← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

جَعلَ لكسرِ جاهِ الفاسق وتقويةِ [قلوب] (١) أهل الدين تأثيراً في هذا الحكم، ولم يقصِرْه على زوال المنكر فقط. قال: فأمَّا إن رأى فاسقاً متغلبًا (٢) وحدَه، وعنده سيفٌ، وبيده قَدَحٌ، وعلم أنه لو أنكر عليه لشربَ القدحَ، وضربَ رقبَتَه (٣)، فهذا ما لا أرى للحسبة فيه وجهاً، وهو عين الإهلاك، فإنَّ المقصودَ أن يؤثر في الدين أثراً ويفديه بنفسه، فأمَّا تعريضُ النفس للهلاك من غير أثر فلا (٤) وجهَ له في الدين (٥)، فينبغي (٦) أن يكون هذا حرامًا، أو كما قال (٧). واستدل لهذه (٨) المسألة بالخبر الذي أورده في فضل كلمة حقٍّ عند إمام جائر (٩)، ولا شكَّ أن ذلك مَظِنَّةُ الخوف، وقال: فإن قيل:

стр. 842

فما معنى قوله: ﴿وَلَا تُلقُواْ بِأيدِيكم إِلَى التهلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؟ قلنا: لا خلافَ في أن للمسلم الواحد أن يهجُمَ على صفّ الكفارِ ويقاتلَ، وإن علم أنه يُقْتَلُ، وهذا ممَّا ظُنَّ أنه مخالف لموجِب الآية، وليس كذلك، فقد قال ابن عباس ﵄: ليس التهلكةُ ذلك، بل بذلُ النفقةِ في غير طاعةِ اللهِ (١). فلت: قسم محمودٌ الخوارزميّ (٢) [تلميذُ أبي الحسين البصري] (٣) الأمرَ فيما إذا عَلم أنه يزول المنكر، ولكنْ يصلُ إليه الضررُ، فإن كان ما يتركه أيسرَ مما يفعله من الضرر (٤) به، مثل أن يتركَ شربَ الخمر ويقتلَه، فذكر أنه لا يجوز، ووجه هذا: أن فيه دفعَ المفسدة الدنيا باحتمال الكبرى. وإطلاقُ القاضي أبي الوليد بن رشد يقتضي أيضاً هذا، فإنه شرطَ أن يأْمَنَ من أن يؤدّي إنكارُ المنكر إلى منكر آخرَ أعظم (٥) منه، وهو أن ينهى عن شرب خمر فيؤول نهيُهُ عن ذلك إلى قتلِ نفسٍ

стр. 843

وما أشبه ذلك، فهذا الإطلاق يدخلُ تحته أن يؤديَ إلى قتلِ نفسه، ويمكن أن يريد به (١) قتلَ نفسِ غيره. هذا إذا كان ما يتركه أيسرَ مما يفعله، فأمّا إن كان ما يتركه أعظمَ مما يفعله، فحكى محمود عن مشايخه اختلافاً، قال: قال قاضي القضاة؛ [يعني: عبد الجبار بن أحمد] (٢): إنَّ هذا الإنكار قبيحٌ. قال: وقال شيخُنا أبو الحسين: إنه حسنٌ، واتَّفقوا على أنه غيُر واجب؛ لأن إلله تعالى أباح [لنا] (٣) كلمةَ الكفر في حال الإكراه خوفاً على النفس؛ [أي] (٤): فلأَنْ يباحَ لنا أن نتركَ غيرَنا يفعل المنكر خوفاً على النفس أولى. قال: واحتج قاضي القضاة بأن هذا الإنكارَ مفسدةٌ؛ يعني: بخلاف تركِ إظهارِ كلمة الكفر؛ لأنَّ فيه إعزازَ الدين، وقال الشيخ أبو الحسين: لا فرقَ بينهما؛ إذْ في كل واحد منهما إعزازُ الدين. قلت: مشايخ محمود هذا معتزلة. الثانية والخمسون بعد المئتين: هذا الذي حكيناه من الخلافِ في الإنكار على شرب الخمر إذا أدى إلى قتل المُنْكِرِ، له عندي تعلُّقٌ بمسألة جواز الاستسلام للصائل المسلم على النفس، وفيه اختلافُ قولٍ عند الشافعية ﵏، فإِنْ أبحناه فهذا أولى بالإباحة؛ لِمَا

стр. 844

فيه من إذهاب المنكر وزوالِهِ، والقيامِ بحقوق الشرع وشعارِ الإسلام. وإذا أجزنا الاستسلامَ ففي استحبابِهِ وجهان للشافعية (١)، وهاهنا أولى بالاستحباب كما ذكرناه. أما إذا منعنا الاستسلامَ فسببُه أن النفس حقٌّ لله ، وليست من حقوق العبد التي له إسقاطَها، فإن الله تعالى حرَّم على العبد قتلَ نفسه، وتعلَّقَ به الوعيدُ الشديدُ، وإذا كان قتلُ نفسه محرماً عليه لحق الله تعالى، فهو بمنزلة قتل غيره، فكما ليس له أن يُنْكِرَ على الخمر بحيث يؤدي إلى قتل مسلمٍ غيره، فكذلك في قتلِ نفسِهِ. ولا يعارض هذا إلا ما فيه [من] (٢) القيام بالشعار وزوال المفسدة، وعلى هذا التقدير يكون المقتضي للمنع قائماً، وما يقال في ذلك من إقامة الشعارِ وإهانة العاصي، فهو من قبيل المعارض، ومحل النظر فيه: أنه هل يساوي ذلك المقتضي - أو يَرجُح عليه - حتى يُقدَّمَ عليه، ويباحُ الإنكارُ مع قيام المفسدة لأجل معارض المصلحة؟ ومما يستدل به على الجواز: الحديثُ عن أبي سعيد الخُدْري ﵁: أن النّبي ﷺ قال: "إنَّ أفضلَ الجهادِ كلمةُ عَدْلٍ عند سلطانٍ جائرٍ". وهذا الحديث أخرجه الترمذي في "جامعه" من رواية عطيَّة، عن أبي سعيد الخُدْري، وقال فيه: وهذا حديث حسن غريب (٣).

стр. 845

والأمر كما قال؛ لعدم تهمة عطّية بن سعيد (١) بالكذب، ورواية الأكابر عنه، لكنه ممسوسٌ بالضعف (٢). الثالثة والخمسون بعد المئتين: لمَّا حَكَمَ في "الإحياء" بأنه يستحب الإنكارُ في حالة خوف الضرر، وبَسطَ الكلامَ فيه، [وشرَطَ] (٣) أن يقتصرَ المكروهُ عليه، فإنْ علمَ أنه يُضرب معه من أصحابه أو أقاربه أو رفقائه، فحكمه أنه لا يجوز له الحسبة، بل يحرم؛ لأنه عَجزَ عن دفع المنكر، إلا أن يُفضي ذلك إلى منكرٍ آخرَ، وليس [ذلك] من القدرة في شيء (٤). الرابعة والخمسون بعد المئتين: علم أنه لو احتسب لَبَطل ذلك المنكرُ، ولكنْ كان سبباً لمنكرٍ آخرَ يتعاطاه غيرُ المُحتسبِ عليه، فذكر في "الإحياء": أنه لا يحل له الإنكارُ على الأظهر؛ لأنَّ المقصودَ عدمُ مناكير (٥) الشرع مطلقاً لا من زيدٍ أو عمروٍ؛ وذلك بأن يكون مع الإنسان مثلاً شرابٌ حلالٌ نجسٌ بسبب وقوع نجاسة فيه، وعلم أنه لو أراقه لشرب صاحبُه الخمرَ، أو شربَ أولادُه؛ لإعوازه الشراب الحلال، فلا معنى لإراقته ذلك. قال: ويحتمل أن يقال: إنه يريقُ ذلك فيكون هذا مبطلاً للمنكر،

стр. 846

وأما شُرب [الآخرِ] (١) [الخمرَ] (٢) فهو المَلومُ فيه، والمحتسب غيرُ قادرٍ على منعه من ذلك المنكر، وقد ذهمب إلى هذا ذاهبون، وليس ببعيد. قال: هذه مسائل فقهية لا يمكن فيها الحكمُ إلا بظن، ولا يبعد أن يفرقَ بين درجات المنكر، وينكرها الذي تُفضي إليه الحِسْبةُ والتغييرُ، فإنه إذا كان يذبحُ شاةً لغيره ليأكلها، وعلم أنه لو منعه ذلك لذبح إنساناً وأكله، فلا (٣) معنى لهذه الحسبة، نعم لو كان مَنْعُهُ من ذَبْحِ إنسانٍ وقَطْعِ طرفِهِ يحملُهُ على أخذ ماله، فذلك له وجهٌ (٤). الخامسة والخمسون بعد المئتين: ذكر غيرُ واحد هذا (٥) الذي أذكر معناه، واللفظ لبعضهم، وهو: أن سبيل مُنْكِرِ المُنْكَر أن ينكرَهُ بقدر ما يظن زوالَه فقط، فإن أمكن زوالُه بالتخويف والوعظ والزجر اقتصر على ذلك، ولم يبسط يدَه إلى سواه، وإن احتاج فيه إلى فعلٍ مع القولِ، اقتصر على أيسرِ ما يمكن زوالُه به، ولم يجاوز ذلك، وإن احتاج إلى القتال قاتَلَ عليه. ورتَّب ذلك على حسب ما يؤدِّيه اجتهادُه وغلبةُ الظنِّ، فإن لم يمكن إنكارُه بلسان، ولا يد، أنكر بقلبه، ورغب إلى الله تعالى في إزالته. قال: هذا الذي أشرتُ إليه. ولا يبلغ مُنْكِرُ المُنْكَرِ بالسيف

стр. 847

والسلاح إلا مع السلطان (١)، ولكن ينكر بما دونَ السيفِ والسلاحِ (٢). [و] (٣) هذا التدريج الذي حكينا، ذهب إليه غيرُ واحد من الأشعريةِ والمعتزلةِ، والذي ذكرته آنفاً هو عن بعض الأشعرية. ورأيت بعض المتكلمين، وبعضَ من تكلم في التفسير [قد] (٤) استأنس في ذلك بقوله (٥) تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فأمرَ أولاً بالإصلاح، وفي الأخير بالقتال. قال المفسّرُ بعد أن تلا الآيةَ: قدَّمَ الإصلاح على القتال، وهذا يقتضي أن يبدأ - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بالأرفقِ فالأرفقِ مترقياً إلى الأغلظ فالأغلظ، قال: وكذا قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، وإذا لم يتمَّ الأمرُ بالتغليظ والتشديد، وجب عليه القهرُ (٦) باليد، فإنْ عَجَزَ فبالقلبِ (٧). قلت: هذا الذي ذكر من التدريج إن كان على سبيل الاستحباب فلا بأسَ، وإن كان على سبيل الوجوب، فيُشكل عليه حديثُ أبي

стр. 848

سعيد الخُدْري ﵁ الصحيح: "منْ رأى مُنْكَراً فَليُغيِّره بيده، فإنْ لم يستَطِعْ فبلسانِهِ، فإن لم يستطِعْ فبقلبِهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمان" (١). فأمرَ بالتغيير أولاً باليد، وشرطَ في الاكتفاء بتغيير اللسان عدمَ الاستطاعة بتغيير اليد، وما ذكره من الاستشهاد على ذلك بقتالِ البغاة، وكذلك ما يمكن أن يُستشهد به عليه من دفع الصائل، فإنه يجب البَداءةُ فيه (٢) بالأهون فالأهون، فالسببُ فيه أنَّ قتلَ المسلمِ مفسدةٌ [عظيمة] (٣) [عظمُي] (٤) عند الله من زوال الدنيا (٥)، فيجب أن لا تُوْقَع هذه المفسدةُ مهما أمكن ذلك، وكذلك ضربُ المرأةِ مفسدةٌ لا تُوْقَعُ إلا بعد العجْز عن دفعها بما دونه لقيام المانع، فإن كان إنكارُ المنكر مما يؤدي إلى مثل هذا من إيقاع المفاسد المحظورةِ شرعاً، فهو مثل

стр. 849

ما ذُكِر سواء، لكنه أمرٌ عارضٌ، فلا ينبغي أن يُجعلَ ذلك حكماً عامًّا في إنكار المنكر حيث لا يؤدي إلى وقوعِ المفاسد المحرمة شرعاً، والكلامُ في درجة الوجوب. فإن قلت: الإغلاظُ سببٌ في ثوران نفس الظالم المرتكِبِ للمنكر، ولجاجِهِ فيما هو فيه، وأحبّ شيء إلى الإنسان ما مُنِعَ، وربَّما أدى ذلك إلى فتنة. قلت: إن كانت هذه قضية جزئية تفرضها، وكانت البُداءة بالإغلاظ (١) توقع في مثل هذه المفسدة المذكورة في قتل الباغي ودفع الصائل، سلَّمناه، فلا (٢) يجوز في هذه الصورة إلا ما يجوز في دفع الصائلِ والباغي من التدريج. وإن جعلتَ هذه المفسدةَ مقتضيةً لوجوب التدريج مطلقاً، فهذه مفسدة ألغى الشارعُ اعتبارَ دفعِها؛ لأنها عامةٌ غالبة في حق مرتكب المنكر، فلو اعتُبِرَ ذلك مطلقا أدى إلى مخالفة النص المذكور في حديث أبي سعيد، وقد يكون الشارعُ اعتَبرَ مصلحةَ الإغلاظ (٣) على مرتكب المنكر عقوبة له على تجرّئه على حدود الله تعالى. السادسة والخمسون بعد المئتين: قد قدمنا الحكايةَ عن بعض

стр. 850

متكلمي الأشعرية، فإنه لا يبلغ مُنْكِرُ المنكَر بالسيف والسلاح [إلا مع السلطان، ولكن يُنكر بما دون السيف والسلاح] (١). وذكر محمود الخوارزميُّ المعتزليُّ تلميذُ أبي الحسين البصري اختلافاً فيما بعد النهيِ بالقولِ من المنع بالضرب والقتال قال: فقال قوم: إنَّ ذلك واجبٌ على الإمام ومن يَلِي منه دونَ غيرِه. قال: وقال شيوخُنا: بل ذلك واجب على الكل، والدليل لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩]، والأمرُ في الآية بالقتال يتناول جميعَ المكلفين. وقال بعضُ مصنِّفي الشافعية الفقهاء (٢): ومن رأى مرتكباً لمحرَّمٍ؛ كشرب الخمر وغيره من أنواع المحرمات، وافتقر في إزالته إلى شهرِ السلاح، فقد منعه الأصوليون اتفاقاً، وأجازه طوائفُ من الفقهاء (٣). السابعة والخمسون بعد المئتين: الصَّائلُ لأخذ المال: المشهور أنّه يجوز قتالُه، وحُكِيَ عن قديم الشافعي ﵁: أنه إنْ أدى إلى قتل الصَّائل - أو (٤) إتلافِ بعض أعضائه (٥) لم يجزْ،

стр. 851

والمذهبُ خلافُه (١)، والحديثُ الصحيح، وهو قوله ﷺ : "من قُتِلَ دُوْنَ مالِهِ فهو شهيدٌ" (٢) يدلُّ على الجواز، هذا في المال الكثير. الثامنة والخمسون بعد المئتين: لا يجوز إنكار المنكر بمباشرة فعلٍ محرمٍ شرعاً إلا لمعارض، لاسيما إذا كان ما يُبَاشَرُ أعظمَ مفسدةً مما يُنْكَر، فمن بَسط لسانَه بالغيبةِ والقذفِ مثلاً، فخطر ببالِ المتولِّي أن ينكرَ عليه بقطع لسانه [لم يجزْ] (٣). وقد (٤) نقلوا ما معناه: أن عمر ﵁ عزم على قطع (٥) لسان الحُطَيئةِ بسبب الهجوِ (٦)، فإنْ صحَّ ذلك فهو من باب العزم على المصالح المرسلة، فحَمْلُهُ على التهديد الرادعِ للمصلحة أولى من حَمْلِهِ على حقيقة القَطْعِ للمصلحة، وهذا يجرُّ (٧) إلى النظر فيما يسمَّى

стр. 852

مصلحة مرسلةً، والاسترسالُ في ذلك (١) عظيم، ويقع فيه منكراتٌ عظيمةُ الوقع في الدين، واسترسال قبيح في أذى المسلمين، ولست أنكِرُ على من اعتبر أصلَ المصالح المرسلة، لكن يحتاج إلى نظر شديدٍ، وتأمل سديدٍ، وعدمِ التجاوز للحد المعتبر. التاسعة والخمسون بعد المئتين: تكلَّموا في إنكار الولد على الوالدى (٢)، قال بعضُ المالكية: فإذا رأى الرجلُ أحدَ أبويه على منكرٍ من المناكير فَلْيَعِظْهُما برفق، وليقل لهما في ذلك قولاً كريماً، كما أَمرَ الله تعالى حيث يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. وغيرُه رتَّب الحِسْبةَ خمسَ مراتب: الأولى: التعريف. والثانية: الوعظ بالكلام اللطيف. والثالثة: السب والتعنيف، قال: ولست أعني بالسبِّ الفحشَ، بل أن يقول: يا جاهل! يا أحمق! أما تخاف الله؟! وما يجري هذا المجرى.

стр. 853

والرابعة: القهرُ (١) بطريق المباشرة؛ ككسر الملاهي، وإراقةِ الخمر، واختلاعِهِ الثوبَ الحريرَ من رأسه، واستلابِ الشيء (٢) المغصوب منه وردِّه على صاحبه. و [الخامسة]: التخويف بالتهديد بالضرب، أو مباشرة الضرب له حتى يمتنعَ عمَّا هو عليه (٣). وجعلَ للولد الحسبةَ بالرتبتين الأوليين وهو التعريف، ثم الوعظ والنصح باللطف، قال: وليس له الحِسبةُ بالسبِّ والتعنيف والتهديد، ولا بمباشرة الضرب، وهما الرتبتان الأخيرتان، وهل له الحسبة بالرتبة الأخيرة (٤) بحيث يؤدي إلى أذى الوالد وسخطِهِ؟ قال: فيه نظرٌ، وهو أن يكسرَ [مثلاً] (٥) عودَه، ويريقَ خمرَه، ويَحِلَّ الخيوطَ من ثيابه المنسوجةِ بالحرير، ويردَّ إلى الملَّاكِ ما يجده في بيته من المال الحرام الذي غصبه أو سرقَه أو أخذَه عن (٦) إدرار

стр. 854

ورزق من ضريبة المسلمين، إذا كان صاحبه معيناً، ويُبطل الصورَ المنقوشةَ على حيطانه، والمنقوشةَ في خشب بيته، ويكسرَ أوانيَ الذهبِ والفضةِ، فإنَّ فِعْلَه في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب، بخلاف الضرب والسبّ، لكن الوالد قد يتأذى به ويسخطُ بسببه، إلا أنّ فعلَ الولدِ حق، وسخطَ الأبِ (١) منشؤه حبُّه للباطل والحرام. والأظهر في القياس أن يثبتَ ذلك للولد (٢)، بل يلزمه أن يفعلَ ذلك، ولا يبعد أن ينظرَ إلى قُبحِ المنكر؛ كإراقة خمرِ مَنْ لا يشتدُّ غضبُه، فذلك ظاهر (٣)، فإن كان المنكرُ فاحشاً والسخطُ شديداً؛ كما لو كانت آنيةَ بلور أو زجاج على صورة حيوان، وفي كسرِها خُسرانُ مالٍ كثير، فهذا مما يشتد فيه الغضب، وليس تجري هذه المعصيةُ مجرى الخمرِ وغيرِه، فهذا كلُّه مجالُ النظرِ (٤). قلت: أمّا إباحةُ التعريف، والوعظ بالقول اللطيف، فلا شكَّ في [إباحة] (٥) ذلك. وأما المنع من السبّ فصحيح أيضاً، بل لو طُولبنا بدليل على

стр. 855

جوازِ السب في حقِّ الأجنبي لاحتجنا إلى ذلك، لا سيما إذا كان مستغنىً عنه في إنكار المنكر. وأما الثالثة التي جعل فيها نظراً، فتحريمُ الإنكارِ على الولد عندي فيها بعيد. وأمّا ما نحن فيه من نصرة المظلوم إذا كان الأب ظالماً فأبعد؛ لاسيما إذا كان الضررُ شديداً، فلا يمكن بوجهٍ من الوجوه أن يقالَ بتحريم الإنكار على الأب بطريق المنع والدفع، وإنما اخترت هذا المذهب لوجوه: أحدها: أنَّ الأبَ إذا أُمِر بترك إنكار المنكر وكانت مخالفتُه مما يسخطُه، وجبَ أن لا يطاعَ؛ لقوله ﷺ : "لا طَاعَةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخَالِقِ" (١)، وكذلك (٢) إذا لم يكن هاهنا أمرٌ ومخالفةٌ له (٣) بدليل، وبل أولى؛ لأنَّ المخالفةَ بعد الأمر أشدّ منها قبلَ الأمرِ.

стр. 856

وثانيها: أنَّ جنسَ هذه المصلحة؛ أعني: احترامَ الوالد (١)، قد ألغاه (٢) الشرعُ في جنس المعصية حيث يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، [وبسبب هذا سقطت حرمة الأبوين في الشرك، وذلك] (٣) لتقديم حفظِ حرمات الله تعالى، ودفعِ المفاسد في الأرض على حُرمةِ الوالد. فإن قلت: فذاك في حقّ الأب الكافر لا في حق [الأب] (٤) المسلم. قلت: قد ذكرتُ أنَّ الشارعَ أهدرَ جنسَ المصلحةِ بالنسبة إلى جنس برِّ الوالدين، ولم أقل: أهدرَ عينَها. وثالثها: أناّ إذا اعتبرنا اشتقاقَ (المحادّة)، وأخذناه (٥) من الحدّ، وأن يكون كلُّ واحد من المُتَحادَّين في حد عن الآخر (٦)، والمرادَ (٧)

стр. 857

بمحادّة الله تعالى مخالفةَ أمرِه وتعدِّي حدوده، أو مخالفة رسوله، أو ما أشبهه، فباعتبار الاشتقاق يدخل تحت (١) المخالفةِ بالمعصية، فتتناوله الآيةُ. ورابعها: الإنكارُ على الأب إحسانٌ إليه، والإحسان إليه واجب، فالإنكار عليه واجب. أما إنه إحسان إليه؛ فلأنه تخليصٌ له من ورطة العقاب واستحقاقِ العذاب، وذلك إحسان. وأما إنّ الإحسان إليه واجب؛ فلِقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فهو عام أو مطلق [يفهم منه العموم] (٢) في كل إحسان إلا ما خصَّهُ الإجماع، أو دليلٌ مقدمٌ على العموم. وخامسها: إذا كان منكَرُ الأب ظلماً للغير؛ كأخذ ماله أو غصبِهِ، فردُّه على المالك نصرة للأب؛ لأنه منعٌ له من الظلم؛ لقوله ﷺ : "انصر أخاك ظالمٌ أو مظلوماً"، وجَعَلَ نصرَه ظالماً أن يمنَعه من الظلم (٣)، واذا كان نصراً للأب وجبَ أن يجب؛ لأنَّا أُمِرْنا بنصر (٤) المظلوم.

стр. 858

وسادسها: قد قدمتُ الإشارةَ إليه [من] (١) أنّ القدرَ الواجبَ من برِّ الوالدين غيرُ منضبط عندنا بضابط حاصِرٍ مُبيَّنٍ (٢)، والقيامُ بحدود الله تعالى، ودفعُ محارمِهِ، وإزالةُ المفاسد عن الدين، قاعدةٌ معلومةُ الثبوتِ قطعًا من الشرع، وكون هذا الشيء المُزالِ منكراً و (٣) محرماً ومفسدة، معلومٌ أيضاً قطعاً، وتقديمُ المعلومِ على المجهولِ راجحٌ. وسابعُها: أن إزالةَ المفاسد الشرعية والمنكراتِ (٤) القبيحةِ عن الدين من مرتبة الضرورة، وجنسُ برِّ الوالدين من مرتبة التحسين أو تتمتِهِ (٥)، ومرتبةُ الضرورة متقدمةٌ (٦)، وليس قولنا: إنه من مرتبة التحسين والتتمة (٧)، مما ينافي القولَ بوجوبه، فلا يُغْلَطنَّ (٨) في ذلك. وثامنها: أنّ الأبَ - بارتكابه [ما] (٩) حرّمه اللهُ تعالى - هاتِكٌ

стр. 859

لحرمته، فإن انهتكت (١)، فهو هاتكُها بالحقيقة، ولا شكّ أن المسلمَ محرَّمُ الدمِ واجبُ العِصمة، فإذا صَالَ على غيرِه في نفسِهِ أو مالِهِ، دفَعه، ولو أدَّى إلى قتله، فكان (٢) هو الهاتك لحرمته وعصمته بالصّيال. ولا ينتهض عندي غضبُ الوالد وسخطُه؛ لأَنْ يرى الولدُ المالَ المحرَّمَ تحت يده يأكله ظلماً كمالكه، ويتركَ الوالدَ (٣) يأكلُه يستبيحُه مع القدرة على ردِّه لمالكه، هذا في غاية البُعد. فإن ترقَّينا إلى أن يراه يريدُ قتلَ المسلم بالسيف ظلماً، وتعذَّر عليه دفعهُ عنه إلا بما يُسْخطُه، فقد خرج الأمر [عن الاستبعاد] (٤) إلى القطع يبطلان [قول] (٥) من يقول بمنع ذلك. وأما القول بالنظر إلى مقابلة المصالح والمفاسد فهو جَرَيَانٌ على قاعدة عامّة، ولكن النظر في إن اشتدَّ غضبُ الأب، هل يقاوم (٦) ارتكابَ هذه المعاصي؟ ومن قال: إن الابنَ إذا رأى الأبَ قد أعدَّ آلاتِ شربِ الخمر،

стр. 860

وأحضرَ الخمرَ إلى منزله، والابنُ قادرٌ على إزالة ذلك بالإراقة، ويكون الواجب عليه أن لا يفعلَ ذلك، ويمكِّنُ (١) الأبَ من الشرب؛ لأجل حرمته، فقد أتى عندنا أمراً يحتاج إلى نصٍّ شرعي مبيّنٍ لهذا الحكم، ودالٍّ عليه. [قال] (٢): فإن قيل: ومن أين قلتم إنه ليس له الحسبةُ بالتعنيف والضرب والإرهاق (٣) إلى ترك الباطلِ، والأمرُ بالمعروف في الكتاب والسنة ورد عاماً من غير تخصيص، وأما النهي عن التأفيف والأذى فقد وردَ، وهو خاصٌّ فيما لا يتعلق بارتكاب المنكر؟ فنقول: قد وردَ في حق الأب على الخصوص ما (٤) يوجب الاستثناء عن (٥) العموم؛ إذ لا خلاف في أن الجلَّادَ ليس له أن يقتُلَ أباه [في الزنا] (٦) حَدًّا، ولا أن يباشِرَ إقامةَ الحد عليه، بل لا يباشرُ قتل أبيه الكافرِ، بل لو قطع يدَه لم يلزمه قِصاصٌ، ولم يكن له أن يؤذيَهُ في مقابلته، وقد ورد في ذلك أخبارٌ، وثبَتَ بعضُها بالإجماع (٧)، فإذا

стр. 861

لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جنايةٍ سابقة، فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع من جناية مستقبَلةٍ متوقَّعَةٍ، بل أولى، هذا قوله، أو كما قال (١). قلت: أمّا أنه ورد في حق الأب ما يوجب استثناءَه في إنكار المنكرات، فإن كان ذلك هي العمومات الموجبةُ لبره والإحسان إليه، فهي بالنسبة إلى العمومات الدالة على وجوب إنكار المنكر مما تتعارض فيه العموماتُ من وجهٍ دون وجه؛ لأنه إذا قال: وجب أن يُستثنى عن (٢) الأمر بالمعروف حالُ الوالد للدلائل الدالة على [وجوب] (٣) برِّه، قال خصمُه: وجب أن يُستثنى عن الدلائل الدالة على وجوب برِّه حالُ ارتكابِه للمعصية؛ للدلائل الدالة على وجوب الأمر

стр. 862

بالمعروف والنهي عن المنكر (١). فليس استثناء الأب من دلائل الأمر بالمعروف بأولى من استثناء الأمر بالمعروف من دلائل وجوب البِر إلا بترجيحٍ من خارج، وقد أشرنا إلى ما يقتضيه، وإن كان الموجبُ للاستثناءِ ما ذُكِرَ [من] (٢) أنه لا خلافَ في أنّ الجلَّادَ ليس له أن يقتلَ أباه حدًّا، فلعل السببَ فيه أنه لا يتعيَّنُ لذلك، ويمكن إقامةُ الحدِّ بدونه، فإقدامُه عليه إيذاءٌ (٣) واستهانةٌ من غير ضرورة، لا سيما إذا لم يتضيَّقِ الوقت في إقامة الحد. وكذلك نقول: سبيلُ إراقة الولدِ خمرَ الوالد الذي أعدَّه للشرب سبيلُ فروض الكفايات، فإن كان يمكن إزالة غيره [له] (٤)، وارتفاع المفسدة بفعل سواه، فلا يجب عليه ذلك، بل نزيد ونقول: إنه قد يمكن أن يُعتبر في إسقاط الوجوب عن الولد ما لا يُعتبر في إسقاطه عن الأجنبي، وهذا حقيقةُ مذهبِ مالك في قتل الأبِ لولده، فإنه قال: إذا أضجعه وذبحه أُقيد (٥) [به] (٦) (٧)، وحاصلُه: أن يُتَوَسَّعَ

стр. 863

في إسقاط القصاص عن الأب بما (١) لا يُتَوَسَّع بِهِ في إسقاطه عن الأجنبي. وأما أن يجبَ عليه تركُ الإنكار والإراقة، والتمكينُ (٢) من هذه المعصية الكبيرة بحفظ حرمة عاصٍ لله تعالى بارتكابها، فبعيد. فإن فُرضَ في مسألة الجلَّادِ أنه تعيَّن لإقامة الحد، والوقت مضيق لا يحلُّ التأخيرُ فيه، فقد يَمنع قيامُ الإجماع على التحريم (٣)، والله أعلم. وأما قتلُ أبيه الكافر فليس فيه إجماع، والمذكور (٤) عن مالكٍ وغيره: الكراهةُ في أن (٥) يبارزَهُ، وقال سُحنون: وإن اضطرَّهُ أبوه المشركُ وخافَه، فلا بأس أن يقتلَه، وذكر في "النوادر" (٦) في أثناء كلامٍ لغيره - أو له -: وقد تنازعَ الناس في الأب، وقد أتى أبو عبيدة إلى النّبي ﷺ برأس أبيه، وفيه نزلت: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ إلى قوله

стр. 864

﴿آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] (١). ومسألةُ قطع يده لا إجماعَ فيها أيضًا، فالمالكية (٢) ينازعون فيه، ونصَّ بعضُهم على المسألة؛ أعني: أنه لو حزَّ يدَه أنه يُقاد (٣). الستون بعد المئتين: قال (٤): وهذا الترتيبُ أيضاً ينبغي أن يجريَ في العبد والزوجة مع السيد والزوج، فهما قريبان من الوالد في لزوم الحقِّ، وإن كان مِلكُ اليمينِ آكدَ من مِلك النكاحِ، ولكن في الخبر أنه: "لو جازَ السجودُ لمخلوقٍ لأمرتُ المرأةَ بالسُّجودِ لبَعْلِها" (٥)، وهذا يدلُّ على تأكيد الحق أيضاً.

стр. 865

الحادية والستون بعد المئتين: قال: وأمّا الرعيَّةُ مع السلطان، فالأمرُ فيه أشدُّ من الولد (١)، فليس لها (٢) معه إلا التعريفُ والنصحُ، وأما الرتبة الثالثة ففيها نظرٌ من حيثُ إنَّ الهجومَ على أخذ الأموال (٣)، وردَّها إلى الملاك، و (٤) تحليلَ الخيوطِ من ثيابِهِ الحريرِ، وكسرَ الخمورِ من بيته، يكاد يُفضي إلى خَرْقِ هَيْبتِه، وإسقاطِ حِشْمته، وذلك محذورٌ وردَ النهيُ عنه (٥)؛ كما ورد في السكوت عن المنكر، فقد تعارضَ (٦) فيه محذوران (٧)، والأمر فيه موكولٌ إلى اجتهادٍ منشؤُه

стр. 866

النظرُ في تفاحُشِ المنكر (١)، ومقدارِ ما سقطَ من حِشْمتِهِ بسبب الهجوم عليه، وذلك مما لا يمكن ضبطُه. الثانية والستون بعد المئتين: قال: وأما التلميذ والأستاذ فالأمر فيما بينهما أخفُّ؛ لأن المحترمَ هو الأستاذُ المفيدُ للعلم من حيث الدين، ولا حرمةَ لعالم لا يعمل بعلمه، فله أن يعامِلَه بموجب علمه الذي تعلَّمه منه. ورُوي أنه سُئِل الحسنُ [عن الولد] (٢): كيف يحتسب على والده؟ فقال: يعِظه ما لم يغضب، فإنْ غضِبَ سكتَ عنه (٣). الثالثة والستون بعد المئتين: قد تقدم أن الضررَ - أو (٤) المكروه - اللاحق بالمنكِرِ مما يُسقِطُ الوجوبَ، لكن ذلك أمرٌ مترقَّب متوقَّع يكفي فيه غلبةُ الظن، فلو غلب على ظنِّه أنَّه يصيبه المكروهُ سقط الوجوب، وإن احتمل أن لا يصيبَه. الرابعة والستون بعد المئتين: فإن (٥) غلب على ظنه أن لا يُصابَ، ولكن يجوّز ذلك، ففي "الإحياء": أن مجودَ التجويزِ

стр. 867

لا يُسقط الوجوبَ، فإن ذلك ممكن (١) في كل حسبة (٢). الخامسة والستون بعد المئتين: وإن شكَّ فيه من غير رجحان، قال في "الإحياء": فهذا محلّ النظر؛ فيحتمل أن يقال: الأصل الوجوب بحكم العمومات، وإنما يسقط بمكروه، والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعاً، وهذا هو الأظهر. ويحتمل أن يقال: إنه إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضَرر عليه، أو ظن أنه لا ضررَ عليه، والأولُ أصحّ نظراً إلى قضية العمومات المُوجبةِ للأمر بالمعروف (٣). السادسة والستون بعد المئتين: التوقُّع للمكروه يختلف باختلاف الجُبن والشجاعة، فقد جُعِلَ التعويلُ على اعتدال الطبع، وسلامةِ العقل والمزاج، قال صاحب (٤) "الإحياء": وعلى الجبان أن يتكلَّف إزالةَ الجبن بإزالة علَّتِه، وعلّتُه: جهلٌ أو ضعفٌ، ويزول الجهلُ بالتَّجْرِبة، وبزول الضعفُ بممارسة الفعل المَخُوف منه تكلفاً حتى يصيرَ معتاداً، إذ المبتدئ في المناظرة والوعظ مثلاً قد يجبُن عنه طبعُه لضعفِهِ، فإذا مارس (٥) واعتادَ فارقَه الضعفُ (٦)، فإن

стр. 868

صار ذلك ضروريًّا غير قابل للزوال بحكمِ استيلاء الضعف على القلب، فحكم ذلك الضعيف يتبع حالَه، فيُعْذر كما يُعذر المريضُ في التقاعد عن بعض الواجبات، وكذلك قد نقول على رأي: لا يجب ركوبُ البحر لأجل حَجَّةِ الإسلام على من يغلب عليه الجبنُ في ركوب البحر، ويجب على من لا يعظُم خوفُه منه، فكذلك الأمر في وجوب الحسبة (١). قلت: لا يبعد أن يُعتبر حالُ الشخص في نفسه وطبعه، ويُدار عليه الحكم في الوجوب أو السقوط، ويشهد له إطلاقُهم القولَ على ذلك الرأي بالسقوط عن الجبان المستشعر من غير أن يُكلَّف إزالةَ الجبنِ وتعويدَ النفس ركوبَ البحر؛ ليسهُلَ على طبعه ركوبُه، وتزولَ قوةُ خوفه، والله أعلم. السابعة والستون بعد المئتين إلى تمام السبعين: المكروه المتوقع غير منضبط في كلام أكثرهم، وليس مطلقُ المكروه كافيًا في سقوط الواجبِ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودرجاته تختلف، كالكلمةِ المؤذية، واستطالةِ اللسان، والضرب، والقطع، والقتل، وغيرِ ذلك مما تتفاوتُ رتبُه. ولقد بلغني عن بعض أهل الإسكندرَّية: أنه كان يأمر بالمعروفِ و (٢) يناله المكروهُ، فقال له بعضُ فقهائهم المشهورين بالعلم، وكان

стр. 869

يُنسب إلى بلدٍ: أنا لو قيل لي: يا فلاني، وذكر نسبتَه إلى بلده، يسقط (١) عني التكليفُ، أو كما قال. وهذا بعيدٌ لا سيما إذا عظُم المنكرُ، ولابد في هذا من الموازنة بين عِظَمِ المنكرِ والمكروهِ الذي يُتوقع، وقد طوَّل في "الإحياء" ضبطاً لهذه الأمور، ونحن نُورد منه باختصارٍ يسير، فقال: المكروه نقيضُ المطلوب، ومَطالِبُ الخَلْق في الدنيا ترجع إلى أربعة أمور؛ أما في النفس فالعلمُ، وأما في البدن فالصحةُ والسلامة، وأمّا في المال فالثروةُ، وأمّا في قلوب الناس فقيامُ الجاه. ثم قال: وكلُّ واحد من هذه الأربعة يطلبها الإنسانُ لنفسه ولأقاربه المختصين (٢) به، ويُكره في هذه الأربعة أمران: أحدهما: زوالُ ما هو حاصلٌ موجود. والآخر: امتناعُ ما هو مُنتَظَرٌ مفقود. وذكر أن خوفَ امتناعِ المُنتظَرِ لا ينبغي أن يكون مُرخِّصاً في ترك الأمر بالمعروف أصلاً، ومثَّله في المطَالِب الأربعة: أما العلم: فمثالهُ تركُ الحسبة على الأستاذ خوفاً من أن يَقبُحَ حالُه عنده، فيمتنع من تعليمه.

стр. 870

وأما الصحة: فكتركِهِ (١) الإنكارَ على الطبيب الذي يدخل عليه مثلاً - وهو لابسُ حريرٍ - خوفاً [ن] (٢) أن يتأخرَ عنه، فتمتنع بسببه صحتُه المنتظرةُ. وأما المال: فهو كتركِهِ (٣) الحسبةَ على السلطان وأصحابه، وعلى من يُواسيه من ماله، خوفًا (٤) من أن يَقطع إدرارَه في المستقبل، ويترك مواساتَه. وأما الجاه: فتركه الحسبة على من يَتوقع منه نصرةً وجاهاً في المستقبل، خِيفةَ أن (٥) لا يحصلَ له الجاه، أو خيفةً من أنْ يَقبُحَ حالُه عند السلطان الذي يتوقع منه ولايةً. وقال (٦): وهذا كلُّه لا يُسقط وجوبَ الحسبة، فإن هذه زيادات امتنعت، وتسميةُ امتناع حصول الزيادت ضرراً مجاز، وإنّما الضرر الحقيقي فواتُ حاصلٍ. ولا يستثنى من هذا شيء إلا ما تتحقق (٧) إليه الحاجة، ويكون فى فواقه محذوز يزيد على محذور السكوت على المنكر، كما أنه إذا

стр. 871

كان محتاجاً إلى الطبيب لمرض ناجز، والصحةُ منتظرة من معالجة الطبيب، ويعلم أن في تأخيره شدةَ الضَّنَى، وطولَ المرض، وقد يُفْضِي إلى الموت، وأعني بالعلم: الظنَّ الذي يجوز بمثله تركُ استعمالِ الماء والعدول إلى التيمم، فإذا انتهى إلى هذا الحد لم يَبعد أن يُرخَّص؛ [يعني] (١): في ترك الحسبة. وأما في العلم: فمثلُ أن يكونَ جاهلاً بمهمَّات دينه، ولم يجد إلا معلماً واحداً (٢)، وعلمَ أن المحتسب عليه قادرٌ على أن يسدّ عليه طريقَ الوصول إليه، لكون العالم مطيعاً له، أو مستمعاً لقوله، فإذًا الصبرُ على الجهل بمهمات الدين محذورٌ، والسكوت عن (٣) المنكر محذور (٤)، ولا يبعد أنْ يرجّحَ (٥) أحدُهما، ويختلف ذلك بتفاحُشِ المنكر وشدة الحاجة إلى المعلم؛ لتعلُّقه بمهمات الدين. وأما في المال: فكمَنْ يعجَزُ عن الكسب والسؤال، وليس هو قويَّ النفس في التوكل، ولا ينفق (٦) عليه سوى شخصٍ واحد، ولو احتسب عليه لقطع رزقه، وافتقر في تحصيله إلى طلب إدرارٍ حرامٍ،

стр. 872

أو مات جوعاً، فهذا أيضاً إذا اشتدَّ الأمرُ فيه لم يبعد أن يرخَّص له في السكوت. وأما الجاه: فهو أن يؤذيَه شريرٌ، ولا يجدُ سبيلاً إلى دفع شره إلا بجاهٍ يكتسبه من سلطان، ولا يقدر على التوصل إليه إلا بواسطة شخص يلبس الحريرَ أو يشرب الخمرَ، ولو احتسب عليه لم يكن واسطةً ووسيلة [له] (١)، فيمتنع عليه حصولُ الجاه، ويدومُ بسببه أذى الشريرِ. فهذه كلُّها إذا ظهرت وقَوِيت لم يبعد استثناؤها، ولكنَّ الأمرَ فيها منوطٌ باجتهاد المحتسب حتى يستفتيَ فيها قلبَهُ، وَيزِنَ أحدَ المحذورَيْن بالآخر، ويرجِّحَ بنظر الدين، لا بموجب الهوى والطَّبعْ. وأما القسم الثاني، وهو فوات الحاصل: فهو (٢) مكروهٌ معتَبرٌ في جواز السكوت في الأمور الأربعة إلا العلم، فإن فواتَه غيرُ مخوف إلا بتقصير منه، وإلا فلا يقدِرُ أحدٌ على سَلْبِ العلم من غيره. ثم قال: وأما الصحَّة والسلامة ففواتُها بالضرب، فكل مَنْ عَلِمَ أنه يُضْربُ ضرباً مؤلماً [مبِّرحاً] (٣) يتأذى به في الحسبة، لم تلزمه الحسبةُ، وإن كان ذلك يستحب له كما سَبق (٤)، فإذا فُهم هذا في

стр. 873

الإيلام والضرب (١)، فهو في الجرح والقتل والقطعِ (٢) أظهرُ. وأما الثروة فهو أنه (٣) يعلم أنه تُنْهَبُ دارُه ويُخَرَّبُ بيتُه، وتُسلَبُ ثيابُهُ، فهذا أيضاً يُسقط عنه الوجوب، ويبقى الاستحباب، إذ لا بأس أن يفديَ دينَه بدنياه. ولكل واحد من الضرب والنهب حدٌّ في القلة لا يُكترث به؛ كالحبة في المال، واللَّطْمةِ الخفيف (٤) ألمُها في الضرب، وحدٌّ في الكثرة يُتيقَّن اعتبارُه (٥)، ووسطٌ يقع في محل الاشتباه والاجتهاد، وعلى المتديّن أن يجتهدَ فيه، ويرجحَ جانبَ الدين ما أمكن. قلت: إطلاقُ القول في اللطمة الخفيفة فيه نظرٌ بالنسبة إلى أرباب المروءات وأعيانِ الناس. قال: وأمّا الجاه ففواتُه بأن (٦) يُضربَ ضربًا غيرَ مؤلمٍ، أو يُسبَّ على ملأٍ من الناس، أو يُطرحَ منديلُه في رقبته ويدارَ به في البلد، أو يسوَّدَ وجهُه ويطافَ به، وكل ذلك من غير ضرب مؤلم للبدن، وهو قادح في الجاه، ومؤلمٌ للقلب، وهذا له درجات.

стр. 874

والصواب أن يُقسَم إلى ما يُعبَّر عنه بسقوط المروءة؛ كالطواف به في البلد حاسِراً حافياً، فهذا يرخَّص [له] في السكوت؛ لأنَّ المروءةَ مأمور بحفظها في الشرع، وهو (١) مؤلم للقلب ألماً يزيد على ضرباتٍ معدودة، وعلى فوات دُرَيهِمَاتٍ قليلةٍ، فهذه درجة. الثانية: ما يُعبَّر عنه بالجاه المَحْضِ وعلوِّ الرتبة، فإن الخروجَ في ثياب فاخرة تجمُّل، وكذلك الركوب للخيول، فلو عَلِم أنه لو احتسب كُلِّفَ المشيَ في السوق في ثياب لا يَعتاد هو مثلَها، أو كُلِّف المشيَ راجلأ وعادتُه الركوب، فهذا من جملة المزايا، وليس المواظبةُ على حفظها محموداً، وحفظ المروءة [محمود] (٢)، فلا ينبغي أن يسقطَ وجوبُ الحسبة بمثل هذا العذر، وفي معنى هذا ما لو خاف أن (٣) يُتعرض له باللسان؛ إمَّا في حضرته بالتجهيل أو (٤) بالتحميق والنسبة إلى الرياء والنفاق، وإما في غِيبته بأنواع الغيبة، فهذا لا يُسقط الوجوب إذْ ليس فيه إلا زوالُ فضلات الجاه التي ليس إليها كبيرُ حاجة، ولو تُركَت الحسبةُ بلوم لائمٍ، أو باغتيابِ فاسقٍ، أو شتمِهِ، أو (٥) تعنيفِهِ، أو سقوطِ المنزلةِ عن قلبه، أو (٦) قلبِ أمثاله، لم

стр. 875

يكن للحسبة وجوبٌ أصلاً، إذْ لا تنفكُّ الحسبةُ عن ذلك، إلا إذا كان المنكرُ هو الغيبة، وعَلِمَ أنه لو أنكر لم يسكت [عن] (١) المغتاب، ولكن أضافَه إليه، وأدخله معه في الغيبة، فتحرُم هذه الحسبة؛ لأنّها (٢) سبب لزيادة المعصية، وإن علم أنه يتركُ تلك الغيبةَ، ويقتصرُ على غيبته، فلا تجب [عليه] (٣) الحسبة؛ لأنَّ غِيبتَه أيضاً معصيةٌ في حق المغتاب المذكور، ولكن يستحب له ذلك؛ ليفديَ عرضَ المغتاب المذكور بعرض نفسه على سبيل الإيثار. وقد دلَّت العموماتُ على تأكُّد وجوب الحسبة وعِظَم الخطر في السكوت عنها، فلا يقابله إلا ما عظُم في الدين خطرُه، والمالُ والنفسُ والمروءة قد ظهر في الشرع خطرُها، فأما مزايا الجاهِ والحشمةِ ودرجاتِ التجمُّل وطلب ثناء الخلق، فكل ذلك لا خطر له. قال: وأما امتناعُه لخوف شيء من هذه المَكَاره في حق أولاده وأقاربه، فهو في حقه دونَه؛ لأنَّ تأذِّيَه في حق نفسه (٤) [أشدُّ من تأذيه بأمر غيره، ومن وجه الدين هو فوقَه؛ لأنَّ له أن يسامح في حقوق نفسه] (٥)، وليس له المسامحةُ في حقّ (٦) غيره، فإذاً ينبغي أن يمتنع،

стр. 876

فإنه إن كان ما يفوتُ من حقوقهم يفوت على طريق المعصية كالضرب والنهب، فليس له هذه الحسبة؛ لأنهّ دفعُ منكرٍ يُفْضي إلى منكر، وإن كان يفوت لا بطريق المعصية فهو إيذاءُ المسلم أيضاً، وليس له ذلك إلا برضاهم، فإذا كان ذلك يؤدي إلى إيذاء قومه فليتركه (١)، وذلك كالزاهد الذي له أقاربُ أغنياءُ، فإنه لا يخاف على ماله إن احتسب على السلطان، ولكنه (٢) يقصدُ أقاربَه انتقاماً منهم بواسطته، فإذا (٣) كان يتعدّى الأذى في (٤) حِسْبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركْها، فان إيذاءَ المسلم محذور، كما أن السكوتَ على المنكر محذور، نعم إن كان لا ينالهم أذى في مال ونفس، ولكن ينالُهم الأذى بالشتم والسب [والذم] (٥)، فهذا فيه نظر، ويختلف الأمر فيه بدرجات المنكرات في تفاحُشها ودرجاتِ الكلام المحذور في نِكَايته في القلب وقَدْحِهِ في العرض (٦). هذا ما تيسَّر ذكرهُ على وجه الحكاية عن "الإحياء"، وقد تضمن مسائلَ كثيرةً أدخلنا بعضَها في العدد، ولم نُدخل بعضَها فيه، وكان يمكننا ذلك، ووجهُ الحاجة إلى هذه الأمور في الكلام على الحديث

стр. 877

ظاهر؛ لأنها أمورٌ قد تعود على العموم بالتخصيص، ومن ضرورة الكلام على الحديث [التنبيهُ على ذلك] (١)؛ لأن العملَ بالعموم في محل التخصيص خطأ. الحادية والسبعون بعد المئتين: هذا الذي حكيناه عن "الإحياء" هو بحسب ما أدى إليه اجتهادُ مؤلفه رحمة الله عليه، وبسطٌ في القول - نفعه الله بذلك - على وجهٍ لم نره لغيره، وهو في محل الاجتهاد. ولا يبعد أن يسلُكَ في معرفة كثير من هذه الأحكام طريقان: أحدهما: أن ينظر إلى الأعذار التي ذكرها الفقهاءُ في إزالة حكم الطلاقِ المُكْرَه عليه، ويناظرَ بينهما وبين ما نحن فيه (٢)، ووجهُهُ: أنّ الطلاق يتعلق به التحريم، والوطء الحرام مفسدةٌ عظمى في الشريعة ومنكر شديدٌ، والاختيارُ من بعض الوجوه حاصلٌ في تلك الأعذار؛ لأنه اختيار لدفعِ أعظمِ المفسدتين عند المطلق بتحمل أدناهما، وهذا - والله أعلم - هو الذي لَحِظَهُ من رأى وقوعَ طلاق المكره، فقد رأينا عددًا من الأعذار قد انتهض سبباً لرفع حكم المكرَه عليه رفعَ حكم (٣) التحريم في الوطء المنكَرِ العظيمِ، فلينتهضْ لرفع حكم التحريمِ في السكوت عن المُنكَر. الطريقة (٤) الثانية: أن ينظرَ إلى ما وقع فيه نصُّ الفقهاء من الأعذار

стр. 878

التي أسقطوا بها بعضَ الواجبات على الأعيان بالنسبة إلى الشخص المعيّن بقياس (١) ما يقع فيه النظرُ (٢) من هذه الصورة إليه، وفنظر هل يساويه، أو يترجَّحُ عليه، أو يقصرُ عنه؟ فإن ساواه، أو رجح، فهو عذرٌ مُسقِطٌ للوجوب على مقتضى مذهب من قال بسقوط الواجب في الأصل، وإن نقصَ عنه فليس بعذرٍ بالنسبة إلى قول ذلك القائل، وإذا أردنا أنْ نجعلَه عذراً لم يكن بالقياس إلى ما نصَّ عليه ذلك القائلُ، بل بطريقٍ آخرَ إن وُجد. هذا كله بعد العلم بأنه لا بدَّ من مراعاة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وفي أمثال هذه الأمور يتسع المجالُ، ويحتاج الناظرُ إلى علم كثير بالمواد الشرعية، وذهنٍ ثاقبٍ، [وورعٍ (٣) شديدٍ، والله الموفق. قال، (٤) [من البسيط]: لا تحسبِ المجدَ تمراً أنت آكِلُهُ ... لنْ تبلُغَ المجدَحتى تلعَقَ الصَّبِرا (٥) الثانية والسبعون بعد المئتين: هاهنا سؤالات ترِدُ على ما تقدَّم، نذكرها على سبيل النظر فيها، والتنبيه على الفكر في أحكامها.

стр. 879

منها: أنَّا حكينا عن كتاب "الإحياء" في مرتبة الجاه الفرقَ بين ما كان من قَبيلِ المروءة و [ما كان من] (١) قبيل التجمُّل؛ ولك أن تقول في قسم التجمل: إنهم سامحوا في بيع مال المفلس في هذا الجنس، وتركوا له دَستَ (٢) ثوبٍ يليق يه، هذا مشهور [ما] (٣) في الكتب، وإن كان بعضُ المالكية قد خالفَ فيه وقال: يُترك له ما يواريه (٤)، ولا شك أنَّ إيفاءَ الديونِ واجبٌ مضيق، وقد اشتُهر أن حقوقَ العباد مبنيةٌ على المُشَاححة، فما السبب في المسامحةِ هاهنا، وعدمِها في باب ترك المنكر. الثالثة والسبعون بعد المئتين: وكذلك أيضًا سامحوا بأكثر من هذا في الكفارات في الانتقال (٥) إلى الأبدال فيها، وهي من حقوق الله تعالى، فالنظر فيها كذلك، والله اعلم. الرابعة والسبعون بعد المئتين: ذكروا أعذارأ تُبيح تركَ الجمعة، كالمطر (٦)، والوحل الشديد وغيرِ ذلك، وبعضُ هذه الأعذار يستبعد

стр. 880

أن يكونَ عذراً في ترك الأمر بالمعروف، وإذا كان كذلك والجمعةُ فرضُ عينٍ، فإباحةُ تركِها لهذا العذر دونَ إباحة تركِ [إنكار] (١) المنكر الذي فُرض على الكفاية يحتاج إلى بيان سببه، وما يقال في هذا [و] (٢) في الكفارات من أن لها بدلاً فيُسامَح فيها، ضعيف ليس بالمتين القويّ؛ لأن اعتبارَ الأبدال وتجويزَ العدول إليها إنما هو بعد تعذُر الأصول، والشأنُ في تعذر الأصول بسبب هذه الأعذار حتى يترتب عليه الانتقالُ إلى البدل، ومجردُ كونِ الشيء له بدلٌ لا يقتضي المسامحةَ بأصله، إلا على ملاحظة قاعدة الاستحسان الضعيفة، والله أعلم. الخامسة والسبعون بعد المئتين: قد ذكرنا في جملة ما يندرج تحت الظلمِ ظلمَ الإنسان لنفسه ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وإنَّ امتناع الشخص من المعاصي قد يكون نصراً على ضعف ذلك، فإن المفهومَ من اللفظ المغايرةُ بين الناصر والمظلوم. وهاهنا مرتبةٌ أخرى أقربُ من هذا، وهي أن يظلمَ الإنسانُ نفسَه بمنكرٍ يفعله فيها، فيُمنع منه على طريق إنكار المنكر، ويكون نصرًا للمظلوم لكن من غيره، فمِنْ هاهنا يكون أعلى من تلك المرتبة.
следующие страницы →