Полный текст (612 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
١٥٠ - ولما عاد موسى من مناجاة ربه إلى قومه ممتلئًا عليهم غضبًا وحزنا لِمَا وجدهم عليه من عبادة العجل قال: بئست الحالة التي خلفتموني -يا قوم- بها بعد ذهابي عنكم؛ لِمَا تؤديه من الهلاك والشقاء، أَمللتم من انتظاري، فأقدمتم على عبادة العجل؟! ورمى الألواح من شدة ما أصابه من الغضب والحزن، وأمسك برأس أخيه هارون ولحيته يسحبه إليه لبقائه معهم وعدم تغييره لِمَا رآهم عليه من عبادة العجل، قال هارون معتذرًا إلى موسى مستعطفًا إياه: يا ابن أمي، إن القوم حسبوني ضعيفًا فاستذلوني، وأوشكوا أن يقتلوني، فلا تعاقبني بعقوبة تسرّ أعدائي، ولا تصيرني بسبب غضبك عليَّ في عداد الظالمين من القوم بسبب عبادتهم غير الله.
١٥١ - فدعا موسى ربه: يا رب اغفر لي، ولأخي هارون، وأدخلنا في رحمتك واجعلها تحيط بنا من كل جانب، وأنت -يا ربنا- أرحم بنا من كل راحم.
١٥٢ - إن الذين صَيَّرُوا العجل إلهًا يعبدونه سيصيبهم غضب شديد من ربهم، وهوان في هذه الحياة لإغضابهم ربهم واستهانتهم به، وبمثل هذا الجزاء نجزي المختلقين الكذب على الله.
١٥٣ - والذين عملوا السيئات من الشرك بالله، وفعل المعاصي، ثم تابوا إلى الله بأن آمنوا به، وانتهوا عما كانوا يعملونه من المعاصي، إن ربك -أيها الرسول- من بعد هذه التوبة والرجوع من الشرك إلى الإيمان، ومن المعاصي إلى الطاعة، لغفور لهم بالستر والتجاوز، رحيم بهم.
١٥٤ - ولما سكن عن موسى ﵇ الغضب وهدأ اْخذ الألواح التي رماها بسبب الغضب، وهذه الألواح مشتملة على الهداية من الضلال وبيان الحق، ومشتملة على الرحمة للذين يخشون ربهم، ويخافون عقابه.
١٥٥ - واصطفى موسى سبعين رجلًا من خيار قومه ليعتذروا إلى ربهم مما فعله سفهاؤهم من عبادة العجل، ووعدهم الله ميقاتًا يحضرون فيه، فلما حضروا تجرؤوا على الله، وطلبوا من موسى أن يريهم الله عيانًا، فأخذتهم الزلزلة فصعقوا من هولها وهلكوا، فتضرَّع موسى إلى ربه، فقال: يا رب، لو شئت إهلاكهم وإهلاكي معهم من قبل مجيئهم لأهلكتهم، أتهلكنا بسبب ما فعله خفاف العقول منا؟ فما قام به قومي من عبادة العجل ما هو إلا ابتلاء واختبار تضل به من تشاء، وتهدي من تشاء، أنت متولي أمرنا فاغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا برحمتك الواسعة، وأنت خير من غفر ذنبًا، وعفا عن إثم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة لا يعذر فيه صاحبه عند إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البعيد.
• من آداب الدعاء البدء بالنفس، حيث بدأ موسى ﵇ دعاءه فطلب المغفرة لنفسه تأدُّبًا مع الله فيما ظهر عليه من الغضب، ثم طلب المغفرة لأخيه فيما عسى أن يكون قد ظهر منه من تفريط أو تساهل في ردع عبدة العجل عن ذلك.
• التحذير من الغضب وسلطته على عقل الشخص، ولذلك نسب الله له فعل السكوت كأنه هو الآمر والناهي.
• ضرورة التوقي من غضب الله، وخوف بطشه، فانظر إلى مقام موسى ﵇ عند ربه، وانظر خشيته من غضب ربه.
стр. 177
١٥٦ - واجعلنا من الذين أكرمتهم في هذه الحياة بالنعم والعافية ووفقتهم للعمل الصالح، وممن أعددت لهم الجنة من عبادك الصالحين في الآخرة، إنا تبنا إليك، ورجعنا مُقِرِّين بتقصيرنا، قال الله تعالى: عذابي أصيب به من أشاء ممن يعمل بأسباب الشقاء، ورحمتي شملت كل شيء في الدنيا؛ فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغَمَره فضله وإحسانه، فسأكتب رحمتي في الآخرة للذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والذين يعطون زكاة أموالهم مستحقيها، والذين هم بآياتنا يؤمنون.
١٥٧ - الذين يتبعون محمدًا ﷺ ، وهو النبي الأمِّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما يوحي إليه ربه، وهو الذي يجدون اسمه وصفاته وما أنزل إليه مكتوبًا في التوراة المُنَزَّلة على موسى ﵇، والإنجيل المُنَزَّل على عيسى ﵇، يأمرهم بما عُرِف حسنه وصلاحه، وينهاهم عما عُرِف قبحه في العقول الصحيحة والفطر السليمة، ويبيح لهم المُسْتَلذَّات مما لا ضرر فيه من المطاعم والمشارب والمناكح، ويحرم عليهم المُسْتَخْبثات منها، ويزيل عنهم التكاليف الشاقة التي كانوا يُكلّفون بها، كوجوب قتل القاتل سواء كان القتل عمدًا أم خطأ، فالذين آمنوا به من بني إسرائيل ومن غيرهم، وعظَّموه ووقَّروه، ونصروه على من يعاديه من الكفار، واتبعوا القرآن الذي أنزل عليه كالنور الهادي؛ أولئك هم المفلحون الذين ينالون ما يطلبونه، ويُجَنَّبُونَ ما يرهبونه.
١٥٨ - قل -أيها الرسول-: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعًا، عربكم وعجمكم، الذي له وحده ملك السماوات، وله ملك الأرض، لا معبود بحق غيره سبحانه، يُحْيي الموتى، ويميت الأحياء، فآمنوا -أيها الناس- بالله، وآمنوا بمحمدٍ ﷺ رسوله النبي الذي لا يقرأ ولا يَكتب، وإنما جاء بوحي يوحيه إليه ربه، الذي يؤمن بالله، ويؤمن بما أنزِل إليه وما أنزِل على النبيين من قبله دون تفريق، واتَّبِعوه فيما جاء به من ربه؛ رجاء أن تهتدوا إلى ما فيه مصلحتكم في الدنيا والآخرة. ولمَّا ذكر الله ما ذكر عن بني إسرائيل من عبادة العجل ذكر سبحانه أن منهم أمة مخالفة لما عليه الذين عبدوا العجل، فقال:
١٥٩ - ومن قوم موسى من بني إسرائيل جماعة مستقيمة على الدين الصحيح، يدلون الناس عليه، ويحكمون بالعدل فلا يجورون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تضمَّنت التوراة والإنجيل أدلة ظاهرة على بعثة النبي محمد ﷺ وعلى صدقه.
• رحمة الله وسعت كل شيء، ولكن رحمة الله عباده ذات مراتب متفاوتة، تتفاوت بحسب الإيمان والعمل الصالح.
• الدعاء قد يكون مُجْملًا وقد يكون مُفَصَّلًا حسب الأحوال، وموسى في هذا المقام أجمل في دعائه.
• من صور عدل الله إنصافه للقِلَّة المؤمنة، فذكرَ صفات بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهَّم متوهِّم أن هذا يعم جميعهم، فَذَكَر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.
стр. 178
١٦٠ - وقسَّمنا بني إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة، وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه أن يدعو الله أن يسقيهم: أن اضرب -يا موسى- بعصاك الحجر، فضربه موسى، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا بعدد قبائلهم الاثنتي عشرة، قد علمت كل قبيلة منهم مَشْربها الخاص بها، فلا تشترك معها فيه قبيلة أخرى، وظللنا عليهم السحاب يسير بسيرهم، ويتوقف بتوقفهم، وأنزلنا عليهم من نعمنا شرابًا حلوًا مثل العسل وطائرًا صغيرًا طيب اللحم يشبه السُّمانى، وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، وما نقصونا شيئا بما وقع منهم من الظلم وكفران النعم، وعدم تقديرها حق قدرها، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بنقص حظوظها حين أوردوها موارد الهلاك بما ارتكبوه من مخالفة أمر الله والتنكر لنعمه.
١٦١ - واذكر -أيها الرسول- حين قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا بيت المقدس، وكلوا من ثمار قريته من أي مكان منه وفي أي وقت شئتم، وقولوا: يا ربنا، حُطَّ عنا خطايانا، وادخلوا الباب راكعين خاضعين لربكم؛ فإن فعلتم ذلك تجاوزنا عن ذنوبكم، وسنزيد المحسنين من خيري الدنيا والآخرة.
١٦٢ - فغَيَّر الظالمون منهم القول الذي أُمِرُوا به فقالوا: حَبَّة في شعيرة، عوضًا عما أُمِرُوا به من طلب المغفرة، وغيروا الفعل الذي أُمِرُوا به، فدخلوا يزحفون على أدبارهم بدلًا من الدخول خاضعين لله مُقْنِعي رؤوسهم، فأرسلنا عليهم عذابًا من السماء بسبب ظلمهم.
١٦٣ - واسأل -أيها الرسول- اليهود تذكيرًا لهم بما عاقب الله به أسلافهم عن قصة القرية التي كانت بقرب البحر حين كانوا يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت بعد نهيهم عنه حين ابتلاهم الله بأن صارت الأسماك تأتيهم ظاهرة على وجه البحر يوم السبت، وفي سائر الأيام لا تأتيهم، ابتلاهم الله بذلك بسبب خروجهم عن الطاعة وارتكابهم المعاصي، فاحتالوا لصيده بأن نصبوا شباكهم، وحفروا حفرهم، فكانت الحيتان تقع فيها يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد أخذوها وأكلوها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجحود والكفران سبب في الحرمان من النعم.
• من أسباب حلول العقاب ونزول العذاب التحايل على الشرع؛ لأنه ظلم وتجاوز لحدود الله.
• كتب الله على بني إسرائيل الذلة والمسكنة، وتأذَّن بأن يبعث عليهم كل مدة من يذيقهم العذاب بسبب ظلمهم وانحرافهم.
стр. 179
١٦٤ - واذكر -أيها الرسول- حين كانت جماعة منهم تنهاهم عن هذا المنكر، وتحذرهم منه، فقالت لها جماعة أخرى: لِمَ تنصحون جماعةً اللهُ مُهْلِكها في الدنيا بما ارتكبته من المعاصي، أو معذبها يوم القيامة عذابًا شديدًا؟ قال الناصحون: نصيحتنا لهم معذرة إلى الله بفعل ما أمرنا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا يؤاخذنا بترك ذلك، ولعلهم ينتفعون بالموعظة، فيُقْلِعون عما هم فيه من المعصية.
١٦٥ - فلمَّا أعرض العُصاة عما ذَكَّرَهُم به الواعظون، ولم يكفُّوا، أنجينا الذين نهوا عن المنكر من العذاب، وأخذنا الذين ظلموا باعتدائهم بالصيد يوم السبت بعذاب شديد بسبب خروجهم عن طاعة الله وإصرارهم على المعصية.
١٦٦ - فلما تجاوزوا الحد في عصيان الله تكبرًا وعنادًا، ولم يتعظوا، قلنا لهم: أيها العصاة، كونوا قردة أذلاء؛ فكانوا كما أردنا، إنما أَمْرُنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: كن، فيكون.
١٦٧ - واذكر -أيها الرسول- إذ أعلم الله إعلامًا صريحًا لا لبس فيه ليُسَلِّطن على اليهود من يذلهم ويهينهم في حياتهم الدنيا إلى يوم القيامة، إن ربك -أيها الرسول- لسريع العقاب لمن عصاه، حتى إنه قد يُعجِّل له العقوبة في الدنيا، وانه لَغفوز لِذُنوب مَن تاب من عباده، رحيم بهم.
١٦٨ - وفرَّقناهم في الأرض، ومزَّقناهم فيها طوائف، بعد أن كانوا مجتمعين، منهم الصالحون القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، ومنهم المقتصدون، ومنهم المسرفون على أنفسهم بالمعاصي، واختبرناهم باليسر والعسر رجاء أن يرجعوا عما هم فيه.
١٦٩ - فجاء من بعد هؤلاء أهل سَوْءٍ يخلفونهم، أخذوا التوراة من أسلافهم، يقرؤونها ولا يعملون بما فيها، يأخذون متاع الدنيا الرديء رشوة لتحريفهم كتاب الله، والحكم بغير ما أنزل فيه، ويُمَنون أنفسهم بأن الله سيغفر لهم ذنوبهم، وإن يأتهم متاع دنيوي زهيد يأخذوه مرة بعد مرة، ألم يأخذ الله العهود والمواثيق على هؤلاء ألا يقولوا على الله إلا الحق دون تحريف أو تبديل؟! ولم يكن تركهم للعمل بالكتاب عن جهل، بل كان على علم، فقد قرأوا ما فيه وعَلِمُوهُ، فذنبهم أشد، والدار الآخرة وما في الدار الآخرة من نعيم دائم خير من ذلك المتاع الزائل للذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون هذا المتاع الزهيد أن ما أعده الله للمتقين في الآخرة خير وأبقى؟!
١٧٠ - والذين يتَمَسَّكون بالكتاب، ويعملون بما فيه، ويقيمون الصلاة بالمحافظة على أوقاتها وشروطها وواجباتها وسننها، سيجازيهم الله على أعمالهم، فالله لا يضيع أجرَ مَن عملُه صالح.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إذا نزل عذاب الله على قوم بسبب ذنوبهم ينجو منه من كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فيهم.
• يجب الحذر من عذاب الله؛ فإنه قد يكون رهيبًا في الدنيا، كما فعل سبحانه بطائفة من بني إسرائيل حين مَسَخَهم قردة بسبب تمردهم.
• نعيم الدنيا مهما بدا أنه عظيم فإنه قليل تافه بجانب نعيم الآخرة الدائم.
• أفضل أعمال العبد بعد الإيمان إقامة الصلاة؛ لأنها عمود الأمر.
стр. 180
١٧١ - واذكر -يا محمد- إذ اقتلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل لَمَّا امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فصار الجبل كأنه سحابة تظل رؤوسهم، وأيقنوا أنه ساقط عليهم، وقيل لهم: خذوا ما أعطيناكم بجد واجتهاد وعزيمة، وتذكروا ما فيه من الأحكام التي شرعها الله لكم ولا تنسوه؛ رجاء أن تتقوا الله إذا قمتم بذلك.
١٧٢ - واذكر -يا محمد- إذ أخرج ربك من أصلاب بني آدم ذرياتهم، وقررهم بإثبات ربوبيته بما أودعه في فطرهم من الإقرار بأنه خالقهم وربهم قائلًا لهم: ألست بربكم؟ قالوا جميعًا: بلى أنت ربنا، قال: إنما امتحناكم وأخذنا عليكم الميثاق حتى لا تنكروا يوم القيامة حجة الله عليكم، وتقولوا: إنه لا علم لكم بذلك.
١٧٣ - أو تحتجوا بأن آباءكم هم الذين نقضوا العهد فأشركوا بالله، وأنكم كنتم مقلدين لآبائكم فيما وجدتموهم عليه من الشرك، فتقولوا: أفتؤاخذنا -يا ربنا- بما فعله آباؤنا الذين أبطلوا أعمالهم بالشرك بالله فتعذبنا؟ فلا ذنب لنا؛ لجهلنا وتقليدنا لآبائنا.
١٧٤ - وكما بينا الآيات في مصير الأمم المكذبة كذلك نبيِّنها لهؤلاء؛ رجاء أن يرجعوا عما هم عليه من الشرك إلى توحيد الله وعبادته وحده؛ كما جاء في العهد الذي قطعوه لله على أنفسهم.
١٧٥ - واقرأ -أيها الرسول- على بني إسرائيل خبر رجل منهم أعطيناه آياتنا فَعَلِمَهَا وفهم الحق الذي دلت عليه، ولكنه لم يعمل بها، بل تركها وانخلع منها، فلحقه الشيطان، وصار قرينًا له، فأصبح من الضالين الهالكين بعد أن كان من المهتدين الناجين.
١٧٦ - ولو شئنا نَفْعَه بهذه الآيات لرفعناه بها بأن نوفقه للعمل بها فيرتفع في الدنيا والآخرة، ولكنه اختار ما يؤدي إلى خذلانه حين مال إلى شهوات الدنيا مؤثرًا دنياه على آخرته، واتبع ما تهواه نفسه من الباطل، فمثله في شدة الحرص على الدنيا كمثل الكلب لا يزال لاهثًا في كل حال، إن كان رابضًا لهث، وإن طُرِدَ لهث، ذلك المثل المذكور مثل القوم الضالين بتكذيبهم بآياتنا، فاقصص -أيها الرسول- القصص عليهم، رجاء أن يتفكروا فينزجروا عما هم فيه من التكذيب والضلال.
١٧٧ - ليس أسوأ من القوم الذين كذبوا بحُجَجنا وبراهيننا، ولم يصدقوا بها، وهم بذلك يظلمون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك.
١٧٨ - من يوفقه الله للهداية إلى صراطه المستقيم فهو المهتدي حقًّا؛ ومن يبعده عن الصراط المستقيم، فأولئك هم الناقصون أنفسهم حظوظهم حقًّا، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المقصود من إنزال الكتب السماوية العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها فقط، فإن ذلك نَبْذ لها.
• أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية، فإذا كانت فطرته سليمة، ولم يدخل عليها ما يفسدها أدرك هذه الأدلة، وعمل بمقتضاها.
• في الآيات عبرة للموفَّقين للعمل بآيات القرآن؛ ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم للعمل بها؛ لتزكو نفوسهم.
• في الآيات تلقين للمسلمين للتوجه إلى الله تعالى بطلب الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال.
стр. 181
١٧٩ - ولقد أنشأنا لجهنم كثيرًا من الجن، وكثيرًا من الإنس؛ لعلمنا بأنهم سيعملون بعمل أهلها، لهم قلوب لا يدركون بها ما ينفعهم ولا ما يضرهم، ولهم أعين لا يبصرون بها آيات الله في الأنفس والآفاق فيعتبرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها آيات الله فيتدبرون ما فيها، أولئك المتصفون بهذه الصفات مثل البهائم في فقد العقل، بل هم أكثر بعدًا في الضلال من البهائم، أولئك هم الغافلون عن الإيمان بالله واليوم الآخر.
١٨٠ - ولله -سبحانه- الأسماء الحسنى التي تدل على جلاله وكماله، فتوسَّلوا بها إلى الله في طلب ما تريدون وأثنوا عليه بها، واتركوا الذين يميلون عن الحق في هذه الأسماء بجعلها لغير الله، أو نفيها عنه، أو تحريف معناها أو تشبيه غيره بها، سنجزي هؤلاء الذين يميلون بها عن الحقِّ: العذاب المؤلم بما كانوا يعملون.
١٨١ - وممن خَلَقْنا جماعة يهتدون في أنفسهم بالحق، ويدعون إليه غيرهم فيهتدون، ويحكمون به بالعدل فلا يجورون.
١٨٢ - والذين كذبوا بآياتنا، ولم يؤمنوا بها، بل جحدوها، سنفتح لهم أبواب الرزق لا إكرامًا لهم، بل لاستدراجهم حتى يتمادوا فيما هم عليه من الضلال، ثم يصيبهم عذابنا على حين غِرَّة.
١٨٣ - وأؤخر عنهم العقوبة حتى يظنوا أنهم غير معاقبين، فيستمروا على تكذيبهم وكفرهم حتى يُضاعَف عليهم العذاب، إن كيدي قوي، فأظهر لهم الإحسان، وأريد بهم الخذلان.
١٨٤ - أَوَلَم يتفكر هؤلاء المكذبون بآيات الله وبرسوله، فَيُعْمِلُوا عقولهم ليتضح لهم أن محمدًا ﷺ ليس بمجنون، إنما هو رسول من الله بعثه محذرًا من عذاب الله تحذيرًا بيِّنًا.
١٨٥ - أَوَلَم ينظر هؤلاء نظر اعتبار إلى ملك الله في السماوات والأرض، وينظروا إلى ما خلق الله فيهما من حيوان ونبات وغيرهما، وينظروا في آجالهم التي عسى أن تكون نهايتها قَرُبَتْ فيتوبوا قبل فوات الأوان، فإذا لم يؤمنوا بالقرآن وما فيه من وعد ووعيد فبأي كتاب غيره يؤمنون؟!
١٨٦ - من يخذله الله عن الهداية إلى الحق، ويضله الله عن الصراط المستقيم، فلا هادي له يهديه إليه، ويتركهم الله في ضلالهم وكفرهم يتحيرون لا يهتدون إلى شيء.
١٨٧ - يسألك هؤلاء المكذبون المُتَعنِّتون عن القيامة: أي وقت تقع ويستقر العلم بها؟ قل -يا محمد-: ليس علمها عندي ولا عند غيري، وإنما علمها عند الله وحده يظهرها لوقتها المقدر لها إلا الله، خفي أمر ظهورها على أهل السماوات وأهل الأرض، لا تأتيكم إلا فجأة، يسألونك عن الساعة كأنك حريص على العلم بها، وما علموا أنك لا تسأل عنها لكمال علمك بربك، قل لهم -يا محمد-: إنما علم الساعة عند الله وحده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خَلَق الله للبشر آلات الإدراك والعلم -القلوب والأعين والآذان- لتحصيل المنافع ودفع المضار.
• الدعاء بأسماء الله الحسنى سبب في إجابة الدعاء، فيُدْعَى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، مثل: اللهمَّ تب عَلَيَّ يا تواب.
• التفكر في عظمة السماوات والأرض، والتوصل بهذا التفكر إلى أن الله تعالى هو المستحق للألوهية دون غيره؛ لأنه المنفرد بالصنع.
стр. 182
١٨٨ - قل -يا محمد-: لا أستطيع جلب خيرٍ لنفسي، ولا كشف سوء عنها، إلا ما شاء الله، وإنما ذلك إلى الله، ولا أعلم إلا ما علَّمني الله، فلا أعلم الغيب، ولو كنت أعلم الغيب لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تجلب لي المصالح، وتدفع عني المفاسد؛ لِعِلمي بالأشياء قبل كونها وعلمي لما تؤول إليه، لست إلا رسولًا من عند الله، أخَوِّفُ من عقابه الأليم، وأبَشِّرُ بثوابه الكريم قومًا يؤمنون بأني رسول منه ، ويُصَدِّقُونَ بما جئت به.
١٨٩ - هو الذي أوجدكم -أيها الرجال والنساء- من نفس واحدة هي آدم ﵇، وخلق من آدم ﵇ زوجته حواء، خلقها من ضلعه ليأنس إليها، ويطمئن بها، فلما جامع زوجٌ زوجته حملت حملًا خفيفًا لا تشعر به؛ لأنه كان في بدايته، واستمرت على حملها هذا تمضي في حوائجها لا تجد ثقلًا، فلما أثقلت به حين كبر في بطنها دعا الزوجان ربهما قائلين: لئن أعطيتنا -يا ربنا- ولدًا صالح الخلقة تامَّها لنكونن من الشاكرين لنعمك.
١٩٠ - فلما استجاب الله دعاءهما، وأعطاهما ولدًا صالحًا كما دَعَوَا صَيَّرَا لله شركاء فيما وهبهما فَعَبَّدَا ولدهما لغيره، وسَمَّيَاهُ عبد الحارث، فتعالى الله وتنزه عن كل شريك، فهو المنفرد بالربوبية والألوهية.
١٩١ - أيجعلون هذه الأصنام وغيرها شركاء لله في العبادة، وهم يعلمون أنها لا تخلق شيئًا فتستحق العبادة، بل هي مخلوقة، فكيف يجعلونها شركاء لله؟!
١٩٢ - ولا تقدر هذه المعبودات نصر عابديها، ولا تقدر نصر أنفسها، فكيف يعبدونها؟!
١٩٣ - وإن تدعوا -أيها المشركون- هذه الأصنام التي تتخذونها آلهة من دون الله إلى الهدى لا يجيبوكم إلى ما دعوتموهم إليه ولا يتبعوكم، فسواء عندها دعاؤكم لها وسكوتكم عنها؛ لأنها مجرد جمادات، لا تعقل، ولا تسمع، ولا تنطق.
١٩٤ - إن الذين تعبدونهم -أيها المشركون- من دون الله هم مخلوقون لله، مملوكون له، فهم أمثالكم في ذلك مع أنكم أفضل حالًا؛ لأنكم أحياء تنطقون وتمشون وتسمعون وتبصرون، وأصنامكم ليست كذلك، فادعوهم وليردوا عليكم الجواب إن كنتم صادقين فيما تدَّعونه لهم.
١٩٥ - ألهؤلاء الأصنام الذين اتخذتموهم آلهة: أرجل يمشون بها فيسعون في حوائجكم؟ أم لهم أيد يدفعون بها عنكم بقوة؟ أم لهم أعين يبصرون بها ما كاب عنكم فيخبرونكم؟ أم لهم آذان يسمعون بها ما خفي عنكم فيوصلون علمه لكم؟ فإن كانت معطلة من ذلك كله فكيف تعبدونها رجاء جلب نفع أو دفع ضر؟! قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: ادعوا من ساويتموهم بالله، ثم احتالوا لضري، ولا تمهلوني.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات بيان جهل من يقصد النبي ﷺ ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضر؛ لأن النفع إنما يحصل مِن قِبَلِ ما أرسل به من البشارة والنذارة.
• جعل الله بمنَّته من نوع الرجل زوجه؛ ليألفها ولا يجفو قربها ويأنس بها؛ لتتحقق الحكمة الإلهية في التناسل.
• لا يليق بالأفضل الأكمل الأشرف من المخلوقات وهو الإنسان أن يشتغل بعبادة الأخس والأرذل من الحجارة والخشب وغيرها من الآلهة الباطلة.
• الواجب على العاقل عبادة الله تعالى؛ لأنه هو الذي يحقق له منافع الدين بإنزال الكتاب المشتمل على العلوم العظيمة في الدّين، ومنافع الدّنيا بتولّي الصالحين من عباده وحفظه لهم ونصرته إياهم، فلا تضرّهم عداوة من عاداهم.
стр. 183
١٩٦ - إن نصيري ومُعيني الله الذي يحفظني، فلا أرجو غيره، ولا أخاف شيئًا من أصنامكم، فهو الذي نزل عليَّ القرآن هدى للناس، وهو الذي يتولى الصالحين من عباده، فيحفظهم وينصرهم.
١٩٧ - والذين تدعونهم -أيها المشركون- من هذه الأصنام لا يقدرون على نصركم، ولا يقدرون على نصر أنفسهم، فهم عاجزون، فكيف تدعونه من دون الله؟!
١٩٨ - وإن تدعوا -أيها المشركون- أصنامكم التي تعبدونها من دون الله إلى الاستقامة لا يسمعوا دعاءكم، وتراهم يقابلونك بأعين مصورة، وهي جماد لا تبصر، فقد كانوا يصنعون تماثيل على هيئة بني آدم أو الحيوانات، ولها أيد وأرجل وأعين، لكنها جامدة، لا حياة فيها ولا حركة.
١٩٩ - اقبل -أيها الرسول- من الناس ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، ولا تكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، فإن ذلك ينفِّرهم، وَأْمُرْ بكل قول جميل وفعل حسن، وأعرض عن الجاهلين، فلا تقابلهم بجهلهم، فمن آذاك فلا تؤذه، ومَن حَرَمَكَ فلا تَحْرمْه.
٢٠٠ - وإذا أحسسَت -أيها الرسول- أن الشيطان أصابك بوسوسة أو تَثْبيط عن فعل الخير فالتجئ إلى الله، واعتصم به، فإنه سميع لما تقوله، عليم بالتجائك، فسيحميك من الشيطان.
٢٠١ - إن الذين اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه إذا أصابتهم وسوسة من الشيطان فأذنبوا؛ تذكروا عظمة الله وعقابه للعصاة وثوابه للمطيعين، فتابوا من ذنوبهم، وأنابوا إلى ربهم، فإذا هم قد استقاموا على الحق، وصَحَوْا مما كانوا عليه، وانتهوا.
٢٠٢ - وإخوان الشياطين من الفجار والكفار لا يزال الشياطين يزيدونهم في الضلال بذنب بعد ذنب، ولا يُمْسِكُ، لا الشياطين عن الإغواء والإضلال، ولا الفجار من الإنس عن الانقياد وفعل الشر.
٢٠٣ - وإذا جئت -أيها الرسول- بآية كذبوك وأعرضوا عنها، وإن لم تأتهم بآية قالوا: هلَّا اخترعت آية من عندك واختلقتها، قل لهم -أيها الرسول-: ليس لي أن آتي بآية من تلقاء نفسي، ولا أتبع إلا ما يوحيه الله إلي، هذا القرآن الذي أقرؤه عليكم حجج وبراهين من الله خالقكم ومدبر شؤونكم، وإرشاد ورحمة للمؤمنين من عباده، وأما غير المؤمنين فهم ضُلَّالٌ أشقياء.
٢٠٤ - وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا لقراءته، ولا تتكلموا، ولا تنشغلوا بغيره؛ رجاء أن يرحمكم الله.
٢٠٥ - واذكر -أيها الرسول- الله ربك متذللًا متواضعًا خائفًا، واجعل دعاءك وسطًا بين رفع الصوت وخفضه في أول النهار وآخره لفضل هذين الوقتين، ولا تكن من الغافلين عن ذكر الله تعالى.
٢٠٦ - إن الذين عند ربك -أيها الرسول- من الملائكة لا يترفعون عن عبادته سبحانه، بل ينقادون لها مذعنين لا يفترون، وهم يُنزِّهون الله بالليل والنهار عما لا يليق به، وله وحده يسجدون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات بشارة للمسلمين المستقيمين على صراط نبيهم ﷺ بأن ينصرهم الله كما نصر نبيه وأولياءه.
• في الآيات جماع الأخلاق، فعلى العبد أن يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه.
• على العبد إذا مَسَّه سوء من الشيطان -فأذنب بفعل محرم، أو ترك واجب- أن يستغفر الله تعالى، ويستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الماحية.
стр. 184
سورة الأنفال
- مَدنيّة-
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان أحكام الجهاد وعوامل النصر والهزيمة من خلال غزوة بدر.
[التَّفْسِيرُ]
١ - يسألك أصحابك -أيها الرسول- عن الغنائم، كيف قسمتها؟ وعلى من تكون القسمة؟ قل -أيها الرسول- مجيبًا سؤالهم: الغنائم لله ورسوله، وحكمها لله ولرسوله في التصَرُّف والتوزيع، فما عليكم إلا الانقياد والاستسلام، فاتقوا الله -أيها المؤمنون- بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأصلحوا ما بينكم من التقاطع والتدابر بالتواد والتواصل وحسن الخلق والعفو، والْزَمُوا طاعة الله وطاعة رسوله إن كنتم مؤمنين حقًّا؛ لأن الإيمان يبعث على الطاعة والبعد عن المعصية. وكان هذا السؤال بعد وقعة بدر.
٢ - إنما المؤمنون حقًّا الذين إذا ذكر الله خافت قلوبهم؛ فانساقت قلوبهم وأبدانهم للطاعة، وإذا قُرِئَتْ عليهم آيات الله تدبروها فازدادوا إيمانًا إلى إيمانهم، وعلى ربهم وحده يعتمدون في جَلْب مصالحهم ودَفْع مفاسدهم.
٣ - الذين يداومون على أداء الصلاة بصفتها التامة في أوقاتها، رزقناهم يخرجون النفقات الواجبة والمستحبة.
٤ - أولئك المتصفون بتلك الصفات هم المؤمنون حقًّا؛ لجمعهم بين خصال الإيمان والإسلام الظاهرة، وجزاؤهم منازل عالية عند ربهم، ومغفرة لذنوبهم ورزق كريم، وهو ما أعده الله لهم من النعيم.
٥ - كما أن الله انتزع منكم قسمة الغنائم بعد اختلافكم في قسمتها وتنازعكم فيها، وجعلها إليه وإلى رسوله ﷺ ، كذلك أمَرَكَ ربك -أيها الرسول- بالخروج من المدينة للقاء المشركين بوحي أنزله عليك، مع كراهة طائفة من المؤمنين لذلك.
٦ - تُجَادِلُكَ -أيها الرسول الطائفة من المؤمنين في قتال المشركين بعدما اتضح لهم أنه واقع، كأنما يُسَاقون إلى الموت وهم ينظرون إليه عيانًا، وذلك لشدة كراهتهم للخروج للقتال؛ لأنهم لم يأخذوا له أهبته، ولم يعدوا له عدته.
٧ - واذكروا -أيها المؤمنون المجادلون- إذ يعدكم الله أنه سيكون لكم الظفر بإحدى طائفتي المشركين، وهي إما العِير وما تحمله من أموال فتأخذونه غنيمة، وإما النفِير فتقاتلونهم وتُنْصَرُونَ عليهم، وتحبون أنتم أن تظفروا بالعِير لسهولة الاستيلاء عليها ويُسْرِه دون قتال، ويريد الله أن يحق الحق بأمركم بالقتال؛ لتقتلوا صناديد المشركين، وتأسروا كثيرًا منهم حتى تظهر قوة الإسلام.
٨ - ليحق الله الحق بإظهار الإسلام وأهله، وذلك بما يظهره من الشواهد على صدقه، وليبطل سبحانه الباطل بما يظهر من البراهين على بطلانه، ولو كره المشركون ذلك، فالله مُظْهِره.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه ويُنمِّيه؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها.
• الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر، فأما إذا وضح وبان فليس إلا الانقياد والإذعان.
• أَمْر قسمة الغنائم متروك للرّسول ﷺ ، والأحكام مرجعها إلى الله تعالى ورسوله لا إلى غيرهما.
• إرادة تحقيق النّصر الإلهي للمؤمنين؛ لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
стр. 185
٩ - واذكروا يوم بدر حين طلبتم الغوث من الله بالنصر على عدوكم، فاستجاب الله لكم بأنه ممدكم -أيها المؤمنون- ومعينكم بألف من الملائكة، متتابعين يتبع بعضهم بعضًا.
١٠ - وما جعل الله الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم -أيها المؤمنون- بأنه ناصركم على عدوكم، ولتسكن قلوبكم موقنة بالنصر، وليس النصر بكثرة العَدَدِ، وتوافر العُدَدِ، وإنما النصر من عند الله سبحانه، إن الله عزيز في ملكه، لا يغالبه أحد، حكيم في شرعه وقَدَرِهِ.
١١ - اذكروا -أيها المؤمنون- إذ يُلْقِي الله النعاس عليكم أمنًا مما حصل لكم من الخوف من عدوكم، وينزل عليكم مطرًا من السماء؛ ليطهركم من الأحداث، وليزيل عنكم وساوس الشيطان، وليثبِّت به قلوبكم لتثبت أبدانكم عند اللقاء، وليثبِّت به الأقدام بتلْبيد الأرض الرملية حتى لا تسيخ فيها الأقدام.
١٢ - إذ يوحي ربك -أيها النبي- إلى الملائكة الذين أمد الله بهم المؤمنين في بدر: أني معكم -أيها الملائكة- بالنصر والتأييد، فَقَوُّوا عزائم المؤمنين على قتال عدوهم، سألقي في قلوب الذين كفروا الخوف الشديد؛ فاضربوا -أيها المؤمنون- أعناق الكافرين ليموتوا، واضربوا مفاصلهم وأطرافهم ليتعطلوا عن قتالكم.
١٣ - ذلك الواقع بالكفار من القتل وضرب الأطراف سببه أنهم خالفوا الله ورسوله، فلم يأتمروا بما أمروا به، ولم ينتهوا عما نهوا عنه، ومن يخالف الله ورسوله في ذلك فإن الله شديد العقاب له في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالنار.
١٤ - ذلكم العذاب المذكور لكم -أيها المخالفون لله ورسوله- فذوقوه مُعَجَّلًا لكم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة لكم عذاب النار إن متم على كفركم وعنادكم.
١٥ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إذا قابلتم المشركين في القتال متقاربين فلا تنهزموا عنهم، وتولوهم ظهوركم هاربين، ولكن اثبتوا في وجوههم، واصبروا على لقائهم، فالله معكم بنصره وتأييده.
١٦ - ومن يولهم ظهره فارًّا منهم غير منعطف لقتالهم بأن يريهم الفَرَّ مكيدة منه، وهو يريد الكَرَّ عليهم، أو غير مُنضم إلى جماعة من المسلمين حاضرة يستنجد بها؛ فقد رجع بغضب من الله، واستحقه، ومقامه في الآخرة جهنم، وبئس المصير مصيره، وبئس المُنْقَلب مُنْقَلبه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات اعتناء الله العظيم بحال عباده المؤمنين، وتيسير الأسباب التي بها ثبت إيمانهم، وثبتت أقدامهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية.
• أن النصر بيد الله، ومِن عنده سبحانه، وهو ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ مع أهمية هذا الإعداد.
• الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر.
• في الآيات تعليم المؤمنين قواعد القتال الحربية، ومنها: طاعة الله والرسول، والثبات أمام الأعداء، والصبر عند اللقاء، وذِكْر الله كثيرًا.
стр. 186
١٧ - فلم تقتلوا -أيها المؤمنون- يوم بدر المشركين بحولكم وقوتكم، ولكن الله أعانكم على ذلك، وما رميت -أيها النبي- المشركين حين رميتهم، ولكن الله هو الذي رماهم حين أوصل رميتك إليهم، وليختبر المؤمنين بما أنعم عليهم من إظهارهم على عدوهم مع ما هم فيه من قلة العَدَدِ والعُدَدِ ليشكروه، إن الله سميع لدعائكم وأقوالكم، عليم بأعمالكم، وبما فيه صلاحكم.
١٨ - ذلك المذكور من قتل المشركين، ورميهم حتى انهزموا وولوا هاربين، والإنعام على المؤمنين بإظهارهم على عدوهم؛ هو من الله، والله مُضْعِف كيد الكافرين الذين يكيدونه للإسلام.
١٩ - إن تطلبوا -أيها المشركون- أن يوقع الله عذابه وبأسه على الظالمين المعتدين فقد أوقع الله عليكم ما طلبتم، فأنزل بكم ما كان نكالًا لكم وعبرة للمتقين، وإن تكفوا عن طلب ذلك فهو خير لكم، فربما أمهلكم ولم يعجل انتقامه منكم، وإن تعودوا إلى طلبه وإلى قتال المؤمنين نعد بإيقاع العذاب عليكم وبنصر المؤمنين، ولن تغني عنكم جماعتكم ولا أنصاركم ولو كانت كثيرة العَدَدِ والعُدَدِ مع قلة المؤمنين، وإن الله مع المؤمنين بالنصر والتأييد، ومن كان الله معه فلا غالب له.
٢٠ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، أطيعوا الله وأطيعوا رسوله بامتثال أمره واجتناب نهيه، ولا تعرضوا عنه بمخالفة أمره وإتيان نهيه، وأنتم تسمعون آيات الله تقرأ عليكم.
٢١ - ولا تكونوا -أيها المؤمنون- مثل المنافقين والمشركين الذين إذا تُلِيت عليهم آيات الله قالوا: سمعنا بآذاننا ما يتلى علينا من القرآن، وهم لا يسمعون سماع تدبر واتعاظ؛ فينتفعوا بما سمعوه.
٢٢ - إن شر من يَدِبّ على وجه الأرض من الخلق عند الله هم الصُّمُّ الذين لا يسمعون الحق سماع قَبول، البُكْم الذين لا ينطقون، فهم الذين لا يدركون عن الله أوامره ولا نواهيه.
٢٣ - ولو علم الله أن في هؤلاء المشركين المكذبين خيرًا لأسمعهم سماعًا ينتفعون به، ويتعقَّلون عنده الحجج والبراهين، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، ولو أنه سبحانه أسمعهم -على سبيل الفرض والتقدير- لتولوا عن الإيمان عنادًا، وهم معرضون.
٢٤ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، استجيبوا لله ولرسوله بالانقياد لما أمرا به والاجتناب لِمَا نهيا عنه، إذا دعاكم لِمَا فيه حياتكم من الحق، وأيقنوا أن الله قادر على كل شي، فهو قادر أن يحول بينكم وبين الانقياد للحق إذا أردتموه بعد رفضكم له، فبادروا إليه، وأيقنوا أنكم إلى الله وحده تحشرون يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم التي عملتموها في الدنيا.
٢٥ - واحذروا -أيها المؤمنون- عذابًا لا ينال العاصي منكم وحده، بل يناله وينال غيره، وذلك حين يظهر الظلم فلا يُغَيَّرُ، وأَيْقِنُوا أن الله قوي العقاب لمن عصاه؛ فاحذروا من معصيته.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من كان الله معه فهو المنصور وإن كان ضعيفًا قليلًا عدده، وهذه المعية تكون بحسب ما قام به المؤمنون من أعمال الإيمان.
• المؤمن مطالب بالأخذ بالأسباب المادية، والقيام بالتكليف الذي كلفه الله، ثم يتوكل على الله، ويفوض الأمر إليه، أما تحقيق النتائج والأهداف فهو متروك لله .
• في الآيات دليل على أن الله تعالى لا يمنع الإيمان والخير إلا عمَّن لا خير فيه، وهو الذي لا يزكو لديه هذا الإيمان ولا يثمر عنده.
• على العبد أن يكثر من الدعاء: يا مُقلِّب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مُصرِّف القلوب اصرف قلبي إلى طاعتك.
• أَمَرَ الله المؤمنين ألا يُقِرُّوا المنكر بين أظهرهم فيعُمَّهم العذاب.
стр. 187
٣٦ - واذكروا -أيها المؤمنون- حين كنتم في مكة قليلي العدد، يستضعفكم أهلها، ويقهرونكم، تخافون أن يأخذكم أعداؤكم بسرعة، فضمكم الله إلى مأوى تأوون إليه وهو المدينة، وقَوَّاكم بالنصر على أعدائكم في مواطن الحرب التي منها بدر، ورزقكم من الطيبات، ومن جملتها الغنائم التي أخذتموها من أعدائكم، لعلكم تشكرون لله نعمه، فيزيدكم منها، ولا تكفرونها فيسلبها منكم، ويعذبكم.
٢٧ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تخونوا الله والرسول بترك الامتثال للأوامر وعدم اجتناب النواهي، ولا تخونوا ما ائْتُمِنْتُم عليه من الدين وغيره، وأنتم تعلمون أن ما قمتم به خيانة؛ فتكونوا من الخائنين. ولما كانت محبة الأموال والأولاد تدفع العبد إلى الخيانة أخبر الله أنهما فتنة، فقال:
٢٨ - واعلموا -أيها المؤمنون- أن أموالكم وأولادكم إنما هي ابتلاء من الله لكم واختبار، فقد تصدُّكم عن العمل للآخرة، وتحملكم على الخيانة، واعلموا أن الله عنده ثواب عظيم، فلا تُفَوِّتُوا عليكم هذا الثواب بمراعاة أموالكم وأولادكم والخيانة من أجلهم.
٢٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، اعلموا أنكم إن تتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يجعل لكم ما تُفرِّقون به بين الحق والباطل، فلا يَلْتَبسان عليكم، ويَمْحُ عنكم ما اجترحتموه من السيئات، ويغفر لكم ذنوبكم، والله ذو الفضل العظيم، ومن فضله العظيم جنته التي أعدها للمتقين من عباده.
٣٠ - واذكر -أيها الرسول- حين تَمَالأ عليك المشركون ليكيدوا لك بحبسك أو بقتلك أو نفيك من بلدك إلى بلد غيره، ويكيدونك ويرد الله كيدهم عليهم، ويمكر الله، والله خير الماكرين.
٣١ - وإذا قُرِئت عليهم آياتنا قالوا عنادًا للحق وترفعًا عليه: قد سمعنا مثل هذا من قبل، لو نشاء قول مثل هذا القرآن لقلناه، ما هذا القرآن الذي سمعناه إلا كاذيب الأولين؛ فلن نؤمن به.
٣٢ - واذكر -أيها الرسول- إذا قال المشركون: اللَّهُمَّ إن كان ما جاء به محمد حقًّا فأسقط علينا حجارة من السماء تهلكنا، أو ائتنا بعذاب شديد. قالوا ذلك مبالغة في الجحود والإنكار.
٣٣ - وما كان الله ليعذب أمتك -سواء من كان منهم من أمة الاستجابة أو من أمة الدعوة- بعذاب يستأصلهم وأنت -يا محمد- حي موجود بين ظهرانيهم، فوجودك بينهم أمان لهم من العذاب، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون الله من ذنوبهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الشكر نعمة عظيمة يزيد بها فضل الله تعالى، وينقص عند إغفالها.
• للأمانة شأن عظيم في استقامة أحوال المسلمين، ما ثبتوا عليها وتخلقوا بها، وهي دليل نزاهة النفس واعتدال أعمالها.
• ما عند الله من الأجر على كَفِّ النفس عن المنهيات، خير من المنافع الحاصلة عن اقتحام المناهي لأجل الأموال والأولاد.
• في الآيات بيان سفه عقول المعرضين؛ لأنهم لم يقولوا: اللَّهُمَّ إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
• في الآيات فضيلة الاستغفار وبركته، , وأنه من موانع وقوع العذاب.
стр. 188
٣٤ - وأي شيء يمنع من عذابهم وقد ارتكبوا ما يوجب عذابهم من منعهم الناس عن المسجد الحرام أن يطوفوا به أو يُصلُّوا فيه؟ وما كان المشركون أولياء الله، فليس أولياءَ الله إلا المتقون الذين يتقونه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون حين ادعوا أنهم أولياؤه، وهم ليسوا بأوليائه.
٣٥ - وما كان صلاة المشركين عند المسجد الحرام إلا صَفِيرًا وتَصْفِيقًا، فذوقوا -أيها المشركون- العذاب بالقتل والأسر يوم بدر بسبب كفركم بالله، وتكذيبكم لرسوله.
٣٦ - إن الذين كفروا بالله ينفقون أموالهم لمنع الناس عن دين الله، فسينفقونها ولن يتحقق لهم ما أرادوا، ثم تكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم ندامة؛ لفواتها وفوات المقصود من إنفاقها، ثم يُغْلَبُونَ بانتصار المؤمنين عليهم، والذين كفروا بالله يُسَاقون إلى جهنم يوم القيامة، فيدخلونها خالدين فيها مخلدين.
٣٧ - يُسَاق هؤلاء الكفار الذين ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله إلى نار جهنم ليفصل الله فريق الكفار الخبيث عن فريق المؤمنين الطيب، وليجعل الخبيث من الأشخاص والأعمال والأموال بعضه فوق بعض متراكبًا متراكمًا، فيجعله في نار جهنم، أولئك هم الخاسرون؛ لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
٣٨ - قل -أيها الرسول- للذين كفروا بالله وبرسوله من قومك: إن يكفُّوا عن كفرهم بالله وبرسوله، وعن صدهم عن سبيل الله من آمن به؛ يغفر الله لهم ما قد سبق من ذنوبهم، فالإسلام يهدم ما قبله، وإن يعودوا إلى كفرهم فقد سبقت سُنَّة الله في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على كفرهم عاجلهم بالعقوبة.
٣٩ - وقاتلوا -أيها المؤمنون- أعداءكم من الكفار حتى لا يكون شرك ولا صد للمسلمين عن دين الله، ويكون الدين والطاعة لله شريك له فيها، فإن انتهى الكفار عما كانوا عليه من الشرك والصد عن سبيل الله فدعوهم، فإن الله مطلع على أعمالهم، لا تخفى عليه خافية.
٤٠ - وإن انصرفوا عما أُمِرُوا به من الانتهاء عن الكفر والصد عن سبيل الله، فَأَيْقِنُوا -أيها المؤمنون- أن الله ناصركم عليهم، نعم المولى لمن والاه، ونعم الناصر لمن نصره، فمن والاه فاز، ومن نصره انتصر.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الصد عن المسجد الحرام جريمة عظيمة يستحق فاعلوه عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.
• عمارة المسجد الحرام وولايته شرف لا يستحقه إلّا أولياء الله المتقون.
• في الآيات إنذار للكافرين بأنهم لا يحصلون من إنفاقهم أموالهم في الباطل على طائل، وسوف تصيبهم الحسرة وشدة الندامة.
• دعوة الله تعالى للكافرين للتوبة والإيمان دعوة مفتوحة لهم على الرغم من استمرار عنادهم.
• من كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان الله عدوًّا له فلا عِزَّ له.
стр. 189
٤١ - واعلموا -أيها المؤمنون- أن ما أخذتم من شيء من الكفار قهرًا في الجهاد في سبيل الله فإنه يقسم خمسة أخماس، أربعة أخماس منها تقسم على المجاهدين، والخمس الباقي يقسم خمسة أقسام: قسم لله ورسوله يصرف في المصارف العامة للمسلمين، وقسم لقرابة النبي ﷺ من بني هاشم وبني المطلب، وقسم لليتامى، وقسم للفقراء والمساكين، وقسم للمسافرين الذين انقطعت بهم السبل، إن كنتم آمنتم بالله، وبما أنزلنا على عبدنا محمد ﷺ يوم بدر الذي فَرَّق الله به بين الحق والباطل حين نصركم على أعدائكم، والله الذي نصركم قدير على كل شيء.
٤٢ - واذكروا حين كنتم بالجانب الأدنى من الوادي مما يلي المدينة، والمشركون بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة، والعِير في مكان أسفل منكم مما يلي ساحل البحر الأحمر، ولو تواعدتم أنتم والمشركون على أن تلتقوا في بدر لخالف بعضكم بعضًا، ولكنه سبحانه جمع بينكم في بدر على غير تواعد؛ ليُتِمّ أمرًا كان مفعولًا وهو نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وإعزاز دينه وإذلال الشرك؛ ليموت من مات منهم بعد قيام الحجة عليه بنصر المؤمنين عليهم مع قلة عددهم وعدتهم، يعيش من عاش عن بينة وحجة أظهرها الله له، فلا يبقى لأحد على الله حجة يحتج بها، والله سميع لأقوال الجميع، عليم بأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها.
٤٣ - اذكر -أيها الرسول- من نعم الله عليك وعلى المؤمنين إذ أراك الله المشركين في منامك قليلي العدد، فأطلعت المؤمنين على ذلك فاستبشروا به خيرًا، وقويت عزائمهم على لقاء عدوهم وقتاله، ولو أنه سبحانه أراك المشركين في منامك كثيرًا لضعفت عزائم أصحابك، وخافوا القتال، ولكنه سَلَّم من ذلك، فعصمهم من الفشل، فقلَّلهم في عين رسوله ﷺ ، إنه عليم بما تنطوي عليه القلوب، وبما تخفيه النفوس.
٤٤ - واذكروا -أيها المؤمنون- إذ يريكم الله المشركين حين التقيتم بهم قليلًا، فجرأكم على الإقدام على قتالهم، ويقللكم في أعينهم فيتقدمون لقتالكم، ولا يفكرون في الرجوع ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا بالانتقام من المشركين بالقتل والأسر، والإنعام على المؤمنين بالنصر والظفر بالأعداء، وإلى الله وحده ترجع الأمور، فيجازي المسيء على إساءته، والمحسن على إحسانه.
٤٥ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إذا واجهتم جماعة من الكفار فاثبتوا عند لقائهم ولا تجبنوا، واذكروا الله كثيرًا وادعوه، فهو القادر على نصركم عليهم؛ رجاء أن يُنِيلكم ما تطلبون، ويجنبكم ما تحذرون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الغنائم لله يجعلها حيث شاء بالكيفية التي يريد، فليس لأحد شأن في ذلك.
• من أسباب النصر تدبير الله للمؤمنين بما يعينهم على النصر، والصبر والثبات والإكثار من ذكر الله.
• قضاء الله نافذ وحكمته بالغة وهي الخير لعباد الله وللأمة كلها.
стр. 190
٤٦ - والزموا طاعة الله وطاعة رسوله في أقوالكم وأفعالكم وجميع أحوالكم، ولا تختلفوا في الرأي؛ فإن الاختلاف سبب لضعفكم وجبنكم، وذهاب قوتكم، واصبروا عند لقاء عدوكم، إن الله مع الصابرين بالنصر والتأييد والعون، ومن كان الله معه فهو الغالب والمنتصر لا محالة.
٤٧ - ولا تكونوا مثل المشركين الذين خرجوا من مكة كِبْرًا ومراءاة للناس، ويصدون الناس عن دين الله، ويمنعونهم من الدخول فيه، والله بما يعملون محيط، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وسيجازيهم عليها.
٤٨ - واذكروا -أيها المؤمنون- من نعم الله عليكم أن حسَّن الشيطان للمشركين أعمالهم، فشجعهم على ملاقاة المسلمين وقتالهم، وقال لهم: لا غالب لكم اليوم، وإني ناصركم، ومُجِيركم من عدوكم، فلما التقى الفريفان: فريق المؤمنين معهم الملائكة ينصرونهم، وفريق المشركِين معهم الشيطان الذي سيخذلهم؛ ولَّى الشيطان هاربًا، وقال للمشركين: إني بريء منكم، إني أرى الملائكة الذين جاؤوا لنصرة المؤمنين، إني أخاف أن يهلكني الله، والله شديد العقاب، فلا يقدر على تحمل عقابه أحد.
٤٩ - واذكروا إذ يقول المنافقون وضعفة الإيمان: خدع هؤلاء المسلمين دينُهُم الذي يعدهم بالنصر على أعدائهم مع قلة العدد وضعف العدة، وكثرة عدد أعدائهم وقوة عتادهم، ولم يُدْرِكْ هؤلاء أن من يعتمد على ويثق بما وعد به من النصر فإن الله ناصره، ولن يخذله مهما كان ضعفه، والله عزيز لا يغالبه أحد، حكيم في قدره وشرعه.
٥٠ - ولو تشاهد -أيها الرسول- الذين كفروا بالله وبرسله حين تقبض الملائكة أرواحهم، وتنتزعها وهم يضربون وجوههم إذا أقبلوا، ويضربون أدبارهم إذا ولوا هاربين، ويقولون لهم: ذوقوا -أيها الكافرون- العذاب المحرق، لو تشاهد ذلك لشاهدت أمرًا عظيمًا.
٥١ - ذلك العذاب المؤلم عند قبض أرواحكم -أيها الكفار-، والعذاب المحرق في قبوركم وفي الآخرة، سببه ما كسبت أيديكم في الدنيا، فالله لا يظلم الناس، وإنما يحكم بينهم بالعدل فهو الحَكَم العدل.
٥٢ - وليس هذا العذاب النازل بهؤلاء الكافرين خاصًّا بهم، بل هو سُنَّة الله التي أمضاها على الكافرين في كل زمان ومكان، فقد أصاب آل فرعون والأمم من قبلهم حين كفروا بآيات الله سبحانه، فأخذهم الله بسبب ذنوبهم أخذ عزيز مقتدر، فأنزل بهم عقابه، إن الله قوي لا يقهر ولا يغلب، شديد العقاب لمن عصاه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• البَطَر مرض خطير ينْخَرُ في تكوين شخصية الإنسان، ويُعَجِّل في تدمير كيان صاحبه.
• الصبر يعين على تحمل الشدائد والمصاعب، وللصبر منفعة إلهية، وهي إعانة الله لمن صبر امتثالًا لأمره، وهذا مشاهد في تصرفات الحياة.
• التنازع والاختلاف من أسباب انقسام الأمة، وإنذار بالهزيمة والتراجع، وذهاب القوة والنصر والدولة.
• الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة التي لا يُقْدِم عليها الجيوش العظام.
стр. 191
٥٣ - ذلك العقاب الشديد بسبب أن الله إذا أنعم على قوم نعمة من عنده لم ينزعها منهم حتى يغيروا أنفسهم من حالها الطيب من الإيمان والاستقامة وشكر النعم إلى حال سيئة من الكفر بالله ومعصيته وكفران نعمه، وأن الله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء.
٥٤ - شأن هؤلاء الكافرين كشأن غيرهم ممن كفر بالله مثل آل فرعون والأمم المكذبة من قبلهم، كذبوا بآيات ربهم، فأهلكهم الله بسبب ما ارتكبوه من المعاصي، وأهلك الله آل فرعون بالغرق في البحر، وكل من آل فرعون والأمم من قبلهم كانوا ظالمين بسبب كفرهم بالله وشركهم به، فاستوجبوا بذلك عقابه سبحانه، فأوقعه عليهم.
٥٥ - أن شَرَّ من يَدِبُّ على الأرض هم الذين كفروا بالله وبرسله، فهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية؛ لإصرارهم على الكفر، فقد تعطلت فيهم وسائل الهداية من عقل وسمع وبصر.
٥٦ - الذين عقدت معهم العهود والمواثيق -كبني قريظة-، ثم ينقضون ما عاهدتهم عليه في كل مرة، وهم لا يخافون الله، فلا يوفون بعهودهم ولا يلتزمون بالمواثيق المأخوذة عليهم.
٥٧ - فإن قابلت -أيها الرسول- هؤلاء الناقضين لعهودهم في الحرب فنكل بهم أشد تَنْكِيل حتى يسمع بذلك غيرهم، لعلهم يعتبرون بحالهم، فيهابون قتالك ومظاهرة أعدائك عليك.
٥٨ - وإن خفت -أيها الرسول- من قوم عاهدتهم غشًّا ونقضًا للعهد بأمارة تظهر لك فأعلمهم بطَرْح عهدهم حتى يستووا معك في العلم بذلك، ولا تباغتهم قبل إعلامهم، فإن مباغتتهم قبل إعلامهم من الخيانة، والله لا يحب الخائنين، بل يمقتهم، فاحذر أنت من الخيانة.
٥٩ - ولا يظنن الذين كفروا أنهم فاتوا عقاب الله وأفلتوا منه، إنهم لا يفوتونه ولا يفلتون من عقابه، بل هو مدركهم ولاحق بهم.
٦٠ - وأعدُّوا -أيها المؤمنون- ما قدرتم على إعداده من العدد والعدة؛ كالرمي، وأعدوا لهم ما حبستم من الخيل في سبيل الله، تُخوِّفون أعداء الله وأعداءكم من الكافرين الذين يتربصون بكم الدوائر، وتُخوِّفون به قومًا آخرين، لا تعلمونهم، ولا تعلمون ما يضمرون لكم من عداوة، بل الله وحده هو الذي يعلمهم، ويعلم ما يضمرون في أنفسهم، وما تنفقوا من مال قل أو كثر يخلفه الله عليكم في الدنيا، ويعطكم ثوابه كاملًا غير منقوص في الآخرة، فبادروا إلى الإنفاق في سبيله.
٦١ - وإن مالوا إلى الصلح وتَرْكِ قتالك، فَمِلْ -أيها الرسول- إليه، وعاهدهم، واعتمد على الله، وثق به، فلن يخذلك، إنه هو السميع لأقوالهم، العليم بنياتهم وأفعالهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من فوائد العقوبات والحدود المرتبة على المعاصي أنها سبب لازدجار من لم يعمل المعاصي، كما أنها زجر لمن عملها ألا يعاودها.
• من أخلاق المؤمنين الوفاء بالعهد مع المعاهدين، إلّا إن وُجِدت منهم الخيانة المحققة.
• يجب على المسلمين الاستعداد بكل ما يحقق الإرهاب للعدو من أصناف الأسلحة والرأي والسياسة.
• جواز السلم مع العدو إذا كان فيه مصلحة للمسلمين.
стр. 192
٦٢ - وإن قصدوا بميلهم للصلح وترك القتال أن يخدعوك -أيها الرسول- بذلك ليستعدوا لقتالك، فإن الله كافيك مكرهم وخداعهم، هو الذي قَوَّاك بنصره، وقَوَّاك بنصر المؤمنين لك من المهاجرين والأنصار.
٦٣ - وجمع بين قلوب المؤمنين الذين نصرك بهم بعد أن كانت متفرقة، لو أنفقت ما في الأرض من مال لتجمع بين قلوبهم المتفرقة ما جمعت بينها، لكن الله وحده جمع بينها، إنه عزيز في ملكه لا يغالبه أحد، حكيم في قدره وتدبيره وشرعه.
٦٤ - يا أيها النبي إن الله كافيك شر أعدائك، وكافي المؤمنين معك، فثق بالله واعتمد عليه.
٦٥ - يا أيها النبي حُثَّ المؤمنين على القتال وحُضَّهم عليه بما يقوي عزائمهم وينشط هممهم، إن يكن منكم -أيها المؤمنون- عشرون صابرون على مقاتلة الكفار يغلبوا مئتين من الكفار، وإن تكن منكم مئة صابرة يغلبوا ألفًا من الكافرين؛ ذلك بأن الكافرين قوم لا يفهمون سُنَّة الله بنصر أوليائه، ودَحْر أعدائه، ولا يدركون المقصود من القتال، فهم يقاتلون من أجل العلو في الدنيا.
٦٦ - الآن خفف الله عنكم -أيها المؤمنون- لما علمه من ضعفكم، فخفف عنكم لطفًا منه بكم، فأوجب على الواحد منكم أن يثبت أمام اثنين من الكفار بدل عشرة منهم، فإن يكن منكم مئة صابرة على قتال الكفار يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم ألف صابرون يغلبوا ألفين من الكفار بإذن الله، والله مع الصابرين من المؤمنين بالتأييد والنصر.
٦٧ - ما ينبغي لنبي أن يكون له أسرى من الكفار الذين يقاتلونه حتى يُكْثِر القتل فيهم؛ ليدخل الرعب في قلوبهم حتى لا يعودوا إلى قتاله، تريدون -أيها المؤمنون- باتخاذ أسرى بدر أخذ الفداء، والله يريد الآخرة التي تُنَال بنصر الدين واعزازه، والله عزيز في ذاته وصفاته وقهره، لا يغالبه أحد، حكيم في قدره وشرعه.
٦٨ - لولا كتاب من الله سبق به قضاؤه وقدره أنه أحل لكم الغنائم، وأباح لكم فداء الأسرى لأصابكم عذاب شديد من الله بسبب ما أخذتم من الغنيمة والفداء من الأسرى قبل نزول وحي من الله بإباحة ذلك.
٦٩ - فكلوا -أيها المؤمنون- مما أخذتم من الكفار من غنيمة فهو حلال لكم، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إن الله غفور لعباده المؤمنين، رحيم بهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات وَعْدٌ من الله لعباده المؤمنين بالكفاية والنصرة على الأعداء.
• الثبات أمام العدو فرض على المسلمين لا اختيار لهم فيه، ما لم يحدث ما يُرَخِّص لهم بخلافه.
• الله يحب لعباده معالي الأمور، ويكره منهم سَفْسَافَها، ولذلك حثهم على طلب ثواب الآخرة الباقي والدائم.
• مفاداة الأسرى أو المنّ عليهم بإطلاق سراحهم لا يكون إلا بعد توافر الغلبة والسلطان على الأعداء، وإظهار هيبة الدولة في وجه الآخرين.
стр. 193
٧٠ - يا أيها النبي، قل لمن وقع في أيديكم من أسرى المشركين الذين أسرتموهم يوم بدر: إن يعلم الله في قلوبكم بصد الخير، وصلاح النية يعطكم خيرًا مما أُخِذ منكم من الفداء فلا تحزنوا على ما أُخِذ منكم منه، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم به، وقد تحقق وعد الله للعباس عم النبي ﷺ وغيره ممن أسلم.
٧١ - وإن يقصدوا -يا محمد- خيانتك بما يُظْهِرون لك من القول فقد خانوا الله من قبل، وقد نصرك الله عليهم، فَقُتِل منهم من قُتِل وأُسِر من أُسِر، فلينتظروا مثل ذلك إن عادوا، والله عليم بخلقه وبما يصلحهم، حكيم في تدبيره.
٧٢ - إن الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله وعملوا بشرعه، وهاجروا من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو إلى مكان يعبدون الله فيه آمنين، وجاهدوا ببذل أموالهم وبذل أنفسهم لإعلاء كلمة الله، والذين أنزلوهم في منازلهم، ونصروهم -أولئك المهاجرون والذين نصروهم من أهل الدار بعضهم أولياء بعض في النصرة والمعونة، والذين آمنوا بالله ولم يهاجروا من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ليس عليكم- أيها المؤمنون- أن تنصروهم وتحموهم حتى يهاجروا في سبيل الله، وإن ظلمهم الكفار فطلبوا منكم النصر فانصروهم على عدوهم، إلا إذا كان بينكم وبين عدوهم عهد لم ينقضوه، والله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
٧٣ - والذين كفروا بالله يجمعهم الكفر، فيناصر بعضهم بعضًا، فلا يواليهم مؤمن، إن لم توالوا المؤمنين وتعادوا الكافرين تكن فتنة للمؤمنين حيث لم يجدوا من يناصرهم من إخوانهم في الدين، ويكن فساد في الأرض عظيم بالصد عن سبيل الله.
٧٤ - والذين آمنوا بالله وهاجروا في سبيله، والذين آووا المهاجرين في سبيل الله ونصروهم، أولئك هم المتصفون بصفة الإيمان حقًّا، وجزاؤهم من الله مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم منه، وهو الجنة.
٧٥ - والذين آمنوا من بعد إيمان السابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار، وهاجروا من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وجاهدوا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، أولئك منكم -أيها المؤمنون-، لهم ما لكم من الحقوق، وعليهم ما عليكم من الواجبات، وأصحاب القرابة في حكم الله بعضهم أولى ببعض في الإرث من التوارث بالإيمان والهجرة الذي كان موجودًا سابقًا، إن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء، فهو يعلم ما يصلح لعباده، فيشرعه لهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• يجب على المؤمنين ترغيب الأسرى في الإيمان.
• تضمنت الآيات بشارة للمؤمنين باستمرار النصر على المشركين ما داموا آخذين بأسباب النصر المادية والمعنوية.
• إن المسلمين إذا لم يكونوا يدًا واحدة على أهل الكفر لم تظهر شوكتهم، وحدث بذلك فساد كبير.
• فضيلة الوفاء بالعهود والمواثيق في شرعة الإسلام، وإن عارض ذلك مصلحة بعض المسلمين.
стр. 194
سورة التوبة
- مَدَنيّة-
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
كشف أحوال الطوائف، بالمفاصلة مع الكافرين، وفضح المنافقين، وتمييز المؤمنين.
[التَّفْسِيرُ]
١ - هذه براءة من الله، ومن رسوله، وإعلان بنهاية العهود التي عاهدتم -أيها المسلمون- عليها المشركين في جزيرة العرب.
٢ - فسيروا -أيها المشركون- في الأرض مدة أربعة أشهر آمنين، ولا عهد لكم بعدها ولا أمان، وأيقنوا أنكم لن تفلتوا من عذاب الله وعقابه إن استمررتم على كفركم به، وأيقنوا أن الله مُذِل الكافرين بالقتل والأسر في الدنيا، وبدخول النار يوم القيامة. ويشمل هذا من نقضوا عهدهم، ومن كان عهدهم مطلقًا غير مؤقت، وأما من له عهد مؤقت ولو كان أكثر من أربعة أشهر فإنه يُتَم له عهده إلى مدته.
٣ - وإعلام من الله، وإعلام من رسوله إلى جميع الناس يوم النحر أن الله سبحانه بريء من المشركين، وأن رسوله بريء كذلك منهم، فإن تبتم -أيها المشركون- من شرككم فتوبتكم خير لكم، وإن أعرضتم عن التوبة فأيقنوا أنكم لن تفوتوا الله، ولن تفلتوا من عقابه، وأخبر -أيها الرسول- الذين كفروا بالله بما يسوؤهم، وهو عذاب موجع ينتظرهم.
٤ - إلا الذين عاهدتم من المشركين، ووفوا بعهدكم، ولم ينقصوا منه شيئًا، فهم مُسْتَثنَوْنَ من الحكم السابق، فأكملوا لهم الوفاء بعهدهم حتى تنقضي مدته، إن الله يحب المتقين بامتثال أوامره ومنها الوفاء بالعهد، وباجتناب نواهيه ومنها الخيانة.
٥ - فإذا انتهت الأشهر الحرم التي أَمَّنْتُم فيها أعداءكم فاقتلوا المشركين حيث لقيتموهم، وحاصروهم في مَعاقِلِهم، وترصَّدوا لهم طرقهم، فإن تابوا إلى الله من الشرك، وأقاموا الصلاة، وأعطوا زكاة أموالهم؛ فقد أصبحوا إخوانكم في الإسلام؛ فاتركوا قتالهم، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم به.
٦ - وإن دخل أحد من المشركين مباح الدم والمال وطلب جوارك -أيها الرسول- فأجبه إلى طلبه حتى يسمع القرآن، ثم أوصله إلى مكان يأمن فيه، ذلك أن الكفار قوم لا يعلمون حقائق هذا الدين، فإذا علموها من سماع قراءة القرآن ربما اهتدوا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيآت دليل واضح على حرص الإسلام على تسوية العلاقات الخارجية مع الأعداء على أساس من السّلم والأمن والتّفاهم.
• الإسلام يُقَدِّر العهود، ويوجب الوفاء بها، ويجعل حفظها نابعًا من الإيمان، وملازمًا لتقوى الله تعالى.
• أَنَّ إقامة الصّلاة وإيتاء الزكاة دليل على الإسلام، وأنهما يعصمان الدم والمال، ويوجبان لمن يؤدّيهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بحق الإسلام؛ كارتكاب ما يوجب القتل من قتل النفس البريئة، وزنى الزّاني المُحْصَن، والرّدّة إلى الكفر بعد الإيمان.
• مشروعية الأمان؛ أي: جواز تأمين الحربي إذا طلبه من المسلمين؛ ليسمع ما يدلّ على صحّة الإسلام، وفي هذا سماحة وتكريم في معاملة الكفار، ودليل على إيثار السِّلم.
стр. 195
٧ - لا يصح أن يكون للمشركين بالله عهد وأمان عند الله وعند رسوله إلا عهد أولئك المشركين الذين عاهدتموهم -أيها المسلمون- عند المسجد الحرام في صلح الحديبية، فما أقاموا لكم على العهد الذي بينكم وبينهم ولم ينقضوه فأقيموا أنتم عليه ولا تنقضوه، إن الله يحب المتقين من عباده الذين يمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه.
٨ - كيف يكون لهم عهد وأمان وهم أعداؤكم، وإن يظفروا بكم لا يراعوا فيكم الله ولا قرابة، ولا عهدًا، بل يسومونكم سوء العذاب؟! يرضونكم بالكلام الحسن الذي تنطق به ألسنتهم، لكن قلوبهم لا تطاوع ألسنتهم، فلا يَفُون بما يقولون، وأكثرهم خارجون عن طاعة الله لنقضهم العهد.
٩ - اعتاضوا، واستبدلوا عن اتباع آيات الله التي منها الوفاء بالعهود ثمنًا حقيرًا من حطام الدنيا الذي يتوصلون به إلى شهواتهم وأهوائهم، فصدوا أنفسهم عن اتباع الحق، وأعرضوا عنه، وصدوا غيرهم عن الحق، إنهم ساء عملهم الذي كانوا يعملون.
١٠ - لا يراعون اللهَ ولا قرابة ولا عهدًا في مؤمنٍ؛ لما هم عليه من العداوة، فهم متجاوزون لحدود الله؛ لما يتصفون به من الظلم والعدوان.
١١ - فإن تابوا إلى الله من كفرهم، ونطقوا بالشهادتين، وأقاموا الصلاة، وأعطوا زكاة أموالهم -فقد صاروا مسلمين، وهم إخوتكم في الدين، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، ولا يحل لكم قتالهم، فإسلامهم يعصم دماءهم وأموالهم وأعراضهم، ونبين الآيات ونوضحها لقوم يعلمون، فهم الذين ينتفعون بها، وينفعون بها غيرهم.
١٢ - وإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على ترك القتال مدة معلومة عهودَهم ومواثيقَهم، وعابوا دينكم وانتقصوا منه فقاتلوهم، فهم أئمة الكفر وقادته، ولا عهود لهم، ولا مواثيق تحقن دماءهم، قاتلوهم رجاء أن ينتهوا عن كفرهم ونقضهم للعهود وانتقاصهم للدين.
١٣ - لمَ لا تقاتلون -أيها المؤمنون- قومًا نقضوا عهودهم ومواثيقهم، وسعوا في اجتماعهم في دار الندوة إلى إخراج الرسول ﷺ من مكة، وهم بدؤوكم بالقتال أول مرة عندما أعانوا بَكْرًا حلفاء قريش على خُزَاعة حلفاء الرسول ﷺ ، أتخافونهم، فلا تقدمون على قتالهم؟! فالله سبحانه أحق أن تخافوه إن كنتم مؤمنين حقًّا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دلَّت الآيات على أن قتال المشركين الناكثين العهد كان لأسباب كثيرة، أهمها: نقضهم العهد.
• في الآيات دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة فإنه يُقاتَل حتى يؤديهما، كما فعل أبو بكر ﵁.
• استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ على وجوب قتل كل من طعن في الدّين عامدًا مستهزئًا به.
• في الآيات دلالة على أن المؤمن الذي يخشى الله وحده يجب أن يكون أشجع الناس وأجرأهم على القتال.
стр. 196
١٤ - قاتلوا -أيها المؤمنون- هؤلاء المشركين، فإنكم إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، وذلك بقتلكم إياهم، ويذلهم بالهزيمة والأسر، وينصركم عليهم بجعل الغلبة لكم، ويبرئ داء صدور قوم مؤمنين لم يشهدوا القتال بما حصل لعدوهم من القتل والأسر والهزيمة ونصر المؤمنين عليهم.
١٥ - ويُبْعِد الغيظ عن قلوب عباده المؤمنين بما نالوه من النصر عليهم. ويتوب الله على من يشاء من هؤلاء المعاندين إن تابوا كما وقع من بعض أهل مكة يوم الفتح، والله عليم بصدق التائب منهم، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.
١٦ - أظننتم -أيها المؤمنون- أن يترككم الله دون ابتلاء؟! فالابتلاء سُنَّة من سننه، ستبتلون حتى يعلم الله علمًا ظاهرًا للعباد المجاهدين منكم بإخلاص لله، الذين لم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين بطانة من الكفار يوالونهم، وأصفياء منهم يوادونهم، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيكم على أعمالكم.
١٧ - ما ينبغى للمشركين أن يعمروا مساجد الله بالعبادة وأنواع الطاعة، وهم مُقِرُّون على أنفسهم بالكفر بما يظهرونه منه، أولئك بطلت أعمالهم لفقد شرط قبولها الذي هو الإيمان، وهم يوم القيامة سيدخلون النار ماكثين فيها أبدًا إلا إن تابوا من الشرك قبل موتهم.
١٨ - إنما يستحق عمارة المساجد ويقوم بحقها من آمن بالله وحده، ولم يشرك به أحدًا، وآمن بيوم القيامة، وأقام الصلاة وأعطى زكاة ماله، ولم يَخَفْ أحدًا إلا الله سبحانه، فهؤلاء هم الذين يُرْجى أن يكونوا مهتدين إلى الصراط المستقيم، وأما المشركون فهم أبعد ما يكونون عن ذلك.
١٩ - أجعلتم -أيها المشركون- القائمين على سقاية الحاج وعلى عمارة المسجد الحرام مثل من آمن بالله، ولم يشرك به أحدًا، وآمن بيوم القيامة، وجاهد بنفسه وماله لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، أجعلتموهم سواء في الفضل عند الله؟! لا يستوون أبدًا عند الله، والله لا يوفق الظالمين بالشرك، ولو كانوا يعملون أعمال خير كسقاية الحاج.
٢٠ - الذين جمعوا بين الإيمان بالله والهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس أعظم رتبة عند الله من غيرهم، وأولئك المتصفون بتلك الصفات هم الظافرون بالجنة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات دلالة على محبة الله لعباده المؤمنين واعتنائه بأحوالهم، حتى إنه جعل من جملة المقاصد الشرعية شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم.
• شرع الله الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم، وهو أن يتميز الصادقون الذين لا يتحيزون إلا لدين الله من الكاذبين الذين يزعمون الإيمان.
• عُمَّار المساجد الحقيقيون هم من وُصِفوا بالإيمان الصادق، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة، وبخشية الله التي هي أصل كل خير.
• الجهاد والإيمان بالله أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بدرجات كثيرة؛ لأن الإيمان أصل الدين، وأما الجهاد في سبيل الله فهو ذروة سنام الدين.
стр. 197
٢١ - يخبرهم الله ربهم بما يسرهم من رحمته، ومن إحلال رضوانه عليهم، فلا يسخط عليهم أبدًا، وبدخول جنات لهم فيها نعيم دائم لا ينقطع أبدًا.
٢٢ - ماكثين في تلك الجنان مُكْثًا لا نهاية له، ثوابًا لهم على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا، إن الله عنده ثواب عظيم لمن امتثل أوامره، واجتنب نواهيه مخلصًا له الدين.
٢٣ - يا أيها الذين أمنوا بالله واتبعوا ما جاء به رسوله، لا تصيِّروا آباءكم وإخوانكم في النسب وغيرهم من قرابتكم أصفياء توالونهم بإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، والتشاور معهم؛ إن آثروا الكفر على الإيمان بالله وحده، ومن يصيِّرهم أولياء مع بقائهم على الكفر ويظهر لهم المودة فقد عصى الله، وظلم نفسه بإيرادها موارد الهلاك بسبب المعصية.
٢٤ - قل -أيها الرسول-: إن كان آباؤكم -أيها المؤمنون- وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وأقرباؤكم، وأموالكم التي اكتسبتموه، وتجارتكم التي تحبون رواجها، وتخافون كسادها، وبيوتكم التي ترضون المقام فيها -إن كان كل أولئك أحب إليكم من الله ورسوله، ومن الجهاد في سبيله فانتظروا ما ينزله الله بكم من العقاب والنكال، والله لا يوفق الخارجين عن طاعته للعمل بما يرضيه.
٢٥ - لقد نصركم الله -أيها المؤمنون- على عدوكم من المشركين في غزوات كثيرة على قلة عددكم وضعف عدتكم حين توكلتم على الله وأخذتم بالأسباب، ولم تُعْجَبوا بكثرتكم، فلم تكن الكثرة سبب نصركم عليهم، وأما يوم حنين حين أعجبتكم كثرتكم، فقلتم: لن نُغْلَب اليوم من قِلَّة، فلم تنفعكم كثرتكم التي أعجبتكم شيئًا، فتغلّب عليكم عدوكم، وضاقت عليكم الأرض على سعتها، ثم وليتم عن أعدائكم فارين منهزمين.
٢٦ - ثم بعد فراركم من عدوكم أنزل الله الطمأنينة على رسوله، وأنزلها على المؤمنين، فثبتوا للقتال، وأنزل ملائكة لم تروهم، وعذَّب الذين كفروا بما حصل لهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري، وذلك الجزاء الذي جوزي به هؤلاء هو جزاء الكافرين المكذبين لرسولهم المعرضين عما جاء به.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مراتب فضل المجاهدين كثيرة، فهم أعظم درجة عند الله من كل ذي درجة، فلهم المزية والمرتبة العلية، وهم الفائزون الظافرون الناجون، وهم الذين يبشرهم ربهم بالنعيم.
• في الآيات أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله، وتقديم هذه المحبة على محبة كل شيء.
• تخصيص يوم حنين بالذكر من بين أيام الحروب؛ لما فيه من العبرة بحصول النصر عند امتثال أمر الله ورسوله ﷺ وحصول الهزيمة عند إيثار الحظوظ العاجلة على الامتثال.
• فضل نزول السكينة، فسكينة الرسول ﷺ سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر، وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجَزَع والخوف.
стр. 198
٢٧ - ثم إن من تاب من كفره وضلاله من بعد ذلك التعذيب فإن الله يتوب عليه، ويقبل توبته، والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم، حيث يقبل منهم التوبة بعد الكفر وارتكاب المعاصي.
٢٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله واتبعوا ما شرعه لهم، إنما المشركون نجس؛ لما فيهم من الكفر والظلم والأخلاق الذميمة والعادات السيئة؛ فلا يدخلوا الحرم المكي -ومن ضمنه المسجد الحرام- ولو كانوا حُجاجًا أو معتمرين بعد عامهم هذا الذي هو سنة تسع للهجرة، وإن خفتم -أيها المؤمنون- فقرًا بسبب انقطاع ما كانوا يجلبون إليكم من الأطعمة والتجارات المختلفة فإن الله سيكفيكم من فضله إن شاء، إن الله عليم بحالكم التي أنتم عليها، حكيم فيما يدبره لكم.
٢٩ - قاتلوا -أيها المؤمنون- الكافرين الذين لا يؤمنون بالله إلهًا لا شريك له، يؤمنون بيوم القيامة، ولا يجتنبون ما حرمه الله ورسوله عليهم من الميتة ولحم الخنزير والخمر والربا، ولا يخضعون لما شرعه الله، من اليهود والنصارى حتى يعطوا الجزية بأيديهم أذلاء مقهورين.
٣٠ - إن كلًّا من اليهود والنصارى مشركون، فاليهود أشركوا بالله لما ادعوا أن عُزيرًا ابنُ الله، والنصارى أشركوا به لما ادعوا أن المسيح عيسى ابنُ الله، ذلك القول الذي افتروه قالوه بأفواههم دون إقامة برهان عليه، وهم يشابهون في هذا القول قول المشركين من قبلهم الذين قالوا: إن الملائكة بناتُ الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، أهلكهم الله، كيف يُصْرَفون عن الحق البيِّن إلى الباطل؟!
٣١ - جعل اليهود علماءهم، والنصارى عُبَّادهم؛ أربابًا من دون الله، يحلون لهم ما حرمه الله عليهم، ويحرمون عليهم ما أحله الله لهم، وجعل النصارى المسيح عيسى بن مريم إلهًا مع الله، وما أمر الله علماء اليهود وعُبَّاد النصارى وما أمر عزيرًا وعيسى بن مريم إلا أن يعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا، فهو سبحانه إله واحد، لا معبود بحق سواه، تنزه سبحانه، وتقدس أن يكون له شريك كما يقول هؤلاء المشركون وغيرهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات دليل على أن تعلق القلب بأسباب الرزق جائز، ولا ينافي التوكل.
• في الآيات دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو فضل من الله تعالى تولى قسمته.
• الجزية واحد من خيارات ثلاثة يعرضها الإسلام على الأعداء، يقصد منها أن يكون الأمر كله للمسلمين بنزع شوكة الكافرين.
• في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن تجرؤوا على الله، وتنقَّصوا من عظمته سبحانه.
стр. 199
٣٢ - يريد هؤلاء الكفار وغيرهم ممن هم على ملة من ملل الكفر بافتراءاتهم هذه وتكذيبهم بما جاء به محمد ﷺ أن يقضوا على الاسلام ويبطلوه، ويبطلوا ما جاء فيه من الحجج الواضحة والبراهين الجلية على توحيد الله، وأن ما جاء به رسوله حق، ويأبى الله إلا أن يكمل دينه ويظهره، ويعليه على غيره، ولو كره الكافرون إكمال دينه وإظهاره وإعلاءه فإن الله مُتِمُّه ومُظْهِرُه ومُعْلِيه، وإذا أراد الله أمرًا بطلت إرادة غيره.
٣٣ - والله سبحانه هو الذي أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالقرآن الذي هو هدى للناس، وبدين الحق الذي هو دين الإسلام ليُعْلِيه بما فيه من الحجج والبراهين والأحكام على غيره من الأديان، ولو كره المشركون ذلك.
٣٤ - يا أيها الذين آمنوا، وعملوا بما شرعه الله لهم، إن كثيرًا من علماء اليهود، وكثيرًا من عُبَّاد النصارى، ليأخذون أموال الناس بغير حق شرعي، فهم يأخذونها بالرشوة وغيرها، وهم يمنعون الناس من الدخول في دين الله. والذين يجمعون الذهب والفضة، ولا يؤدون ما يجب عليهم من زكاتها، فأخبرهم -أيها الرسول- بما يسوؤهم يوم القيامة من عذاب موجع.
٣٥ - يوم القيامة يوقد على ما جمعوه ومنعوا حقه في نار جهنم، فإذا اشتدت حرارتها وُضِعَت على جباههم وعلى جنوبهم وعلى ظهورهم، ويقال لهم على سبيل التوبيخ: هذه هي أموالكم التي جمعتموها ولم تؤدوا الحقوق الواجبة فيها، فذوقوا وبال ما كنتم تجمعونه ولا تؤدون حقوقه، وعاقبة ذلك.
٣٦ - إن عدد شهور السنة في حكم الله وقضائه اثنا عشر شهرًا، فيما أثبته الله في اللوح المحفوظ أول ما خلق السماوات والأرض، من هذه الأشهر الاثني عشر أربعة أشهر حرَّم الله فيهن القتال، وهي ثلاثة سرد: (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم)، وواحد فرد، وهو (رجب). ذلك المذكور من عدد شهور السنة، ومن تحريم أربعة منها، هو الدين المستقيم، فلا تظلموا في هذه الأشهر الحُرُم أنفسكم بإيقاع القتال فيها، وهتك حرمتها، وقاتلوا المشركين جميعًا كما أنهم يقاتلونكم جميعًا، واعلموا أن الله مع الذين يتقونه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه بالنصر والتثبيت، ومن كان الله معه فلن يغلبه أحد.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دين الله ظاهر ومنصور مهما سعى أعداؤه للنيل منه حسدًا من عند أنفسهم.
• تحريم أكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله تعالى.
• تحريم اكتناز المال دون إنفاقه في سبيل الله.
• الحرص على تقوى الله في السر والعلن، خصوصًا عند قتال الكفار؛ لأن المؤمن يتقي الله في كل أحواله.
стр. 200
٣٧ - إن التأخير لحرمة شهر مُحرَّم إلى شهر غير مُحرَّم وجَعْله مكانه -كما كان يفعل العرب في الجاهلية- زيادة في الكفر على كفرهم بالله؛ حيث كفروا بحكمه في الأشهر الحُرُم، يُضِل بها الشيطان الذين كفروا بالله حين سنَّ لهم هذه السُّنَّة السيئة، يحلون الشهر الحرام عامًا بإبداله بشهر من شهور الحل، ويبقونه على تحريمه عامًا ليوافقوا عدد الأشهر التي حرم الله وإن خالفوا أعيانها، فلا يحلون شهرًا إلا حرموا مكانه شهرًا، فيحلون بذلك ما حرمه الله من الأشهر الحرم، ويخالفون حكمه، حسَّن لهم الشيطان الأعمال السيئة فعملوها، ومنها ما ابتدعوه من النسيء، والله لا يوفق الكافرين المُصِرِّين على كفرهم.
٣٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا بما شرعه لهم، ما شأنكم إذا دُعِيتم إلى الجهاد في سبيل الله لقتال عدوكم تباطأتم، وملتم إلى الاستقرار في مساكنكم؟! أرضيتم بمتاع الحياة الدنيا الزائلة ولذاتها المنقطعة عوضًا عن نعيم الآخرة الدائم الَّذي أعده الله للمجاهدين في سبيله؟! فما متاع الحياة الدنيا في جنب الآخرة إلا حقير، فكيف لعاقل أن يختار فانيًا على باق، وحقيرًا على عظيم؟!
٣٩ - إن لم تخرجوا -أيها المؤمنون- للجهاد في سبيل الله لقتال عدوكم يعاقبكم الله بالقهر والإذلال وغيره، ويستبدل بكم قومًا مطيعين لله إذا استنفروا للجهاد نفروا، ولا تضروه شيئًا بمخالفتكم أمره، فهو غني عنكم، وأنتم الفقراء إليه، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، فهو قادر على نصر دينه ونبيه من دونكم.
٤٠ - إن لم تنصروا -أيها المؤمنون- رسول الله ﷺ ، وتستجيبوا لدعوته للجهاد في سبيل الله، فقد نصره الله دون أن تكونوا معه حين أخرجه المشركون هو وأبا بكر ﵁ لا ثالث لهما حين كانا في غار ثور مستخفيَيْن من الكفار الذين كانوا يبحثون عنهما، حين يقول رسول الله ﷺ لصاحبه أبي بكر الصديق حين خاف عليه أن يدركه المشركون: لا تحزن إن الله معنا بتأييده ونصره، فأنزل الله الطمأنينة على قلب رسوله، وأنزل عليه جنودًا لا تشاهدونهم وهم الملائكة يؤيدونه، وصيَّر كلمة المشركين السفلى، وكلمة الله هي العليا حين أعلى الإسلام، والله عزيز في ذاته وقهره وملكه يغالبه أحد، حكيم في تدبيره وقدره وشرعه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• العادات المخالفة للشرع بالاستمرار عليها دونما إنكار لها يزول قبحها عن النفوس، وربما ظُن أنها عادات حسنة.
• عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب، لما فيها من المضار الشديدة.
• فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش فيها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته.
• أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصدِّيقين وخاصة عند الخوف على فوات مصلحة عامة.
стр. 201
٤١ - سيروا -أيها المؤمنون- للجهاد في سبيل الله في العسر واليسر، شبابًا وشيوخًا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، فإن ذلك الخروج والجهاد بالأموال والأنفس أكثر نفعًا في الحياة الدنيا والآخرة من القعود والتعلق بسلامة الأموال والأنفس، إن كنتم تعلمون ذلك فاحرصوا عليه.
٤٢ - لو كان ما تدعون إليه الذين استأذنوك من المنافقين في التخلف غنيمة سهلة وسفرًا لا مشقة فيه لاتبعوك -أيها النبي- ولكن بَعُدَت عليهم المسافة التي دعوتهم لقطعها إلى العدو فتخلفوا، وسيحلف بالله هؤلاء المستأذنون من المنافقين في التخلف عندما ترجع إليهم قائلين: لو استطعنا الخروج إلى الجهاد معكم لخرجنا، يهلكون أنفسهم بتعريضها لعقاب الله بسبب تخلفهم وبسبب هذا الأيمان الكاذية، والله يعلم أنهم كاذبون. في دعواهم، وفي أيمانهم هذه.
٤٣ - عفا الله عنك -أيها الرسول- اجتهادك في الإذن لهم في التخلف، فلم سمحت لهم فيه؟ حتَّى يتضح لك الصادقون في أعذارهم التي قدموها، والكاذبون فيها، فتأذن للصادقين منهم دون الكاذبين.
٤٤ - ليس من شأن المؤمنين بالله، وبيوم القيامة إيمانًا صادقًا أن يطلبوا منك -أيها الرسول- الإذن في التخلف عن الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، بل شأنهم أن ينفروا متى استنفرتهم، ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، والله عليم بالمتقين من عباده الذين لا يستأذنونك إلا لأعذار تمنعهم من الخروج معك.
٤٥ - إن الذين يطلبون منك -أيها الرسول- الإذن في التخلف عن الجهاد في سبيل الله هم المنافقون الذين لا يؤمنون بالله ولا يؤمنون بيوم القيامة، وأصاب قلوبهم الشك في دين الله، فهم في شكهم يترددون حيارى لا يهتدون إلى الحق.
٤٦ - ولو كانوا صادقين في دعوى أنهم يريدون الخروج معك للجهاد في سبيل الله لتأهبوا له بإعداد العدة، ولكن أبغض الله خروجهم معك، فثقل عليهم الخروج حتَّى آثروا القعود في منازلهم.
ولما كان تخلف هؤلاء قد يُحزن المؤمنين طمأنهم الله بأن خروجهم أكثر ضررًا من تخلفهم فقال:
٤٧ - من الخير ألا يخرج هؤلاء المنافقون معكم، فهم إن خرجوا معكم ما زادوكم إلا فسادًا بما يقومون به من التخذيل وإلقاء الشبه، ولأسرعوا في صفوفكم بنشر النميمة لتفريقكم، وفيكم -أيها المؤمنون- من يستمع إلى ما يروِّجونه من الكذب، فيقبله وينشره، فينشأ الاختلاف بينكم، والله عليم بالظالمين من المنافقين الذين يلقون الدسائس والشكوك بين المؤمنين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب الجهاد بالنفس والمال كلما دعت الحاجة .. الأيمان الكاذبة توجب الهلاك.
• وجوب الاحتراز من العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص والتريث.
• من عناية الله بالمؤمنين تثبيطه المنافقين ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين، رحمة بالمؤمنين ولطفًا من أن يداخلهم من لا ينفعهم بل يضرهم.
стр. 202
٤٨ - لقد حرص هؤلاء المنافقون على الإفساد بتفريق كلمة المؤمنين، وتشتيت شملهم من قبل غزوة تبوك، ونوَّعوا وصرَّفوا لك -أيها الرسول- الأمور بتدبير الحيل، لعل حيلهم تؤثر في عزمك على الجهاد، حتَّى جاء نصر الله وتأييده لك، وأعز الله دينه وقهر أعداءه، وهم كارهون لذلك؛ لأنهم كانوا يرغبون في انتصار الباطل على الحق.
٤٩ - ومن المنافقين من يعتذر بالأعذار المُخْتلَقَة فيقول: يا رسول الله، ائذن لي في التخلف عن الجهاد، ولا تحملني على الخروج معك حتَّى لا أصيب ذنبًا بسبب فتنة نساء العدو -الروم- إذا شاهدتهن. ألا قد وقعوا في فتنة أعظم مما زعموا، وهي فتنة النفاق، وفتنة التخلف، إن جهنم يوم القيامة لمحيطة بالكافرين، لا يفوتها منهم أحد، ولا يجدون عنها مهربًا.
٥٠ - إن نالتك -يا رسول الله- نعمة من الله بما يسرك من نصر أو غنيمة كرهوا ذلك، وحزنوا له، وإن نالتك مصيبة من شدة أو انتصار عدو يقول هؤلاء المنافقون: قد احتطنا لأنفسنا، وأخذنا بالحزم حين لم نخرج للقتال كما خرج المؤمنون، فأصابهم ما أصابهم من القتل والأسر، ثم ينصرف هؤلاء المنافقون إلى أهليهم مسرورين بالسلامة.
٥١ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنافقين: لن ينالنا إلا ما كتبه الله لنا، فهو سبحانه سيدنا وملجؤنا الَّذي نلجأ إليه، ونحن متوكلون عليه في أمورنا، واليه وحده يفوض المؤمنون أمورهم، فهو كافيهم، ونعم الوكيل.
٥٢ - قل -أيها الرسول- لهم: هل تنتظرون أن يقع لنا إلا النصر أو الشهادة؟! ونحن ننتظر أن ينزل بكم الله عذابًا من عنده يهلككم أو يعذبكم بأيدينا بقتلكم وأسركم إذا أذن لنا بقتالكم، فانتظروا عاقبتنا، إنا منتظرون عاقبتكم.
٥٣ - قل -أيها الرسول- لهم: ابذلوا ما تبذلون من أموالكم طوعًا أو كرهًا، لن يتقبل منكم ما أنفقتم منها لكفركم وخروجكم عن طاعة الله.
٥٤ - وما منعهم من قبول نفقاتهم إلا ثلاثة أمور: كفرهم بالله وبرسوله، وكسلهم وتثاقلهم إذا صَلَّوا، وأنهم لا ينفقون أموالهم طوعًا، وإنما ينفقونها كرهًا؛ لأنهم لا يرجون ثوابًا في صلاتهم، ولا في إنفاقهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دأب المنافقين السعي إلى إلحاق الأذى بالمسلمين عن طريق الدسائس والتجسس.
• التخلف عن الجهاد مفسدة كبرى وفتنة عظمى محققة، وهي معصية لله ومعصية لرسوله.
• في الآيات تعليم للمسلمين ألا يحزنوا لما يصيبهم؛ لئلا يَهِنوا وتذهب قوتهم، وأن يرضوا بما قدَّر الله لهم، ويرجوا رضا ربهم؛ لأنهم واثقون بأن الله يريد نصر دينه.
• من علامات ضعف الإيمان وقلة التقوى التكاسل في أداء الصلاة والإنفاق عن غير رضا ورجاء للثواب.
стр. 203
٥٥ - فلا تعجبك -أيها الرسول- أموال المنافقين ولا أولادهم، ولا تستحسنها، فعاقبة أموالهم وأولادهم سيئة، فالله يجعلها عذابًا عليهم بالكد والتعب لتحصيلها، وبما ينزل من مصائب فيها إلى أن يخرج الله أرواحهم حال كفرهم فيعذبون بالخلود في الدرك الأسفل من النار.
٥٦ - ويقسم المنافقون لكم -أيها المؤمنون- كاذبين: إنهم لمن جملتكم، وهم ليسوا منكم في بواطنهم، وإن أظهروا أنهم منكم، لكنهم قوم يخافون أن يحل بهم ما حل بالمشركين من القتل والسبي، فيظهرون الإسلام تقية.
٥٧ - لو يجد هؤلاء المنافقون ملجأ من حصن يحفظون فيه أنفسهم، أو يجدون كهوفًا في الجبال يختبئون فيها، أو يجدون نفقًا يدخلون فيه لالتجؤوا إليه، ودخلوا فيه وهم مسرعون.
٥٨ - ومن المنافقين من يعيبك -أيها الرسول- في قسمة الصدقات عندما لا ينالون منها ما يريدون، فإن أعطيتهم منها ما يطلبون رضوا عنك، وإن لم تعطهم ما يطلبون منها أظهروا التذمر.
٥٩ - ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يعيبونك في قسمة الصدقات رضوا بما فرضه الله لهم، وبما أعطاهم رسوله منها، وقالوا: كافينا الله، سيعطينا الله من فضله ما شاء، وسيعطينا رسوله مما أعطاه الله، إنا إلى الله وحده راغبون أن يعطينا من فضله، لو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرًا لهم من أن يعيبوك.
ولما عابوا رسول الله ﷺ في قسمتها بيَّن لهم مصارفها ومستحقيها تبرئة لرسوله، فقال:
٦٠ - إنما الزكوات الواجبة يجب أن تصرف للفقراء، وهم المحتاجون الذين لديهم مال من مهنة أو وظيفة، لكنه لا يكفيهم ولا يُتَنَبَّه لحالهم، والمساكين الذين لا يكادون يملكون شِيئًا ولا يَخْفوْنَ على الناس بسبب حالهم أو مقالهم، وللسعاة الذين يرسلهم الإمام لجمعها، وللكفار الذين يُتَأَلَّفون بها ليسلموا، أو لضعفة الإيمان ليقوى إيمانهم، أو لمن يُدْفع بها شره، وتصرف في الأرِقَّاء ليعتقوا بها، وللمدينين في غير إسراف ولا معصية إن لم يجدوا وفاء لما عليهم من دين، وتصرف في تجهيز المجاهدين في سبيل الله، وللمسافر الَّذي انقطعت نفقته. قَصْر صرف الزكوات على هؤلاء فريضة من الله، والله عليم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره وشرعه.
٦١ - ومن المنافقين من يؤذون رسول الله ﷺ بالكلام، فيقولون لمَّا شاهدوا حلمه ﷺ : إنه يسمع من كلّ أحد ويصدقه، ولا يميز بين الحق والباطل، قل لهم -أيها الرسول-: إن الرسول لا يسمع إلا الخير، يصدق بالله، ويصدق ما يخبر به المؤمنون الصادقون ويرحمهم، فإن بعثته رحمة لمن آمن به، والذين يؤذونه ﷺ بأي نوع من أنواع الإيذاء لهم عذاب موجع.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأموال والأولاد قد تكون سببًا للعذاب في الدنيا، وقد تكون سببًا للعذاب في الآخرة، فليتعامل العبد معهما بما يرضي مولاه، فتتحقق بهما النجاة.
• توزيع الزكاة موكول لاجتهاد ولاة الأمور يضعونها على حسب حاجة الأصناف وسعة الأموال.
• إيذاء الرسول ﷺ فيما يتعلق برسالته كفر، يترتب عليه العقاب الشديد.
• ينبغي للعبد أن يكون أذن خير لا أذن شر، يستمع ما فيه الصلاح والخير، ويعرض ترفعًا وإباء عن سماع الشر والفساد.
стр. 204
٦٢ - يقسم المنافقون بالله لكم -أيها المؤمنون- أنهم لم يقولوا شيئًا يؤذي النبي ﷺ ، ذلك ليرضوكم عنهم، والله ورسوله أولى بالإرضاء بالإيمان والعمل الصالح إن كان هؤلاء مؤمنين حقًّا.
٦٣ - ألم يعلم هؤلاء المنافقون أنهم بعملهم هذا معادون لله ولرسوله، وأن من يعاديهما يدخل يوم القيامة نار جهنم ماكثًا فيها أبدًا؟! ذلك الهوان والذل الكبير.
٦٤ - يخاف المنافقون أن ينزل الله على رسوله سورة تُطلِع المؤمنين على ما يضمرونه هم من الكفر، قل -أيها الرسول-: استمروا -أيها المنافقون- على سخريتكم وطعنكم في الدين، فالله مخرج ما تخافون بإنزال سورة أو بإخبار رسوله بذلك.
٦٥ - ولئن سألت -أيها الرسول- المنافقين عما قالوا من الطعن وسب المؤمنين بعد إخبار الله لك به ليقولنّ: كنا في حديث نمزح فيه ولم نكن جادين، قل -أيها الرسول-: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟!
٦٦ - لا تعتذروا بهذه الأعذار الكاذبة، فقد أظهرتم الكفر باستهزائكم بعد أن كنتم تضمرونه، إن نتجاوز عن فريق منكم لتركه النفاق وتوبته منه وإخلاصه لله، نعذب فريقًا منكم لإصرارهم على النفاق وعدم توبتهم منه.
٦٧ - المنافقون رجالًا ونساءً متفقون في أحوال النفاق، وهم على النقيض من المؤمنين، فهم يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ويبخلون بأموالهم فلا ينفقونها في سبيل الله، تركوا الله أن يطيعوه، فتركهم الله من توفيقه، إن المنافقين هم الخارجون عن طاعة الله وطريق الحق إلى معصيته وطريق الضلال.
٦٨ - وَعَدَ الله المنافقين والكفار الذين لم يتوبوا أن يدخلهم نار جهنم ماكثين فيها أبدًا، هي كافيتهم عقابًا، وطردهم الله من رحمته، ولهم عذاب مستمر.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• قبائح المنافقين كثيرة، ومنها الإقدام على الأيمان الكاذبة، ومعاداة الله ورسوله، والاستهزاء بالقرآن والنبي والمؤمنين، والتخوف من نزول سورة في القرآن تفضح شأنهم، واعتذارهم بأنهم هازلون لاعبون، وهو إقرار بالذنب، بل هو عذر أقبح من الذنب.
• لا يُقبل الهزل في الدين وأحكامه، ويعد الخوض بالباطل في كتاب الله ورسله وصفاته كفرًا.
• النّفاق: مرض عُضَال متأصّل في البشر، وأصحاب ذلك المرض متشابهون في كل عصر وزمان في الأمر بالمنكر والنّهي عن المعروف، وقَبْض أيديهم وإمساكهم عن الإنفاق في سبيل الله للجهاد، وفيما يجب عليهم من حق.
• الجزاء من جنس العمل، فالذي يترك أوامر الله ويأتي نواهيه يتركه من رحمته.
стр. 205
٦٩ - أنتم -يا معشر المنافقين- في الكفر والاستهزاء مثل الأمم المكذبة من قبلكم، كانوا أعظم قوة منكم وأكثر أموالًا وأولادًا، فتمتعوا بنصيبهم المكتوب لهم من ملذات الدنيا وشهواتها، فتمتعتم أنتم -أيها المنافقون- بنصيبكم المقدر لكم من ذلك مثل تَمَتُّع الأمم المكذبة السابقة بنصيبهم، وخضتم في التكذيب بالحق والطعن في الرسول مثل خوضهم في التكذيب به والطعن علي رسلهم، أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة هم الذين بطلت أعمالهم لفسادها عند الله بالكفر، وهم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك.
٧٠ - ألم يأت هؤلاء المنافقين خبرُ ما فعلتْه الأممُ المكذِّبة، وما فُعِل بها من عقاب: قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم إبراهيم، وأصحاب مدين، وقرى قوم لوط؛ جاءتهم رسلهم بالبراهين الواضحة والحجج الجلية، فما كان الله ليظلمهم؛ فقد أنذرتهم رسلهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بما كانوا عليه من الكفر بالله وتكذيب رسله.
٧١ - والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أنصار بعض وأعوانهم؛ لجمع الإيمان بينهم، يأمرون بالمعروف؛ وهو كل محبوب لله تعالى من وجوه طاعته كالتوحيد والصلاة، وينهون عن المنكر؛ وهو كل ما أبغضه الله تعالى من المعاصي كالكفر والربا، ويؤدون الصلاة كاملة على أكمل وجه، ويطيعون الله، ويطيعون رسوله؛ أولئك المتصفون بهذه الصفات الحميدة سيدخلهم الله في رحمته، إن الله عزيز، لا يغالبه أحد، حكيم في خلقه وتدبيره وشرعه.
٧٢ - وَعَدَ الله المؤمنين بالله والمؤمنات به أن يدخلهم يوم القيامة جنات تجري الأنهار من تحت قصورها ماكثين فيها دائمًا، لا يموتون فيها ولا ينقطع نعيمهم، هم أن يدخلهم مساكن حسنة في جنات إقامة، ورضوان يحله الله عليهم أكبر من ذلك كله، ذلك الجزاء المذكور هو الفوز العظيم الَّذي لا يدانيه فوز.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سبب العذاب للكفار والمنافقين واحد في كل العصور، وهو إيثار الدّنيا على الآخرة والاستمتاع بها، وتكذيب الأنبياء والمكر والخديعة والغدر بهم.
• إهلاك الأمم والأقوام الغابرة بسبب كفرهم وتكذيبهم الأنبياء فيه عظة وعبرة للمعتبر من العقلاء.
• أهل الإيمان رجالًا ونساء أمة واحدة مترابطة متعاونة متناصرة، قلوبهم متحدة في التوادّ والتحابّ والتعاطف.
• رضا رب الأرض والسماوات أكبر من نعيم الجنات؛ لأن السعادة الروحانية أفضل من الجسمانية.
стр. 206
٧٣ - يا أيها الرسول، جاهد الكفار بقتالهم بالسيف، وجاهد المنافقين باللسان والحجة، واشدد على الفريقين؛ فهم أهل لذلك، ومقرهم يوم القيامة جهنم، المصير مصيرهم.
٧٤ - يحلف المنافقون بالله كاذبين: ما قالوا ما بلغك عنهم من السب لك والعيب لدينك، ولقد قالوا ما بلغك عنهم مما يكفِّرهم، وأظهروا الكفر بعد إظهارهم الإيمان، ولقد هَمُّوا بما لم يظفروا به من الفتك بالنبي ﷺ ، وما أنكروا شيئًا إلا شيئًا لا يُنْكَر، وهو أن الله تفضل عليهم بإغنائهم من الغنائم التي منّ بها على نبيه، فإن يتوبوا إلى الله من نفاقهم تكن توبتهم منه خيرًا لهم من البقاء عليه، وإن يتولوا عن التوبة إلى الله يعذبهم عذابًا موجعًا في الدنيا بالقتل والأسر، ويعذبهم عذابًا موجعًا في الآخرة بالنار، وليس لهم ولي يتولاهم فينقذهم من العذاب، ولا ناصر يدفع عنهم العذاب.
٧٥ - ومن المنافقين من عاهد الله قائلًا: لئن أعطانا الله من فضله لنتصدقن على المحتاجين، ولنكونن من الصالحين الذين صلحت أعمالهم.
٧٦ - فلما أعطاهم الله سبحانه من فضله لم يفوا بما عاهدوا الله عليه، بل منعوا أموالهم فلم يتصدقوا بشيء، وتولوا وهم معرضون عن الإيمان.
٧٧ - فجعل عاقبتهم نفاقًا ثابتًا في قلوبهم إلى يوم القيامة، عقابًا لهم على إخلافهم لعهد الله، وعلى كذبهم.
٧٨ - ألم يعلم المنافقون أن الله يعلم ما يخفون من الكيد والمكر في مجالسهم، وأن الله سبحانه علام الغيوب؟ فلا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وسيجازيهم عليها.
٧٩ - الذين يعيبون المتطوعين من المؤمنين ببذل الصدقات اليسيرة، الذين لا يجدون إلا شيئًا قليلًا هو حاصل ما يقدرون عليه، فيسخرون منهم قائلين: ماذا تجدي صدقتهم؟! سخر الله منهم جزاء على سخريتهم بالمؤمنين، ولهم عذاب موجع.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب جهاد الكفار والمنافقين، فجهاد الكفار باليد وسائر أنواع الأسلحة الحربية، وجهاد المنافقين بالحجة واللسان.
• المنافقون من شرّ الناس؛ لأنهم غادرون يقابلون الإحسان بالإساءة.
• في الآيات دلالة على أن نقض العهد وإخلاف الوعد يورث النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه.
• في الآيات ثناء على قوة البدن والعمل، وأنها تقوم مقام المال، وهذا أصل عظيم في اعتبار أصول الثروة العامة والتنويه بشأن العامل.
стр. 207
٨٠ - اطلب -أيها الرسول- المغفرة لهم، أو لا تطلبها لهم، فإن طلبتها سبعين مرة، فإنها على كثرتها لن توصل إلى مغفرة الله لهم؛ لأنهم كافرون بالله ورسوله، والله لا يوفق للحق الخارجين عن شرعه عن عمد وقصد.
٨١ - فرح المتخلفون من المنافقين عن غزوة تبوك بقعودهم عن الجهاد في سبيل الله مخالفين رسول الله، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله كما يجاهد المؤمنون، وقالوا مثبطين لإخوانهم من المنافقين: لا تسيروا في الحرّ، وكانت غزوة تبوك في زمن الحرّ، قل لهم -أيها الرسول-: نار جهنم التي تنتظر المنافقين أشد حرًّا من هذا الحر الَّذي فروا منه لو يعلمون.
٨٢ - فليضحك هؤلاء المنافقون المتخلفون عن الجهاد قليلًا في حياتهم الدنيا الفانية، وليبكوا كثيرًا في حياتهم الآخرة الباقية؛ جزاء على ما كانوا اكتسبوه من الكفر والمعاصي والآثام في الدنيا.
٨٣ - فإن أعادك الله -أيها النبي- إلى فريق من هؤلاء المنافقين ثابت على نفاقه، فطلبوا منك الإذن بالخروج معك في غزوة أخرى، فقل لهم: لن تخرجوا- أيها المنافقون- معي في الجهاد في سبيل الله أبدًا عقوبة لكم، وحذرًا من المفاسد المترتبة على وجودكم معي، فقد رضيتم بالقعود والتخلف في غزوة تبوك، فاقعدوا وابقوا مع المتخلفين من المرضى والنساء والصبيان.
٨٤ - ولا تصلّ -أيها الرسول- على أي ميت من موتى المنافقين أبدًا، ولا تقف على قبره للدعاء له بالمغفرة، ذلك لأنهم كفروا بالله وكفروا برسوله، وماتوا وهم خارجون عن طاعة الله، ومن كان كذلك لا يُصَلَّى عليه ولا يُدْعَى له.
٨٥ - ولا تعجبك -أيها الرسول- أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم، إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا، وذلك بما يعانونه من المشاق في سبيلها، وما يصابون به من مصائب فيها، وأن تخرج أرواحهم من أجسادهم وهم على كفرهم.
٨٦ - وإذا أنزل الله سورة على نبيه محمد ﷺ متضمنة للأمر بالإيمان بالله والجهاد في سبيله طلب الإذن في التخلف عنك أصحاب الغنى واليَسَار منهم، وقالوا: اتركنا نتخلف مع أصحاب الأعذار كالضعفاء والزَّمْنَى.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الكافر لا ينفعه الاستغفار ولا العمل ما دام كافرًا.
• الآيات تدل على قصر نظر الإنسان، فهو ينظر غالبًا إلى الحال والواقع الَّذي هو فيه، ولا ينظر إلى المستقبل وما يتَمَخَّض عنه من أحداث.
• التهاون بالطاعة إذا حضر وقتها سبب لعقوبة الله وتثبيطه للعبد عن فعلها وفضلها.
• في الآيات دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، وزيارة قبورهم والدعاء لهم بعد موتهم، كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك في المؤمنين.
стр. 208
٨٧ - رَضِي هؤلاء المنافقون لأنفسهم الذلة والمهانة حين رَضُوا أن يتخلفوا مع أصحاب الأعذار، وختم الله على قلوبهم بسبب كفرهم ونفاقهم، فهم لا يعلمون ما فيه مصلحتهم.
٨٨ - أما الرسول والمؤمنون معه فلم يتخلفوا عن الجهاد في سبيل الله مثل هؤلاء، وإنما جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وكان جزاؤهم عند الله حصول المنافع الدنيوية لهم كالنصر والغنائم، وحصول المنافع الأخروية، ومنها دخول الجنّة، وحصول الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
٨٩ - هيأ الله لهم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها ماكثين فيها أبدًا، لا يلحقهم فناء، ذلك الجزاء هو الفلاح العظيم الَّذي لا يدانيه فلاح.
٩٠ - وجاء قوم من أعراب المدينة ومن حولها يعتذرون إلى رسول الله ﷺ ؛ ليأذن لهم في التخلف عن الخروج والجهاد في سبيل الله، وتخلف قوم آخرون لم يعتذروا أصلًا عن الخروج؛ لعدم تصديقهم للنبي ولعدم إيمانهم بوعد الله، سينال هؤلاء بسبب كفرهم هذا عذاب مؤلم موجع.
٩١ - ليس على النساء والصبيان والمرضى والعجزة والعمي والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقونه من المال ليتجهزوا به، ليس على هؤلاء جميعًا إثم في التخلف عن الخروج؛ لأن أعذارهم قائمة، إذا أخلصوا لله ورسوله، وعملوا بشرعه، ليس على المحسنين من أصحاب هذه الأعذار طريق لإيقاع العقاب عليهم، والله غفور لذنوب المحسنين، رحيم بهم.
٩٢ - ولا إثم كذلك على المتخلفين عنك الذين إن جاؤوك -أيها الرسول- يطلبون ما تحملهم عليه من الدواب وقلتَ لهم: لا أجد ما أحملكم عليه من الدواب؛ أدبروا عنك وأعينهم تسيل من الدمع أسفًا على أنهم لم يجدوا ما ينفقون من عند أنفسهم أو من عندك.
٩٣ - لما بيَّن أن لا طريق لعقوبة أهل الأعذار ذكر من يستحق العقوبة والمؤاخذة، فقال: إنما الطريق بالعقوبة والمؤاخذة على أولئك الذين يطلبون منك -أيها الرسول- الإذن في التخلف عن الجهاد وهم قادرون عليه بوجود ما يتجهزون به، رضوا لأنفسهم الذلة والهوان بأن يبقوا مع الخوالف في البيوت، وختم الله على قلوبهم فلا تتأثر بموعظة، وهم بسبب هذا الختم لا يعلمون ما فيه مصلحتهم ليختاروه، وما فيه مفسدتهم ليتجنبوه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المجاهدون سيحصِّلون الخيرات في الدنيا، وإن فاتهم هذا فلهم الفوز بالجنّة والنجاة من العذاب في الآخرة.
• الأصل أن المحسن إلى الناس تكرمًا منه لا يؤاخَذ إن وقع منه تقصير.
• أن من نوى الخير، واقترن بنيته الجازمة سَعْيٌ فيما يقدر عليه، ثم لم يقدر- فإنه يُنَزَّل مَنْزِلة الفاعل له.
• الإسلام دين عدل ومنطق؛ لذلك أوجب العقوبة والمأثم على المنافقين المستأذنين وهم أغنياء ذوو قدرة على الجهاد بالمال والنفس.
стр. 209
٩٤ - يُقَدِّم المنافقون المُتخلِّفون عن الجهاد أعذارًا واهية للمسلمين حين عودتهم من الجهاد، ويوجه الله نبيه والمؤمنين بالرد عليهم: لا تعتذروا بالأعذار الكاذبة، لن نصدقكم فيما أخبرتمونا به منها، قد أعلمنا الله شيئًا مما في نفوسكم، وسيرى الله ورسوله: هل ستتوبون، فيقبل الله توبتكم، أم تستمرون على نفاقكم؟ ثم ترجعون إلى الله الَّذي يعلم كل شيء، فيخبركم بما كنتم تعملون، ويجازيكم عليه، فبادروا إلى التوبة والعمل الصالح.
٩٥ - سيقسم هؤلاء المُتخلِّفون بالله إذا رجعتم -أيها المؤمنون- إليهم تأكيدًا لأعذارهم الباطلة؛ لتكفّوا عن لومهم وتوبيخهم، فاتركوهم ترك ساخط واهجروهم، إنهم أنجاس خبثاء الباطن، ومستقرهم الَّذي يأوون إليه هو جهنم؛ جزاء لهم على ما يكسبونه من النفاق والآثام.
٩٦ - يقسم هؤلاء المُتخلِّفون لكم- أيها المؤمنون- لترضوا عنهم، وتقبلوا أعذارهم، فلا ترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فقد خالفتم ربكم، فإنه لا يرضى عن القوم الخارجين عن طاعته بالكفر والنفاق؛ فاحذروا -أيها المسلمون- أن ترضوا عمن لا يرضي الله عنه.
٩٧ - أهل البادية إن كفروا أو نافقوا كان كفرهم أشد من كفر غيرهم من أهل الحضر، ونفاقهم أشد من نفاق أولئك، وهم أحرى بالجهل بالدين، وأحق بألا يعلموا الفرائض والسنن وضوابط الأحكام التي أنزلها على رسوله؛ لما هم عليه من الجفاء والغلظة وقلة المخالطة، والله عليم بأحوالهم، لا يخفى عليه منها شيء، حكيم في تدبيره وشرعه.
٩٨ - ومن سكان البادية المنافقين من يعتقد أن ما ينفقه من مال في سبيل الله خسران وغرامة؛ لتوهمه أنَّه لا يؤجر إن أنفق، ولا يعاقبه الله إن أمسك، ولكنه مع هذا ينفق أحيانًا رياءً وتقية، وينتظر أن ينزل بكم -أيها المؤمنون- شر فيتخلص منكم، بل جعل الله ما يتمنونه أن يقع على المؤمنين من الشر ودوران الزمان بما لا تحمد عقباه واقعًا عليهم هم لا على المؤمنين، والله سميع لما يقولونه، عليم بما يضمرونه.
٩٩ - ومن سكان البادية من يؤمن بالله، ويؤمن بيوم القيامة، ويجعل ما ينففه من مال في سبيل الله قربات يتقرب بها إلى الله، ووسيلة للظفر بدعاء الرسول ﷺ واستغفاره له، ألا إن إنفاقه في سبيل الله ودعاء الرسول له قربات له عند الله، سيجد ثوابها عنده بأن يدخله الله في رحمته الواسعة التي تشمل مغفرته وجنته، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ميدان العمل والتكاليف خير شاهد على إظهار كذب المنافقين من صدقهم.
• أهل البادية إن كفروا فهم أشد كفرًا ونفاقًا من أهل الحضر؛ لتأثير البيئة.
• الحض على النفقة في سبيل الله مع إخلاص النية، وعظم أجر من فعل ذلك.
• فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الخطأ.
стр. 210
١٠٠ - الذين بادروا أولًا إلى الإيمان من المهاجرين الذين هاجروا من ديارهم وأوطانهم إلى الله، ومن الأنصار الذين نصروا نبيه ﷺ ، والذين اتبعوا المهاجرين والأنصار السابقين إلى الإيمان بإحسان في الاعتقاد والأقوال والأفعال ﵃ فقبل طاعتهم، ورضوا عنه لما أعطاهم من ثوابه العظيم، وأعدَّ لهم جنات تجري الأنهار تحت قصورها، ماكثين فيها أبدًا، ذلك الجزاء هو الفلاح العظيم.
١٠١ - ومِمَّن هم قريبون من المدينة من سكان البادية منافقون، ومن أهل المدينة منافقون أقاموا على النفاق وثبتوا عليه، لا تعلمهم -أيها الرسول- الله هو الَّذي يعلمهم، سيعذبهم الله مرتين: مرة في الدنيا بانكشاف نفاقهم وقتلهم وأسرهم، ومرة في الآخرة بعذاب القبر، ثم يردون يوم القيامة إلى عذاب عظيم في الدرك الأسفل من النار.
١٠٢ - ومن أهل المدينة قوم آخرون تخلفوا عن الغزو من غير عذر، فأقروا على أنفسهم بأنهم لم يكن لهم عذر، ولم يأتوا بأعذار كاذبة، مزجوا أعمالهم الصالحة السابقة من القيام بطاعة الله، والتمسك بشرائعه، والجهاد في سبيله بعمل سيئ يرجون من الله أن يتوب عليهم، ويتجاوز عنهم، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
١٠٣ - خذ -أيها الرسول- من أموالهم زكاة تطهرهم بها من دنس المعاصي والآثام، وتُنَمِّي حسناتهم بها، وادع لهم بعد أخذها منهم، إن دعاءك رحمة لهم وطمأنينة، والله سميع لدعائك، عليم بأعمالهم ونياتهم.
١٠٤ - ليعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد والتائبون إلى الله أن الله يقبل التوبة من عباده التائبين إليه، وأنه يقبل الصدقات وهو غني عنها، ويثيب المتصدق على صدقته، وأنه سبحانه هو التواب على من تاب من عباده، الرحيم بهم.
١٠٥ - وقل -أيها الرسول- لهؤلاء المُتخَلِّفين عن الجهاد والتائبين من ذنبهم: اجبروا ضرر ما فاتكم، وأخلصوا أعمالكم لله، واعملوا بما يرضيه، فسيرى الله ورسوله والمؤمنون أعمالكم، وسترجعون يوم القيامة إلى ربكم الَّذي يهلم كل شيء، فيعلم ما تسرون وما تعلنون، وسيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، ويجازيكم عليه.
١٠٦ - ومن المُتخَلِّفين عن غزوة تبوك قوم آخرون لم يكن لهم عذر، فهؤلاء مُؤخَّرون لقضاء الله وحكمه فيهم، يحكم فيهم بما يشاء: إما أن يعذبهم إن لم يتوبوا إليه، وإما أن يتوب عليهم إن تابوا، والله عليم بمن يستحق عقابه، وبمن يستحق عفوه، حكيم في شرعه وتدبيره، وهؤلاء هم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• فضل المسارعة إلى الإيمان، والهجرة في سبيل الله، ونصرة الدين، واتباع طريق السلف الصالح.
• استئثار الله بعلم الغيب، فلا يعلم أحد ما في القلوب إلا الله.
• الرجاء لأهل المعاصي من المؤمنين بتوبة الله عليهم ومغفرته لهم إن تابوا وأصلحوا عملهم.
• وجوب الزكاة وبيان فضلها وأثرها في تنمية المال وتطهير النفوس من البخل وغيره من الآفات.
стр. 211
١٠٧ - ومن المنافقين أيضًا أولئك الذين ابتنوا مسجدًا لغير طاعة الله، بل للإضرار بالمسلمين، وإظهار الكفر بتقوية أهل النفاق، وللتفريق بين المؤمنين، وللإعداد والانتظار لمن حارب الله ورسوله من قبل بناء المسجد، وليحلفن هؤلاء المنافقون لكم: ما قصدنا إلا الرفق بالمسلمين، والله يشهد إنهم لكاذبون في دعواهم هذه.
١٠٨ - مسجد هذه صفته لا تستجب -أيها النبي- لدعوة المنافقين لك للصلاة فيه، فإن مسجد قباء الَّذي أُسِّس أول ما أُسِّس على التقوى أولى بأن تصلي فيه من هذا المسجد الَّذي أُسِّس على الكفر، في مسجد قباء رجال يحبون أن يتطهروا من الأحداث والأخباث بالماء، ومن المعاصي بالتوبة والاستغفار، والله يحب المتطهرين من الأحداث والأخباث والذنوب.
١٠٩ - أيستوي مَن أَسَّس بنيانه على تقوى من الله بامتثال أوامر جتناب نواهيه، ورضوان الله بالتوسع في أعمال البر مع من بنى مسجدًا للإضرار بالمسلمين وتقوية الكفر، والتفريق بين المؤمنين؟! لا يستويان أبدًا، فالأول بنيانه قوي متماسك لا يخشى عليه السقوط، وهذا مثله كمثل من بنى بنيانًا على شفير حفرة فتهدم وسقط، فانهار به بنيانه في قعر جهنم، والله لا يوفق القوم الظالمين بالكفر والنفاق وغير ذلك.
١١٠ - لا يزال مسجدهم الَّذي بنوه ضرارًا شكًّا ونفاقًا ثابتًا في قلوبهم حتَّى تتقطع قلوبهم بالموت أو القتل بالسيف، والله عليم بأعمال عباده، حكيم فيما يحكم به من جزاء على الخير أو الشر.
ولما بيَّن الله فضائح المنافقين المتخلفين عن الجهاد ذكر جزاء المجاهدين في سبيله فقال:
١١١ - إن الله سبحانه اشترى من المؤمنين أنفسهم -مع أنهم ملكه؛ تفضُّلًا منه- بثمن غال هو الجنّة، حيث يقاتلون الكفار لتكون كلمة الله هي العليا، فيقتلون الكفار، ويقتلهم الكفار، وعبد الله بذلك وعدًا صدقًا في التوراة: كتاب موسى، والإنجيل: كتاب عيسى ﵇، والقرآن: كتاب محمد ﷺ ، ولا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه؛ فافرحوا وسروا -أيها المؤمنون- ببيعكم الَّذي بايعتم به الله، فقد ربحتم فيه ربحًا عظيمًا، وذلك البيع هو الفلاح العظيم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• محبة الله ثابتة للمتطهرين من الأنجاس البدنية والروحية.
• لا يستوي من عمل عملًا قصد به وجه الله؛ فهذا العمل هو الَّذي سيبقى ويسعد به صاحبه، مع من قصد بعمله نصرة الكفر ومحاربة المسلمين؛ وهذا العمل هو الَّذي سيفنى ويشقى به صاحبه.
• مشروعية الجهاد والحض عليه كانت في الأديان التي قبل الإسلام أيضًا.
• كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها.
стр. 212
١١٢ - هؤلاء الحاصلون على هذا الجزاء هم الراجعون مما كرهه الله وسخطه إلى ما يحبه ويرضاه، الذين ذلُّوا خشية لله وتواضعًا فجاوا في طاعته، الحامدون لربهم على كل حال، الصائمون، المصلون، الآمرون بما أمر الله به أو أمر به رسوله، الناهون عما نهى الله عنه ورسوله، الحافظون لأوامر الله بالاتباع، ولنواهيه بالاجتناب، وأَخْبِر -أيها الرسول- المؤمنين المتصفين بهذه الصفات بما يسرهم في الدنيا والآخرة.
١١٣ - لا ينبغي للنبي ولا ينبغي للمؤمنين أن يطلبوا المغفرة من الله للمشركين، ولو كانوا أقرباءهم، من بعدِ ما اتضح لهم أنهم من أصحاب النار؛ لموتهم على الشرك.
١١٤ - وما كان طلب إبراهيم المغفرة لأبيه إلا بسبب وعده إياه ليطلبنّها له؛ رجاء أن يسلم، فلما اتضح لإبراهيم أن أباه عدو لله لعدم نفع النصح فيه، أو لعلمه بوحي أنَّه يموت كافرًا تبرأ منه، وكان استغفاره له اجتهادًا منه، لا مخالفة لحكم أوحى الله إليه به، إن إبراهيم ﵇ كثير التضرع إلى الله، كثير الصفح والتجاوز عن قومه الظالمين.
١١٥ - وما كان الله ليحكم على قوم بالضلال بعد أن وفقهم للهداية حتَّى يبين لهم المحرمات التي يجب اجتنابها، فإن ارتكبوا ما حرم عليهم بعد بيان تحريمه حكم عليهم بالضلال، إن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء، وقد علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون.
١١٦ - إن الله له ملك السماوات وملك الأرض، لا شريك له فيهما، لا يخفى عنه فيهما خافية، يُحْيِي من شاء إحياء، ويميت من شاء إماتته، وما لكم -أيها الناس- غير الله من ولي يتولى أموركم، وما لكم من نصير يدفع عنكم السوء، وينصركم على عدوكم.
١١٧ - لقد تاب الله على النبي محمد ﷺ إذ أذن للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، ولقد تاب على المهاجرين، وعلى الأنصار الذين لم يتخلفوا عنه، بل اتبعوه في غزوة تبوك مع شدة الحر وقلة ذات اليد وقوة الأعداء، بعدما كادت تميل قلوب طائفة منهم هَمُّوا بترك الغزو؛ لما هم فيه من الشدة العظيمة، ثم وفقهم الله للثبات والخروج إلى الغزو، وتاب عليهم، إنه سبحانه رؤوف بهم رحيم، ومن رحمته توفيقهم للتوبة وقبولها منهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بطلان الاحتجاج على جواز الاستغفار للمشركين بفعل إبراهيم ﵇.
• أن الذنوب والمعاصي هي سبب المصائب والخذلان وعدم التوفيق.
• أن الله هو مالك الملك، وهو ولينا، ولا ولي ولا نصير لنا من دونه.
• بيان فضل أصحاب النبي ﷺ على سائر الناس.
стр. 213
١١٨ - ولقد تاب الله على الثلاثة، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية؛ الذين خُلِّفُوا عن التوبة وأُخِّرَ قبول توبتهم بعد تخلُّفهم عن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، فأمر النبي ﷺ الناس بهجرانهم، وأصابهم حزن وغم على ذلك حتَّى ضاقت عليهم الأرض على سعتها، وضاقت صدورهم بما حصل لهم من الوحشة، وعلموا أنْ لا ملجأ لهم يلجؤون إليه إلا إلى الله وحده، فرحمهم بتوفيقهم للتوبة، ثم قبل توبتهم، إنه هو التواب على عباده، الرحيم بهم.
١١٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وعملوا بشرعه، اتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وكونوا مع الصادقين في إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم، فلا مَنْجاة لكم إلا في الصدق.
١٢٠ - ليس لأهل المدينة ولا لمن حولهم من سكان البادية أن يتخلفوا عن رسول الله ﷺ إذا خرج إلى الجهاد بنفسه، وليس لهم أن يَشِحُّوا بانفسهم، ويصونوها عن نفسه ﷺ ، بل الواجب عليهم أن يبذلوا أنفسهم دون نفسه؛ ذلك لأنهم لا ينالهم عطش، ولا تعب، ولا مجاعة في سبيل الله، ولا ينزلون مكانًا يثير وجودهم به غيظ الكفار، ولا يصيبون من عدو قتلًا أو أسرًا أو غنيمة أو هزيمة -إلا كتب الله لهم بذلك ثواب عمل صالح يقبله منهم، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، بل يوفيهم إياه كاملًا، ويزيدهم عليه.
١٢١ - ولا يبذلون مالًا قليلًا كان أو كثيرًا، ولا يتجاوزون واديًا إلا كتب لهم ما عملوه من بذل ومن سفر ليكافئهم الله، فيعطيهم في الآخرة أجر أحسن ما كانوا يعملون.
١٢٢ - وما ينبغي للمؤمنين أن يخرجوا للقتال جميعًا حتَّى لا يُسْتَأصَلوا إذا ظهر عليهم عدوهم، فهلَّا خرج للجهاد فريق منهم، وبقي فريق ليرافقوا رسول الله ﷺ ، ويتفقهوا في الدين بما يسمعونه منه ﷺ من القرآن وأحكام الشرع، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما تعلموه؛ رجاء أن يحذروا من عذاب الله وعقابه، فيمتثلوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه. وكان هذا في السرايا التي كان يبعثها رسول الله إلى النواحي، ويختار لها طائفة من أصحابه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب تقوى الله والصدق وأنهما سبب للنجاة من الهلاك.
• عظم فضل النفقة في سبيل الله.
• وجوب التفقُّه في الدين مثله مثل الجهاد، وأنه لا قيام للدين إلا بهما معًا.
стр. 214
١٢٣ - أمر الله تعالى المؤمنين بقتال من يجاورهم من الكفار؛ لما يسبِّبون من خطر على المؤمنين بسبب قربهم، وأمرهم كذلك أن يُظْهِروا قوة وشدة من أجل إرهابهم ودفع شرهم، والله تعالى مع المؤمنين المتقين بعونه وتأييده.
١٢٤ - وإذا أنزل الله سورة على رسوله ﷺ فمن المنافقين من يسأل مستهزئًا ساخرًا: أيكم زادته هذه السورة النازلة إيمانًا بما جاء به محمد؟ فأما الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله فقد زادهم نزول السورة إيمانًا إلى إيمانهم السابق، وهم مسرورون بما نزل من الوحي؛ لما فيه من منافعهم الدنيوية والأخروية.
١٢٥ - وأما المنافقون فإن نزول القرآن بما فيه من أحكام وقصص يزيدهم مرضًا وخبثًا بسبب تكذيبهم بما ينزل، فيزداد مرض قلوبهم بزيادة نزول القرآن؛ لأنهم كلما نزل شيء شكّوا بما فيه وماتوا على الكفر.
١٢٦ - أوَلَا ينظر المنافقون معتبرين بابتلاء الله لهم بكشف حالهم وفضح نفاقهم كل سنة مرة أو مرتين؟! ثم مع علمهم بأن الله تعالى هو فاعل ذلك بهم لا يتوبون إليه من كفرهم، ولا يقلعون عن نفاقهم، ولا هم يتذكرون ما حل بهم وأنه من الله!
١٢٧ - وإذا أنزل الله سورة على رسوله ﷺ فيها ذكر أحوال المنافقين نظر بعض المنافقين إلى بعض قائلين: هل يراكم أحد؟ فإن لم يرهم أحد انصرفوا عن المجلس، ألا صرف الله قلوبهم عن الهداية والخير، وخذلهم بأنهم قوم لا يفهمون.
١٢٨ - لقد جاءكم -يا معشر العرب- رسول من جنسكم، فهو عربي مثلكم، شاقٌّ عليه ما يشقُّ عليكم، شديدة رغبته في هدايتكم والعناية بكم، وهو بالمؤمنين خاصة كثير العطف والرحمة.
١٢٩ - فإن أعرضوا عنك، ولم يؤمنوا بما جئت به، فقل لهم -أيها الرسول-: يكفيني الله الَّذي لا معبود بحقٍّ سواه، عليه وحده اعتمدت، وهو سبحانه رب العرش العظيم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب ابتداء القتال بالأقرب من الكفار إذا اتسعت رقعة الإسلام، ودعت إليه حاجة.
• بيان حال المنافقين حين نزول القرآن عليهم وهي الترقُّب والاضطراب.
• بيان رحمة النبي ﷺ بالمؤمنين وحرصه عليهم.
• في الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده فيجدده وينميه؛ ليكون دائمًا في صعود.
стр. 215
سورة يونس
مكية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
مواجهة المكذبين للوحي بالحجج والبراهين ودعوتهم للإيمان ترغيبًا وترهيبًا.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿الر﴾ سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. هذه الآيات المتلوة في هذه السورة آيات القرآن المحكم المتقن المشتمل على الحكمة والأحكام.
٢ - أكان باعثًا للناس على التعجب أن أنزلنا الوحي على رجل من جنسه؛ آمرين إياه أن يحذرهم من عذاب الله؟! وأخبرْ -أيها الرسول- الذين آمنوا بالله بما يسرهم؛ أن لهم منزلة عالية جزاء على ما قدموه من عمل صالح عند ربهم سبحانه، قال الكافرون: إن هذا الرجل الَّذي جاء بهذه الآيات لساحر ظاهر السحر.
٣ - إن ربكم -أيها المتعجبون- هو الله الَّذي خلق السماوات على عظمها، والأرض على اتساعها في ستة أيام، ثم علا وارتفع على العرش، فكيف تعجبون من إرساله رجلا من جنسكم؟! وهو وحده الَّذي يقضي ويقدر في ملكه الواسع، وما لأحد أن يشفع لديه في شيء إلا بعد إذنه ورضاه عن الشافع، ذلكم المتصف بهذه الصفات هو الله ربكم، فأخلصوا له العبادة وحده، أفلا تتعظون بكل هذه البراهين والحجج على وحدانيته؟ فمن كان له أدنى اتعاظ علم ذلك، وآمن به.
٤ - إليه وحده رجوعكم يوم القيامة؛ ليجازيكم على أعمالكم، وعد الله الناس بذلك وعدًا صادقًا لا يخلفه، إنه على ذلك قادر، يبدأ إيجاد المخلوق على غير مثال سابق، ثم يعيده بعد موته؛ ليجزي سبحانه الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات بالعدل فلا ينقص من حسناتهم، ولا يزيد في سيئاتهم، والذين كفروا بالله وبرسله لهم شراب من ماء متناهي الحرارة، يقطع أمعاءهم، ولهم عذاب موجع بسبب كفرهم بالله وبرسله.
٥ - هو الَّذي جعل الشمس تشع الضوء وتنشره، وجعل القمر نورًا يُسْتَنار به، وقَدَّرَ سيره بعدد منازله الثماني والعشرين، والمنزلة هي المسافة التي يقطعها كل يوم وليلة؛ لتعلموا -أيها الناس- بالشمس عدد الأيام، وبالقمر عدد الشهور والسنين، ما خلق الله السماوات والأرض وما فيهما إلا بالحق؛ ليظهر قدرته وعظمته للناس، يبين الله هذه الأدلة الواضحة والبراهين الجلية على وحدانيته لقوم يعلمون الاستدال بها على ذلك.
٦ - إن في تَعَاقُب الليل والنهار على العباد. وما يصحب ذلك من ظلمة وضياء، وقصر أحدهما وطوله، والمخلوقات التي في السماوات والأرض لعلامات دالة على قدرة الله لقوم يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إثبات نبوة النبي ﷺ وأن إرساله أمر معقول لا عجب فيه .. خلق السماوات والأرض ومن فيهما، وتدبير الأمر، وتقدير الأزمان واختلاف الليل والنهار كلها آيات عظيمة دالة على ألوهية الله سبحانه.
• الشفاعة يوم القيامة لا تكون إلا لمن أذن له الله، ورضي قوله وفعله.
• تقدير الله لحركة الشمس ولمنازل القمر يساعد على ضبط التاريخ والأيام والسنين.
следующие страницы →