Полный текст (612 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
١٢٨ - وإن خافت امرأة من زوجها ترفُّعًا عنها وعدم رغبة فيها فلا إثم عليهما أن يتصالحا بأن تتنازل عن بعض الحقوق الواجبة لها كحق النفقة والمبيت، والصلح هنا خير لهما من الطلاق، وقد جُبِلت النفوس على الحرص والبخل، فلا ترغب في التنازل عما لها من حق، فينبغي للزوجين علاج هذا الخلق بتربية النفس على التسامح والإحسان. وإن تحسنوا في كل شؤونكم، وتتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن الله كان بما تعملون خبيرًا، لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم به.
١٢٩ - ولن تستطيعوا -أيها الأزواج- أن تعدلوا العدل التام مع الزوجات في الميل القلبي، ولو حرصتم على ذلك؛ بسبب أمور ربما تكون خارجة عن إرادتكم، فلا تميلوا كل الميل عن التي لا تحبونها فتتركوها مثل المعلقة لا هي ذات زوج يقوم بحقها، ولا غير ذات زوج فتتطلع للزواج، وإن تصلحوا ما بينكم بأن تحمِلوا أنفسكم على ما لا تهواه من القيام بحق الزوجة، وتتقوا الله فيها، فإن الله كان غفورًا رحيمًا بكم.
١٣٠ - وإن تفرق الزوجان بطلاق أو خُلْع أغْنَى الله كلًّا منهما من فضله الواسع، فيغني الرجل بزوجة خير له منها، ويغني المرأة بزوج خير لها منه، وكان الله واسع الفضل والرحمة، حكيمًا في تدبيره وتقديره.
١٣١ - ولله وحده ملك ما في السماوات وما في الأرض وملك ما بينهما، ولقد عَهِدنا إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وعَهِدنا إليكم بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وإن تكفروا بهذا العهد فلن تضروا إلا أنفسكم، فالله غني عن طاعتكم، فله ملك ما في السماوات وما في الأرض، وهو الغني عن جميع خلقه، المحمود على جميع صفاته وأفعاله.
١٣٢ - ولله وحده ملك ما في السماوات وما في الأرض، المستحق أن يطاع، وكفى بالله متوليًا تدبير كل شؤون خلقه.
١٣٣ - إن يشا يُهْلِككم -أيها الناس- ويأت بآخرين غيركم يطيعون الله ولا يعصونه، وكان الله على ذلك قديرًا.
١٣٤ - من كان منكم -أيها الناس- يريد بعمله ثواب الدنيا فقط، فليعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، فيطلب ثوابهما منه، وكان الله سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم، وسيجازيكم عليها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• استحباب المصالحة بين الزوجين عند المنازعة، وتغليب المصلحة بالتنازل عن بعض الحقوق إدامة لعقد الزوجية.
• أوجب الله تعالى العدل بين الزوجات خاصة في الأمور المادية التي هي في مقدور الأزواج، وتسامح الشرع حين يتعذر العدل في الأمور المعنوية، كالحب والميل القلبي.
• لا حرج على الزوجين في الفراق إذا تعذرت العِشْرة بينهما.
• الوصية الجامعة للخلق جميعًا أولهم وآخرهم هي الأمر بتقوى الله تعالى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.
стр. 107
١٣٥ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، كونوا قائمين بالعدل في كل أحوالكم، مؤدِّين الشهادة بالحق مع كل أحد، ولو اقتضى ذلك أن تُقِرُّوا على أنفسكم بالحق، أو على والديكم أو الأقربين منكم، ولا يحملنَّكم فقر أحد أو غناه على الشهادة أو تركها، فالله أولى بالفقير والغني منكم وأعلم بمصالحهما، فلا تتبعوا الأهواء في شهادتكم لئلا تميلوا عن الحق فيها، وإن حرفتم الشهادة بأدائها على غير وجهها، أو أعرضتم عن أدائها؛ فإن الله كان بما تعملون خبيرًا.
١٣٦ - يا أيها الذين آمنوا اثبتوا على إيمانكم بالله وبرسوله، وبالقرآن الذي أنزله على رسوله، وبالكتب التي أنزلها على الرسل من قبله، ومن يكفر بالله وبملائكته وبكتبه وبرسله وبيوم القيامة؛ فقد بعُد عن الطريق المستقيم بُعْدًا عظيمًا.
١٣٧ - إن الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان، بأن دخلوا في الإيمان ثم ارتدوا عنه، ثم دخلوا فيه، ثم ارتدوا عنه، وأصروا على الكفر وماتوا عليه؛ لم يكن الله ليغفر لهم ذنوبهم، ولا ليوفقهم إلى الطريق المستقيم الموصل إليه تعالى.
١٣٨ - بشِّر -أيها الرسول- المنافقين الذين يُظهرون الإيمان، ويُبطنون الكفر، بأن لهم عند الله يوم القيامة عذابًا موجعًا.
١٣٩ - هذا العذاب لأنهم اتخذوا الكفار أنصارًا وأعوانًا من دون المؤمنين، وإنه لعجب ذلك الذي جعلهم يوالونهم، أيطلبون عندهم القوة والمنعة ليرتفعوا بها؟! فإن القوة والمنعة كلها لله.
١٤٠ - وقد نزل الله عليكم -أيها المؤمنون- في القرآن الكريم أنكم إذا جلستم في مجلس وسمعتم فيه من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها؛ فيجب عليكم ترك القعود معهم والانصراف عن مجالستهم، حتى يتحدثوا في حديث غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، إنكم إذا جالستموهم حال الكفر بآيات الله والاستهزاء بها بعد سماعكم ذلك مثلهم في مخالفة أمر الله؛ لأنكم عصيتم الله بجلوسكم كما عصوا الله بكفرهم، إن الله سيجمع المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويضمرون الكفر مع الكافرين في نار جهنم يوم القيامة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب العدل في القضاء بين الناس وعند أداء الشهادة، حتى لو كان الحق على النفس أو على أحد من القرابة.
• على المؤمن أن يجتهد في فعل ما يزيد إيمانه من أعمال القلوب والجوارح، ويثبته في قلبه.
• عظم خطر المنافقين على الإسلام وأهله؛ ولهذا فقد توعدهم الله بأشد العقوبة في الآخرة.
• إذا لم يستطع المؤمن الإنكار على من يتطاول على آيات الله وشرعه، فلا يجوز له الجلوس معه على هذه الحال.
стр. 108
١٤١ - الذين ينتظرون ما يحصل لكم من خير أو شر، فإن كان لكم نصر من الله وغنمتم قالوا لكم: ألم نكن معكم، شهدنا ما شهدتم؟! لينالوا من الغنيمة، وإن كان للكافرين حظ قالوا لهم: ألم نتول شؤونكم ونُحِطْكم إحاطة العناية والنصرة ونحمكم من المؤمنين بإعانتكم وتخذيلهم؟! فالله يحكم بينكم جميعًا يوم القيامة، فيجازي المؤمنين بدخول الجنة، ويجازي المنافقين بدخول الدرك الأسفل من النار، ولن يجعل الله بفضله للكافرين تسلطًا على المؤمنين، بل سيجعل العاقبة للمؤمنين.
١٤٢ - إن المنافقين يخادعون الله بإظهار الإسلام وإضمار الكفر، وهو خادعهم؛ لأنه عصم دماءهم مع علمه بكفرهم، وأعد لهم أشد العقوبة في الآخرة، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى كارهين لها، ولا يذكرون الله إلا قليلًا إذا رأوا المؤمنين.
١٤٣ - هؤلاء المنافقون مترددون في حَيرة، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا ولا مع الكافرين، بل ظاهرهم مع المؤمنين وباطنهم مع الكافرين، ومن يضلل الله فلن تجد له -أيها الرسول- طريقًا لهدايته من الضلال.
١٤٤ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله،
لا تتخذوا الكافرين بالله أصفياء توالونهم من دون المؤمنين، أتريدون بفعلكم هذا أن تجعلوا لله عليكم حجة بينة دالة على استحقاقكم العقاب؟!
١٤٥ - إن المنافقين سيجعلهم الله في المكان الأسفل من النار يوم القيامة، ولن تجد لهم نصيرًا يدفع عنهم العذاب.
١٤٦ - إلا الذين رجعوا إلى الله بالتوبة من نفاقهم، وأصلحوا باطنهم، وتمسكوا بعهد الله، وأخلصوا عملهم لله بلا رياء، فأولئك المتصفون بهذه الصفات مع المؤمنين في الدنيا والآخرة، وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا جزيلًا.
١٤٧ - لا حاجة لله في تعذيبكم إن شكرتم له وآمنتم به، فهو تعالى البر الرحيم، وإنما يعذبكم بذنوبكم، فإن أصلحتم العمل، وشكرتموه على نعمه، وآمنتم به ظاهرًا وباطنًا فلن يعذبكم، وكان الله شاكرًا لمن اعترف بنعمه فيجزل لهم الثواب عليها، عليمًا بإيمان خلقه، وسيجازي كلًّا بعمله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان صفات المنافقين، ومنها: حرصهم على حظ أنفسهم سواء كان مع المؤمنين أو مع الكافرين.
• أعظم صفات المنافقين تَذَبْذُبُهم وحيرتهم واضطرابهم، فلا هم مع المؤمنين حقًّا ولا مع الكافرين.
• النهي الشديد عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
• أعظم ما يتقي به المرء عذاب الله تعالى في الآخرة هو الإيمان والعمل الصالح.
стр. 109
١٤٨ - لا يحب الله الجهر بقول السوء، بل يبغضه ويتوعّد عليه، لكن من ظُلم جاز له أن يجهر بقول السوء؛ للشكاية من ظالمه والدعاء عليه ومجازاته بمثل قوله، لكنَ صَبْرَ المظلوم أولى من جهره بالسوء، وكان الله سميعًا لأقوالكم، عليمًا بنياتكم، فاحذروا قول السوء أو قصده.
١٤٩ - إن تُظْهرُوا أي خير قولي أو فعلي، أو تستروه، أو تَتجاوزوا عمن أساء إليكم؛ فإن الله كان عفوًا قديرًا، فليكن العفو من أخلاقكم، لعل الله أن يعفو عنكم.
١٥٠ - إن الذين يكفرون بالله ويكفرون برسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله وبين رسله؛ بأن يؤمنوا به، ويكذبوا بهم، ويقولون: نؤمن ببعض الرسل، ونكفر ببعضهم، ويريدون أن يتخذوا طريقا بين الكفر والإيمان يتوهمون أنها تنجيهم.
١٥١ - أولئك الذين يسلكون هذا المسلك هم الكافرون حقًّا؛ ذلك أنَّ من كفر بالرسل أو ببعضهم فقد كفر بالله وبرسله، وأعددنا للكافرين عذابًا مذلًّا لهم يوم القيامة، عقابًا لهم على تكبرهم عن الإيمان بالله وبرسله.
ولما ذكر الله جزاء الكافرين ذكر بعده جزاء المؤمنين فقال:
١٥٢ - والذين آمنوا بالله ووحدوه، ولم يشركوا به أحدًا، وصَدقُوا برسله جميعًا، ولم يفرقوا بين أحد منهم كما يفعله الكافرون، بل آمنوا بهم جميعًا؛ أولئك سوف يعطيهم الله أجرًا عظيمًا جزاء إيمانهم وأعمالهم الصالحة التابعة منه، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده، رحيمًا بهم.
١٥٣ - يسألك -أيها الرسول- اليهود أن تنزل عليهم كتابًا من السماء جملة واحدة كما وقع لموسى، يكون علامة لصدقك، فلا تستعظم منهم ذلك، فقد سأل أسلافهم موسى أعظم مما سألك هؤلاء، حيث سألوه أن يريهم الله عيانًا، فَصُعِقُوا عقابًا لهم على ما ارتكبوه، ثم أحياهم الله، فعبدوا العجل من دون الله من بعد ما جاءتهم الأيات الواضحة الدالة على وحدانية الله وتفرده بالربوبية والألوهية، ثم تجاوزنا عنهم، وأعطينا موسى حجة واضحة على قومه.
١٥٤ - ورفعنا فوقهم الجبل بسبب أخذ العهد المؤكد عليهم تخويفًا ليعملوا بما فيه، وقلنا لهم بعد رفعه: ادخلوا باب بيت المقدس سُجَّدًا بانحناء الرؤس، فدخلوا يزحفون على أدبارهم، وقلنا لهم: لا تعتدوا بالإقدام على الصيد يوم السبت، فما كان منهم إلا أن اعتدوا فاصطادوا، وأخذنا عليهم عهدًا موثقًا شديدًا بذلك، فنقضوا العهد المأخوذ عليهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• يجوز للمظلوم أن يتحدث عن ظلمه وظالمه لمن يُرْجى منه أن يأخذ له حقه، وإن قال ما لا يسر الظالم.
• حض المظلوم على العفو -حتى وإن قدر- كما يعفو الرب -سبحانه- مع قدرته على عقاب عباده.
• لا يجوز التفريق بين الرسل بالإيمان ببعضهم دون بعض، بل يجب الإيمان بهم جميعًا.
стр. 110
١٥٥ - فطردناهم من رحمتنا بسبب نقضهم العهد المؤكد عليهم، وبسبب كفرهم بآيات الله، وجراءتهم على قتل الأنبياء، وبقولهم لمحمد ﷺ : قلوبنا في غطاء، فلا تعي ما تقول، والأمر ليس كما قالوا، بل ختم الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا لا ينفعهم.
١٥٦ - وطردناهم من الرحمة بسبب كفرهم، وبسبب رميهم مريم ﵍ بالزنى زورًا وبهتانًا.
١٥٧ - ولعناهم بقولهم مفتخرين كذبًا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. وما قتلوه كما ادعوا وما صلبوه، ولكن قتلوا رجلًا ألقى الله شَبَهَ عيسى عليه وصلبوه، فظنوا أن المقتول هو عيسى ﵇. والذين ادعوا قتله من اليهود والذين أسلموه إليهم من النصارى، كلاهما في حيرة من أمره وشك، فليس لهم به علم، وإنما يتبعون الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وما قتلوا عيسى، وما صلبوه قطعًا.
١٥٨ - بل نجَّاه الله من مكرهم، ورفعه الله بجسمه روحه إليه، وكان الله عزيزًا في ملكه، لا يغالبه أحد، حكيمًا في تدبيره وقضائه وشرعه.
١٥٩ - وما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن بعيسى ﵇ بعد نزوله آخر الزمان وقبل موته، ويوم القيامة يكون عيسى ﵇ شاهدًا على أعمالهم؛ ما يوافق الشرع منها وما يخالف.
١٦٠ - فبسبب ظلم اليهود حَرَّمْنَا عليهم بعض المآكل الطيبة التي كانت حلالًا لهم، فحرمنا عليهم كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما، وبسبب صدهم أنفسهم وصدهم غيرهم عن سبيل الله، حتى صار الصد عن الخير سجية لهم.
١٦١ - وبسبب تعاملهم بالربا بعد أن نهاهم الله عن تناوله، وبسبب أخذ أموال الناس بغير حق شرعي، وأعددنا للكافرين منهم عذابًا موجعًا.
ولما ذكر مثالب أهل الكتاب ذكر المؤمنين منهم فقال:
١٦٢ - لكنِ الثابتون المتمكنون في العلم من اليهود، والمؤمنون يُصَدِّقُون بما أنزله الله عليك -أيها الرسول- من القرآن، ويُصَدقُون بما أنزل من الكتب على من قبلك من الرسل كالتوراة والإنجيل، ويقيمون الصلاة، ويعطون زكاة أموالهم، ويصدقون بالله إلهًا واحدًا لا شريك له، ويصدقون بيوم القيامة؛ أولئك المتصفون بهذه الصفات سنعطيهم ثوابًا عظيمًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الختم على القلوب سبب لحرمانها من الفهم.
• بيان عداوة اليهود لنبي الله عيسى ﵇، حتى إنهم وصلوا لمرحلة محاولة قتله.
• بيان جهل النصارى وحيرتهم في مسألة الصلب، وتعاملهم فيها بالظنون الفاسدة.
• بيان فضل العلم، فإن من أهل الكتاب من هو متمكن في العلم حتى أدى به تمكنه هذا للإيمان بالنبي محمد ﷺ .
стр. 111
١٦٣ - إنا أوحينا إليك -أيها الرسول- كما أوحينا إلى الآنبياء من قبلك، فلست بِدْعًا من الرسل فقد أوحينا إلى نوح، وأوحينا إلى الأنبياء الذين جاؤوا من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم، وإلى ابنيه: إسماعيل واسحاق، وإلى يعقوب بن إسحاق، وإلى الأسباط، (وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من أبناء يعقوب ﵇)، وأعطينا داود كتابًا هو الزبور.
١٦٤ - وأرسلنا رسلًا قصصناهم عليك في القرآن، وأرسلنا رسلًا لم نقصصهم عليك فيه، وتركنا ذكرهم فيه لحكمة، وكلَّم الله موسى بالنبوة -دون وساطة- تكليمًا حقيقيًّا يليق به تكريمًا لموسى.
١٦٥ - أرسلناهم مبشرين بالثواب الكريم من آمن بالله، ومُخوِّفين من كفر به من العذاب الأليم، حتى لا تكون للناس حجة على الله بعد إرسال الرسل يعتذرون بها، وكان الله عزيزًا في ملكه حكيمًا في قضائه.
١٦٦ - إنْ كان اليهود يكفرون بك فإن الله يصدقك بصحة ما أنزل إليك -أيها الرسول- من القرآن، أنزل فيه علمه الذي أراد أن يُطْلِعَ العباد عليه مما يحبه ويرضاه أو يكرهه ويأباه، والملائكة يشهدون بصدق ما جئت به مع شهادة الله، وكفى بالله شهيدًا، فشهادته كافية عن شهادة غيره.
١٦٧ - إن الذين كفروا بنبوتك، وصدوا الناس عن الإسلام قد بَعُدُوا عن الحق بُعْدًا شديدًا.
١٦٨ - إن الذين كفروا بالله وبرسله، وظلموا أنفسهم ببقائها على الكفر، لم يكن الله ليغفر لهم ما هم مصرُّون عليه من الكفر، ولا ليرشدهم إلى طريق تنجيهم من عذاب الله.
١٦٩ - إلا الطريق المؤدية إلى دخول جهنم ماكثين فيها دائمًا، وكان ذلك على الله هينًا، فهو لا يعجزه شيء.
١٧٠ - يا أيها الناس قد جاءكم لرسول محمد ﷺ بالهدى ودين الحق من الله تعالى، فآمنوا بما جاءكم به يكن خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، وإن تكفروا بالله فإن الله غني عن إيمانكم، ولا يضره كفركم، فله ملك ما في السماوات، وله ملك ما في الأرض وما بينهما، وكان الله عليمًا بمن يستحق الهداية فييسرها له، وبمن لا يستحقها فيُعْميه عنها، حكيمًا في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إثبات النبوة والرسالة في شأن نوح وإبراهيم وغيرِهما مِن ذرياتهما ممن ذكرهم الله وممن لم يذكر أخبارهم لحكمة يعلمها سبحانه.
• إثبات صفة الكلام لله تعالى على وجه يليق بذاته وجلاله، فقد كلّم الله تعالى نبيه موسى ﵇.
• تسلية النبي محمد ﵊ ببيان أن الله تعالى يشهد على صدق دعواه في كونه نبيًّا، وكذلك تشهد الملائكة.
стр. 112
١٧١ - قل -أيها الرسول- للنصارى أهل الإنجيل: لا تتجاوزوا الحد في دينكم، ولا تقولوا على الله في شأن عيسى ﵇ إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله أرسله بالحق، خَلقَهُ بكلمته التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم، وهي قوله: كُنْ، فكان، وهي نفخة من الله نفخها جبريل بأمر من الله، فآمِنوا بالله ورسله جميعًا دون تفريق بينهم، ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة، انتهوا عن هذه المقولة الكاذبة الفاسدة يكن انتهاؤكم عنها خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، إنما الله إله واحد تنزه عن الشريك وعن الولد، فهو غني، له ملك السماوات وملك الأرض وملك ما فيهما، وحَسْبُ ما في السماوات والأرض بالله قيمًا ومدبرًا لهم.
١٧٢ - لن يأنف عيسى بن مريم ويمتنع أن يكون عبدًا لله، ولا الملائكة الذين قربهم الله له، ورفع منزلتهم أن يكونوا عبادًا لله، فكيف تتخذون عيسى إلهًا؟! وكيف يتخذ المشركون الملائكة آلهة؟! ومن يأنف عن عبادة الله، ويترفع عنها فإن الله سيحشر الجميع إليه يوم القيامة، ويجازي كلًّا بما يستحق.
ولما بين أن الجميع سيحشره الله إليه فصَّل جزاءهم في قوله:
١٧٣ - فأما الذين آمنوا بالله وصدقوا برسله، وعملوا الأعمال الصالحات مخلصين لله عاملين وفق ما شرع، فسيعطيهم ثواب أعمالهم غير منقوص، وسيزيدهم على ذلك من فضله واحسانه، وأما الذين أَنِفُوا عن عبادة الله وطاعته وترفعوا تكبرًا، فيعذبهم عذابًا موجعًا، ولا يجدون من دون الله من يتولاهم فيجلب لهم النفع، ولا من ينصرهم فيدفع عنهم الضر.
١٧٤ - يا أيها الناس قد جاءكم من ربكم حجة جلية تقطع العذر وتزيل الشبهة -وهو محمد ﷺ ، وأنزلنا إليكم ضياءً واضحًا، وهو هذا القرآن.
١٧٥ - فأما الذين آمنوا بالله وتمسكوا بالقرآن الذي أنزل على نبيهم فسيرحمهم الله بدخول الجنة، ويزيدهم ثوابًا ورَفْع درجات، ويوفقهم لسلوك الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو الطريق الموصل إلى جنات عدن.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان أَن المسيح بشر، وأن أمه كذلك، وأن الضالين من النصارى غلوا فيهما حتى أخرجوهما من حد البشرية.
• بيان بطلان شرك النصارى القائلين بالتثليث، وتنزيه الله تعالى عن أن يكون له شريك أو شبيه أو مقارب، وبيان انفراده -سبحانه- بالوحدانية في الذات والأسماء والصفات.
• إثبات أن عيسى ﵇ والملائكة جميعهم عباد مخلوقون لا يستكبرون عن الاعتراف بعبوديتهم لله تعالى والانقياد لأوامره، فكيف يسوغ اتخاذهم آلهة مع كونهم عبيدًا لله تعالى؟!
• في الدين حجج وبراهين عقلية تدفع الشبهات، ونور وهداية تدفع الحيرة والشهوات.
стр. 113
١ ٧٦ - يسألونك -أيها الرسول- أن تفتيهم بشأن ميراث الكلالة، وهو من يموت ولم يترك أبًا ولا ولدًا، قل: الله يبين الحكم بشأنها: إن مات شخص ليس له والد ولا ولد، وله أخت شقيقة أو أخت لأبيه فلها نصف ما ترك من المال فرضًا، وأخوه الشقيق أو لأب يرث ما ترك من مال تعصيبًا إن لم يكن معه صاحب فرض، فإن كان معه صاحب فرض ورث الباقي بعده، فإن تعددت الأخوات الشقيقات أو لأب -بأن كانتا اثنتين فأكثر- ورثتا أو ورثن الثلثين فرضًا، وإن كان الإخوة الأشقاء أو لأب فيهم الذكور والإناث ورثوا بالتعصيب تبعًا لقاعدة: اللذكر مثل حظ الأنثيين) بأن يُضعف نصيب الذكر منهم على نصيب الأنثى. يبين الله لكم حكم الكلالة وغيره من أحكام الميراث حتى لا تضلوا في أمرها، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.
سورة المائدة
مدنية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الوفاء بالعقود والتزام الشرائع والحدود وإكمال الدين.
[التَّفْسِيرُ]
١ - يا أيها الذين آمنوا أتموا كل العهود الموثقة بينكم وبين خالقكم وبينكم وبين خلقه، وقد أحل الله لكم -رحمة بكم- بهيمة الأنعام: (الإبل، والبقر، والغنم) إلا ما يُقْرَأ عليكم تحريمه، وإلا ما حَرَّمَ عليكم من الصيد البري في حال الاحرام بحج أو عمرة، إن الله يحكم ما يريد من تحليل وتحريم وفق حكمته، فلا مُكْرهَ له، ولا معترض على حكمه.
٢ - يا أيها الذين آمنوا لا تستحلوا حرمات الله التي أمركم بتعظيمها، وكُفوا عن محظورات الإحرام: كلبس المخيط، وعن محرمات الحَرَم كالصيد، ولا تستحلوا القتال في الأشهر الحرم، وهي (ذو القعدة، ذو والحجة، والمحرم، ورجب)، ولا تستحلُّوا ما يهدى إلى الحرم من الأنعام ليذبح لله هناك بغصب ونحوه، أو مَنْع من وصوله إلى محله، ولا تستحلُّوا البهيمة عليها قلادة من صوف وغيره للإشعار بأنه هدي، ولا تستحلوا قاصدي بيت الله الحرام يطلبون ربح التجارة ومرضاة الله، وإذا حللتم من الإحرام بحج أو عمرة، وخرجتم من الحرم فاصطادوا إن شئتم، ولا يحملنكم بغض قوم لصدهم لكم عن المسجد الحرام على الجَور وترك العدل فيهم، وتعاونوا -أيها المؤمنون- على فعل ما أُمِرْتم به، وترك ما نُهِيتُم عنه، وخافوا الله بالتزام طاعته والبعد عن معصيته، إن الله شديد العقاب لمن عصاه، فاحذروا من عقابه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عناية الله بجميع أحوال الورثة في تقسيم الميراث عليهم.
• الأصل هو حِلُّ الأكل من كل بهيمة الأنعام، سوى ما خصه الدليل بالتحريم، أو ما كان صيدًا يعرض للمحرم في حجه أو عمرته.
• النهي عن استحلال المحرَّمات، ومنها: محظورات الإحرام، والصيد في الحرم، والقتال في الأشهر الحُرُم، واستحلال الهَدْي بغصب ونحوه، أو مَنْع وصوله إلى محله.
стр. 114
٣ - حَرَّمَ الله عليكم ما مات من حيوان دون ذكاة، وحَرَّمَ عليكم الدم المسفوح ولحم الخنزير، وما ذُكِرَ عليه اسْمٌ غير اسم الله عند الذبح، والميتة بالخنق، والميتة بالضرب، والساقطة من مكان عالٍ، والميتة بنطح غيرها لها، وما افترسه سبُع مثل الأسد والنمر والذئب، إلا ما أدركتموه حيًّا من المذكورات وذكيتموه، فهو حلال لكم، وحرَّم عليكم ما كان ذبحه للأصنام، وحَرَّمَ عليكم أن تطلبوا ما قسم لكم من الغيب بالأقداح وهي حجارة أو سهام مكتوب فيها (أفعل) (لا تفعل) فيعمل بما يخرج له منها. فِعْل تلك المحرمات المذكورة خروج عن طاعة الله. اليوم يئس الذين كفروا من ارتدادكم عن دين الإسلام لما رأوا من قوته، فلا تخافوهم وخافوني وحدي، اليوم أكملت لكم دينكم الذي هو الإسلام، وأتممت عليكم نعمتي الظاهرة والباطنة، واخترت لكم الإسلام دينًا، فلا أقبل دينًا غيره، فمن أُلجئَ بسبب مجاعة إلى الأكل من الميتة غير مائل للإثم فلا إثم عليه في ذلك، إن الله غفور رحيم. ولما ذكر الله ما حرم أكله ذكر ما أباح أكله، فقال:
٤ - يسألك -أيها الرسول- صحابتك ماذا أحل الله لهم أكله؟ قل -أيها الرسول-: أحل الله لكم ما طاب من المآكل، وأكل ما صادته المدرَّبات من ذوات الأنياب كالكلاب والفهود وذوات المخالب كالصقور، تعلِّمونها الصيد مما مَنَّ الله عليكم به من العلم بآدابه، حتى صارت إذا أُمِرَتِ ائتَمَرَتْ، وإذا زُجِرَتِ ازدجرت، فكلوا مما أمسكته من الصيد ولو قتلته، واذكروا اسم الله عند إرسالها، واتقوا الله بامتثال أوامر لكف عن نواهيه، إن الله سريع الحساب للأعمال.
٥ - اليوم أَحَلَّ الله لكم أكل المستلذات، وأكل ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأحل ذبائحكم لهم وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من المؤمنات، والحرائر العفائف من الذين أُعْطُوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى إذا أعطيتموهن مهورهن، وكنتم متعففين عن ارتكاب الفاحشة غير متخذين عشيقات ترتكبون الزنى معهن، ومن يكفر بما شرعه الله لعباده من الأحكام فقد بطل عمله لفقد شرطه الذي هو الإيمان، وهو يوم القيامة من الخاسرين لدخوله النار خالدًا فيها مخلدًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تحريم ما مات دون ذكاة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذُكِرَ عليه اسْمٌ غير اسم الله عند الذبح، وكل ميت خنقًا، أو ضربًا، أو بسقوط من علو، أو نطحًا، أو افتراشا من وحش، ويُستثنى من ذلك ما أُدرِكَ حيًّا وذُكّيَ بذبح شرعي.
• حِلُّ ما صاد كل مدرَّبٍ ذي ناب أو ذي مخلب.
• إباحة ذبائح أهل الكتاب، وإباحة نكاح حرائرهم من العفيفات.
стр. 115
٦ - يا أيها الذين آمنوا، إذا أردتم القيام لأداء الصلاة، وكنتم مُحْدِثين حدثًا أصغر فَتَوَضَّؤُوا بأن تغسلوا وجوهكم، وتغسلوا أيديكم مع مرافقها، وتمسحوا برؤوسكم، وتغسلوا أرجلكم مع الكعبين الناتئين بمفصل الساق، وإن كنتم مُحْدِثِينَ حدثًا أكبر فاغتسلوا، وإن كنتم مرضى تخافون من زيادة المرض أو تأخُّر بُرْئِهِ، أو كنتم مسافرين في حال صحة، أو كنتم مُحْدِثِينَ حدثًا أصغر بقضاء الحاجة مثلًا، أو مُحْدِثِينَ حدثًا أكبر بمجامعة النساء، ولم تجدوا ماء بعد البحث عنه لتتطهروا به- فاقصدوا وجه الأرض، واضربوه بأيديكم، وامسحوا وجوهكم وامسحوا أيديكم منه، ما يريد الله أن يجعل عليكم ضيقًا في أحكامه بأن يلزمكم استعمال الماء المؤدي إلى ضرركم، فشرع لكم بديلًا عنه عند تعذره لمرض أو لفقد الماء إتمامًا لنعمته عليكم لعلكم تشكرون نعمة الله عليكم، ولا تكفرونها.
٧ - واذكروا نعمة الله عليكم بالهداية للإسلام، واذكروا عهده الذي عاهدكم عليه حين قلتم لما بايعتم النبي ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره: سمعنا قولك وأطعنا أمرك، واتقوا الله بامتثال أوامره -ومنها عهوده- واجتناب نواهيه، إن الله عليم بما في القلوب، فلا يخفى عليه منه شيء.
٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله، كونوا قائمين بحقوق الله عليكم مبتغين بذلك وجهه، وكونوا شهداء بالعدل لا بالجور، ولا يحملنكم بُغْض قوم على ترك العدل، فالعدل مطلوب مع الصديق والعدو، فاعدلوا معهما، فالعدل أقرب إلى الخوف من الله، والجور أقرب إلى الجسارة عليه، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إن الله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
٩ - وَعَدَ الله -الذي لا يخلف الميعاد- الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الصالحات بالمغفرة لذنوبهم، وبالثواب العظيم وهو دخول الجنة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأصل في الطهارة هو استعمال الماء بالوضوء من الحدث الأصغر، والغسل من الحدث الأكبر.
• في حال تعذر الحصول على الماء، أو تعذّر استعماله لمرض مانع أو برد قارس، يشرع التيمم (بالتراب) لرفع حكم الحدث (الأصغر أو الأكبر).
• الأمر بتوخي العدل واجتناب الجور حتى في معاملة المخالفين.
стр. 116
١٠ - والذين كفروا بالله، وكذبوا بآياته، أولئك هم أصحاب النار الذين يدخلونها عقوبة على كفرهم وتكذيبهم، ملازمين لها كما يلازم الصاحب صاحبه.
١١ - يا أيها الذين آمنوا، اذكروا بقلوبكم وألسنتكم ما أنعم الله به عليكم من الأمن وإلقاء الخوف في قلوب أعدائكم حين قصدوا أن يمدوا أيديهم إليكم ليبطشوا بكم ويفتكوا، فصرفهم الله عنكم وعصمكم منهم، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعلى الله وحده فليعتمد المؤمنون في تحصيل مصالحهم الدينية والدنيوية.
١٢ - ولقد أخذ الله العهد المؤكد على بني إسرائيل بما سيأتي ذكره قريبًا، وأقام عليهم اثني عشر رئيسًا، كل رئيس يكون ناظرًا على من تحته، وقال الله لبني إسرائيل: إني معكم بالنصر والتأييد إذا أديتم الصلاة على الوجه الأكمل، وأعطيتم زكاة أموالكم، وصَدَّقْتم برسلي جميعًا دون تفريق بينهم، وعظمتموهم، ونصرتموهم، وأنفقتم في وجوه الخير، فإذا قمتم بذلك كله لأكفرن عنكم السيئات التي ارتكبتموها، ولأدخلنكم يوم القيامة جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، فمن كفر بعد أخذ هذا العهد الموثق عليه فقد تنكّب طريق الحق عالمًا عامدًا.
١٣ - فبسبب نقضهم العهد المأخوذ عليهم طردناهم من رحمتنا، وصيرنا قلوبهم غليظة صلبة لا يصل إليها خير، ولا تنفعها موعظة، يُحَرِّفُونَ الكلم عن مواضعه بالتبديل لألفاظه، وبالتأويل لمعانيه بما يوافق أهواءهم، وتركوا العمل ببعض ما ذُكِّرُوا به، ولا تزال -أيها الرسول- تكتشف منهم خيانة لله ولعباده المؤمنين، إلا قليلًا منهم وَفَّوْا بما أخذ عليهم من عهد، فاعفُ عنهم ولا تؤاخذهم، واصفح عنهم؛ فإن ذلك من الإحسان، والله يحب المحسنين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من عظيم إنعام الله على النبي ﵊ وأصحابه أن حماهم وكف عنهم أيدي أهل الكفر وضررهم.
• أن الإيمان بالرسل ونصرتهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الوجه المطلوب، سببٌ عظيم لحصول معية الله تعالى وحدوث أسباب النصرة والتمكين والمغفرة ودخول الجنة.
• نقض المواثيق الملزمة بطاعة الرسل سبب لغلظة القلوب وقساوتها.
• ذم مسالك اليهود في تحريف ما أنزل الله إليهم من كتب سماوية.
стр. 117
١٤ - وكما أخذنا على اليهود عهدًا مؤكدًا موثقًا أخذنا على الذين زَكَّوْا أنفسهم بأنهم أتباع عيسى ﵇، فتركوا العمل بجزء مما ذُكِّرُوا به، كما فعل أسلافهم من اليهود، وألقينا بينهم الخصومة والكراهة الشديدة إلى يوم القيامة، فأصبحوا متقاتلين متناحرين يُكَفِّرُ بعضهم بعضًا، وسوف يخبرهم الله بما كانوا يصنعون، ويجازيهم عليه.
ولما ذكر الله أهل الكتاب وما أخذ عليهم من العهود، ونقضهم لها، أمرهم بالإيمان بمحمد ﷺ ، فقال:
١٥ - يا أهل الكتاب من اليهود أصحاب التوراة، والنصارى أصحاب الإنجيل، قد جاكم رسولنا محمد ﷺ يبين لكم الكثير مما كنتم تكتمونه من الكتاب المنزل عليكم، ويتجاوز عن كثير من ذلك مما لا مصلحة فيه إلا افتضاحكم، قد جاءكم القرآن كتابًا من عند الله، وهو نور يُسْتضاء به، وكتاب مبين لكل ما يحتاج إليه الناس في شؤونهم الدنيوية والأخروية.
١٦ - يهدي الله بهذا الكتاب من اتبع ما يرضيه من الإيمان والعمل الصالح إلى طُرقِ السلامة من عذاب الله، وهي الطرق الموصلة إلى الجنة، ويخرجهم من ظلمات الكفر والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة بإذنه، ويوفقهم إلى الطريق القويم المستقيم طريق الإسلام.
١٧ - لقد كفر القائلون من النصارى بأن الله هو المسيح عيسى بن مريم، قل لهم -أيها الرسول-: من يقدر أن يمنع الله من إهلاك المسيح عيسى بن مريم ويهلك أمه، ويهلك من في الأرض كلهم إذا أراد إهلاكهم؟! وإذا لم يقدر أحد أن يمنعه من ذلك دل ذلك على أنه لا إله إلا الله، وأن الجميع: عيسى بن مريم وأمه وسائر الخلق هم خَلْقُ الله، ولله ملك السماوات والأرض وملك ما بينهما، يخلق ما يشاء، وممن شاء خلقه: عيسى ﵇؛ فهو عبده ورسوله، والله على كل شيء قدير.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تَرْك العمل بمواثيق الله وعهوده قد يوجب وقوع العداوة وإشاعة البغضاء والتنافر والتقاتل بين المخالفين لأمر الله تعالى.
• الرد على النصارى القائلين بأن الله تعالى تجسد في المسيح ﵇، وبيان كفرهم وضلال قولهم.
• من أدلة بطلان ألوهية المسيح أن الله تعالى إن أراد أن يهلك المسيح وأمه ﵇ وجميع أهل الأرض فلن يستطيع أحد رده، وهذا يثبت تفرده سبحانه بالأمر وأنه لا إله غيره.
• من أدلة بطلان ألوهية المسيح أن الله تعالى يُذَكِّر بكونه تعالى ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٧]، فهو يخلق من الأبوين، ويخلق من أم بلا أب كعيسى ﵇، ويخلق من الجماد كحية موسى ﵇، ويخلق من رجل بلا أنثى كحواء من آدم ﵇.
стр. 118
١٨ - وادَّعى كل من اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، قل -أيها الرسول- ردًّا عليهم: لماذا يعذبكم الله بالذنوب التي ترتكبونها؟! فلو كنتم أحباءه كما زعمتم لما عذبكم بالقتل والمسخ في الدنيا، وبالنار في الآخرة؛ لأنه لا يعذب من أحب، بل أنتم بشر كسائر البشر، مَنْ أحسن منهم جازاه بالجنة، ومن أساء عاقبه بالنار، فالله يغفر لمن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله، ولله وحده ملك السماوات والأرض وملك ما بينهما، وإليه وحده المرجع.
١٩ - يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بعد انقطاع من الرسل وشدة الحاجة إلى إرساله؛ لئلا تقولوا معتذرين: ما جاءنا رسول يبشرنا بثواب الله، وينذرنا عقابه، فقد جاءكم محمد ﷺ مبشرًا بثوابه ومنذرًا عقابه، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، ومن قدرته إرسال الرسل، وخَتْمهم بمحمد ﷺ .
٢٠ - واذكر -أيها الرسول- حين قال موسى لقومه بني إسرائيل: يا قوم، اذكروا بقلوبكم وألسنتكم نعمة الله عليكم حين جعل فيكم أنبياء يدعونكم إلى الهدى، وجعلكم ملوكًا تملكون أمر أنفسكم بعد أن كنتم مملوكين مُسْتعبدين، وأعطاكم من نعمه ما لم يعط أحدًا من العالَمِين في زمانكم.
٢١ - قال موسى: يا قوم، ادخلوا الأرض المطهرة: (بيت المقدس وما حوله) التي وعدكم الله بدخولها وقتال مَن فيها من الكافرين، ولا تنهزموا أمام الجبارين، فيكون مآلكم الخسران في الدنيا والآخرة.
٢٢ - قال له قومه: يا موسى، إن في الأرض المقدسة قومًا أولي قوة وأولي بأس شديد، وهذا يمنعنا من دخولها، فلن ندخلها ما دام هؤلاء فيها؛ لأنه لا حول لنا ولا قوة بقتالهم، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون فيها.
٢٣ - قال رجلان من أصحاب موسى ممن يخشون الله ويخافون عقابه، أنعم الله عليهما بالتوفيق لطاعته، يحضَّان قومهما على امتثال أمر موسى ﵇: ادخلوا على الجبابرة باب المدينة، فإذا اقتحمتم الباب، ودخلتموه فإنكم -بإذن الله- ستغلبونهم وثوقًا بسُنَّة الله بترتيب النصر على اتخاذ الأسباب من الإيمان بالله واعداد الوسائل المادية، وعلى الله وحده اعتمدوا وتوكلوا إن كنتم مؤمنين حقًّا، فالإيمان يستلزم التوكل عليه سبحانه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تعذيب الله تعالى لكفرة بني إسرائيل بالمسخ وغيره يوجب إبطال دعواهم في كونهم أبناء الله وأحباءه.
• التوكل على الله تعالى والثقة به سبب لاستنزال النصر.
• جاءت الآيات لتحذر من الأخلاق الرديئة التي كانت عند بني إسرائيل.
• الخوف من الله سبب لنزول النعم على العبد، ومن أعظمها نعمة طاعته سبحانه.
стр. 119
٢٤ - قال قوم موسى من بني إسرائيل مُصِرِّينَ على مخالفة أمر نبيهم موسى ﵇: إنا لن ندخل المدينة ما دام الجبارون فيها، فاذهب أنت -يا موسى- وربك فقاتلا الجبارين، أما نحن فسنبقى مقيمين في مكاننا متخلفين عن القتال معكما.
٢٥ - قال موسى لربه: يا رب لا سلطان لي على أحد إلا على نفسي وأخي هارون، فافصل بيننا وبين القوم الخارجين عن طاعتك وطاعة رسولك.
٢٦ - قال الله لنبيه موسى ﵇: إن الله حرَّم دخول الأرض المقدسة على بني إسرائيل مدة أربعين سنة، يضلون هذه المدة في الصحراء حيارى لا يهتدون، فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعة الله، فإن ما يصيبهم من عقاب هو بسبب معاصيهم وذنوبهم.
٢٧ - واقصص -أيها الرسول- على هؤلاء. الحسدة الظالمين من اليهود خبر ابْنَي آدم، وهما قابيل وهابيل، بالصدق الذي لا مرية فيه، حين قَدمَا قُرْبانًا يتقرب به كل منهما إلى الله سبحانه، فَقَبِلَ الله القُرْبان الذي قدمه هابيل؛ لأنه من أهل التقوى، ولم يقبل قربان قابيل؛ لأنه ليس من أهل التقوى، فاستنكر قابيل قبول قُرْبان هابيل حسدًا، وقال: لأقتلنك يا هابيل، فقال هابيل: إنما يقبل الله قُرْبان من اتقاه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
٢٨ - لئن مَدَدتَّ يدك إليّ تقصد قتلي فلست مجازيك بمثل صنيعك، ذلك ليس جبنًا مني، ولكني أخاف الله رب المخلوقات.
٢٩ - فقال له مرهبًا: إني أريد أن ترجع بإثم قتلي ظلمًا وعدوانًا إلى آثامك السابقة، فتكون من أصحاب النار الذين يدخلونها يوم القيامة، ذلك الجزاء جزاء المعتدين، وأنا لا أريد أن أرجع بإثم قتلك فأكون منهم.
٣٠ - فزيَّنتْ لقابيل نفسُه الأمارة بالسوء قتلَ أخيه هابيل ظلمًا فقتله، فأصبح بسبب ذلك من الناقصين أنفسهم حظوظهم في دنياهم وأخراهم.
٣١ - فأرسل الله غرابًا يثير الأرض أمامه ليدفن فيها غرابًا ميتًا؛ ليعلمه كيف يستر بدن أخيه، فأصبح من المتحسرين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مخالفة الرسل توجب العقاب، كما وقع لبني إسرائيل؛ إذ عاقبهم الله تعالى بالتيه.
• قصة ابني آدم ظاهرها أن أول ذنب وقع في الأرض -في ظاهر القرآن- هو الحسد والبغي، والذي أدى به للظلم وسفك الدم الحرام الموجب للخسران.
• الندامة عاقبة مرتكبي المعاصي.
• أن من سَنَّ سُنَّة قبيحة أو أشاع قبيحًا وشجَّع عليه، فإن له مثل سيئات من اتبعه على ذلك.
стр. 120
٣٢ - من أجل قَتْل قابيل أخاه أعلمنا بني إسرائيل أن من قَتَل نفسًا بغير سبب من قِصاص أو إفساد في الأرض بالكفر أو الحِرابة، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين البريء والجاني. ومن امتنع عن قتل نفس حرَّمها الله تعالى معتقدًا حرمة قتلها ولم يقتل؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن صنيعه فيه سلامتهم جميعًا، ولقد جاءت رسلُنا إلى بني إسرائيل بالحجج الواضحة والبراهين الجلية، ومع هذا فإن كثيرًا منهم متجاوزون لحدود الله بارتكاب المعاصي، ومخالفة رسلهم.
٣٣ - ما عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله، ويبارزونه بالعداوة والإفساد في الأرض بالقتل وأخذ الأموال وقطع الطريق؛ إلا أن يُقْتَلُوا من غير صلب، أو يقتلوا مع الصلب على خشبة ونحوها، أو تقطع يد أحدهم اليمنى مع الزجل اليسرى، ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، أو يغرَّبوا في البلاد؛ ذلك العقاب لهم فضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
٣٤ - إلا الذين تابوا من هؤلاء المحاربين من قبل قدرتكم -يا أولي الأمر- عليهم، فاعلموا أن الله غفور لهم بعد التوبة، رحيم بهم، ومن رحمته بهم إسقاط العقاب عنهم.
٣٥ - يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واطلبوا القرب منه بأداء ما أمركم به، والبعد عما نهاكم عنه، وجاهدوا الكفار ابتغاء مرضاته؛ لعلكم تنالون ما تطلبونه، وتُجَنَّبُون ما ترهبونه إذا قمتم بذلك.
٣٦ - إن الذين كفروا بالله وبرسله، لو قُدِّرَ أن لكل منهم ملك ما في الأرض جميعًا ومثله معه فقدموه ليفكوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة، ما قُبِلَ منه ذلك الفداء، ولهم عذاب مُوجع.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• حرمة النفس البشرية، وأن من صانها وأحياها فكأنما فعل ذلك بجميع البشر، وأن من أتلف نفسًا بشرية أو آذاها من غير حق فكأنما فعل ذلك بالناس جميعًا.
• عقوبة الذين يحاربون الله ورسوله ممن يفسدون بالقتل وانتهاب الأموال وقطع الطرف هي: القتل بلا صلب، أو مع الصلب، أو قطع الأطراف من خلاف، أو بتغريبهم من البلاد؛ وهذا على حسب ما صدر منهم.
• توبة المفسدين من المحاربين وقاطعي الطريق قبل قدرة السلطان عليهم توجب العفو.
стр. 121
٣٧ - يريدون الخروج من النار إذا دخلوها، وأنى لهم ذلك؟! فلن يخرجوا منها، ولهم فيها عذاب دائم.
ولمَّا ذكر الله حكم من يجاهر بأخذ أموال الناس بَيَّنَ حكم من يأخذها خفية وهو السارق، فقال:
٣٨ - والسارق والسارقة فاقطعوا -أيها الحكام- اليد اليمنى لكل منهما مجازاة لهما وعقوبة من الله على ما ارتكباه من أخذ أموال الناس بغير حق، وترهيبًا لهما ولغيرهما، والله عزيز لا يغلبه شي، حكيم في تقديره وتشريعه.
٣٩ - فمن تاب إلى الله من السرقة، وأصلح عمله، فإن الله يتوب عليه تفضُّلًا منه؛ ذلك أن الله غفور لذنوب من تاب من عباده، رحيم بهم، لكن لا يسقط عنهم الحد بالتوبة إذا وصل الأمر إلى الحكام.
٤٠ - لقد علمتَ -أيها الرسول- أن الله له ملك السماوات والأرض يتصرف فيهما بما يشاء، وأنه يعذب من يشاء بعدله، ويغفر لمن يشاء بفضله، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
٤١ - يا أيها الرسول، لا يحزنك الذين يسارعون في إظهار أعمال الكفر ليغيظوك من المنافقين الذين يُظْهِرُونَ الإيمان، ويبطنون الكفر. ولا يحزنك اليهود الذين يُصْغُون لكذب كبارهم ويقبلونه، مقلِّدين لزعمائهم الذين لم يأتوك إعراضًا منهم عنك، يُبَدِّلُونَ كلام الله في التوراة بما يوافق أهواءهم، يقولون لأتباعهم: إن وافق حكم محمد أهواءكم فاتبعوه، وإن خالفها فاحذروا منه، ومن يرد الله إضلاله من الناس فلن تجد -أيها الرسول- من يدفع عنه الضلال ويهديه إلى سبيل الحق، أولئك المتصفون بهذه الصفات من اليهود والمنافقين هم الذين لم يرد الله تطهير قلوبهم من الكفر، لهم في الدنيا خزي وعار ولهم في الآخرة عذاب عظيم، وهو عذاب النار.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• حكمة مشروعية حد السرقة: لردع السارق عن التعدي على أموال الناس، وتخويف من عداه من الوقوع في مثل ما وقع فيه.
• قَبول توبة السارق ما لم يبلغ السلطان وعليه إعادة ما سرق، فإذا بلغ السلطان وجب الحكم، ولا يسقط بالتوبة.
• يحسن بالداعية إلى الله ألَّا يحمل همًّا وغمًا بسبب ما يحصل من بعض الناس مِن كُفر ومكر وتآمر؛ لأن الله تعالى يبطل كيد هؤلاء.
• حِرص المنافقين على إغاظة المؤمنين بإظهار أعمال الكفر مع ادعائهم الإسلام.
стр. 122
٤٢ - هؤلاء اليهود كثيرو الاستماع للكذب، كثيرو الأكل للمال الحرام كالربا، فإن تحاكموا إليك -أيها الرسول- فافصل بينهم إن شئت، اترك الفصل بينهم إن شئت، فأنت مُخير بين الأمرين، وإن تركت الفصل بينهم فلن يستطيعوا أن يضروك بشيء، وإن فصلت بينهم فافصل بينهم بالعدل، وإن كانوا ظَلَمة وأعداء، إن الله يحب العادلين في حكمهم، ولو كان المتحاكمون أعداء للحاكم.
٤٣ - وإنَّ أَمْرَ هؤلاء لعجب، فهم يكفرون بك، ويتحاكمون إليك طمعًا في حكمك بما يوافق أهواءهم، وهم عندهم التوراة التي يزعمون الإيمان بها، فيها حكم الله، ثم يعرضون عن حكمك إذا لم يوافق أهواءهم، فجمعوا بين الكفر بما في كتابهم، والإعراض عن حكمك، وما صنيع هؤلاء بصنيع المؤمنين، فليسوا إذن من المؤمنين بك وبما جئت به.
٤٤ - إنا أنزلنا التوراة على موسى ﵇، فيها إرشاد ودلالة على الخير، ونور يُسْتضاء به، يحكم بها أنبياء بني إسرائيل الذين انقادوا لله بالطاعة، ويحكم بها العلماء والفقهاء الذين يُرَبُّونَ الناس لما استحفظهم الله على كتابه، وجعلهم أمناء عليه يحفظونه من التحريف والتبديل، وهم شهداء عليه بأنه حق، وإليهم يرجع الناس في أمره، فلا تخافوا -أيها اليهود- الناس وخافوني وحدي، ولا تأخذوا بدلًا من الحكم بما أنزل الله ثمنًا قليلًا من رئاسة أو جاه أو مال، ومن لم يحكم بما أنزل الله من الوحي مستحلًّا ذلك، أو مفضلًا عليه غيره، أو مساويًا له معه فأولئك هم الكافرون حقًّا.
٤٥ - وفرضنا على اليهود في التوراة أنَّ من قتل نفسًا متَعمِّدًا بغير حق قُتِلَ بها، ومن قلع عينًا متَعمِّدًا قُلِعَتْ عينه، ومن جدع أنفًا متَعمدًا جُدِعَ أنفه، ومن قطع أذنًا متَعمِّدًا قُطِعَتْ أذنه، ومن قلع سنا متَعمدًا قُلِعَتْ سنه، وكتبنا عليهم أن في الجروح يُعاقَب الجاني بمثل جنايته، ومن تطوع بالعفو عن الجاني كان عفوه كفارة لذنوبه؛ لعفوه عمن ظلمه، ومن لم يحكم بما أنزل الله في شأن القصاص وفي شأن غيره، فهو متجاوز لحدود الله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تعداد بعض صفات اليهود، مثل الكذب وأكل الربا ومحبة التحاكم لغير الشرع؛ لبيان ضلالهم وللتحذير منها.
• بيان شرعة القصاص العادل في الأنفس والجراحات، وهي أمر فرضه الله تعالى على من قبلنا.
• الحث على فضيلة العفو عن القصاص، وبيان أجرها العظيم المتمثّل في تكفير الذنوب.
• الترهيب من الحكم بغير ما أنزل الله في شأن القصاص وغيره.
стр. 123
٤٦ - وأتبعنا آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى بن مريم مؤمنًا بما في التوراة، وحاكمًا بها، وأعطيناه الإنجيل مشتملًا على الهداية للحق، وعلى ما يزيل الشبهات من الحجج، ويحل المشكلات من الأحكام، وموافقًا لما نزل من قبله من التوراة إلا في القليل مما نسخه من أحكامها، وجعلنا الإنجيل هدًى يُهْتدى به، وزاجرًا عن ارتكاب ما حرمه عليهم.
٤٧ - ولْيؤمِنِ النصارى بما أنزل الله في الإنجيل، وليحكموا به -فيما جاء به من صدق قبل بعثة محمد ﷺ إليهم-، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون عن طاعة الله، التاركون للحق، المائلون إلى الباطل.
ولَمَّا ذكر الله التوراة والإنجيل ومدحهما، ذكر القرآن ومدحه فقال:
٤٨ - وأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن بالصدق الذي لا شك ولا ريب أنه من عند الله، مصدقًا لما سبقه من الكتب المنزلة، ومؤتمَنًا عليها، فما فقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل، فاحكم بين الناس بما أنزل الله عليك فيه، ولا تتبع أهواءهم التي أخذوا بها، تاركًا ما أنزل عليك من الحق الذي لا شك فيه، وقد جعلنا لكل أمة شريعة من الأحكام العملية وطريقة واضحة يهتدون بها، ولو شاء الله توحيد الشرائع لوحَّدها، ولكنه جعل لكل أمة شريعة؛ ليختبر الجميع فيظهر المطيع من العاصي، فسارعوا إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، فإلى الله وحده رجوعكم يوم القيامة، وسينبئكم بما كنتم تختلفون فيه، وسيجازيكم على ما قدمتم من أعمال.
٤٩ - وأن احكم بينهم -أيها الرسول- بما أنزل الله إليك، ولا تتبع آراءهم النابعة من اتباع الهوى، واحذرهم أن يضلوك عن بعض ما أنزل الله عليك، فلن يألوا جهدًا في سبيل ذلك، فإن أعرضوا عن قبول الحكم بما أنزل الله إليك فاعلم أنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض ذنوبهم عقوبة دنيوية، ويعاقبهم على جميعها في الآخرة، وإن كثيرًا من الناس لخارجون عن طاعة الله.
٥٠ - أَيُعْرضون عن حكمك طالبين حكم أهل الجاهلية من عبدة الأوثان الذين يحكمون تبعًا لأهوائهم؟! فلا أحد أحسن حكمًا من الله عند أهل اليقين الذين يعقلون عن الله ما أنزل على رسوله، لا أهل الجهل والأهواء الذين لا يقبلون إلا ما يوافق أهواءهم وإن كان باطلًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأنبياء متفقون في أصول الدين مع وجود بعض الفروق بين شرائعهم في الفروع.
• وجوب تحكيم شرع الله والإعراض عمّا عداه من الأهواء.
• ذم التحاكم إلى أحكام أهل الجاهلية وأعرافهم.
стр. 124
٥١ - يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله لا تجعلوا من اليهود والنصارى حلفاء وأصفياء توالونهم، فاليهود إنما يوالون أهل ملَّتهم، والنصارى إنما يوالون أهل ملتهم، وكِلا الفريقين تجمعهم معاداتكم، ومن يتولهم منكم فإنه في عِدادهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين بسبب موالاتهم للكفار.
٥٢ - فترى -أيها الرسول- المنافقين ضعفاء الإيمان يبادرون إلى موالاة اليهود والنصارى قائلين: نخاف أن يظفر هؤلاء وتكون لهم الدولة فينالنا منهم مكروه، فلعل الله يجعل الظفر لرسوله وللمؤمنين، أو يأتي بأمر من عنده تندفع به صَوْلة اليهود ومن يواليهم، فيصبح المسارعون إلى موالاتهم نادمين على ما أخفوه من النفاق في قلوبهم؛ لبطلان ما تعلقوا به من أسباب واهية.
٥٣ - ويقول المؤمنون متعجبين من حال هؤلاء المنافقين: أهؤلاء الذين حلفوا مؤكدين أيمانهم: إنهم لمعكم -أيها المؤمنون- في الإيمان والنصرة والموالاة؟! بطلت أعمالهم، فأصبحوا خاسرين بفوات مقصودهم، وما أعد لهم من عذاب.
٥٤ - يا أيها الذين آمنوا، من يرجع منكم عن دينه إلى الكفر فسوف يأتي الله بقوم بدلًا منهم يحبهم ويحبونه لاستقامتهم، رحماء بالمؤمنين أشداء على الكافرين، يجاهدون بأموالهم وأنفسهم لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يخشون تعنيف من يعنفهم؛ لتقديمهم رضا الله على رضا المخلوقين، ذلك من عطاء الله الذي يعطيه من يشاء من عبا والله واسع الفضل والإحسان، عليم بمن يستحق فضله فيمنحه إياه ومن لا يستحقه فيحرمه.
ولما نهى الله عن موالاة اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار، أخبر بمن يَتَعيَّن على المؤمنين موالاتهم، فقال:
٥٥ - ليس اليهود ولا النصارى ولا غيرهم من الكفار، أولياءكم، بل إنَّ وليكم وناصركم الله ورسوله، والمؤمنون الذين يؤدون الصلاة كاملة، ويعطون زكاة أموالهم وهم خاضعون لله أذلاء.
٥٦ - ومن يَتَوَلَّ الله ورسوله والمؤمنين بالنصرة فهو من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون؛ لأن الله ناصرهم.
٥٧ - يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا الذين يسخرون من دينكم، ويتلاعبون به من الذين أعْطُوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى والمشركين حلفاء وأصفياء، واتقوا الله باجتناب ما نهاكم عنه من موالاتهم إن كنتم مؤمنين به، وبما أنزله عليكم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التنبيه علي عقيدة الولاء والبراء التي تتلخص في الموالاة والمحبة لله ورسوله والمؤمنين، وبغض أهل الكفر وتجنب محبتهم.
• من صفات أهل النفاق: موالاة أعداء الله تعالى.
• التخاذل والتقصير في نصرة الدين قد ينتج عنه استبدال المُقَصِّر والإتيان بغيره، ونزع شرف نصرة الدين عنه.
• التحذير من الساخرين بدين الله تعالى من الكفار وأهل النفاق، وموالاتهم.
стр. 125
٥٨ - وكذلك يسخرون ويلعبون إذا أَذنْتُم للصلاة التي هي أعظم قربة، ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون عن الله معاني عبادته وشرائعه التي شرعها للناس.
٥٩ - قل -أيها الرسول- للمستهزئين من أهل الكتاب: هل تعيبون علينا إلا إيماننا بالله وبما أنزل إلينا، وبما أنزل على من قبلنا، وإيمانَنَا أن أكثركم خارجون عن طاعة الله بتركهم للإيمان وامتثال الأوامر؟! فما تعيبونه علينا مَحْمَدَةٌ لنا، وليس مَذَمَّةً.
٦٠ - قل -أيها الرسول-: هل أخبركم بمن هم أولى بالعيب، وأشد عقابًا من هؤلاء، إنهم أسلافهم الذين طردهم الله من رحمته، وصيرهم بعد المسخ قردة وخنازير، وجعل منهم عُبَّادًا للطاغوت، والطاغوت هو كل من يُعْبد من دون الله راضيًا، أولئك المذكورون شر منزلة يوم القيامة، وأضل سعيًا عن الطريق المستقيم.
٦١ - وإذا جاءكم -أيها المؤمنون- المنافقون منهم أظهروا لكم الإيمان نفاقًا منهم، والواقع أنهم عند دخولهم وخروجهم مُتلبسون بالكفر لا ينفكون عنه، والله أعلم بما يُضْمرونه من الكفر إن أظهروا الإيمان لكم، وسيجازيهم على ذلك.
٦٢ - وترى -أيها الرسول- كثيرًا من اليهود والمنافقين يُبادرون إلى ارتكاب المعاصي مثل الكذب والاعتداء على الآخرين بظلمهم وأكل أموال الناس بالحرام، ساء ما يعملون.
٦٣ - هلَّا يزجرهم أئمتهم وعلماؤهم عما يسارعون إليه من قول الكذب وشهادة الزور وكل أموال الناس بالباطل، لقد ساء صنيع أئمتهم وعلمائهم الذين لا ينهونهم عن المنكر.
٦٤ - وقالت اليهود لَمَّا أصابهم جَهْدٌ وجَدْبٌ: يد الله مقبوضة عن بذل الخير والعطاء، أمسك عنا ما عنده، ألا حُبِسَتْ أيديهم عن فعل الخير والعطاء، وطُرِدُوا من رحمة الله بقولهم هذا، بل يداه مبسوطتان بالخير والعطاء، ينفق كيف يشاء، يبسط ويقبض، لا حاجر عليه ولا مُكْره له، ولا يزيد اليهود ما أنزل إليك -أيها الرسول- إلا تجاوزًا للحد وجحودًا؛ ذلك لِمَا هم عليه من الحسد، وأَلقينا بين طوائف اليهود العداوة والبغضاء، كلما جمعوا للحرب، وأعدوا لها عدة، أو تآمروا لإشعالها شَتَّتَ الله جمعهم، وأذهب قوتهم، ولا يزالون يجتهدون في ارتكاب ما فيه فساد في الأرض من السعي لإبطال الإسلام والكيد له والله لا يحب أهل الفساد.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ذمُّ العالم على سكوته عن معاصي قومه وعدم بيانه لمنكراتهم وتحذيرهم منها.
• سوء أدب اليهود مع الله تعالى، ذلك لأنهم وصفوه سبحانه بأنه مغلول اليد للخير.
• إثبات صفة اليدين، على وجه يليق بذاته وجلاله وعظيم سلطانه.
• الإشارة لما وقع فيه بعض طرائف اليهود من الشقاق والاختلاف والعداوة بينهم نتيجة لكفرهم وميلهم عن الحق.
стр. 126
٦٥ - ولو أن اليهود والنصارى آمنوا بما جاء به محمد ﷺ ، واتَّقَوا الله باجتناب المعاصي، لَكَفَّرْنَا عنهم المعاصي التي ارتكبوها ولو كانت كثيرة، ولأدخلناهم يوم القيامة جنات النعيم، يتنعمون بما فيها من نعيم لا ينقطع.
٦٦ - ولو أن اليهود عملوا بما في التوراة، وعملوا جميعًا لما أنزل عليهم من القرآن - وأن النصارى, عملوا بما في الإلجيل، ليسَّرتُ لهم أسباب الرزق من إنزال المطر وإنبات الأرض، ومن أهل الكتاب المعتدلُ الثابت على الحق، والكثير منهم ساء عمله لعدم إيمانهم.
٦٧ - يا أيها الرسول أخبر بما أُنْزِلَ إليك من ربك كاملًا، ولا تكتم منه شيئًا، فإن كتمت منه شيئًا فما أنت بمبلِّغ رسالة ربك (وقد بَلَّغَ رسول الله ﷺ كل ما أُمِرَ بتبليغه، فمن زعم خلاف ذلك فقد أعظم الفِرْية على الله)، والله يحميك من الناس بعد اليوم، فلا يستطيعون الوصول إليك بسوء، فما عليك إلا البلاغ، والله لا يوفق للرشد الكافرين الذين لا يريدون الهداية.
٦٨ - قل -أيها الرسول-: لستم -أيها اليهود والنصارى- على شيء من الدين المعتدِّ به حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل، وتعملوا بما أنزل عليكم من القرآن الذي لا يصحّ إيمانكم إلا بالإيمان به، والعمل بما فيه، وليزيدنَّ كثيرًا من أهل الكتاب الذي أُنزِل إليك من ربك طغيانًا إلى طغيان، وكفرًا إلى كفر؛ لِمَا هم عليه من الحسد، فلا تأسف على هؤلاء الكافرين، وفيمن اتبعك من المؤمنين غنية وكفاية.
٦٩ - إن المؤمنين واليهود والصابئين وهم طائفة من أتباع بعض الأنبياء والنصارى، من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل الأعمال الصالحة، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
٧٠ - لقد أخذنا العهود المؤكدة على بني إسرائيل بالسمع والطاعة، فنقضوا ما أخِذَ عليهم منها، واتبعوا ما تمليه أهواؤهم من الإعراض عما جاءتهم به رسلهم، ومن تكذيبهم بعضًا وقتلهم بعضا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• العمل بما أنزل الله تعالى سبب لتكفير السيئات ودخول الجنة وسعة الأرزاق.
• توجيه الدعاة إلى أن التبليغ المُعتَدَّ به والمُبْرِئ للذمة هو ما كان كاملًا غير منقوص، وفي ضوء ما ورد به الوحي.
• لا يُعْتد بأي معتقد ما لم يُقِمْ صاحبه دليلًا على أنه من عند الله تعالى.
стр. 127
٧١ - وظنوا أن نقضهم للعهود والمواثيق، وتكذيبهم، وقتلهم الأنبياء لا يترتب عليه ضرر بهم، فترتب عليه ما لم يظنوه، فَعَمُوا عن الحق، فلا يهتدون إليه، وصَمُّوا عن سماعه سماع قبول، ثم تاب الله عليهم تفضلًا منه، ثم عَمُوا بعد ذلك عن الحق، وصَموا عن سماعه، حدث ذلك لكثير منهم، والله بصير بما يعملونه، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيهم عليه.
٧٢ - لقد كفر النصارى القائلون بأن الله هو المسيح عيسى بن مريم؛ لنسبتهم الألوهية لغير الله، مع أن المسيح ابن مريم نفسه قال لهم: يا بني إسرائيل اعبدوا الله وحده، فهو ربي وربكم، فنحن في عبوديته سواء، ذلك أن من يشرك بالله غيره فإن الله قد منع عليه دخول الجنة أبدًا، ومستقره نار جهنم، وما له ناصر عند الله ولا معين، ولا منقذ ينقذه مما ينتظره من العذاب.
٧٣ - لقد كفر النصارى القائلون: إن الله مُؤَلَّفٌ من ثلاثة، هم: الأب والابن , وروح القدس، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، فليس الله بمتعدد، إنما هو إله واحد لا شريك له، وإن لم يكفوا عن هذه المقالة الشنيعة لَيَنَالَنَّهُم عذاب موجع.
٧٤ - أفلا يرجع هؤلاء عن مقالتهم هذه تائبين إلى الله منها، ويطلبون منه المغفرة على ما ارتكبوه من الشرك به؟! والله غفور لمن تاب من أي ذنب كان، ولو كان الذنب الكفر به، رحيم بالمؤمنين.
٧٥ - ليس المسيح عيسى بن مريم إلا رسولًا من بين الرسل، يجري عليه ما جرى عليهم من الموت، وأمه مريم ﵉ كثيرة الصدق والتصديق، وهما يأكلان الطعام لحاجتهما إليه، فكيف يكونان إلهين مع حاجتهما للطعام؟! فانظر -أيها الرسول- نظر تأمل: كيف نوضح لهم الآيات الدالة على الوحدانية، وعلى بطلان ما هم عليه من المغالاة في نسبة الألوهية لغيره سبحانه، وهم مع ذلك يتنكرون لهذه الآيات، ثم انظر نظر تأمُّل: كيف يُصْرَفُونَ عن الحق صرفًا مع هذه الآيات الواضحة الدالة على وحدانية الله.
٧٦ - قل -أيها الرسول- مُحتجًّا عليهم في عبادتهم لغير الله: أتعبدون ما لا يجلب لكم نفعًا، ولا يدفع عنكم ضرًّا؟! فهو عاجز، والله منزه عن العجز، والله هو وحده السميع لأقوالكم، فلا يفوته منها شيء، العليم بأفعالكم، فلا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيكم عليها.
٧٧ - قل -أيها الرسول- للنصارى: لا تتجاوزوا الحد فيما أمِرْتُمْ به من اتباع الحق، ولا تبالغوا في تعظيم مَنْ أُمِرْتُمْ بتعظيمه -مثل الأنبياء- فتعتقدوا فيهم الألوهية كما فعلتم بعيسى بن مريم، بسبب اقتدائكم بأسلافكم من أهل الضلال الذين أضلُّوا كثيرًا من الناس، وضلوا عن طريق الحق.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان كفر النصارى في زعمهم ألوهية المسيح ﵇، وبيان بطلانها، والدعوةُ للتوبة منها.
• من أدلة بشرية المسيح وأمه: أكلهما للطعام، وفعل ما يترتب عليه.
• عدم القدرة على كف الضر وإيصال النفع من الأدلة الظاهرة على عدم استحقاق بعض المعبودين للالوهية؛ لكونهم عاجزين.
• النهي عن الغلو وتجاوز الحد في معاملة الصالحين من خلق الله تعالى.
стр. 128
٧٨ - يخبر الله سبحانه أنه طَرَدَ الكافرين من بني إسرائيل من رحمته في الكتاب الذي أنزله على داود وهو الزبور، وفي الكتاب الذي أنزله على عيسى بن مريم وهو الإنجيل، ذلك الطرد من الرحمة بسبب ما ارتكبوه من المعاصي والاعتداء على حُرُمات الله.
٧٩ - كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا عن ارتكابه المعصية، بل يجاهر العصاة منهم بما يقترفونه من المعاصي والمنكَرات؛ لأنه لا مُنْكِرَ يُنكر عليهم، لَسَاءَ ما كانوا يفعلون من ترك النهي عن المنكر.
٨٠ - تشاهد -أيها الرسول- كثيرًا من الكفرة من هؤلاء اليهود يحبون الكافرين ويميلون إليهم، ويعادونك ويعادون الموحِّدين، ساء ما يُقْدِمُونَ عليه من موالاتهم الكافرين، فإنها سبب غضب الله عليهم، وإدخاله إياهم النار خالدين فيها، لا يخرجون منها أبدًا.
٨١ - ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله حقًّا، ويؤمنون بنبيِّه، ما جعلوا من المشركين أولياء يحبُّونهم ويميلون إليهم دون المؤمنين؛ لأنهم نُهُوا عن اتخاذ الكافرين أولياء، ولكنَّ كثيرًا من هؤلاء اليهود خارجون عن طاعة الله وولايته، وولاية المؤمنين.
٨٢ - لتجِدنَّ -أيها الرسول- أعظم الناس عداوة للمؤمنين بك، وبما جئت به اليهودَ؛ لِمَا هم عليه من الحقد والحسد والكبر، وعبدةَ الأصنام، وغيرهم من المشركين بالله، ولتجِدنَّ أقربهم محبة للمؤمنين بك، وبما جئت به الذين يقولون عن أنفسهم: إنهم نصارى، وقرب مودة هؤلاء للمؤمنين لأن منهم علماء وعنادًا، وأنهم متواضعون، غير متكبرين؛ لأن المتكبر لا يصل الخير إلى قلبه.
٨٣ - وهؤلاء -كالنجاشي وأصحابه- قلوبهم لَيِّنَة، حيث إنهم يبكون خشوعًا عند سماع ما أُنْزِلَ من القرآن لَمَّا عرفوا أنه من الحق؛ لمعرفتهم بما جاء به عيسى ﵇، يقولون: يا ربنا آمنا بما أنزلت على رسولك محمد عسي ﵇، فاكتبنا -يا ربنا- مع أمة محمد ﷺ التي تكون حجة على الناس يوم القيامة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب لِلَّعْنِ والطرد من رحمة الله تعالى.
• من علامات الإيمان: الحب في الله والبغض في الله.
• موالاة أعداء الله توجب غضب الله على فاعلها.
• شدة عداوة اليهود والمشركين لأهل الإسلام، وفي المقابل وجود طوائف من النصارى يدينون بالمودة للإسلام؛ لعلمهم أنه دين الحق.
стр. 129
٨٤ - وأي سبب يحول بيننا وبين الإيمان بالله وما أنزله من الحق الذي جاء به محمد ﷺ ؟! ونحن نرجو دخول الجنة مع الأنبياء وأتباعهم المطيعين لله الخائفين من عذابه.
٨٥ - فجازاهم الله على إيمانهم واعترافهم بالحق جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها ماكثين فيها أبدًا، وذلك جزاء المحسنين في اتباعهم للحق وانقيادهم دون قيد أو شرط.
٨٦ - والذين كفروا بالله وبرسوله، وكذبوا بآيات الله التي أنزلها على رسوله، أولئك الملازمون للنار المتاججة، لا يخرجون منها أبدًا.
٨٧ - يا أيها الذين آمنوا، لا تُحَرِّمُوا المستلذات المباحة من المآكل والمشارب والمناكح، لا تُحَرِّمُوها تزهدًا أو تعبدًا، ولا تتجاوزوا حدود ما حرم الله عليكم، إن الله لا يحب المتجاوزين بل يبغضهم.
٨٨ - وكلوا مما يسوقه الله إليكم من رزقه حال كونه حلالًا طيبًا , لا إن كان حرامًا كالمأخوذ غَصْبًا أو مُسْتخبثًا، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو الذي تؤمنون به، إيمانكم به يوجب عليكم أن تتقوه.
٨٩ - لا يحاسبكم الله -أيها المؤمنون- بما يجري على ألسنتكم من الحَلِفِ من غير قصد، وإنما يحاسبكم بما عزمتم عليه، وعَقَدتُّمُ القلوب عليه وحنثتم، فيمحو عنكم إثم ما عزمتم عليه من أيمان ونطقتموه إذا حنثتم أحد ثلاثة أشياء على التخيير هي: إطعام عشرة مساكين من أوسط طعام أهل بلدكم، لكل مسكين نصف صاع، أو كسوتهم بما يُعْتبر عُرْفًا كسوة، أو إعتاق رقبة مؤمنة، فإذا لم يجد المكفِّر عن يمينه أحد هذه الأشياء الثلاثة كَفَّر عنها بصيام ثلاثة أيام، ذلك المذكور هو كفارة أيمانكم -أيها المؤمنون- إذا أقسمتم بالله وحنثتم، وصونوا أيمانكم عن الحلف بالله كذبًا، وعن كثرة القسم بالله، وعن عدم الوفاء بالقسم ما لم يكن عدم الوفاء خيرًا، فافعلوا الخير، وكَفِّرُوا عن أيمانِكم، كما بَيَّن الله لكم كفارة اليمين يُبَيِّنُ الله لكم أحكامه المبينة للحلال والحرام، لعلكم تشكرون الله على أن علّمكم ما لم تكونوا تعلمون.
٩٠ - يا أيها الذين آمنوا، إنما المُسْكر الذي يُذْهِبُ العقل، والقمار المشتمل على عوض من الجانبين، والحجارة التي يَذْبَحُ عندها المشركون تعظيمًا لها أو ينصبونها لعبادتها، والقِدَاح التي كانوا يطلبون بها ما قسم لهم من الغيب، كل ذلك إثم من تَزْيِين الشيطان، فابتعدوا عنه لعلكم تفوزون بحياة كريمة في الدنيا وبنعيم الجنة في الآخرة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأمر بتوخي الطيب من الأرزاق وترك الخبيث.
• عدم المؤاخذة على الحلف عن غير عزم للقلب، والمؤاخذة على ما كان عن عزم القلب ليفعلنّ أو لا يفعلنّ.
• بيان أن كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة مؤمنة، فإذا لم يستطع المكفِّر عن يمينه الإتيان بواحد من الأمور السابقة، فليكفِّر عن يمينه بصيام ثلاثة أيام.
• قوله تعالى: " ... إنَّمَا الخمرُ ... " هي آخر آية نزلت في الخمر، وهي نص في تحريمه.
стр. 130
٩١ - إنما يقصد الشيطان من تَزْيِين المسكر والقمار إيقاع العداوة والبغضاء بين القلوب، والصرف عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم -أيها المؤمنون- تاركون هذه المنكرات؛ لا شك أن ذلك هو اللائق بكم، فانتهوا.
٩٢ - وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول بامتثال ما أمر الشرع به، واجتناب ما نهى عنه، واحذروا من المخالفة، فإن أعرضتم عن ذلك فاعلموا أنما على رسولنا التبليغ لِمَا أمره الله بتبليغه، وقد بَلغَ، فإن اهتديتم فلأنفسكم، وإن أسأتم فعليها.
ولَمَّا نزل تحريم الخمر تمنى بعض المؤمنين معرفة حال إخوانهم الذين ماتوا مسلمين قبل تحريمها؛ فنزلت الآية التالية:
٩٣ - ليس على الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحة تقربًا إليه؛ إثم فيما تناولوه من الخمر قبل تحريمها، إذا اجتنبوا المحرمات، مُتَّقين سخط الله عليهم، مؤمنين به، قائمين بالأعمال الصالحة، ثم ازدادوا مراقبة لله حتى أصبحوا يعبدونه كأنهم يرونه، والله يحب الذين يعبدونه كأنهم يرونه؛ لما هم فيه من استشعار رقابة الله الدائمة، وذلك ما يقود المؤمن إلى إحسان عمله وإتقانه.
٩٤ - يا أيها الذين آمنوا، لبختبرنَّكم الله بشيء يسوقه إليكم من الصيد البري وأنتم مُحْرِمون، تتناولون الصغار منه بايديكم، والكبار برماحكم، ليعلم الله -علمَ ظهورٍ يحاسب عليه العباد- من يخافه بالغيب لكمال إيمانه بعلم الله، فيمسك عن الصيد خوفًا من خالقه الذي لا يخفى عليه عمله، فمن تجاوز الحد، واصطاد وهو مُحْرِم بحج أو عمرة فله عذاب موجع يوم القيامة؛ لِمَا ارتكبه من مخالفة ما نهى الله عنه.
٩٥ - يا أيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد البري وأنتم مُحْرِمون بحج أو عمرة، ومن قتله منكم متعمدًا فعليه جزاء مماثل لِمَا قتله من الصيد من الإبل أو البقر أو الغنم، يحكم به رجلان متصفان بالعدالة بين المسلمين، وما حكما به يُفْعَلُ به ما يُفْعَلُ بالهدي من الإرسال إلى مكة وذبحه في الحرم، أو قيمة ذلك من الطعام تُدْفع لفقراء الحرم، لكل فقير نصف صاع أو صيام يوم مقابل كل نصف صاع من الطعام، كل ذلك ليذوق قاتل الصيد عاقبة ما أقدم عليه من قتله. تجاوز الله عما مضى من قتل صيد الحرم وقتل المحرم صيد البر قبل تحريمه، ومن عاد إليه بعد التحريم انتقم الله منه بأن يعذبه على ذلك، والله قوي منيع، ومن قوته أنه ينتقم ممن عصاه إن شاء، لا يمنعه منه مانع.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عدم مؤاخذة الشخص بما لم يُحَرم أو لم يبلغه تحريمه.
• تحريم الصيد على المحرِم بالحج أو العمرة، وبيان كفارة قتله.
• من حكمة الله في التحريم: ابتلاء عباده، وتمحيصهم، وفي الكفارة: الردع والزجر.
стр. 131
٩٦ - أحلَّ الله لكم صيد الحيوانات المائية، وما يقذفه البحر لكم حيًّا أو ميتًا منفعة لمن كان منكم مقيمًا أو مسافرًا يتزود به، وحَرَّمَ عليكم صيد البر أما دومتم محرمين بحج أو عمرة واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو الذي إليه وحده ترجعون يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم.
٩٧ - جعل الله الكعبة البيت المُحَرَّم قيامًا للناس، به تقوم مصالحهم الدينية من الصلاة والحج والعمرة، ومصالحهم الدنيوية بالأمن في الحرم وجباية ثمرات كل شيء إليه، وجعل الأشهر الحرم وهي: (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب) قيامًا لهم بأمنهم فيها من قتال غيرهم لهم، والهدي والقلائد المُشْعَرَة بأنها مسوقة إلى الحرم قيامًا لهم بأمن أصحابها من التعرض لهم بأذى، ذلك الذي منّ الله به عليكم لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله بكل شيء عليم فإن تشريعه لذلك -لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل حصولها- دليل على علمه بما يصلح للعباد.
٩٨ - اعلموا -أيها الناس- أن الله شديد العقاب لمن عصاه، وغفور لمن تاب، رحيم به.
٩٩ - ليس على الرسول إلا تبليغ ما أمره الله بتبليغه، فليس عليه توفيق الناس إلى الهداية، فذلك بيد الله وحده والله يعلم ما تظهر وما تخفونه من الهداية أو الضلال، وسيجازيكم على ذلك.
١٠٠ - قل -أيها الرسول-: لا يستوي الخبيث من كل شيء مع الطيب من كل شيء، ولو أعجبك كثرة الخبيث، فإن كثرته لا تدل على فضله، فاتقوا الله -يا أصحاب العقول- بترك الخبيث وفعل الطيب لعلكم تفوزون بالجنة.
١٠١ - يا أيها الذين آمنوا، لا تسألوا رسولكم عن أشياء لا حاجة لكم بها، وليست مما يعينكم على أمر دينكم، إن تظهر لكم تسُؤكم لما فيها من المشقة، وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نُهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على الرسول تُبيَّن لكم، وذلك على الله يسير، فقد تجاوز الله عن أشياء سكتَ عنها القرآن، فلا تسألوا عنها، فإنكم إن سألتم عنها نزل عليكم التكليف بحكمها.
١٠٢ - قد سأل عن مثلها قوم ممن سبقوكم، فلما كُلِّفُوا بها لم يعملوا بها، فأصبحوا كافرين بسببها.
١٠٣ - أحل الله الأنعام، فلم يُحَرِّمْ منها ما حَرَّمَهُ المشركون على أنفسهم لأصنامهم من البَحِيرة وهي الناقة التي تُقْطَعُ أذنها إذا أنجبت عددا معينًا، والسائبة وهي الناقة التي إذا بلغت سِنًا معينة تتْرَكُ لأصنامهم، والوصِيلة وهي الناقة التي تصل إنجاب أنثى بأنثى، والحامي وهو فحل الإبل إذا نتج عدد من الإبل من صلبه، لكن الكفار زعموا كذبًا وبهتانًا أن الله حرَّم المذكورات، وأكثر الكافرين لا يميزون بين الحق والباطل والحلال والحرام.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأصل في شعائر الله تعالى أنها جاءت لتحقيق مصالح العباد الدنيوية والأخروية, ودفع المضار عنهم.
• عدم الإعجاب بالكثرة، فإن كثرة الشيء ليست دليلًا على حِلِّه أو طِيبه، وإنما الدليل يكمن في الحكم الشرعي.
• من أدب المُسْتفتي: تقييد السؤال بحدود معينة، فلا يسوغ السؤال عما لا حاجة للمرء ولا غرض له فيه.
• ذم مسالك المشركين فيما اخترعوه وزعموه من محرمات الأنعام كـ: البَحِيرة، والسائبة، والوصِيلة، والحامي.
стр. 132
١٠٤ - وإذا قيل لهؤلاء المفترين على الله الكذب بتحريم بعض الأنعام: تعالوا إلى ما أنزل الله من القرآن، وإلى سُنَّة الرسول ﷺ لتعرفوا الحلال من الحرام، قالوا: يكفينا ما أخذناه ثناه عن أسلافنا من الاعتقادات والأقوال والأفعال، كيف يكفيهم ذلك وقد كان أسلافهم لا يعلمون شيئًا، ولا يهتدون إلى الحق؟! فلا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلًا، فهم جهلة ضالون.
١٠٥ - يا أيها الذين آمنوا، عليكم أنفسكم فالزموها بالقيام بما يُصْلحها، لا يضركم من ضل من الناس ولم يستجب لكم، إذا اهتديتم أنتم، ومن اهتدائكم أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر، إلى الله وحده رجوعكم يوم القيامة، فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، ويجازيكم عليه.
١٠٦ - يا أيها الذين آمنوا، إذا اقترب موت أحدكم بظهور علامة من علامات الموت فليُشْهِد على وصيته عَدْلَيْنِ مِن المسلِمِين أو رجلين من الكفار عند الاحتياج لفقد غيرهما من المسلمين، إن سافرتم فنزل بكم الموت، وإن حدث ارتياب في شهادتهما فَقِفُوهما بعد إحدى الصلوات، فيحلفان بالله: لا يبيعان حظهما من الله بعوض، ولا يُحَابيان به قريبًا، ولا يكتمان شهادة لله عندهما، وأنهما إن فعلا ذلك كانا من المذنبين العاصين لله.
١٠٧ - فإن تَبيَّن بعد التحليف كذبهما في الشهادة أو اليمين، أو ظهرت خيانتهما، فليشهد أو يحلف اثنان يقومان مقامهما من أقرب الناس إلى الميت على ما هو حق، فيحلفان بالله لشهادتنا على كذبهما وخيانتهما أحق من شهادتهما على صدقهما وأمانتهما، وما حلفنا زورًا، إنا إن شهدنا زورًا لمن الظالمين المتجاوزين لحدود الله.
١٠٨ - ذلك المذكور من تحليف الشاهدَيْن بعد الصلاة عند الشك في شهادتهما، ومِنْ ردِّ شهادتهما وأقرب إلى إتيانهما بالشهادة على الوجه الشرعي للإتيان بها، فلا يحرفان الشهادة أو يبدلانها أو يخونان، وأقرب إلى أن يخافا أن ترد أيمان الورثة بعد أيمانهما، فيحلفون على خلاف ما شهدا به فَيَفْتَضِحَان، واتقوا الله بترك الكذب والخيانة في الشهادة واليمين، واسمعوا ما أُمِرْتُمْ به سماعًا يصحبه قبول، والله لا يوفق الخارجين عن طاعته.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إذا ألزم العبد نفسه بطاعة الله، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر بحسب طاقته، فلا يضره بعد ذلك ضلال أحد، ولن يُسْأل عن غيره من الناس، وخاصة أهل الضلال منهم.
• الترغيب في كتابة الوصية، مع صيانتها بإشهاد العدول عليها.
• بيان الصورة الشرعية لسؤال الشهود عن الوصية.
стр. 133
١٠٩ - اذكروا -أيها الناس- يوم القيامة حيث يجمع الله أممكم لرسل، فيقول لهم: ماذا أجابتكم به أممكم التي أرسلتكم إليها؟ قالوا مُفوِّضين الجواب إلى الله: لا علم لنا، وإنما العلم لك -ربنا- إنك أنت وحدك من تعلم الأمور الغائبة.
١١٠ - واذكر حين قال الله مخاطبًا عيسى ﵇: يا عيسى بن مريم، اذكر نعمتي عليك حين خلقتك من غير أب، واذكر نعمتي على أمك مريم ﵍ حين اصطفيتها على نساء زمانها، واذكر مما أنعمت به عليك حين قَوَّيتك بجبريل ﵇، تُكلِّم الناس -وأنت رضيع- بدعوتهم إلى الله، وتكلمهم في كهولتك بما أرسلتك به إليهم، ومما أنعمت به عليك أن علمتك الخط، وعلمتك التوراة التي أنزلت على موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل عليك، وعلمتك أسرار الشرع وفوائده وحِكَمه، ومما أنعمت به عليك أنك تصوّر من الطين مثل صورة طير، ثم تنفخ فيه فيكون طيرًا، وأنك تشفي مَن وُلدَ أعمى من عماه، وتشفي الأبرص، فيصير سليم الجلد، وتحي الموتى بدعائك الله أن يحييهم، كل ذلك بإذني، ومما أنعمت به عليك أن دفعت عنك بني إسرائيل لَما هَموا بقتلك حين جئتهم بالمعجزات الواضحة، فما كان منهم إلا أن كفروا بها، وقالوا: ما هذا الذي جاء به عيسى إلا سحر واضح.
١١١ - واذكر مما أنعمت به عليك أن يَسَّرْتُ لك أعوانًا حين ألهمت الحواريين أن يؤمنوا بي وبك، فانقادوا لذلك واستجابوا، لوا: آمنا، واشهد -يا ربنا- باننا مسلمون لك منقادون.
١١٢ - واذكر حين قال الحواريون: هل يستطيع ربك إذا دعوتَه أن يُنَزِّلَ مائدة من السماء؛ فأجابهم عيسى ﵇ بأنْ أمرهم بتقوى الله وترك طلب ما سألوا، إذ لعل فيه فتنة لهم، وقال لهم: توكلوا على ربكم في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين.
١١٣ - قال الحواريون لعيسى: نريد أن نأكل من هذه المائدة، وتطمئن قلوبنا بكمال قدرة الله، وبأنك رسوله، ونعلم علم اليقين أنك صَدَقْتَنَا فيما جئت به من عند الله، ونكون عليها من الشاهدين لمن لم يحضرها من الناس.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إثبات جمع الله للخلق يوم القيامة جليلهم وحقيرهم.
• إثبات بشرية المسيح ﵇ إثبات آياته الحسية من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص التي أجراها الله على يديه.
• بيان أن آيات الأنبياء تهدف لتثبيت الأتباع وإفحام المخالفين، وأنها ليست من تلقاء أنفسهم، بل تأتي بإذن الله تعالى.
стр. 134
١١٤ - فأجاب عيسى طلبهم، ودعا الله قائلًا: ربنا أنزل علينا مائدةَ طعامٍ نتخذ من يوم نزولها عيدًا نعظمه شكرًا لك، وتكون علامة وبرهانًا على وحدانيتك، وعلى صدق ما بُعِثْتُ به، وارزقنا رزقًا يعيننا على عبادتك، وأنت -يا ربنا- خير الرازقين.
١١٥ - فاستجاب الله دعاء عيسى ﵇، وقال: إني مُنَزِّلٌ هذه المائدة التي طلبتم إنزالها عليكم، فمن كفر بعد إنزالها فلا يلومن إلا نفسه، فسأعذبه عذابًا شديدًا لا أعذبه أحدًا؛ لأنه شاهد الآية الباهرة، فكان كفره كفر عناد، وحقَّقَ الله لهم وعده فأنزلها عليهم.
١١٦ - واذكر حين يقول الله يوم القيامة مخاطبًا عيسى بن مريم ﵇: يا عيسى بن مريم، هل قلت للناس: صَيروني وأمي معبودَيْن من دون الله؟ فأجاب عيسى مُنَزِّهًا ربه: لا ينبغي لي أن أقول لهم إلا الحق، وإن قُدِّرَ أني قلت ذلك فقد علمتَهُ لأنه لا يخفى عليك شيء، تعلم ما أضمره في نفسي، ولا أعلم ما في نفسك، إنك وحدك من تعلم كل غائب وكل خفي وكل ظاهر.
١١٧ - قال عيسى لربه: ما قلتُ للناس إلا ما أمرتَني بقوله من أمرهم بإفرادك بالعبادة، وكنتُ رَقِيبًا على ما يقولون طيلة وجودي بين أظهرهم، فلما أنهيتَ مدة بقائي بينهم برفعي إلى السماء حيًّا كنتَ -يا رب- أنت الحفيظ لأعمالهم، وأنت على كل شيءشهيد، لايغيب عنك شيء، فلا يخفى عليك ما قلت لهم، وما قالوا بعدي.
١١٨ - إنْ تعذبهم -يا رب- فإنهم عبادك تفعل بهم ما تشاء، وإن تَمْنُن على من آمن منهم بالمغفرة فلا مانع لك من ذلك، فانت العزيز الذي لا يُغَالَب، الحكيم في تدبيرك.
١١٩ - قال الله لعيسى ﵇: هذا يوم ينفع صادقي النيات والأعمال والأقوال صدقُهم، لهم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها ماكثين فيها أبدًا، لا يعتريهم موت، ﵃ فلا يسخط عليهم أبدًا، ورضوا عنه لما نالوه من النعيم المقيم، ذلك الجزاء والرضا عنهم هو الفوز العظيم، فلا فوز يدانيه.
١٢٠ - لله وحده ملك السماوات والأرض، فهو خالقهما ومدبر أمرهما، وله ملك ما فيهن من جميع المخلوقات، وهو على كل شيء قدير، فلا يعجزه شيء.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• توعد الله تعالى كل من أصرَّ على كفره وعناده بعد قيام الحجة الواضحة عليه.
• تَبْرئة المسيح ﵇ من ادعاء النصارى بأنه أبلغهم أنه الله أو أنه ابن الله أو أنه ادعى الربوبية أو الألوهية.
• أن الله تعالى يسأل يوم القيامة عظماء الناس وأشرافهم من الرسل، فكيف بمن دونهم درجة؟!
• علو منزلة الصدق، وثناء الله تعالى على أهله، وبيان نفع الصدق لأهله يوم القيامة.
стр. 135
سورة الأنعام
مكية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تقرير عقيدة التوحيد بالبراهين العقلية ونقض الاعتقادات الشركية.
[التَّفْسِيرُ]
١ - الوصف بالكمال المطلق، والثناء بالمحاسن العليا مع المحبة، ثابت لله الذي خلق السماوات وخلق الأرض من غير مثال سابق، وخلق الليل والنهار يَتَعاقبان، الليل خلقه للظلام، والنهار خلقه للنور، ومع هذا فالذين كفروا يُسوُّون به غيره، ويجعلونه شريكًا له.
٢ - هو سبحانه الذي خلقكم -أيها الناس- من طين حين خلق أباكم آدم ﵇ منه، ثم ضرب سبحانه مدة لإقامتكم في الحياة الدنيا، وضرب أجلًا آخر لا يعلمه إلا هو لبَعْثكم يوم القيامة، ثم أنتم تشكّون في قدرته سبحانه على البعث.
٣ - وهو سبحانه المعبود بحق في السماوات والأرض، لا يخفى عليه شيء، فهو يعلم ما تخفون من النيات والأقوال والأعمال، ويعلم ما تعلنون من ذلك، وسيجازيكم عليها.
٤ - وما تأتي المشركين من حجة من عند ربهم إلا تركوها غير مبالين بها، فقد جاءتهم الحجج الواضحة والبراهين الجلية الدالة على توحيد الله، وجاءتهم الآيات الدالة على صدق رسله، ومع ذلك أعرضوا عنها غير عابثين بِها.
٥ - وهم إن أعرضوا عن تلك الحجج الواضحة والبراهين الجلية فقد أعرضوا عما هو أوضح، فقد كَذّبُوا بما جاء به محمد ﷺ من القرآن، وسيعرفون أن ما كانوا يستهزئون به مما جاءهم به هو الحق حين يرون العذاب يوم القيامة.
٦ - ألم يعلم هؤلاء الكافرون سُنَّة الله في إهلاك الأمم الظالمة؟! فقد أهلك الله من قبلهم أممًا كثيرة أعطاهم من أسباب القوة والبقاء في الأرض ما لم يعط هؤلاء الكافرين، وأنزل عليهم الأمطار المتتابعة، وأجرى لهم الأنهار تجري من تحت مساكنهم، فعصوا الله، فأهلكهم بما ارتكبوه من المعاصي، وخلق من بعدهم أممًا أخرى.
٧ - ولو نزَّلنا عليك -أيها الرسول- كتابًا مكتوبًا في أوراق، وشاهدوه بأعينهم، وتأكدوا منه بتحسسِهم الكتاب بأيديهم؛ لَمَا آمنوا به جحودًا منهم وتَعَنًّتًا، ولقالوا: لا يعدو ما جئت به أن يكون سحرًا واضحًا، فلن نؤمن به.
٨ - وقال هؤلاء الكافرون: لو أنزل الله مع محمد ملكا يكلمنا ويشهد أنه رسول لآمنَّا. ولو أنزلنا ملكًا على الوصف الذي أرادوا لأهلكناهم إذا لم يؤمنوا، ولا يُمْهَلُونَ للتوبة إذا نَزَلَ.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• شدة عناد الكافرين، وبيان إصرارهم على الكفر على الرغم من قيام الحجة عليهم بأدلة الحسية.
• التأمل في سنن الله تعالى في السابقين لمعرفة أسباب هلاكهم والحذر منها.
• من رحمة الله بعباده أن لم ينزل لهم رسولًا من الملائكة لأنهم لا يمهلون للتوبة إذا نزل.
стр. 136
٩ - ولو جعلنا المرسل إليهم ملكًا لجعلناه في صورة رجل ليتمكنوا من سماعه والتلقي عنه؛ إذا لا يستطيعون ذلك مع الملك على هيئته التي خلقه الله عليها، ولو جعلناه في صورة رجل لاشتبه عليهم أمره.
١٠ - فإنْ يستهزئ هؤلاء بطلبهم إنزال ملك معك فقد استهزأت أمم من قبلك برسلها، فأحاط بهم العذاب الذي كانوا ينكرونه ويستهزئون به عند تخويفهم منه.
١١ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين المستهزئين: سيروا في الأرض، ثم تأملوا كيف كانت نهاية المكذبين لرسل الله، فقد حل بهم عقاب الله بعدما كانوا فيه من القوة والمنعة.
١٢ - قل لهم -أيها الرسول-: لمن مُلْكُ السماوات ومُلْكُ الأرض ومُلْكُ ما بينهما؟ قل: مُلْكُهَا كلها لله، كتب على نفسه الرحمة تفضلًا منه على عباده، فلا يعاجلهم بالعقوبة، حتى إذا لم يتوبوا جمعهم جميعًا يوم القيامة، هذا اليوم الذي لا شك فيه. الذين خسروا أنفسهم بالكفر بالله لا يؤمنون فينقذوا أنفسهم من الخسران.
١٣ - ولله وحده ملك كل شيء، مما استقر في الليل والنهار، وهو السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم، وسيجازيهم عليها.
١٤ - قل -أيها الرسول- للمشركين الذين يعبدون مع الله غيره من الأصنام وغيرها: أَيُعْقل أن أتخذ غير الله ناصرًا أواليه وأستنصره؟! وهو الذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، فلم يُسْبَقْ إلى خلقهما، وهو الذي يرزق من يشاء من عباده، ولا أحد من عباده يرزقه، فهو الغني عن عباده، وعباده مفتقرون إليه، قل -أيها الرسول-: إني أمرني ربي سبحانه أن أكون أول من انقاد لله وخضع له من هذه الأمة، ونهاني أن أكون من الذين يشركون معه غيره.
١٥ - قل -أيها الرسول-: إني أخاف إن عصيت الله بارتكاب ما حَرمَ علي من الشرك وغيره، أو تَرْكِ ما أمرني به من الإيمان وغيره من الطاعات، أن يعذبني عذابًا عظيمًا يوم القيامة.
١٦ - مَن يُبْعِد الله عنه ذلك العذاب يوم القيامة، فقد فاز برحمة الله له، وتلك النجاة عن العذاب هي الفوز الواضح الذي لا يُدَانيه فوز.
١٧ - وإن يَنَلْكَ -يا ابن آدم- من الله بلاء فلا دافع للبلاء عنك إلا الله، وإن يَنَلْكَ منه خير فلا مانع له من ذلك، ولا رَادَّ لفضله، فهو القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء.
١٨ - وهو الغالب على عباده المذلِّل لهم، العالي عليهم من كل وجه الذي لا يعجزه شيء، ولا يغلبه أحد، الجميع له خاضعون، فوق عباده كما يليق به سبحانه، وهو الحكيم في خلقه وتدبيره وشرعه، الخبير فلا يخفى عليه شيء.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان حكمة الله تعالى في إرسال كل رسول من جنس من يرسل إليهم؛ ليكون أبلغ في السماع والوعي والقبول عنه.
• الدعوة للتأمل في أن تكرار سنن الأوّلين في العصيان قد يقابله تكرار سنن الله تعالى في العقاب.
• وجوب الخوف من المعصية ونتائجها.
• أن ما يصيب البشر من بلاء ليس له صارف إلا الله، وأن ما يصيبهم من خير فلا مانع له إلا الله، فلا رَادَّ لفضله، ولا مانع لنعمته.
стр. 137
١٩ - قل -أيها الرسول- للمشركين المكذبين بك: أي شيء أجلّ وأعظم شهادة على صدقي؟ قل: الله أَجَلُّ شيء وأعظم شهادة على صدقي، هو شهيد بيني وبينكم، يعلم ما جئتكم به، وما ستردون به، وقد أوحى الله إليّ هذا القرآن لأُخَوِّفَكُم به، وأُخَوِّفَ به من بلغه من الإنس والجن، إنكم -أيها المشركون- تؤمنون أن مع الله معبودات أخرى، قل -أيها الرسول-: لا أشهد على ما أقررتم به لبطلانه، إنما الله إله واحد لا شريك له، وإني بريء من كل ما تشركونه معه.
٢٠ - اليهود الذين أعطيناهم التوراة والنصارى الذين أعطيناهم الإنجيل يعرفون النبي محمدًا ﷺ معرفة تامة، كما يعرفون أبناءهم من أبناء غيرهم، فأولئك الذين خسروا أنفسهم بإدخالها النار، فهم لا يؤمنون.
٢١ - لا أحد أعظم ظلمًا ممن نسب لله شريكًا، فعبده معه، أو كَذّبَ بآياته التي أنزلها على رسوله، إن الظالمين بنسبة الشريك إلى الله وتكذيب آياته لا يفوزون أبدًا إن لم يتوبوا.
٢٢ - واذكر يوم القيامة حين نجمعهم جميعًا، لا نغادر منهم أحدًا، ثم نقول للذين عبدوا مع الله غيره توبيخًا لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تدعون كاذبين أنهم شركاء لله؟!
٢٣ - ثم لم يكن اعتذارهم بعد هذا الاختبار إلا أن تبرّؤوا من معبوداتهم، وقالوا كذبًا: والله ربنا ما كنا في الدنيا مشركين بك، بل كنا مؤمنين بك، موحدين لك.
٢٤ - انظر -يا محمد- كيف كَذَبَ هؤلاء على أنفسهم بنفيهم الشرك عن أنفسهم، وغاب عنهم وخذلهم ما كانوا يختلقونه من الشركاء مع الله في حياتهم الدنيا؟!
٢٥ - ومن المشركين من يستمع إليك -أيها الرسول- إذا قرأت القرآن، لكنهم لا ينتفعون بما يستمعون إليه؛ لأنا جعلنا على قلوبهم أغطية حتى لا يفقهوا القرآن، بسبب عنادهم وإعراضهم، وجعلنا في آذانهم صَمَمًا عن السماع النافع، ومهما يروا من الدلالات الواضحة والحجج الجلية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاؤوك يخاصمونك في الحق بالباطل يقولون: ليس الذي جئت به إلا مأخوذًا عن كتب الأوائل.
٢٦ - وهم ينهون الناس عن الإيمان بالرسول، ويبتعدون عنه، فلا يتركون من ينتفع به، ولا ينتفعون هم به، وما يُهلكون بصنيعهم هذا إلا أنفسهم، وما علموا أن ما يقومون به إهلاك لها.
٢٧ - ولو ترى -أيها الرسول- حين يُعْرَضون يوم القيامة على النار، فيقولون تحسُّرًا: يا ليتنا نُرَد إلى الحياة الدنيا، ولا نكَذِّبَ بآيات الله، ونكونَ من المؤمنين بالله- لرأيت عَجَبًا من سوء حالهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان الحكمة في إرسال النبي ﵊ بالقرآن، من أجل البلاغ والبيان، وأعظم ذلك الدعوة لتوحيد الله.
• نفي الشريك عن الله تعالى، ودحض افتراءات المشركين في هذا الخصوص.
• بيان معرفة اليهود والنصارى للنبي ﵊، برغم جحودهم وكفرهم.
стр. 138
٢٨ - ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو رُدُّوا لآمنوا، بل ظهر لهم ما كانوا يسترون من قولهم: (والله ما كنا مشركين)، حين شهدت عليهم جوارحهم، ولو قُدِّرَ أنهم رجعوا إلى الدنيا لرجعوا إلى ما نهوا عنه من الكفر والشرك، وإنهم لكاذبون في وعدهم بالإيمان إذا رجعوا.
٢٩ - وقال هؤلاء المشركون: لا حياة إلا الحياة التى نحن فيها، ولسنا مبعوثين للحساب.
٣٠ - ولو ترى -أيها الرسول- حين أوقِفَ منكرو البعث بين يدي ربهم لرأيت العجب من سوء حالهم حين يقول لهم الله: أليس هذا البعث الذي كنتم تكذبون به حقًّا ثابتًا لا مرية فيه ولا شك؟! قالوا: أقسمنا بربنا الذي خلقنا إنه لحق ثابت لا شك فيه، فيقول لهم الله عند ذلك: فذوقوا العذاب بسبب كفركم بهذا اليوم؛ فكنتم به تكذبون في الحياة الدنيا.
٣١ - قد خسر الذين كَذّبُوا بالبعث يوم القيامة واستبعدوا الوقوف بين يدي الله، حتى إذا جاءتهم الساعة فجأة من غير سابق علم قالوا من شدة الندم: يا لحسرتنا وخيبة أملنا لِمَا قَصَّرْنَا في جنب الله من الكفر به وعدم الاستعداد ليوم القيامة، وهم يحملون سيئاتهم فوق ظهورهم، ألا قَبُحَ ما يحملون من تلك السيئات.
٣٢ - وليست الحياة الدنيا التي تركنون إليها إلا لعبًا وغرورًا لمن لا يعمل فيها بما يرضي الله، وأما الدار الآخرة فهي خير للذين يتقون الله بفعل ما أمر به من الإيمان والطاعة، وتَرْكِ ما نهى عنه من الشرك والمعصية، أفلا تعقلون -أيها المشركون- ذلك؟! فتؤمنوا وتعملوا الصالحات.
٣٣ - نحن نعلم أنك -أيها الرسول- يحزنك تكذيبهم لك في الظاهر، فاعلم أنهم لا يكذبونك في أنفسهم؛ لعلمهم بصدقك وأمانتك، ولكنهم قوم ظالمون ينكرون أمرك ظاهرًا وهم يوقنون به في أنفسهم.
٣٤ - ولا تحسب أن هذا التكذيب خاص بما جئت به، فقد كُذبَتْ رسل من قبلك، وآذاهم أقوامهم، فواجهوا ذلك بالصبر على الدعوة والجهاد في سبيل الله حتى جاءهم النصر من الله، ولا مُبدِّل لما كتبه الله من النصر، ووعد به رسله، ولقد جاءك -أيها الرسول- من أخبار من قبلك من الرسل وما لاقوه من أقوامهم وما حباهم الله من النصر على أعدائهم لإهلاكهم.
٣٥ - وإن كان شق عليك -أيها الرسول- ما تلاقيه من تكذيبهم وإعراضهم عما جئتهم به من الحق، فإن استطعت أن تطلب نفقًا في الأرض أو مِصْعَدًا إلى السماء فتأتيهم بحجة وبرهان غير الذي أيدناك به فأفعل، ولو شاء الله جمْعَهم على الهدى الذي جئت به لَجَمَعَهُم، لكنه لم يشأ ذلك لحكمة بالغة، فلا تكوننَّ من الجاهلين بذلك، فتذهب نفسك حسرات على أنهم لم يؤمنوا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من عدل الله تعالى أنه يجمع العابد والمعبود والتابع والمتبوع في عَرَصات القيامة ليشهد بعضهم على بعض.
• ليس كل من يسمع القرآن ينتفع به، فربما يوجد حائل مثل ختم القلب أو الصَّمَم عن الانتفاع أو غير ذلك.
• بيان أن المشركين وإن كانوا يكذبون في الظاهر فهم يستيقنون في دواخلهم بصدق النبي ﵊.
• تسلية النبي ﵊ ومواساته بإعلامه أن هذا التكذيب لم يقع له وحده، بل هي طريقة المشركين في معاملة الرسل السابقين.
стр. 139
٣٦ - إنما يجيبك قابلًا ما جئت به من يسمعون الكلام ويفهمونه، والكفار موتى لا شأن لهم، فقد ماتت قلوبهم، والموتى يبعثهم الله يوم القيامة، ثم إليه وحده يرجعون ليجازيهم على ما قدموا.
٣٧ - وقال المشركون مُتَعَنِّتينَ ومُماطِلين بالإيمان: هلَّا أنزِل على محمد آية خارقة تكون برهانًا من ربه على صدقه فيما جاء به؟ قل -أيها الرسول-: إن الله قادر على تنزيل آية حسبما يريدون، ولكن أكثر هؤلاء المشركين المطالبين بإنزال آية لا يعلمون أن إنزال الآيات يكون وفق حكمته تعالى، وليس وفق ما يطالبون به، فلو أنزلها ثم لم يؤمنوا لأهلكهم.
٣٨ - وما من حيوان يتحرك فوق الأرض، ولا طائر يطير في السماء إلا أجناس مثلكم -يا بني آدم- في الخلق والرزق، ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبتناه، والجميع علمهم عند الله، ثم إلى ربهم وحده يوم القيامة يجمعون لفصل القضاء، فيجازي كلًّا بما يستحقه.
٣٩ - والذين كذبوا بآياتنا مِثْلُ الصم الذين لا يسمعون، والبكم الذين لا يتكلمون، وهم مع ذلك في الظلمات لا يبصرون، فأنى لمن هذه حاله أن يهتدي؟! من يشأ الله إضلاله من الناس يضلله، ومن يشأ هدايته يَهْدِهِ بأن يجعله على طريق مستقيم لا اعوجاج فيه.
٤٠ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني إن جاءكم عذاب من الله أو جاءتكم الساعة التي وُعِدتُّم أنها آتية؛ أتطلبون إذ ذاك غير الله ليكشف ما ينزل بكم من البلاء والشدة، إن كنتم صادقين في ادعاء أن معبوداتكم تجلب نفعًا أو تدفع ضرًّا؟!
٤١ - الحق أنكم لا تدعون إذ ذاك غير الله الذي خلقكم، فيصرف عنكم البلاء، ويرفع عنكم الضر، فهو ولي ذلك والقادر عليه، وأما معبوداتكم التي أشركتموها مع الله فتتركونها؛ لعلمكم أنها لا تنفع ولا تضر.
٤٢ - ولقد بعثنا إلى أمم من قبلك -أيها الرسول- رسلًا فكذبوهم، وأعرضوا عما جاؤوهم به، فعاقبناهم بالشدائد كالفقر وبما يضرّ أبدانهم كالمرض من أجل أن يخضعوا لربهم، ويتذللوا له.
٤٣ - لو أنهم حين جاءهم بلاؤنا تذللوا لله، وخضعوا له ليكشف عنهم البلاء، لرحمناهم لكنهم لم يفعلوا ذلك، بل قست قلوبهم، فلم يعتبروا، ولم يتعظوا، وحَسَّنَ لهم الشيطان ما كانوا يرتكبون من الكفر والمعاصي، فاستمروا على ما كانوا عليه.
٤٤ - فلما تركوا ما وُعِظُوا به من شدة الفقر والمرض، ولم يعملوا بأوامر الله، استدرجناهم بفتح أبواب الرزق عليهمُ وإغنائهم بعد الفقر، وصححنا أجسامهم بعد المرض حتى إذا أصابهم البَطَرُ، واستولى عليهم الإعجاب بما متعوا به جاءهم عذابنا فجأة، فإذا هم متحيرون يائسون مما يأملون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تشبيه الكفار بالموتى؛ لأن الحياة الحقيقية هي حياة القلب بقَبوله الحق واتباعه طريق الهداية.
• من حكمة الله تعالى في الابتلاء: إنزال البلاء على المخالفين من أجل تليين قلوبهم وردِّهم إلى ربهم.
• وجود النعم والأموال بأيدي أهل الضلال لا يدل على محبة الله لهم، وإنما هو استدراج وابتلاء لهم ولغيرهم.
стр. 140
٤٥ - فَقُطِع آخر أهل الكفر باستئصالهم جميعًا بالإهلاك، ونَصْر رسل الله، والشكرُ والثناءُ لله وحده رب العالمين على إهلاكه أعداءه ونصره أولياءه.
٤٦ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني إن أَصَمَّكم الله بسَلْب أسماعكم، وأعماكم بأخذ أبصاركم، وطبع على قلوبكم، فلم تفقهوا شيئًا؛ مَن معبود بحق يأتيكم بما فقدتموه من ذلك؟ تأمل -أيها الرسول- كيف نبين لهم الحجج، وننوع البراهين، ثم هم يعرضون عنها!
٤٧ - قل لهم -أيها الرسول-: أخبروني إن جاءكم عذاب الله فجأة من غير شعور منكم به، أو جاءكم ظاهرًا عيانًا، فإنه لا يُؤخَذ بذلك العذاب إلا الظالمون بكفرهم بالله وتكذيب رسله.
٤٨ - وما نرسل من نرسله من رسلنا إلا لإخبار أهل الإيمان والطاعة بما يسرهم من النعيم المقيم الذي لا ينفد ولا ينقطع، وتخويف أهل الكفر والعصيان من عذابنا الشديد، فمن آمن بالرسل، وأصلح عمله، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه في آخرتهم، ولا هم يحزنون ويتحسرون على ما فاتهم من الحظوظ الدنيوية.
٤٩ - والذين كَذّبُوا بآياتنا يصيبهم العذاب بسبب خروجهم عن طاعة الله.
٥٠ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لا أقول لكم: إن عندي خزائن الله من الرزق فأتصرف فيها بما شئت، ولا أقول لكم: إني أعلم من الغيب إلا ما أطلعني الله عليه من الوحي، ولا أقول لكم: إني ملك من الملائكة، فأنا رسول من الله، لا أتبع إلا ما يُوحِي إلي، ولا أدّعي ما ليس لي، قل -أيها الرسول- لهم: هل يستوي الكافر الذي عَمِيَتْ بصيرته عن الحق، والمؤمن الذي أبصر الحق وآمن به؛ أفلا تتأملون بعقولكم -أيها المشركون- فيما حولكم من الآيات.
٥١ - وخوِّف -أيها الرسول- بهذا القرآن الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم يوم القيامة، ليس لهم ولي غير الله يجلب لهم النفع، ولا شفيع يكشف عنهم الضر، لعلهم يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهؤلاء هم الذين ينتفعون بالقرآن.
٥٢ - ولا تُبْعِدْ -أيها الرسول- عن مجلسك فقراء المسلمين الذين هم في عبادة دائمة لله في أول النهار وآخره مخلصين له العبادة، لا تبعدهم لتستميل أكابر المشركين، ليس عليك من حساب هؤلاء الفقراء شيء، إنما حسابهم عند ربهم، وما عليهم من حسابك شيء، إنك إن أبعدتهم عن مجلسك فإنك تكون من المتجاوزين لحدود الله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأنبياء بشر، ليس لهم من خصائص الربوبية شيء البتة، ومهمتهم التبليغ، فهم لا يملكون تصرفًا في الكون، فلا يعلمون الغيب، ولا يملكون خزائن رزق ونحو ذلك.
• اهتمام الداعية باتباعه وخاصة أولئك الضعفاء الذين لا يبتغون سوى الحق، فعليه أن يقربهم، ولا يقبل أن يبعدهم إرضاء للكفار.
• إشارة الآية إلى أهمية العبادات التي تقع أول النهار وآخره.
стр. 141
٥٣ - وكذلك ابتلينا بعضهم ببعض، فجعلناهم متفاوتين في حظوظهم الدنيوية، ابتليناهم بذلك ليقول الكافرون الأغنياء لفقراء المؤمنين: أهؤلاء الفقراء تفضل الله عليهم بالهداية من بيننا؟! لو كان الإيمان خيرًا ما سبقونا إليه، فنحن أهل السَّبْق. أليس الله بأعلم بالشاكرين لنعمه، فَيُوَفِّقَهُم للإيمان، وأعلم بالكافرين لها فَيَخْذُلَهُم فلا يؤمنون؟! بلى إن الله أعلم بهم.
٥٤ - وإذا جاءك -أيها الرسول- الذين يؤمنون بآياتنا الشاهدة على صدق ما جئت به، فَرُدَّ ﵈ إكرامًا لهم، وبشرهم بسعة رحمة الله، فقد أوجب الله على نفسه الرحمة إيجاب تَفَضُّل، فمن ارتكب منكم معصية في حال جهل وسفهٍ، ثم تاب من بعد ارتكابه لها، وأصلح عمله، فإن الله يغفر له ما ارتكبه، فالله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
٥٥ - وكما بينَّا لك ما ذكر نبين أدلتنا وحججتنا على أهل الباطل، ولإيضاح طريق المجرمين ومنهجهم؛ لاجتنابه والحذر منه.
٥٦ - قل -أيها الرسول-: إني نهاني الله عن عبادة الذين تعبدونهم من دون الله، قل -أيها الرسول-: لا أتبع أهواءكم في عبادة غير الله، فأنا إن اتبعت أهواءكم في ذلك أكون ضالًّا عن طريق الحق، لا أهتدي إليه، وهذا شأن كل من اتبع الهوى دون برهان من الله.
٥٧ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إني على برهان واضح من ربي، لا على هوى، وأنتم كذبتم بهذا البرهان، ليس عندي ما تستعجلون به من العذاب والآيات الخارقة التي طلبتموها، إنما ذلك بيد الله، فليس الحكم -ومن جملته ما طلبتم- إلا لله وحده، يقول الحق ويحكم به، وهو سبحانه خير من بيّن وميّز المُحِقَّ من المُبطِل.
٥٨ - قل -أيها الرسول- لهم: لو كان عندي وفي قبضتي ما تستعجلون به من العذاب لأنزلته بكم، وعند ذلك يُقْضَى الأمر الذي بيني وبينكم، والله أعلم بالظالمين كم يُمْهلهم ومتى يعاقبهم.
٥٩ - وعند الله وحده خزائن الغيب، لا يعلمها غيره، ويعلم كل ما في البر من مخلوقات من حيوان ونبات وجماد، ويعلم ما في البحر من حيوان ونبات، وما تسقط من ورقة في أي مكان، ولا توجد حبة مخبوءة في الأرض، ولا يوجد رطب، ولا يوجد يابس، إلا كان مثبتًا في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الله تعالى يجعل العباد بعضهم فتنة لبعض، فتتفاوت درجاتهم في الرزق وفي الكفر والإيمان، والكفر والإيمان ليس منوطًا بسعة الرزق وضيقه.
• من أخلاق الداعية طلاقة الوجه وإلقاء التحية والتبسط والسرور باصحابه.
• على الداعية اجتناب الأهواء في عقيدته ومنهجه وسلوكه.
• إثبات تفرد الله بعلم الغيب وحده لا شريك له، وسعة علمه في ذلك، وأنه لا يفوته شيء ولا يعزب عنه من مخلوقاته شيء إلا وهو مثبت مدوَّن عنده سبحانه بأدق تفاصيله.
стр. 142
٦٠ - والله هو الذي يقبض أرواحكم عند النوم قبضًا مؤقتًا، وهو الذي يعلم ما كسبتم من الأعمال في النهار وقت نشاطكم، ثم يبعثكم في النهار بعد قبض أرواحكم بالنوم لتقوموا بأعمالكم، حتى تنتهي آجال حياتكم المقدرة عند الله، ثم إليه وحده رجوعكم بالبعث يوم القيامة، ثم يخبركم بما كنتم تعملونه في حياتكم الدنيا، ويجازيكم عليه.
٦١ - والله هو الغالب على عباده؛ المذلِّل لهم، العالي عليهم من كل وجه، الذي خضع له كل شي، فوق عباده فوقية تليق بجلاله ، ويرسل عليكم -أيها الناس- ملائكة كرامًا تُحصي أعمالكم حتى ينتهي أجل أحدكم بقبض ملك الموت وأعوانه روحه، وهم لا يُقَصِّرون فيما أمِرُوا به.
٦٢ - ثم رُدَّ جميع من قُبضَتْ أرواحهم إلى الله مالكهم الحق ليجازيهم على أعمالهم، الذي له القضاء النافذ والحكم العدل فيهم، وهو أسرع من عدّكم وأحصى أعمالكم.
٦٣ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: من ينقذكم ويُسَلِّمُكم من المهالك التي تَلقَونها في ظلمات البر والبحر؟ تدعونه وحده متذللين مُسْتكينين في السر والعلن: لئن سلَّمَنا ربنا من هذه المهالك لنكونن من الشاكرين لنعمه علينا بألا نعبد غيره.
٦٤ - قل لهم -أيها الرسول-: الله هو الذي ينقذكم منها، ويُسَلِّمُكُم من كل كرب، ثم أنتم بعد ذلك تشركون معه غيره في حالة السرّاء، فأي ظلم فوق ما تقومون به؟!
٦٥ - قل لهم -أيها الرسول-: الله هو القادر على أن يرسل عليكم عذابًا يأتيكم من فوقكم مثل الحجارة والصواعق والطوفان، أو يأتيكم من تحتكم مثل الزلازل والخسف، أو يخالف بين قلوبكم، فيتبع كل منكم هواه، فيقاتل بعضكم بعضًا، تأمل -أيها الرسول- كيف ننوع لهم الأدلة والبراهين ونبينها لعلهم يفهمون أن ما جئْتَ به حق، وأن ما عندهم باطل.
٦٦ - وكذب بهذا القرآن قومك، وهو الحق الذي لا مرية في أنه من عند الله، قل لهم -أيها الرسول-: لست موكلًا بالرقابة عليكم، فما أنا إلا منذر لكم بين يدي عذاب شديد.
٦٧ - لكل خبر وقت يستقر فيه، ونهاية ينتهي إليها، ومن ذلك خبر مآلكم وعاقبتكم، فسوف تعلمون ذلك عندما تبعثون يوم القيامة.
٦٨ - وإذا رأيت -أيها الرسول- المشركين يتكلمون في آياتنا بالسخرية والاستهزاء، فابتعد عنهم حتى يدخلوا في حديث خال من السخرية والاستهزاء بآياتنا، وإذا أنساك الشيطان وجلست معهم، ثم تذكرت فغادر مجلسهم ولا تجلس مع هؤلاء المعتدين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إثبات أن النومَ موتٌ، وأن الأرواح تُقْبض فيه، ثم تُرَد عند الاستيقاظ.
• الاستدلال على استحقاق الله تعالى لألوهية بدليل الفطرة، فإن أهل الكفر يؤمنون بالله تعالى ويرجعون لفطرتهم عند الاضطرار والوقوع في المهالك، فيسألون الله تعالى وحده.
• إلزام المشركين بمقتضى سلوكهم، وإقامة الدليل على انقلاب فطرتهم، بكونهم يستغيثون بالله في البحر عند الشدة، ويشركون به حين يسلمهم وينجيهم إلى البر.
• عدم جواز الجلوس في مجالس أهل الباطل واللغو، ومفارقتهم، وعدم العودة لهم إلا في حال إقلاعهم عن ذلك.
стр. 143
٦٩ - وليس على الذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من حساب هؤلاء الظالمين من شيء، وإنما عليهم أن يَنْهَوْهُم عما يرتكبونه من منكر، لعلهم يتقون الله، فيمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه.
٧٠ - ودع -أيها الرسول- هؤلاء المشركين الذين صيَّرُوا دينهم لعبًا وَلَهْوًا يسخرون منه ويستهزئون به، وخدعتهم الحياة الدنيا بما فيها من متع زائلة، وَعِظْ -أيها النبي- الناس بالقرآن حتى لا تُسْلَمَ نفس إلى الهلاك بسبب ما كسبته من سيئات، ليس لها من دون الله حليف تستنصر به، ولا وسيط يمنع عنها عذاب الله يوم القيامة، وإذا افتدت من عذاب الله بأي فداء لا يقبل منها، أولئك الذين أُسْلِمُوا إلى هلاك أنفسهم بسبب ما ارتكبوه من المعاصي لهم يوم القيامة شراب متناهي الحرارة، وعذاب موجع بسبب كفرهم.
٧١ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أنعبد من دون الله أوثانًا لا تملك نفعًا فتنفعنا ولا ضرًّا فتضرنا، ونرتد عن الإيمان بعد أن وفقنا الله له، فنكون مثل الذي أضلَّته الشياطين، فتركته حيران لا يهتدي سبيلًا، وله أصحاب على الطريق المستقيم يدعونه إلى الحق، وهو يمتنع عن إجابتهم إلى ما يدعونه إليه؟ قل لهم -أيها الرسول-: إنَّ هدى الله هو الهدى الحق، وقد أمرنا الله أن ننقاد له بالتزام توحيده وعبادته وحده، فهو رب العالمين.
٧٢ - وقد أَمَرنا بإقامة الصلاة على الوجه الأكمل، وأَمَرنا بتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو وحده الذي يُجْمَع العباد إليه يوم القيامة ليجازيهم على أعمالهم.
٧٣ - وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، يوم يقول الله للشيء: كن فيكون، حين يقول يوم القيامة: قوموا فيقومون، قوله الصدق الذي سيقع لا محالة، وله وحده الملك يوم القيامة حين يَنْفُخُ إسرافيل في القَرْن النفخة الثانية، عالم ما غاب وعالم ما شوهد وهو الحكيم في خلقه وتدبيره، الخبير الذي لا يخفى عليه شيء، فبواطن الأمور عنده كظواهرها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الداعية إلى الله تعالى ليس مسؤولًا عن محاسبة أحد، بل هو مسؤول عن التبليغ والتذكير.
• الوعظ من أعظم وسائل إيقاظ الغافلين والمستكبرين.
• من دلائل التوحيد: أن من لا يملك نفعًا ولا ضرًّا ولا تصرفًا، هو بالضرورة لا يستحق أن يكون إلهًا معبودًا.
стр. 144
٧٤ - واذكر -أيها الرسول- حين قال إبراهيم ﵇ لأبيه المشرك آزر: يا أبت، أتجعل الأصنام آلهة تعبدها من دون الله؟! إني أراك وقومك الذين يعبدون الأوثان في ضلال بَيِّنٍ، وحيرة عن طريق الحق بسبب عبادتكم غير الله، فهو سبحانه المعبود بحق، وغيره معبود بالباطل.
٧٥ - وكما أريناه ضلال أبيه وقومه نريه ملك السماوات والأرض الواسع؛ ليستدل بذلك الملك الواسع على وحدانية الله واستحقاقه العبادة وحده؛ ليكون من الموقنين بأن الله واحد لا شريك له، وأنه قادر على كل شيء.
٧٦ - فحين أظلم عليه الليل، رأى كوكبًا، فقال: هذا ربي، فلما غاب الكوكب قال: لا أحب من يغيب؛ لأن الإله الحق حاضر لا يغيب.
٧٧ - وحين رأى القمر طالعًا قال: هذا ربي، فلما غاب قال: لئن لم يوفقني الله لتوحيده وعبادته وحده لأكونن من القوم البعيدين عن دينه الحق.
٧٨ - وحين رأى الشمس طالعة قال: هذا الطالع ربي، هذا الطالع أكبر من الكوكب ومن القمر، فلما غابت قال: يا قوم، إني بريء مما تشركون مع الله.
ولما تبرأ مما يعبدون من دون الله كأنهم سالوه: ما تعبد إذن؟ فقال:
٧٩ - إني أخلصت ديني للذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، مائلًا عن الشرك إلى التوحيد الخالص، ولست من المشركين الذين يعبدون معه غيره.
٨٠ - وخاصمه قومه المشركون في توحيد الله سبحانه، وخَوَّفُوهُ من أصنامهم، فقال لهم: أتخاصمونني في توحيد الله وإفراده بالعبادة، وقد وفقني ربي إليه، ولست أخاف من أصنامكم، فإنها لا تملك ضُرًّا فَتَضُرَّنِي ولا نفعًا فَتَنْفَعَنِي إلا أن يشاء الله، فما شاء الله كائن، ومع عِلْم الله كلَّ شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، أفلا تتذكرون -يا قوم- ما أنتم عليه من الكفر بالله والشرك به فتؤمنوا بالله وحده؟!
٨١ - وكيف يقع مني خوف لما تعبدون من دون الله من أوثان، ولا يقع منكم أنتم خوف لشرككم بالله حين أشركتم معه ما خلقه دون برهان لكم على ذلك؟! فأي الْجَمْعَيْنِ: جَمْعِ الموحِّدين وجَمْعِ المشركين أولى بالأمن والسلامة؟ إن كنتم تعلمون أَوْلاهما فاتبعوه، وأَوْلاهما -دون ريب- هو جمع المؤمنين الموحدين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستدلال على الربوبية بالنظر في المخلوقات منهج قرآني.
• الدلائل العقلية الصريحة توصل إلى ربوبية الله.
стр. 145
٨٢ - الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما شرع، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، لهم الأمن والسلامة وحدهم دون غيرهم، وهم موفقون، وفقهم ربهم لطريق الهداية.
٨٣ - وتلك الحجة وهي قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ...﴾ التي غلب إبراهيم بها قومه حتى انقطعت حجتهم، هي حجتنا وفَّقْناه لمُحاجَّة قومه بها، وأعطيناه إياها، نرفع من نشاء من عبادنا مراتب في الدنيا والآخرة، إن ربك -أيها الرسول- حكيم في خلقه وتدبيره، عليم بعباده.
٨٤ - ورزقنا إبراهيم ابنه إسحاق وحفيده يعقوب، ووفقنا كلًّا منهما للصراط المستقيم، ووفقنا نوحًا من قبلهم، ووفقنا لطريق الحق من ذرية نوح كلا من داود وابنه سليمان وأيوب ويوسف وموسى وأخيه هارون ﵈، ومثل هذا الجزاء الذي جازينا به الأنبياء على إحسانهم نجازي به المحسنين من غيرهم على إحسانهم.
٨٥ - ووفقنا كذلك كلا من زكريا ويحيى وعيسى بن مريم وإلياس ﵈، وكل هؤلاء الأنبياء من الصالحين اختارهم الله رسلًا.
٨٦ - ووفقنا كذلك إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا ﵈، وكل هؤلاء الأنبياء وعلى رأسهم النبي محمد ﷺ فضلناهم على العالمين.
٨٧ - ووفقنا بعض آبائهم وبعض أبنائهم وبعض إخوانهم ممن شئنا توفيقه، واخترناهم، ووفقناهم لسلوك الطريق المستقيم الذي هو طريق توحيد الله وطاعته.
٨٨ - ذلك الذي حصل لهم من التوفيق هو توفيق الله يوفق له من شاء من عباده، ولو أشركوا مع الله غيره لبطل عملهم؛ لأن الشرك مبطل للعمل الصالح.
٨٩ - أولئك الأنبياء المذكورون هم الذين أعطيناهم الكتب، وأعطيناهم الحكمة، وأعطيناهم النبوة، فإن يكفر قومك بما أعطيناهم من هذه الثلاثة فقد هيأنا لها وأرصدنا قومًا ليسوا بكافرين بها، بل هم مؤمنون مستمسكون بها، وهم المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
٩٠ - أولئك الأنبياء، ومن ذُكِرَ معهم من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، هم أهل الهداية حقًّا، فَاتَّبِعْهُم وتَأسَّ بهم، وقل -أيها الرسول- لقومك: لا أطلب منكم على إبلاغ هذا القرآن جزاء، فالقرآن ليس إلا موعظة للعالمين من الإنس والجن ليسترشدوا به إلى الصراط المستقيم، والطريق الصحيح.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من فضائل التوحيد أنه يضمن الأمن للعبد، خاصة في الآخرة حين يفزع الناس.
• تُقَرِّر الآيات أن جميع من سبق من الأنبياء إنما بَلَّغوا دعوتهم بتوفيق الله تعالى لا بقدرتهم.
• الأنبياء يشتركون جميعًا في الدعوة إلى توحيد الله تعالى مع اختلاف تشريعاتهم في العبادة.
• الاقتداء بالأنبياء سنة محمودة، وخاصة في أصول التوحيد.
следующие страницы →