه لا يُنْكِي فيهم، بل يُقتَل، فإنه لا يحلُّ له أن يحملَ

стр. 840

عليهم؛ لأنه لا يحصُل بحمله (١) شيء مما يرجع إلى إعزاز الدين، بل يكون مُلْقياً نفسَه إلى التهلكة، قال: بخلاف ما إذا كان يرى قوماً من فُسَّاق المسلمين على منكر، وهو يعلم أنهم لا يمتنعون بنهيه وأنهم يقتلونه، فلا بأسَ بالإقدام عليه، وهو العزيمة، وإن كان يجوز له أن يترخَّص في السكوت؛ لأن هناك القوم يعتقدون ما يأمرهم به وما ينهاهم عنه، فلابدَّ [من] (٢) أن يكون نهيُه مؤثراً في باطنهم، فأمَّا الكفار فغيرُ معتقدين ما يدعوهم إليه، فالظاهر أنهم يقتلونه، فلا يسعُهُ الإقدامُ عليه (٣). [قلت: في هذا وانتظامِهِ على قانون واحد نظرٌ] (٤). الحادية والخمسون بعد المئتين: علمَ - أو ظنَّ - أنَّه يزولُ المنكرُ، ولكنه يخاف مكروهاً ينزل به، فالنظر في الوجوب والجواز. أمَّا الوجوب: فقد أُسقط للضرر. وأما الجواز: ففي "الإحياء" أنه يجوز للمحتسب، بل يُستحب أن يعرّض نفسَه للضرر والقتل إذا كان للحسبة (٥) تأثيرٌ في رفع المنكرات، أو كسرِ جاه الفاسق، أو في تقوية قلوب أهل الدين (٦). وهذا اكتفاء في الاستحباب بما هو أعمُّ في زوال المنكر، فإنه

стр. 841

جَعلَ لكسرِ جاهِ الفاسق وتقويةِ [قلوب] (١) أهل الدين تأثيراً في هذا الحكم، ولم يقصِرْه على زوال المنكر فقط. قال: فأمَّا إن رأى فاسقاً متغلبًا (٢) وحدَه، وعنده سيفٌ، وبيده قَدَحٌ، وعلم أنه لو أنكر عليه لشربَ القدحَ، وضربَ رقبَتَه (٣)، فهذا ما لا أرى للحسبة فيه وجهاً، وهو عين الإهلاك، فإنَّ المقصودَ أن يؤثر في الدين أثراً ويفديه بنفسه، فأمَّا تعريضُ النفس للهلاك من غير أثر فلا (٤) وجهَ له في الدين (٥)، فينبغي (٦) أن يكون هذا حرامًا، أو كما قال (٧). واستدل لهذه (٨) المسألة بالخبر الذي أورده في فضل كلمة حقٍّ عند إمام جائر (٩)، ولا شكَّ أن ذلك مَظِنَّةُ الخوف، وقال: فإن قيل:

стр. 842

فما معنى قوله: ﴿وَلَا تُلقُواْ بِأيدِيكم إِلَى التهلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؟ قلنا: لا خلافَ في أن للمسلم الواحد أن يهجُمَ على صفّ الكفارِ ويقاتلَ، وإن علم أنه يُقْتَلُ، وهذا ممَّا ظُنَّ أنه مخالف لموجِب الآية، وليس كذلك، فقد قال ابن عباس ﵄: ليس التهلكةُ ذلك، بل بذلُ النفقةِ في غير طاعةِ اللهِ (١). فلت: قسم محمودٌ الخوارزميّ (٢) [تلميذُ أبي الحسين البصري] (٣) الأمرَ فيما إذا عَلم أنه يزول المنكر، ولكنْ يصلُ إليه الضررُ، فإن كان ما يتركه أيسرَ مما يفعله من الضرر (٤) به، مثل أن يتركَ شربَ الخمر ويقتلَه، فذكر أنه لا يجوز، ووجه هذا: أن فيه دفعَ المفسدة الدنيا باحتمال الكبرى. وإطلاقُ القاضي أبي الوليد بن رشد يقتضي أيضاً هذا، فإنه شرطَ أن يأْمَنَ من أن يؤدّي إنكارُ المنكر إلى منكر آخرَ أعظم (٥) منه، وهو أن ينهى عن شرب خمر فيؤول نهيُهُ عن ذلك إلى قتلِ نفسٍ

стр. 843

وما أشبه ذلك، فهذا الإطلاق يدخلُ تحته أن يؤديَ إلى قتلِ نفسه، ويمكن أن يريد به (١) قتلَ نفسِ غيره. هذا إذا كان ما يتركه أيسرَ مما يفعله، فأمّا إن كان ما يتركه أعظمَ مما يفعله، فحكى محمود عن مشايخه اختلافاً، قال: قال قاضي القضاة؛ [يعني: عبد الجبار بن أحمد] (٢): إنَّ هذا الإنكار قبيحٌ. قال: وقال شيخُنا أبو الحسين: إنه حسنٌ، واتَّفقوا على أنه غيُر واجب؛ لأن إلله تعالى أباح [لنا] (٣) كلمةَ الكفر في حال الإكراه خوفاً على النفس؛ [أي] (٤): فلأَنْ يباحَ لنا أن نتركَ غيرَنا يفعل المنكر خوفاً على النفس أولى. قال: واحتج قاضي القضاة بأن هذا الإنكارَ مفسدةٌ؛ يعني: بخلاف تركِ إظهارِ كلمة الكفر؛ لأنَّ فيه إعزازَ الدين، وقال الشيخ أبو الحسين: لا فرقَ بينهما؛ إذْ في كل واحد منهما إعزازُ الدين. قلت: مشايخ محمود هذا معتزلة. الثانية والخمسون بعد المئتين: هذا الذي حكيناه من الخلافِ في الإنكار على شرب الخمر إذا أدى إلى قتل المُنْكِرِ، له عندي تعلُّقٌ بمسألة جواز الاستسلام للصائل المسلم على النفس، وفيه اختلافُ قولٍ عند الشافعية ﵏، فإِنْ أبحناه فهذا أولى بالإباحة؛ لِمَا

стр. 844

فيه من إذهاب المنكر وزوالِهِ، والقيامِ بحقوق الشرع وشعارِ الإسلام. وإذا أجزنا الاستسلامَ ففي استحبابِهِ وجهان للشافعية (١)، وهاهنا أولى بالاستحباب كما ذكرناه. أما إذا منعنا الاستسلامَ فسببُه أن النفس حقٌّ لله ، وليست من حقوق العبد التي له إسقاطَها، فإن الله تعالى حرَّم على العبد قتلَ نفسه، وتعلَّقَ به الوعيدُ الشديدُ، وإذا كان قتلُ نفسه محرماً عليه لحق الله تعالى، فهو بمنزلة قتل غيره، فكما ليس له أن يُنْكِرَ على الخمر بحيث يؤدي إلى قتل مسلمٍ غيره، فكذلك في قتلِ نفسِهِ. ولا يعارض هذا إلا ما فيه [من] (٢) القيام بالشعار وزوال المفسدة، وعلى هذا التقدير يكون المقتضي للمنع قائماً، وما يقال في ذلك من إقامة الشعارِ وإهانة العاصي، فهو من قبيل المعارض، ومحل النظر فيه: أنه هل يساوي ذلك المقتضي - أو يَرجُح عليه - حتى يُقدَّمَ عليه، ويباحُ الإنكارُ مع قيام المفسدة لأجل معارض المصلحة؟ ومما يستدل به على الجواز: الحديثُ عن أبي سعيد الخُدْري ﵁: أن النّبي ﷺ قال: "إنَّ أفضلَ الجهادِ كلمةُ عَدْلٍ عند سلطانٍ جائرٍ". وهذا الحديث أخرجه الترمذي في "جامعه" من رواية عطيَّة، عن أبي سعيد الخُدْري، وقال فيه: وهذا حديث حسن غريب (٣).

стр. 845

والأمر كما قال؛ لعدم تهمة عطّية بن سعيد (١) بالكذب، ورواية الأكابر عنه، لكنه ممسوسٌ بالضعف (٢). الثالثة والخمسون بعد المئتين: لمَّا حَكَمَ في "الإحياء" بأنه يستحب الإنكارُ في حالة خوف الضرر، وبَسطَ الكلامَ فيه، [وشرَطَ] (٣) أن يقتصرَ المكروهُ عليه، فإنْ علمَ أنه يُضرب معه من أصحابه أو أقاربه أو رفقائه، فحكمه أنه لا يجوز له الحسبة، بل يحرم؛ لأنه عَجزَ عن دفع المنكر، إلا أن يُفضي ذلك إلى منكرٍ آخرَ، وليس [ذلك] من القدرة في شيء (٤). الرابعة والخمسون بعد المئتين: علم أنه لو احتسب لَبَطل ذلك المنكرُ، ولكنْ كان سبباً لمنكرٍ آخرَ يتعاطاه غيرُ المُحتسبِ عليه، فذكر في "الإحياء": أنه لا يحل له الإنكارُ على الأظهر؛ لأنَّ المقصودَ عدمُ مناكير (٥) الشرع مطلقاً لا من زيدٍ أو عمروٍ؛ وذلك بأن يكون مع الإنسان مثلاً شرابٌ حلالٌ نجسٌ بسبب وقوع نجاسة فيه، وعلم أنه لو أراقه لشرب صاحبُه الخمرَ، أو شربَ أولادُه؛ لإعوازه الشراب الحلال، فلا معنى لإراقته ذلك. قال: ويحتمل أن يقال: إنه يريقُ ذلك فيكون هذا مبطلاً للمنكر،
следующие страницы →