← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

انفرادها بالعلية، والعلةُ إذا كانت مفردة في الحكم لزمَها العكسُ، فلا يثبت الحكم بدونها. وأما الثاني: وهو إقامةُ التهيُّؤ (١) للخيلاء مقامَ حقيقته، فهو حكمٌ تقديري على خلاف الأصل، ومن هاهنا يترجَّح التعليلُ بالسَّرف على التعليل بالخيلاء، إذ لا آنيةَ من ذهب وفضة إلا وتحريم الاستعمال موجودٌ فيها، والعلة فيها - وهي (٢) السرف - موجودة، وليس كذلك في التعليل بالخُيلاء؛ لأن بعض أواني الذهب والفضة محرَّمُ الاستعمال، والعلةُ مفقودةٌ وهي الخيلاء. الرابعة والستون بعد الثلاث مئة: النهيُ عامٌّ في الإناء الصغير والكبير من الذهب والفضة، فيُعَمَّم (٣) الحكمُ فيهما. الخامسة والستون بعد الثلاث مئة: هو عامٌّ بالنسبة إلى الرجال والنساء، فيعمُّ التحريمُ كلَّ واحد من الصنفين، واتَّفق عليه أربابُ المذاهب المشهورة. السادسة والستون بعد الثلاث مئة: لسائل أن يسألَ فيقولَ: قد رويتم في الذهب والحرير عن الرسول ﷺ "وهو حِلٌّ لإناثهم" (٤)،

стр. 947

وهذا النص خاصّ بالنساء، فهلا خُصَّ به [هذا] (١) العمومُ في النهي عن الأكل والشرب، فإن الخاصَّ مقدَّم على العام؟ فنقول: هذا من قبيل (٢) إضافة التحريم والتحليل إلى الأعيانِ، وقد اختَلف فيه الناس، فنُقل عن لمحوم من القدرية: أنه مجمَلٌ، وهو مردود؛ لأنَّ عرف الاستعمال كالوضع، ولهذا قُسّمت الأسماء إلى عرفية ووضعية، وعرف الاستعمال يصرِفُ اللفظَ عن الإجمال، فمن قال: حرَّمْتُ الطعام، فُهم منه في العرف أكلُه، أو حرَّمْتُ الثوبَ، فُهِمَ لُبْسه، ولا يُفهم منه النظرُ إليه، ولا مسُّه، وكذلك حرَّمْتُ المرأة، يُصرف إلى الاستمتاع، ورأيتُ فْي تصرف بعض الفقهاء استعمالَه في العموم؛ أعني: في الأفعال المنسوبة إلى العين، فإذا ثبت هذا فنقول: مَنْ صَرَفَ اللفظ في (٣) التحريم والتحليل إلى المقصود من منافع العين عادةً، فتحريم الحرير منصرِفٌ إلى اللُّبس، وأما تحريمُ الذهب فلا يبعدُ أنْ يتصرفَ إلى التحلِّي به؛ لأنه المعتادُ، وأما اتخاذُ الأواني منه فقليلٌ نادرٌ، وإذا كان كذلك فتحليلُ الذهب للنساء منصرفٌ (٤) على هذا التقدير

стр. 948

إلى التحلِّي بالمعتاد (١)، ولا يتناول الشربَ والأكلَ في أوانيهما، فيبقى النصُّ الدال على تحريمهما في أوانيهما غيرَ معارض، وأما إذا حُمل على العموم إمَّا بالنسبة إلى منافع العين، وإما ما على هو أعمُّ من التحلِّي، وإن لم يستغرق منافع العين، فحينئذ يكون هذا من قبيل تعارضِ العمومَيْن من وجه دون وجه. بيانُه: أن النهيَ عن الشرب [بالذهب و] (٢) الفضة خاصٌّ بالنسبة إلى هذا الانتفاع المعيَّن، عامٌّ بالنسبة إلى الرجال والنساء، وإباحةُ الذهب للنساء خاصٌّ بالنسبة إليهن، عامٌّ بالنسبة إلى هذا الانتفاع المعين، وإذا كانَ كلُّ واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عامًا من وجه خاصًا من وجه، فلابدَّ من الترجيح، فيمكن أن يقال فيه: الترجيحُ لعموم النهي بالنسبة إلى الرجال والنساء لوجهين: أحدهما: أن هذا الحكم قد عُلِّل بعلة تَعُمُّ الفريقين، وتوجب التحريم على النوعين، وهو قوله ﷺ : "لا تشربُوا في آنيةِ الفضةِ والذهبِ (٣)، ولا تأكلوا في صِحافِها؛ فإنَّها لَهُم في الدُّنيا، ولكُم في الآخرةِ" (٤)، فانحصارُها للكفار في الدنيا يقتضي أن لا تكونَ لمقابلهم

стр. 949

في الدنيا، وهم المسلمون، لا للرجال فقط؛ لأنه لو أبيحَ للنساء لما انحصرت للكفار في الدنيا. وأيضًا فإن هذا التعليل إنما هو للتزهيد فيها في الدُّنيا، والترغيب لنا فيها في الآخرة، وسائر المؤمنين مطلوبون بترجيحِ أمر الآخرة على الدنيا، ولا أثرَ في هذا المعنى للأنوثة والذكورة حتى يقال بالتخصيص، فظهرَ أن هذا الحكمَ معلل بعلةٍ دلَّ اللفظ عليها يقتضي الاستواءَ في الحكم بين الرجال والنساء. وأما تحليلُ الذَّهب للنساء فلم يُعلَّل بعلة لفظية تقتضي عمومَ أنواع الانتفاع، وما عُلِّل لفظا راجح على ما لم يُعلَّل لفظًا، بل ربما نقول: إن المقصودَ الأظهرَ من التحليل للنساء معنى الزينة، وذلك لا يقتضي جميعَ أنواع الانتفاع حتى ينتهيَ إلى السرفِ والتبخترِ (١) والتكبرِ. والثاني: الترجيحُ بالنصوص الشرعية الدالة على ذمِّ السَّرف؛ ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] وهذه المفسدة لا تختص بالرجال دونَ النساء، بل هما شَرْعٌ في ذلك.

стр. 950

السابعة والستون بعد الثلاث مئة: المرجَّح عند المالكية منعُ التضبيب (١)، قال مالك - رحمه الله تعالى -: لا يعجبني أن يُشْرب فيه، ولا أن يُنظر فيها (٢)؛ يعني: المرآة، وللشافعية - رحمهم الله تعالى - طرق؛ أشهرُها إذا اجتمعَ الصِغَرُ والحاجةُ حَلَّ الاستعمال (٣)، [وإن كبُرتِ الضَّبةُ ولا حاجةَ حرُمَ] (٤)، وإن صغُرت الضَّبة ولا حاجةَ، أو كبُرت ومسَّت الحاجة، فوجهان. ومنهم من قال؛ إن كانت الضَّبة تلقى فمَ الشارب لم يجزْ، وإن صغُرت وتحقَّقت الحاجة (٥) (٦). وحكي [وجه] (٧) في تحريمِ استعمال المُضَبَّب كيف ما فُرِض الأمرُ تخريجًا (٨) على اعتبار عين التِّبر، وهي موجودة (٩).

стр. 951

والذي يتعلق بهذا الحديث أن روايةَ من روى: "إناء الفضة" لا تتناول المضبَّب، ومن روى: "عن شُرْبٍ بالفضة" فلا يبعد أنْ تتناول من الضَّبة ما يلقى فمَ الشارب، وإن جعلنا الباء للاستعانة، ففي تناولِها نظرٌ، والله أعلم. الثامنة والستون بعد الثلاث مئة: إذا شرب وفي فمه (١) دنانير، [أو] (٢) طرح الدنانير في الكوز [وشرب منه] (٣)، أو شرب من يده وفي إصبعه خاتَمٌ، قال بعضُ مصنّفي الشافعية: لم يُكْرَه، ولم يحرُمْ؛ لأنَّ العادة ما جرت بذلك، ولا يُعَدُّ مثلُ هذه الأشياء من الزينة (٤). قلت: لا يبعد أن يُلتَفتَ في هذا إلى لفظ الرواية التي ذكرناها، وهي: "وعن شرب (٥) بالفضة" إذا جعلتِ الباءُ للمصاحبةِ في الشرب، وهي في بعض هذه الصور أظهرُ من بعضٍ، وأما مسألة الخاتم فبعيدٌ جدًّا، ودونهَا مسألةُ الشرب وفي الفم الفضة، وهو بعيدٌ أيضًا، وأقربُها وضعها في إناء الشرب، والأظهرُ الإباحةُ كما ذكرنا، لا سيما على ما اخترناه من حمل هذه الرواية على الرواية الأخرى، وهي: "إناءِ

стр. 952

الفضَّة"، فإنَّ هذا لا يسمَّى إناءً. وإنما استقربتُ (١) مسألة الشرب على الفضة الموضوعة في الإناء؛ لأنه قد يُقصد هذا المعنى في الاستعمال، وربما يُدَّعى فيه منفعةٌ بالنسبة إلى الذهب، وعلى كلِّ تقدير ففيه إحداثُ سرور في نفس فاعله، فيقرِّبُه من الاستعمال المنتَفَعِ به، ومن لا يقف مع ظاهر اللفظ ويعتبر وجوهَ [الاستعمال] (٢)، فليس يبعد منه أن يقول: هو استعمال الفضة لما يتعلق به من الغرض. والمذكور عن نَقْلِ المُزَنيِّ، عن الشافعي ﵄: وأكره المضبَّب بالفضة؛ لئلَّا يكون شاربًا [و] (٣) على فمه فضة (٤). التاسعة والستون بعد الثلاث مئة: اتَّخذ آنيةً من ذهب أو فِضَّة، وموَّهها بنحاسٍ أو برصاصٍ: ففيه خلاف. ووجه المنع: بأنَّ (٥) الإسرافَ موجودٌ لوجود الفضة (٦).

стр. 953

ووجه الجواز: بأن (١) ذلك السَّرف لا يظهر للناس حتى يُخشى منه فتنةُ الفقراء، ولا يحصُل به إظهارُ التكبرِ. قلت: هذا رجوعٌ إلى اعتبار العلَّتين المستنبطتَيْن في السرف أو الخيلاء، والتحريمُ ورد على آنية الفضةِ، وهذا إناء فضةٍ، ولا يخرج عن الإناء اسمُه بتمويهه بغير جوهره، هذا من حيث اللفظُ، وأما من حيث المعنى وهو اعتبار السرفِ، فقد قدَّمنا ما يقال في ترجيحه. السبعون بعد الثلاث مئة: اتَّخذ آنيةً من حديد أو نحاس وموَّهها بذهب أو فضة: ففيه الخلافُ المتقدِّم، وعُلِّل التحليلُ: بأن الإسراف لم يوجَد، والتحريم: بأن خوفَ الفتنة موجودٌ؛ يعني: لإظهار السَّرف والتزيُّنِ للناس. قلت: هذا عكسُ المسألةِ الأولى، واعتبارُ اللفظ يقتضي أن لا تحرم؛ لأنها (٢) لا تسمى آنيةَ فضة، وإنما هي (٣) آنيةُ نحاس أو رصاص، وكما لا يزول اسم الإناء بتمويهه بغير جوهره كما قدمنا في المسألة الأولى، فكذلك لا يحدث له اسمٌ آخر بتمويهه بغير جوهره، وإذا لم يحدث له اسم آخر فلا (٤) يتناوله اللفظُ، والمعنى أيضًا، وهو

стр. 954

السرف، معدومٌ، وأما الخيلاءُ التي بنى عليها (١) التحريم فقد تقدم ما فيها (٢). الحادية والسبعون بعد الثلاث مئة: سترَ إناءَ نحاسٍ بذهب أو قضة من غير ممازجةٍ بالإذابة (٣)؛ أما اعتبارُ لفظِ الإناء من الفضة أو الذهب: فقد يخرجُ هذا عنه، فإنه لا يسمَّى إناءَ فضة أو ذهب عند الإطلاق. أما اعتبار التعليل بالخيلاء: فمنتفٍ لاستتاره. الثانية والسبعون بعد الثلاث مئة: هذا التنكيرُ في قوله: "عن شربٍ بالفضة" يتناول يسيرَ الشربِ وكثيرَه، ويمنع من ترتيب الحكم على كمال الشرب المقصودِ (٤). الثالثة والسبعون بعد الثلاث مئة: أخذَ مقدارًا من الذهبِ أو الفضةِ، ومقدارًا مثلَه من غيرهما، كالنحاس والرصاصِ، ومزجَهما بحيث تنشأ عنهما صفةٌ أخرى من غير ظهور أحدهما على الآخر؛ فمن قال بجوازِ الإناء من الذهبِ إذا غُشِّي بغيره لانتفاء الخُيلاء، فيجيءُ على قوله جوازُ هذا؛ لأنَّا فرضنا أنه لم يظهرِ الذهبُ عليه، بل ربَّما يقال: إنّه

стр. 955

هاهنا أولى؛ لعدم انطلاق اسم الإناء حقيقةً على بعضه، فإذًا ليس هو إناءَ ذهبٍ حقيقةً، بل بعض إناء، [فلا يبعد في هذه المسألة وفي التي تقدمت من تغشية إناء نحاس بذهب أو فضة مستترًا أن يمنع ويستند فيه إلى التنكير في "شرب بالفضة"] (١). الرابعة والسبعون بعد الثلاث مئة: الظاهريةُ على أصلهم في الوقوفِ على المنصوص، فلا يُعَدُّون الحكمَ إلى غير الشرب والأكل، وغيرهم عَدَّاه إلى وجوه الاستعمال؛ كالوضوءِ بآنيتهما، واستعمالِ ماء الورد والبخورِ من الآنية المذكورة. وادَّعى بعضُ المُعَدِّين إلى غير المنصوص عليه: أن النهي عن الشرب للتنبيه على سائر المنافع، فإنَّ ما سوى منفعةِ الشرب دونَ منفعةِ الشرب، وقلما يُتَّخذ لأجلها إناءُ الذهب والفضة، فإذا حرُم الشرب منها، فسائر وجوهِ الانتفاعِ أولى بالتحريم. الخامسة والسبعون بعد الثلاث مئة: إذا صَبَّ من إناء الفضة أو الذهب، وشَرِبَ من غير أن يلاقيَ فَمُه الإناءَ؛ من اعتبرَ معنى الاستعمال فلا تردُّد في امتناعه على مذهبه؛ لأنه مستعملٌ لإناء الذهب والفضة. ومن اعتبرَ اللفظَ؛ فأما في لفظ هذه الرواية، وهو قولُه: "وعن شربٍ بالفضة" فظاهرٌ أيضًا تحريمُهُ، إذا حملنا الباء على باء الاستعانة

стр. 956

والآلة؛ لأنه قد شرب بها. وأما على روايةِ من روى: "عن آنيةِ الفضة"، فمن ذهبَ في مثل هذا إلى العموم في المقتضى؛ لأنّه أقربُ إلى الحقيقة، دخلَ تحته أيضًا هذا النوع، بل سائرُ وجوه الانتفاع. السادسة والسبعون بعد الثلاث مئة: قد تقدَّم تفسيرُ المياثر، وحكينا الأقوالَ في معناها، وتلك الأقوالُ يرجع بعضها إلى النهيِ عن الحرير، كمن فسَّرها بأغشية السّروج من الحرير، ومن فسَّرها بسروج من الديباج، وبعضها يرجع إلى ما هو أعمُّ، كما جاء: "المياثر الحمر" (١)، وبعضُها إلى جلودِ السباع، والأقربُ أنها تدل على ما هو أعمُّ من الحرير؛ لأن في حديث آخر: "مَياثر الأُرْجُوان" (٢)، وذلك يدلُّ على إطلاق اللفظ على ما هو من الأُرجوان، [وأما تخصيصها؛ فقد] (٣) اختلفتِ الروايةُ [في المياثر] (٤)؛ ففي الراوية التي قدمناها الإطلاقُ أو العموم، وفي روايةٍ عن أشعثَ عند البخاري بهذا الإسناد

стр. 957

بعينه: "ومَيَاثر الحُمُر" (١)، وأما تخصيصُها بالحرير، أو [به و] (٢) بالأُرجوان، فيُحتمل أن يكون لعادةٍ جرتْ فيهما في ذلك الوقت، فانصرف النهيُ إليهما، وتكونُ الألف واللام للعهد، والله أعلم. السابعة والسبعون بعد الثلاث مئة: فإنْ كان المرادُ بها مياثرَ (٣) الحرير، فالتحريمُ في ذلك ظاهر؛ لما سيأتي عن النهي عن لُبس الحرير، وإن كان من الأرجوان، أو من الأحمر الَّذي هو أعمُّ من الحرير، فيجب على المذاهبِ المشهورة عن العلماء أن يكونَ النهيُ على الكراهة [فيما عدا الحرير] (٤)؛ لاعتقادهم الحلَّ فيها. الثامنة والسبعون بعد الثلاث مئة: إذا حُملت على جلودِ السِّباع كما وردَ في [بعض] (٥) تفسير هذه اللفظة (٦)، فلا تعلَّقَ له بعلةِ تحريمِ لُبس الحرير، وقد يتعلق بعلة النجاسة، فيُستدل به على أن الذَّكاةَ لا تَعمَلُ في جلود ما لا يُؤكل لحمُه، وتبقى على نجاستها (٧). وقد استدل بالنهي عن افتراش جلود النُّمور ونحوِها (٨) على هذه

стр. 958

المسألة، فعلى هذا يدخلُ النهيُ عن المياثر إذا فُسِّرت بهذا (١) التفسير في هذا الباب، ويُستدل به عليه على النحو الَّذي حكيناه، إلا أنه استدلالٌ على تقديرِ تفسيرِ المياثر بهذا التفسير في هذا الحديث (٢)، وقد ذكرنا أن الأقربَ تفسيرُها بما هو أعمُّ من هذا. التاسعة والسبعون بعد الثلاث مئة: فإن صحَّ هذا الاستدلالُ على نجاسة جلدِ ما لا يؤكل لحمُه، وجعلَ ذلك علة النهي، فيتعدَّى منه إلى مسألةِ استعمالِ الثوب النجسِ لغير الصلاةِ. الثمانون بعد الثلاث مئة: النهيُ عن المياثر إذا حملناه على الحريرِ يدل على تحريم ما ظاهرُه محرَّمُ اللُّبسِ إن (٣) كان بِطَانتُه وحَشْوُه من غيره، وأنه لا يجعلُ اختلاطَه به على هذا الوجه كاختلاطِ الحرير بغيره نسجًا، فإن مياثرَ السروج لابد فيها من الحشو، وأنْ تتصلَ بما ليس بحرير غالبًا، ولو فرضناه ليس كذلك نادرًا، لكان لفظُ المياثر يدخلُ تحتَه هذه (٤) الصورة؛ أعني: ما إذا كانت الظهارة من حرير، والحشوُ والبطانة من غيره، فيدخلُ تحت النهي، فيحصل ما ذكرناه من الاستدلال.

стр. 959

الحادية والثمانون بعد الثلاث مئة: ظاهرُ النهي عن لبس الحرير التحريمُ، وقول الشافعي ﵁: وأكره لُبسَ الديباج (١)، محمولٌ على أن المرأد بالكراهة التحريمُ، والمتقدِّمون يطلقون مثلَ هذا [اللفظِ] (٢) ويريدون التحريم. الثانية والثمانون بعد الثلاث مئة: هذا التحريم متعلق بالرجال، وهو كالمتَّفق عليه؛ لكثرته وشهرته، وعن "الاستذكار": أنه لا خلافَ: أن ما كان سَداه ولُحْمتُه حريرًا أنه لا يجوز للرجال لباسُه (٣). وقد تقدم حكايةُ كلامِ القاضي في مسألة الخاتم (٤). الثالثة والثمانون بعد الثلاث مئة: المشهورُ المستفيضُ قولًا وفعلًا: لباسُ النساءِ الحريرَ، وفيه خلافٌ (٥) قديم، فقد ثبتَ عن ابن الزُّبير ﵄ أنه قال: "ألا لا تُلبِسُوا نساءَكم الحريرَ"،

стр. 960

أخرجه مسلم (١). وروى النسائي من حديث يوسفَ بنِ مَاهِك: أن امرأةً سألتِ ابنَ عمرَ ﵄ عن الحرير فقال لها ابن عمر: مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنيا لم يلبَسْه في الآخرة (٢). وروى النسائيُّ أيضًا من حديثِ عمرو بنِ الحارثِ: أن أبا عُشانة المَعَافِريَّ (٣) حدَّثه: أنه سمع عقبةَ بنَ عامر يخبر: أن رسول الله ﷺ كان يمنعُ أهلَه الحليةَ والحريرَ، ويقول: إنْ كنتُمْ تُحبونَ حِلْيَةَ الجنةِ وحريرَها فلا تلبسوها (٤) في الدُّنيا (٥). وللجواز دلائلُ منها: ما ثبتَ في الصحيح من حديثِ زيدِ بن وهبٍ، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كَساه رسولُ الله ﷺ حُلَّةً سُيَرَاءَ، فخرجْتُ فيها، فرأيتُ الغضبَ في وجهِهِ،

стр. 961

قال: فشقَقْتُها بين نسائي. وهو متَّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم (١). وعن أبي صالح الحنفيِّ، عن علي: أن أُكَيْدِرَ دُومةَ أهدى إلى النبيِّ ﷺ ثوبَ حرير، فأعطاه عليًّا ﵁ فقال: شقَقْتُه خُمُرًا بين الفواطِمِ، وفي رواية: بين النسوة، أخرجه مسلم (٢). واشتهر في هذا الاستدلال بما (٣) جاء في الذهب والحرير من تحريمه على الرجال، وحلّه للنساء. ومنه: ما روى سعيدُ بنُ أبي هند، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ أحلَّ لإناثِ أمتي الحريرَ والذهبَ، وحرَّمَهُ على ذكورِها"، أخرجه النسائي (٤)، واعتمده ابنُ حزم، قال: وهو أثرٌ صحيحٌ؛ لأنَّ سعيدَ بن أبي هندٍ ثقةٌ مشهورٌ، روى عنه نافعٌ، وموسى ابن مَيْسَرة (٥). والذي ذكره من توثيق سعيدٍ صحيحٌ، ولكن لا يكفي ذلك في الحكم بالصحة، بل لابد من شرط آخر، وهو الاتصالُ وعدمُ الانقطاع، ولم يضع ابنُ حزم نظرَه عليه، ولا وجَّه - والله أعلم - فِكْرَه

стр. 962

إليه (١)، وكان يلزمُه ذلك قبلَ الحكم بصحته. وقد ذكرَ أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى الأندلسي الداني في كتاب "الإيماء" عن الدَّارقطني: أن سعيدَ بن أبي هند لم يسمعْ عن (٢) أبي موسى شيئًا (٣)، فعلى هذا يفوت شرطُ الاتصال. واشتُهر أيضًا الاستدلالُ بما رُوي عن علي ﵁ في هذا، وهو حديثٌ رواه أبو داود من حديث يزيد بن [أبي] (٤) حبيب، عن أبي

стр. 963

أَفْلَح الهمداني، [عن] (١) عبد الله بن زُرَير: أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: إنَّ نبيَّ الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: "إن هذَيْنِ حرامٌ على ذكورِ أمتي، حِلٌّ لإناثِها" (٢). الرابعة والثمانون بعد الثلاث مئة: تكلَّمَ القاضي على حديث عبد الله بن الزبير ﵁: "لا تُلبسوا نساءَكم الحريرَ ... " الحديث، فقال: هذا مذهب عبد الله ومن قال بقوله، يحرِّمُهُ على الرجال والنساء، ويحمله على العموم، وقد انعقدَ الإجماعُ بعدَه من العلماء على جوازه للنساء، وتخصيصُ تحريمِه بالذكور، وقيل: نُسخ في الرجال والنساءِ بالإباحة لهنَّ، والجمهورُ على أنّه ليس بناسخٍ ولا منسوخٍ، وإنما هذه أحاديثُ مجملةٌ، وحديثُ تخصيصِ الرجال بذلك مبيِّنٌ، وحملَ بعضُهم النهىَ العام في ذلك على الكراهة لا على التحريم (٣). قلت: هذا الكلامُ يحتاج إلى تأويل؛ فإن أراد به إثبات قولٍ بالكراهة دونَ التحريم، فهذا يناقضه ما قدمه من انعقاد الإجماع بعد

стр. 964

ابن الزبير - ومن قال بقوله من العلماء - على جوازه [للنساء] (١)، [وتخصيص تحريمه بالذكور] (٢). وإنْ أرادَ به أنه كان الحكمُ العامُّ قبل التحريم على الرجال هو الكراهة دون التحريم، ثم انعقد الإجماعُ على التحريمِ للرجال، والإباحةِ للنساء، فهذا يوجب الحكمَ بنسخ الكراهة في حق الرجال إلى التحريم، وفي حقِّ النساء إلى الإباحة، والله أعلم. الخامسة والثمانون بعد الثلاث مئة: لُبسُ الحرير، إن كان يتناول الحريرَ المنفردَ دون (٣) المخالَطِ، فلا تخصيصَ فيه بالنسبة إلى الرجال حيث حرُم (٤) عليهم، وإن كان يتناول الخالصَ والممزوجَ، فما (٥) يُباح منه يكون بطريق التخصيص، وقد يُستدل على تناوله الممزوجَ بحديث سُويد بن غَفَلة: أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية قال: نهى رسول الله ﷺ عن لُبْسِ الحَريرِ، إلا موضعَ [إصبعٍ، أو] (٦) إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ (٧). ووجهُ الدليل منه: الاستثناء، وهو يقتضي إخراجَ ما لولاه لدخلَ،

стр. 965

فيكونُ لُبس الحرير منطلقًا على الممزوجِ قبل الاستثناء. السادسة والثمانون بعد الثلاث مئة: تحريمُ الحرير على الرجال يُعلَّلُ بأمرين: أحدهما: الفخرُ والخيلاء، والثاني: أنه ثوبُ رفاهية وزينة، وإبداء زِيٍّ يليق بالنساء دون شَهَامةِ الرجال، وقد يكون المعنيان معتَبَريْن، إلا أنه قيل: إنَّ (١) هذا القدر - أعني: المعنى الثاني - لا يقتضي التحريمَ عند الشافعي - رحمه الله تعالى - قال (٢) في "الأمّ": ولا أكرهُ لباسَ اللؤلؤ إلا للأدب، فإنه من زِيِّ النساء (٣). قلت: ما كان مخصوصًا بالنساء في جنسه أو هيئته، أو (٤) غالبًا في زِيِّهنَّ، فالمنعُ فيه (٥) ظاهر؛ لأنه قد يثبت (٦) اللعنُ على المتشبِّهين من الرجال بالنساء، وذكر بعضُهم في تعليل التحريم [للحرير] (٧): التشبهَ بالكفار (٨)، ولعلَّه يعود إلى [معنى] (٩) الخيلاء، فإنه زُّيهم، والله أعلم.

стр. 966

السابعة والثمانون بعد الثلاث مئة: [ من] (١) صور التخصيص: لباس [الحرير] (٢) للحكَّة، ويخصِّصه الحديثُ الصحيحُ عن أنس قال: رخَّص رسولُ الله ﷺ للزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف ﵄ في لُبس الحرير، لِحكَّةٍ كانت بهما. متفق عليه، واللفظ لمسلم (٣). ورواه مسلمٌ من وجهٍ آخرَ، عن سعيد، ثنا قتادة: أنَّ أنس بن مالك ﵁ أنبأهم: أن رسول الله ﷺ رخَّص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير (٤) بن العوام ﵄ في القميص الحرير في السفر، من حِكَّة كانت بهما. ورواه محمد بن بشر، عن سعيد، ولم يذكرِ السفرَ (٥). وأجاز الشافعيةُ - رحمهم الله تعالى - لُبسَ الحرير للحِكَّة

стр. 967

والحَرْب، وفي "التنبيه" حكايةُ وجهٍ (١): أنه لا يجوز (٢)، والمشهورُ الأولُ، وهل (٣) يُشرط السفر في ذلك، أم يجوز بمجرد الحِكَّة؟ فيه وجهان للشافعية، قال الرافعي ﵀: [أصحهما] (٤): لا يشترط لإطلاق الخبر، والثاني: نعمْ؛ لأنَّ السفر شاغلٌ عن التفقد والمعالجة. قال: وفي الرواية الثانية - يعني: من الحديث - ما يقتضي اعتبارَه في دفع القمل (٥). قلتُ: كأن منشأَ الخلاف [اختلافُ] (٦) الروايات في ذكر السفر وعدم ذكره، وقد قدمنا في رواية سعيد بن أبي عروبة ذكرَ السفر في الحِكَّة، لا في القمل (٧). ولقائل أن يقول: الاختلافُ راجعٌ إلى مَخْرج واحد في الرواية عن قتادة، ففي رواية شعبة عنه: إطلاق الرخصة في لبس الحرير

стр. 968

للحِكَّة، واختلف على سعيد، عن قتادة، ففي رواية أبي أسامة، عن سعيد: ذِكْرُ السفر، وفي رواية محمد بن بشر، عن سعيد: عدمُ ذكرِهِ، هذا بحسب ما في كتاب مسلم، رحمه الله تعالى. وعلى مقتضاه: أن المَخْرجَ إذا كان واحدًا فهو حديث واحد، ذكر بعضُ الرواة فيه السفر، ولم يذكره بعضُهم، فوجب أن يُحمل الإطلاقُ على إهمال بعض الرواة للقيد، إما لعدم سماعه من شيخه، أو لنسيانه، أو لغيره، ويتعيَّنُ - اعتبارُ (١) القيد في الرواية. وحينئذ نقول: وجب أن يُعتبر في الحكم؛ لأن هذا وصفٌ عُلِّق الحكمُ به، ويمكن أن يكون معتبرًا فلا يُلْغى. ووجه اعتبارِهِ: ما قدمناه من كون السفر شاغلًا عن التفقُّد والمعالجة، أو لكونه مَظِنَّةَ الرُّخَص، فيكون هذا منها. فإنْ وُجد حديثٌ آخرُ من وجه آخر، ومخرجٍ آخر، بحيث لا يغلب على الظن أنه حديث واحد، فهاهنا يمكن أن يقال: إنه من قَبيل النَّصَّين اللذين أحدُهما مطلق والآخر مقيَّد، وتلحق بقاعدته واختلاف العلماء فيها، وفيه نظر أيضًا على هذا التقدير؛ أعني: على تقدير أن يوجد حديثٌ آخر مطلق، ووجه النظر: أنه وإن اختلف المخرج، فليس هو حكايةَ لفظين أحدُهما مطلقٌ والآخرُ مقيدٌ، وإنما هو حكاية قضيةٍ مخصوصة، وهو الترخيص لعبد الرحمن والزبير - رضي الله

стр. 969

عنهما - لعذر معيَّن، فالظاهر أنها قضية واحدة، فيرجع (١) الأمرُ فيها إلى ما قلناه فيما إذا كان المخرج واحدًا، والله أعلم. الثامنة والثمانون بعد الثلاث مئة: قال الرافعي الشافعي - رحمة الله عليهما -: وعَدَّ الأئمةُ القَزَّ من الحرير، وحرَّموه على الرجال، وإن كان كَمِدَ اللون، وادَّعى صاحبُ "النهاية" وِفاقَ الأصحاب [فيه] (٢)، ثم حكى أن في "التتمة" حكايةَ وجه: أنه لا يحرم؛ لأنه ليس من ثياب الزينة (٣). قلت: إن كان مرادُه بالقزّ ما نطلقه نحن في زماننا عليه، فليس يخرجُ عن اسم الحرير، وإذا كان اسمُ الحريرِ منطلقًا عليه وجب أن يحرم، ولا معنى لاعتبار اللون وكُمُودَتِهِ، ولا لكونه من ثياب الزينة، فكلاهما تعليلٌ ضعيفٌ لا أثرَ له بعد انطلاق الاسم عليه (٤). التاسعة والثمانون بعد الثلاث مئة: أجاز (٥) الشافعيةُ لُبْسَه لدفع

стр. 970

القمل (١)، وقد خرَّج مسلم من حديث همَّام قال: ثنا قتادة: أن أنسًا أخبره: أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شَكَوَا إلى النبي ﷺ القملَ، فرخَّص لهما في قميص الحرير، في غَزَاةٍ لهما (٢). فهذه الرواية فيها الرخصة للقمل، وفيها ما يدل على السفر أيضًا، وذكر (٣) القاضي عياض - رحمه الله تعالى - حديثَ الحكة وحديث القملِ في الغزاة اللذين قدمناهما، وقال: مذهبُ مالك - رحمه الله تعالى - مَنْعُه في الوجهين، وبعضُ أصحابِه يبيحه فيهما (٤). وقال شيخُه القاضي أبو الوليد بن رشد المالكيُّ: ولا اختلاف في أنَّ لباسَ الرجالِ له في الحرب محظورٌ، لا يباح إلا مِنْ ضرورة، فقد أَرْخَصَ النبيُّ ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزُّبير بن العوَّام في قميص الحرير، لحكةٍ كانت بهما. قال: وكره ذلك مالك، ولم يرخص فيه (٥)، إذ لم يبلغه الحديث، والله أعلم، وقد روي عنه: أنه أَرْخَصَ فيه للحكَّة على ما في الحديث (٦).

стр. 971

التسعون بعد الثلاث مئة: روى مسلم من حديث عبد الله (١) مولى أسماء بنت أبي بكر - وكان خالَ ولدِ عطاء - قال: أرسلتني أسماءُ إلى عبد الله بن عمر، فقالت (٢): بلغني أنك تحرِّم أشياءَ ثلاثةً: العَلَم في الثوب، ومِيثرةَ الأُرْجوان، وصومَ رجبٍ كلِّه؟ فقال لي عبدُ الله: أمَّا ما ذكرت من رجبٍ، فكيف بمن (٣) يصومُ الأبدَ؟ وأمَّا ما ذكرت من العَلَم في الثوب، فإني سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما يلبسُ الحريرَ مَنْ لا خَلاقَ له"، فخِفْتُ أن يكونَ العَلَمُ منه، وأما مِيثرةُ الأُرْجوان فهذه مِيثرةُ عبدِ الله، فإذا هي أرجوان (٤)، فرجعت إلى أسماءَ فخبَّرتُها (٥)، فقالت: هذه جُبَّة رسولِ الله ﷺ ، فأخرجت إليَّ جبةً طَيَالسية كِسْرَوَانيَّةً، لها لَبِنةُ ديباجٍ، وفَرْجَاها مكفوفان بالديباج، فقالت: هذه كانت عند عائشة ﵂ حتى قُبِضت، فلما قُبِضت قَبَضْتُها، وكان النبيُّ ﷺ يلبسها، فنحن نغسِلُها للمرضى نستشفي بها (٦).

стр. 972

قال الروياني الشافعي: لو كانت جبةَ صوفٍ أو لَبِدٍ يُكَفُّ أكمامُها وجَيْبها (١) وأذيالُها بالحرير المصمَّت أو الديباج، كما يُفعل في العرف؛ لا يحرم لُبسها (٢). وقال الرافعي: يجوز لُبْس الثوب المطرَّف بالديباج والمطرَّز به، وقال: قال الشيخ أبو محمد وغيرُه: والشرط فيه الاقتصارُ على عادة التَّطريف، فإن جاوز العادةَ فيه كان سَرَفًا محرَّمًا (٣). وقد اعتُرض على الاستدلال بالحديث، بأن قيل: لعلَّ هذا الحرير أُحْدِث بعد موتِ النبيِّ ﷺ ، لا أنه لَبِسَها وفيها هذا الحرير (٤) (٥)، فيكون في ذلك حجة على جَوازه، وإذا احتمل، سقطَ التعلُّق به. قال القاضي عياض: وهذا بعيد جدًا؛ لأن أسماء إنما احتجت

стр. 973

بهذا على العَلَم لأجل الحرير الَّذي فيها، قال: وقد قيل: لعلَّ النبيَّ ﷺ إنما كان يلبسها في الحرب (١). الحادية والتسعون بعد الثلاث مئة: قدمنا (٢) رواية سويد بن غَفَلة: أن عمر بن الخطاب ﵁[خطب] (٣) بالجابية، فقال: "نهى رسولُ الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضِعَ إصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ"، أخرجه مسلم (٤). وهذا دليل على جواز التَّطريز بمثل هذا المقدار، وقد شرط في "التهذيب" الشافعي: أن يكونَ الطّرازُ بقدر أربع أصابع فما دونَها، فإن زاد لم يجزْ (٥). وهذا موافق لمقتضى ما دلَّ عليه الحديثُ، والله أعلم. الثانية والتسعون بعد الثلاث مئة: أجيز لُبسُ الثوبِ الَّذي يخيط بالإبرِيْسَم (٦)، وهذا ظاهر إذا كان الخيط بمقدار ما رُخّص فيه، وهو قياسٌ في معنى الأصل، والله أعلم.

стр. 974

الثالثة والتسعون بعد الثلاث مئة: قد ذكرنا في تفسير القَسِّي ما يُشعر بأنه غير مُتمحِّض الحرير في بعض الأقاويل، وأوردنا عن ابن وَهْب، [وابن بُكير] (١): أنها ثيابٌ مُضَلَّعةٌ بالحرير تُعْمل بالقَسِّ من بلاد مِصر مما يلي الفَرْما (٢)، وفي كتاب البخاري: فيها حريرٌ أمثال الأتْرُجِّ (٣). وعلى هذا يكون النهيُ متوجهًا على بعض الممزوج بالحرير. وللشافعية في الممزوج طريقان؛ أحدهما: إن كان ذلك المغيّر (٤) أكثرَ في الوزن لم يحرُم لُبسه، [وذلك كالخزّ سَدَاه إبْرِيْسَم، ولُحْمتُه صُوف، فإنَّ اللُحمةَ أكثرُ من السَّدَاة] (٥)، وإن كان الإبريسمُ أكثرَ يحرمْ، وإن كان نصفين ففيه وجهان؛ قال الرافعي: أصحُّهما أنه لا يحرم؛ لأنه لا يسمى ثوبَ حرير، والأصلُ الحِلُّ (٦). وهذا الَّذي صحَّحه الرافعيُّ خالَفه غيرُه في التصحيح وقال: الصحيحُ أنه يحرم (٧)، [يريد] (٨): تغليبًا للتحريم.

стр. 975

قال الرافعي: وقال القفَّال، وطائفةٌ من أصحابه: لا يُنظر إلى الكثرة والقِلَّة، ولكن يُنظر إلى الظُّهور، فإن لم يظهرِ الإبريسَمُ حلَّ، كالخزِّ الَّذي سَداه إبريسمُ، وهو لا يظهر، وإن ظهر الإبريسمُ لم يحلّ، وإن كان قدرُه في الوزن أقلَّ. قال الرافعي - رحمه الله تعالى -: فيخرج من هاتين الطريقتين القطعُ بالتحريم إن كان الإبريسم ظاهرًا، أو (١) غالبًا في الوزن؛ لاجتماع المعنيين المنظور إليهما، وإن وُجد الظهور دون غلبة الوزن حرُمَ عند القفَّال، ولم يحرم عند الجمهور، وإن وجد غلبةُ الوزن دون الظهورِ انعكس المذهبان (٢). وقال القاضي أبو الوليد بن رشد المالكي: وقد اختلف السلف ﵃ في لباس الحرير الَّذي سَداه حرير، وما كان في معناه اختلافًا كثيرًا، وذكر أنه يتحصَّل فيه أربعة أقوال: أحدها: أنَّ لباسَها جائزٌ من قَبيل المباح، مَنْ لَبِسَهُ لم يأثَمْ، ومَنْ لا، لم يؤجر [على] (٣) تركها، وهو مذهب ابن عباس ﵄ وجماعةٍ من السلف، منهم ربيعة على ما وقع من قوله في أول سماع ابن القاسم من كتاب "جامع العتبية"؛ لأنهم تأولوا أن النهي والتحريم في لباس

стр. 976

الحرير للرجال، إنَّما ورد في الثوب المصمَّت الخالصِ من الحرير. والثاني: أنَّ لباسَها غيرُ جائز، وإن لم يُطلق عليه أنه حرام، فمن لَبِسَها أَثِمَ، ومن تركها نجا، [وفيها] (١) أثر: قيل في حُلَّة عُطَارِد والسِّيَراء التي قال فيها رسول الله ﷺ : "إنَّما يلبسُ هذه مَنْ لا خلاقَ له في الآخِرَةِ" (٢) إنها كانت يخالطها الحرير، وكانت مضلَّعَةً بالقَزِّ؛ وهو مذهب عبد الله بن عمر ﵄، والظاهرُ من مذهب مالك، وإن كان قد أَطلقَ القولَ فيه أنه مكروه، والمكروهُ ما كان في تركه ثواب، وإن لم يكن في فعله عقاب؛ أذهب مطلقه فيما هو عنده غير جائز، تحرُّزًا من أن يُحرِّم ما ليس بحرام، والذي يدل على ذلك من مذهبه قوله في "المدونة": وأرجو أن يكونَ الحريرُ للصِّبيان خفيفًا (٣). والثالث: أن لباسَه مكروهٌ على المكروه، فمن لبسه لم يأثَم، ومن تركه أُجِرَ على تركه، قال: وهذا أظهر الأقوال، وأولاها بالصواب؛ لأنّ ما اختلف أهلُ العلم فيه لتكافُؤ الأدلة في تحريمه

стр. 977

وتحليلِه، فهو من المُشْتَبهات التي قال فيها رسولُ الله ﷺ : "مَنِ اتَّقاها فقدِ اسْتبرأَ لدينهِ وعِرْضهِ" (١). وعلى هذا القول: بأن (٢) ما حُكي عن مطرِّف؛ من أنه رأى على مالكِ بن أنسٍ كساءَ إبريسم كساه إيَّاه هارونُ الرشيدُ، إذْ لم يكن ليلبس ما يعتقدُ أنه يأثَمُ بلبسه. والرابع: الفرقُ بين ثياب الخَزِّ وسائر الثياب المشُوبة بالقطن والكتان، فيجوز لُبس ثياب الخز اتباعًا للسلف، ولا يجوز مما (٣) سواها من الثياب المشوبة بالقطن والكتان بالقياس عليها، إلى هذا ذهب ابنُ حبيب، وهو أضعف الأقوال؛ إذْ لا فرقَ في القياس بين الخز وغيره من المُجوَّزات (٤) التي قِيامُها حريرٌ وطُعْمتُها قطن أو كتان؛ لأنّ المعنى الَّذي من أجله استجاز لباسَ الحرير مَنْ لَبِسها من السَّلف، وهو أنه ليس بحرير مَحْضٍ، موجودٌ في المجوَّزات (٥) وشبهها، فلهذا المعنى استجازوا لُبسه، لا من أجل أنه خز، إذ لم يأتِ أثرٌ بالترخيص (٦) لهم في لُبس

стр. 978

الخز، فيختلف في قياس غيره عليه. وقال القاضي أبو الوليد أيضًا: واختُلف في العَلَمِ من الحرير في الثوب، فمِنْ أهل العلم مَنْ أجازه؛ لِمَا جاء: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن الحرير وقال: "لا تَلْبسُوا منه إلا هَكَذا وهَكَذا"، وأشار بالسَّبَّابة والوُسطى (١)، ورُوي إجازةُ ذلك عن عمرَ بن الخطاب ﵁ في مثل الإصبع والإصبعين والثلاث والأربع (٢)، وكَرِهَهُ جماعة من السلف ﵃ (٣). الرابعة والتسعون بعد الثلاث مئة: اختلفوا في افتراش الحرير للرجال. وليس يَختصُّ التحريم باللُّبسِ عند الشافعية؛ بل افتراشِهِ، والتدثُّرِ به، واتخاذهِ سترًا، وسائرُ وجوه الاستعمال في معنى اللُّبس (٤). وحكي فيه خلاف [عن] (٥) أبي حنيفة - رحمة الله عليه - وأنه

стр. 979

قال: لا يَحرُم إلا اللبس (١). وفي كتاب الرافعي، ذُكِرَ وجه: أنه يجوزُ لهم الجلوس عليه؛ أي: للرجال (٢). وقال القاضي عياض المالكي: المشهورُ عندنا منعُ الجلوس على الحرير. وقال عبدُ الملك بإجازته، وعلَّقَ المنع باللبس المذكور بالحديث (٣) (٤). قلت: للمسألة من هذا الحديث مأخذان: أحدُهما: النهيُ عن المياثر، إذا حُملت على أن تكون من الحرير. والثاني: النهيُ عن لبس الحرير بناءً على [أنَّ] (٥) الافتراشَ لُبْسٌ، وششدل عليه بحديث أنس ﵁: فقمت إلى حصر لنا قد اسودَّ من طُولِ ما لُبِس (٦). فأَطلقَ عليه اسم اللبس وهو مُفتَرش، فدل على

стр. 980

إطلاق اللبس على المُفْتَرش. على أنه قد وردَ ما يغني عن هذا كلِّه في حديث صحيح صرَّح فيه بالنهي عن الجلوس عليه، فروى البخاري من حديث ابن أبي ليلى، عن حذيفة قال: نهانا النبي ﷺ أن نشربَ في آنية الذهب والفضة، وأن نأكلَ فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلسَ عليه (١). الخامسة والتسعون بعد الثلاث مئة: نقل صاحب "البحر" الروياني الشافعي عن "الإملاء"، و"الأم": لو لبس رجلٌ قبَاءً محشوًّا بالقز فلا بأس؛ لأن الحشو باطن (٢). وذكر صاحبُ "التهذيب" الشافعي فيه خلافًا، فقال فيما حكي عنه: ولو لَبِس جبة محشوة بالقز، أو الإبريسم، جاز على الأصح (٣). وذكر القاضي عياض المالكيُّ: أنَّ المذهبَ النهيُّ عن الجلوس [عليه] (٤)، وإن كان بطانةً لم يجلس عليه، أو محشوًا فيها، [كما يُحشى الصوف] (٥)، يجلس عليه (٦).

стр. 981

قلت: إذا انطلق عليه اسم اللباس، أو الاستعمال، أو اندرجَ تحت لفظ النهي عنه؛ فلا اعتبار بالتعليل الَّذي ذكره في جوازه، وأنَّهْ باطن، فإن ذلك مرتب (١) على اعتبار معنى الخيلاء، وهو معنىً أُخذ من مجرد المناسبة، واتباعُ اللفظ أولى، ثم البطانة ممنوعةٌ وليست بظاهرة. السادسة والتسعون بعد الثلاث مئة: لباس الحرير في الحرب اختلفت عباراتُهم فيه، قال القاضي: واختُلف في لباسه في الغزو، إذ لا يقصد به الخيلاء الممنوعة (٢). وأطلق الغزالي في موضع القول بأنه يجوز للغازي لُبس الحرير، فقيَّده الرافعيّ وقال: ليس الغزو عذرًا على الإطلاق (٣). السابعة والتسعون بعد الثلاث مئة: أجاز الشافعية ﵏ لُبسَه عند مفاجأة القتال إذا لم يجدْ غيرَه، وذلك في حكم الضرورة. الثامنة والتسعون بعد الثلاث مئة: قال الرافعي الشافعي - رحمهم الله تعالى - بعد ذكر جواز لبسه لمفاجأة القتال: وكذلك لُبس ما فيه جُنَّة للقتال، كالديباج الصَّفيق الَّذي لا يقوم غيرُه مقامه،

стр. 982

وجوز القاضي ابن كَجٍّ اتخاذَ القَباء ونحوه مما يصلح في الحرب [من الحرير] (١)، ولُبسَه فيها على الإطلاق؛ لما فيه من حسن الهيبة (٢) وزينة الإسلام، فينكسر (٣) قلبُ الكفار منه؛ كتحلية السيف ونحوِه. قال الرافعي: والمشهور الأول (٤). قلت: تخصيص العمومات والنصوص بمثل هذا المعنى لا يقوى، واتِّباع النص أولى. التاسعة والتسعون بعد الثلاث مئة: افتراشُ الحرير للنساء، فيه اختلاف عند الشافعية على وجهين (٥)، ومَنْ يمنعه يمكنه (٦) أن يُدرجَهُ تحت (٧) العموم في النهي عن الجلوس على الحرير، أو العموم في النهي عن لباس الحرير، إذا كان الافتراش لُبسًا، ويخرج عنه ما عداه من أنواع اللبس، فيبقى الافتراشُ، وهو ضعيف، ويعارضه العمومُ الَّذي جاء في

стр. 983

جواز لُبس الحرير للنساء، وقد قدمنا الكلامَ في تلك الرواية (١)، فعليك باعتبار تعارضِ العمومين إن أردت التمسك به (٢) في هذه المسألة. وذكر الرافعي ﵀ الوجهين في تحريم افتراشِ الحرير للنساء، قال: وأظهرهما - ولم يورِد في "التهذيب" سواه -: نعم، كاستعمال الأواني للسَّرف والخيلاء بخلاف اللبس، فإنه للزينة، فصار كالحُلِي (٣). المُوفية أربع مئة: اختلفوا في جواز إلباس الصبيان الحريرَ، وللشافعية وجوه: ثالثها (٤): الفرقُ بين أن يكون دون سبعِ سنين فلا يُمنع، وبين أن يكون له سبعُ سنين فصاعدًا فيُمنع منه؛ كيلا يعتادَه (٥). وإنْ (٦) أراد مستدركٌ أنْ يقولَ: اللباسُ مصدر يتناول لباسَ الإنسانِ وإلباسَه لغيره، فيخرج عنه ما يخرج؛ إما بالإجماع أو غيره من النصوص، ويبقى ما عداه، لكانَ ضعيفًا؛ فإن العرف يقتضي سَبقَ

стр. 984

الذهن إلى لباسِ (١) الإنسان لنفسه، ولو قيل: إنه لا يتناول الإلباسَ أصلًا؛ لكان كما قالته المالكيةُ في مسألة الاستنابة في الحج: إن الآية إنما تدل على الحجِّ لا على الإحجاج، وحَجُّ البيتِ: مصدر حَجَّ يَحُجُّ، وإحجاجُه: مصدُر أَحَجَّ يُحِجُّ، فالآية تقتضي الحجَّ بنفسه لا الإحجاج، إلا أن غايةَ هذا: أن الآيةَ لا تدل على الإحجاج، وذلك لا يمنع من أخذه من الحديث. الأولى بعد الأربع مئة: قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتاب "سراج المريدين" (٢) في أثناء الكلام على لباس المرأة: وهاهنا مسألةٌ حسنة، وهي أن المرأة لها لباسُها وفراشها من الحرير والذهب، وإذا (٣) جاءها زوجُها جَالَسها عليه وضَاجَعَها فيه، وإن دعاها إلى فراشه جاءت إلى إزاره وكسائه، ولا يلزمها إذا أراد الإتيانَ إليها أن تخرجَ [له] (٤) من بيتها إلى بيتِ فراشه الصوف، كما لا يلزمها أن تتجرَّدَ له إلى مِدْرعته الصوف، ولا خلافَ بين الأُمَّة أن يخالطَها وعليها ثوب الذهب، فيكون ثوبُها لهما لِفاعًا واحدًا. ثم قال بعد ذلك: وروى محمد بن أحمد بن حماد، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا محمد بن فُضَيل، عن الأعمش، عن حبيب، عن

стр. 985

كُرَيب، عن ابن عباس قال: بعثني أبي إلى النبيِّ ﷺ في إبل أعطاه إياها من الصدقة، فلما أتاه -[وكانت ليلةَ ميمونة]، وكانت ميمونة خالته (١) قال: فأتى النبيُّ ﷺ المسجدَ، وصلَّى العشاء، ثم جاء وطرح ثوبَه، ودخل مع امرأته في ثيابها (٢). ثم قال بعد ما ذكره من ألفاظ الحديث، إلى قوله: فدخل على (٣) امرأته في ثيابها، فهو فقه الحديث الَّذي قصدنا منه أن الزوجَ يأتي امرأتَه فيدخل في ثيابها الحرير والذهب من لباسها. قلت: أدلةُ تحريم الذهب والحرير على الرجال عامَّةٌ تتناول هذه الصورةَ التي ذكرها، وإخراجُها عن تلك الدلائل العامة تخصيصٌ يحتاج إلى دليل شرعي يدل عليه، وكأن ما ذكره يلتفت إلى قاعدة التبعية وإعطاءِ التابع حكمَ المتبوع، إلا أنها قاعدةٌ مضطربةٌ لا تجري على قانون واحد، وهي ذَاهِبةٌ إلى طريق الاستحسان، أو شبيهٍ بها (٤). وما ذكره من أنه يخالطها وعليها ثوب الذهب، فيكون ثوبُها لهما لَفَاعًا واحدًا، وأنه لا خلاف فيه، فإن (٥) أراد أن يَمَسَّ (٦) ثيابها عند
следующие страницы →