← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

على هذا، فكأنه الأقل. وقال بعضُ مصنّفي الشافعية: وصيغةُ: (السلامُ عليكم) يقوم مقامَها: (سلامٌ عليكم) (١) (٢)، وهذا ظاهرٌ أيضًا؛ لانطباقِ لفظِ السلام عليه. وقد جاء في التنكير قولُه تعالى: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقوله: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣]، "والتعريف في التشهد: "السلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ [ورحمةُ اللهِ] (٣) " (٤). الثانية عشرة بعد الثلاث مئة: قال القاضي أبو الوليد بن رُشْد المالكي: ويجوز الابتداءُ بلفظ الردِّ، والردُّ بلفظ الابتداء. وذكر إمامُ الحرمين الشافعي في صيغة السلام: عليكمُ السَّلامُ، مع غيرها من الصيغ. وقال المتولِّي الشافعيُّ في "التتمة": إنه لو قال: عليكم السَّلام،

стр. 912

لم يكن مسلِّمًا، وإنما هي صيغةُ جواب (١). وكأنَّ الأقربَ هو الأول (٢)؛ لوجهين: أحدهما: أنه يحصل به مسمَّى السلام، وينطلق (٣) لفظُه عليه. والثاني: أنهّم قالوا: [إنه] (٤) ينوي بإحدى التسليمتين في الصلاة الردَّ على الحاضرين، والصيغةُ صيغةُ الابتداء، [وهذا على أنّ المراد بقوله: وإنّما هي صيغةُ جوابِ حصرِ الجوابِ في عليكم السلام] (٥). الثالثة عشرة بعد الثلاث مئة: قال بعضُ المصنِّفين من الشافعية: وتراعى صيغةُ الجمع، وإن كان السلام على واحد؛ خطابًا له وللملائكة، ولو لم يأت بلفظ الجمع، حصَّلَ أصلَ الصيغةِ (٦). وهذا في الابتداء ظاهرٌ. الرابعة عشرة بعد الثلاث مئة: قد ذكرنا في صيغة السلام عن ابن رشد: وعليكم السلام، وقال بعضُ مصنِّفي الشافعية: وصيغةُ الجواب: وعليكم السلام، أو: وعليك السلام، للواحد (٧).

стр. 913

ولقائل أن يقول: إن كان ابتداءُ السلام بصيغة الجمع وهو قوله: [السلام] (١) عليكم، فالرد بصيغة الواحد لا يكون ردًّا للتحية بأحسنَ منها أو مثلِها؛ لأنّ خطابَ الواحد بصيغة الجمع يقتضي التعظيم؛ كإيراد ضمير الجمع للمتكلمين في موضع ضمير المتكلم؛ كنحنُ فَعَلْنا، ونحن قُلنا، وأشباهِهِ، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]: إنه خطاب (٢) الواحد بلفظ الجمع، وإذا كان كذلك، فالرد بصيغة خطاب الواحد لا يقتضي معنى التعظيم، والابتداء بلفظ الجمع يقتضيه، أو يحتمله، فلا يكون ردًا للتحية بأحسنَ منها أو مثلِها، والاكتفاء به من حيث حصولُ مسمى السلامِ فيه. الخامسة عشرة بعد الثلاث مئة: قال القاضي [أبو الوليد] (٣): وأمّا في الردِّ، فيقول: السلام عليكم، أو عليكم السلام ورحمةُ الله، وإنِ اقتصر على السلام أجزأه، إلا أن يكونَ المسلّمُ الأولُ زاد الرحمةَ والبركةَ، فعلى الرادِّ مثلُ ذلك (٤). السادسة عشرة بعد الثلاث مئة: ولو ترك حرفَ العطف فقال: عليكم السلام، قال الرافعيُّ الشافعي - رحمهم الله تعالى - في "النهاية":

стр. 914

يكفي ذلك ويكون جوابًا، والأحسن أن يُدخَل حرفُ العطف. قال الرافعي: وفي "التتمة": إنه ليس بجواب، وإنه لو تلاقى اثنان، فسلم كلُّ واحد منهما على الآخر، وجبَ على كلِّ واحد منهما جوابُ الآخر، ولا يحصل الجواب بالسلام، وإن ترتَّب السلامان (١). السابعة عشرة بعد الثلاث مئة: لو قال المجيبُ: وعليكم، قال الإمام: الرأيُ عندي أن لا يكتفيَ بهذا، فإنه ليس فيه تعرُّضٌ للسلام (٢). ومنهم من قال: إنه يكون جوابًا للعطف، ورجوعه على قوله: السلام (٣). قلت: هذا هو الأقربُ بالنسبة إلى حصول معنى اللفظ، وأما بالنسبة إلى امتثال قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، ففيه نظر، والله أعلم. الثامنة عشرة بعد الثلاث مئة: قال: ولو قال: عليكم، لم يكن جوابًا بلا خلاف (٤)؛ يعني: إذا اقتصر عليه في الجواب دونَ

стр. 915

حرف العطف (١). التاسعة عشرة بعد الثلاث مئة: مما جُعل من مقتضيات إفشاء السلام؛ أنَّه لا يمنع (٢) السَّلامَ على من هو في مساومةٍ أو معاملةٍ (٣)، قال بعضُهم: وإلا فلا يحصل إفشاءُ السلام، والناس في أغلب الأحوال في أشغالهم (٤). العشرون بعد الثلاث مئة: ما (٥) يحصل به مسمى السلام فهو كافٍ في امتثال الأوامر (٦)، والأكملُ في الابتداء أن يقولَ: السَّلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه. وقد ووى جعفر بن سليمان، عن عَوْفٍ، عن أبي رجاء، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: السلام عليكم، فردَّ عليه، ثم جلس، فقال النبي ﷺ : "عَشْرٌ"، ثم جاء آخرُ فقال:

стр. 916

السلام عليكم ورحمة الله، فردَّ عليه، فجلس، فقال: "عِشْرُون"، ثم جاء آخرُ، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردّ عليه، فجلس، فقال: "ثلاثون" (١). الحادية والعشرون بعد الثلاث مئة: وهاهنا تقييداتٌ وتخصيصاتٌ في الأقوال والأحوال والهيئات التي تَرجع إلى السلام أو المسلِّم (٢)، وتُخرِج بعضَ الصور عن كونها مطلوبة، فلا بدَّ من التعرُّض لها. الثانية والعشرون بعد الثلاث مئة: قد ذكرنا انتهاءَ السلامِ إلى البركة في الابتداء، فلو زاد عليها فالمنقولُ عن ابن عباس ﵄: أنه أنكر الزيادةَ [على ذلك] (٣)، وقال: إنَّ السلامَ انتهى إلى البركة (٤). قال القاضي أبو الوليد بن رشد المالكيُّ: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] دليلٌ على جواز الزيادة على البركة إذا انتهى المبتدئُ بالسلام في سلامه إليها (٥).

стр. 917

وقد ذكر مالك في "موطَّئه": أن رجلًا سلَّم على عبد الله بن عمر ﵄ فقال: السلام عليكم ورحمته وبركاته والغادياتُ والرائحاتُ، فقال ابنُ عمر: وعليك ألفًا؛ كأنه كره ذلك (١). وقد روى أبو داودَ عَقيبَ حديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ الذي قدمناه، عن إسحاق بن سُوَيْد الرَّملي، عن ابن أبي مريم فقال (٢): أظنُّ أني سمعت نافعَ بن يزيد قال: أخبرني أبو مرحوم (٣)، عن سهلِ بن [معاذ ابن] أنس، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، فزاد: ثم أتى آخرُ، فقال: السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته، فقال: "أربعون"، قال: هكذا تكون الفضائل (٤)، وهذا يدل على جواز الزيادة، بل على طلبِها (٥)، إلا أنّه حديثٌ فيه شكٌّ (٦). الثالثة والعشرون بعد الثلاث مئة: ذكر بعضُ مصنِّفي الشافعية: أنَّ سلامَ النساءِ على النساءِ كسلام الرجالِ على الرجالِ، ولو سلَّم

стр. 918

رجلٌ على امرأة، أو بالعكس؛ فإن كان بينهما زوجيَّةٌ، أو محرميّةٌ جاز، وثبتَ الاستحقاقُ للجوابِ (١)، وإلَّا لم يثبت، [إلا] (٢) إذا كان عجوزًا خارجًا عن مَظِنَّةِ الفتنة (٣). الرابعة والعشرون بعد الثلاث مئة: ومِنْ صور الاستثناءِ ابتداءُ السلام على المرأة الشابة: قال ابن رشد: ويُكره السلام على المرأة الشابة، ولا بأس على المُتَجالّة (٤). والمُتَجالّة: بضم الميم، وفتح التاء ثالث الحروف، وبعدها جيم، ثم ألف، ثم لام مشددة مفتوحة (٥). وروى أبو داود من حديث ابن [أبي] (٦) حُسين، سمعه من شَهْرِ ابن حَوْشَب يقول: أخبرَتْه أسماءُ بنتُ يزيد: مرَّ علينا النبيُّ ﷺ في نسوة، فسلَّم علينا (٧).

стр. 919

الخامسة والعشرون بعد الثلاث مئة: ومن صورهِ: بَداءةُ الكفار بالسلام: وقد روى شعبةُ، عن سُهيل بن أبي صالح قال: خرجتُ مع أبي إلى الشَّام، فجعلوا يمرّون بصوامعَ فيها نصارى، فيسلِّمون عليهم، فقال أبي: لا تبدؤوهم بالسَّلام، فإن أبا هريرة حدّثنا عن رسول الله ﷺ قال: "لا تَبْدَؤُوهُمْ [بالسَّلامِ] (١)، وإذا لَقيتُموهُمْ [في طريق] فاضطَرُّوهُم إلى أضيقِ الطريقِ" (٢). وذكر (٣) أبو الوليد بن رشد: [أنَّ] (٤) مِنْ أهل العلم مَنْ أجاز أنْ يُبدأَ أهلُ الذمَّة بالسَّلام، وهو خلافُ ما روي عن النبي ﷺ (٥).

стр. 920

قلت: لعله أخذ بالعموم في قوله ﷺ : "أَفشُوا السلامَ بينكم" (١)، ولم يجعلِ الخطاب مخصوصًا بالمسلمين، [وهذا القول حكاه القاضي عن غير واحد] (٢) من السلف فقال: وقد اختلف العلماءُ في ردِّ السلام على أهل الذمّة، فألزمه جماعةٌ إلزامَ (٣) الردِّ على المسلمين لعموم الآية والحديث، وهو مذهب ابن عباس، والشعبي، وقَتادة. وذهب غيرُهم إلى أنَّ الآية والحديث مخصوصان بالمسلمين بدليل تفسير هذه الأحاديث التي في الباب، وأنّه لا يردُّ عليهم، ورواه (٤) أشهب وابن وهب، عن مالك، قال: فإن رددتَ فقلْ: عليك. والذي تقدَّم من قول من قال: يرد بـ: (عليك السلام)، ذكره القاضي عن ابن طاووس، ومما يُستدلُّ به على إباحة السلام قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]، وأُجيب: بأنه لم يَقصد به التحية، وإنما قَصد به المقاطعة (٥) والمتاركة (٦)، والله أعلم.

стр. 921

السادسة والعشرون بعد الثلاث مئة: قال القاضي أبو الوليد بن رشد المالكي: ولا يُسلَّم على أهل الأهواء كلِّهم، قاله ابنُ القاسم في سماعه من "جامع العُتبيّة"، وحكى أنه رأى ذلك من مذهب مالك، [قال] (١): ومعناه في أهل الأهواء الذين يُشبهون القدرية من المعتزلة والروافض والخوارج، إذ من الأهواء ما هو كفرٌ صريح لا يُختلف في أنَّ معتقدَه كافر (٢)، ولا يُختلف في أنه لا يَسلم عليه، ومنه ما هو هوى حقيقة، فلا يُختلف في أنه ليس بكافر، فلا يختلف في أنه يسلم عليه، ويُحتمل أنه يريد أنه لا نسلّم عليه (٣) على وجه التأديب لهم، والتبرِّي منهم، والبُغضة فيهم لله (٤)، لا لأنهم عنده كفار (٥)، فقد اختلف قوله في ذلك. قلت: أما إذا حُكِمَ بكفرهم، فقد تقدَّم الحكمُ في السلام على الكافر، وأما إذا لم يُحكمْ بكفرهم، وهو الصحيح، إلا في من أنكرَ معلومًا بالتواتر من الشريعة، فعلى هذا هم مُسلمون وداخلون تحت العمومات، وإخراجُهم منها تخصيص بالمانع الذي يُعتقد راجحًا (٦) عند من يراه.

стр. 922

السابعة والعشرون بعد الثلاث مئة: قال ابنُ رشد القاضي: لا ينبغي أن يُسلَّم على أهل الباطل في [حال تلبُّسهم] (١) بالباطل، ومثَّله باللاعبين بالشِّطرنج، وغيرِهم (٢)، قال: وشبهِ ذلك (٣). وهذا أيضًا إخراج من العموم، وتخصيص بمعارض. الثامنة والعشرون بعد الثلاث مئة: ذكرَ بعض الشافعية [أن] (٤) في الاستحباب على الفاسق جوابين. التاسعة والعشرون بعد الثلاث مئة: مِنْ صورِ التخصيص أو التقييد: السلامُ على من يقضي حاجتَه، [وذُكر فيمن سلم على من يقضي حاجته] (٥)، هل يستحق الجواب بعد الفراغ؟ وجهان (٦) (٧). الثلاثون بعد الثلاث مئة: أطلقَ صاحبُ "الوسيط" الشافعي: أنه لا يُستحب السلام على المصلي (٨).

стр. 923

ولم يمنع منه المُتولِّي الشافعي، وقال: إذا سلم على المصلي فلا يُجبْه حتى يفرَغَ من الصلاة، ويجوز أن يجيبَ في الصلاة بالإشارة وغيره. ذكر عن القديم: أن المصلي إذا سُلِّم عليه يَردُّ بالإشارة، وفي لزومِهِ وجهٌ، وفي لزومه بعد الفراغ من الصلاة وجهان (١). الحادية والثلاثون بعد الثلاث مئة: المشغولُ بالأكل، ذكر الشيخ أبو محمد الجويني الشافعي - رحمة الله عليهما -: أنه لا يُسلَّم عليه، ورأى ولدُه إمامُ الحرمين حَمْل ذلك على ما إذا كانت اللقمةُ في فمه، وكان [قد] (٢) مضى زمانٌ في المضغ والابتلاع، وَيعْسُر عليه الجواب في الحال، أما إذا وقع سلام بعد الابتلاع وقبل وضع لُقمة [أخرى] (٣) في الفم فلا يَتوجه االمنع؛ حكاه الرافعي (٤)، والله أعلم. الثانية والثلاثون يعد الثلاث مئة: إذا غلب على ظنِّه أنه إذا سلم لا يردُّ السلام، فهل يسلم؟ أجاب بعضُ [أهلِ] (٥) العصر: أنه يسلم، ويُحتمل أن يقال: إن المفسدةَ على تقدير التَّركَ هو تركُ السنة، وعلى تقدير الفعل توريطُ

стр. 924

المسلَّم عليه في المعصية، وهو أشدُّ مفسدةً من الأولى (١). الثالثة والثلاثون بعد الثلاث مئة: ذكر بعضُ مصنفي الشافعية: أنه لا يُستحب لمن دخل الحمامَ أن يسلِّم على من فيه، قال: لأنه بيتُ الشيطانِ وليس بموضع التحية؛ ولأنهم في الدلك والتنظيف، فلا تليق التحيةُ بحالهم. وهذا تقييدٌ أو تخصيص، وليس المعنى المذكورُ فيه بالشديد القوةِ، ولكنَّه بالنسبة إلى عدم الاستحباب قد يقرُب، لا بالنسبة إلى إثبات الكراهية (٢) (٣). الرابعة والثلاثون بعد الثلاث مئة: من صيغة (٤) الاستثناءِ في جواب السلام ممّا ينطلق عليه اسم السلام: أن يقولَ المصلي (٥): عليكم السلام، فإنه مبطل (٦) الصلاةَ على ما ذكره الشافعيةُ، أو من ذكره

стр. 925

منهم (١)، فليُمنعْ منه على الوجه الذي يَمنع (٢) إبطالَ الصلاة. الخامسة والثلاثون بعد الثلاث مئة: ومما (٣) جاء من صوره؛ أي: من صور الاستثناء في الابتداء؛ أنْ يقول: عليك السلام، من حديث أبي خالدٍ الأحمر، عن أبي غِفَار (٤)، عن أبي تميمةَ الهُجَيمي، عن أبي جُرَي الهُجَيمي قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ ، [فقلت: عليك السلام] (٥)، فقال: "لا تقلْ: عليكَ السَّلامُ، فإنَّ عليكَ السَّلامُ تحيةُ الموتى" (٦). قال القاضي عياض ﵀: ويُكره أن يقول في الابتداء: عليك السلام، وجاء في الحديثِ النَّهيُ [عنه، و] (٧) أنه تحيةُ الموتى، ومَنعَهُ لأنها (٨) عادةُ الشعراء والمؤنسين للموتى في أشعارهم ومراثيهم (٩)، كقوله [من الطويل]:

стр. 926

عليكَ سلامُ اللهِ قيسَ بنَ عاصمٍ ... وَرَحْمَتُهُ ما شاءَ أَنْ يَتَرَحَّما (١) لا أنَّ هذه هي السنة (٢)، وقد قال ﷺ : "السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين" (٣)، فحياهم تحيةَ الأحياء. قال بعضُهم: ولأنَّ عادةَ العرب في تحية الموتى قد جرتْ في تقديم اسمِ المدعوِّ عليه في الشرّ، كقولهم: عليك لعنةُ الله وغضبُه، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨]، وهذا لا حجَّة فيه؛ لأنَّ الله تعالى قد نص في المُلاَعنة على تقديم اللعنة والغضب على الاسم. قيل: السلامُ هو اسم الله (٤)، وهو أولى بالتقديم، وهو أحسن لو سلَّم، وقد تقدم الخلافُ فيه، ويناقضُه جوازُ ذلك في الرد، وهو مما (٥) يُختلَفُ في جوازه (٦).

стр. 927

قلتُ: هذه الكراهة التي أثبتها القاضي إنَّما تقوِّي الحكمَ (١) بعد صحة الحديث المذكور في ذلك، والله أعلم. السادسة والثلاثون بعد الثلاث مئة: ومن هذا (٢) القبيل كيفيةُ جوابِ سلامِ الكافرِ إذا ابتدأ بالسلام، وقد ثبت من حديث عبد الله بن دِيْنار، عن عبد الله بن عُمَرَ ﵄: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اليهودَ إذا سَلَّمَ عليكُمْ أحدُهُمْ، فإنَّما يقولُ: السَّامُ عليكُمْ، فقولوا: وعليكُمْ" (٣). وقال أيضًا: مِنْ حديثِ شعبةَ، عن قتَادَةَ، عن أنسٍ: أنَّ أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبيِّ ﷺ : إنَّ أهلَ الكتاب يُسلِّمون علينا، فكيف نردُّ عليهم؟ قال: "قُولُوا: وَعَلَيكُم" (٤). قال القاضي أبو الوليد بن رشد: وقد روى أشهبُ، عن مالك في

стр. 928

"الجامع من العتبية": أنَّه لا يُسلِّمُ على أهل الذمة، ولا يَرُدُّ عليهم بمثل ما يَرُدُّ على المسلمين، وأن يقتصرَ في الردِّ عليهم بأنْ يقالَ: وعليكم؛ على ما جاء في الحديث (١). قلت: قد جاء الإذنُ في الردِّ عليهم بصيغة الأمر، وأقلُّ ما يدل عليه الإباحة، والله أعلم. السابعة والثلاثون بعد الثلاث مئة: قد قدَّمنا الروايةَ في الردِّ على اليهود بقوله: "وعليكم"، من رواية شعبة، عن قتادة، بإثبات الواو، وكذلك من رواية عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ بالواو (٢). قال أبو داود: ورواه الثوري، عن عبد الله بن دينار، فقال: "وعليكم" (٣). وما في "الموطّأ": "أنَّ اليهودَ إذا سلَّمَ عليكُمْ أحدُهُمْ، فإنَّما يقولُ: السَّامُ عليكم، فقل: عليك" (٤) بغير واو. ففرَّق ابن رشدٍ في هذا بينَ أن يتحقّقَ أنه قال: السَّامُ عليك، أو

стр. 929

السِّلام - بكسر السين -، وهي الحجارة، وبين أن لا يتحقق، فخيَّر في الأول بين أن يقول: (عليك) بغير واو، [أو] (١) (وعليك) بالواو؛ لأنه يُستجابُ لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا، على ما جاء عن النبي ﷺ (٢)، وقال في الثاني: إن لم يتحقَّقْ ذلك (٣). قلت: بالواو؛ لأنك إذا قلت بغير واو، وكان هو قد قال: السلام عليك، كنت قد نفيتَ السلامَ عن نفسك، ورددتَه عليهِ. الثامنة والثلاثون بعد الثلاث مئة: بعد التقييد في ردِّ الجواب على أهل الكفر، وقد (٤) تبيَّن فيه كيفيةُ الجواب، وهو: (وعليكم)، وذكر بعضُهم: أنه قيل: إنه يقول في الردِّ على الذمّي: عليك السِّلام - بكسر السين -، وعلاك السلامُ؛ ارتفع عليك (٥)، وهو خلافُ ما أُمر به في الحديث (٦).

стр. 930

التاسعة والثلاثون بعد الثلاث مئة: الذي وردَ في الحديث الذي قدَّمناه: "إنَّ اليهود إذا سلَّم عليكُمْ أحدُهُمْ، فإنَّما يقول: السَّامُ عليكُمْ فقُلْ: عليْكَ" ظاهرُه (١) يقتضي: أنَّ العلَّة في هذا الردّ قولهم: السَّام [عليكم] (٢)، إما (٣) على سبيلِ التحقُّق، وإما (٤) على سبيل الظَّنِّ من السَّامع لشدة عداوتهم للمسلمين، فلو تحقّق السامعُ أنه قال: السلام عليكم، من غير شكٍّ، فهل يقال: إنه لا يمتنع الردُّ عليه بالسلام الحقيقي، كما يردُّ على المسلم، أو يقال بظاهر الأمر، وحصر جوابهم (٥) في "وعليكم"؟ ويترجّح الثاني بظاهر اللفظ، ويترجّح الأولُ بالنظر إلى المعنى، فإن (الفاء) في قوله ﷺ : "فقل: عليك" تقتضي التعليل، وأن علة هذا القول: "أنهم يقولون: السَّام عليكم"، إذا دلَّ اللفظُ على التعليل، فعند تَحَقُّقِ السلام زالتِ العلةُ، والحكم يزول بزوال علته، والله أعلم. الأربعون بعد الثلاث مئة: ذكر بعضُ [مصنفي] (٦) الشافعية: أنّ ما يعتادُه بعضُ الناس من السلام عند القيام، ومفارقةِ القوم دعاءٌ لا تحيةَ، يُستحب الجوابُ عنه ولا يجب (٧).

стр. 931

وروى أبو داود، عن أحمد بن حنبل، ومُسَدَّد قالا: ثنا بِشْرُ بن المُفَضّل، عن ابن العجلان، عن المقبُري، قال مسدَّد: سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انتهى أحدُكُمْ إلى المجلِسِ فليسلِّمْ، وإذا أرادَ أنْ يقومَ فليسلِّمْ، فليستِ الأولى بأحقَّ مِنَ الآخِرَةِ"، وذكر الترمذيُّ أنه حديث حسن (١). الحادية والأربعون بعد الثلاث مئة: من جملةِ ما صحَّ من (٢) آدابِ السَّلام، وهو يقتضي تخصيصًا في رتبة الاستحباب إذا حُمِل على الاستحباب، [وهو] (٣) تسليمُ الرَّاكبِ على الماشي، والصغيرِ على الكبيرِ، والمارِّ على القاعِد، والقليلِ على الكثير (٤).

стр. 932

قال ابن رشد - بعد أن ذكر الروايةَ في تسليمِ الصغيرِ على الكبيرِ، والراكبِ على الماشي -: ومعنى ذلك: إذا التقيا، فإن كان أحدُهما راكبًا والآخرُ ماشيًا، بدأ الراكب بالسلام، فإن (١) كانا راكبَيْن أو ماشِيَيْن بدأ الصغيرُ بالسلام، وأما المارُّ بغيره أو الداخلُ عليه فهو الذي (٢) بدأ بالسلام، و [إن كان] (٣) الذي يُمَرُّ به راكبًا أو صغيرًا، وكذلك السائر في الطريق فتقدُّمه أوجبَ (٤) عليه أن يبدأ بالسلام، وإن كان صغيرًا أو راكبًا وهو ماشٍ. الثانية والأربعون بعد الثلاث مئة: ذكر بعضُ مصنفي الشافعية: أنه لا يُكره أن يَبدأَ الماشي والجالسُّ (٥)، ولفظُ الحديث وإن كان خبرًا فهو بمعنى الأمر، وهو يُثبت (٦) الاستحبابَ إن لم يدلَّ على الوجوب، ولكن ليس يلزم من ترك المستحَبِّ ارتكابُ المكروه لاختلافٍ بينهما، فحمْلُه على المرتبة الدنيا هو مقتضى ما ذكره هذا المصنف.

стр. 933

الثالثة والأربعون بعد الثلاث مئة: يعرضُ (١) الفاضلُ أبو عبد الله المازري المالكي ﵀ لذكر الحكم في هذا الأدب الذي ذكرناه من سلام الراكب على الماشي: [لفضلِ الراكب عليه] (٢) في باب الدنيا، فعَدَلَ الشرعُ بأن جعلَ للماشي فضيلةً أن يبدأ احتياطًا على الراكب من الكِبْر والزُّهو إذا حاز الفضيلتين، قال: وإلى هذا المعنى أشار بعضُ أصحابِنا. قال: وأما بدءُ المارِّ على القاعد فلم أرَ [في] (٣) تعليله نصًا، ويحتمل أن يجريَ [في] (٤) تعليله على هذا الأسلوب، فيقال: بأنَّ (٥) القاعد قد يتوقَّع شرًا من الوارد عليه، أو توجَّس (٦) في نفسه خيفةً منه، فإذا ابتدأه بالسلام أَنِسَ إليه، أو لأنَّ التصرفَ والتردد في الحاجات الدنيوية وامتهانَ النفس فيها، ينقص من مرتبة المتجاوِرين (٧) والآخذين بالعزلة تورُّعًا، فصار للقاعد مزيّةً في باب الدين، فلهذا أَمَرَ بابتدائهم، أو لأنَّ القاعدَ يشقُّ عليه مراعاةُ المارين من كثرتهم والتشوفِ إليهم، فسقطتِ البداءة عنه، وأُمر بها المارُّ لعدم المشقة عليه.

стр. 934

قال: وأما بداءةُ القليلِ الكثيرَ: فيحتمل أن يكونَ لفضيلة الجماعة (١)، ولهذا قال الشرع: "عليكُمْ بالسَّوادِ الأعظَمِ" (٢)، و"يدُ اللهِ معَ الجماعةِ" (٣)، فأمر ببداءتهم لفضلهم، أو لأن الجماعة إذا بدؤوا الواحدَ خِيفَ عليه الكبرُ والزهو، فاحتيط له بأن لا يُبدأ. قال: ويحتملُ غيرَ ذلك، ولكنّ ما ذكرناه هو الذي يليق بما قدمناه عنهم من التعليل. قال: ولا يحسُن معارضةُ هذا التعليلِ بآحادِ مسائلَ شذَّتْ عنها؛ لأن التعليلَ الكليَّ لوضع الشرع لا يُطلب فيه ما لا يشِذُّ عنه بعضُ الجزئيات (٤). الرابعة والأربعون بعد الثلاث مئة: السلام عامٌّ بالنسبة إلى السَّلام بالعربية أو بغيرها من اللغات، وذكرَ بعضُ مصنفي الشافعية: أنَّ بعضَهم علَّق (٥) في السلام بالفارسية ثلاثَة أوجه:

стр. 935

ثالثُها: الفَرْقُ؛ إن (١) كانا عالمين بالعربية (٢) لم يجزْ (٣). ويمكن أن يكونَ التخصيص بالسلام بالعربية مبنيًا على مذهب بعض أهل الأصول. الخامسة والأربعون بعد الثلاث مئة: السلامُ حقيقةٌ في القول اللساني، فالإشارة به من القادرِ عليه لا يتأدَّى بها المقصود؛ لوجوبِ حمل اللفظ على الحقيقة. السادسة والأربعون بعد الثلاث مئة: كثير من الناس يبذل عند اللقاء السلامَ بألفاظٍ أُخَر: كالتصبيحِ بالعافية، والسعادة، أو ما أشبهَ ذلك (٤)، وهو تركُ القيام بالسنَّة، ولكنه ليس بمكروه في نفسهِ من حيث هو هو إذا لم يُقصد به العدولُ عن السلام إلى ما هو داخلٌ في التعظيم؛ لأجل (٥) مناصبِ الدنيا، و [إذا] (٦) لم يؤدِّ

стр. 936

الترك لسنة (١) السلام كثيرًا. السابعة والأربعون بعد الثلاث مئة: إذا ابتدأَ بالسلام الشرعي، فأجابه بمثل هذه الألفاظ (٢) التي يعتادونها، فالظاهر أنه لا يحصل به تأدِّي الواجبِ. الثامنة والأربعون بعد الثلاث مئة: إذا حملنا الإفشاءَ على الإعلان والجهر، فلا بد أن يفعل من ذلك ما يحصُل به الإسماعُ لمن يسلِّم عليه. التاسعة والأربعون بعد الثلاث مئة: الإطلاقُ أو (٣) العموم يقتضي أن يسلَّم على الأصمِّ، وأن لا يكون الصممُ فيه مانعًا من السَّلام عليه، فذكر بعضُ الشافعية - رحمهم الله تعالى - في السلام على الأصمّ: أنه يأتي باللفظ لينبه (٤) عليه، ويشير باليد ليحصل الإفهامُ، ولو لم يضمَّ الإشارةَ إلى اللفظ لم يستحقَّ الجواب، وكذا في جواب الأصم ينبغي أن يُجمعَ بين اللفظ والإشارة (٥). الخمسون بعد الثلاث مئة: ذكروا أن سلامَ (٦) الأخرسِ بالإشارة معتدٌّ به، فهو إما سلامٌ في حقه، أو قائمٌ مقامَ السلام في حقه، فإن

стр. 937

كان الأول فيدخل تحت الأمر بإفشاء السلام حتى يستحبَّ له الابتداءُ بالسلام، ويجب عليه الرد (١)، وإن كان ليس بسلام، ولكنَّه قائمٌ مقامَه في حقه، فهذا يرجع إلى اعتبار المعنى دون الحملِ على اللفظ. الحادية والخمسون بعد الثلاث مئة: الصبيُّ مُستثنى من وجوب الردِّ لعدم التكليف، وداخلٌ تحت الندب إلى الابتداء. الثانية والخمسون بعد الثلاث مئة: النهيُ عن خواتيمِ الذهب -[أو تختُّمِ الذهبِ] (٢) مخصوصٌ بالرجال دون النساء، وقد نُقِل إجماعُهم على أنه للنساء مباح، ونُقل ذلك عن "الاستذكار" (٣)، وسيأتي الكلام في دلائلِ التخصيص - إن شاء الله تعالى - في مسائل الحرير. الثالثة والخمسون بعد الثلاث مئة: ظاهرُ النهي التحريمُ، قال القاضي - رحمه الله تعالى -: وما حُكي فيه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ [من تختُّمِهِ بالذهب] (٤) فشذوذٌ، والأشبهُ أنه لم تبلغْهُ السنَّةُ، والناسُ بعدَه على خلافه مُجْمِعون. قال: وكذلك (٥) ما روي فيه عن (٦) خبَّاب بدليل إلقائه له حين قال

стр. 938

له ابن مسعود: أما آن لهذا الخاتَمِ أن يُلْقَى؟ وقوله: أما إنك لن تراه عليَّ بعد هذا اليوم (١). قال: وقد ذهب بعضُهم إلى أنَّ لُبسه للرجال بمعنى الكراهة لا لتحريمٍ (٢)، ولأجل السَّرَف، كما قال في الحرير (٣). قلت: هذا يقتضي إثباتَ الخلاف في التحريم، وهو يناقضُ القولَ بالإجماع على التحريم (٤). الرابعة والخمسون بعد الثلاث مئة: استدلَّ بتحريم خاتم الذهب

стр. 939

على أنَّ الذهبَ حرامٌ على الرجال قليلَه وكثيرَه. قال المستدِلُّ: لأن النبيَّ ﷺ نهى عن التختم بالذهب، وهو قليل. قلت: الَّذي يدل عليه الحديث تحريمُ الخاتم، وفي معناه ما هو في قَدْره، وأما مّا ينقص من (١) قَدْره فلا ينبغي أن يُؤخذ من الحديث؛ لأنه لا دلالةَ عليه من الحديث، وأيضًا فيمكن أن يُعتبر وصفُ كونه خاتمًا (٢).

стр. 940

الخامسة والخمسون بعد الثلاث مئة: لا يجوز لُبس الخاتم في مفاجأة الحربِ بخلافِ الحرير في هذه الحالة، وكذلك لو كان له سيفٌ عليه حليةُ ذَهَب ففاجأته (١) الحربُ، فلا بأس أن يتقلَّده، فإذا انقضتِ الحربُ، قال الشافعي ﵁: أحببتُ له نقضَه (٢). قال الروياني: وهكذا في حَمائل سيفِه وتُرسِهِ ومِنْطَقَتِهِ؛ لأنَّ كلَّ هذا جُنَّة. قال: ولا يجوز لبس خاتم من الذهب وإن فاجأته (٣) الحرب؛ لأنه لا جُنَّةَ فيه (٤).

стр. 941

السادسة والخمسون بعد الثلاث مئة: إذا حرُم الخاتم من الذهب فما فوقَه في (١) المقدار كالدُّمْلُج والمِعْضَدَةُ أولى بالتحريم، وقد عُرف أن ما هو في معنى الأصل نذكُره في فوائد الحديث؛ لأنه بمثابة لوازم دلالة اللفظ. السابعة والخمسون بعد الثلاث مئة: هكذا في هذه الرواية التي أوردناها في الأصل: "وعن شُرْبٍ بالفِضة"، وهو يحتمل أن تكون "الباء" فيه للاستعانةِ وما يستعمل في الآلة؛ كنجرتُ بالقَدُّوم، ويحتمل أن تكون للمصاحَبة، وعلى المعنى الأول (٢): الأظهر تناولُه لإناء الفضة، وعلى الثاني: يدل على ما هو أعمُّ من ذلك، فإنَّ (٣) الشُّربَ بها أعمُّ من الشربَ فيها (٤) وهي إناء. الثامنة والخمسون بعد الثلاث مئة: الأقربُ حملُ قولِهِ في هذه الرواية "شربٍ بالفضة" على إناءِ الفضَّة؛ لأنَّ ذلك قد ورد مفسَّرًا عند البخاري في رواية آدمَ، عن شعبةَ، عن أشعثَ بن سُلَيْمِ قال: سمعت معاويةَ بن سُوَيْد (٥) قال: سمعت البراءَ بن عَازِبٍ: نهانا النبيُّ ﷺ عن خاتمِ الذهب، أو قال: حَلْقة الذهب، وعن الحريرِ والإستبرقِ،

стр. 942

والدِّيباجِ، والقَسِّيِّ، وآنيةِ الفضة (١). والحديث (٢) راجعٌ إلى أشعث بن سليم، والاختلافُ اختلافٌ في ألفاظ حديثٍ واحد من جهة الرواة، هذا غالبُ الظن، والله أعلم. التاسعة والخمسون بعد الثلاث مئة: في هذ الحديث النهيُ عن آنية الفضة على ما أوردناه (٣) من رواية البخاري، وعلى ما حملناه عليه من هذا الحديث على الظاهر، وقد زاد عياضٌ ﵀: وأجمعَ العلماءُ على أن الأكلَ والشربَ في آنية الذهب والفضة لا يحلُّ. قال: وما رُوي عن بعض السلف في (٤) إجازة ذلك فشاذٌّ، والظن به أنه لم تبلغه السنَّةُ في ذلك (٥). قلت: قد حكى العراقيون من أصحاب الشافعي - رحمة الله عليهم - قولًا: أنَّ استعمالَها مكروهٌ غيرُ محرم، وقيل: لم تعرفِ (٦) المراوِزَةُ ذلك، ونقلوا نصًّا عن الشافعي ﵁ في نفي التحريم [قولًا] (٧)

стр. 943

مجملًا، ثم أوَّلوه وحملوه على أن المشروبَ في نفسه غيرُ محرم (١). [والحديثُ الصحيح في التوعد عليه بالنار يُوجب الجزمَ بالتحريم، ويُبطل القول بالكراهة] (٢). الستون بعد الثلاث مئة: الظاهريَّةُ على أصلهم في تخصيص الحكم بالمنصوص عليه من غير نظرٍ إلى المعنى، وأما القائسون فمنهم من خَصَّ الحكم بالنقدَيْن من غير رعاية معنى، وزعم أن اختصاصَ التحريم بهما كاختصاص أحكامٍ بهما من القِراض والنقد (٣)

стр. 944

وغيرهما، ومنهم من لم يُخصِّصْ، بل نظر إلى العِلَّة، ثم اختلفوا فيها؛ قيل (١): هي السَّرَف والخُيَلاء والتزيي بزِيِّ الأعاجم، وقيل: لأنها قِيَمُ المُتْلَفات، فإذا اتُّخِذت أوانيَ قلَّتْ من أيدي الناس. الحادية والستون بعد الثلاث مئة: التشوُّف إلى المعنى وعدمُ الوقوف على مجردِ الاسم لا بأسَ به على طريقة القياسيين، وقد استنبطوا المعنى في الأشياء المنصوصِ عليها في الربا، ومسلكُ المعنى فيه أضيقُ مما نحن فيه، ولهذا توقَّف بعضُ الناس في إلحاق غير الستة المنصوص عليها بها؛ لا لأجل الوقوف على الظاهر، بل لأمرٍ يرجع إلى العللِ المستنبطةِ، وعدمِ ظهور شيء منها عندَه، أو ما يدلُّ على اعتباره. قال إمام الحرمين: والذي أراه أن معنى الخُيَلاء لا بد من اعتباره، فإنه مما يَبْتَدِرُ (٢) إلى الفهم، فإذا أمكن اعتبارُ المعنى، فحسْمُه مع القول بالمعاني بعيدٌ (٣). قلت: إذا ظهرَ المعنى فهو المناسب للقياس، كما قال، لكنَّ تعيينَ معنى الخيلاء للاعتبار، شرطه أن يتعيَّن مناسبًا، أو يرجَّح على ما يزاحمُه، ومعنى السَّرف هاهنا أيضًا مناسبٌ، فإن لم يُردَّا معًا إلى وجه واحد، وإلا فلا بدَّ من الترجيح. الثانية والستون بعد الثلاث مئة: يُعترَض على التعليل بالسَّرَفِ

стр. 945

بالنقض بالأواني من الجوهر والياقوت التي فيها الثمنُ الكثير، الَّذي ربما زاد على ماليَّة مثلهما من الذهب والفضة. الثالثة والستون بعد الثلاث مئة: ويُعترضُ على التعليل بالخيلاء بالاتفاق على أنَّ مَنِ استعمل إناء الذهب والفضة بحيث لا يطَّلعُ عليه إلا الله تعالى، فقد ارتكب المعصيةَ، ولا خيلاءَ لعدم اطلاع الناس عليها، وعدمِ انكسار قلوب الفقراء بسبب رؤيتهم لها. فإن قيل: الاعتراض على هذا من وجهين: أحدهما: أن هذا إلزام للعكس في العلل الشرعية، وهو غير لازم. الثاني: أنْ نقيم النهي للخيلاء مقامها (١)، وحينئذٍ لا يكون الحكم ثابتًا بدون العلة، وصار ذلك كآلات الملاهي، وإثباتُها (٢) على صورة يتهيأ لها (٣) الاستعمالُ فإنه ممنوع، وإن لم يستعمل. قلنا: الَّذي يُعلِّل بالخيلاء يدَّعي كونهَا علةً مفردة لجنس الحكم، والذي يدل على ذلك أنهم بَنَوْا مسألةَ الذهب المغشَّى بغيره كنحاسٍ أو رصاص مثلًا على العلتين، وحُكم بالجواز على علة الخيلاء، فاستدلوا بانتفائها على انتفاء الحكم، ولا يصح ذلك (٤) إلا على اعتقاد

стр. 946

انفرادها بالعلية، والعلةُ إذا كانت مفردة في الحكم لزمَها العكسُ، فلا يثبت الحكم بدونها. وأما الثاني: وهو إقامةُ التهيُّؤ (١) للخيلاء مقامَ حقيقته، فهو حكمٌ تقديري على خلاف الأصل، ومن هاهنا يترجَّح التعليلُ بالسَّرف على التعليل بالخيلاء، إذ لا آنيةَ من ذهب وفضة إلا وتحريم الاستعمال موجودٌ فيها، والعلة فيها - وهي (٢) السرف - موجودة، وليس كذلك في التعليل بالخُيلاء؛ لأن بعض أواني الذهب والفضة محرَّمُ الاستعمال، والعلةُ مفقودةٌ وهي الخيلاء. الرابعة والستون بعد الثلاث مئة: النهيُ عامٌّ في الإناء الصغير والكبير من الذهب والفضة، فيُعَمَّم (٣) الحكمُ فيهما. الخامسة والستون بعد الثلاث مئة: هو عامٌّ بالنسبة إلى الرجال والنساء، فيعمُّ التحريمُ كلَّ واحد من الصنفين، واتَّفق عليه أربابُ المذاهب المشهورة. السادسة والستون بعد الثلاث مئة: لسائل أن يسألَ فيقولَ: قد رويتم في الذهب والحرير عن الرسول ﷺ "وهو حِلٌّ لإناثهم" (٤)،

стр. 947

وهذا النص خاصّ بالنساء، فهلا خُصَّ به [هذا] (١) العمومُ في النهي عن الأكل والشرب، فإن الخاصَّ مقدَّم على العام؟ فنقول: هذا من قبيل (٢) إضافة التحريم والتحليل إلى الأعيانِ، وقد اختَلف فيه الناس، فنُقل عن لمحوم من القدرية: أنه مجمَلٌ، وهو مردود؛ لأنَّ عرف الاستعمال كالوضع، ولهذا قُسّمت الأسماء إلى عرفية ووضعية، وعرف الاستعمال يصرِفُ اللفظَ عن الإجمال، فمن قال: حرَّمْتُ الطعام، فُهم منه في العرف أكلُه، أو حرَّمْتُ الثوبَ، فُهِمَ لُبْسه، ولا يُفهم منه النظرُ إليه، ولا مسُّه، وكذلك حرَّمْتُ المرأة، يُصرف إلى الاستمتاع، ورأيتُ فْي تصرف بعض الفقهاء استعمالَه في العموم؛ أعني: في الأفعال المنسوبة إلى العين، فإذا ثبت هذا فنقول: مَنْ صَرَفَ اللفظ في (٣) التحريم والتحليل إلى المقصود من منافع العين عادةً، فتحريم الحرير منصرِفٌ إلى اللُّبس، وأما تحريمُ الذهب فلا يبعدُ أنْ يتصرفَ إلى التحلِّي به؛ لأنه المعتادُ، وأما اتخاذُ الأواني منه فقليلٌ نادرٌ، وإذا كان كذلك فتحليلُ الذهب للنساء منصرفٌ (٤) على هذا التقدير

стр. 948

إلى التحلِّي بالمعتاد (١)، ولا يتناول الشربَ والأكلَ في أوانيهما، فيبقى النصُّ الدال على تحريمهما في أوانيهما غيرَ معارض، وأما إذا حُمل على العموم إمَّا بالنسبة إلى منافع العين، وإما ما على هو أعمُّ من التحلِّي، وإن لم يستغرق منافع العين، فحينئذ يكون هذا من قبيل تعارضِ العمومَيْن من وجه دون وجه. بيانُه: أن النهيَ عن الشرب [بالذهب و] (٢) الفضة خاصٌّ بالنسبة إلى هذا الانتفاع المعيَّن، عامٌّ بالنسبة إلى الرجال والنساء، وإباحةُ الذهب للنساء خاصٌّ بالنسبة إليهن، عامٌّ بالنسبة إلى هذا الانتفاع المعين، وإذا كانَ كلُّ واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عامًا من وجه خاصًا من وجه، فلابدَّ من الترجيح، فيمكن أن يقال فيه: الترجيحُ لعموم النهي بالنسبة إلى الرجال والنساء لوجهين: أحدهما: أن هذا الحكم قد عُلِّل بعلة تَعُمُّ الفريقين، وتوجب التحريم على النوعين، وهو قوله ﷺ : "لا تشربُوا في آنيةِ الفضةِ والذهبِ (٣)، ولا تأكلوا في صِحافِها؛ فإنَّها لَهُم في الدُّنيا، ولكُم في الآخرةِ" (٤)، فانحصارُها للكفار في الدنيا يقتضي أن لا تكونَ لمقابلهم

стр. 949

في الدنيا، وهم المسلمون، لا للرجال فقط؛ لأنه لو أبيحَ للنساء لما انحصرت للكفار في الدنيا. وأيضًا فإن هذا التعليل إنما هو للتزهيد فيها في الدُّنيا، والترغيب لنا فيها في الآخرة، وسائر المؤمنين مطلوبون بترجيحِ أمر الآخرة على الدنيا، ولا أثرَ في هذا المعنى للأنوثة والذكورة حتى يقال بالتخصيص، فظهرَ أن هذا الحكمَ معلل بعلةٍ دلَّ اللفظ عليها يقتضي الاستواءَ في الحكم بين الرجال والنساء. وأما تحليلُ الذَّهب للنساء فلم يُعلَّل بعلة لفظية تقتضي عمومَ أنواع الانتفاع، وما عُلِّل لفظا راجح على ما لم يُعلَّل لفظًا، بل ربما نقول: إن المقصودَ الأظهرَ من التحليل للنساء معنى الزينة، وذلك لا يقتضي جميعَ أنواع الانتفاع حتى ينتهيَ إلى السرفِ والتبخترِ (١) والتكبرِ. والثاني: الترجيحُ بالنصوص الشرعية الدالة على ذمِّ السَّرف؛ ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] وهذه المفسدة لا تختص بالرجال دونَ النساء، بل هما شَرْعٌ في ذلك.

стр. 950

السابعة والستون بعد الثلاث مئة: المرجَّح عند المالكية منعُ التضبيب (١)، قال مالك - رحمه الله تعالى -: لا يعجبني أن يُشْرب فيه، ولا أن يُنظر فيها (٢)؛ يعني: المرآة، وللشافعية - رحمهم الله تعالى - طرق؛ أشهرُها إذا اجتمعَ الصِغَرُ والحاجةُ حَلَّ الاستعمال (٣)، [وإن كبُرتِ الضَّبةُ ولا حاجةَ حرُمَ] (٤)، وإن صغُرت الضَّبة ولا حاجةَ، أو كبُرت ومسَّت الحاجة، فوجهان. ومنهم من قال؛ إن كانت الضَّبة تلقى فمَ الشارب لم يجزْ، وإن صغُرت وتحقَّقت الحاجة (٥) (٦). وحكي [وجه] (٧) في تحريمِ استعمال المُضَبَّب كيف ما فُرِض الأمرُ تخريجًا (٨) على اعتبار عين التِّبر، وهي موجودة (٩).
следующие страницы →