← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فإنه إن كان ما يفوتُ من حقوقهم يفوت على طريق المعصية كالضرب والنهب، فليس له هذه الحسبة؛ لأنهّ دفعُ منكرٍ يُفْضي إلى منكر، وإن كان يفوت لا بطريق المعصية فهو إيذاءُ المسلم أيضاً، وليس له ذلك إلا برضاهم، فإذا كان ذلك يؤدي إلى إيذاء قومه فليتركه (١)، وذلك كالزاهد الذي له أقاربُ أغنياءُ، فإنه لا يخاف على ماله إن احتسب على السلطان، ولكنه (٢) يقصدُ أقاربَه انتقاماً منهم بواسطته، فإذا (٣) كان يتعدّى الأذى في (٤) حِسْبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركْها، فان إيذاءَ المسلم محذور، كما أن السكوتَ على المنكر محذور، نعم إن كان لا ينالهم أذى في مال ونفس، ولكن ينالُهم الأذى بالشتم والسب [والذم] (٥)، فهذا فيه نظر، ويختلف الأمر فيه بدرجات المنكرات في تفاحُشها ودرجاتِ الكلام المحذور في نِكَايته في القلب وقَدْحِهِ في العرض (٦). هذا ما تيسَّر ذكرهُ على وجه الحكاية عن "الإحياء"، وقد تضمن مسائلَ كثيرةً أدخلنا بعضَها في العدد، ولم نُدخل بعضَها فيه، وكان يمكننا ذلك، ووجهُ الحاجة إلى هذه الأمور في الكلام على الحديث

стр. 877

ظاهر؛ لأنها أمورٌ قد تعود على العموم بالتخصيص، ومن ضرورة الكلام على الحديث [التنبيهُ على ذلك] (١)؛ لأن العملَ بالعموم في محل التخصيص خطأ. الحادية والسبعون بعد المئتين: هذا الذي حكيناه عن "الإحياء" هو بحسب ما أدى إليه اجتهادُ مؤلفه رحمة الله عليه، وبسطٌ في القول - نفعه الله بذلك - على وجهٍ لم نره لغيره، وهو في محل الاجتهاد. ولا يبعد أن يسلُكَ في معرفة كثير من هذه الأحكام طريقان: أحدهما: أن ينظر إلى الأعذار التي ذكرها الفقهاءُ في إزالة حكم الطلاقِ المُكْرَه عليه، ويناظرَ بينهما وبين ما نحن فيه (٢)، ووجهُهُ: أنّ الطلاق يتعلق به التحريم، والوطء الحرام مفسدةٌ عظمى في الشريعة ومنكر شديدٌ، والاختيارُ من بعض الوجوه حاصلٌ في تلك الأعذار؛ لأنه اختيار لدفعِ أعظمِ المفسدتين عند المطلق بتحمل أدناهما، وهذا - والله أعلم - هو الذي لَحِظَهُ من رأى وقوعَ طلاق المكره، فقد رأينا عددًا من الأعذار قد انتهض سبباً لرفع حكم المكرَه عليه رفعَ حكم (٣) التحريم في الوطء المنكَرِ العظيمِ، فلينتهضْ لرفع حكم التحريمِ في السكوت عن المُنكَر. الطريقة (٤) الثانية: أن ينظرَ إلى ما وقع فيه نصُّ الفقهاء من الأعذار

стр. 878

التي أسقطوا بها بعضَ الواجبات على الأعيان بالنسبة إلى الشخص المعيّن بقياس (١) ما يقع فيه النظرُ (٢) من هذه الصورة إليه، وفنظر هل يساويه، أو يترجَّحُ عليه، أو يقصرُ عنه؟ فإن ساواه، أو رجح، فهو عذرٌ مُسقِطٌ للوجوب على مقتضى مذهب من قال بسقوط الواجب في الأصل، وإن نقصَ عنه فليس بعذرٍ بالنسبة إلى قول ذلك القائل، وإذا أردنا أنْ نجعلَه عذراً لم يكن بالقياس إلى ما نصَّ عليه ذلك القائلُ، بل بطريقٍ آخرَ إن وُجد. هذا كله بعد العلم بأنه لا بدَّ من مراعاة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وفي أمثال هذه الأمور يتسع المجالُ، ويحتاج الناظرُ إلى علم كثير بالمواد الشرعية، وذهنٍ ثاقبٍ، [وورعٍ (٣) شديدٍ، والله الموفق. قال، (٤) [من البسيط]: لا تحسبِ المجدَ تمراً أنت آكِلُهُ ... لنْ تبلُغَ المجدَحتى تلعَقَ الصَّبِرا (٥) الثانية والسبعون بعد المئتين: هاهنا سؤالات ترِدُ على ما تقدَّم، نذكرها على سبيل النظر فيها، والتنبيه على الفكر في أحكامها.

стр. 879

منها: أنَّا حكينا عن كتاب "الإحياء" في مرتبة الجاه الفرقَ بين ما كان من قَبيلِ المروءة و [ما كان من] (١) قبيل التجمُّل؛ ولك أن تقول في قسم التجمل: إنهم سامحوا في بيع مال المفلس في هذا الجنس، وتركوا له دَستَ (٢) ثوبٍ يليق يه، هذا مشهور [ما] (٣) في الكتب، وإن كان بعضُ المالكية قد خالفَ فيه وقال: يُترك له ما يواريه (٤)، ولا شك أنَّ إيفاءَ الديونِ واجبٌ مضيق، وقد اشتُهر أن حقوقَ العباد مبنيةٌ على المُشَاححة، فما السبب في المسامحةِ هاهنا، وعدمِها في باب ترك المنكر. الثالثة والسبعون بعد المئتين: وكذلك أيضًا سامحوا بأكثر من هذا في الكفارات في الانتقال (٥) إلى الأبدال فيها، وهي من حقوق الله تعالى، فالنظر فيها كذلك، والله اعلم. الرابعة والسبعون بعد المئتين: ذكروا أعذارأ تُبيح تركَ الجمعة، كالمطر (٦)، والوحل الشديد وغيرِ ذلك، وبعضُ هذه الأعذار يستبعد

стр. 880

أن يكونَ عذراً في ترك الأمر بالمعروف، وإذا كان كذلك والجمعةُ فرضُ عينٍ، فإباحةُ تركِها لهذا العذر دونَ إباحة تركِ [إنكار] (١) المنكر الذي فُرض على الكفاية يحتاج إلى بيان سببه، وما يقال في هذا [و] (٢) في الكفارات من أن لها بدلاً فيُسامَح فيها، ضعيف ليس بالمتين القويّ؛ لأن اعتبارَ الأبدال وتجويزَ العدول إليها إنما هو بعد تعذُر الأصول، والشأنُ في تعذر الأصول بسبب هذه الأعذار حتى يترتب عليه الانتقالُ إلى البدل، ومجردُ كونِ الشيء له بدلٌ لا يقتضي المسامحةَ بأصله، إلا على ملاحظة قاعدة الاستحسان الضعيفة، والله أعلم. الخامسة والسبعون بعد المئتين: قد ذكرنا في جملة ما يندرج تحت الظلمِ ظلمَ الإنسان لنفسه ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وإنَّ امتناع الشخص من المعاصي قد يكون نصراً على ضعف ذلك، فإن المفهومَ من اللفظ المغايرةُ بين الناصر والمظلوم. وهاهنا مرتبةٌ أخرى أقربُ من هذا، وهي أن يظلمَ الإنسانُ نفسَه بمنكرٍ يفعله فيها، فيُمنع منه على طريق إنكار المنكر، ويكون نصرًا للمظلوم لكن من غيره، فمِنْ هاهنا يكون أعلى من تلك المرتبة.

стр. 881

مثالُه: لو أراد أن يقطع يدَ نفسه، أو يُتلفَ بعضَ أعضائه، إلى غير ذلك، فيجب منعُه منه على طريق الحسبة بإنكار المنكرات؛ لأنَّ نفسَه ليست له حتى يتصرفَ فيها بالإتلاف، وإنما هي لله تعالى، فلا يجوز التصرفُ فيها إلا بما يأذن فيه المالكُ . السادسة والسبعون بعد المئتين: نشأ عن هذا إشكالٌ في بعض صور المنع في مثل هذا، وهو ما إذا توقف منعُه من قطع يده على قتاله، فهل يجوز قتالُه، وإن أدّى إلى قتله؟ ووجه الإشكال فيه: أنَّا إذا أبحنا ذلك، كان فيه إتلافُ جملةِ البدنِ، واليدُ منه، فكيف يُتلَفُ كلُّه؛ [للمنع] (١) من إتلاف بعضه الذي يدخل إتلافُه تحت إتلافِ الكُلّ؟ وقد قيل في جواب هذا السؤال بعد أن حكم بقتاله ومنعه: إنه ليس غرضُنا حفظَ نفسِه وطرفِه، بل الغرضُ حسمُ سبيلِ المنكرات والمعاصي، وقتلُه في الحِسبة ليس بمعصية، وقطعُه طرفَ نفسه معصية، وذلك كدفع الصائل على مال مسلم بما يأتي على قتله، فإنه جائز لا على معنى أنَّا نفدي به درهما من مال مسلم، فإن ذلك مُحال، ولكنَّ قصْدَه لأخذ مال المسلمين معصية، وقتلَه في الدفع عن المعصية ليس بمعصية، وإنما المقصود دفعُ المعاصي. السابعة والسبعون بعد المئتين: قد قدّمنا أن نصرَ المظلوم قد

стр. 882

يكون بالمنع قبل الوقوع، ويكون في حال الوقوع، ويكون بعد الوقوع، وذلك كلام جلي (١)، ويبقى النظر فيما به يُزال في هذه الأحوال، فإنه قد يمتنع الإنكار ببعض الوجوه بالنسبة إلى بعض هذه الأحوال. ومثالُه: ما إذا كان الشخص إذا خلا بنفسه قطَعَ طرَفَ نفسِهِ، فالمنعُ هاهنا بقتله في الحال أو بقتاله المؤدي (٢) إلى قتله ممنوعٌ، وعُلِّل بأنه لا يُعلم يقيناً، ولا يجوز سفكُ دم بتوهُّمِ معصيةٍ، ولكنا إذا رأيناه في حال المباشرة للقطع (٣) دفعناه، فإن قاتَلنا قاتلناه، ولا نبالي بما يأتي (٤) على روحه، هكذا قيل (٥). وفي التصؤير تضييقٌ؛ لأنَّا إنْ تركناه حتى يشرع في القطع حقيقةً وقعتِ المفسدة، ولو في ابتداء القطع، فإن الجرح أيضاً مُنكَر ومحرم، فلا بد أن يقع الإنكار قبل الشروع، إنْ أراد بالشروع الشروعَ في حقيقة الأمر، وينبغي أن يُفْصَل في هذا بين القُرْب والبعد من الشروع، وقوةِ احتمالِ أن لا تقع المفسدة وضعفِه (٦)، والله أعلم.

стр. 883

الثامنة والسبعون بعد المئتين: قسَّم في "الإحياء" المعصيةَ على أحوال: إحداها: أن تكونَ المعصيةُ متصرِّمةً، فالعقوبة [متصرمةٌ] (١) على ما تضرم منها حذاً أو تعزيراً، وهو إلى الولاة لا إلى الآحاد (٢). قلت: هذا صحيحٌ في العقوبة بالحدّ والتعزير - فيما يوجب ذلك على مقتضى ما اشتُهر، ولكنَّ نصرَ المظلوم الذي نحن فيه أخصُّ من مطلق الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر، ونصرُه بالنسبة إلى الظلم في الأموال يحتاج إلى نظرٍ آخرَ، فإِنَّ نصرَه في باب الأموال بردّ الظُّلامة على المالك، فهل ذلك للآحاد؟ أما إذا كانت العينُ المغصوبة قائمةً، فإن للإمام أن ينتزعها من يد الغاصب ويردَّها على المالك، وهل للآحاد ذلك؟ إن كان الغاصب حربيًّا جاز، وإلا فوجهان للشافعية، ﵏ (٣). فهذا إنكارُ منكرٍ بعد تصرمِه وانقضائه؛ لأن الغصبَ قد وقع وانقضى، فإذا أجيز (٤) ذلك، كان لغير الولاة إنكارُ المنكر المتصرمِ في

стр. 884

هذه الصورة، إلا أن يرادَ بالمُتصرِّم أمرٌ لا يدخل تحته بقاءُ العين؛ كالتلف مثلاً. التاسعة والسبعون بعد المئتين: إذا فرضنا العينَ تالفةً، وقدرَ المحتسب على جنس مالِ المظلوم، فهل له أخذُه حيث يجوز للمالك أخذه؛ ليرُدَّ على المظلوم ظلامتَه؟ هذا أبعدُ مرتبةً من المرتبة التي قبلها، فليُنظرْ فيه؛ لأنّا إذا أجزنا مثلَ هذا للمظلوم، فإنما نجيز أخذَه تملّكا، والمحتسبُ لا يأخذه لذلك، بل لتمكين المالك من تملّكه عند أخذه، فقد يقال: إنَّ بَدلَ العين قائمٌ مقامَها، فمن أجاز للآحاد أخذَ العين للرد فلْيُجِزْ هذا، وقد يقال بخلافه لنقص المرتبة. الثمانون بعد المئتين: وَجدَ ما يخالف جنسَ مال المظلوم، وجوَّزنا للمظلوم أخذَه، فهل (١) للمحتسب أخذُه؛ ليتمكَّنَ المالكُ من الوصول إلى حقه بالتملُّك؟ هذه أبعد مِنَ التي قبلها في المرتبة (٢)، وليس يبعد - إنْ أُجيز ذلك - أن يُدرجَ تحت العمومات، كقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، والأمرِ بنصر المظلوم، وغير ذلك، ولكنَّ مثل هذا يُنظر فيه إلى القواعد، وقوةِ الموانع وضعفِها بالنسبة إلى قوة

стр. 885

العموم وضعفِه، والله أعلم. الحادية والثمانون بعد المئتين: قد حكينا خلافاً في أنه: هل للآحاد انتزاعُ العينِ المغصوبة من الغاصب غير الحربي؛ ليردَّها على المالك؛ فإذا أبحناه فيُنظر، [هل] (١) يجب؛ لما فيه من نصر المظلوم وإزالة المنكر، أم لا؟ قد فرَّعوا (٢) على القول بالإباحة أن العين تكون أمانةً عند المُنتَزِع، وعلى القول بالمنع أنه يلزمه الضمان، فعلى القول بالإباحة لا يقوم هاهنا معارِضٌ يتوهم [به] (٣) إسقاطُ الوجوب، وهو لزوم الضمان، وإنّما يبقى النظر في مانعٍ غيره، وهو كيفية إزالته، ومراتب ما يُزال به. قال في "الإحياء": الثانيةُ (٤)، يعني: الحال الثانية: أن تكون المعصيةُ راهنةً وصاحبُها مباشرٌ لها؛ كلُبْسِه الحريرَ، وإمساكِه العودَ والخمرَ، فإبطال هذه المعصية واجبٌ بكل ما يمكن، ما لم يؤدّ إلى معصيةٍ أفحشَ منها أو مثلِها، وذلك يثبت للآحاد والرعية. قلت: قد تقدم في هذا من الكلام لغيره، وبماذا يُنْكر.

стр. 886

الثانية والثمانون بعد المئتين: قال: والثالثةُ: أن يكون المنكر متوقعاً؛ كالذي يستعدُّ بكنس المجلسِ وترتيبهِ، وجمع الرياحين [لشرب الخمر] (١) وبعد لم يُحضر الخمرَ، فهذا مشكوك فيه، وربما يعوقُ عنه عائق، فلا يثبت للآحاد سلطتُه على العازم على الشرب إلا بطريق الوعظ والنصح، فأما بالتعنيف [أو] (٢) الضرب، فلا يجوز للآحاد ولا للسلطان. قلت: يقوى المنعُ بالتعنيف إذا قَوِيتِ القرائنُ، فإنّ المقصودَ [منع] (٣) فعلِ المنكر المتوقع، بل ولا يبعد الضرب من السلطان إذا أصرَّ على [ترك] (٤) رفع الآلات التي تبيَّن أنها معدةٌ للشرب. الثالثة والثمانون بعد المئتين: قال: إلا إذا كانت تلك المعصيةُ معلومةً منه بالعادة المستمرة، وقد أقدم على السبب الذي يُفضي إليها، ولم يبق لحصول المعصية إلا ما ليس [له] فيه إلا الانتظار، وذلك كوقوف الأحداثِ على باب حمّامات النساء للنظر إليهن عند الدخول والخروج، فإنهم، وإن لم يضيقوا الطريقَ لسعته، فتجوزُ الحسبةُ عليهم بإقامتهم من الموضع، ومنعِهم من الوقوف بالتعنيف والضرب.

стр. 887

قال: وكأن حقيقةَ هذا إذا بُحِثَ يرجع إلى أن هذا الوقوفَ في نفسه معصيةٌ، وإن كان مقصدُ العاصي (١) وراءه، كما أن الخلوة غالباً (٢) بحيث لا يقدر على الانفكاك منها (٣) [معصية] (٤)، فإذاً هو على التحقيق حسبة على معصية راهنةٍ، لا على معصية منتظرة (٥). ولقائل أن يقول: إما أن تُعتبرَ في تحقيق هذه المعصية - التي عُدَّت راهنةً لا منتظرة - القرائنُ التي تدل على مقصد الفاعل، أولا؟ فإن اعتُبرت تلك القرائن، فإعدادُ آلات الشرب، وترتيبُ المجلس على الوجه المعتاد للشرب، من غير حضور سببٍ آخرَ يقتضي ذلك، وإحضارُ الآلات المعدة لأَنْ توضعَ فيها الخمر، قرائنُ تدل على قصد الإعداد للشرب المحرم، وإعدادُ آلات الشرب للقضد المذكور معصيةٌ راهنةٌ فليُنْكَرْ. وإن لم تعتبر القرائن في تحقيق قصد الفاعل، وطلب العلم فيها، فقرائنُ (٦) الحداثة والوقوفِ على باب الحمام سبيلٌ (٧) يُحصِّل العلمَ

стр. 888

بقصد الواقف للرؤية المحرَّمة، بل ندَّعي أنَّ بعضَ القرائن والأحوال في إعداد آلات الشرب ربّما تكون أقوى. وقد ذكر بعضُ المتكلمين في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يغلِبَ على ظنِّ الآمر أو الناهي أن المعروف لا يُفعل وأن المنكر يَقعُ، نحو أن يراه لا يتهيأ للصلاة وقد ضاق وقتُها، أو يهيئ آلاتِ شرب الخمر، وهذا يقتضي أنَّ تهيئَةَ (١) آلات الشرب منكر يقتضي الإنكار. الرابعة والثمانون بعد المئتين: شرطوا في إنكار المنكر أن يكون كونُه منكرًا معلومًا بغير اجتهاد، وكل (٢) ما هو في محل الاجتهاد فلا حِسبة فيه، فليس للحنفيِّ أن ينكرَ على الشافعي أكلَ الضبِّ والضَّبع ومتروكِ التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفيِّ شربَ النَّبيذ الذي ليس بمُسكر، وتناولَه ميراثَ ذوي الأرحام، وجلوسَه في دارٍ أخذها بشُفْعة الجوار، وغيرَ ذلك من مجاري الاجتهاد (٣). ولسائلٍ أن يسأل فيقول: قد جعلتم من جملة نصر المظلوم إيفاءَ الحقوق المالية إذا أُخذت على وجه التعدّي، وهذا النوع مما يقع فيه الاختلاف عن العلماء؛ كإتلاف خمر الذميِّ عليه عمدًا أو تعديًا، فإنَّ

стр. 889

مالكًا وأبا حنيفةَ يغرّمان المُتلف (١)، والشافعيُّ لا يُغرِّمه (٢)، وحصل الاتفاق على أنه إذا رُفع إلى الحاكم شيء من هذا النوع قبل أن يحكم فيه غيرُه بشيء: أن عليه أن يحكُمَ بموجب اجتهاده؛ فعلى المالكيِّ والحنفيِّ أن يحكما بالتغريم، وعلى الشافعي أن لا يحكم به، وحينئذ نقول: أحدُ الأمور الثلاثة لازمٌ، وهو إما أن لا يكون شيء من مسائل الاجتهاد داخلًا تحت حقيقةِ الظلم عند من يعتقد التغريمَ فيها، أو يكون (٣) ما ذكرتموه من العموم والخصوص فيما بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صحيحًا، أو يكون العموم الذي ذكروه في اشتراط أن لا يكون في محل الاجتهاد مخصوصًا لا على حقيقته، واللوازمُ الثلاثةُ منتفيةٌ. بيان لزوم أحد الأمور الثلاثة: أنَّ ما هو من هذا النوع لا يخلو إمّا أن (٤) يكون داخلاً تحت حقيقة الحكم عند من يرى التغريم، أو لا. فإن لم يكن فهو أحدُ الأمور الثلاثة. وإن كان [داخلًا] (٥) تحت حقيقة الظلم؛ فإما أن يكون داخلًا

стр. 890

تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا. ومتى (١) لم يكن داخلًا تحته لزم بطلان ما ذكرتموه من العموم (٢). وإن كان داخلًا تحته وقد حصل الاتفاق على وجوب حكم الحاكم بما أدى إليه اجتهادُه فيه، فحينئذٍ يكونُ بعضُ أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يُشترط فيه الاتفاق، ويجري في محلِّ الاجتهاد، [فـ] (٣) ـيلزم تخصيصُ قولهم العامّ في: أنه (٤) يشترط أن لا يكون في محل الاجتهاد، وهو أحد الأمور الثلاثة. وبيان انتفاء اللوازم الثلاثة؛ أما كونُه ليس بظلم فظاهر الانتفاء؛ لأن الظلمَ الماليَّ هو التعدي على مال الغير، وهذا تعدٍّ على (٥) مالِ الغير، فيكون حدُّ الظلم منطلقًا عليه. وأما كونُ النصرة بردّ الظُّلامة في صور الخلاف داخلًا تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلوجهين: أحدهما: أنه ليس المرادُ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

стр. 891

إيرادَ صيغةِ الأمر والنّهي، وإنما المرادُ إزالةُ المنكرِ والحملُ على المعروف، فإذا فعل ذلك في إلزام الغرامة في هذه الصور (١) المختلفِ فيها، فقد وُجد الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر، أو ما ينطلق عليه ذلك. والدليلُ على أن المراد بالأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر ما قلناه: الاتفاقُ على أنَّ من رأى خمرًا بيد إنسان مثلًا، فأراقها من غير كلمةٍ قصد بها الأمر أو النهي، أنه خرج عن العُهدةَ (٢)، وأنه لا يعصي بترك صيغة الأمر أو النهي، وإذا كان المطلوبُ إزالةَ المنكر، فردُّ الظلامة إزالة الظلم، فيدخل (٣) تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والوجه الثاني: لو سلّمنا أن الصيغة مطلوبةٌ، أعني: صيغةَ الأمر والنهي، [وأعني بكونها مطلوبة؛ أي: معتبرة في حقيقة الأمر والنهي] (٤)، لكان لنا أن نقول: إنَّ للقاضي الأمرَ والنهي بما يراه حقًّا، فلنفرضْهُ قد أمَرَ بالتغريم في مسألة خمر الذمّي، أو أَمَرَ بردِّ السَّاجَة وهدمِ البناء في مسألة - غصب السَّاجة وإدراجِها في البناء، فأمْرُه هذا أمرٌ بمعروف عنده، وقد جاز له ذلك، فقد جاز الأمر بالمعروف والنهي

стр. 892

عن المنكر في صورة (١) الاجتهاد. وأما انتفاء اللازم الثالث، وهو عدمُ القول بحقيقة العموم، فلأنه خلافُ الحقيقة، وخلاف المشهور المستفيض بين أرباب العلم. ولقائلٍ (٢) أن يقول: نختار هذا القسم، وهو أن هذا العمومَ مخصوصٌ لا يتناول كلَّ صورة، وهو [و] (٣) إن كان خلافَ الأصل، لكن جاز أن يُصارَ إليه، إذا دلَّ (٤) الدليلُ عليه، وقد دلَّ؛ لِما تبيّنَ من إبطال كونه ليس بظلم، وكونُ إزالة الظلم داخلًا تحت الأمر بالمعروف، والتزامُ التخصيص أهونُ من مخالفة كلِّ واحد من الدليلَين المذكورَين، ولا يبقى بعد هذا إلا نوع من الجدليَّات يمكن أن يُورَد على حدِّ الظلم والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، وليست الجَدَليَّاتُ بجَلَديَّاتٍ (٥) في إثبات الأحكام الشرعية، والله أعلم. الخامسة والثمانون بعد المئتين: قد يكونُ السببُ المبيح للشيء ثابتًا في نفس الأمر وغيرَ ثابت في الظاهر، فمن تعاطاه معتقدًا للتحريم، وعلمَ غيرُه السببَ المبيحَ له، فهل ينكر عليه من حيث

стр. 893

إقدامُه على ما يعتقده معصيةً، وهو معصية، فينكر، [أو لا] (١)؛ لوجود السبب المبيح في نفس الأمر؟ تكلم فيه في "الإحياء"، ومثَّله بأن يجامع الأصمُّ مثلًا امرأةً على قصد الزنا، وعلم المحتسبُ أن هذه امرأته زوَّجه إياها أبوه (٢) في صغره، ولكنه ليس يدري، وعجَز عن تعريفه لصمم، أو لكونه غير عالم بلغته. قال: فهو في الإقدام - على اعتقاد أنها أجنبية - عاصٍ ومعاقَبٌ عليه في الآخرة، فينبغي أن يمنعَه مع أنها زوجُهُ، وهو بعيدٌ من حيث إنه حلالٌ في علم الله، قريبٌ من حيث إنه حرام عليه بحكم غلطِهِ وجهلهِ (٣). وهذا الأقربُ فيه المنعُ، وهو نُوزع في مثله (٤) اشتباهُ الزوجة بالأجنبية، وقيل: كلتاهما حرامٌ، إحداهما بالاشتباه وهي الزوجة، والأخرى بكونها أجنبية، فعلى هذا وطءُ هذا الأصم الذي فرضت المسألة فيه حرامٌ في علم الله تعالى بسبب عدم العلم بالحل، وإنما هي حلالٌ بعد انكشاف الحال. وإنما ينشأ الاختلافُ في مثل هذا بناءً على توهُّم أن الأحكام

стр. 894

الشرعية تتنَّزل (١) منزلةَ الصفاتِ للأعيان، فتبقى ما بقيت العَين، فيعتقد أن حلَّ الزوجة بمثابة صفةٍ لها لا تزول عن هذا الوجه ما دامت زوجة (٢)، وعلى كل حال فلا (٣) بدَّ بعد هذا من النظر في مثل هذا بالنسبة إلى ما نحن فيه من نصر المظلوم لتعلُّقه بالكلام على الحديث، فليكن مثالُه: أن يعلم إنسان أن هذا المالَ الذي تحت يد زيدٍ ملكٌ (٤) لعمرو، ولم يعلم عمرو بكونه (٥) ملكًا له، فأقدم على أخذه من (٦) جهة الغصب، فهل يجب على المحتسب منعُه من حيث إنه نصر للمظلوم، أم لا؟ فنقول: لا يجب عليه من هذا الوجه؛ لأنّ شرطَ كونِه نصرًا للمظلوم أن يكون ثَمَّ مظلوم، ولا مظلوم عند المحتسب؛ لعلمه باستحقاق الأخذ بالمال (٧)، فلا وجوبَ لنصره. ونحن قد بينَّا افتراقَ نصرةِ المظلوم من غيرها من الواجبات، وإن كان واجبًا، وهذا بخلاف المسألة المتقدمة في وطء المرأة، فإنا (٨) قد

стр. 895

نقول (١): إن المحتسب [قد] (٢) يعلم أنها حرام على الواطئ حالةَ الجهل، وأما هاهنا فغايته أن يعلم أنه مرتكبٌ للمحرم بجهله، وليس كل ارتكاب للمحرم ظلمًا في الحال، فإنْ وجب الإنكار عليه فمن غير هذا الوجه؛ أعني: من وجه النصر للمظلوم في مالهِ (٣)، والله أعلم. السادسة والثمانون بعد المئتين: التعدي بما يضرُّ الغيرَ ظلمٌ، وقد قدّمنا في نصر المظلوم بالنسبة إلى الأمور الماضية إيفاءَ الحقوق؛ كالتعزيرات، وحدِّ القذف، وغرامات الأموال، وأُروشِها، وكقذف (٤) الوالدِ الولدَ، [والولدِ الوالدَ بعد عدم الإجماع] (٥)، فهو ظلم له، فمقتضى القاعدة المتقدمة وجوبُ الحدِّ عليه، وهو المحكي عن ابن المنذر، وأبي ثورٍ. والشافعيةُ - أو من قال منهم - استثنوه، ولم يوجبوا (٦) على الأب [والجد] (٧) الحدَّ بقذف الولد وولد الولد، وقاسوه على القصاص بجامعِ أنه عقوبةٌ لآدمي (٨).

стр. 896

السابعة والثمانون بعد المئتين: إذا أتلف الصبيُّ أو المجنون لغيره مالًا، وجب أن يوفَى حقُّ الغير من مالهما، وهل هو من باب نصر المظلوم، أو من باب إيفاء الحق لا غير؟ الأقربُ أنه ليس من قَبيل (١) نصر المظلوم؛ لأن تلازمَ كونِ (٢) المستحق مظلومًا، [لا يلزم منه] (٣) كونُ الفاعل ظالمًا، واللازمُ منتفٍ؛ لأن الظلم (٤) يلزمه التعدي من الفاعل، والتعدي (٥) يلزمه التكليفُ، ولا تكليفَ، فلا تعدّي، [و] (٦) لا ظلم، [فلا مظلوم] (٧)، وهذا قريب من البحث المذكور في مسألة متروك التسمية حيث استدل [بقوله] (٨) تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فقيل (٩): المراد الميتة؛ لأنَّ [أكل] (١٠) متروك التسمية ليس بفسق

стр. 897

لأنه لو كان فسقًا لكان آكلُه فاسقًا، والإجماعُ على خلافه، فقيل عليه: لا نسلم أنه ليس بفسق، والمنتفي إنما هو كون الآكل فاسقًا، وانتفى ذلك لمانع الاجتهاد واعتقاد الحل؛ أي: لا يعطى [أحكامَ] (١) الفاسق. الثامنة والثمانون بعد المئتين: يدخل المجاز في النصرة وفي الظلم معًا، فيقال: فلان ينصر الحق، وفلان يظلم الحق (٢)، وليس ذلك مما يعتقد أنه مراد باللفظ بالقصد، لكنه قد يُستعار ويُتجوَّز به في هذا المعنى، وهو مفيدٌ [جدًا] (٣) في بعض المقاصد، وهذا قريب من حملهم إماطةَ الأذى عن الطريق على إزالة الشبهات عن طريق الحق (٤)، وما يقرب من ذلك، أو يشبهه، أو يُلِمُّ به. التاسعة والثمانون بعد المئتين: كل محرم لحقِّ الآدمي ففيه حقُّ الله تعالى، فإن مرتكبَه متعدٍّ لحدود الله تعالى، والقياس يقتضي أن ما وجب نصرةٌ للآدمي إذا أسقط حقه سَقَط، وقد يتردد في بعض الحقوق، هل يغلب عليه حقُّ الله تعالى أو حقُّ الآدمي؟ فمن غلَّب حقَّ الآدمي أسقطه بإسقاطه، ومن غلب حقَّ الله تعالى

стр. 898

لم يسقطه (١) لأجل إسقاطه. التسعون بعد المئتين: إقامة حد القذف على القاذف نصر للمظلوم كما قدمناه، فإذا أسقطه، فقد اختلفوا في سقوطه بعد البلوغ إلى الإمام، وهو من هذا القبيل الذي نبِّهنا عليه، فمذهب مالك: أنه لا يسقط إلا أن يريدَ المقذوفُ سترًا (٢). الحادية والتسعون بعد المئتين: الأمر بإجابة الداعي عمومٌ يتناول الدعاء إلى الوليمة، [والوليمة] (٣) كل مأدبة تصنع لحادثة سرور؛ كالأملاك، والنفاس، والعُرس، والختان، وفي وجوب الإجابة إلى وليمة العرس وغيرها خلافٌ، وظاهرُ العمومِ في الأمر (٤) الوجوب، وفي وليمة العرس نصٌّ يخصُّها. الثانية والتسعون بعد المئتين: إذا علم المدعوُّ أن امتناعَه لا يَعِزُّ على الداعي، فالظاهر الوجوبُ في هذه الحالة أيضًا (٥)، وقد أبدى بعضُهم فيه احتمالًا، وهو نظر إلى المعنى، وهو أن الأمر بالإجابة لما في تَرْكِها من إيحاش الداعي وتغيُّرِ قلبه، فإذا انتفى ذلك انتفت علةُ الوجوب، فينتفي الوجوب.

стр. 899

الثالثة والتسعون بعد المئتين: اشتُرط (١) في وجوب إجابة الداعي أن يُخصّ بالدعوة، فلو قال الداعي لنائبه: ادعُ من لقيت، لم تجب الإجابة، كذا ذكره بعضُ مصنِّفي الشافعية (٢)، ولا يخلو من احتمالٍ لو قيل بخلافه. الرابعة والتسعون بعد المئتين: مقتضى العموم أن يتناولَ الحكمُ كلَّ فرد من الأفراد، فمتى حصل مسمى الدعاء بالنسبة إلى كل فرد فقد تناوله الأمرُ، وعند الشافعية ﵏: لو دعا جمعًا فأجاب بعضُهم، ففي السقوط عن الباقين وجهان خصَّهُما بعضُهم بما إذا دُعي (٣) الجميعُ، وقال: لو خصَّ كلَّ واحد بالدعوة، أو خص كل واحد من الجماعة بالسلام، تعينت الإجابةُ على الكل (٤). والعموم يقتضي العمومَ في الإجابة، كما ذكرناه. الخامسة والتسعون بعد المئتين: يجب تخصيصه قطعًا؛ لتحريم الإجابة على (٥) الداعي إلى الضلالات والمعاصي. السادسة والتسعون بعد المئتين: هاهنا صور غير ما ذكرناه تقتضي التخصيص (٦)، أو يُحتمل فيها ذلك، منها ما إذا كان في الدعوة

стр. 900

منكرٌ كالمعازف، قال بعضُ مصنِّفي الشافعية: فإن علم أنها تزول بنهيه (١)، فليحضرْ من باب النهي عن المنكر، فإن (٢) لم ينزجروا، وعجزَ عن المنع، فلا يقعد معهم مختارًا (٣). وليس في هذا تعرضٌ للامتناع من الحضور ابتداءً، ولكنه إذا عَلِمَ الحالَ قبل الوصول، وأنه لا يزول المنكر، فهو كما بعد الحضور. السابعة والتسعون بعد المئتين: ومنها: إذا كان في البيت صورٌ على وجه ممنوع في الاستعمال، وقد ورد الامتناعُ من الدخول لأجل الصور في حديث القاسم، عن عائشة ﵂: أنها اشترت نُمْرُقةً فيها تصاوير، فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوبُ إلى الله تعالى مما أذنبت، قال: "فَمَا هذه النُّمرُقَةُ؟ "، فقلت: لتجلسَ عليها وتتوسَّدها، قال: "إنَّ أَصْحَابَ هذه الصُّورِ يُعذَّبونَ يومَ القِيَامَةِ، يُقَالَ لَهُم: أحيُوا ما خَلَقْتُم، وإنَّ الملائكةَ لا تدخلُ بيتًا فيه الصور"، أخرجهُ البخاري (٤). وروى أبو داودَ من حديث إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ قال: حدّثني

стр. 901

إبراهيم؛ يعني: ابنَ عَقيل، عن أبيه، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، عن جابرٍ: أن النبي ﷺ أَمَرَ عمرَ بنَ الخطَّاب زَمَنَ الفتحِ - وهو بالبَطْحَاءِ - أن يأتيَ الكعبةَ فيمحوَ (١) كلَّ صورة فيها (٢). وإذا ثبتَ التشديدُ في التصوير، فهو منكر من المنكرات يجب إنكارُه إن قدَرَ على ذلك، وإن لم يقدر فالحضور مع عدم الاضطرار إليه مشاهدةُ منكر من غير ضرورة، فالقواعد تمنعه. الثامنة والتسعون بعد المئتين: لمَّا كان من المخصَّصاتِ الصورُ في الدار؛ إما على وجه الكراهة، أو التحريم، وجبَ أن تُعلم الصور الممنوعة (٣)؛ لأن التخصيص مبنيٌّ على ذلك فقيل في هذا: إنها الشاخصة والمنقوشة على السقوف (٤) والجدران، وكذلك إذا كانت الصور على الأُزُرِ (٥) المرتفعة والمَسَاند والسُّجوف (٦)

стр. 902

فيحرم تعاطيها، والأمر باتخاذها (١) (٢). التاسعة والتسعون بعد المئتين: وما (٣) كان من الصور [مفتَرشًا] (٤) يوطَأُ ويداس (٥): فهو جائز عند الشافعية والمالكية، وتركُه أحسن (٦). الموفية الثلاث مئة: تصويرُ (٧) الشجر اختلفوا فيه: وأجازه الشافعية، والمنقول عن بعض السلف منعُه، وعن مجاهد أنه حَمَلَ قولَه تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠]، على النهي (٨)، ونفي الكونِ تارةً يكونُ المراد به للنفي (٩) وتارة للنهي (١٠)، والظاهر أنه في الآية للنفي (١١) كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى

стр. 903

الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ومثال النهي: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]. الأولى بعد الثلاث مئة: في تصوير حيوان بلا رأس وجهان للشافعية رحمهم الله تعالى (١)، ووجه الجواز انتفاء حقيقة الصورة، وعلى ذهني الآن أن فيه حديثًا أو أثرًا (٢) (٣).

стр. 904

الثانية بعد الثلاث مئة: هو عامٌّ بالنسبة إلى القضاة والداعين، وقد خصَّه بعضُهم فقال: لا ينبغي للقاضي أن يجيبَ الدعوة إلا في الوليمة وحدَها للحديث، وهذا مروي عن مُطَرِّف، وابن الماجشُون من أصحاب مالك رحمهم الله تعالى، [وقال] (١) في كتاب ابن الموَّاز: كُرِهَ (٢) أن يجيب أحدًا، وهو في الدعوة الخاصة أشدُّ. وقال سُحنون في كتاب ابنه: يجيبُ الدعوةَ العامة، ولا يجيب الخاصّة، فإن تنزَّه عن مثل هذا فهو حسن (٣) (٤). والعمومُ يقتضي ظاهرُه المساواةَ بين القاضي وغيره، والذين استثنَوا القاضي فإنما استثنوهُ لمعارضٍ قام عندهم، وكأنه (٥) طلب صيانته عما يقتضي ابتذالَه وسقوطَ حُرمتهِ عند العامة، وفي ذلك عودُ ضررٍ على مقصود القضاء من تنفيذ الأحكام؛ لأن الهيبةَ (٦) مُعِينةٌ عليها، ومن لم يعتبرْ هذا رَجَعَ إلى الأمر (٧)، فإنَ تَرْكَ العملِ بمقتضاه مفسدةٌ محققةٌ، وما ذكر من سبب التخصيص قد لا يُفْضِي إلى

стр. 905

المفسدةِ (١) والنقصِ في مخالفة أمر الشارع. الثالثة بعد الثلاث مئة: هو عامٌّ بالنسبة إلى أهل الفضل وغيرهم، والمنقولُ عن مالك - رحمه الله تعالى -: أنه كَرهَ لأهل الفضل أن يجيبوا كلَّ من دعاهم (٢). وذكر ابنُ حَبيب قال: قال مطرفٌ وابن الماجشون: وكلُّ ما لزمَ القاضيَ من النزاهات في جميعِ الأشياء فهو أجملُ به وأولى، وإِنَّا لَنُحِبُّ هذا لذوي المروءةِ والهدى أن لا يجيبَ إلا في الوليمة، إلا أن يكون الأخ في الله تعالى، أو خاصَّةِ أهله، أو ذوي قرابته، فلا بأس بذلك. وهذا تخصيصٌ آخر، ومقتضيه (٣) أضعفُ من الأول (٤)، وظاهرُ الحديث يقتضي الإجابةَ، والمروءةُ والفضلُ والهدى في اتّباع ما دلَّ عليه الشرع، نعم إذا تحققت (٥) مفسدة راجحة، فقد يُجعل ذلك مخصصًا (٦).

стр. 906

الرابعة بعد الثلاث مئة: يدخل المجازُ فى الدُّعاء والداعي، كما فى [من] (١) دعا إلى هدى، ومن دعا إلى ضلالة، ولا يتوقف ذلك على الدعاء حقيقةً، بل [تقريره] (٢) وإقامةِ الدليل عليه إن (٣) كان حقًا، وإقامةِ الشبهة فيه إن كان باطلًا؛ كالدعاء في ترتيب الثواب والعقاب، والله أعلم. الخامسة بعد الثلاث مئة (٤): أخرجوا من وجوب الإجابة في وليمة النكاح صورًا: منها: أن يكونَ الداعي كافرًا. ومنها: أن تكون الدعوةُ خاصةً. ومنها: أن تكون الدعوةُ في غير اليوم الأول. ومنها: الدعوةُ لخوف أو طمع. ومنها: أن يحضر الدعوة من يتأذى به المدعو. وهذه كلها تخصيصاتٌ إذا حُمل الأمر على الوجوب، يحتاج كلٌّ منها إلى دليل يخصُّ به، ويبقى النظر في الاستحباب والإباحة. السادسة بعد الثلاث مئة: إفشاء السلام يتناول أمرين:

стр. 907

أحدهما: كثرته وشهرته بكثرة تعاطي الناس له. والثاني: الجهر به وإعلانه (١). ومن الإفشاء بالمعنى الأول: قولُ عمر بن العزيز ﵁: ولْتُفْشُوا العلمَ (٢)، والمراد نشره بين الناس، وسنتكلم على كل واحد من المعنيين، وما يقتضيه العمومُ والتخصيصُ، والإطلاق والتقييد إن شاء الله تعالى بتيسيره، والله الموفق. السابعة بعد الثلاث مئة: المشهورُ: أنَّ ابتداء السلام سنة، وذكر أبو عمر بن عبد البر - فيما حكاه القاضي عنه -: أنه أجمعَ العلماء أن ابتداءَ السلام سنة، والردَّ فرضٌ (٣).

стр. 908

وقال العلامة أبو عبد الله [محمد] (١) المازَريُّ المالكي: ابتداءُ السلام سنةٌ، والردُّ (٢) واجبٌ، هذا المشهور عند أصحابنا (٣). وهذا يُشعر بالخلاف، وفي كلام القاضي أيضًا ما يُشعر به، فإنه حاول الجمعَ بين قول من قال أجمعوا أنه سنة، وبين إطلاق فرض الكفاية عليه؛ بأنَّ ذلك غير خلاف (٤). قال: فإنَّ إقامةَ السنن وإحياءَها فرضٌ على الكفاية (٥).

стр. 909

وفيه إشكال للتنافي الحاصل من (١) حد الواجب [وحد السنة؛ لدخول الذمِّ على التَّرْك في حد الواجب] (٢)، وخروجه في حد السنة، فلا بدَّ من اختلاف المحل الذي يتعلق به الحكم المختلِف، فتلخَّصَ من هذا - على ما ذكر (٣) القاضي -: فرضيّةُ السلام من حيث الجملة، لا من حيث الإفراد. الثامنة بعد الثلاث مئة: وأمّا النظر إلى الإفراد: فمقتضى ما ذكرنا عن أبي عمر بن عبد البر الإجماعُ على أنّ ابتداءَ السلامِ سنةٌ، وليس يعارضه ما قاله القاضي، فإنَّ ذلك حكم على الجملة من حيث هي هي؛ أي: فرض أن يوجدَ السلامُ بين المسلمين، وهذا حكمٌ على الإفراد، ولا يخلو من إشكالٍ، فإنْ تمَّ الإجماعُ على عدمِ الوجوب على الإفراد، فهو دليلٌ يُخرِجُ الأمرَ عن ظاهره. التاسعة بعد الثلاث مئة: الابتداءُ إذا كان سنَّةً فهو سُنَّةُ كفايةٍ، فإذا سلَّم واحدٌ من القوم أجزأ عنهم. العاشرة بعد الثلاث مئة: المشهورُ في الردِّ أنه فرضُ كفايةٍ، فإذا سلَّم على جماعةٍ، تأدَّى الفرضُ بردِّ واحدٍ على حكم فروض الكفايات. وعن أبي يوسفَ رحمه الله تعالى: لا بدَّ أن تردَّ الجماعةُ

стр. 910

جميعها (١)، وظاهرُ الآية يعطيه، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وكذلك لفظ الحديث إذا حملنا الإفشاءَ على النشر، وإيجاد السلام بالنسبة إلى المسلَّم عليهم، وليس ظاهرُه مختصًا بالمسلمين (٢). وقد روى أبو داود في "سننه" قال: حدَّثنا الحسنُ بن علي، ثنا عبد الملك بن إبراهيم الجُدِّي، ثنا سعيد بن خالدٍ الخُزاعي قال: حدثني عبد الله بن المُفَضَّل، ثنا عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال أبو دواد: رَفَعه الحسنُ ابن علي، قال: "يُجْزِئُ عن الجماعةِ إذا مرُّوا أَنْ يُسلِّمَ أحدُهم، ويُجْزِئُ عنِ الجُلوسِ أَنْ يَرُدَّ أحدُهُم" (٣). الحادية عشرة بعد الثلاث مئة: قال القاضي أبو الوليد بن رُشْدٍ المالكي: والاختيارُ في السلام أن يقول المبتدئُ (٤): السلام عليكم، ويقول الرادُّ عليه: وعليكم السلام (٥)، ولاشكَّ في انطباق لفظ السلام

стр. 911

على هذا، فكأنه الأقل. وقال بعضُ مصنّفي الشافعية: وصيغةُ: (السلامُ عليكم) يقوم مقامَها: (سلامٌ عليكم) (١) (٢)، وهذا ظاهرٌ أيضًا؛ لانطباقِ لفظِ السلام عليه. وقد جاء في التنكير قولُه تعالى: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقوله: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣]، "والتعريف في التشهد: "السلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ [ورحمةُ اللهِ] (٣) " (٤). الثانية عشرة بعد الثلاث مئة: قال القاضي أبو الوليد بن رُشْد المالكي: ويجوز الابتداءُ بلفظ الردِّ، والردُّ بلفظ الابتداء. وذكر إمامُ الحرمين الشافعي في صيغة السلام: عليكمُ السَّلامُ، مع غيرها من الصيغ. وقال المتولِّي الشافعيُّ في "التتمة": إنه لو قال: عليكم السَّلام،

стр. 912

لم يكن مسلِّمًا، وإنما هي صيغةُ جواب (١). وكأنَّ الأقربَ هو الأول (٢)؛ لوجهين: أحدهما: أنه يحصل به مسمَّى السلام، وينطلق (٣) لفظُه عليه. والثاني: أنهّم قالوا: [إنه] (٤) ينوي بإحدى التسليمتين في الصلاة الردَّ على الحاضرين، والصيغةُ صيغةُ الابتداء، [وهذا على أنّ المراد بقوله: وإنّما هي صيغةُ جوابِ حصرِ الجوابِ في عليكم السلام] (٥). الثالثة عشرة بعد الثلاث مئة: قال بعضُ المصنِّفين من الشافعية: وتراعى صيغةُ الجمع، وإن كان السلام على واحد؛ خطابًا له وللملائكة، ولو لم يأت بلفظ الجمع، حصَّلَ أصلَ الصيغةِ (٦). وهذا في الابتداء ظاهرٌ. الرابعة عشرة بعد الثلاث مئة: قد ذكرنا في صيغة السلام عن ابن رشد: وعليكم السلام، وقال بعضُ مصنِّفي الشافعية: وصيغةُ الجواب: وعليكم السلام، أو: وعليك السلام، للواحد (٧).

стр. 913

ولقائل أن يقول: إن كان ابتداءُ السلام بصيغة الجمع وهو قوله: [السلام] (١) عليكم، فالرد بصيغة الواحد لا يكون ردًّا للتحية بأحسنَ منها أو مثلِها؛ لأنّ خطابَ الواحد بصيغة الجمع يقتضي التعظيم؛ كإيراد ضمير الجمع للمتكلمين في موضع ضمير المتكلم؛ كنحنُ فَعَلْنا، ونحن قُلنا، وأشباهِهِ، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]: إنه خطاب (٢) الواحد بلفظ الجمع، وإذا كان كذلك، فالرد بصيغة خطاب الواحد لا يقتضي معنى التعظيم، والابتداء بلفظ الجمع يقتضيه، أو يحتمله، فلا يكون ردًا للتحية بأحسنَ منها أو مثلِها، والاكتفاء به من حيث حصولُ مسمى السلامِ فيه. الخامسة عشرة بعد الثلاث مئة: قال القاضي [أبو الوليد] (٣): وأمّا في الردِّ، فيقول: السلام عليكم، أو عليكم السلام ورحمةُ الله، وإنِ اقتصر على السلام أجزأه، إلا أن يكونَ المسلّمُ الأولُ زاد الرحمةَ والبركةَ، فعلى الرادِّ مثلُ ذلك (٤). السادسة عشرة بعد الثلاث مئة: ولو ترك حرفَ العطف فقال: عليكم السلام، قال الرافعيُّ الشافعي - رحمهم الله تعالى - في "النهاية":

стр. 914

يكفي ذلك ويكون جوابًا، والأحسن أن يُدخَل حرفُ العطف. قال الرافعي: وفي "التتمة": إنه ليس بجواب، وإنه لو تلاقى اثنان، فسلم كلُّ واحد منهما على الآخر، وجبَ على كلِّ واحد منهما جوابُ الآخر، ولا يحصل الجواب بالسلام، وإن ترتَّب السلامان (١). السابعة عشرة بعد الثلاث مئة: لو قال المجيبُ: وعليكم، قال الإمام: الرأيُ عندي أن لا يكتفيَ بهذا، فإنه ليس فيه تعرُّضٌ للسلام (٢). ومنهم من قال: إنه يكون جوابًا للعطف، ورجوعه على قوله: السلام (٣). قلت: هذا هو الأقربُ بالنسبة إلى حصول معنى اللفظ، وأما بالنسبة إلى امتثال قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، ففيه نظر، والله أعلم. الثامنة عشرة بعد الثلاث مئة: قال: ولو قال: عليكم، لم يكن جوابًا بلا خلاف (٤)؛ يعني: إذا اقتصر عليه في الجواب دونَ

стр. 915

حرف العطف (١). التاسعة عشرة بعد الثلاث مئة: مما جُعل من مقتضيات إفشاء السلام؛ أنَّه لا يمنع (٢) السَّلامَ على من هو في مساومةٍ أو معاملةٍ (٣)، قال بعضُهم: وإلا فلا يحصل إفشاءُ السلام، والناس في أغلب الأحوال في أشغالهم (٤). العشرون بعد الثلاث مئة: ما (٥) يحصل به مسمى السلام فهو كافٍ في امتثال الأوامر (٦)، والأكملُ في الابتداء أن يقولَ: السَّلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه. وقد ووى جعفر بن سليمان، عن عَوْفٍ، عن أبي رجاء، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: السلام عليكم، فردَّ عليه، ثم جلس، فقال النبي ﷺ : "عَشْرٌ"، ثم جاء آخرُ فقال:
следующие страницы →