Полный текст (612 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
٥٣ - وكذلك ابتلينا بعضهم ببعض، فجعلناهم متفاوتين في حظوظهم الدنيوية، ابتليناهم بذلك ليقول الكافرون الأغنياء لفقراء المؤمنين: أهؤلاء الفقراء تفضل الله عليهم بالهداية من بيننا؟! لو كان الإيمان خيرًا ما سبقونا إليه، فنحن أهل السَّبْق. أليس الله بأعلم بالشاكرين لنعمه، فَيُوَفِّقَهُم للإيمان، وأعلم بالكافرين لها فَيَخْذُلَهُم فلا يؤمنون؟! بلى إن الله أعلم بهم.
٥٤ - وإذا جاءك -أيها الرسول- الذين يؤمنون بآياتنا الشاهدة على صدق ما جئت به، فَرُدَّ ﵈ إكرامًا لهم، وبشرهم بسعة رحمة الله، فقد أوجب الله على نفسه الرحمة إيجاب تَفَضُّل، فمن ارتكب منكم معصية في حال جهل وسفهٍ، ثم تاب من بعد ارتكابه لها، وأصلح عمله، فإن الله يغفر له ما ارتكبه، فالله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
٥٥ - وكما بينَّا لك ما ذكر نبين أدلتنا وحججتنا على أهل الباطل، ولإيضاح طريق المجرمين ومنهجهم؛ لاجتنابه والحذر منه.
٥٦ - قل -أيها الرسول-: إني نهاني الله عن عبادة الذين تعبدونهم من دون الله، قل -أيها الرسول-: لا أتبع أهواءكم في عبادة غير الله، فأنا إن اتبعت أهواءكم في ذلك أكون ضالًّا عن طريق الحق، لا أهتدي إليه، وهذا شأن كل من اتبع الهوى دون برهان من الله.
٥٧ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إني على برهان واضح من ربي، لا على هوى، وأنتم كذبتم بهذا البرهان، ليس عندي ما تستعجلون به من العذاب والآيات الخارقة التي طلبتموها، إنما ذلك بيد الله، فليس الحكم -ومن جملته ما طلبتم- إلا لله وحده، يقول الحق ويحكم به، وهو سبحانه خير من بيّن وميّز المُحِقَّ من المُبطِل.
٥٨ - قل -أيها الرسول- لهم: لو كان عندي وفي قبضتي ما تستعجلون به من العذاب لأنزلته بكم، وعند ذلك يُقْضَى الأمر الذي بيني وبينكم، والله أعلم بالظالمين كم يُمْهلهم ومتى يعاقبهم.
٥٩ - وعند الله وحده خزائن الغيب، لا يعلمها غيره، ويعلم كل ما في البر من مخلوقات من حيوان ونبات وجماد، ويعلم ما في البحر من حيوان ونبات، وما تسقط من ورقة في أي مكان، ولا توجد حبة مخبوءة في الأرض، ولا يوجد رطب، ولا يوجد يابس، إلا كان مثبتًا في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الله تعالى يجعل العباد بعضهم فتنة لبعض، فتتفاوت درجاتهم في الرزق وفي الكفر والإيمان، والكفر والإيمان ليس منوطًا بسعة الرزق وضيقه.
• من أخلاق الداعية طلاقة الوجه وإلقاء التحية والتبسط والسرور باصحابه.
• على الداعية اجتناب الأهواء في عقيدته ومنهجه وسلوكه.
• إثبات تفرد الله بعلم الغيب وحده لا شريك له، وسعة علمه في ذلك، وأنه لا يفوته شيء ولا يعزب عنه من مخلوقاته شيء إلا وهو مثبت مدوَّن عنده سبحانه بأدق تفاصيله.
стр. 142
٦٠ - والله هو الذي يقبض أرواحكم عند النوم قبضًا مؤقتًا، وهو الذي يعلم ما كسبتم من الأعمال في النهار وقت نشاطكم، ثم يبعثكم في النهار بعد قبض أرواحكم بالنوم لتقوموا بأعمالكم، حتى تنتهي آجال حياتكم المقدرة عند الله، ثم إليه وحده رجوعكم بالبعث يوم القيامة، ثم يخبركم بما كنتم تعملونه في حياتكم الدنيا، ويجازيكم عليه.
٦١ - والله هو الغالب على عباده؛ المذلِّل لهم، العالي عليهم من كل وجه، الذي خضع له كل شي، فوق عباده فوقية تليق بجلاله ، ويرسل عليكم -أيها الناس- ملائكة كرامًا تُحصي أعمالكم حتى ينتهي أجل أحدكم بقبض ملك الموت وأعوانه روحه، وهم لا يُقَصِّرون فيما أمِرُوا به.
٦٢ - ثم رُدَّ جميع من قُبضَتْ أرواحهم إلى الله مالكهم الحق ليجازيهم على أعمالهم، الذي له القضاء النافذ والحكم العدل فيهم، وهو أسرع من عدّكم وأحصى أعمالكم.
٦٣ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: من ينقذكم ويُسَلِّمُكم من المهالك التي تَلقَونها في ظلمات البر والبحر؟ تدعونه وحده متذللين مُسْتكينين في السر والعلن: لئن سلَّمَنا ربنا من هذه المهالك لنكونن من الشاكرين لنعمه علينا بألا نعبد غيره.
٦٤ - قل لهم -أيها الرسول-: الله هو الذي ينقذكم منها، ويُسَلِّمُكُم من كل كرب، ثم أنتم بعد ذلك تشركون معه غيره في حالة السرّاء، فأي ظلم فوق ما تقومون به؟!
٦٥ - قل لهم -أيها الرسول-: الله هو القادر على أن يرسل عليكم عذابًا يأتيكم من فوقكم مثل الحجارة والصواعق والطوفان، أو يأتيكم من تحتكم مثل الزلازل والخسف، أو يخالف بين قلوبكم، فيتبع كل منكم هواه، فيقاتل بعضكم بعضًا، تأمل -أيها الرسول- كيف ننوع لهم الأدلة والبراهين ونبينها لعلهم يفهمون أن ما جئْتَ به حق، وأن ما عندهم باطل.
٦٦ - وكذب بهذا القرآن قومك، وهو الحق الذي لا مرية في أنه من عند الله، قل لهم -أيها الرسول-: لست موكلًا بالرقابة عليكم، فما أنا إلا منذر لكم بين يدي عذاب شديد.
٦٧ - لكل خبر وقت يستقر فيه، ونهاية ينتهي إليها، ومن ذلك خبر مآلكم وعاقبتكم، فسوف تعلمون ذلك عندما تبعثون يوم القيامة.
٦٨ - وإذا رأيت -أيها الرسول- المشركين يتكلمون في آياتنا بالسخرية والاستهزاء، فابتعد عنهم حتى يدخلوا في حديث خال من السخرية والاستهزاء بآياتنا، وإذا أنساك الشيطان وجلست معهم، ثم تذكرت فغادر مجلسهم ولا تجلس مع هؤلاء المعتدين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إثبات أن النومَ موتٌ، وأن الأرواح تُقْبض فيه، ثم تُرَد عند الاستيقاظ.
• الاستدلال على استحقاق الله تعالى لألوهية بدليل الفطرة، فإن أهل الكفر يؤمنون بالله تعالى ويرجعون لفطرتهم عند الاضطرار والوقوع في المهالك، فيسألون الله تعالى وحده.
• إلزام المشركين بمقتضى سلوكهم، وإقامة الدليل على انقلاب فطرتهم، بكونهم يستغيثون بالله في البحر عند الشدة، ويشركون به حين يسلمهم وينجيهم إلى البر.
• عدم جواز الجلوس في مجالس أهل الباطل واللغو، ومفارقتهم، وعدم العودة لهم إلا في حال إقلاعهم عن ذلك.
стр. 143
٦٩ - وليس على الذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من حساب هؤلاء الظالمين من شيء، وإنما عليهم أن يَنْهَوْهُم عما يرتكبونه من منكر، لعلهم يتقون الله، فيمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه.
٧٠ - ودع -أيها الرسول- هؤلاء المشركين الذين صيَّرُوا دينهم لعبًا وَلَهْوًا يسخرون منه ويستهزئون به، وخدعتهم الحياة الدنيا بما فيها من متع زائلة، وَعِظْ -أيها النبي- الناس بالقرآن حتى لا تُسْلَمَ نفس إلى الهلاك بسبب ما كسبته من سيئات، ليس لها من دون الله حليف تستنصر به، ولا وسيط يمنع عنها عذاب الله يوم القيامة، وإذا افتدت من عذاب الله بأي فداء لا يقبل منها، أولئك الذين أُسْلِمُوا إلى هلاك أنفسهم بسبب ما ارتكبوه من المعاصي لهم يوم القيامة شراب متناهي الحرارة، وعذاب موجع بسبب كفرهم.
٧١ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أنعبد من دون الله أوثانًا لا تملك نفعًا فتنفعنا ولا ضرًّا فتضرنا، ونرتد عن الإيمان بعد أن وفقنا الله له، فنكون مثل الذي أضلَّته الشياطين، فتركته حيران لا يهتدي سبيلًا، وله أصحاب على الطريق المستقيم يدعونه إلى الحق، وهو يمتنع عن إجابتهم إلى ما يدعونه إليه؟ قل لهم -أيها الرسول-: إنَّ هدى الله هو الهدى الحق، وقد أمرنا الله أن ننقاد له بالتزام توحيده وعبادته وحده، فهو رب العالمين.
٧٢ - وقد أَمَرنا بإقامة الصلاة على الوجه الأكمل، وأَمَرنا بتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو وحده الذي يُجْمَع العباد إليه يوم القيامة ليجازيهم على أعمالهم.
٧٣ - وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، يوم يقول الله للشيء: كن فيكون، حين يقول يوم القيامة: قوموا فيقومون، قوله الصدق الذي سيقع لا محالة، وله وحده الملك يوم القيامة حين يَنْفُخُ إسرافيل في القَرْن النفخة الثانية، عالم ما غاب وعالم ما شوهد وهو الحكيم في خلقه وتدبيره، الخبير الذي لا يخفى عليه شيء، فبواطن الأمور عنده كظواهرها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الداعية إلى الله تعالى ليس مسؤولًا عن محاسبة أحد، بل هو مسؤول عن التبليغ والتذكير.
• الوعظ من أعظم وسائل إيقاظ الغافلين والمستكبرين.
• من دلائل التوحيد: أن من لا يملك نفعًا ولا ضرًّا ولا تصرفًا، هو بالضرورة لا يستحق أن يكون إلهًا معبودًا.
стр. 144
٧٤ - واذكر -أيها الرسول- حين قال إبراهيم ﵇ لأبيه المشرك آزر: يا أبت، أتجعل الأصنام آلهة تعبدها من دون الله؟! إني أراك وقومك الذين يعبدون الأوثان في ضلال بَيِّنٍ، وحيرة عن طريق الحق بسبب عبادتكم غير الله، فهو سبحانه المعبود بحق، وغيره معبود بالباطل.
٧٥ - وكما أريناه ضلال أبيه وقومه نريه ملك السماوات والأرض الواسع؛ ليستدل بذلك الملك الواسع على وحدانية الله واستحقاقه العبادة وحده؛ ليكون من الموقنين بأن الله واحد لا شريك له، وأنه قادر على كل شيء.
٧٦ - فحين أظلم عليه الليل، رأى كوكبًا، فقال: هذا ربي، فلما غاب الكوكب قال: لا أحب من يغيب؛ لأن الإله الحق حاضر لا يغيب.
٧٧ - وحين رأى القمر طالعًا قال: هذا ربي، فلما غاب قال: لئن لم يوفقني الله لتوحيده وعبادته وحده لأكونن من القوم البعيدين عن دينه الحق.
٧٨ - وحين رأى الشمس طالعة قال: هذا الطالع ربي، هذا الطالع أكبر من الكوكب ومن القمر، فلما غابت قال: يا قوم، إني بريء مما تشركون مع الله.
ولما تبرأ مما يعبدون من دون الله كأنهم سالوه: ما تعبد إذن؟ فقال:
٧٩ - إني أخلصت ديني للذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، مائلًا عن الشرك إلى التوحيد الخالص، ولست من المشركين الذين يعبدون معه غيره.
٨٠ - وخاصمه قومه المشركون في توحيد الله سبحانه، وخَوَّفُوهُ من أصنامهم، فقال لهم: أتخاصمونني في توحيد الله وإفراده بالعبادة، وقد وفقني ربي إليه، ولست أخاف من أصنامكم، فإنها لا تملك ضُرًّا فَتَضُرَّنِي ولا نفعًا فَتَنْفَعَنِي إلا أن يشاء الله، فما شاء الله كائن، ومع عِلْم الله كلَّ شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، أفلا تتذكرون -يا قوم- ما أنتم عليه من الكفر بالله والشرك به فتؤمنوا بالله وحده؟!
٨١ - وكيف يقع مني خوف لما تعبدون من دون الله من أوثان، ولا يقع منكم أنتم خوف لشرككم بالله حين أشركتم معه ما خلقه دون برهان لكم على ذلك؟! فأي الْجَمْعَيْنِ: جَمْعِ الموحِّدين وجَمْعِ المشركين أولى بالأمن والسلامة؟ إن كنتم تعلمون أَوْلاهما فاتبعوه، وأَوْلاهما -دون ريب- هو جمع المؤمنين الموحدين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستدلال على الربوبية بالنظر في المخلوقات منهج قرآني.
• الدلائل العقلية الصريحة توصل إلى ربوبية الله.
стр. 145
٨٢ - الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما شرع، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، لهم الأمن والسلامة وحدهم دون غيرهم، وهم موفقون، وفقهم ربهم لطريق الهداية.
٨٣ - وتلك الحجة وهي قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ...﴾ التي غلب إبراهيم بها قومه حتى انقطعت حجتهم، هي حجتنا وفَّقْناه لمُحاجَّة قومه بها، وأعطيناه إياها، نرفع من نشاء من عبادنا مراتب في الدنيا والآخرة، إن ربك -أيها الرسول- حكيم في خلقه وتدبيره، عليم بعباده.
٨٤ - ورزقنا إبراهيم ابنه إسحاق وحفيده يعقوب، ووفقنا كلًّا منهما للصراط المستقيم، ووفقنا نوحًا من قبلهم، ووفقنا لطريق الحق من ذرية نوح كلا من داود وابنه سليمان وأيوب ويوسف وموسى وأخيه هارون ﵈، ومثل هذا الجزاء الذي جازينا به الأنبياء على إحسانهم نجازي به المحسنين من غيرهم على إحسانهم.
٨٥ - ووفقنا كذلك كلا من زكريا ويحيى وعيسى بن مريم وإلياس ﵈، وكل هؤلاء الأنبياء من الصالحين اختارهم الله رسلًا.
٨٦ - ووفقنا كذلك إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا ﵈، وكل هؤلاء الأنبياء وعلى رأسهم النبي محمد ﷺ فضلناهم على العالمين.
٨٧ - ووفقنا بعض آبائهم وبعض أبنائهم وبعض إخوانهم ممن شئنا توفيقه، واخترناهم، ووفقناهم لسلوك الطريق المستقيم الذي هو طريق توحيد الله وطاعته.
٨٨ - ذلك الذي حصل لهم من التوفيق هو توفيق الله يوفق له من شاء من عباده، ولو أشركوا مع الله غيره لبطل عملهم؛ لأن الشرك مبطل للعمل الصالح.
٨٩ - أولئك الأنبياء المذكورون هم الذين أعطيناهم الكتب، وأعطيناهم الحكمة، وأعطيناهم النبوة، فإن يكفر قومك بما أعطيناهم من هذه الثلاثة فقد هيأنا لها وأرصدنا قومًا ليسوا بكافرين بها، بل هم مؤمنون مستمسكون بها، وهم المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
٩٠ - أولئك الأنبياء، ومن ذُكِرَ معهم من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، هم أهل الهداية حقًّا، فَاتَّبِعْهُم وتَأسَّ بهم، وقل -أيها الرسول- لقومك: لا أطلب منكم على إبلاغ هذا القرآن جزاء، فالقرآن ليس إلا موعظة للعالمين من الإنس والجن ليسترشدوا به إلى الصراط المستقيم، والطريق الصحيح.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من فضائل التوحيد أنه يضمن الأمن للعبد، خاصة في الآخرة حين يفزع الناس.
• تُقَرِّر الآيات أن جميع من سبق من الأنبياء إنما بَلَّغوا دعوتهم بتوفيق الله تعالى لا بقدرتهم.
• الأنبياء يشتركون جميعًا في الدعوة إلى توحيد الله تعالى مع اختلاف تشريعاتهم في العبادة.
• الاقتداء بالأنبياء سنة محمودة، وخاصة في أصول التوحيد.
стр. 146
٩١ - وما عَظَّمَ المشركون الله حق تعظيمه حين قالوا لنبيه محمد ﷺ : ما أنزل الله على بشر شيئًا من الوحي، قل لهم -أيها الرسول-: من الذي أنزل التوراة على موسى نورًا وهداية وإرشادًا لقومه؟ يجعلها اليهود في دفاتر يظهرون منها ما يوافق أهواءهم، ويكتمون ما يخالفها كصفة محمد ﷺ ، وعُلِّمْتُم أنتم -أيها العرب- من القرآن ما لم تعلموا أنتم ولا أسلافكم من قبل، قل لهم -أيها الرسول-: أنزلها الله، ثم اتركهم في جهلهم وضلالهم حتى يأتيهم اليقين.
٩٢ - وهذا القرآن كتاب أنزلناه عليك -أيها النبي- وهو كتاب مبارك مصدق لما سبقه من الكتب السماوية، لتنذر به أهل مكة وسائر الناس في مشارق الأرض ومغاربها حتى يهتدوا، والذين يؤمنون بالحياة الآخرة ويؤمنون بهذا القرآن، ويعملون بما فيه، ويحافظون على صلاتهم بإقامة أركانها وفروضها ومستحباتها في أوقاتها المحددة لها شرعًا.
٩٣ - لا أحد أعظم ظلمًا ممن اختلق على الله كذبًا بأن قال: ما أنزل الله على بشر من شيء, أو قال كذبًا: إن الله أوحى إليه، والله لم يوح إليه شيئًا، أو قال: سأنزل مثل ما أنزل الله من القرآن، ولو ترى -أيها الرسول- حين تصيب هؤلاء الظالمين سكرات الموت، والملائكة باسطو أيديهم إليهم بالتعذيب والضرب، يقولون لهم على سبيل التعنيف: أَخرجوا أنفسكم، فنحن نقبضها، في هذا اليوم تجزون عذابًا يهينكم ويذلكم بسبب ما كنتم تقولون على الله من الكذب بادعاء النبوة والوحي وإنزال مثل ما أنزل الله، وبسبب تكبركم عن الإيمان بآياته، لو ترى ذلك لرأيت أمرًا فظيعًا.
٩٤ - ويقال لهم يوم البعث: ولقد أتيتمونا في هذا اليوم أفرادًا، لا مال معكم ولا رئاسة، كما أنشأناكم أول مرة حُفاة عراة غُرْلًا، وتركتم ما أعطيناكم من ذلك خلفكم في الدنيا رغمًا عنكم، وما نرى اليوم معكم آلهتكم الذين زعمتم أنهم وسطاء لكم، وزعمتم أنهم شركاء لله في استحقاق العبادة، لقد تقطع الوِصَال بينكم، وذهب عنكم ما كنتم تزعمون من شفاعتهم، وأنهم شركاء لله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إنزال الكتب على الأنبياء هو سُنَّة الله في المرسلين، والنبي ﵊ واحد منهم.
• أعظم الناس كذبًا وفرية هو الذي يكذب على الله تعالى، فينسب أو ينفي ويثبت في حق الله تعالى أمرًا ليس عليه دليل صحيح.
• كل أحد يبعث يوم القيامة فردًا متجردًا عن المناصب والألقاب، فقيرًا، ويحاسب وحده.
стр. 147
إن الله وحده هو الذي يشق الحب فيخرج منه الزرع، ويشق النوى فمخرج منه النخل يخرج الحي من الميت؛ إذ يخرج الإنسان وسائر الحيوان من النطفة، ويخرج الميت من الحي؛ إذ يخرج النطفة من الإنسان والبيضة من الدجاج، ذلكم الذي يصنع هذا هو الله الذي خلقكم، فكيف تُصرفون -أيها المشركون- عن الحق مع ما تشاهدونه من بديع صنعه؟!
٩٦ - وهو الذي يشق ضوء الصباح من ظلمة الليل، وهو الذي جعل الليل سكنًا للناس يسكنون فيه عن الحركة لطلب المعاش؛ ليستريحوا من تعبهم في طلبه في النهار، وهو الذي جعل الشمس والقمر يجريان بحساب مُقَدَّر، ذلك المذكور من بديع الصنْع هو تقدير العزيز الذي لا يغالبه أحد، العليم بخلقه وما يصلح لهم.
٩٧ - وهو الذي خلق لكم -يا بني آدم- النجوم في السماء لتهتدوا بها في أسفاركم إذا اشتبهت عليكم الطرق في البر والبحر، قد بيَّنا الأدلة والبراهين الدالة على قدرتنا، لقوم يتدبرون تلك الأدلة والبراهين فيستفيدون منها.
٩٨ - وهو الذي خلقكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم، فقد بدأ خلقكم بخلق أبيكم من طين، ثم خلقكم منه، وخلق لكم ما تستقرون فيه، كأرحام أمهاتكم، ومُسْتَودعًا تُسْتَوْدَعُونَ فيه، كأصلاب آبائكم، قد بيَّنا الآيات لقوم يفهمون كلام الله.
٩٩ - وهو الذي أنزل من السماء ماء هو ماء المطر، فأنبتنا به كل صنف من أصناف النبات، فأخرجنا من النبات زرعًا وشجرًا أخضر، نخرج منه حبًّا يركلب بعضه بعضًا كما يقع في السنابل، ومن طَلْع النخل تخرج عذوقه قريبة ينالها القائم والقاعد، وأخرجنا بساتين من العنب، وأخرجنا الزيتون والرمان متماثلًا ورقهما، مختلفًا ثمرهما، انظروا -أيها الناس- إلى ثمره أول ما يبدو، إليه حين ينضج، إن في ذلكم -أيها الناس- لأدلة واضحة على قدرة الله لقوم يؤمنون بالله، فهم الذين يستفيدون من هذه الأدلة والبراهين.
١٠٠ - وصَيَّرَ المشركون الجن شركاء لله في العبادة حين اعتقدوا أنها تنفع وتضر، وقد أوجدهم الله، ولم يخلقهم غيره، فهو أولى بأن يُعبَدَ، واختلقوا بنين كما فعلت اليهود بعُزَير، والنصارى بعيسى، وبنات كما فعل المشركون بالملائكة، تنزَّهَ وتقدَّسَ عما يصفه به أهل الباطل.
١٠١ - وهو خالق السماوات وخالق الأرض على غير مثال سابق، كيف يكون له ولد ولم تكن له زوجة؟! وهو قد خلق كل شيء، وهو بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستدلال ببرهان الخلق والرزق (تخليق النبات ونموه وتحول شكله وحجمه ونزول المطر) وببرهان الحركة (حركة الأفلاك وانتظام سيرها وانضباطها)؛ وكلاهما ظاهر مشاهَد -على انفراد الله بالربوبية واستحقاق الألوهية.
• بيان ضلال وسخف عقول المشركين في عبادتهم للجن.
стр. 148
١٠٢ - ذلكم -أيها الناس- المتصف بتلك الصفات هو ربكم، فلا رب لكم غيره، ولا معبود بحق غيره، وهو موجد كل شيء، فاعبدوه, وحده، فهو المستحق للعبادة، وهو على كل شيء حفيظ.
١٠٣ - لا تحيط به الأبصار، وهو سبحانه يدرك الأبصار، ويحيط بها، وهو اللطيف بعباده الصالحين، الخبير بهم.
١٠٤ - قد جاءكم -أيها الناس- حجج واضحة وبراهين جلية من ربكم، فمن تَعَقَّلَها وأذعن فَنَفْعُ ذلك يعود إليه، ومن عمي عنها، ولم يَتَعَقّلْها، ولم يُذْعِن لها، فضرر ذلك مقصور عليه، ولست عليكم رقيبًا، أحصي أعمالكم، إنما أنا رسول من ربي، وهو الرقيب عليكم.
١٠٥ - وكما نَوَّعنا الأدلة والبراهين على قدرة الله نُنوِّع الآيات في الوعد والوعيد والوعظ، وسيقول المشركون: ليس هذا وحيًا، وإنما دَرَسْتَهُ عن أهل الكتاب من قبلك. ولنُبيِّن الحق للناس بتنويعنا لهذه الآيات للمؤمنين من أمة محمد ﷺ ، فهم الذين يقبلون الحق، ويتبعونه.
١٠٦ - اتبع -أيها الرسول- ما يوحيه إليك ربك من الحق، فهو سبحان لا معبود بحق غيره، ولا تشغل قلبك بالكافرين وعنادهم، فأمرهم إلى الله.
١٠٧ - ولو شاء الله ألا يشركوا به أحدًا ما أشركوا به أحدًا، وما جعلناك -أيها الرسول- رقيبًا تحصي عليهم أعمالهم، ولست عليهم بقيِّم، إنما أنت رسول الله وما عليك إلا البلاغ.
١٠٨ - ولا تسبوا -أيها المؤمنون- الأصنام التي يعبدها المشركون مع الله، وإن كانت أحقر شيء وأولاه بالسب؛ حتى لا يسب المشركون الله تطاولًا عليه، وجهلًا بما يليق به سبحانه، وكما زُيِّن لهؤلاء ما هم عليه من الضلال زَيَّنا لكل أمة عملهم، خيرًا كان أو شرًّا، فَأتَوْا ما زَيَّنا لهم منه، ثم إلى ربهم مرجعهم يوم القيامة، فيخبرهم بما كانوا يعملون في الدنيا، ويجازيهم عليه.
١٠٩ - وأقسم المشركون بالله أشد أيمانهم التي يقدرون عليها: لئن جاءهم محمد بآية من الآيات التي اقترحوها ليؤمِنُنَّ بها، قل لهم -أيها الرسول-: الآيات ليست عندي فأنزلها، إنما هي عند الله ينزلها متى شاء، وما يدريكم -أيها المؤمنون- أن هذه الآيات إذا جاءت وفق ما اقترحوه لا يؤمنون؛ بل يبقون على عنادهم وجحودهم؛ لأنهم لا يريدون الهداية.
١١٠ - ونُقَلِّب أفئدتهم وأبصارهم بالحيلولة بينها وبين الاهتداء للحق، كما حُلْنَا بينهم وبين الإيمان بالقرآن أول مرة بسبب عنادهم، ونتركهم في ضلالهم وتمردهم على ربهم حيارى يتخبطون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تنزيه الله تعالى عن الظلم الذي ترسِّخُه عقيدة (الجَبْر)، وبيان أن كفر العباد وشركهم أمر يحدث باختيارهم.
• ليس بمقدور نبي من الأنبياء أن يأتي بآية من عند نفسه، أو متى شاء، بل ذلك أمر مردود لله تعالى، فهو القادر وحده على ذلك، وهو الحكيم الذي يُقَدِّر نوع الآية ووقت إظهارها.
• النهي عن سب آلهة المشركين حذرًا من مفسدة أكبر وهي التعدي بالسب على جناب رب العالمين.
• قد يحول الله بين العبد والهداية، ويُصرِّف بصره وقلبه على غير الطاعة؛ عقوبة له على اختياره الكفر.
стр. 149
١١١ - ولو أننا أجبناهم بالإتيان بما اقترحوه، فنزلنا عليهم الملائكة وشاهدوهم، وكلمهم الموتى، وأخبروهم بصدقك فيما جئت به، وجمعنا لهم كل شيء مما اقترحوه يواجهونه معاينة؛ ما كانوا ليؤمنوا بما جئت به، إلا من شاء الله له الهداية منهم، ولكن أكثرهم يجهلون ذلك، فلا يلجؤون إلى الله ليوفقهم للهداية.
١١٢ - وكما ابتليناك بمعاداة هؤلاء المشركين لك ابتلينا كل نبي من قبلك، فجعلنا لكل واحد منهم أعداء من مَرَدَة الإنس، وأعداء من مَرَدَة الجن، يوسوس بعضهم لبعض فيزينون لهم الباطل ليخدعوهم، ولو شاء الله ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه، ولكنه شاء لهم ذلك ابتلاء، فاتركهم وما يفترون من الكفر والباطل، ولا تعبأ بهم.
١١٣ - ولِتَميل إلى ما يوسوس به بعضهم لبعض، قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليقبلوه لأنفسهم، ويرتضوه لها، وليكتسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي والآثام.
١١٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين الذين يعبدون مع الله غيره: هل يعقل أن أقبل غير الله حكمًا بيني وبينكم؟ فالله هو الذي أنزل عليكم القرآن مُبينًا مُسْتوفِيًا لكل شيء، واليهود الذين أعطينا هم التوراة، والنصارى الذين أعطيناهم الإنجيل، يعلمون أن القرآن مُنزَّل عليك مشتملًا على الحق، لما وجدوه في كتابيهما من الدليل على ذلك، فلا تكونن من الشاكِّين فيما أوحينا إليك.
١١٥ - وبَلَغَ القرآنُ غاية الصدق في الأقوال والأخبار، لا مُغيِّر لكلماته، وهو السميع لأقوال عباده، العليم بها، فلا يخفى عليه شيء منها، وسيجازي من يسعى لتبديل كلماته.
١١٦ - ولو قُدِّر أنك أطعت -أيها الرسول- أكثر من في الأرض من الناس يضلونك عن دين الله، فقد جرت سُنَّة الله أن يكون الحق مع القلة، فأكثر الناس لا يتبعون إلا الظن الذي لا مستند له، حيث ظنوا أن معبوداتهم تقربهم إلى الله زُلفَى، وهم يكذبون في ذلك.
١١٧ - إن ربك -أيها الرسول- أعلم بمن يضل عن سبيله من الناس، وهو أعلم بالمهتدين إليها، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
١١٨ - فكلوا -أيها الناس- مما ذُكِر اسم الله عليه عند الذبح، إن كنتم مؤمنين حقًّا ببراهينه الواضحة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الهدف الأعظم للعبد اتباع الحق، ويطلبه بالطرق التي بينها الله، ويعمل بذلك، ويرجو عون ربه في اتباعه، ولا يتكل على نفسه وحوله وقوته.
• من إنصاف القرآن للقلة المؤمنة العالمة إسناده الجهل والضلال إلى أكثر الخلق.
• من سنّته تعالى في الخلق ظهور أعداء من الإنس والجنّ للأنبياء وأتباعهم؛ لأنّ الحقّ يعرف بضدّه من الباطل.
• القرآن صادق في أخباره، عادل في أحكامه، يُعْثَر في أخباره على ما يخالف الواقع، ولا في أحكامه على ما يخالف الحق.
стр. 150
١١٩ - ما الذي يمنعكم -أيها المؤمنون- من أن تأكلوا مما ذكِر اسمُ الله عليه، وقد بيَّن لكم الله ما حرمه عليكم، فيجب عليكم تركه، إلا إذا ألجأتكم إليه الضرورة، فالضرورة تبيح المحظور، وإن كثيرًا من المشركين ليبعدون أتباعهم عن الحق بسبب آرائهم الفاسدة جهلًا منهم، حيث يُحِلُّون ما حرَّم الله عليهم من الميتة وغيرها، ويحرِّمون ما أحل الله لهم من البَحِيرة والوَصِيلة والحامي وغيرها، إن ربك -أيها الرسول- هو أعلم بالمتجاوزبن لحدود الله، وسيجازيهم على تجاوزهم لحدوده.
١٢٠ - واتركوا -أيها الناس- ارتكاب المعاصي في العلانية والسر، إن الذين يرتكبون المعاصي في السر أو العلانية، سيجزيهم الله على ما اكتسبوه منها.
١٢١ - ولا تأكلوا -أيها المسلمون- مما لم يُذكر اسم الله عليه، سواء ذُكِر عليه اسم غيره أو لا أن الأكل منه لخُروج عن طاعة الله إلى معصيته، وإن الشياطين ليُوسْوِسون إلى أوليائهم بإلقاء الشُّبَه ليجادلوكم في أكل الميتة، وإن أطعتموهم -أيها المسلمون- فيما يلقونه من الشُّبَه -لإباحة الميتة- كنتم أنتم وهم سواء في الشرك.
١٢٢ - وهل يستوي الذي كان قبل هداية الله له ميتًا -لما هو فيه من الكفر والجهل والمعاصي- فأحييناه بهدايته للإيمان والعلم والطاعة-: مع من هو في ظلمات الكفر والجهل والمعاصي لا يستطيع الخروج منها، قد التبست عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك؟! كما حُسِّن لهؤلاء المشركين ما هم عليه من الشرك وأكل الميتة والجدال بالباطل حُسِّن للكافرين ما كانوا يعملون من المعاصي ليجازوا عليها يوم القيامة بالعذاب الأليم.
١٢٣ - ومثل ما حصل من أكابر المشركين في مكة من صدٍّ عن سبيل الله، جعلنا في كل قرية رؤساء وعظماء يعملون حيلهم وكيدهم في الدعوة إلى سبيل الشيطان ومحاربة الرسل وأتباعهم، والواقع أن مكرهم وكيدهم إنما يعود عليهم، ولكنهم لا يحسون بذلك لجهلهم واتباع أهوائهم.
١٢٤ - وإذا جاءت كُبراءَ الكفار آيةٌ من الآيات التي ينزلها الله على نبيه، قالوا: لن نؤمن حتى يعطينا الله مثل ما أعطى الأنبياء من النبوة والرسالة، فردَّ الله عليهم بأنه أعلم بمن هو صالح للرسالة والقيام بأعبائها، فيختصه بالنبوة والرسالة. سينال هؤلاء الطغاة ذلٌّ وإهانة لتكبُّرهم عن الحق، وعذاب شديد بسبب مكرهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة، وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها فإنه باق على الإباحة.
• كل من تكلم في الدين بما لا يعلمه، أو دعا الناس إلى شيء لا يعلم أنه حق أو باطل، فهو معتدٍ ظالم لنفسه وللناس، وكذلك كل من أفتى وليس هو بكفء للإفتاء.
• منفعة المؤمن ليست مقتصرة على نفسه، بل مُتَعدِّية لغيره من الناس.
стр. 151
١٢٥ - فمن يرد الله أن يوفقه إلى طريق الهداية يفسح صدره ويهيئه لقبول الإسلام، ومن يرد أن يخذله ولا يوفِّقه للهداية يجعل صدره شديد الضيق عن قبول الحق، بحيث يمتنع دخول الحق إلى قلبه كامتناع ارتقائه إلى السماء وعجزه عن ذلك بذاته، وكما جعل الله حال الضال بهذه الحال من الضيق الشديد يجعل العذاب على الذين لا يؤمنون به.
١٢٦ - وهذا الدين الذي شرعناه لك -أيها الرسول- هو صراط الله المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، قد بيَّنا الآيات لمن له وَعْي وفهم يَعِي به عن الله.
١٢٧ - لهم دار يَسْلَمُون فيها من كل مكروه وهي الجنة، والله ناصرهم ومؤيدهم جزاءً على ما كانوا يعملون من الصالحات.
١٢٨ - واذكر -أيها الرسول- يوم يحشر الله الثَّقَلَيْن من الإنس والجن، ثم يقول الله: يا معشر الجن، قد أكثرتم من إضلال الإنس وصدهم عن سبيل الله، وقال أتباعهم من الإنس مجيبين ربهم: يا ربنا، تَمَتَّع كل منا بصاحبه، فالجني تمَتَّع بطاعة الإنسي له، والإنسي تَمَتَّع بنيل شهواته، وبلغنا الأجل الذي أجَّلت لنا، فهذا يوم القيامة، قال الله: النار مُسْتَقَرُّكم خالدين فيها إلا ما شاء الله من قَدْرِ مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار، إن ربك -أيها الرسول- حكيم في تقديره وتدبيره، عليم بعباده، وبمن يستحق منهم العذاب.
١٢٩ - وكما وَلَّينا المَرَدَة من الجن، وسَلَّطناهم على بعض الناس ليضلوهم، نولي كل ظالم ظالمًا يحثه على الشر ويحضه عليه، وينفِّره عن الخير، ويزهِّده فيه؛ جزاءً لهم على ما كانوا يكسبون من المعاصي.
١٣٠ - ونقول لهم يوم القيامة: يا معشر الإنس والجن، ألم يأتكم رسل من جنسكم -فهم من الإنس- يتلون عليكم ما أنزل الله عليهم، ويخوِّفونكم لقاء يومكم هذا الذي هو يوم القيامة؟ قالوا: بلى، أقررنا اليوم على أنفسنا بأن رسلك قد بلّغونا، وأقررنا بلقاء هذا اليوم، لكن كذبنا رسلك، وكذبنا بلقاء هذا اليوم. وخدعتهم الحياة الدنيا بما فيها من زينة وزُخْرف ونعيم زائل، وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا في الدنيا كافرين بالله وبرسله، ولن ينفعهم هذا الإقرار ولا الإيمان؛ لفوات وقته.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سُنَّة الله في الضلال والهداية أنهما من عنده تعالى، أي بخلقه وإيجاده، وهما من فعل العبد باختياره بعد مشيئة الله.
• ولاية الله للمؤمنين بحسب أعمالهم الصالحة، فكلما زادت أعمالهم الصالحة زادت ولايته لهم والعكس.
• من سُنَّة الله أن يولي كل ظالم ظالمًا مثله، يدفعه إلى الشر ويحثه عليه، ويزهِّده في الخير وينفِّره عنه.
стр. 152
١٣١ - ذلك الإعذار بإرسال الرسل إلى الإنس والجن لئلا يُعاقَب أحدٌ على ما جناه وهو لم يُرْسَل إليه رسول، ولم تبلغه دعوة، فلم نعذب أمة من الأمم إلا بعد إرسال الرسل إليهم.
١٣٢ - ولكل منهم درجات بحسب أعمالهم، فلا يستوي كثير الشر وقليله، التابع والمتبوع، كما لا يستوي ثواب الذين يعملون الصالحات، وليس ربك بغافل عما كانوا يعملونه، بل هو مطلع عليه، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيهم على أعمالهم.
١٣٣ - وربُّك -أيها الرسول- هو الغني عن عباده، فلا يحتاج إليهم، ولا إلى عبادتهم، ولا يضره كفرهم، ومع غناه عنهم فهو ذو رحمة بهم، إن يشأ إهلاككم -أيها العباد العُصاة- يَسْتَأْصِلْكم بعذاب من عنده، ويوجد بعد إهلاككم من يشاء ممن يؤمنون به ويطيعونه، كما خلقكم أنتم من نسل قوم آخرين كانوا قبلكم.
١٣٤ - إن ما توعدون به -أيها الكفار- من البعث والنشور والحساب والعقاب لآتٍ لا مَحَالة، ولن تفوتوا ربكم بالهرب، فهو آخذ بنواصيكم، ومعذبكم بعذابه.
١٣٥ - قل -أيها الرسول-: يا قوم اثبتوا على طريقتكم وما أنتم عليه من الكفر والضلال، فقد أعذرت وأقمت الحجة عليكم بالبلاغ المبين، فلست مباليًا بكفركم وضلالكم، بل سأثبت على ما أنا عليه من الحق، فستعلمون من يكون له النصر في الدنيا، ومن يرث الأرض، ومن له الدار الآخرة، إنه لا يفوز المشركون لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل عاقبتهم الخسران، وإن تمتعوا بما تمتعوا به في الدنيا.
١٣٦ - وابتدع المشركون بالله أن جعلوا لله مما خلق من الزروع والأنعام قِسْمًا، فزعموا أنه لله، وقِسْمًا آخر لأوثانهم وأنصابهم، فما خصَّصوه لشركائهم لا يصل إلى المصارف التي شرع الله الصرف فيها كالفقراء والمساكين، وما خصَّصوه لله فهو يصل إلى شركائهم من الأوثان يصرف في مصالحها، ألا ساء حكمهم وقسمتهم.
١٣٧ - وكما حسَّن الشيطان للمشركين هذا الحكم الجائر حسَّن لكثير من المشركين شركاؤهم من الشياطين أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر؛ ليهلكوهم بالوقوع في قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بحق، وليخلطوا عليهم دينهم فلا يعرفون ما هو مشروع وما هو غير مشروع، ولو شاء الله ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه، ولكنه شاء ذلك لحكمة بالغة، فاترك -أيها الرسول- هؤلاء المشركين وافتراءهم الكذب على الله، فإن ذلك لا يضرك، وسلِّم أمرهم لله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تفاوت مراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات يوجب تفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب.
• ذَمَّ الله المشركين بسبع صفات هي: الخسران والسفاهة وعدم العلم وتحريم ما رزقهم الله والافتراء على الله والضلال وعدم الاهتداء؛ فهذه أمور سبعة، وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم.
• اتباع الشيطان موجب لانحراف الفطرة حتى تصل لاستحسان القبيح مثل قتل الأولاد ومساواة أصنامهم بالله .
стр. 153
١٣٨ - وقال المشركون: هذه أنعام وزروع ممنوعة لا يأكل منها إلا من يشاؤون بزعمهم وافترائهم من خدَّام الأوثان وغيرهم، وهذه أنعام حُرِّمت ظهورها؛ فلا تُرْكَب، ولا يُحْمَل عليها، وهي البَحِيرة والسائبة والحامي، وهذه أنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذبحونها باسم أصنامهم؛ ارتكبوا ذلك كله كذبًا على الله أن ذلك من عنده، سيجزيهم الله بعذابه بسبب ما كانوا يفترون عليه.
١٣٩ - وقالوا: ما في بطون هذه السَّوائب والبَحَائر من الاجنة إن وُلِد حيًّا حلال على ذكورنا، محَرَّم على نسائنا، وإن وُلِد ما في بطونها من الأجنة ميتًا فالذكور والإناث فيه شركاء. سيجزيهم الله تعالى بقولهم هذا ما يستحقون، إنه حكيم في تشريعه وتدبيره شؤون خلقه، عليم بهم.
١٤٠ - قد هلك الذين قتلوا أولادهم لِخفَّةِ عقولهم ولجهلهم، وحرَّموا ما رزقهم الله من الأنعام ناسبين ذلك إلى الله كذبًا، قد بَعُدوا عن الصراط المستقيم، وما كانوا مهتدين إليه.
١٤١ - والله سبحانه هو الذي خلق بساتين مبسوطة على وجه الأرض دون ساق، ومرفوعة عليها ذات ساق، وهو الذي خلق النخل، وخلق الزرع مختلفًا ثمره في الشكل والطعم، وهو الذي خلق الزيتون والرمان ورقهما متشابه، وطعمهما غير متشابه، كلوا -أيها الناس- من ثمره إذا أثمر، وأدُّوا زكاته يوم حصاد، ولا تتجاوزوا الحدود الشرعية في الأكل والإنفاق، فالله لا يحب المتجاوزين لحدوده فيهما ولا في غيرهما، بل يبغضه، إن الذي خلق ذلك كله هو الذي أباحه لعباده، فليس للمشركين تحريمه.
١٤٢ - وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام ما هو صالح لأن يُحْمَل عليه ككبار الإبل، وما ليس صالحًا لذلك كصغاره وكالغنم، كلوا -أيها الناس- مما رزقكم الله من هذه الأشياء التي أباحها لكم، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله كما يفعله المشركون، إن الشيطان لكم -أيها الناس- عدو واضح العداوة حيث يريد منكم أن تعصوا الله بذلك.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأهواء سبب تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله.
• وجوب الزكاة في الزروع والثمار عند حصادها، مع جواز الأكل منها قبل إخراج زكاتها، ولا يُحْسَب من الزكاة.
• التمتع بالطيبات مع عدم الإسراف ومجاوزة الحد في الأكل والإنفاق.
стр. 154
١٤٣ - خَلَق لكم ثمانية أصناف؛ من الضأن زوجين: ذكرًا وأنثى، ومن المعز اثنين، قل -أيها الرسول- للمشركين-: هل حرّم الله تعالى الذَّكرَيْن منهما لعلة الذكورة؟ فإن قالوا: نعم فقل لهم: لِمَ تحرمون الإناث؟ أم أنه حَرَّم الأُنْثَيَيْن لِعِلَّة الأنوثة؟ فإن قالوا: نعم، فقل لهم: لِمَ تُحرِّمون الذَّكَرَيْن؟ أم أنه حَرَّم ما اشتملت عليه أرحام الأنْثَيَيْن لِعِلَّة اشتمال الرحم عليه؟ فإن قالوا: نعم، فقل لهم: لِمَ تُفرِّقون بين ما اشتملت عليه الأرحام بتحريم ذكوره تارة وتحريم إناثه تارة، أخبروني -أيها المشركون- بما تستندون عليه من علم صحيح إن كنتم صادقين في دعواكم أن تحريم ذلك من الله.
١٧٤ - وبقية الأصناف الثمانية هي: زوجان من الإبل، وزوجان من البقر، قل -أيها الرسول- للمشركين: آلله حرَّم ما حرم منها لذكورته، أم لأنوثته، أم لاشتمال الرحم عليه؟ أم كنتم -أيها المشركون- حاضرين -بزعمكم- حين وصَّاكم الله بتحريم ما حرَّمتم من هذه الأنعام؟! فلا أحد أعظم ظلمًا، ولا أكبر جرمًا ممن افترى على الله الكذب، فنسب إليه تحريم ما لم يحرم؛ ليضل الناس عن الصراط المستقيم بغير علم يستند إليه، إن الله لا يوفق للهداية الظالمين بافترائهم الكذب على الله.
١٤٥ - قل -أيها الرسول- لا أجد فيما أوحاه الله إليَّ شيئًا محرمًا إلا ما مات دون ذكاة، أو كان دمًا سائلًا، أو كان لحم خنزير فإنه نجس حرام، أو كان مما ذُبح على غير اسم الله كالمذبوح لأصنامهم، فمن ألجأته الضرورة إلى الأكل من هذه المحرمات لشدة الجوع غير طالب تَلذُّذًا بأكلها، وغير متجاوز حد الضرورة فلا إثم عليه في ذلك، إن ربك -أيها الرسول- غفور للمضطر إن أكل منها، رحيم به.
ولمَّا ذكر الله ما حرَّمه على الأمة ذكر ما حرَّمه على اليهود؛ ليبيِّن أن ما حرَّمه المشركون من الأنعام لا يستندون فيه على ما جاء من عند الله، وإنما يتبعون فيه إملاء الشيطان فقال:
١٤٦ - وحرَّمنا على اليهود ما لم تتفرَّق أصابعه كالإبل والنعام، وحرمنا عليهم شحوم البقر والغنم إلا ما علق بظهورهما، أو ما حملته الأمعاء، أو ما اختلط بعظم كالألية والجَنْب، وقد جازيناهم على ظلمهم بتحريم ذلك عليهم، وإنا لصادقون في كل ما نخبر به.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات دليل على إثبات المناظرة في مسائل العلم، وإثبات القول بالنظر والقياس.
• الوحي وما يستنبط منه هو الطريق لمعرفة الحلال والحرام.
• إن من الظلم أن يُقْدِم أحد على الإفتاء في الدين ما لم يكن قد غلب على ظنه أنه يفتي بالصواب الذي يرضي الله.
• من رحمة الله بعباده الإذن لهم في تناول المحرمات عند الاضطرار.
стр. 155
١٤٧ - فإن كذبوك -أيها الرسول- ولم يصدقوا بما جئت به من ربك فقل ترغيبًا لهم: ربكم ذو رحمة واسعة، ومن رحمته بكم إمهاله لكم، وعدم معاجلته لكم بالعذاب، وقل لهم تحذيرًا لهم: إنَّ عذابه لا يُرَد عن القوم الذين يرتكبون المعاصي والآثام.
١٤٨ - سيقول المشركون محتجِّين بمشيئة الله وقدره على صحة إشراكهم بالله: لو شاء الله ألا نشرك نحن ولا آباؤنا بالله لما أشركنا به، ولو شاء الله ألا نحرِّم ما حرَّمناه على أنفسنا لَمَا حرَّمناه. وبمثل حجتهم الداحضة كذَّب الذين من قبلهم برسلهم قائلين: لو شاء الله ألا نكذِّب بهم لما كذبنا بهم، واستمروا على هذا التكذيب حتى ذاقوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هل عندكم من دليل يدل على أن الله رضي منكم أن تشركوا به وأن تحللوا ما حرمه وتحرموا ما أحله؟ فمجرد وقوع ذلك منكم ليس دليلًا على رضاه عنكم، إنكم لا تتبعون في ذلك إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وما أنتم إلا تكذبون.
١٤٩ - قل -أيها الرسول- للمشركين: إن لم تكن لكم حجج إلا هذه الحجج الواهية فإن لله الحجة القاطعة التي تنقطع عندها معاذيركم التي تقدمونها، وتبطل بها شبهكم التي تتعلقون بها، فلو شاء الله توفيقكم جميعًا للحق -أيها المشركون- لوفَّقكم له.
١٥٠ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما أحل الله، ويدَّعون أن الله هو الذي حرمه: أحضروا شهودكم الذين يشهدون أن الله حرم هذه الأشياء التي حرمتموها، فإن شهدوا بغير علم على أن الله حرمها فلا تصدقهم -أيها الرسول- في شهادتهم؛ لأنها شهادة زور، ولا تتبع أهواء الذين يُحكِّمون أهواءهم، فقد كذبوا بآياتنا حين حَرَّموا ما أحل الله لهم، ولا تتبع الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم بربهم يشركون فيساوون به غيره، وكيف يُتَّبَع من هذا مسلكه مع ربه؟!
١٥١ - قل -أيها الرسول- للناس: تعالوا أقرأ عليكم ما حرمه الله، حرم عليكم أن تشركوا به شيئًا من مخلوقاته، وأن تعقُّوا آباءكم، بل يجب عليكم الإحسان إليهم، وأن تقتلوا أولادكم بسبب الفقر، كما كان يفعل أهل الجاهلية، نحن نرزقكم ونرزقهم، وحرم أن تقربوا الفواحش ما أُعْلِن منها وما أُسِرَّ به، وأن تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، كالزنى بعد الإحصان، والردة بعد الإسلام، ذلكم المذكور وصَّاكم به لعلكم تعقلون عن الله أوامره ونواهيه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الحذر من الجرائم الموصلة لبأس الله؛ لأنه لا يُرَدُّ بأسه عن القوم المجرمين إذا أراده.
• الاحتجاج بالقضاء والقدر بعد أن أعطى الله تعالى كل مخلوق قُدْرة وإرادة يتمكَّن بهما من فعل ما كُلِّف به؛ ظُلْمٌ مَحْض وعناد صرف.
• دَلَّتِ الآيات على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به.
• النهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها.
стр. 156
١٥٢ - وحَرَّم أن تتعرضوا لمال اليتيم -وهو الذي فقد أباه قبل البلوغ- إلا بما فيه صَلاح ونفع له وزيادة لماله حتى يبلغ ويُؤنَس منه الرُّشد، وحَرَّم عليكم التَّطْفيف في الكيل والميزان، بل يجب عليكم العدل في الأخذ والإعطاء في البيع والشراء، لا نكلف نفسًا إلا طاقتها، فما لا يمكن الاحتراز منه من الزيادة أو النقصان في المكاييل وغيرها لا مؤاخذة فيه، وحَرَّم عليكم أن تقولوا غير الصواب في خبر أو شهادة دون مُحَاباة قريب أو صديق، وحَرَّم عليكم نَقْض عهد الله إن عاهدتم الله أو عاهدتم بالله، بل يجب عليكم الوفاء بذلك، ذلك المتقدم أَمَرَكم الله به أمرًا مؤكدًا؛ رجاء أن تتذكروا عاقبة أمركم.
١٥٣ - وحَرَّم عليكم أن تتبعوا سُبُل الضلال وطرقه، بل يجب عليكم اتباع طريق الله المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وطرق الضلال تؤدي بكم إلى التفرق والبعد عن طريق الحق، ذلك الاتباع لطريق الله المستقيم هو الذي وصَّاكم الله به؛ رجاء أن تتَّقوه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.
١٥٤ - ثم بعد الإخبار بما ذُكِر نخبر أنَّا أعطينا موسى التوراة تمامًا للنعمة جزاءً على إحسانه العمل، وتبيينًا لكل شيء يحتاج إليه في الدين، ودلالة على الحق ورحمة رجاء أن يؤمنوا بلقاء ربهم يوم القيامة فيستعدوا له بالعمل الصالح.
١٥٥ - وهذا القرآن كتاب أنزلناه كثير البركة، لما يشتمل عليه من المنافع الدينية والدنيوية، فاتبعوا ما أنزل فيه، واحذروا مخالفته رجاء أن ترحموا.
١٥٦ - لئلا تقولوا -يا مشركي العرب-: إنما أنزل الله التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى من قبلنا، ولم يُنزل علينا كتابًا، وإنا لا ندري تلاوة كتبهم لأنها بلُغتهم، وليست بلُغتنا.
١٥٧ - ولئلا تقولوا: لو أنزل الله علينا كتابًا كما أنزله على اليهود والنصارى لكُنَّا أكثر استقامة منهم، فقد جاءكم كتاب أنزله الله على نبيكم محمد ﷺ بلسانكم، وذلك حجة واضحة وإرشاد إلى الحق ورحمة للأمة، فلا تعتذروا بالأعذار الواهية، وتتعللوا بالعلل الباطلة، ولا أحد أعظم ظلمًا ممن كذَّب بآيات الله وانصرف عنها، سنعاقب الذين ينصرفون عن آياتنا عقابًا شديدًا بإدخالهم في نار جهنم جزاءً على انصرافهم وإعراضهم عنها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لا يجوز التصرف في مال اليتيم إلا في حدود مصلحته، ولا يُسلَّم ماله إلّا بعد بلوغه الرُّشْد.
• سبل الضلال كثيرة، وسبيل الله وحده هو المؤدي إلى النجاة من العذاب.
• اتباع هذا الكتاب علمًا وعملًا من أعظم أسباب نيل رحمة الله.
стр. 157
١٥٨ - ما ينتظر المكذبون إلا أن يأتيهم ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم في الدنيا، أو يأتي ربك يوم الفصل في الآخرة -أيها الرسول- لفصل القضاء بينهم، أو يأتي بعض آيات ربك الدالة على الساعة، يوم يأتي بعض آيات ربك -كطلوع الشمس من مغربها- لا ينفع كافرًا إيمانه، ولا ينفع مؤمنًا لم يعمل خيرًا من قبله عملُه، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: انتظروا أحد هذه الأشياء، إنا منتظرون.
١٥٩ - إن الذين جعلوا دينهم متفرقًا من اليهود والنصارى، حيث أخذوا بعضه وتركوا بعضه، وكانوا فِرَقًا مختلفين، لستَ -أيها الرسول- منهم في شيء، فأنت بريء مما هم عليه من الضلال، وليس عليك إلا إنذارهم، فأَمْرهم موكول إلى الله، ثم هو يوم القيامة يخبرهم بما كانوا يعملون في الدنيا فيجازيهم عليه.
١٦٠ - من أتى يوم القيامة من المؤمنين بحسنة ضاعفها الله له عشر حسنات، ومن أتى بسيئة فلن يُعَاقَب إلا بمثلها في الخِفَّة والعِظَم، لا أكثر منها، وهم يوم القيامة لا يُظْلمون بنقص ثواب الحسنات، ولا بزيادة عقاب السيئات.
١٦١ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: إنني أرشدني ربي إلى طريق مستقيم هو طريق الدين القائم بمصالح الدنيا والآخرة، وهو ملة إبراهيم المائل إلى الحق، والذي لم يكن من المشركين قط.
١٦٢ - قل -أيها الرسول-: إن صلاتي وذَبْحي لله وعلى اسم الله، لا على غيره، وحياتي وموتي، كل ذلك لله رب المخلوقات وحده، وليس لغيره نصيب في ذلك.
١٦٣ - وهو سبحانه لا شريك له، ولا معبود بحق غيره، وبهذا التوحيد الخالص من الشرك أمرني الله، وأنا أول المستسلمين له من هذه الأمة.
١٦٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أغير الله أطلب ربًّا وهو رب كل شيء؟! فهو رب المعبودات التي تعبدونها من دو ولا يحمل بريء ذنب فيره، ثم إلى ربكم رجوعكم يوم القيامة فيخبركم بما كنتم تختلفون فيه في الدنيا من أمر الدين.
١٦٥ - والله هو الذي جعلكم تخلفون من سبقكم في الأرض؛ للقيام بعمارتها، ورفع بعضكم في الخلق والرزق وغيرهما فوق بعض درجات؛ ليختبركم فيما آتاكم من ذلك، إن ربك -أيها الرسول- سريع العقاب، فكل ما هو آت فهو قريب، وإنه لغفور لمن تاب من عباده رحيم به.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف.
• من تمام عدله تعالى وإحسانه أنه يجازي بالسيئة مثلها، وبالحسنة عشرة أمثالها، وهذا أقل ما يكون من التضعيف.
• الدين الحق القَيِّم يتطَلَّب تسخير كل أعمال العبد واهتماماته لله ، فله وحده يتوجه العبد بصلاته وعبادته ومناسكه وذبائحه وجميع قرباته وأعماله في حياته وما أوصى به بعد وفاته.
стр. 158
سورة الأعراف
- مَكيّة-
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان سُنَّة الصراع بين الإيمان والكفر وعاقبته من خلال عرض سِيَر الأنبياء مع أقوامهم.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿المص﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
٢ - القرآن الكريم كتابٌ أنزله الله عليك -أيها الرسول- فلا يكن في صدرك منه ضيق ولا شك، أنزله إليك لتخوِّف به الناس، وتقيم به الحجة، ولتذكِّر به المؤمنين، فهم الذين ينتفعون بالذكرى.
٣ - اتبعوا -أيها الناس- الكتاب الذي أنزله ربكم عليكم، وسُنَّة نبيكم، ولا تتبعوا أهواء من ترونهم أولياءَ من شياطين أو أحبار سوء، تتولّونهم تاركين ما أنزل عليكم لأجل ما تُمْليه أهواؤهم، إنكم قليلًا ما تتذكرون؛ إذ لو تذكرتم لَمَا آثرتم على الحق غيره، ولاتَّبعتم ما جاء به رسولكم، وعملتم به، وتركتم ما سواه.
٤ - ما أكثر القرى التي أهلكناها بعذابنا لما أصرَّت على كفرها وضلالها، فنزل عليها عذابنا الشديد في حال غفلتها ليلًا أو نهارًا، فلم يستطيعوا دفع العذاب عن أنفسهم، ولم تدفعه عنهم آلهتهم المزعومة.
٥ - فما كان منهم بعد نزول العذاب إلا أن أَقرُّوا على أنفسهم بظلمهم بالكفر بالله.
٦ - فلنسألنَّ يوم القيامة الأمم التي أرسلنا إليها رسلنا عما أجابوا به الرسل، ولنسألن الرسل عن تبليغ ما أُمِروا بتبليغه، وعما أجابتهم به أممهم.
٧ - فلنقُصَّنَّ على جميع الخلق أعمالهم التي عملوها في الدنيا بعلم منا، فقد كنا عالمين بأعمالهم كلها، لا يغيب عنا منها شيء، وما كنا غائبين عنهم في أي وقت من الأوقات.
٨ - ووزن الأعمال يوم القيامة يكون بالعدل الذي لا جَوْر معه ولا ظلم، فمن رجحت عند الوزن كفَّة حسناته على كفة سيئاته فأولئك هم الذين فازوا بالمطلوب، ونجوا من المرهوب.
٩ - ومن رجحت عند الوزن كفّة سيئاته على كفة حسناته فأولئك الذين خسروا أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك يوم القيامة، بسبب جحدهم بآيات الله.
١٠ - ولقد مَكَّناكم -يا بني آدم- في الأرض، وجعلنا لكم فيها أسبابًا للعيش، فكان عليكم أن تشكروا الله على ذلك، لكن شكركم كان قليلًا.
١١ - ولقد أنشأنا -أيها الناس- أباكم آدم، ثم صوَّرناه في أحسن صورة، وأحسن تقويم، ثم أَمَرْنا الملائكة بالسجود إكرامًا له، فامتثلوا وسجدوا، إلا إبليس أبى أن يسجد تكبرًا وعنادًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من مقاصد إنزال القرآن الإنذار للكافرين والمعاندين، والتذكير للمؤمنين.
• أنزل الله القرآن إلى المؤمنين ليتبعوه ويعملوا به، فإن فعلوا ذلك كملت تربيتهم، وتمت عليهم النعمة، وهُدُوا لأحسن الأعمال والأخلاق.
• الوزن يوم القيامة لأعمال العباد يكون بالعدل والقسط الذي لا جَوْر فيه ولا ظلم بوجه.
• هَيَّأ الله الأرض لانتفاع البشر بها، بحيث يتمكَّنون من البناء عليها وحَرْثها، واستخراج ما في باطنها للانتفاع به.
стр. 159
١٢ - قال الله تعالى توبيخًا لإبليس: أي شيء منعك من امتثال أمري لك بالسجود لآدم؛ قال إبليس مجيبًا ربه: منعني أني أفضل منه، فقد خلقتني من نار، وخلقته هو من طين، والنار أشرف من الطين.
١٣ - قال الله له: اهبط من الجنة، فليس لك أن تتكبر فيها؛ لأنها دار الطيِّبين الطاهرين، فما يجوز لك أن تكون فيها، إنك -يا إبليس- من الحقيرين الذليلين، وإن كنت ترى نفسك أنك أشرف من آدم.
١٤ - قال إبليس: يا رب، أمهلني إلى يوم البعث حتى أغوي من أستطيع إغواءه من الناس.
١٥ - قال له الله: إنك -يا إبليس- من المُمْهَلين الذين كتبت عليهم الموت يوم النفخة الأولى في الصور حين يموت الخلق كلهم، ويبقى خالقهم وحده.
١٦ - قال إبليس: بسبب إضلالك إياى حتى تركتُ امتثال أمرك بالسجود لآدم لأُقْعُدَنَّ لبني آدم على صراطك المستقيم؛ لأصرفهم وأضلهم عنه كما ضَلَلْتُ أنا عن السجود لأبيهم آدم.
١٧ - ثم لآتِينَّهم من جميع الجهات بالتزهيد في الآخرة، والترغيب في الدنيا، وإلقاء الشبهات، وتحسين الشهوات، ولا تجد -يا رب- أكثرهم شاكرين لك؛ لما أمليه عليهم من الكفر.
١٨ - قال الله له: اخرج -يا إبليس- من الجنة مذمومًا مطرودًا من رحمة الله، ولأملأن جهنم يوم القيامة منك ومن كل من اتبعك واطاعك وعصى أمر ربه.
١٩ - وقال الله لآدم: يا آدم، اسكن أنت وزوجتك حواء الجنة، فكُلا مما فيها من الطيبات ما شئتما، ولا تأكلا من هذه الشجرة (شجرة عَيَّنها الله لهما) فإنكما إن أكلتما منها بعد نهيي لكما كنتما من المتجاوزين لحدود الله.
٢٠ - فألقى لهما كلامًا خفيًّا إبليس؛ ليُظْهِر لهما ما سُتِر عنهما من عوراتهما، وقال لهما: ما نهاكما الله عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا مَلَكَين، وإلا كراهة أن تكونا من الخالدين في الجنة.
٢١ - وحلف لهما بالله: إني لكما -يا آدم وحواء- لمن الناصحين فيما أشرت عليكما به.
٢٢ - فَحَطَّهما من المنزلة التي كانا فيها بخداع منه وغرور، فلما أكلا من الشجرة التي نُهِيا عن الأكل منها ظهرت لهما عوراتهما مكشوفة، فأخذا يُلْزِقان عليهما من ورق الجنة؛ ليسترا عوراتهما، وناداهما ربهما قائلًا: ألم أنهكما عن الأكل من هذه الشجرة، وأقل لكما محذرًا لكما: إن الشيطان عدو لكما بيِّن العداوة؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دلَّت الآيات على أن من عصى مولاه فهو ذليل.
• أعلن الشيطان عداوته لبني آدم، وتوعد أن يصدهم عن الصراط المستقيم بكل أنواع الوسائل والأساليب.
• خطورة المعصية وأنها سبب لعقوبات الله الدنيوية والأخروية.
стр. 160
٢٣ - قال آدم وحواء: يا ربنا، ظلمنا أنفسنا بارتكاب ما نهيتنا عنه من الأكل من الشجرة، وإن لم تغفر لنا ذنوبنا وترحمنا برحمتك، لنكوننَّ من الخاسرين بإضاعتنا حظنا في الدنيا والآخرة.
٢٤ - قال الله لآم وحواء وإبليس: اهبطوا من الجنة إلى الأرض، وسيكون بعضكم عدوًّا لبعض، ولكم في الأرض مكان استقرار إلى وقت معلوم، وتمتُّعٌ بما فيها إلى أجل مسمى.
٢٥ - قال الله مخاطبًا آدم وحواء وذريتهما: في هذه الأرض تَحْيَوْنَ مدة ما قدر الله لكم من آجال، وفيها تموتون وتدفنون، ومن قبوركم تخرجون للبعث.
٢٦ - يا بني آدم، قد جعلنا لكم لباسًا ضروريًّا لستر عوراتكم، وجعلنا لكم لباسًا كماليًّا تتجَمَّلون به في الناس، ولباس التقوى -التي هي امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه- خير من هذا اللباس الحسي، ذلك المذكور من اللباس من آيات الله الدالة على قدرته، لعلكم تتذكرون نعمه عليكم فتشكرونها.
٢٧ - يا بني آدم، لا يَغُرَّنَّكم الشيطان بتزيين المعصية بترك اللباس الحسي لستر العورة أو ترك لباس التقوى، فقد خدع أبويكم بتزيين الأكل من الشجرة حتى كان مآل ذلك أن أخرجهما من الجنة، وبدت لهما عوراتهما، إن الشيطان وذريته يرونكم ويشاهدونكم وأنتم لا ترونهم ولا تشاهدونهم، فيلزمكم الحذر منه ومن ذريته، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون بالله، وأما المؤمنون الذين يعملون الصالحات فلا سبيل لهم عليهم.
٢٨ - وإذا ارتكب المشركون أمرًا بالغ النكر كالشرك والطواف بالبيت عراة وغيرهما، اعتذروا بأنهم وجدوا آباءهم يرتكبونها، وأن الله أمرهم بذلك، قل -يا محمد- ردًّا عليهم: إن الله لا يأمر بالمعاصي، بل ينهى عنها، فكيف تَدَّعون ذلك عليه؟ أتقولون -أيها المشركون- على الله ما لا تعلمون كذبًا وافتراءً؟!
٢٩ - قل -يا محمد- لهؤلاء المشركين: إن الله أمر بالعدل، ولم يأمر بالفحشاء والمنكر، وأمر أن تخلصوا له العبادة عمومًا، وعلى وجه الخصوص في المساجد، وأن تدعوه وحده مخلصين له الطاعة، كما خلقكم من عدم أول مرة يعيدكم أحياء مرة أخرى، فالقادر على بدء خلقكم قادر على إعادتكم وبعثكم.
٣٠ - وقد جعل الله الناس فريقين: فريقًا منكم هداه، ويسَّر له أسباب الهداية، وصرف عنه موانعها، وفريقًا آخر وجبت عليهم الضلالة عن طريق الحق، ذلك أنهم صيَّروا الشياطين أولياء من دون الله، فانقادوا لهم جهلًا، وهم يظنون أنهم مهتدون إلى الصراط المستقيم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من أَشبَهَ آدم بالاعتراف وسؤال المغفرة والندم والإقلاع -إذا صدرت منه الذنوب- اجتباه ربه وهداه. ومن أشْبَهَ إبليس -إذا صدر منه الذنب بالإصرار والعناد- فإنه لا يزداد من الله إلا بُعْدًا.
• اللباس نوعان: ظاهري يستر العورةَ، وباطني وهو التقوى الذي يستمر مع العبد، وهو جمال القلب والروح.
• كثير من أعوان الشيطان يدعون إلى نزع اللباس الظاهري؛ لتنكشف العورات، فيهون على الناس فعل المنكرات وارتكاب الفواحش.
• أن الهداية بفضل الله ومَنِّه، وأن الضلالة بخذلانه للعبد إذا تولَّى -بجهله وظلمه- الشيطانَ، وتسبَّب لنفسه بالضلال.
стр. 161
٣١ - يا بني آدم، البسوا ما يستر عوراتكم، وما تتجملون به من اللباس النظيف الطاهر عند الصلاة والطواف، وكلوا واشربوا ما شئتم من الطيبات التي أحلها الله، ولا تتجاوزوا حد الاعتدال في ذلك، ولا تتجاوزوا الحلال إلى الحرام، إن الله لا يحب المتجاوزين لحدود الاعتدال.
٣٢ - قل -أيها الرسول- ردًّا على المشركين الذين يُحَرِّمون ما أحل الله من اللباس والطيبات من المأكولات وغيرها: من الذي حَرَّم عليكم اللباس الذي هو زينة لكم؛ ومن الذي حَرَّم عليكم الطيبات من المأكولات والمشروبات وغيرها مما رزقكم الله؛ قل -أيها الرسول-: إن تلك الطيبات للمؤمنين في الحياة الدنيا، وإن شَرَكَهم غيرهم فيها في الدنيا فهي خاصة بهم يوم القيامة، لا يَشْركهم فيها كافر؛ لأن الجنة محرمة على الكافرين، مثل هذا التفصيل نُفَصِّل الآيات لقوم يدركون؛ لأنهم الذين ينتفعون بها.
٣٣ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما أحل الله: إن الله إنما حرم على عباده الفواحش، وهي قبائح الذنوب، ظاهرة كانت أو باطنة , وحرم المعاصي كلها، والاعتداء ظلمًا على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وحرم عليكم أن تشركوا مع الله غيره مما ليس لكم حجة فيه، وحرم عليكم القول عليه بغير علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه.
٣٤ - ولكل جيل وقرن مدة وميقات محدد لآجالهم، فإذا جاء ميقاتهم المُقَدَّر لا يتأخرون عنه زمنا وإن قل، ولا يتقدمون عليه.
٣٥ - يا بني آم إذا جاءكم رسل مني من أقوامكم يتلون عليكم ما أنزلت عليهم من كتبي فأطيعوهم، واتبعوا ما جاؤوا به، فالذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ويصلحون أعمالهم، لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنزن على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
٣٦ - وأما الكافرون الذين كذبوا بآياتنا، ولم يؤمنوا بها، وتَرَفَعوا تكبُّرًا عن العمل بما جاءتهم به رسلهم، فإنهم أصحاب النار الملازمون لها الماكثون فيها أبدًا.
٣٧ - لا أحد أظلم من الذي يفتري على الله الكذب بنسبة الشريك إليه أو النقص أو القول عليه بما لم يقله، أو كذَّب بآياته الجلية الهادية إلى صراطه المستقيم، أولئك المتصفون بذلك ينالهم حظهم المكتوب لهم في اللوح المحفوظ من ملذات الدنيا، حتى إذا جاءهم ملك الموت وأعوانه من الملائكة لقبض أرواحهم قالوا لهم توبيخًا لهم: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؟! ادعوها لتنفعكم، قال المشركون للملائكة: لقد ذهبت عنا الآلهة التي كنا نعبد وغابت، فلا ندري أين هي، وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين، لكن إقرارهم في ذلك الحين حجة عليهم، ولن ينفعهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المؤمن مأمور بتعظيم شعائر الله من خلال ستر العورة والتجمل في أثناء صلاته وخاصة عند التوجه للمسجد.
• من فسر القرآن بغير علم أو أفتى بغير علم أو حكم بغير علم فقد قال على الله بغير علم وهذا من أعظم المحرمات.
• في الآيات دليل على أن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقهم رعب ولا فزع، وإذا لحقهم فمآلهم الأمن.
• أظلم الناس من عطَّل مراد الله تعالى من جهتين: جهة إبطال ما يدل على مراده، وجهة إيهام الناس بأن الله أراد منهم ما لا يريده الله.
стр. 162
٣٨ - قالت لهم الملائكة: ادخلوا -أيها المشركون- في جملة أمم قد مضت من قبلكم على الكفر والضلال من الجن والإنس في النار، كلما دخلت أمة من الأمم لعنت أختها التي سبقتها إلى النار، حتى إذا تلاحقوا فيها، واجتمعوا كلهم قالت أُخْراهم دخولًا وهم السَّفَلة والأتباع، لأولاهم وهم الكُبراء والسادة: يا ربنا، هؤلاء الكُبراء هم الذين أضلونا عن طريق الهداية، فعاقبهم عقابًا مضاعفًا لتزيينهم الضلال لنا، قال الله ردًّا عليهم: لكل طائفة منكم نصيب من العذاب مضاعف، ولكنكم تجهلون ذلك ولا تدركونه.
٣٩ - وقال السادة المتبوعون لأتباعهم: ليس لكم -أيها الأتباع- علينا من فضل تستحقون به تخفيف العذاب عنكم، فالعبرة بما كسبتم من الأعمال، ولا عذر لكم في اتباع الباطل، فذوقوا -أيها الأتباع- العذاب مثلما ذقناه بسبب ما كنتم تكسبون من الكفر والمعاصي.
٤٠ - إن الذين كذبوا بآياتنا الواضحة، وتكبروا عن الانقياد والإذعان لها آيسون من كل خير، فلا تفتح أبواب السماء لأعمالهم بسبب كفرهم، ولا لأرواحهم إذا ماتوا، ولا يدخلون الجنة أبدًا حتى يدخل الجمل -وهو من أعظم الحيوانات- في ثقب الإبرة الذي هو من أضيق الأشياء، وهذا من المستحيل، فالمُعَلّق عليه وهو دخولهم الجنة مستحيل، ومثل هذا الجزاء يجزي الله من عظمت ذنوبه.
٤١ - لهؤلاء المكذبين المتكبرين من جهنم فراش يفترشونه، ولهم من فوقهم أغطية من نار، ومثل هذا الجزاء نجزي المتجاوزين لحدود الله بكفرهم به وإعراضهم عنه.
٤٢ - والذين آمنوا بربهم وعملوا من الأعمال الصالحة ما يستطيعون -ولا يكلف الله نفسًا فوق ما تستطيعه- أولئك أصحاب الجنة يدخلونها ماكثين فيها أبدًا.
٤٣ - ومن تمام نعيمهم في الجنة أن نزع الله ما في قلوبهم من البغضاء والحقد، وأجرى الأنهار من تحتهم، وقالوا معترفين لله بإنعامه عليهم: الحمد لله الذي وفقنا لهذا العمل الصالح الذي أنالنا هذه المنزلة، وما كنا لنوفق إليه من تلقاء أنفسنا لولا أن الله وفقنا إليه، لقد جاءت رسل ربنا بالحق الذي لا مرية فيه والصدق في الوعد والوعيد، ونادى فيهم منادٍ: أن هذه هي الجنة التي أخبرَتْكم بها رسلي في الدنيا، أعقبكم الله إياها بما كنتم تعملون من الأعمال الصالحة، التي تريدون بها وجه الله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الموت التي كانت بين المكذبين في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة.
• أرواح المؤمنين تفتح لها أبواب السماء حتى تَعْرُج إلى الله، وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوانه.
• أرواح المكذبين المعرضين لا تفتح لها أبواب السماء، وإذا ماتوا وصعدت فهي تستأذن فلا يؤذن لها، فهي كما لم تصعد في الدنيا بالإيمان بالله ومعرفته ومحبته، فكذلك لا تصعد بعد الموت، فإن الجزاء من جنس العمل.
• أهل الجنة نجوا من النار بعفو الله، وأدخلوا الجنة برحمة الله، واقتسموا المنازل وورثوها بالأعمال الصالحة وهي من رحمته، بل من أعلى أنواع رحمته.
стр. 163
٤٤ - ونادى أهل الجنة الملازمون لها أهل النار الملازمين لها بعد دخول كل منهما منزله المُعَد له: إنا قد لقينا ما وعدنا ربنا من الجنة واقعًا متحققًا، فقد أدخلنا إياها فهل لقيتم -أيها الكفار- ما توعدكم الله به من النار واقعًا متحققًا؟ قال الكفار: لقد وجدنا ما توعدنا به من النار حقًّا، فنادى مُنادٍ داعيًا الله أن يطرد الظالمين من رحمته، فقد فتح لهم أبواب رحمته فأعرضوا عنها في الحياة الدنيا.
٤٥ - هؤلاء الظالمون هم الذين كانوا يعرضون عن سبيل الله بأنفسهم، ويحملون غيرهم على معْوَجه حتى لا يسلكها الناس، وهم بالآخرة كافرون غير مستعدين لها.
٤٦ - وبين هذين الفريقين: أصحاب الجنة وأصحاب النار حاجز مرتفع يسمَّى الأعراف، وعلى هذا الحاجز المرتفع رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم يعرفون أصحاب الجنة بعلاماتهم كبياض الوجوه، وأصحاب النار بعلاماتهم كسوادها , ونادى هؤلاء الرجال أصحاب الجنة تكريمًا لهم قائلين: سلام عليكم. وأصحاب الجنة لم يدخلوا بعد، وهم يأملون دخولها برحمة من الله.
٤٧ - وإذا حُوِّلت أبصار أصحاب الأعرافِ إلى أصحاب النار، وشاهدوا ما هم فيه من العذاب الشديد، قالوا داعين الله: يا ربنا، لا تصيرنا مع القوم الظالمين بالكفر والشرك بك.
٤٨ - ونادى أصحاب الأعراف رجالًا من أهل النار من الكفار يعرفونهم بعلاماتهم كسواد وجوههم وزرقة عيونهم قائلين لهم: لم ينفعكم تكثركم بالمال والرجال، وما نفعكم إعراضكم عن الحق تكبرًا واستعلاء.
٤٩ - وقال الله موبخًا الكفار: أهؤلاء هم الذين حلفتم أن لا ينالهم الله برحمة من عنده؟! وقال الله للمؤمنين: ادخلوا -أيها المؤمنون- الجنة لا خوف عليكم فيما تستقبلونه، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من حظوظ الدنيا لما لقيتم من النعيم المقيم.
٥٠ - ونادى أصحابُ النار أصحاب الجنة ملتمسين منهم قائلين: أوسعوا صب الماء علينا -يا أصحاب الجنة-، أو مما رزقكم الله من الطعام، قال أصحاب الجنة: إن الله حرمهما على الكافرين بسبب كفرهم، وإنا لن نُسْعِفكم بما حرمه الله عليكم.
٥١ - هؤلاء الكافرون هم الذين جعلوا دينهم سخرية وعبثًا، وخدعتهم الحياة الدنيا بزُخْرفها وزينتها، فيوم القيامة ينساهم الله، ويتركهم يقاسون العذاب كما نسوا لقاء يوم القيامة فلم يعملوا له، ولم يستعدوا، ولجحودهم بحجج الله وبراهينه وإنكارهم لها مع علمهم بأنها حق.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عدم الإيمان بالبعث سبب مباشر للإقبال على الشهوات.
• يتيقن الناس يوم القيامة تحقق وعد الله لأهل طاعته، وتحقق وعيده للكافرين.
• الناس يوم القيامة فريقان: فريق في الجنة وفريق في النار، وبينهما فريق في مكان وسط لتساوي حسناتهم وسيئاتهم، ومصيرهم إلى الجنة.
• على الذين يملكون المال والجاه وكثرة الأتباع أن يعلموا أن هذا كله لن يغني عنهم من الله شيئًا، ولن ينجيهم من عذاب الله.
стр. 164
٥٢ - ولقد جئناهم بهذا القرآن الذي هو كتاب منزل على محمد ﷺ ، وقد بيَّناه على علم منا بما نبينه، وهو هاد للمؤمنين إلى طريق الرشد والحق، ورحمة بهم لما فيه من الدلالة على خيري الدنيا والآخرة.
٥٣ - ما ينتظر الكفار إلا وقوع ما أخبروا بوقوعه من العذاب الأليم الذي يؤول إليه أمرهم في الآخرة، يوم يأتي ما أخبروا به من ذلك، وما أخبر به المؤمنون من الثواب، يقول الذين نسوا القرآن في الدنيا، ولم يعملوا بما جاء فيه: لقد جاءت رسل ربنا بالحق الذي لا مرية فيه، ولا شك أنه من عند الله، فليت لنا وسطاء يشفعون لنا عند الله ليعفينا من العذاب، أو ليتنا نرجع إلى الحياة الدنيا لنعمل عملًا صالحًا ننجو به بدل ما كنا نعمل من السيئات، قد خسر هؤلاء الكافرون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم، وغاب عنهم من كانوا يعبدونهم من دون الله، فلم ينفعوهم.
٥٤ - إن ربكم -أيها الناس- هو الله الذي خلق السماوات وخلق الأرض على غير مثال سابق في ستة أيام، ثم علا وارتفع سبحانه على العرش علوا يليق بجلاله لا ندرك كيفيته، يُذْهِب ظلام الليل بضياء النهار، وضياء النهار بظلام الليل، وكل منهما يطلب الآخر طلبًا سريعًا بحيث لا يتأخر عنه، فإذا ذهب هذا دخل هذا، وخلق سبحانه الشمس، وخلق القمر، وخلق النجوم مُدلَّلات مُهَيَّآت، ألا لله وحده الخلق كله، فمن خالق غيره؟! وله الأمر وحده، وعظم خيره وكثر إحسانه، فهو المتصف بصفات الجلال والكمال، رب العالمين.
٥٥ - ادعوا -أيها المؤمنون- ربكم بتذلل تام وتواضع خفية وسرًّا، مخلصين في الدعاء غير مرائين ولا مشركين به سبحانه غيره في الدعاء، إنه لا يحب المتجاوزين لحدوده في الدعاء، ومن أعظم التجاوز لحدوده في الدعاء دعاء غيره معه كما يفعل المشركون.
٥٦ - ولا تفسدوا في الأرض بارتكاب المعاصي بعد أن أصلحها الله بإرسال الرسل ﵈ وإعمارها بطاعته وحده، وادعوا الله وحده مستشعرين الخوف من عقابه، ومنتظرين حصول ثوابه، إن رحمة الله قريب من المحسنين، فكونوا منهم.
٥٧ - والله سبحانه هو الذي يرسل الرياح مُبَشِّرات بالمطر، حتى إذا حملت الرياح السحاب المُثْقَل بالماء سُقنا السحاب إلى بلد مُجْدِب فأنزلنا بالبلد الماء، فأخرجنا بالماء من جميع أنواع الثمار، مثل إخراج الثمر على تلك الصورة نخرج الموتى من قبورهم أحياء، فعلنا ذلك رجاء أنكم -أيها الناس- تتذكرون قدرة الله وبديع صنعه، وأنه قادر على إحياء الموتى.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• القرآن الكريم كتاب هداية فيه تفصيل ما تحتاج إليه البشرية، رحمة من الله وهداية لمن أقبل عليه بقلب صادق.
• خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام لحكمة أرادها سبحانه، ولو شاء لقال لها: كن فكانت.
• يتعين على المؤمنين دعاء الله تعالى بكل خشوع وتضرع حتى يستجيب لهم بفضله.
• الفساد في الأرض بكل صوره وأشكاله منهيٌّ عنه.
стр. 165
٥٨ - والأرض الطيبة تُخْرِج نباتها بإذن الله إخراجًا حسنًا تامًّا، وهكذا المؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها، فتنتج عملًا صالحًا، والأرض السَّبْخة المالحة لا تُخْرِج نباتها إلا عسرًا لا خير فيه، وهكذا الكافر لا ينتفع بالمواعظ، فلا تنتج عنده عملًا صالحًا ينتفع به، مثل هذا التنويع البديع ننوع البراهين والحجج لإثبات الحق لقوم يشكرون نعم الله، فلا يكفرونها، ويطيعون ربهم.
٥٩ - لقد بعثنا نوحًا رسولًا إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله، وترك عبادة غيره، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده، فليس لكم معبود بحق غيره، إني أخاف عليكم -يا قوم- عذابَ يوم عطيم في حال إصراركم على الكفر.
٦٠ - قال له سادة قومه وكبراؤهم: إنا لنراك -يا نوح - في بعد عن الصواب واضح.
٦١ - قال نوح لكبراء قومه: لست ضالًّا كما زعمتم، وإنما أنا على هدى من ربي، فأنا رسول إليكم من الله ربي وربكم ورب العالمين كلهم.
٦٢ - أبلِّغكم ما أرسلني الله به إليكم مما أوحى إلي، وأريد لكم الخير بترغيبكم في امتثال أمر الله وما يترتب عليه من ثواب، وترهيبكم من ارتكاب نواهيه وما يترتب عليه من العقاب، وأعلم من الله سبحانه ما لا تعلمون مما علمني عن طريق الوحي.
٦٣ - أأثار عجبكم واستغرابكم أن جاءكم وحي وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم تعرفونه؟! فقد نشأ فيكم، ولم يكن كذابًا ولا ضالًّا، وليس من جنس آخر، جاءكم ليخوفكم من عقاب الله إن كذبتم وعصيتم، ولتتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ورجاء أن تُرحموا إن آمنتم به.
٦٤ - فكذَّبه قومه، ولم يؤمنوا به، بل استمروا على كفرهم، فدعا عليهم أن يهلكهم الله، فسلمناه وسلمنا الذين معه في السفينة من المؤمنين من الغرق، وأهلكنا الذين كذبوا بآياتنا واستمروا على تكذيبهم بالغرق بالطوفان المنزل عقابًا لهم، إن قلوبهم كانت عميًا عن الحق.
٦٥ - وأرسلنا إلى قبيلة عاد رسولا منهم، هو هود ﵇، قال: يا قوم اعبدوا الله وحده، فليس لكم معبود بحق غيره، أفلا تتقونه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه لتسلموا من عذابه؟!
٦٦ - قال الكبراء والسادة من قومه الذين كفروا بالله وكذبوا رسوله: إنا لنعلم أنك -يا هود- في خفة عقل وطيش حين تدعونا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، وإنا لنعتقد جازمين أنك من الكاذبين فيما تدعيه من أنك مرسل.
٦٧ - قال هود ردًّا على قومه: يا قوم ليس بي خفة عقل وطيش، بل إني رسول من ربِّ العالمين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأرض الطيبة مثال للقلوب الطيبة حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة، وكما أن الغيث مادة الحياة، فإن القلوب الطيبة حين يجيئها الوحي، تقبله وتعلمه وتنبت بحسب طيب أصلها، وحسن عنصرها، والعكس.
• الأنبياء والمرسلون يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم.
• من سُنَّة الله إرسال كل رسول من قومه وبلسانهم؛ تأليفًا لقلوب الذين لم تفسد فطرتهم، وتيسيرًا على البشر.
• من أعظم السفهاء من قابل الحق بالرد والإنكار، وتكبر عن الانقياد للعلماء والنصحاء، وانقاد قلبه وقالبه لكل شيطان مريد.
стр. 166
٦٨ - أبلغكم ما أمرني الله بتبليغه إليكم من توحيده وشرعه، وأنا لكم ناصح فيما أُمِرت بتبليغه أمين، لا أزيد فيه ولا أنقص.
٦٩ - أوَأَثار عجبكم واستغرابكم أن جاءكم تذكير من ربكم على لسان رجل من جنسكم، ليس من جنس الملائكة أو الجن لينذركم؟! واحمدوا ربكم واشكروه على أن مَكَّن لكم في الأرض، وجعلكم تخلفون قوم نوح الذين أهلكهم الله بكفرهم، واشكروا الله أن خصَّكم بعظم الأجسام والقوة وشدة البطش، واذكروا نعم الله الواسعة عليكم رجاء أن تفوزوا بالمطلوب، وتنجوا من المرهوب.
٧٠ - قال قومه له: أجئتنا -يا هود- لتأمرنا بعبادة وحده، ولنترك ما كان يعبده آباؤنا؟! فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت صادقًا فيما تدعيه.
٧١ - فرد عليهم هود قائلًا: لقد استوجبتم عذاب الله وغضبه فهو واقع بكم لا محالة، أتجادلونني في أصنام سمَّيتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وليس لها حقيقة؟! فما نَزَّل الله حجة تحتجون بها على ما تدعون لها من الألوهية، فانتظروا ما طلبتم تعجيله لكم من العذاب، وأنا معكم من المنتظرين، فهو واقع.
٧٢ - فسلَّمنا هودًا ﵇ ومن كان معه من المؤمنين برحمة منا، واستأصلنا بالهلاك الذين كذبوا بآياتنا، وما كانوا مؤمنين، بل كانوا مكذبين، فاستحقوا العذاب.
٧٣ - ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، قال لهم صالح: يا قوم، اعبدوا الله وحده، فليس لكم معبود غيره يستحق العبادة، قد جاءكم آية واضحة من الله على صدق ما جئتكم به، يتمثل في ناقة تخرج من صخرة، لها وقت تشرب فيه، ولكم شِرْب يوم معلوم، فاتركوها تأكل في أرض الله، فليس عليكم من مؤونتها شيء، ولا تصيبوها بأذى، فيصيبكم بسبب إيذائها عذاب موجع.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ينبغي التّحلّي بالصبر في الدعوة إلى الله تاسيًا بالأنبياء ﵈.
• من أولويات الدعوة إلى الله الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ورفض الإشراك به ونبذه.
• الاغترار بالقوة المادية والجسدية يصرف صاحبها عن الاستجابة لأوامر الله ونواهيه.
• النبي يكون من جنس قومه، لكنه من أشرفهم نسبًا، وأفضلهم حسبًا، وأكرمهم مَعْشرًا، وأرفعهم خُلُقًا.
• الأنبياء ورثتهم يقابلون السّفهاء بالحِلم، ويغضُّون عن قول السّوء بالصّفح والعفو والمغفرة.
стр. 167
٧٤ - تذكروا نعمة الله عليكم حين تخلفون قوم عاد، وأنزلكم في أرضكم تتمتعون بها، وتدركون مطالبكم، وذلك بعد إهلاك عاد بعد تماديهم في الكفر والتكذيب، تبنون في سهول الأرض القصور، وتقطعون الجبال لتصنعوا بيوتًا لكم، فاذكروا نعم الله عليكم لتشكروا الله عليها، واتركوا السعي في الأرض بالفساد، وذلك بترك الكفر بالله وترك المعاصي.
٧٥ - قال السادة والرؤساء ممن استكبروا من قومه للمؤمنين من قومه الذين يستضعفونهم: أتعلمون -أيها المؤمنون- أن صالحًا رسول من الله حقًّا؟ فأجابهم المؤمنون المستضعفون: إنا بالذي أرسل به صالح إلينا مصدقون ومقرّون ومنقادون، وبشرعه عاملون.
٧٦ - قال المُسْتَعلون من قومه: إنا بالذي صدقتم به -أيها المؤمنون- كافرون، فلن نؤمن به، ولن نعمل بشرعه.
٧٧ - فنحروا الناقة التي نهاهم أن يمسوها بإيذاء، مستكبرين عن امتثال أمر الله، وقالوا مستهزئين مُسْتبعِدين لما توعدهم به صالح: يا صالح، جئنا بما توعدتنا به من العذاب الأليم إن كنت من رسل الله حقًّا.
٧٨ - فجاء الكافرين ما استعجلوه من العذاب، حيث أخذتهم الزلزلة الشديدة، فأصبحوا صرعى ملتصقة وجوههم ورُكَبُهم بالأرض، لم ينج منهم أحد من الهلاك.
٧٩ - فأعرض صالح ﵇ عن قومه بعد اليأس من استجابتهم، وقال لهم: يا قوم، لقد أوصلت لكم ما أمرني الله بتبليغه إليكم، ونصحتكم مرغِّبًا لكم ومرهِّبًا، ولكنكم قوم لا تحبون الناصحين الحريصين على دلالتكم على الخير وإبعادكم عن الشر.
٨٠ - واذكر لوطًا حين قال مستنكرًا على قومه: أتأتون الفعلة المنكرة المُسْتَقبحة وهي إتيان الذكور؟! هذه الفعلة التي ابتدعتموها، فلم يسبقكم إلى ارتكابها أحد!
٨١ - إنكم لتأتون الرجال لقضاء الشهوة دون النساء اللائي خُلِقن لقضائها، فلم تتبعوا في فعلتكم هذه عقلًا ولا نقلًا ولا فطرة، بل أنتم متجاوزون لحدود الله بخروجكم عن حد الاعتدال البشري، وانحرافكم عما تقتضيه العقول السليمة، والفطر الكريمة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستكبار يتولد غالبًا من كثرة المال والجاه، وقلة المال والجاه تحمل على الإيمان والتصديق والانقياد غالبًا.
• جواز البناء الرفيع كالقصور ونحوها؛ لأن من آثار النعمة: البناء الحسن مع شكر المنعم.
• الغالب في دعوة الأنبياء أن يبادر الضعفاء والفقراء إلى الإصغاء لكلمة الحق التي جاؤوا بها، وأما السادة والزعماء فيتمردون وششعلون عليها.
• قد يعم عذاب الله المجتمع كله إذا كثر فيه الخَبَث، وعُدم فيه الإنكار.
стр. 168
٨٢ - وما كان ردَّ قومه المرتكبين لهذه الفاحشة عما أنكره عليهم إلا أن قالوا معرضين عن الحق: أخرجوا لوطًا وأهله من قريتكم؛ إنهم أناس يتَنَزَّهون عن عملنا هذا، فلا يليق بنا أن يبقوا بين ظهرانينا.
٨٣ - فسلمناه وأهله حيث أمرناهم بالخروج ليلًا من القرية التي سيقع عليها العذاب، إلا امرأته صارت مع الباقين مع قومها، فأصابها ما أصابهم من العذاب.
٨٤ - وأمطرنا عليهم مطرًا عظيمًا، حيث رميناهم بحجارة من طين، وقلبنا القرية، فجعلنا عاليها سافلها، فتأمل -أيها الرسول- كيف كان عاقبة قوم لوط المجرمين؟ فقد كانت عاقبتهم الهلاك والخزي الدائم.
٨٥ - ولقد أرسلنا إلى قبيلة مَدْين أخاهم شعيبًا ﵇، فقال لهم: يا قوم، اعبدوا الله وحده ما لكم من معبود يستحق العبادة غيره، قد جاءكم برهان من الله واضح، وحجة جليَّة على صدق ما جئتكم به من ربي، أدوا إلى الناس حقوقهم بإكمال الكيل وإكمال الوزن، ولا تنقصوا الناس بعيب سلعهم، والتزهيد فيها، أو المخادعة لأصحابها، ولا تفسدوا في الأرض بالكفر وارتكاب المعاصي بعد إصلاحها ببعثة الأنبياء من قبل، ذلك المذكور خير لكم وأنفع إن كنتم مؤمنين؛ لما فيه من ترك المعاصي اجتنابًا لنهي الله عنها، ولما فيه من التقرب إلى الله بفعل ما أمر به.
٨٦ - ولا تقعدوا بكل طريق تهددون من سلكه من الناس لتسلبوا أموالهم، وتصدوا عن دين الله من أراد الاهتداء به، طالبين أن تكون سبيل الله معوجة حتى لا يسلكها الناس، واذكروا نعمة الله عليكم لتشكروها له، فقد كان عددكم قليلًا فكثَّركم، وتأملوا كيف كان عاقبة المفسدين في الأرض من قبلكم، فإن عاقبتهم كانت الهلاك والدمار.
٨٧ - وإن كان جماعة منكم آمنوا بما جئت به من ربي، وجماعة أخرى لم يؤمنوا بذلك فانتظروا -أيها المكذبون- ما يفصل الله بينكم وهو خير من يفصل وأعدل من يقضي.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اللواطَ فاحشة تدلُّ على انتكاس الفطرة، وناسب أن يكون عقابهم من جنس عملهم فنكس الله عليهم قراهم.
• تقوم دعوة الأنبياء -ومنهم شعيب ﵇ على أصلين: تعظيم أمر الله: ويشمل الإقرار بالتوحيد وتصديق النبوة. والشفقة على خلق الله: ويشمل ترك البَخْس وترك الإفساد وكل أنواع الإيذاء.
• الإفساد في الأرض بعد الإصلاح جُرْم اجتماعي في حق الإنسانية؛ لأن صلاح الأرض بالعقيدة والأخلاق فيه خير للجميع، وإفساد الأرض عدوان على الناس.
• من أعظم الذنوب وأكبرها وأشدها وأفحشها أخذُ ما لا يحقُّ أخذه شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجبر؛ فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه واقرار له.
стр. 169
٨٨ - قال الكبراء والرؤساء الذين استكبروا من قوم شعيب لشعيب ﵇: لنخرجنك -يا شعيب- من قريتنا هذه أنت ومن معك من الذين صَدَّقُوا بك، أو لترجعنّ إلى ديننا، قال لهم شعِيب مفكرًا ومتعجبًا: أنتابعكم على دينكم وملَّتكم حتى لو كنا كارهين لها لِعِلْمِنا ببطلان ما أنتم عليه؟!
٨٩ - قد اختلقنا على الله كذبًا إن نحن اعتقدنا ما أنتم عليه من شرك وكفر بعد أن سلَّمَنا الله بفضله منه، وما يصح ولا يستقيم لنا أن نرجع إلى ملَّتكم الباطلة إلا أن يشاء الله ربنا، لخضوع الجميع لمشيئته سبحانه، أحاط ربنا بعلم كل شيء، لا يخفى عليه منه شيء، على الله وحده اعتمدنا ليثبتنا على الصراط المستقيم، ويعصمنا من طرق الجحيم، يا ربنا، احكم بيننا وبين قومنا الكافرين بالحق، فانصر صاحب الحق المظلوم على الظالم المعاند، فأنت -يا ربنا- خير الحاكمين.
٩٠ - وقال الكبراء والرؤساء الكافرون من قومه الرافضون لدعوة التوحيد مُحذِّرين من شعيب ودينه: لئن دخلتم -يا قومنا- في دين شعيب، وتركتم دينكم ودين آبائكم إنكم بذلك لها لكون.
٩١ - فأخذتهم الزلزلة الشديدة، فأصبحوا هَلْكى في ديارهم، منكبّين على ركبهم ووجوههم، ميتين هامدين في دارهم.
٩٢ - الذين كَذَّبُوا شعيبًا هلكوا جميعًا، وصاروا كأنهم لم يقيموا بدارهم ولم يتمتعوا فيها، الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين؛ لأنهم خسروا أنفسهم وما ملكوا، ولم يكن المؤمنون من قومه هم الخاسرين كما ادعى هؤلاء الكافرون المكذبون.
٩٣ - وأعرض عنهم نبيهم شعيب ﵇ لَمَّا هلكوا، وقال مخاطبًا إياهم: يا قوم، لقد أبلغتكم ما أمرني ربي بإبلاغه إليكم، ونصحت لكم فلم تقبلوا نصحي، ولم تنقادوا لإرشادي، فكيف أحزن على قوم كافرين بالله مصرِّين على كفرهم؟!
٩٤ - وما أرسلنا في قرية من القرى نبيًّا من أنبياء الله، فكَذَّبَ أهلها وكفروا، إلا أخذناهم بالبؤس والفقر والمرض رجاء أن يتذللوا لله فيتركوا ما هم عليه من الكفر والاستكبار. وهذا تحذير لقريش ولكل من كفر وكذب بذكر سُنَّة الله في الأمم المكذبة.
٩٥ - ثم بدلناهم بعد الأخذ بالبؤس والمرض خيرًا وسعة وأمنًا حتى كثرت أعدادهم، ونمت أموالهم، وقالوا: ما أصابنا من الشر والخير هو عادة مُطَّرِدة أصابت أسلافنا من قبل، ولم يدركوا أن ما أصابهم من نِقَم يُراد به الاعتبار، وما أصابهم من نعم يُراد به الاستدراج، فأخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا يشعرون بالعذاب ولا يترقبونه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من مظاهر إكرام الله لعباده الصالحين أنه فتح لهم أبواب العلم ببيان الحق من الباطل، وبنجاة المؤمنين، وعقاب الكافرين.
• من سُنَّة الله في عباده الإمهال؛ لكي يتعظوا بالأحداث، ويُقْلِعوا عما هم عليه من معاص وموبقات.
• الابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، ويحتمل مشقاته الكثيرون، فأما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون.
стр. 170
٩٦ - ولو أن أهل هذه القرى التي أرسلنا إليها رسلنا صَدَّقُوا ما جاءتهم به رسلهم، واتقوا ربهم بترك الكفر والمعاصي وامتثال أوامره لفتحنا عليهم أبواب الخير من كل جهة، ولكنهم لم يصدقوا ولم يتقوا، بل كذبوا بما جاءت به رسلهم، فأخذناهم بالعذاب فجأة بسبب , كانوا يكسبونه من الآثام والذنوب.
٩٧ - أفأمن أهل هذه القرى الْمُكَذِّبَةِ أن يأتيهم عذابنا ليلًا وهم نائمون مستغرقون في راحتهم وهدوئهم؟
٩٨ - أَوَأمنوا أن يأتيهم عذابنا أول النهار، وهم لاهون غافلون لانشغالهم بدنياهم؟
٩٩ - انظروا إلى ما منحهم الله من الإمهال، وأنعم عليهم به من القوة وسعة الرزق استدراجًا لهم؛ أفأمن هؤلاء المكذبون من أهل تلك القرى مكر الله وتدبيره الخفي؟ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الهالكون، وأما الموفقون فإنهم يخافون مكره، فلا يغترون بما أنعم به عليهم، وإنما يرون مِنَّته عليهم، فيشكرونه.
١٠٠ - أَوَلم يتبين للذين يستخلفون في الأرض بعد إهلاك أسلافهم من الأمم بسبب ذنوبهم، ثم لم يعتبروا بما حل بهم، بل عملوا أعمالهم، ألم يتبين لهؤلاء أن الله لو شاء إصابتهم بذنوبهم لأصابهم بها كما هي سُنَّته؟ ويختم على قلوبهم فلا تتعظ بموعظة، ولا تنفعها ذكرى.
١٠١ - تلك القرى السابقة -وهي قرى أقوام نوح وهود وصالح ولوط وشعيب- نتلو عليك ونخبرك -أيها الرسول- من أخبارها وما كانت عليه من تكذيب وعناد وما حل بها من هلاك؛ ليكون ذلك عبرة لمن يعتبر، وموعظة لمن يتعظ، ولقد جاءت أهل هذه القرى رسلهم بالبراهين الواضحة على صدقهم، فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنهم يكذبون به. ومثل ختم الله على قلوب أهل هذه القرى المكذبين برسلهم يختم الله على قلوب الكافرين بمحمد ﷺ ، فلا يهتدون للإيمان.
١٠٢ - وما وجدنا لأكثر الأمم التي أُرْسِلَ إليها الرسل من وفاء والتزام بما أوصاهم الله، ولم نجد لهم انقيادًا لأوامره، وإنما وجدنا أكثرهم خارجين عن طاعة الله.
١٠٣ - ثم أرسلنا بعد أولئك الرسل موسى ﵇ بحججنا وأدلتنا البينة الدالة على صدقه إلى فرعون وقومه، فما كان منهم إلا أن جحدوا تلك الآيات وكفروا بها، فتأمل -أيها الرسول- كيف كان عاقبة فرعون وقومه، فقد أهلكهم الله بالغرق، وأتبعهم اللعنة في الدنيا والآخرة.
١٠٤ - وقال موسى لَمَّا بعثه الله إلى فرعون وجاءه: يا فرعون، إني مرسَل من خالق الخلق أجمعين ومالكهم ومدبر أمورهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الإيمان والعمل الصالح سبب لإفاضة الخيرات والبركات من السماء والأرض على الأمة.
• الصلة وثيقة بين سعة الرزق والتقوى، وإنْ أنعم الله على الكافرين فإن هذا استدراج لهم ومكر بهم.
• على العبد ألا يأمن من عذاب الله المفاجئ الذي قد يأتي في أية ساعة من ليل أو نهار.
• يقص القرآن أخبار الأمم السابقة من أجل تثبيت المؤمنين وتحذير الكافرين.
стр. 171
١٠٥ - قال موسى: ولما كنتُ مرسلًا منه فأنا جدير بألا أقول عليه إلا الحق، قد جئتكم بحجّة واضحة تدلّ على صدقي وأني مرسل من ربي إليكم، فأطلق معي بني إسرائيل مما كانوا فيه من الأسر والقهر.
١٠٦ - قال فرعون لموسى: إن كنت أتيت بآية كما تزعم فأْتِ بها إن كنت صادقًا في دعواك.
١٠٧ - فرمى موسى عصاه فتحولت حية عظيمة ظاهرة لمن يشاهدها.
١٠٨ - وأخرج يده وأظهرها من فتحة قميصه من عند صدره أو من تحت إبطه فخرجت بيضاء من غير برص، تتلألأ للناظرين لشدة بياضها.
١٠٩ - وقال الكبراء والرؤساء لما شاهدوا انقلاب عصا موسى حية وصيرورة يده بيضاء من غير برص: ليس موسى إلا ساحرًا قوي العلم بالسحر.
١١٠ - يقصد بما يقوم به أن يخرجكم من أرضكم هذه، وهي مصر، ثم استشاررهم فرعون بشأن موسى ﵇ قائلًا لهم: ماذا تشيرون به عليَّ من الرأي؟
١١١ - قالوا لفرعون: أَخِّرْ موسى وأخاه هارون، وابْتَعِث في مدائن مصر من يجمع السحرة فيها.
١١٢ - يَأْتِكَ هؤلاء الذين أرسلتهم لجمع السحرة من المدائن بكل ساحر ماهر بالسحر قوي في صناعته.
١١٣ - فبعث فرعون من يجمع السحرة، فلما جاء السحرة فرعون سألوه: هل لهم مكافاة إن غلبوا موسى بسحرهم وانتصروا عليه؟
١١٤ - فأجابهم فرعون بقوله: نعم، إن لكم مكافأة وأجرًا، وستكونون من القريبين بالمناصب.
١١٥ - قال السحرة واثقين بنصرهم على موسى باستعلاء وتكبر: اختر -يا موسى- ما شئت من ابتدائك بإلقاء ما تريد إلقاءه أو ابتدائنا بذلك.
١١٦ - فأجابهم موسى واثقًا بنصر ربه له غير مبال بهم: ارموا حبالكم وعصيكم، فلما ألقوها سحروا أعين الناس بصرفها عن صحة إدراكها، ورَعَبُوهم، وجاؤوا بسحر قوي في أعين الناظرين.
١١٧ - وأوحى الله إلى نبيه وكليمه موسى ﵇: أن ارم -يا موسى- عصاك، فرماها، فانقلبت العصا حية تبتلع حبالهم وعصيهم التي كانوا يستعملونها في قلب الحقائق، وإيهام الناس أنها حيات تسعى.
١١٨ - فظهر الحق وتبين صدق ما جاء به موسى ﵇، وتبين بطلان ما صنعه السحرة من السحر.
١١٩ - فَغُلِبُوا وهُزِموا، وانتصر موسى عليهم في ذلك المشهد، ورجعوا أذلاء مقهورين.
١٢٠ - فما كان من السحرة حين شاهدوا عظيم قدرة الله، ورأوا الآيات البينات، إلا أن خرُّوا سُجَّدًا له .
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من حكمة الله ورحمته أن جعل آية كل نبي مما يدركه قومه، وقد تكون من جنس ما برعوا به.
• أنّ فرعون كان عبدًا ذليلًا مهينًا عاجزًا، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى ﵇.
• يدل على ضعف السحرة -مع اتصالهم بالشياطين التي تلبي مطالبهم- طلبهم الأجر والجاه عند فرعون.
стр. 172
١٢١ - قال السحرة: آمنا برب الخلق أجمعين.
١٢٢ - رب موسى وهارون ﵉، فهو المستحق للعبادة دون غيره من الآلهة المزعومة.
١٢٣ - قال لهم فرعون متوعدًا إياهم بعد إيمانهم بالله وحده: صدَّقتم بموسى قبل أن آذن لكم؟ إن إيمانكم به وتصديقكم لِمَا جاء به موسى لخدعة ومكيدة دبَّرتموها أنتم وموسى لإخراج أهل المدينة منها، فسوف تعلمون -أيها السحرة- ما يحل بكم من عقاب وما يصيبكم من نكال.
١٢٤ - لأقطعن من كل واحد منكم يده اليمنى ورجله اليسرى أو يده اليسرى ورجله اليمنى، ثم لأعلقنَّكم جميعًا على جذوع النخل تنكيلًا بكم وترهيبًا لكل من يشاهدكم على هذه الحالة.
١٢٥ - قال السحرة ردًّا على وعيد فرعون: إنا إلى ربنا وحده راجعون، فلا نبالي بما تتوعد به.
١٢٦ - ولست تنكر منا وتجد علينا -يا فرعون- إلا تصديقنا بآيات ربنا لَمَّا جاءتنا على يد موسى، فإن كان هذا ذنبًا يُعَابُ به فهو ذنبنا، ثم توجهوا إلى الله بالدعاء قائلين في تضرع: يا ربنا، صُبَّ علينا الصبر حتى يغمرنا لنثبت على الحق، أَمِتْنَا مسلمين لك، منقادين لأمرك، متبعين لرسولك.
١٢٧ - وقال السادة والكبراء من قوم فرعون لفرعون، محرضين إياه على موسى ومن معه من المؤمنين: أتترك -يا فرعون- موسى وقومه لينشروا الفساد في الأرض، وليتركك أنت وآلهتك، ويدعو إلى عبادة الله وحده؟! قال فرعون: سَنُقَتِّلُ أبناء بني إسرائيل الذكور، ونستبقي نساءهم للخدمة، وإنا مستعلون عليهم بالقهر والغلبة والسلطان.
١٢٨ - قال موسى موصيًا قومه: يا قوم، اطلبوا العون من الله وحده في دفع الضر عنكم وجلب النفع إليكم، واصبروا على ما أنتم فيه من الابتلاء، فإن الأرض لله وحده، وليست لفرعون ولا غيره حتى يتحكم فيها، والله يداولها بين الناس حسب مشيئته، ولكن العاقبة الحسنة في الأرض للمؤمنين الذين يمتثلون أوامر ربهم ويجتنبون نواهيه، فهي لهم وإن أصابهم ما أصابهم من محن وابتلاءات.
١٢٩ - قال قوم موسى من بني إسرائيل لموسى ﵇: يا موسى ابْتُلِينَا على يد فرعون بقتل أبنائنا واستبقاء نسائنا من قبل مجيئك إلينا ومن بعده، قال لهم موسى ﵇ ناصحًا لهم، ومُبَشِّرًا بالفرج: لعل ربكم يهلك عدوكم فرعون وقومه، ويُمَكِّن لكم في الأرض من بعدهم، فينظر ما تعملون بعد ذلك من شكر أو كفر.
١٣٠ - ولقد عاقبنا آل فرعون بالجدب والقحط، واختبرناهم بنقص ثمار الأرض وغَلَّاتِهَا؛ رجاء أن يتذكروا ويتعظوا بأن ما جاءهم من ذلك إنما هو عقاب لهم على كفرهم، فيتوبوا إلى الله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• موقف السّحرة وإعلان إيمانهم بجرأة وصراحة يدلّ على أنّ الإنسان إذا تجرّد عن هواه، وأذعن للعقل والفكر السّليم بادر إلى الإيمان عند ظهور الأدلّة عليه.
• أهل الإيمان بالله واليوم الآخر هم أشدّ الناس حزمًا، وأكثرهم شجاعة وصبرًا في أوقات الأزمات والمحن والحروب.
• المنتفعون من السّلطة يُحرِّضون ويُهيِّجون السلطان لمواجهة أهل الإيمان؛ لأن في بقاء السلطان بقاء لمصالحهم.
• من أسباب حبس الأمطار وغلاء الأسعار: الظلم والفساد.
стр. 173
١٣١ - فإذا جاء آلَ فرعون الخَصْبُ وصلاح الثمار ورخص الأسعار قالوا: اعْطِينَا هذه لاستحقاقنا لها واختصاصنا بها، وإن يَنَلْهُمْ أو تُصِبْهم مصيبة من جَدْب وقَحْط وكثرة أمراض وغيرها من الرزايا يتشاءموا بموسى ومن معه من بني إسرائيل، والحق أن ما يصيبهم من ذلك كله إنما هو بتقدير من الله سبحانه، وليس لهم ولا لموسى ﵇ شأن فيه إلّا ما كان من دعاء موسى عليهم، ولكن أكثرهم لا يعلمون، فينسبونه إلى غير الله.
١٣٢ - وقال قوم فرعون لموسى ﵇ عنادًا للحق: أي آية ودلالة جئتنا بها، وأي حجة أقمتها على بطلان ما عندنا لتصرفنا عنه، وعلى صدق ما جئت به؛ فلن نُصَدِّقَ بك.
١٣٣ - فأرسلنا عليهم الماء الكثير عقابًا لهم على تكذيبهم وعنادهم، فأغرق زروعهم وثمارهم، وأرسلنا عليهم الجراد فأكل محاصيلهم، وأرسلنا عليهم دويبة تسمى القمل تصيب الزرع أو تؤذي الإنسان في شعره، وأرسلنا عليهم الضفادع فملأت أوعيتهم، وأفسدت أطعمتهم، وأرّقَتْ مضاجعهم، وأرسلنا عليهم الدم فتحولت مياه آبارهم وأنهارهم دمًا، أرسلنا كل ذلك آيات مُبَيَّنَاتٍ مفرقات يتبع بعضها بعضًا، ومع كل ما أصابهم من العقوبات استعلوا عن الإيمان بالله والتصديق بما جاء به موسى ﵇، وكانوا قومًا يرتكبون المعاصي، ولا ينزعون عن باطل، ولا يهتدون إلى حق.
١٣٤ - ولما أصابهم العذاب بهذه الأمور اتجهوا إلى موسى ﵇، فقالوا له: يا موسى، ادع لنا ربك بما اختصك به من النبوة، وبما عهد إليك من رفع العذاب بالتوبة أن يرفع عنا ما أصابنا من العذاب، فإن رفعت عنا ذلك لنؤمننَّ بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، ونطلقهم.
١٣٥ - فلما رفعنا عنهم العذاب إلى مدة معلومة قبل إهلاكهم بالغرق إذا هم ينقضون ما أخذوه على أنفسهم من التصديق وإرسال بني إسرائيل، فاستمروا على كفرهم، وامتنعوا من إرسال بني إسرائيل مع موسى ﵇.
١٣٦ - فلما حل الأجل المحدد لإهلاكهم أنزلنا عليهم نقمتنا بإغراقهم في البحر بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق الذي لا مرية فيه.
١٣٧ - وأورثنا بني إسرائيل الذين كان يستذلهم فرعون وقومه مشارق الأرض ومغاربها، والمقصود بذلك بلاد الشام، هذه البلاد التي بارك الله فيها بإخراج زروعها وثمارها على أكمل ما يكون، وتمت كلمة ربك -أيها الرسول- الحسنى وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، فَمَكَّنَ الله لهم في الأرض بسبب صبرهم على ما أصابهم من أذى فرعون وقومه، ودمرنا ما كان يصنع فرعون من المزارع والمساكن، وما كانوا يبنون من القصور.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الخير والشر والحسنات والسيئات كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك.
• شأن الناس في وقت المحنة والمصائب اللجوء إلى الله بدافع نداء الإيمان الفطري.
• يحسن بالمؤمن تأمل آيات الله وسننه في الخلق، والتدبر في أسبابها ونتائجها.
• تتلاشى قوة الأفراد والدول أمام قوة الله العظمى، والإيمان بالله هو مصدر كل قوة.
• يكافئ الله تعالى عباده المؤمنين الصابرين بأن يمكنهم في الأرض بعد استضعافهم.
стр. 174
١٣٨ - وَعَبَرنا ببني إسرائيل البحر لَمَّا ضربه موسى بعصاه فانفلق، فمرّوا على قوم يقيمون على عبادة أصنام لهم يعبدونها من دون الله، فقال بنو إسرائيل لموسى ﵇: يا موسى، اجعل لنا صنمًا نعبده كما لهؤلاء أصنام يعبدونها من دون الله، قال لهم موسى: يا قوم، إنكم قوم تجهلون ما يجب لله من تعظيم وتوحيد، وما يليق به من شرك وعبادة لغيره.
١٣٩ - إن هؤلاء المقيمين على عبادة أصنامهم مُهْلَكٌ ما هم فيه من عباده غيره، وباطل جميع ما كانوا يعملون من طاعة لإشراكهم في العبادة مع الله غيره.
١٤٠ - قال موسى لقومه: يا قوم، كيف أطلب لكم إلهًا غير الله تعبدونه، وقد شاهدتم من آياته العظام ما شاهدتم، وهو فضَّلكم على العالمين في زمانكم بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في الأرض، والتمكين لكم فيها؟!
١٤١ - واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أنجيناكم بإنقاذكم من استذلال فرعون وقومه لكم، إذ كانوا يذيقونكم أنواع الهوان من تقتيل أبنائكم الذكور، واستبقاء نسائكم للخدمة، وفي إنقاذكم من فرعون وقومه اختبار عظيم من ربكم يقتضي منكم الشكر.
١٤٢ - وواعد الله رسوله موسى لمناجاته ثلاثين ليلة، ثم أكملها الله بزيادة عشر، فصارت أربعين ليلة، وقال موسى لأخيه هارون لما أراد الذهاب لمناجاة ربه: يا هارون، كن خليفة لي في قومي، وأصلح أمرهم بحسن السياسة والرفق بهم، ولا تسلك طريق المفسدين بارتكاب المعاصي، ولا تكن معينًا للعصاة.
١٤٣ - وحين جاء موسى لمناجاة ربه في الموعد المضروب له، وهو تمام أربعين ليلة، وكَلَّمَهُ ربه بما كَلَّمَهُ به من الأوامر والنواهي وغيرها، تاقت نفسه إلى رؤية ربه، فسأله أن ينظر إليه، فأجابه الله : لن تراني في الحياة الدنيا؛ لعدم قدرتك على ذلك، لكن انظر إلى الجبل إذا تجليتُ له فإن بقي مكانه لم يتأثر فسوف تراني، وإن صار مستويًا بالأرض فلن تراني في الدنيا، فلما تجلَّى الله للجبل جعله مستويًا بالأرض، وسقط موسى مَغْشِيًّا عليه، فلما أفاق من الغشْية التي أصابته قال: أنزِّهك -يا رب- تنزيهًا عن كل ما لا يليق بك، ها أنا تبت إليك مما سألتك من رؤيتك في الدنيا، وأنا أول المؤمنين من قومي.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تؤكد الأحداث أن بني إسرائيل كانوا ينتقلون من ضلالة إلى أخرى على الرغم من وجود نبي الله موسى بينهم.
• من مظاهر خذلان الأمة أن تُحَسِّن القبيح، وتُقَبِّح الحسن بمجرد الرأي والأهواء.
• إصلاح الأمة وإغلاق أبواب الفساد هدف سامٍ للأنبياء والدعاة.
• قضى الله تعالى ألا يراه أحد من خلقه في الدنيا، وسوف يكرم من يحب من عباده برؤيته في الآخرة.
стр. 175
١٤٤ - قال الله لموسى: يا موسى، إني اخترتك وفضَّلتك على الناس برسالاتي حين أرسلتك إليهم، وفضَّلتك بكلامي لك دون واسطة، فخذ ما أعطيتك من هذا الشرف الكريم، وكن من الشاكرين لله على هذا العطاء العظيم.
١٤٥ - وكتبنا لموسى في ألواح من خشب أو غيره من كل ما يحتاجه بنو إسرائيل من أمور دينهم ودنياهم موعظة لمن يتعظ منهم، وتفصيلًا للأحكام التي يحتاج إلى تفصيلها، فخذ هذه التوراة -يا موسى- بجد واجتهاد، وَأمُرْ قومك بني إسرائيل أن يأخذوا بأحسن ما فيها مما أجره أعظم كفعل المأمور به على أكمل وجه، وكالصبر والعفو، سأريكم عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، وما يصير إليه من الهلاك والدمار.
١٤٦ - سأصرف عن الاعتبار بآياتي في الآفاق والأنفس، وعن فهم آيات كتابي؛ الذين يستعلون على عباد الله وعلى الحق بغير حق، وإن يروا كل آية لا يصدِّقوا بها؛ لاعتراضهم عليها وإعراضهم عنها، ولمُحَادَّتِهِم الله ورسوله، وإن يروا طريق الحق الْمُوصِلَ إلى مرضاة الله لا يسلكوه، ولا يرغبوا فيه، وإن يروا طريق الغواية والضلال الْمُوصِلَ إلى سخط الله يسلكوه، ذلك الذي أصابهم إنما أصابهم لتكذيبهم بآيات الله العظيمة الدالة على صدق ما جاء به الرسل، ولغفلتهم عن النظر فيها.
١٤٧ - والذين كذبوا بآياتنا الدالة على صدق رسلنا، وكذبوا بلقاء الله يوم القيامة، بطلت أعمالهم التي هي من جنس الطاعات، فلا يُثَابون عليها لفقد شرطها الذي هو الإيمان، ولا يجزون يوم القيامة إلا ما كانوا يعملونه من الكفر بالله والشرك به، وجزاء ذلك الخلود في النار.
١٤٨ - ووضع قوم موسى من بعد ذهابه لمناجاة ربه من حُلِيِّهم تمثالَ عِجْل لا روح فيه وله صوت، ألم يعلموا أن هذا العجل لا يكلمهم، ولا يرشدهم إلى طريق خير حسي أو معنوي، ولا يجلب لهم نفعًا أو يكشف عنهم ضرًّا؟ اتخذوه معبودًا وكانوا ظالمين لأنفسهم بذلك.
١٤٩ - ولما ندموا وتحَيَّروا وعلموا أنهم قد ضلوا عن الصراط المستقيم باتخاذهم العجل معبودًا مع الله تضرعوا إلى الله فقالوا: لئن لم يرحمنا ربنا بالتوفيق لطاعته، ويغفر لنا ما أقدمنا عليه من عبادة العجل، لنكونن من الذين خسروا دنياهم وآخرتهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• على العبد أن يكون من المُظْهِرين لإحسان الله وفضله عليه، فإن الشكر مقرون بالمزيد.
• على العبد الأخذ بالأحسن في الأقوال والأفعال.
• يجب تلقي الشريعة بحزم وجد وعزم على الطاعة وتنفيذ ما ورد فيها من الصلاح والإصلاح ومنع الفساد والإفساد.
• على العبد إذا أخطأ أو قصَّر في حق ربه أن يعترف بعظيم الجُرْم الذي أقدم عليه، وأنه لا ملجأ من الله في إقالة عثرته إلا إليه.
стр. 176
١٥٠ - ولما عاد موسى من مناجاة ربه إلى قومه ممتلئًا عليهم غضبًا وحزنا لِمَا وجدهم عليه من عبادة العجل قال: بئست الحالة التي خلفتموني -يا قوم- بها بعد ذهابي عنكم؛ لِمَا تؤديه من الهلاك والشقاء، أَمللتم من انتظاري، فأقدمتم على عبادة العجل؟! ورمى الألواح من شدة ما أصابه من الغضب والحزن، وأمسك برأس أخيه هارون ولحيته يسحبه إليه لبقائه معهم وعدم تغييره لِمَا رآهم عليه من عبادة العجل، قال هارون معتذرًا إلى موسى مستعطفًا إياه: يا ابن أمي، إن القوم حسبوني ضعيفًا فاستذلوني، وأوشكوا أن يقتلوني، فلا تعاقبني بعقوبة تسرّ أعدائي، ولا تصيرني بسبب غضبك عليَّ في عداد الظالمين من القوم بسبب عبادتهم غير الله.
١٥١ - فدعا موسى ربه: يا رب اغفر لي، ولأخي هارون، وأدخلنا في رحمتك واجعلها تحيط بنا من كل جانب، وأنت -يا ربنا- أرحم بنا من كل راحم.
١٥٢ - إن الذين صَيَّرُوا العجل إلهًا يعبدونه سيصيبهم غضب شديد من ربهم، وهوان في هذه الحياة لإغضابهم ربهم واستهانتهم به، وبمثل هذا الجزاء نجزي المختلقين الكذب على الله.
١٥٣ - والذين عملوا السيئات من الشرك بالله، وفعل المعاصي، ثم تابوا إلى الله بأن آمنوا به، وانتهوا عما كانوا يعملونه من المعاصي، إن ربك -أيها الرسول- من بعد هذه التوبة والرجوع من الشرك إلى الإيمان، ومن المعاصي إلى الطاعة، لغفور لهم بالستر والتجاوز، رحيم بهم.
١٥٤ - ولما سكن عن موسى ﵇ الغضب وهدأ اْخذ الألواح التي رماها بسبب الغضب، وهذه الألواح مشتملة على الهداية من الضلال وبيان الحق، ومشتملة على الرحمة للذين يخشون ربهم، ويخافون عقابه.
١٥٥ - واصطفى موسى سبعين رجلًا من خيار قومه ليعتذروا إلى ربهم مما فعله سفهاؤهم من عبادة العجل، ووعدهم الله ميقاتًا يحضرون فيه، فلما حضروا تجرؤوا على الله، وطلبوا من موسى أن يريهم الله عيانًا، فأخذتهم الزلزلة فصعقوا من هولها وهلكوا، فتضرَّع موسى إلى ربه، فقال: يا رب، لو شئت إهلاكهم وإهلاكي معهم من قبل مجيئهم لأهلكتهم، أتهلكنا بسبب ما فعله خفاف العقول منا؟ فما قام به قومي من عبادة العجل ما هو إلا ابتلاء واختبار تضل به من تشاء، وتهدي من تشاء، أنت متولي أمرنا فاغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا برحمتك الواسعة، وأنت خير من غفر ذنبًا، وعفا عن إثم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة لا يعذر فيه صاحبه عند إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البعيد.
• من آداب الدعاء البدء بالنفس، حيث بدأ موسى ﵇ دعاءه فطلب المغفرة لنفسه تأدُّبًا مع الله فيما ظهر عليه من الغضب، ثم طلب المغفرة لأخيه فيما عسى أن يكون قد ظهر منه من تفريط أو تساهل في ردع عبدة العجل عن ذلك.
• التحذير من الغضب وسلطته على عقل الشخص، ولذلك نسب الله له فعل السكوت كأنه هو الآمر والناهي.
• ضرورة التوقي من غضب الله، وخوف بطشه، فانظر إلى مقام موسى ﵇ عند ربه، وانظر خشيته من غضب ربه.
стр. 177
١٥٦ - واجعلنا من الذين أكرمتهم في هذه الحياة بالنعم والعافية ووفقتهم للعمل الصالح، وممن أعددت لهم الجنة من عبادك الصالحين في الآخرة، إنا تبنا إليك، ورجعنا مُقِرِّين بتقصيرنا، قال الله تعالى: عذابي أصيب به من أشاء ممن يعمل بأسباب الشقاء، ورحمتي شملت كل شيء في الدنيا؛ فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغَمَره فضله وإحسانه، فسأكتب رحمتي في الآخرة للذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والذين يعطون زكاة أموالهم مستحقيها، والذين هم بآياتنا يؤمنون.
١٥٧ - الذين يتبعون محمدًا ﷺ ، وهو النبي الأمِّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما يوحي إليه ربه، وهو الذي يجدون اسمه وصفاته وما أنزل إليه مكتوبًا في التوراة المُنَزَّلة على موسى ﵇، والإنجيل المُنَزَّل على عيسى ﵇، يأمرهم بما عُرِف حسنه وصلاحه، وينهاهم عما عُرِف قبحه في العقول الصحيحة والفطر السليمة، ويبيح لهم المُسْتَلذَّات مما لا ضرر فيه من المطاعم والمشارب والمناكح، ويحرم عليهم المُسْتَخْبثات منها، ويزيل عنهم التكاليف الشاقة التي كانوا يُكلّفون بها، كوجوب قتل القاتل سواء كان القتل عمدًا أم خطأ، فالذين آمنوا به من بني إسرائيل ومن غيرهم، وعظَّموه ووقَّروه، ونصروه على من يعاديه من الكفار، واتبعوا القرآن الذي أنزل عليه كالنور الهادي؛ أولئك هم المفلحون الذين ينالون ما يطلبونه، ويُجَنَّبُونَ ما يرهبونه.
١٥٨ - قل -أيها الرسول-: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعًا، عربكم وعجمكم، الذي له وحده ملك السماوات، وله ملك الأرض، لا معبود بحق غيره سبحانه، يُحْيي الموتى، ويميت الأحياء، فآمنوا -أيها الناس- بالله، وآمنوا بمحمدٍ ﷺ رسوله النبي الذي لا يقرأ ولا يَكتب، وإنما جاء بوحي يوحيه إليه ربه، الذي يؤمن بالله، ويؤمن بما أنزِل إليه وما أنزِل على النبيين من قبله دون تفريق، واتَّبِعوه فيما جاء به من ربه؛ رجاء أن تهتدوا إلى ما فيه مصلحتكم في الدنيا والآخرة. ولمَّا ذكر الله ما ذكر عن بني إسرائيل من عبادة العجل ذكر سبحانه أن منهم أمة مخالفة لما عليه الذين عبدوا العجل، فقال:
١٥٩ - ومن قوم موسى من بني إسرائيل جماعة مستقيمة على الدين الصحيح، يدلون الناس عليه، ويحكمون بالعدل فلا يجورون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تضمَّنت التوراة والإنجيل أدلة ظاهرة على بعثة النبي محمد ﷺ وعلى صدقه.
• رحمة الله وسعت كل شيء، ولكن رحمة الله عباده ذات مراتب متفاوتة، تتفاوت بحسب الإيمان والعمل الصالح.
• الدعاء قد يكون مُجْملًا وقد يكون مُفَصَّلًا حسب الأحوال، وموسى في هذا المقام أجمل في دعائه.
• من صور عدل الله إنصافه للقِلَّة المؤمنة، فذكرَ صفات بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهَّم متوهِّم أن هذا يعم جميعهم، فَذَكَر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.
стр. 178
١٦٠ - وقسَّمنا بني إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة، وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه أن يدعو الله أن يسقيهم: أن اضرب -يا موسى- بعصاك الحجر، فضربه موسى، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا بعدد قبائلهم الاثنتي عشرة، قد علمت كل قبيلة منهم مَشْربها الخاص بها، فلا تشترك معها فيه قبيلة أخرى، وظللنا عليهم السحاب يسير بسيرهم، ويتوقف بتوقفهم، وأنزلنا عليهم من نعمنا شرابًا حلوًا مثل العسل وطائرًا صغيرًا طيب اللحم يشبه السُّمانى، وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، وما نقصونا شيئا بما وقع منهم من الظلم وكفران النعم، وعدم تقديرها حق قدرها، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بنقص حظوظها حين أوردوها موارد الهلاك بما ارتكبوه من مخالفة أمر الله والتنكر لنعمه.
١٦١ - واذكر -أيها الرسول- حين قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا بيت المقدس، وكلوا من ثمار قريته من أي مكان منه وفي أي وقت شئتم، وقولوا: يا ربنا، حُطَّ عنا خطايانا، وادخلوا الباب راكعين خاضعين لربكم؛ فإن فعلتم ذلك تجاوزنا عن ذنوبكم، وسنزيد المحسنين من خيري الدنيا والآخرة.
١٦٢ - فغَيَّر الظالمون منهم القول الذي أُمِرُوا به فقالوا: حَبَّة في شعيرة، عوضًا عما أُمِرُوا به من طلب المغفرة، وغيروا الفعل الذي أُمِرُوا به، فدخلوا يزحفون على أدبارهم بدلًا من الدخول خاضعين لله مُقْنِعي رؤوسهم، فأرسلنا عليهم عذابًا من السماء بسبب ظلمهم.
١٦٣ - واسأل -أيها الرسول- اليهود تذكيرًا لهم بما عاقب الله به أسلافهم عن قصة القرية التي كانت بقرب البحر حين كانوا يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت بعد نهيهم عنه حين ابتلاهم الله بأن صارت الأسماك تأتيهم ظاهرة على وجه البحر يوم السبت، وفي سائر الأيام لا تأتيهم، ابتلاهم الله بذلك بسبب خروجهم عن الطاعة وارتكابهم المعاصي، فاحتالوا لصيده بأن نصبوا شباكهم، وحفروا حفرهم، فكانت الحيتان تقع فيها يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد أخذوها وأكلوها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجحود والكفران سبب في الحرمان من النعم.
• من أسباب حلول العقاب ونزول العذاب التحايل على الشرع؛ لأنه ظلم وتجاوز لحدود الله.
• كتب الله على بني إسرائيل الذلة والمسكنة، وتأذَّن بأن يبعث عليهم كل مدة من يذيقهم العذاب بسبب ظلمهم وانحرافهم.
стр. 179
١٦٤ - واذكر -أيها الرسول- حين كانت جماعة منهم تنهاهم عن هذا المنكر، وتحذرهم منه، فقالت لها جماعة أخرى: لِمَ تنصحون جماعةً اللهُ مُهْلِكها في الدنيا بما ارتكبته من المعاصي، أو معذبها يوم القيامة عذابًا شديدًا؟ قال الناصحون: نصيحتنا لهم معذرة إلى الله بفعل ما أمرنا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا يؤاخذنا بترك ذلك، ولعلهم ينتفعون بالموعظة، فيُقْلِعون عما هم فيه من المعصية.
١٦٥ - فلمَّا أعرض العُصاة عما ذَكَّرَهُم به الواعظون، ولم يكفُّوا، أنجينا الذين نهوا عن المنكر من العذاب، وأخذنا الذين ظلموا باعتدائهم بالصيد يوم السبت بعذاب شديد بسبب خروجهم عن طاعة الله وإصرارهم على المعصية.
١٦٦ - فلما تجاوزوا الحد في عصيان الله تكبرًا وعنادًا، ولم يتعظوا، قلنا لهم: أيها العصاة، كونوا قردة أذلاء؛ فكانوا كما أردنا، إنما أَمْرُنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: كن، فيكون.
١٦٧ - واذكر -أيها الرسول- إذ أعلم الله إعلامًا صريحًا لا لبس فيه ليُسَلِّطن على اليهود من يذلهم ويهينهم في حياتهم الدنيا إلى يوم القيامة، إن ربك -أيها الرسول- لسريع العقاب لمن عصاه، حتى إنه قد يُعجِّل له العقوبة في الدنيا، وانه لَغفوز لِذُنوب مَن تاب من عباده، رحيم بهم.
١٦٨ - وفرَّقناهم في الأرض، ومزَّقناهم فيها طوائف، بعد أن كانوا مجتمعين، منهم الصالحون القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، ومنهم المقتصدون، ومنهم المسرفون على أنفسهم بالمعاصي، واختبرناهم باليسر والعسر رجاء أن يرجعوا عما هم فيه.
١٦٩ - فجاء من بعد هؤلاء أهل سَوْءٍ يخلفونهم، أخذوا التوراة من أسلافهم، يقرؤونها ولا يعملون بما فيها، يأخذون متاع الدنيا الرديء رشوة لتحريفهم كتاب الله، والحكم بغير ما أنزل فيه، ويُمَنون أنفسهم بأن الله سيغفر لهم ذنوبهم، وإن يأتهم متاع دنيوي زهيد يأخذوه مرة بعد مرة، ألم يأخذ الله العهود والمواثيق على هؤلاء ألا يقولوا على الله إلا الحق دون تحريف أو تبديل؟! ولم يكن تركهم للعمل بالكتاب عن جهل، بل كان على علم، فقد قرأوا ما فيه وعَلِمُوهُ، فذنبهم أشد، والدار الآخرة وما في الدار الآخرة من نعيم دائم خير من ذلك المتاع الزائل للذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون هذا المتاع الزهيد أن ما أعده الله للمتقين في الآخرة خير وأبقى؟!
١٧٠ - والذين يتَمَسَّكون بالكتاب، ويعملون بما فيه، ويقيمون الصلاة بالمحافظة على أوقاتها وشروطها وواجباتها وسننها، سيجازيهم الله على أعمالهم، فالله لا يضيع أجرَ مَن عملُه صالح.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إذا نزل عذاب الله على قوم بسبب ذنوبهم ينجو منه من كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فيهم.
• يجب الحذر من عذاب الله؛ فإنه قد يكون رهيبًا في الدنيا، كما فعل سبحانه بطائفة من بني إسرائيل حين مَسَخَهم قردة بسبب تمردهم.
• نعيم الدنيا مهما بدا أنه عظيم فإنه قليل تافه بجانب نعيم الآخرة الدائم.
• أفضل أعمال العبد بعد الإيمان إقامة الصلاة؛ لأنها عمود الأمر.
стр. 180
١٧١ - واذكر -يا محمد- إذ اقتلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل لَمَّا امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فصار الجبل كأنه سحابة تظل رؤوسهم، وأيقنوا أنه ساقط عليهم، وقيل لهم: خذوا ما أعطيناكم بجد واجتهاد وعزيمة، وتذكروا ما فيه من الأحكام التي شرعها الله لكم ولا تنسوه؛ رجاء أن تتقوا الله إذا قمتم بذلك.
١٧٢ - واذكر -يا محمد- إذ أخرج ربك من أصلاب بني آدم ذرياتهم، وقررهم بإثبات ربوبيته بما أودعه في فطرهم من الإقرار بأنه خالقهم وربهم قائلًا لهم: ألست بربكم؟ قالوا جميعًا: بلى أنت ربنا، قال: إنما امتحناكم وأخذنا عليكم الميثاق حتى لا تنكروا يوم القيامة حجة الله عليكم، وتقولوا: إنه لا علم لكم بذلك.
١٧٣ - أو تحتجوا بأن آباءكم هم الذين نقضوا العهد فأشركوا بالله، وأنكم كنتم مقلدين لآبائكم فيما وجدتموهم عليه من الشرك، فتقولوا: أفتؤاخذنا -يا ربنا- بما فعله آباؤنا الذين أبطلوا أعمالهم بالشرك بالله فتعذبنا؟ فلا ذنب لنا؛ لجهلنا وتقليدنا لآبائنا.
١٧٤ - وكما بينا الآيات في مصير الأمم المكذبة كذلك نبيِّنها لهؤلاء؛ رجاء أن يرجعوا عما هم عليه من الشرك إلى توحيد الله وعبادته وحده؛ كما جاء في العهد الذي قطعوه لله على أنفسهم.
١٧٥ - واقرأ -أيها الرسول- على بني إسرائيل خبر رجل منهم أعطيناه آياتنا فَعَلِمَهَا وفهم الحق الذي دلت عليه، ولكنه لم يعمل بها، بل تركها وانخلع منها، فلحقه الشيطان، وصار قرينًا له، فأصبح من الضالين الهالكين بعد أن كان من المهتدين الناجين.
١٧٦ - ولو شئنا نَفْعَه بهذه الآيات لرفعناه بها بأن نوفقه للعمل بها فيرتفع في الدنيا والآخرة، ولكنه اختار ما يؤدي إلى خذلانه حين مال إلى شهوات الدنيا مؤثرًا دنياه على آخرته، واتبع ما تهواه نفسه من الباطل، فمثله في شدة الحرص على الدنيا كمثل الكلب لا يزال لاهثًا في كل حال، إن كان رابضًا لهث، وإن طُرِدَ لهث، ذلك المثل المذكور مثل القوم الضالين بتكذيبهم بآياتنا، فاقصص -أيها الرسول- القصص عليهم، رجاء أن يتفكروا فينزجروا عما هم فيه من التكذيب والضلال.
١٧٧ - ليس أسوأ من القوم الذين كذبوا بحُجَجنا وبراهيننا، ولم يصدقوا بها، وهم بذلك يظلمون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك.
١٧٨ - من يوفقه الله للهداية إلى صراطه المستقيم فهو المهتدي حقًّا؛ ومن يبعده عن الصراط المستقيم، فأولئك هم الناقصون أنفسهم حظوظهم حقًّا، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المقصود من إنزال الكتب السماوية العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها فقط، فإن ذلك نَبْذ لها.
• أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية، فإذا كانت فطرته سليمة، ولم يدخل عليها ما يفسدها أدرك هذه الأدلة، وعمل بمقتضاها.
• في الآيات عبرة للموفَّقين للعمل بآيات القرآن؛ ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم للعمل بها؛ لتزكو نفوسهم.
• في الآيات تلقين للمسلمين للتوجه إلى الله تعالى بطلب الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال.
следующие страницы →