← Тафсир

Тафсир · id 18102

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (612 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

١٠٧ - ومن المنافقين أيضًا أولئك الذين ابتنوا مسجدًا لغير طاعة الله، بل للإضرار بالمسلمين، وإظهار الكفر بتقوية أهل النفاق، وللتفريق بين المؤمنين، وللإعداد والانتظار لمن حارب الله ورسوله من قبل بناء المسجد، وليحلفن هؤلاء المنافقون لكم: ما قصدنا إلا الرفق بالمسلمين، والله يشهد إنهم لكاذبون في دعواهم هذه. ١٠٨ - مسجد هذه صفته لا تستجب -أيها النبي- لدعوة المنافقين لك للصلاة فيه، فإن مسجد قباء الَّذي أُسِّس أول ما أُسِّس على التقوى أولى بأن تصلي فيه من هذا المسجد الَّذي أُسِّس على الكفر، في مسجد قباء رجال يحبون أن يتطهروا من الأحداث والأخباث بالماء، ومن المعاصي بالتوبة والاستغفار، والله يحب المتطهرين من الأحداث والأخباث والذنوب. ١٠٩ - أيستوي مَن أَسَّس بنيانه على تقوى من الله بامتثال أوامر جتناب نواهيه، ورضوان الله بالتوسع في أعمال البر مع من بنى مسجدًا للإضرار بالمسلمين وتقوية الكفر، والتفريق بين المؤمنين؟! لا يستويان أبدًا، فالأول بنيانه قوي متماسك لا يخشى عليه السقوط، وهذا مثله كمثل من بنى بنيانًا على شفير حفرة فتهدم وسقط، فانهار به بنيانه في قعر جهنم، والله لا يوفق القوم الظالمين بالكفر والنفاق وغير ذلك. ١١٠ - لا يزال مسجدهم الَّذي بنوه ضرارًا شكًّا ونفاقًا ثابتًا في قلوبهم حتَّى تتقطع قلوبهم بالموت أو القتل بالسيف، والله عليم بأعمال عباده، حكيم فيما يحكم به من جزاء على الخير أو الشر. ولما بيَّن الله فضائح المنافقين المتخلفين عن الجهاد ذكر جزاء المجاهدين في سبيله فقال: ١١١ - إن الله سبحانه اشترى من المؤمنين أنفسهم -مع أنهم ملكه؛ تفضُّلًا منه- بثمن غال هو الجنّة، حيث يقاتلون الكفار لتكون كلمة الله هي العليا، فيقتلون الكفار، ويقتلهم الكفار، وعبد الله بذلك وعدًا صدقًا في التوراة: كتاب موسى، والإنجيل: كتاب عيسى ﵇، والقرآن: كتاب محمد ﷺ ، ولا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه؛ فافرحوا وسروا -أيها المؤمنون- ببيعكم الَّذي بايعتم به الله، فقد ربحتم فيه ربحًا عظيمًا، وذلك البيع هو الفلاح العظيم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • محبة الله ثابتة للمتطهرين من الأنجاس البدنية والروحية. • لا يستوي من عمل عملًا قصد به وجه الله؛ فهذا العمل هو الَّذي سيبقى ويسعد به صاحبه، مع من قصد بعمله نصرة الكفر ومحاربة المسلمين؛ وهذا العمل هو الَّذي سيفنى ويشقى به صاحبه. • مشروعية الجهاد والحض عليه كانت في الأديان التي قبل الإسلام أيضًا. • كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها.

стр. 212

١١٢ - هؤلاء الحاصلون على هذا الجزاء هم الراجعون مما كرهه الله وسخطه إلى ما يحبه ويرضاه، الذين ذلُّوا خشية لله وتواضعًا فجاوا في طاعته، الحامدون لربهم على كل حال، الصائمون، المصلون، الآمرون بما أمر الله به أو أمر به رسوله، الناهون عما نهى الله عنه ورسوله، الحافظون لأوامر الله بالاتباع، ولنواهيه بالاجتناب، وأَخْبِر -أيها الرسول- المؤمنين المتصفين بهذه الصفات بما يسرهم في الدنيا والآخرة. ١١٣ - لا ينبغي للنبي ولا ينبغي للمؤمنين أن يطلبوا المغفرة من الله للمشركين، ولو كانوا أقرباءهم، من بعدِ ما اتضح لهم أنهم من أصحاب النار؛ لموتهم على الشرك. ١١٤ - وما كان طلب إبراهيم المغفرة لأبيه إلا بسبب وعده إياه ليطلبنّها له؛ رجاء أن يسلم، فلما اتضح لإبراهيم أن أباه عدو لله لعدم نفع النصح فيه، أو لعلمه بوحي أنَّه يموت كافرًا تبرأ منه، وكان استغفاره له اجتهادًا منه، لا مخالفة لحكم أوحى الله إليه به، إن إبراهيم ﵇ كثير التضرع إلى الله، كثير الصفح والتجاوز عن قومه الظالمين. ١١٥ - وما كان الله ليحكم على قوم بالضلال بعد أن وفقهم للهداية حتَّى يبين لهم المحرمات التي يجب اجتنابها، فإن ارتكبوا ما حرم عليهم بعد بيان تحريمه حكم عليهم بالضلال، إن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء، وقد علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون. ١١٦ - إن الله له ملك السماوات وملك الأرض، لا شريك له فيهما، لا يخفى عنه فيهما خافية، يُحْيِي من شاء إحياء، ويميت من شاء إماتته، وما لكم -أيها الناس- غير الله من ولي يتولى أموركم، وما لكم من نصير يدفع عنكم السوء، وينصركم على عدوكم. ١١٧ - لقد تاب الله على النبي محمد ﷺ إذ أذن للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، ولقد تاب على المهاجرين، وعلى الأنصار الذين لم يتخلفوا عنه، بل اتبعوه في غزوة تبوك مع شدة الحر وقلة ذات اليد وقوة الأعداء، بعدما كادت تميل قلوب طائفة منهم هَمُّوا بترك الغزو؛ لما هم فيه من الشدة العظيمة، ثم وفقهم الله للثبات والخروج إلى الغزو، وتاب عليهم، إنه سبحانه رؤوف بهم رحيم، ومن رحمته توفيقهم للتوبة وقبولها منهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • بطلان الاحتجاج على جواز الاستغفار للمشركين بفعل إبراهيم ﵇. • أن الذنوب والمعاصي هي سبب المصائب والخذلان وعدم التوفيق. • أن الله هو مالك الملك، وهو ولينا، ولا ولي ولا نصير لنا من دونه. • بيان فضل أصحاب النبي ﷺ على سائر الناس.

стр. 213

١١٨ - ولقد تاب الله على الثلاثة، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية؛ الذين خُلِّفُوا عن التوبة وأُخِّرَ قبول توبتهم بعد تخلُّفهم عن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، فأمر النبي ﷺ الناس بهجرانهم، وأصابهم حزن وغم على ذلك حتَّى ضاقت عليهم الأرض على سعتها، وضاقت صدورهم بما حصل لهم من الوحشة، وعلموا أنْ لا ملجأ لهم يلجؤون إليه إلا إلى الله وحده، فرحمهم بتوفيقهم للتوبة، ثم قبل توبتهم، إنه هو التواب على عباده، الرحيم بهم. ١١٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وعملوا بشرعه، اتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وكونوا مع الصادقين في إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم، فلا مَنْجاة لكم إلا في الصدق. ١٢٠ - ليس لأهل المدينة ولا لمن حولهم من سكان البادية أن يتخلفوا عن رسول الله ﷺ إذا خرج إلى الجهاد بنفسه، وليس لهم أن يَشِحُّوا بانفسهم، ويصونوها عن نفسه ﷺ ، بل الواجب عليهم أن يبذلوا أنفسهم دون نفسه؛ ذلك لأنهم لا ينالهم عطش، ولا تعب، ولا مجاعة في سبيل الله، ولا ينزلون مكانًا يثير وجودهم به غيظ الكفار، ولا يصيبون من عدو قتلًا أو أسرًا أو غنيمة أو هزيمة -إلا كتب الله لهم بذلك ثواب عمل صالح يقبله منهم، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، بل يوفيهم إياه كاملًا، ويزيدهم عليه. ١٢١ - ولا يبذلون مالًا قليلًا كان أو كثيرًا، ولا يتجاوزون واديًا إلا كتب لهم ما عملوه من بذل ومن سفر ليكافئهم الله، فيعطيهم في الآخرة أجر أحسن ما كانوا يعملون. ١٢٢ - وما ينبغي للمؤمنين أن يخرجوا للقتال جميعًا حتَّى لا يُسْتَأصَلوا إذا ظهر عليهم عدوهم، فهلَّا خرج للجهاد فريق منهم، وبقي فريق ليرافقوا رسول الله ﷺ ، ويتفقهوا في الدين بما يسمعونه منه ﷺ من القرآن وأحكام الشرع، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما تعلموه؛ رجاء أن يحذروا من عذاب الله وعقابه، فيمتثلوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه. وكان هذا في السرايا التي كان يبعثها رسول الله إلى النواحي، ويختار لها طائفة من أصحابه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب تقوى الله والصدق وأنهما سبب للنجاة من الهلاك. • عظم فضل النفقة في سبيل الله. • وجوب التفقُّه في الدين مثله مثل الجهاد، وأنه لا قيام للدين إلا بهما معًا.

стр. 214

١٢٣ - أمر الله تعالى المؤمنين بقتال من يجاورهم من الكفار؛ لما يسبِّبون من خطر على المؤمنين بسبب قربهم، وأمرهم كذلك أن يُظْهِروا قوة وشدة من أجل إرهابهم ودفع شرهم، والله تعالى مع المؤمنين المتقين بعونه وتأييده. ١٢٤ - وإذا أنزل الله سورة على رسوله ﷺ فمن المنافقين من يسأل مستهزئًا ساخرًا: أيكم زادته هذه السورة النازلة إيمانًا بما جاء به محمد؟ فأما الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله فقد زادهم نزول السورة إيمانًا إلى إيمانهم السابق، وهم مسرورون بما نزل من الوحي؛ لما فيه من منافعهم الدنيوية والأخروية. ١٢٥ - وأما المنافقون فإن نزول القرآن بما فيه من أحكام وقصص يزيدهم مرضًا وخبثًا بسبب تكذيبهم بما ينزل، فيزداد مرض قلوبهم بزيادة نزول القرآن؛ لأنهم كلما نزل شيء شكّوا بما فيه وماتوا على الكفر. ١٢٦ - أوَلَا ينظر المنافقون معتبرين بابتلاء الله لهم بكشف حالهم وفضح نفاقهم كل سنة مرة أو مرتين؟! ثم مع علمهم بأن الله تعالى هو فاعل ذلك بهم لا يتوبون إليه من كفرهم، ولا يقلعون عن نفاقهم، ولا هم يتذكرون ما حل بهم وأنه من الله! ١٢٧ - وإذا أنزل الله سورة على رسوله ﷺ فيها ذكر أحوال المنافقين نظر بعض المنافقين إلى بعض قائلين: هل يراكم أحد؟ فإن لم يرهم أحد انصرفوا عن المجلس، ألا صرف الله قلوبهم عن الهداية والخير، وخذلهم بأنهم قوم لا يفهمون. ١٢٨ - لقد جاءكم -يا معشر العرب- رسول من جنسكم، فهو عربي مثلكم، شاقٌّ عليه ما يشقُّ عليكم، شديدة رغبته في هدايتكم والعناية بكم، وهو بالمؤمنين خاصة كثير العطف والرحمة. ١٢٩ - فإن أعرضوا عنك، ولم يؤمنوا بما جئت به، فقل لهم -أيها الرسول-: يكفيني الله الَّذي لا معبود بحقٍّ سواه، عليه وحده اعتمدت، وهو سبحانه رب العرش العظيم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب ابتداء القتال بالأقرب من الكفار إذا اتسعت رقعة الإسلام، ودعت إليه حاجة. • بيان حال المنافقين حين نزول القرآن عليهم وهي الترقُّب والاضطراب. • بيان رحمة النبي ﷺ بالمؤمنين وحرصه عليهم. • في الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده فيجدده وينميه؛ ليكون دائمًا في صعود.

стр. 215

سورة يونس مكية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] مواجهة المكذبين للوحي بالحجج والبراهين ودعوتهم للإيمان ترغيبًا وترهيبًا. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿الر﴾ سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. هذه الآيات المتلوة في هذه السورة آيات القرآن المحكم المتقن المشتمل على الحكمة والأحكام. ٢ - أكان باعثًا للناس على التعجب أن أنزلنا الوحي على رجل من جنسه؛ آمرين إياه أن يحذرهم من عذاب الله؟! وأخبرْ -أيها الرسول- الذين آمنوا بالله بما يسرهم؛ أن لهم منزلة عالية جزاء على ما قدموه من عمل صالح عند ربهم سبحانه، قال الكافرون: إن هذا الرجل الَّذي جاء بهذه الآيات لساحر ظاهر السحر. ٣ - إن ربكم -أيها المتعجبون- هو الله الَّذي خلق السماوات على عظمها، والأرض على اتساعها في ستة أيام، ثم علا وارتفع على العرش، فكيف تعجبون من إرساله رجلا من جنسكم؟! وهو وحده الَّذي يقضي ويقدر في ملكه الواسع، وما لأحد أن يشفع لديه في شيء إلا بعد إذنه ورضاه عن الشافع، ذلكم المتصف بهذه الصفات هو الله ربكم، فأخلصوا له العبادة وحده، أفلا تتعظون بكل هذه البراهين والحجج على وحدانيته؟ فمن كان له أدنى اتعاظ علم ذلك، وآمن به. ٤ - إليه وحده رجوعكم يوم القيامة؛ ليجازيكم على أعمالكم، وعد الله الناس بذلك وعدًا صادقًا لا يخلفه، إنه على ذلك قادر، يبدأ إيجاد المخلوق على غير مثال سابق، ثم يعيده بعد موته؛ ليجزي سبحانه الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات بالعدل فلا ينقص من حسناتهم، ولا يزيد في سيئاتهم، والذين كفروا بالله وبرسله لهم شراب من ماء متناهي الحرارة، يقطع أمعاءهم، ولهم عذاب موجع بسبب كفرهم بالله وبرسله. ٥ - هو الَّذي جعل الشمس تشع الضوء وتنشره، وجعل القمر نورًا يُسْتَنار به، وقَدَّرَ سيره بعدد منازله الثماني والعشرين، والمنزلة هي المسافة التي يقطعها كل يوم وليلة؛ لتعلموا -أيها الناس- بالشمس عدد الأيام، وبالقمر عدد الشهور والسنين، ما خلق الله السماوات والأرض وما فيهما إلا بالحق؛ ليظهر قدرته وعظمته للناس، يبين الله هذه الأدلة الواضحة والبراهين الجلية على وحدانيته لقوم يعلمون الاستدال بها على ذلك. ٦ - إن في تَعَاقُب الليل والنهار على العباد. وما يصحب ذلك من ظلمة وضياء، وقصر أحدهما وطوله، والمخلوقات التي في السماوات والأرض لعلامات دالة على قدرة الله لقوم يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • إثبات نبوة النبي ﷺ وأن إرساله أمر معقول لا عجب فيه .. خلق السماوات والأرض ومن فيهما، وتدبير الأمر، وتقدير الأزمان واختلاف الليل والنهار كلها آيات عظيمة دالة على ألوهية الله سبحانه. • الشفاعة يوم القيامة لا تكون إلا لمن أذن له الله، ورضي قوله وفعله. • تقدير الله لحركة الشمس ولمنازل القمر يساعد على ضبط التاريخ والأيام والسنين.

стр. 216

٧ - إن الكافرين الذين لا يتوقعون لقاء الله فيخافوه أو يطمعوا فيه، وارتضوا الحياة الدنيا الفانية بدلًا من الحياة الأخروية الباقية، وسكنت أنفسهم إليها فرحة بها، والذين هم عن آيات الله ودلائله معرضون عنها لاهون. ٨ - أولئك المتصفون بهذه الصفات مستقرهم الَّذي يأوون إليه هو النار؛ بسبب ما اكتسبوه من الكفر والتكذيب بيوم القيامة. ٩ - إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات يرزقهم الله الهداية الى العمل الصالح الموصل إلى رضاه؛ بسبب إيمانهم، ثم يدخلهم الله يوم القيامة في جنات النعيم الدائم، تجري من تحتهم الأنهار. ١٠ - دعاؤهم في الجنّة هو تسبيح الله وتقديسه، وتحية الله لهم وتحية الملائكة وتحية بعضهم لبعض: سلام، وخاتمة دعائهم الثناء على الله رب المخلوقات كلها. ١١ - ولو يُعَجِّل الله سبحانه استجابة دعاء الناس على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالشر عند الغضب، مثل ما يستجيب لهم في دعائهم بالخير -لهلكوا، ولكن الله يمهلهم، فيترك الذين لا ينتظرون لقاءه- لأنهم لا يخافون عقابًا ولا يرتجون ثوابًا- يتركهم مترددين حائرين مرتابين في يوم الحساب. ١٢ - وإذا أصاب الإنسانَ المسرف على نفسه مرض أو سوء حال، دعانا متذللًا متضرعًا مضطجعًا على جنبه أو قاعدًا أو قائمًا؛ رجاء أن يُزَال ما به من ضر، فلما استجبنا دعاءه، وأزلنا ما به من ضر مضى على ما كان عليه كأنه لم يدعنا لكشف ضر أصابه، كما زُيِّن لهذا المعرض الاستمرار في ضلاله زُيِّن للمتجاوزين للحدود بكفرهم ما كانوا يعملونه من الكفر والمعاصي، فلا يتركونه. ١٣ - ولقد أهلكنا الأمم من قبلكم -أيها المشركون- لتكذيبهم برسل الله وارتكابهم المعاصي، وقد جاءتهم رسلهم الذين أرسلناهم إليهم بالبراهين الواضحة الدالة على صدقهم فيما جاؤوا به من عند ربهم، فما استقام لهم أن يؤمنوا؛ لعدم استعدادهم للإيمان، فخذلهم الله، ولم يوفقهم له، كما جازينا تلك الأمم الظالمة نجزي أمثالهم في كل زمان ومكان. ١٤ - ثم صَيَّرناكم -أيها النَّاس- خَلَفًا لتلك الأمم المكذبة التي أهلكناها؛ لننظر كيف تعملون، هل تعملون خيرًا فتثابوا عليه، أم تعملون شرًّا فتعاقبوا عليه؟ [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • لطف الله بعباده في عدم إجابة دعائهم على أنفسهم وأولادهم بالشر. • بيان حال الإنسان بالدعاء في الضراء والإعراض عند الرخاء والتحذير من الاتصاف بذلك. • هلاك الأمم السابقة كان سببه ارتكابهم المعاصي والظلم.

стр. 217

١٥ - وإذا تُقْرأ عليهم الآيات القرآنية الواضحة الدالة على توحيد الله، قال منكرو البعث الذين لا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا: جيء -يا محمد- بقرآن غير هذا القرآن المشتمل على سب عبادة الأصنام أو غيره بنَسْخ بعضه أو كله بما يوافق أهواءنا، قل لهم -أيها الرسول-: لا يصح أن أغيِّره أنا، ولا أستطيع -بالأوْلى- الإتيان بغيره، بل الله وحده هو الَّذي يبدل منه ما يشاء، فلست أتبع إلا ما يوحيه الله إلي، إني أخاف إن عصيت الله بإجابتكم إلى ما طلبتم عذاب يوم عظيم، وهو يوم القيامة. ١٦ - قل -أيها الرسول-: لو شاء الله ألا أقرأ القرآن عليكم ما قرأته عليكم، وما بلغتكم إياه، ولو شاء الله ما أَعْلَمَكم بالقرآن على لساني، فقد مكثت بينكم زمنًا طويلًا -هو أربعون سنة- لا أقرأ ولا أكتب، ولا أطلب هذا الشأن ولا أبحث عنه، أفلا تدركون بعقولكم أن ما جئتكم به هو من عند الله، ولا شأن لي فيه؟! ١٧ - فلا أحد أظلم ممن اختلق على الله كذبًا، فكيف لي أن أبدل القرآن افتراء عليه، إن الشأن أن المتجاوزين لحدود الله بالافتراء عليه لا يفوزون بمطلوبهم. ١٨ - ويعبد المشركون من دون الله آلهة مزعومة، لا تنفع ولا تضر، والمعبود بالحق ينفع ويضر متى شاء، ويقولون عن معبوداتهم: هؤلاء وسطاء يشفعون لنا عند الله فلا يعذبنا بذنوبنا، قل لهم -أيها الرسول-: أتخبرون الله العليم أن له شريكًا، وهو لا يعلم له شريكًا في السماوات ولا في الأرض، تَقَدَّس وتَنَزَّه عما يقوله المشركون من الباطل والكذب. ١٩ - وما كان الناس إلا أمة واحدة مؤمنة موحدة فاختلفوا، فمنهم من بقي مؤمنًا، ومنهم من كفر، ولولا ما مضى من قضاء الله أنَّه لا يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه في الدنيا، وإنما يحكم بينهم فيه يوم القيامة، لولا ذلك لحكم بينهم في الدنيا فيما يختلفون فيه، فيتبين المهتدي من الضال. ٢٠ - ويقول المشركون: هلَّا أُنْزِل على محمد آية من ربه دالة على صدقه؟ فقل لهم -أيها الرسول-: نزول الآيات غيب يختص الله بعلمه، فانتظروا ما اقترحتموه من الآيات الحسية، إني معكم من المنتظرين لها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عظم الافتراء على الله والكذب عليه وتحريف كلامه كما فعل اليهود بالتوراة. • النفع والضر بيد الله وحده دون ما سواه. • بطلان قول المشركين بأن آلهتهم تشفع لهم عند الله. • اتباع الهوى والاختلاف على الدين هو سبب الفرقة.

стр. 218

٢١ - وإذا أذقنا المشركين نعمة من مطر وخصب بعد جدب وبؤس أصابهم، إذا لهم استهزاء وتكذيب بآياتنا، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: الله أعجل مكرًا، وأسرع استدراجًا لكم وعقوبة، إن الحفظة من الملائكة يكتبون ما تُدَبِّرون من مكر، لا يفوتهم منه شيء، فكيف يفوت خالقَهم؟! وسيجازيكم الله على مكركم. ٢٢ - الله هو الَّذي يُسَيِّركم -أيها الناس- في البر على أقدامكم وعلى دوابكم، وهو الَّذي يسيركم في البحر في السفن، حتَّى إذا كنتم في السفن في البحر، وجرت بهم بريح طيبة، فرح الركاب بتلك الريح الطيبة، فبينما هم في فرحهم جاءتهم ريح قوية الهبوب، وجاءهم موج البحر من كل جهة، وغلب على ظنهم أنهم هالكون، دعوا الله وحده، ولم يشركوا معه غيره قائلين: لئن أنقذتنا من هذه المحنة المهلكة لنكونن من الشاكرين لك على ما أنعمت به علينا. ٢٣ - فلما استجاب دعاءهم، وأنقذهم من تلك المحنة، إذا هم يفسدون في الأرض بارتكاب الكفر والمعاصي والآثام. أفيقوا -أيها الناس- إنما عاقبة بَغْيكم السيئة على أنفسكم، فالله لا يضره بَغْيُكُم، تتمتعون به في الحياة الدنيا وهي فانية، ثم إلينا رجوعكم يوم القيامة، فنخبركم بما كنتم تعملون من المعاصي، ونجازيكم عليها. ٢٤ - إنما مثل الحياة الدنيا التي تتمتعون فيها في سرعة انقضائها كمثل مطر اختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس من الحبوب والثمار، ومما تأكل الأنعام من الحشيش وغيره، حتَّى إذا أخذت الأرض لونها الزاهي، وتَجَمَّلت بما تنبته من أنواع النبات، وظن أهلها أنهم قادرون على حصاد ما أنبتت وقطافه، جاءها قضاؤنا بإهلاكها، فصيرناها محصودة كأن لم تكن عامرةً بالأشجار والنباتات في عهد قريب، كما بيَّنا لكم حال الدنيا وسرعة انقضائها نبين الأدلة والبراهين لمن يتفكرون ويعتبرون. ٢٥ - والله يدعو جميع الناس إلى جنته التي هي دار السلام، يسلم فيها الناس من المصائب والهموم، ويسلمون من الموت، والله يوفق من شاء من عباده إلى دين الإسلام الموصل إلى دار السلام هذه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الله أسرع مكرًا بمن مكر بعباده المؤمنين. • بغي الإنسان عائد على نفسه ولا يضر إلا نفسه. • بيان حقيقة الدنيا في سرعة انقضائها وزوالها، وما فيها من النعيم فهو فانٍ. • الجنّة هي مستقر المؤمن؛ لما فيها من النعيم والسلامة من المصائب والهموم.

стр. 219

٢٦ - للذين أحسنوا بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الطاعات، وترك ما حرم عليهم من المعاصي؛ المثوبة الحسنى، وهي الجنّة، ولهم زيادة عليها، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، ولا يغشى وجوههم غبار، ولا يغشاها هوان ولا خزي، أولئك المتصفون بالإحسان أصحاب الجنّة هم فيها ماكثون. ٣٧ - والذين عملوا السيئات من الكفر والمعاصي لهم جزاء السيئة التي عملوها بمثلها من عقاب الله في الآخرة، وتغشى وجوههم ذلة وهوان، ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله إذا أنزله بهم، كأنما ألبست وجوههم سوادًا من الليل المظلم من كثرة ما يغشاها من دخان النار وسوادها، أولئك المتصفون بتلك الصفات أصحاب النار هم فيها ماكثون أبدًا. ٢٨ - واذكر -أيها الرسول- يوم القيامة حين نحشر جميع الخلائق، ثم نقول للذين أشركوا بالله في الدنيا: الزموا -أيها المشركون- مكانكم أنتم ومعبوداتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله. ففرقنا بين المعبودين والعابدين، وتبرأ المعبودون من العابدين قائلين: لم تكونوا تعبدوننا في الدنيا. ٢٩ - هنا تتبرأ منهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله قائلة: فالله شاهد -وكفى به- أنّا لم نرض بعبادتكم لنا، ولم نأمركم بها، وأنا لم نشعر بعبادتكم. ٣٠ - في ذلك الموقف العظيم تختبر كل نفس ما أمضت من عمل في حياتها الدنيا، وأرجع المشركون إلى ربهم الحق الَّذي هو الله الذي يتولى حسابهم، وذهب عنهم ما افتروه من شفاعة أصنامهم. ٣١ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين بالله: من يرزقكم من جهة السماء بإنزال المطر عليكم؟ ومن يرزقكم من الأرض بما ينبت فيها من نبات، وبما تحويه من معادن؟. ومن يُخْرِج الحي من الميت كالإنسان من النطفة، والطير من البيضة، ومن يُخْرِج الميت من الحي كالنطفة من الحيوان، والبيضة من الطير؟ ومن يدبر أمر السماوات والأرض وما فيهن من مخلوقات؟ فسيجيبون بأن فاعل ذلك كله هو الله، فقل لهم: أفلا تعلمون ذلك، وتتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؟! ٣٢ - فذلكم -أيها الناس- الَّذي يفعل ذلك كله هو الله الحق خالقكم، ومدبر أمركم، فماذا بعد معرفة الحق غير البعد عنه والضياع؟! فاين تذهب عقولكم عن هذا الحق الجلي؟! ٣٣ - كما ثبتت الربوبية الحقة لله وجبت -أيها الرسول- كلمة ربك القَدَرِية على الذين خرجوا عن الحق عنادًا أنهم لا يؤمنون. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أعظم نعيم يُرَغَّب به المؤمن هو النظر إلى وجه الله تعالى. • بيان قدرة الله، وأنه على كل شيء قدير. • التوحيد في الربوبية والإشراك في الإلهية باطل، فلا بد من توحيدهما معًا. • إذا قضى الله بعدم إيمان قوم بسبب معاصيهم فإنهم لا يؤمنون.

стр. 220

٣٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هل من بين شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله من يُنْشِئ الخلق على غير مثال سابق، ثم يبعثه بعد موته؟ قل لهم: الله يُنْشئُ الخلق على غير مثال سابق، ثم يبعثه بعد موته، فكيف تصرفون -أيها المشركون- عن الحق إلى الباطل؟! ٣٥ - قل لهم -أيها الرسول-: هل من بين شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله من يرشد إلى الحق؟ قل لهم: الله وحده يرشد إلى الحق، فهل من يرشد الناس إلى الحق، ويدعوهم إليه أولى بأن يتبع أم معبوداتكم التي لا تهتدي بنفسها إلا أن يهديها غيرها؟! فما لكم كيف تحكمون بالباطل حين تزعمون أنهم شركاء لله؟! تعالى الله عن قولكم علوا كبيرًا. ٣٦ - وما يتبع معظم المشركين إلا ما لا علم لهم به، فما يتبعون إلا وهمًا وشكًّا، إن الشك لا يقوم مقام العلم، ولا يغني عنه، إن الله عليم بما يفعلونه، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، وسيجازيهم عليها. ٣٧ - وما يصح لهذا القرآن أن يُخْتَلق، وينسب إلى غير الله لعجز الناس ضرورة عن الإتيان بمثله، ولكنَّه مصدق لما نزل من الكتب قبله، ومبيّن لما أجمل فيها من الأحكام، فهو لا شك فيه أنَّه منزل من رب المخلوقات . ٣٨ - بل أيقول هؤلاء المشركون: إن محمدًا ﷺ اختلق هذا القرآن من نفسه، ونسبه إلى الله، قل -أيها الرسول- ردًّا عليهم: إن كنت قد أتيت به من عندي وأنا بشر مثلكم فأتوا أنتم بسورة من مثله، وادعوا من استطعتم دعاءه لمظاهرتكم إن كنتم صادقين فيما تدعونه من أن القرآن مختلق مكذوب، ولن تستطيعوا ذلك، وعدم قدرتكم -وأنتم أصحاب اللسان وأرباب الفصاحة- دال على أن القرآن منزل من عند الله. ٣٩ - فلم يجيبوا، بل سارعوا بتكذيب القرآن قبل أن يتفهموه ويتدبروه، وقبل أن يحصل ما أنذروا به من العذاب، وقد اقترب إتيان ذلك، مثل هذا التكذيب كذبت الأمم السابقة، فنزل بها ما نزل من العذاب، فتأمل -أيها الرسول- كيف كانت نهاية الأمم المكذبة، فقد أهلكهم الله. ٤٠ - ومن المشركين من سيؤمن بالقرآن قبل موته، ومنهم من لا يؤمن به عنادًا ومكابرة حتَّى يموت، وربك -أيها الرسول- أعلم بالمُصِرِّين على كفرهم، وسيجازيهم على كفرهم. ٤١ - فإن كذبك -أيها الرسول- قومك فقل لهم: لي ثواب عملي وأنا أتحمل تبعة عملي، ولكم ثواب عملكم وعليكم عقابه، أنتم بريئون من عقاب ما أعمل، وأنا بريء من عقاب ما تعملون. ٤٢ - ومن المشركين من يستمع إليك -أيها الرسول- إذا قرأت القرآن استماعًا غير مقرون بقبول وإذعان، أفأنت تقدر على إسماع من سلب السمع؟! فكذلك لن تقدر على هداية هؤلاء الذين صموا عن سماع الحق فلا يعقلونه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الهادي إلى الحق هداية التوفيق هو الله وحده دون ما سواه. • الحث على تطلب الأدلة والبراهين والهدايات للوصول للعلم والحق وترك الوهم والظن. • ليس في مقدور أحد أن يأتي ولو بآية مثل القرآن الكريم إلى يوم القيامة. • سفه المشركين وتكذيبهم بما لم يفهموه ويتدبروه.

стр. 221

٤٣ - ومن المشركين من ينظر إليك -أيها الرسول- ببصره الظاهر لا ببصيرته، أفأنت تستطيع تبصير الذين سلبت أبصارهم؟! إنك لا تستطيع ذلك، وكذلك لا تستطيع هداية فاقد البصيرة. ٤٤ - إن الله تنزه عن ظلم عباده، فهو لا يظلمهم مثقال ذرة، ولكنهم هم الذين يظلمون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك؛ بسبب التعصب للباطل والمكابرة والعناد. ٤٥ - ويوم يحشر الله الناس يوم القيامة لحسابهم كان لم يمكثوا في حياتهم الدنيا وفي برزخهم إلا ساعة من نهار لا أَزْيدَ، يعرف بعضهم بعضًا فيها، ثم تنقطع معرفتهم لشدة ما شاهدوا من أهوال القيامة، قد خسر الذين يكذبون بلقاء ربهم يوم القيامة، وما كانوا مؤمنين في الدنيا بيوم البعث حتَّى يسلموا من الخسران. ٤٦ - وإما نُرِينَّك -أيها الرسول- بعضًا مما وعدناهم به من العذاب قبل موتك، أو نتوفينك قبل ذلك، ففي كلتا الحالتين إلينا رجوعهم يوم القيامة، ثم الله مطلع على ما كانوا يعملون، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيهم على أعمالهم. ٤٧ - ولكل أمة من الأمم السابقة رسول أرسل إليهم، فإذا بلغهم ما أمر بتبليغه، وكذبوه حكم بينهم وبينه بالعدل، فنجاه الله بفضله، وأهلكهم بعدله، وهم لا يظلمون من جزاء أعمالهم شيئًا. ٤٨ - ويقول هؤلاء الكفار معاندين ومتَحَدِّين: متى زمن ما وعدتمونا به من العذاب إن كنتم صادقين فيما تدعونه؟! ٤٩ - قل لهم -أيها الرسول-: لا أملك لنفسي ضرًّا أضرها به أو أدفعه عنها ولا نفعًا أنفعها به، فكيف بنفع غيري أو ضره؟ إلا ما شاء الله من ذلك، فكيف لي أن أعلم غيبه؟ لكل أمة من الأمم توعدها الله بهلاكٍ زمنٌ محدد لهلاكها، لا يعلمه إلا الله، فإذا جاء زمن هلاكها لم تتأخر عنه وقتًا ما ولم تتقدم. ٥٠ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستعجلين للعذاب: أخبروني إن جاءكم عذاب الله في أي وقت من ليل أو نهار، ما الَّذي تستعجلونه من هذا العذاب؟! ٥١ - أبعد أن يقع عليكم العذاب الَّذي وُعِدتموه تؤمنون حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل؛ أتؤمنون الآن، وقد كنتم تستعجلون العذاب من قبل على وجه التكذيب به؟! ٥٢ - ثم بعد إدخالهم في العذاب وطلبهم الخروج منه يقال لهم: ذوقوا العذاب الدائم في الآخرة، فهل تثابون إلا ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي؟! ٥٣ - ويستخبرك -أيها الرسول- المشركون: أهذا العذاب الَّذي وُعِدْنا به حق؟ قل لهم: نعم، إنه -والله- لحق، ولستم بمُفْلِتين منه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الإنسان هو الَّذي يورد نفسه موارد الهلاك، فالله مُنَزَّه عن الظلم. • مهمة الرسول هي التبليغ، والله يتولى حسابهم وعقابهم بحكمته فقد يعجله في حياة الرسول أو يؤخره لبعد وفاته. • النفع والضر بيد الله ، فلا أحد من الخلق يملك لنفسه أو لغيره ضرًّا ولا نفعًا. • لا ينفع الإيمان صاحبه عند معاينة الموت.

стр. 222

٥٤ - ولو أن لكل مشرك بالله جميع ما في الأرض من أموال نفيسة لجعله مقابل فكاكه من عذاب الله لو أتيح له أن يفتدي به، وأخفى المشركون الندم على كفرهم لمَّا شاهدوا العذاب يوم القيامة، وقضى الله بينهم بالعدل وهم لا يظلمون، وإنما يجزون على أعمالهم. ٥٥ - ألا إن لله وحده ملك ما في السماوات وملك ما في الأرض، ألا إن وعبد الله بعقاب الكافرين واقع لا مرية فيه، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك فيشكُّون. ٥٦ - هو سبحانه يبعث الموتى، ويميت الأحياء، واليه وحده ترجعون يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم. ٥٧ - يا أيها الناس، قد جاءكم القرآن فيه تذكير وترغيب وترهيب، وهو شفاء لما في القلوب من مرض الشك والارتياب، وإرشاد لطريق الحق، وفيه رحمة للمؤمنين، فهم المنتفعون به. ٥٨ - قل -أيها الرسول- للناس: ما جاءكم به محمد ﷺ من القرآن هو فضل من الله عليكم، ورحمة منه بكم، فبفضل الله عليكم ورحمته بكم بإنزال هذا القرآن فافرحوا لا بسواهما، فما جاءهم به محمد ﷺ من ربه خير مما يجمعونه من حطام الدنيا الزائل. ٥٩ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني عما مَنَّ الله به عليكم من إنزال الرزق، فعملتم فيه بأهوائكم، فحرَّمتم بعضه، وأحللتم بعضه، قل لهم: هل الله أباح لكم في تحليل ما أحللتم، وتحريم ما حرَّمتم، أم أنكم تختلقون عليه الكذب؟! ٦٠ - وأي شيء يظنه مختلقو الكذب عليه واقعًا بهم يوم القيامة؟! أيظنون أن يغفر لهم؟! هيهات، إن الله لذو إفضال على الناس بإمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، ولكن أكثرهم جاحدون نعم الله عليهم فلا يشكرونها. ٦١ - وما تكون -أيها الرسول- في أمر من الأمور، وما تقرأ من قرآن، وما تعملون -أيها المؤمنون- من عمل إلا كنا نراكم عالمين بكم ونسمعكم حين تشرعون في العمل مندفعين فيه، وما يغيب عن علم ربك وزن ذرة في السماء أو في الأرض، ولا أصغر من وزنها ولا أكبر، إلا وهو مسجل في كتاب واضح لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عظم ما ينتظر المشركين بالله من عذاب، حتَّى إنهم يتمنون دفعه بكل ما في الأرض، ولن يُقْبلَ منهم. • القرآن شفاء للمؤمنين من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات بما فيه من الهدايات والدلائل العقلية والنقلية. • ينبغي للمؤمن أن يفرح بنعمة الإسلام والإيمان دون غيرهما من حطام الدنيا. • دقة مراقبة الله لعباده وأعمالهم وخواطرهم ونياتهم.

стр. 223

٦٢ - ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا. ٦٣ - هؤلاء الأولياء هم الذين كانوا يتصفون بالإيمان بالله وبرسوله ﷺ ، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ٦٤ - لهم البشارة من ربهم في الدنيا بما يسرهم برؤيا صالحة أو ثناء الناس عليهم، ولهم البشارة من الملائكة عند قبض أرواحهم، وبعد الموت، وفي الحشر، لا تغيير لما وعدهم الله به، ذلك الجزاء هو النجاح العظيم؛ لما فيه من نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب. ٦٥ - ولا تحزن -أيها الرسول- لما يقوله هؤلاء من الطعن والقدح في دينك، إن القهر والغلبة كلها لله، فلا يعجزه شيء، هو السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم، وسيجازيهم عليها. ٦٦ - ألا إن لله وحده ملك من في السماوات وملك من في الأرض، وأي شيء يتبعه المشركون الذين يعبدون من دون الله شركاء؟! لا يتبعون في الحقيقة إلا الشك، وما هم إلا يكذبون في نسبتهم الشركاء إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. ٦٧ - هو وحده الَّذي جعل لكم -أيها الناس- الليل لتسكنوا فيه عن الحركة والتعب، وجعل النهار مضيئًا لتسعوا فيه بما يرجع إليكم بنفع في معاشكم، إن في ذلك لدلائل واضحة لقوم يسمعون سماع اعتبار وقبول. ٦٨ - قال فريق من المشركين: اتخذ الله الملائكة بناتٍ، تقدس الله عن قولهم، فهو سبحانه الغني عن جميع مخلوقاته، له ملك ما في السماوات وملك ما في الأرض، ليس عندكم -أيها المشركون- برهان على قولكم هذا، أتقولون على الله قولًا عظيمًا -إذ تنسبون إليه الولد- لا تعلمون حقيقته دون برهان؟! ٦٩ - قل لهم -أيها الرسول-: إن الذين يختلقون على الله الكذب بنسبة الولد إليه لا يظفرون بما يطلبونه، ولا ينجون مما يرهبونه. ٧٠ - فلا يغتروا بما يتمتعون به من ملذات الدنيا ونعيمها، فهو متاع قليل زائل، ثم إلينا رجوعهم يوم القيامة، ثم نذيقهم العذاب القوى بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسوله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • ولاية الله تكون لمن آمن به، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه، واتبع رسوله ﷺ ، وأولياء الله هم الآمنون يوم القيامة، ولهم البشرى في الدنيا إما بالرؤيا الصالحة أو عند الموت. • العزة لله جميعًا وفهو مالك الملك، وما عُبد من دون الله لا حقيقة له. • الحث على التفكر في خلق الله؛ لأن ذلك يقود إلى الإيمان به وتوحيده. • حرمة الكذب على الله ، وأن صاحبه لن يفلح، ومن أعظم الكذب نسبة الولد له سبحانه.

стр. 224

٧١ - واقصص -أيها الرسول- على هؤلاء المشركين المكذبين خبر نوح ﵇ حين قال لقومه: يا قوم، إن كان عَظُم عليكم مقامي بين أظهركم، وشقَّ عليكم تذكيري بآيات الله ووعظي، وعزمتم على قتلي، فعلى الله وحده اعتمدت في إحباط ما تكيدون، فأحكموا أمركم، واعزموا على إهلاكي، وادعوا آلهتكم لتستعينوا بها، ثم لا يكن كيدكم سرًّا مبهمًا، ثم بعد تدبيركم لقتلي أمضوا إلي ما تُضْمِرون، ولا تؤخروني لحظة. ٧٢ - فإن كنتم قد أعرضتم عن دعوتي فقد علمتم أني ما طلبت منكم جزاء على تبليغكم رسالة ربي، ليس ثوابي إلا على الله، آمنتم بي، أم كفرتم، وأمرني الله أن أكون من المنقادين له بالطاعة والعمل الصالح. ٧٣ - فكذبه قومه، ولم يصدقوا به، فنجيناه هو ومن كان معه في السفينة من المؤمنين، وصيَّرناهم خَلَفًا لمن كان قبلهم، وأهلكنا الذين كذبوا بما جاء به من الآيات والحجج بالطوفان، فتأمل -أيها الرسول- كيف كانت نهاية أمر القوم الذين أنذرهم نوح ﵇، فلم يؤمنوا. ٧٤ - ثم بعد مدة من الزمن بعثنا من بعد نوح رسلًا إلى أقوامهم، فجاء الرسل أممهم بالآيات والبراهين، فما كانت لهم إرادة أن يؤمنوا بسبب إصرارهم السابق على تكذيب الرسل، فختم الله على قلوبهم. مثل هذا الختم الَّذي ختمنا به على قلوب أتباع الرسل الماضين نختم به على قلوب الكافرين المتجاوزين لحدود الله بالكفر في كل زمان ومكان. ٧٥ - ثم بعد مدة من الزمن بعثنا من بعد هؤلاء الرسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون ملك مصر والكبراء من قومه، بعثناهما بالآيات الدالة على صدقهما، فتكبروا عن الإيمان بما جاءا به، وكانوا قومًا مجرمين؛ لكفرهم بالله وتكذيبهم لرسله. ٧٦ - فلما جاء فرعون والكبراء من قومه الدين الَّذي جاء به موسى وهارون ﵈ قالوا عن آياته الدالة على صدق ما جاء به موسى: إنه لسحر واضح، وليس حقًّا. ٧٧ - قال موسى مستنكرًا عليهم: أتقولون للحق حين جاءكم: هو سحر؟! كلا، ما هو بسحر، وإني لأعلم أن السّاحر لا يفلح أبدًا، فكيف لي بتعاطيه؟! ٧٨ - أجاب قوم فرعون موسى ﵇ قائلين: أجئتنا بهذا السحر لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا من الدين، ويكون لك أنت ولأخيك الملك؟ وما نحن لكما -يا موسى وهارون- بمقرين بأنكما رسولان أرسلتما إلينا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • سلاح المؤمن في مواجهة أعدائه هو التوكل على الله. • الإصرار على الكفر والتكذيب بالرسل يوجب الختم على القلوب فلا تؤمن أبدًا. • حال أعداء الرسل واحد، فهم دائمًا يصفون الهدى بالسحر أو الكذب. • إن الساحر لا يفلح أبدًا.

стр. 225

٧٩ - وقال فرعون لقومه: جيئوني بكل ساحر خبير بالسحر متقن له. ٨٠ - فلما جاؤوا فرعون بالسحرة قال لهم موسى ﵇ واثقًا بانتصاره عليهم: اطرحوا -أيها السحرة- ما أنتم طارحوه. ٨١ - فلما طرحوا ما عندهم من السحر قال لهم موسى ﵇: الَّذي أظهرتموه هو السحر، إن الله سيصيِّر ما صنعتم باطلًا لا أثر له، إنكم بسحركم مفسدون في الأرض، والله لا يصلح عمل من كان مفسدًا. ٨٢ - ويثبّت الله الحق، ويمكّن له بكلماته القدرية، وبما في كلماته الشرعية من الحجج والبراهين، ولو كره ذلك الكافرون المجرمون من آل فرعون. ٨٣ - صَمَّم القوم على الإعراض، فما صدَّق بموسى ﵇ -مع ما جاء به من الآيات الظاهرة، والحجج الواضحة- إلا شباب من قومه بني إسرائيل، مع خوف من فرعون وكبراء قومه أن يصرفوهم عن إيمانهم بما يذيقونهم من العذاب إن كشف أمرهم، وإن فرعون لمتكبر متسلط على مصر وأهلها، بيانه لمن المتجاوزين للحد في الكفر والتقتيل والتعذيب لبني إسرائيل. ٨٤ - وقال موسى ﵇ لقومه: يا قوم، إن كنتم آمنتم بالله إيمانًا حقًّا، فعلى الله وحده اعتمدوا إن كنتم مسلمين، فالتوكل على الله يدفع عنكم السوء، ويجلب لكم الخير. ٨٥ - فأجابوا موسى ﵇، فقالوا: على الله وحده توكلنا، ربنا لا تسلط علينا الظالمين، فيفتنونا عن ديننا بالتعذيب والقتل والإغراء. ٨٦ - وخلِّصنا برحمتك -ربنا- من أيدي قوم فرعون الكافرين، فقد استعبدونا وآذونا بالتعذيب والقتل. ٨٧ - وأوحينا إلى موسى وأخيه هارون ﵈ أن اختارا واتَّخِذا لقومكما بيوتًا لعبادة الله وحده، وصيِّروا بيوتكم متجهة إلى جهة القبلة (بيت المقدس)، وائتوا بالصلاة كاملة، وأخبِر -يا موسى- المؤمنين بما يسرهم من نصر الله وتأييدهم، وإهلاك عدوهم، واستخلافهم في الأرض. ٨٨ - وقال موسى ﵇: ربنا، إنك أعطيت فرعون والأشراف من قومه من زخرف الدنيا وبهارجها زينة، وأعطيتهم أموالًا في هذه الحياة الدنيا، فلم يشكروك على ما أعطيتهم، بل استعانوا بها على الإضلال عن سبيلك، ربنا امْحُ أموالَهم وامحقها، واجعل قلوبهم قاسية، فلا يؤمنون إلا حين يشاهدون العذاب الموجع حين لا ينفعهم إيمانهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الثقة بالله وبنصره والتوكل عليه ينبغي أن تكون من صفات المؤمن القوي. • بيان أهمية الدعاء، وأنه من صفات المتوكلين. • تأكيد أهمية الصلاة ووجوب إقامتها في كل الأديان السماوية وفي كل الأحوال. • مشروعية الدعاء على الظالم.

стр. 226

٨٩ - قال الله: قد أجبْتُ دعاءكما -يا موسى وهارون- على فرعون وأشراف قومه، فاثبتا على دينكما، ولا تنحرفا عنه إلى اتباع سبيل الجهال الذين لا يعلمون طريق الحق. ٩٠ - ويسَّرْنا لبني إسرائيل عبور البحر بعد فَلْقِه حتَّى جاوزوه سالمين، فلحقهم فرعون وجنوده ظلمًا واعتداء، حتَّى إذا انطبق عليه البحر، وناله الغرق، ويئس من النجاة. قال: آمنت أن لا معبود بحق إلا الَّذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المنقادين لله بالطاعة. ولما كانت معاينة الموت مانعة من قَبول التوبة، قال الله تعالى: ٩١ - أتؤمن الآن بعد اليأس من الحياة؟! وقد عصيت الله -يا فرعون- قبل نزول العذاب بالكفر به، والصد عن سبيله، وكنت من المفسدين بسبب ضلالك في نفسك وإضلالك لغيرك. ٩٢ - فاليوم نخرجك -يا فرعون- من البحر، ونجعلك على مرتفع من الأرض؛ ليعتبر بك من يأتي بعدك، وإن كثيرًا من الناس عن حُججنا ودلائل قدرتنا لغافلون، لا يتفكرون فيها. ٩٣ - ولقد أنزلنا بني إسرائيل منزلًا محمودًا ومكانًا مرضيًّا في بلاد الشام المباركة، ورزقناهم من الحلال الطيب، فما اختلفوا في أمر دينهم حتَّى جاءهم القرآن مصدقًا لما قرؤوه في التوراة من نعت محمد ﷺ ، فلما أنكروا ذلك سُلِبت أوطانهم، إن ربك -أيها الرسول- يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، فيجازي المحق والمبطل منهم بما يستحقه كل منهما. ٩٤ - فإن كنت -أيها الرسول- في ارتياب وحيرة من حقيقة ما أنزلنا إليك من القرآن فاسأل من آمن من اليهود الذين يقرؤون التوراة، والنصارى الذين يقرؤون الإنجيل، فسيخبرونك بأن الَّذي أُنزِل عليك حق؛ لما يجدون من نَعْتِه في كتابيهما، لقد جاءك الحق الَّذي لا مِرْية فيه من ربك، فلا تكونن من الشاكِّين. ٩٥ - ولا تكونن من الذين كذبوا بحجج الله وبراهينه فتكون بذلك من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم، وكل هذا التحذير لبيان خطورة الشك والتكذيب، وإلّا فإن النبي معصوم عن أن يصدر منه شيء من هذا. ٩٦ - إن الذين ثبت عليهم قضاء الله بأنهم يموتون على الكفر لإصرارهم عليه لا يؤمنون أبدًا. ٩٧ - ولو أتتهم كل آية شرعية أو كونية حتَّى يشاهدوا العذاب الموجع، فيؤمنوا حين لا ينفعهم الإيمان. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب الثبات على الدين، وعدم اتباع سبيل المجرمين. • لا تُقْبل توبة من حَشْرَجَت روحه، أو عاين العذاب. • أن اليهود والنصارى كانوا يعلمون صفات النبي ﷺ ، لكن الكبر والعناد هو ما منعهم من الإيمان.

стр. 227

٩٨ - لم يحدث أن آمنت قرية من القرى التي أرسلنا إليها رسلنا إيمانا مُعْتَدًّا به قبل معاينة العذاب، فينفعها إيمانها لمجيئه قبل معاينته، إلا قوم يونس حين آمنوا إيمانًا صادقًا رفعنا عنهم عذاب الذل والهوان في الحياة الدنيا، ومتعناهم إلى وقت انقضاء آجالهم. ٩٩ - ولو شاء ربك -أيها الرسول- إيمان جميع من في الأرض لآمنوا، لكنه لم يشأ ذلك لحكمة، فهو يضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، فليس باستطاعتك إكراه الناس على أن يكونوا مؤمنين، فتوفيقهم للإيمان بيد الله وحده. ١٠٠ - وما ينبغي لنفس أن تؤمن من تلقاء نفسها إلا أن يأذن الله، فلا يقع إيمان إلا بمشيئته، فلا تذهب نفسك حسرات عليهم، ويجعل الله العذاب والخزي على الذين لا يدركون عنه حججه , وأوامره ونواهيه. ١٠١ - قل -أيها الرسول- للمشركين الذين يسألونك الآيات: تأملوا ماذا في السماوات والأرض من الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته، وما ينفع إنزال الآيات والحجج والرسل في قوم ليس لهم استعداد أن يؤمنوا؛ لإصرارهم على الكفر. ١٠٢ - فهل ينتظر هؤلاء المكذبون إلا مثل الوقائع التي أوقعها الله على الأمم المكذبة السابقة؟! قل -أيها الرسول- لهم: انتظروا عذاب الله، إني معكم من المنتظرين لوعد ربي. ١٠٣ - ثم نُنْزل بهم العقاب، ونُنَجِّي رسلنا، ونُنَجِّي الذين آمنوا معهم، فلا يصيبهم ما أصاب قومهم، كما أنجينا أولئك الرسل والمؤمنين معهم ننخي رسول الله والمؤمنين معه إنجاءً حقًّا ثابتًا علينا. ١٠٤ - قل -أيها الرسول-: يا أيها الناس، إن كنتم في شك من ديني الَّذي أدعوكم إليه وهو دين التوحيد، فأنا على يقين من فساد دينكم فلا أتبعه، فلا أعبد الذين تعبدونهم من دون الله، ولكني أعبد الله الَّذي يميتكم، وأمرني أن أكون من المؤمنين المخلصين له الدين. ١٠٥ - وأمرني كذلك أن أستقيم على الدين الحق، وأثبت عليه مائلًا عن كل الأديان إليه، ونهاني أن أكون من المشركين به. ١٠٦ - ولا تَدْعُ -أيها الرسول- من دون الله من الأوثان والأصنام وغيرها ما لا يملك نفعًا فينفعك، ولا ضرًّا فيضرك، فإن عَبَدتَّها فإنك إذن من الظالمين المعتدين على حق الله وحق أنفسهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الإيمان هو السبب في رفعة صاحبه إلى الدرجات العلى والتمتع في الحياة الدنيا. • ليس في مقدور أحد حمل أحد على الإيمان؛ لأن هذا عائد لمشيئة الله وحده. • لا تنفع الآيات والنذر من أصر على الكفر وداوم عليه. • وجوب الاستقامة على الدين الحق، والبعد كل البعد عن الشرك والأديان الباطلة.

стр. 228

١ ٠٧ - وإن يصبك الله -أيها الرسول- ببلاء، وطلبت صرفه عنك فلا صارف له إلا هو سبحانه، وإن يردك برخاء فلا أحد يمنع فضله، يصيب بفضله من يشاء من عباده، فلا مكره له، وهو الغفور لمن تاب من عباده، الرحيم بهم. ١٠٨ - قل -أيها الرسول-: يا أيها الناس، قد جاءكم القرآن منزلًا من ربكم، فمن اهتدى وآمن به فنفع ذلك عائد إليه؛ لأن الله غني عن طاعة عباده، ومن ضل فإن أثر ضلاله عليه وحده، فالله لا تضره معصية عباده ولست عليكم بحفيظ أحفظ أعمالكم، وأحاسبكم عليها. ١٠٩ - واتبع -أيها الرسول- ما يوحيه إليك ربك واعمل به، واصبر على إيذاء من خالفك من قومك، وعلى تبليغ ما أمرت بتبليغه، واستمر على ذلك حتَّى يحكم الله فيهم بحكمه بنصرك عليهم في الدنيا، وبعذابهم في الآخرة إن ماتوا على كفرهم. سورة هود مكية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان منهج الرسل في مواجهة قومهم المكذبين. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿الر﴾ تقدم الكلام على نظائرها في سورة البقرة. القرآن كتاب أتقنت آياته نظمًا ومعنى، فلا ترى فيها خللًا ولا نقصًا، ثم بُيِّنَت بذكر الحلال والحرام والأمر والنهي والوعد والوعيد والقصص وغير ذلك، من عند حكيم في تدبيره وتشريعه، خبير بأحوال عباده، وبما يصلحهم. ٢ - مضمون هذه الآيات المنزلة على محمد ﷺ : نهي العباد أن يعبدوا مع الله غيره، إنني -أيها الناس- مُخَوِّف لكم من عذاب الله إن كفرتم به وعصيتموه، ومبشركم بثوابه إن آمنتم به، وعملتم بشرعه. ٣ - واطلبوا -أيها الناس- مغفرة ذنوبكم من ربكم، وارجعوا إليه بالندم على ما فرطتم في جنبه، يمتعكم في حياتكم الدنيا متاعًا حسنًا إلى وقت انقضاء آجالكم المحددة، ويعط كل من له فضل في الطاعة والعمل جزاء فضله كاملًا غير منقوص، وإن تُعْرِضوا عن الإيمان بما جئت به من ربي فإني أخاف عليكم عذاب يوم شديد الأهوال وهو يوم القيامة. ٤ - إلى الله وحده رجوعكم -أيها الناس- يوم القيامة، وهو سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، فلا يعجزه إحياؤكم وحسابكم بعد موتكم وبعثكم. ٥ - ألا إن هؤلاء المشركين يحنون صدورهم ليكتموا ما فيها من شك عن الله جهلًا منهم به، ألا حين يغطون رؤوسهم بثيابهم، يعلم الله ما يكتمون وما يظهرون، إنه عليم بما تخفيه الصدور. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • إن الخير والشر والنفع والضر بيد الله دون ما سواه. • وجوب اتباع الكتاب والسُّنَّة والصبر على الأذى وانتظار الفرج من الله. • آيات القرآن محكمة لا يوجد فيها خلل ولا باطل، وقد فُصِّلت الأحكام فيها تفصيلًا تامًّا. • وجوب المسارعة إلى التوبة والندم على الذنوب لنيل المطلوب والنجاة من المرهوب.

стр. 229

٦ - وما من مخلوق يدب على وجه الأرض مهما كان إلا تكفل الله برزقه تفضُّلًا منه، ويعلم سبحانه موضع استقراره في الأرض، ويعلم موضع موته الَّذي يموت فيه، فكل من الدواب ورزقها ومواضع استقرارها ومواضع موتها، في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ. ٧ - وهو سبحانه الَّذي خلق السماوات والأرض على عظمهما، وخلق ما فيهما في ستة أيام، وكان عرشه قبل خلقهما على الماء؛ ليختبركم -أيها الناس- أيكم أحسن عملًا بما يرضي الله، وأيكم أسوأ عملًا بما يسخطه، فيجازي كلًّا بما يستحقه، ولئن قلت -أيها الرسول-: إنكم -أيها الناس- مبعوثون بعد موتكم لتحاسبوا ليقولن الذين كفروا بالله وأنكروا البعث: ما هذا القرآن الَّذي تتلوه إلا سحر واضح، فهو باطل واضح البطلان. ٨ - ولئن أخرنا عن المشركين ما يستحقون من العذاب في الحياة الدنيا إلى مدة أيام معدودة ليقولُن مستعجلين له مستهزئين: أي شيء يحبس عنا العذاب؟ ألا إن العذاب الَّذي يستحقونه له أمد عند الله، ويوم يأتيهم لن يجدوا صارفًا يصرفه عنهم، بل يقع عليهم، وأحاط بهم العذاب الَّذي كانوا يستعجلونه استهزاء وسخرية. ٩ - ولئن أعطينا الإنسان منا نعمة كنعمة الصحة والغنى، ثم سلبنا منه تلك النعمة إنه لكثير اليأس من رحمة الله، عظيم الكفران بنعمه، ينساها إذا سَلبها الله منه. ١٠ - ولئن أذقناه سعة في الرزق وصحة بعد فقر ومرض أصابه ليقولن: ذهب السوء عني، وزال الضر، ولم يشكر الله على ذلك، إنه لكثير الفرح بطرًا، وكثير التطاول على الناس والتباهي بما أنعم الله عليه. ١١ - إلا الذين صبروا على المكاره والطاعات وعن المعاصي، وعملوا الأعمال الصالحات، فلهم حال آخر، حيث لا يصيبهم يأس، ولا كفر بنعم الله، ولا تطاول على الناس، أولئك المتصفون بهذه الصفات لهم مغفرة من ربهم لذنوبهم، ولهم جزاء كبير في الآخرة. ١٢ - فلعلك أيها الرسول -لِمَا واجهته من كفرهم وعنادهم واقتراحهم الآيات- تارك تبليغ بعض ما أمرك الله بتبليغه مما يشق عليهم العمل به، وضائق صدرك بتبليغه لئلا يقولوا: هلَّا أُنْزِل عليه كنز يغنيه، أو جاء معه ملك يصدقه، فلا تترك بعض ما يوحى إليك من أجل ذلك، فما أنت إلا نذير، تبلغ ما أمرك الله بتبليغه، وليس عليك الإتيان بما يقترحونه من الآيات، والله على كل شيء حفيظ. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • سعة علم الله تعالى وتكفله بأرزاق مخلوقاته من إنسان وحيوان وغيرهما. • بيان علة الخلق؛ وهي اختبار العباد بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. • لا ينبغي الاغترار بإمهال الله تعالى لأهل معصيته، فإنه قد يأخذهم فجأة وهم لا يشعرون. • بيان حال الإنسان في حالتي السعة والشدة، ومدح موقف المؤمن المتمثل في الصبر والشكر.

стр. 230

٢٣ - بل أيقول المشركون: اختلق محمد القرآن، وليس وحيًا من الله، قل -أيها الرسول- متحديًا إياهم: فأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مُخْتَلقات لا تلتزمون فيها بصدق مثل القرآن الَّذي زعمتم أنَّه مُخْتَلق، وادعوا من استطعتم دعاءه؛ لتستعينوا به على ذلك، إن كنتم صادقين في دعوى أن القرآن مُخْتَلق. ١٤ - فإن لم يأتوا بما طلبتم منهم لعدم قدرتهم عليه فاعلموا -أيها المؤمنون- علم يقين أن القرآن إنما أنزله الله بعلمه على رسوله وليس مُخْتَلقًا، واعلموا أن لا معبود بحق إلا الله، فهل أنتم منقادون له بعد هذه الحجج القاطعة؟ ١٥ - من كان يريد بعمله الحياة الدنيا ومُتَعَها الفانية ولا يريد به الآخرة، نعطهم ثواب أعمالهم في الدنيا: صحة، وأمنًا، وسعة في الرزق، لا ينقصون من ثواب عملهم شيئًا. ١٦ - أولئك المتصفون بهذا القصد الذميم ليس لهم يوم القيامة ثواب إلا النار يدخلونها، وذهب عنهم ثواب أعمالهم، وأعمالهم باطلة؛ لأنها لم يسبقها إيمان ولا قصد صحيح، فلم يريدوا بها وجه الله والدار الآخرة. ١٧ - لا يستوي النبي محمد ﷺ الذي معه برهان من ربّه تعالى، ويتبعه شاهد من ربه، وهو جبريل. ويشهد له من قبل على نبوته التوراة التي أنزلت على موسى ﵇ قدوة الناس ورحمتهم، لا يستوي هو ومن آمن معه مع أولئك الكافرين المُتَخَبِّطين في الضلال، أولئك يؤمنون بالقرآن، وبمحمد ﷺ الَّذي أُنْزِل عليه، ومن يكفر به من أصحاب الملل فالنار موعده يوم القيامة، فلا تكن -أيها الرسول- في ارتياب من القرآن ومن موعدهم، فهو الحق الَّذي لا شك فيه، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون مع تضافر الأدلة الواضحة والبراهين الجلية. ١٨ - ولا أحد أظلم ممن اختلق على الله كذبًا بنسبة الشريك أو الولد إليه، أولئك الذين يختلقون الكذب على الله يُعْرَضون على ربهم يوم القيامة ليسألهم عن أعمالهم، ويقول الشهود عليهم من الملائكة والمرسلين: هؤلاء هم الذين كذبوا على الله بما نسبوه إليه من الشريك ومن الولد، ألا طرد الله من رحمته الظالمين لأنفسهم بالكذب على الله. ١٩ - الذين يمنعون الناس عن سبيل الله المستقيم، ويطلبون لسبيله الاعوجاج عن الاستقامة حتَّى لا يسلكها أحد، وهم يكفرون بالبعث بعد الموت ويجحدونه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تحدي الله تعالى للمشركين بالإتيان بعشر سور من مثل القرآن، وبيان عجزهم عن الإتيان بذلك. • إذا أُعْطِي الكافر مبتغاه من الدنيا فليس له في الآخرة إلا النار. • عظم ظلم من يفتري على الله الكذب وعظم عقابه يوم القيامة.

стр. 231

٢٠ - أولئك المتصفون بتلك الصفات لم يكونوا قادرين على الهرب في الأرض من عذاب الله إذا نزل بهم، وليس لهم حلفاء ونصراء من دون الله يدفعون عقاب الله عنهم؛ يزاد عليهم العذاب يوم القيامة بسبب صَرْفهم أنفسهم وصَرْفهم غيرهم عن سبيل الله، ما كانوا في الدنيا يستطيعون سماع الحق والهدى سماع قبول، وما كانوا يبصرون آيات الله في الكون إبصارًا يفيدهم؛ لإعراضهم الشديد عن الحق. ٢١ - أولئك المتصفون بتلك الصفات هم الذين خسروا أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك باتخاذ الشرك مع الله، وذهب عنهم ما كانوا يختلقونه من الشركاء والشفعاء. ٢٢ - حقًّا إنهم يوم القيامة هم الأخسرون صفقة، حيث استبدلوا الكفر بالإيمان، والدنيا بالآخرة، والعذاب بالرحمة. ٢٣ - إن الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الأعمال الصالحات، وخضعوا وخشعوا لله أولئك هم أصحاب الجنّة، هم فيها ماكثون أبدًا. ٢٣ - مثل فريقي الكفار والمؤمنين مثل الأعمى الَّذي لا يبصر، والأصم الَّذي لا يسمع، وهذا مثل فريق الكفار الذين لا يسمعون الحق سماع قبول، ولا يبصرونه إبصارًا ينفعهم، ومثل السميع البصير، وهذا مثل فريق المؤمنين الَّذي يجمع بين السمع والإبصار، هل يستوي هذان الفريقان حالًا وصفة؟! لا يستويان، أفلا تعتبرون بعدم استوائهما؟! ولما ظهر ما ظهر من إعراض المشركين عن الإيمان سلّى الله نبيه ﷺ بأنه ليس هو أول من كُذِّب، وذلك بذكر قصص الأنبياء، فقال سبحانه: ٢٥ - ولقد بعثنا نوحًا ﵇ رسولًا إلى قومه، فقال لهم: يا قوم، إني نذير لكم من عذاب الله، مبين لكم ما أرسلت به إليكم. ٢٦ - وأدعوكم إلى عبادة الله وحده، فلا تعبدوا إلا إياه، إني أخات عليكم عذاب يوم مؤلم. ٢٧ - فقال الأشراف والرؤساء الذين كفروا من قومه: لن نستجيب لدعوتك؛ لأنه لا مزية لك علينا، فأنت بشر مثلنا، ولأننا لا نراك اتبعك إلا سَفَلَتُنا فيما ظهر لنا من رأينا، ولأنه ليس لكم زيادة في الشرف والمال والجاه تؤهلكم لأن نتبعكم، بل نظنكم كاذبين فيما تدعونه. ٢٨ - قال لهم نوح: يا قوم، أخبروني إن كنت على برهان من ربي يشهد لصدقي، ويوجب عليكم تصديقي، وأعطاني رحمة من عنده وهي النبوة والرسالة، وأُخْفِيت عليكم لجهلكم بها؛ أنجبركم على الإيمان بها، وندخله في قلوبكم كرهًا؟! لا نقدر على ذلك، فالذي يوفق للإيمان هو الله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الكافر لا ينتفع بسمعه وبصره انتفاعًا يقود للإيمان، فهما كالمُنْتَفِيَين عنه بخلاف المؤمن. • سُنَّة الله في أتباع الرسل أنهم الفقراء والضعفاء لخلوِّهم من الكِبْر، وخُصُومهم الأشراف والرؤساء. • تكبُّر الأشراف والرؤساء واحتقارهم لمن دونهم في غالب الأحيان.

стр. 232

٢٩ - ويا قوم، لا أطلب منكم على تبليغ الرسالة مالًا، فما ثوابي إلا على الله، ولست بمُبْعِدٍ عن مجلسي الفقراء من المؤمنين الذين طَلبتم طردهم، إنهم ملاقو ربهم يوم القيامة، وهو مجازيهم على إيمانهم، ولكني أراكم قومًا لا تفهمون حقيقة هذه الدعوة حين تطلبون طرد الضعفاء من المؤمنين. ٣٠ - ويا قوم، من يدفع عني عذاب الله إن طردت هؤلاء المؤمنين ظلمًا بغير ذنب؟ أفلا تتذكرون، وتسعون إلى ما هو أصلح لكم وأنفع؟! ٣١ - ولا أقول لكم -يا قومي-: عندي خزائن الله التي فيها رزقه، أنفقها عليكم إن آمنتم، ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، ولا أقول لكم: إني من الملائكة، بل أنا بشر مثلكم، ولا أقول عن الفقراء الذين تحتقرهم أعينكم وتستصغرهم: لن يعطيهم الله توفيقًا ولا هداية، الله أعلم بنياتهم وأحوالهم، إني إن ادعيت ذلك لمن الظالمين الذين يستحقون عذاب الله. ٣٢ - قالوا تَعَنُّتًا وتكبرًا: يا نوح، قد خاصمتنا وناظرتنا، فأكثرت مخاصمتنا ومناظرتنا، فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت من الصادقين فيما تدعيه. ٣٣ - قال لهم نوح: أنا لا آتيكم بالعذاب، إنما يأتيكم به الله إن شاء، وما أنتم بقادرين على الإفلات من عذاب الله إن أراد بكم عذابًا. ٣٤ - ولا ينفعكم نصحي وتذكيري لكم، إن كان الله يريد أن يضلَّكم عن الصراط المستقيم، ويخذلكم عن الهداية بسبب عنادكم، هو ربكم، فهو الَّذي يملك أمركم، فيضلكم إن شاء، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم. ٣٥ - وسبب كفر قوم نوح أنهم يزعمون أنَّه اختلق على الله هذا الدين الَّذي جاء به، قل لهم -أيها الرسول-: إن اختلفته، فعلى وحدي عقاب إثمي، ولا أتحمل من إثم تكذيبكم شيئًا، فأنا بريء منه. ٣٦ - وأوحى الله إلى نوح: أنَّه لن يؤمن من قومك -يا نوح- إلا من قد آمن من قبل، فلا تحزن -يا نوح- بسبب ما كانوا يفعلونه من التكذيب والاستهزاء خلال تلك المدة الطويلة. ٣٧ - واصنع السفينة بمرأى منا محفوظًا منا، وبوحينا بتعليمك كيف تصنعها، ولا تخاطبني طالبًا إمهال الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، إنهم مُغْرَقون -لا محالة- بالطوفان؛ عقابًا لهم على إصرارهم على الكفر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عفة الداعية إلى الله وأنه يرجو منه الثواب وحده. • حرمة طرد فقراء المؤمنين، ووجوب إكرامهم واحترامهم. • استئثار الله تعالى وحده بعلم الغيب. • مشروعية جدال الكفار ومناظرتهم.

стр. 233

٣٨ - فامتثل نوح أمر ربه، وطَفِقَ يصنع السفينة، وكلما مر عليه كبراء قومه وسادتهم استهزؤوا به؛ لما يقوم به من صنع السفينة وليس في أرضه ماء ولا أنهار، فلما تكرر استهزؤوا به؛ قال: إن تستهزئوا -أيها الملأ- منا اليوم عندما نصنع السفينة، فإنا نستهزئ بكم لجهلكم بما يصير إليه أمركم من الغرق. ٣٩ - فسوف تعلمون من يأتيه عذاب في الدنيا يذله ويهينه، وينزل عليه يوم القيامة عقاب دائم لا ينقطع. ٤٠ - وأنهى نوح ﵇ صنع السفينة التي أمره الله بصنعها، حتَّى إذا جاء أمرنا بإهلاكهم، وفار الماء من التنور الذي كانوا يخبزون فيه؛ إعلامًا ببدء الطوفان؛ قلنا لنوح ﵇: احمل في السفينة من كل صنف من الحيوان فوق الأرض زوجين: ذكرًا وأنثى، واحمل أهلك إلا من سبق الحكم بأنه مغرق؛ لكونه لم يؤمن، واحمل من آمن معك من قومك، وما آمن معه من قومه إلا عدد قليل على طول المدة التي مكث فيها يدعوهم إلى الإيمان بالله. ٤١ - وقال نوح لمن آمن من أهله وقومه: اركبوا في السفينة، باسم الله يكون جري السفينة، وباسمه يكون رُسُوُّها، إن ربي غفور لذنوب من تاب من عباده، رحيم بهم، ومن رحمته بالمؤمنين أن أنجاهم من الهلاك. ٤٢ - والسفينة تسير بمن فيها من الناس وغيرهم في موج عظيم مثل الجبال، وبعاطفة الأبوة نادى نوح ﵇ ابنه الكافر، وكان منفردًا عن أبيه وقومه في مكان: يا بني اركب معنا في السفينة؛ لتنجو من الغرق، ولا تكن مع الكافرين، فيصيبك ما أصابهم من الهلاك بالغرق. ٤٣ - قال ابن نوح لنوح: سألجأ إلى جبل مرتفع؛ ليمنعني من وصول الماء إليَّ، قال نوحٌ لابنه: لا مانع اليوم من عذاب الله بالغرق بالطوفان إلا اللهُ الرَّاحمُ برحمته من يشاء سبحانه، فإنه يمنعه من الغرف، وفرَّق الموجُ بين نوح وابنه الكافر، فكان ابنه من المغرقين بالطوفان لكفره. ٤٤ - وقال الله للأرض بعد نهاية الطوفان: يا أرض، اشربي ما عليك من ماء الطوفان، وقال للسماء: يا سماء أمسكي ولا ترسلي المطر، ونَقَصَ الماء حتَّى جفت الأرض، وأهلك الله الكافرين، ووقفت السفينة على جبل الجودي، وقيل: بُعْدًا وهلاكًا للقوم المتجاوزين لحدود الله بالكفر. ٤٥ - ونادى نوح ﵇ ربه مستغيثًا به، فقال: يا رب، إن ابني من أهلي الذين وعدتني بإنجائهم، وإن وعدك هو الصدق الَّذي لا خُلْف فيه، وأنت أعدل الحاكمين وأعلمهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • بيان عادة المشركين في الاستهزاء والسخرية بالأنبياء وأتباعهم. • بيان سُنَّة الله في الناس وهي أن أكثرهم لا يؤمنون. • لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا عاصم من أمره إلا هو سبحانه.

стр. 234

٤٦ - قال الله لنوح: يا نوح، إن ابنك الَّذي سألتني إنجاءه ليس من أهلك الذين وعدتك بإنجائهم؛ لأنه كافر، إن سؤالك يا نوح عمل غير مناسب منك، ولا يصلح لمن هو في مقامك، فلا تسألني ما ليس لك به علم، إني أحذرك أن تكون من الجاهلين، فتسألني ما يخالف علمي وحكمتي. ٤٧ - قال نوح ﵇: رب، إني ألتجئ وأعتصم بك من أن أسألك ما لا علم لي به، وإن لم تغفر لي ذنبي، وترحمني برحمتك، أكن من الخاسرين الذين خسروا حظوظهم في الآخرة. ٤٨ - قال الله لنوح ﵇: يا نوح، انزِل من السفينة على الأرض بسلامة وأمن، وبنِعَمٍ من الله كثيرة عليك، وعلى ذرية من كانوا معك في السفينة من المؤمنين يأتون من بعدك، وثمّة أمم أخرى من ذريتهم كافرون سنمتعهم في هذه الحياة الدنيا، ونعطيهم ما يعيشون به، ثم ينالهم منا في الآخرة عذاب موجع. ٤٩ - قصة نوح هذه من أخبار الغيب، ما كنت -أيها الرسول- تعلمها أنت، وما كان قومك يعلمونها من قبل هذا الوحي الَّذي أوحيناه إليك، فاصبر على أذى قومك وتكذيبهم كما صبر نوح ﵇، إن النصر والغلبة للذين يمتثلون أوامر الله، ويجتنبون نواهيه. ٥٠ - وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا ﵇، قال لهم: يا قوم، اعبدوا الله ولا تشركوا معه أحدًا، ليس لكم معبود بحق غيره سبحانه، ولستم في دعواكم أن له شريكًا إلا كاذبين. ٥١ - يا قوم، لا أطلب منكم ثوابًا على ما أبلغكم من ربي، وأدعوكم إليه، ليس ثوابي إلا على الله الذي خلقني، أفلا تعقلون ذلك، وتستجيبون لما أدعوكم إليه؟! ٥٢ - ويا قوم، اطلبوا المغفرة من الله، ثم توبوا إليه من ذنوبكم -وأكبرها الشرك- يُثِبْكُم على ذلك بإنزال المطر الكثير، ويزدكم عزًّا إلى عزكم بإكثار الذرية والأموال، ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه، فتكونوا من المجرمين بإعراضكم عن دعوتي، وكفركم بالله وتكذيبكم بما جئت به. ٥٣ - قال قومه: يا هود، ما جئتنا بحجة جلية تجعلنا نؤمن بك، ولسنا بتاركي عبادة آلهتنا من أجل قولك الخالي من حجة، ولسنا بمؤمنين لك فيما تدعيه من أنك رسول. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • لا يملك الأنبياء الشفاعة لمن كفر بالله حتَّى لو كانوا أبناءهم. • عفة الداعية وتنزهه عما في أيدي الناس أقرب للقبول منه. • فضل الاستغفار والتوبة، وأنهما سبب إنزال المطر وزيادة الذرية والأموال.

стр. 235

٥٤ - ٥٥ - ما نقول إلا أنَّه أصابك بعض آلهتنا بجنون لما كنت تنهانا عن عبادتهم، قال هود: إني أشهد الله، واشهدوا أنتم أني بريء من عبادة آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، فامكروا بي أنتم وآلهتكم التي تزعمون أنها أصابتني بجنون، ثم لا تمهلوني. ٥٦ - إني توكلت على الله وحده، واعتمدت عليه في أمري، فهو ربي وربكم، ما من شيء يدب على وجه الأرض إلا وهو خاضع لله تحت ملكه وسلطانه، يصرفه كيف يشاء، إن ربي على الحق والعدل، فلن يسلطكم علي؛ لأني على الحق وأنتم على الباطل. ٥٧ - فإن تعرضوا وتدبروا عما جئت به فما عليّ إلا إبلاغكم، وقد أبلغتكم كل ما أرسلني الله به، وأمرني بإبلاغه، وقد قامت عليكم الحجة، وسيهلككم ربي، ويأتي بموم غيركم يخلفونكم، ولا تضرون الله ضررًا كبيرًا ولا صغيرًا بتكذيبكم وإعراضكم؛ لأنه غني عن عباده، إن ربي على كل شيء رقيب، فهو الَّذي يحفظني من السوء الَّذي تكيدونني به. ٥٨ - ولما جاء أمرنا بإهلاكهم سلّمنا هودًا والذين آمنوا معه برحمة منا نالتهم، وسلمناهم من عذاب شديد عذبنا به قومه الكافرين. ٥٩ - وتلك عاد كفروا بآيات الله ربهم، وعصوا رسولهم هودًا، وأطاعوا أمر كل متكبر على الحق، طاغٍ لا يقبله، ولا يذعن له. ٦٠ - ولحقهم في هذه الحياة الدنيا الخزي والطرد من رحمة الله، وكذلك يوم القيامة هم مُبعدون من رحمة الله، وذلك بسبب كفرهم بالله تعالى، ألا فأبعدهم الله من كل خير، وقرّبهم من كل شرّ. ٦١ - وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا، قال: يا قوم، اعبدوا الله وحده، ما لكم من معبود يستحق العبادة غيره، هو خلقكم من تراب الأرض بخلق أبيكم آدم منه، وجعلكم عُمَّارَها، فاطلبوا منه المغفرة ثم ارجعوا إليه بعمل الطاعات وترك المعاصي، إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة، مجيب من دعاه. ٦٢ - قال له قومه: يا صالح، قد كنت فينا صاحب مكانة عالية قبل دعوتك هذه، فقد كنا نرجو أن تكون عاقلًا صاحب نصح ومشورة، أتنهانا -يا صالح- عن عبادة ما كان آباؤنا يعبدونه؟ وإننا لفي شك مما تدعونا إليه من عبادة الله، يجعلنا نتهمك بالكذب على الله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من وسائل المشركين في التنفير من الرسل الاتهام بخفة العقل والجنون. • ضعف المشركين في كيدهم وعدائهم، فهم خاضعون لله مقهورون تحت أمره وسلطانه. • أدلة الربوبية من الخلق والإنشاء مقتضية لتوحيد الألوهية وترك ما سوى الله.

стр. 236

٦٣ - قال صالح ردًّا على قومه: يا قوم، أخبروني إن كنت على حجة واضحة من ربي، وأعطاني منه رحمة وهي النبوة، فمن يمنعني من عقابه إن أنا عصيته بترك تبليغ ما أمرني بتبليغه إليكم؟ فما تزيدونني غير تضليل وبعد عن مرضاته. ٦٤ - ويا قوم، هذه ناقة الله لكم علامة على صدقي، فاتركوها ترعى في أرض الله، ولا تتعرضوا لها بأي أذى فينالكم عذاب قريب من وقت عَقْرِكم لها. ٦٥ - فنحروها إمعانًا في التكذيب، فقال لهم صالح: استمتعوا بالحياة في أرضكم مدة ثلاثة أيام من عَقْرِكم إياها، ثم يأتيكم عذاب الله، فإتيان عذابه بعد ذلك وعد واقع لا محالة غير مكذوب، بل هو وعد صدق. ٦٦ - فلما جاء أمرنا بإهلاكهم سلّمنا صالحًا والذين آمنوا معه برحمة منا، وسلّمناهم من هوان ذلك اليوم وذلَّته، إن ربك -أيها الرسول- هو القوي العزيز الَّذي لا يغالبه أحد، ولذلك أهلك الأمم المكذبة. ٦٧ - وأخذ صوت شديد مهلك ثمود فماتوا من شِدَّتِه، وأصبحوا ساقطين على وجوههم، قد لصقت وجوههم بالتراب. ٦٨ - كأن لم يقيموا في بلادهم في نعمة ورغد عيش، ألا إن ثمود كفروا بالله ربهم، لا زالوا مُبْعَدِين من رحمة الله. ٦٩ - ولقد جاءت الملائكة في هيئة رجال إلى إبراهيم ﵇؛ مبشرين إياه وزوجته بإسحاق ثم بيعقوب، فقال الملائكة: سلامًا، فرد عليهم إبراهيم بقوله: سلام، وذهب مسرعًا، فجاءهم بعجل مشوي؛ ليأكلوا منه ظنًّا منه أنهم رجال. ٧٠ - فلما رأى إبراهيم أنَّ أيديهم لا تصل إلى العجل، وأنهم لم يأكلوا منه استنكر ذلك منهم، وأخفى في نفسه الخوف منهم، فلما رأت الملائكة خوفه منهم قالوا: لا تخف منا، نحن بَعثنا الله إلى قوم لوط لنعذبهم. ٧١ - وامرأة إبراهيم "سارة" قائمة، فأخبرناها بما يسرها، وهو أنها تلد إسحاق، ويكون لإسحاق ولد هو يعقوب، فضحكت واستبشرت بما سمعت. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عناد واستكبار المشركين حيث لم يؤمنوا بآية صالح ﵇ وهي من أعظم الآيات. • استحباب تبشير المؤمن بما هو خير له. • مشروعية السلام لمن دخل على غيره، ووجوب الرد. • وجوب إكرام الضيف.

стр. 237

٧٢ - قالت سارة لما بشرتها الملائكة بتلك البشرى متعجبة: كيف ألد وأنا كبيرة آيسة من الولد، وهذا زوجي بلغ سن الشيخوخة؟! إن إنجاب ولد في هذه الحالة شيء عجيب، لم تَجْر العادة به. ٧٣ - قالت الملائكة لسارة لمَّا تعجبت من البشرى: أتعجبين من قضاء الله وقدره؟ فمثلك لا يخفى عليه أن الله قادر على مثل هذا، رحمة الله وبركاته عليكم -يا أهل بيت إبراهيم- إن الله حميد في صفاته وأفعاله، ذو مجد ورفعة. ٧٤ - فلما ذهب عن إبراهيم ﵇ الخوف الَّذي أصابه من ضيوفه الذين لم يأكلوا طعامه بعد علمه أنهم ملائكة، وجاءه الخبر السار بأنه سيولد له إسحاق، ثم يعقوب، طفق يجادل رسلنا في شأن قوم لوط؛ لعلهم يؤخرون عنهم العذاب، ولعلهم ينجون لوطًا وأهله. ٧٥ - إن إبراهيم حليم، يحب تأخير العقوبة، كثير التضرع إلى ربه، كثير الدعاء، تائب إليه. ٧٦ - قال الملائكة: يا إبراهيم، أعرض عن هذا الجدال في قوم لوط، إنه قد جاء أمر ربك بإيقاع العذاب الَّذي قدره عليهم، وإن قوم لوط آتيهم عذاب عظيم، لا يرده جدال ولا دعاء. ٧٧ - ولما جاءت الملائكة لوطًا في هيئة رجال ساءه مجيئهم، وضاق صدره بسبب الخوف عليهم من قومه الذين يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وقال لوط: هذا يوم شديد؛ لظنه أن قومه سيغالبونه على ضيوفه. ٧٨ - وجاء قوم لوط لوطًا مسرعين قاصدين فعل الفاحشة بضيوفه، ومن قبل ذلك كان عادتهم إتيان الرجال شهوة من دون النساء، قال لوط مدافعًا قومه ومعذرًا لنفسه أمام ضيوفه: هؤلاء بناتي من جملة نسائكم فتزوجوهن؛ فهن أطهر لكم من فعل الفاحشة، فخافوا من الله، ولا تجلبوا لي العار في ضيوفي، أليس منكم -يا قوم- رجل ذو عقل سديد ينهاكم عن هذا الفعل القبيح؟! ٧٩ - قال له قومه: لقد علمت -يا لوط- أنَّه ليس لنا حاجة في بناتك ولا نساء قومك، ولا شهوة، وإنك لتعلم ما نريده، فلا نريد إلا الرجال. ٨٠ - قال لوط: ليت لي قوة أدفعكم بها، أو عشيرة تمنعني، فأحول بينكم وبين ضيوفي. ٨١ - قالت الملائكة للوط ﵇: يا لوط، إنا رسلٌ أرسلنا الله، لن يصل إليك قومك بسوء، فاخرج بأهلك من هذه القرية ليلًا في ساعة مظلمة، , ولا ينظر أحدكم إلى ما وراءه، إلا امرأتك ستلتفت مخالفة؛ لأنه سينالها ما نال قومك من العذاب، إن موعد إهلاكهم الصبح، وهو موعد قريب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • بيان فضل ومنزلة خليل الله إبراهيم ﵇، وأهل بيته. • مشروعية الجدال عمن يُرجى له الإيمان قبل الرفع إلى الحاكم. • بيان فظاعة وقبح عمل قوم لوط.

стр. 238

٨٢ - فلما جاء أمرنا بإهلاك قوم لوط صَيَّرنا عالي قراهم سافلها برفعها وقلبها بهم، وأمطرنا عليهم حجارة من طين متصلب مصفوف بعضها فوق بعض بتتابع. ٨٣ - هذه الحجارة مُعَلَّمة عند الله بعلامة خاصة، وليست هذه الحجارة من الظالمين من قريش وغيرهم ببعيدة، بل هي قريبة متى قدَّر الله إنزالها عليهم نزلت. ٨٤ - وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبًا , قال: يا قوم، اعبدوا الله وحده، ما لكم من معبود يستحق العبادة غيره، ولا تنقصوا الكيل والوزن إذا كلتم الناس أو وزنتموهم، إني أراكم في سعة من الرزق ونعمة، فلا تغيروا عليكم نعمة الله بالمعاصي، وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط يدرك كل أحد منكم، تجدون منه مهربًا ولا ملجأ. ٨٥ - ويا قوم، أتمُّوا المكيال والميزان بالعدل إن كلتم أو وزنتم لغيركم، ولا تنقصوا الناس من حقوقهم شيئًا بالتطفيف والغش والخداع، ولا تفسدوا في الأرض بالقتل وغيره من المعاصي. ٨٦ - بقيَّة الله التي يبقيها لكم من الحلال بعد إيفاء حقوق الناس بالعدل، أكثر نفعًا وبركة من الزيادة الحاصلة بالتطفيف والإفساد في الأرض، إن كنتم مؤمنين حقًّا فارضوا بتلك البقية، ولست عليكم برقيب أحصي أعمالكم، وأحاسبكم عليها، إنما الرقيب على ذلك هو من يعلم السر والنجوى. ٨٧ - قال قوم شعيب لشعيب: يا شعيب، أصلاتك التي تصليها لله تأمرك أن نترك عبادة ما كان آباؤنا يعبدونه من الأصنام، وتأمرك أن نترك التصرف في أموالنا بما نشاء، وننميها بما نشاء؟! إنك لأنت الحليم الرشيد، فإنك أنت العاقل الحكيم كما عرفناك قبل هذه الدعوة، فما الَّذي أصابك؟! ٨٨ - قال شعيب لقومه: يا قوم، أخبروني عن حالكم إن كنت على برهان واضح من ربي، وبصيرة منه، ورزقني منه رزقًا حلالًا، ومنه النبوة، وما أريد أن أنهاكم عن شيء وأخالفكم في فعله، لا أريد إلا إصلاحكم بدعوتكم إلى توحيد ربكم وطاعته قدر استطاعتي، وما توفيقي إلى الحصول على ذلك إلا بالله سبحانه، عليه وحده توكلت في جميع أموري، وإليه أرجع. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من سنن الله إهلاك الظالمين بأشد العقوبات وأفظعها. • حرمة نقص الكيل والوزن وبخس الناس حقوقهم. • وجوب الرضا بالحلال وإن قل. • فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب العمل بما يأمر الله به، والانتهاء عما ينهى عنه.

стр. 239

٨٩ - ويا قوم، لا تَحْمِلَنَّكم عداوتي على التكذيب بما جئت به؛ خوف أن ينالكم من العذاب مثلُ ما نال قوم نوح أو قوم هود أو قومِ صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد، لا زمانا ولا مكانًا، وقد علمتم ما أصابهم، فاعتبروا. ٩٠ - واطلبوا المغفرة من ربكم، ثم توبوا إليه من ذنوبكم، إن ربي رحيم بالتائبين، شديد المحبة لمن تاب منهم. ٩١ - قال قوم شعيب لشعيب: يا شعيب، ما نفهم كثيرًا مما جئت به، وإنا لنراك فينا ذا ضعف لما أصاب عينيك من ضعف أو عمى، ولولا أنَّ عشيرتك على ملتنا لقتلناك بالرمي بالحجارة، ولست علينا بعزيز حتَّى نهاب قتلك، وإنما تركنا قتلك احترامًا لعشيرتك. ٩٢ - قال شعيب لقومه: يا قوم، أعشيرتي أكرم عندكم وأعز من الله ربكم؟! وتركتم الله وراءكم منبوذًا حين لم تؤمنوا بنبيه الَّذي بعثه إليكم، إن ربي بما تعملون محيط، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها في الدنيا بالإهلاك، وفي الآخرة بالعذاب. ٩٣ - ويا قوم، اعملوا ما تستطيعونه على طريقتكم التي ارتضيتموها، إني عامل على طريقتي التي ارتضيتها بما أستطيعه، سوف تعلمون من منا يأتيه عذاب يذله عقابًا له، ومن منا هو كاذب فيما يدعيه، فانتظروا ما يقضي به الله، إني معكم منتظر. ٩٤ - ولما جاء أمرنا بإهلاك قوم شعيب أنقذنا شعيبًا والذين آمنوا معه برحمة منا، وأصاب الذين ظلموا من قومه صوت شديد مهلك فماتوا، وأصبحوا ساقطين على وجوههم، قد لصقت وجوههم بالتراب. ٩٥ - كأن لم يقيموا فيها من قبل، ألا طُردت مدين من رحمة الله بحلول نقمته عليهم، كما طردت منها ثمود بإنزال سخطه عليهم. ٩٦ - ولقد أرسلنا موسى بآياتنا الدالة على توحيد الله، وبحججنا الواضحة الدالة على صدق ما جاء به. ٩٧ - أرسلناه إلى فرعون والأشراف من قومه، فاتبع هؤلاء الأشراف أمر فرعون لهم بالكفر بالله، وليس أمر فرعون بأمر ذي إصابة للحق حتَّى يتبع. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • ذمّ الجهلة الذين لا يفقهون عن الأنبياء ما جاؤوا به من الآيات. • ذمّ وتسفيه من اشتغل بأوامر الناس، وأعرض عن أوامر الله. • بيان دور العشيرة في نصرة الدعوة والدعاة. • طرد المشركين من رحمة الله تعالى.

стр. 240

٩٨ - يتقدم فرعون قومه يوم القيامة حتَّى يدخلهم النار وإياه، وساء المَوْرِد الَّذي يوردهم إليه. ٩٩ - وأتبعهم الله في الحياة الدنيا لعنة وطردًا وإبعادًا من رحمته مع ما أصابهم من الهلاك بالغرق، وأتبعهم طردًا وإبعادًا منها يوم القيامة، ساء ما حصل لهم من ترادف اللعنتين والعذاب في الدنيا والآخرة. ١٠٠ - ذلك المذكور في هذه السورة من أخبار القرى نخبرك -أيها الرسول- به، من هذه القرى ما هو قائم المعالم، ومنها ما مُحِيَت معالمه، فلم يبق له أثر. ١٠١ - وما ظلمناهم بما أصبناهم به من هلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بكفرهم بالله، فما دفعت عنهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ما نزل بهم من عذاب حين جاء أمر ربك -أيها الرسول- بإهلاكهم، وما زادتهم آلهتهم هذه إلا خسرانًا وهلاكًا. ١٠٢ - وكذلك الأخذ والاستئصال الَّذي أخذ الله أخذه للقرى الظالمة أخذ مؤلم قوي. ١٠٣ - إن في أخذ الله الشديد لتلك القرى الظالمة لعبرة وعظة لمن خاف عذاب يوم القيامة، ذلك اليوم الذي يجمع الله له الناس لمحاسبتهم، وذلك يوم مشهود يشهده أهل المحشر. ١٠٤ - ولا نؤخر ذلك اليوم المشهود إلا لأجل معلوم العدد. ١٠٥ - يوم يأتي ذلك اليوم لا تتكلم أي نفس بحجة أو شفاعة إلا بعد إذنه، والناس فيه نوعان: شقي يدخل النار، وسعيد يدخل الجنّة. ١٠٦ - فأما الأشقياء لكفرهم وفساد أعمالهم فيدخلون في النار، ترتفع فيها أصواتهم وأنفاسهم من شدة ما يعانون من لهيبها. ١٠٧ - ماكثون فيها أبدًا، لا يخرجون منها ما دامت السماوات والأرض، إلا من شاء الله إخراجه من عصاة الموحدين، إن ربك -أيها الرسول- فَغَال لما يريده، فلا مُسْتَكْرِه له سبحانه. ١٠٨ - وأما السعداء الذين سبقت لهم السعادة من الله لإيمانهم وصلاح أعمالهم، فهم في الجنّة ماكثون فيها أبدًا ما دامت السماوات والأرض، إلا من شاء الله إدخاله النار قبل الجنّة من عصاة المؤمنين، إن نعيم الله لأهل الجنّة غير مقطوع عنهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • التحذير من اتّباع رؤساء الشر والفساد، وبيان شؤم اتباعهم في الدارين. • تنزه الله تعالى عن الظلم في إهلاك أهل الشرك والمعاصي. • لا تنفع آلهة المشركين عابديها يوم القيامة، ولا تدفع عنهم العذاب. • انقسام الناس يوم القيامة إلى: سعيد خالد في الجنان، وشقي خالد في النيران.

стр. 241

١٠٩ - فلا تكن -أيها الرسول- في ارتياب وشك من فساد ما يعبده هؤلاء المشركون، فليس لهم على صحته برهان عقلي ولا شرعي، وإنما الحامل لهم، على عبادة غير الله تقليدهم لآبائهم، وإنا لمُتِمُّون لهم نصيبهم من العذاب دون نقص. ١١٠ - ولقد أعطينا موسى التوراة، فاختلف الناس فيها، فآمن بعضهم بها، وكفر بعض، ولولا قضاء من الله سبق أنه لا يُعَجِّل العذاب، بل يؤخره إلى يوم القيامة لحكمة، لنزل بهم ما يستحقون من العذاب في الدنيا، وإن الكافرين من يهود ومشركين لفي شك من القرآن مُوقِع في الارتياب. ١١١ - وإن كل من ذُكِر من المختلفين ليُتِمَّنَّ له ربك -أيها الرسول- جزاء أعمالهم، فما كان خيرًا كان جزاؤه خيرًا ,وما كان شرًّا كان جزاؤه شرًّا، إن الله بدقائق ما يعملونه عليم، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. ١١٢ - داوم على الالتزام بالطريق المستقيم -أيها الرسول- كما أمرك الله، فامتثل أوامره، واجتنب نواهيه، وليستقم من تاب معك من المؤمنين، ولا تتجاوزوا الحد بارتكاب المعاصي، إنه بما تعملون بصير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها. ١١٣ - ولا تميلوا إلى الكفار الظالمين بمداهنة أو مودّة، فتصيبكم النار بسبب ذلك الميل، وليس لكم من دون الله أولياء ينقذونكم منها، ثم لا تجدون من ينصركم. ١١٤ - وأقم -أيها الرسول- الصلاة على أحسن وجه في طرفي النهار وهما أول النهار وآخره، وأقمها في ساعات من الليل، إن الأعمال الصالحات تمحو صغائر الذنوب، ذلك المذكور موعظة للمتعظين، وعبرة للمعتبرين. ١١٥ - واصبر على فعل ما أمرت به من الاستقامة وغيرها، وعلى ترك ما نهيت عنه من الطغيان والركون إلى الظلمة، إن الله لا يبطل ثواب المحسنين، بل يتقبل منهم أحسن الَّذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. ١١٦ - فهلَّا كان من الأمم المعذبة قبلكم بقية من أهل الفضل والصلاح ينهون تلك الأمم عن الكفر، وعن الفساد في الأرض بالمعاصي، لم تكن منهم تلك البقية، إلا قليل منهم كانوا ينهون عن الفساد، فأنجيناهم حين أهلكنا قومهم الظالمين، واتبع الظالمون من أقوامهم ما هم فيه من النعيم، , وكانوا ظالمين باتباعهم ذلك. ١١٧ - وما كان ربك -أيها الرسول- ليهلك قرية من القرى إذا كان أهلها مصلحين في الأرض، إنما يهلكها إن كان أهلها مفسدين بالكفر والظلم والمعاصي. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب الاستقامة على دين الله تعالى. • التحذير من الركون إلى الكفار الظالمين بمداهنة أو مودة. • بيان سُنَّة الله تعالى في أن الحسنة تمحو السيئة. • الحث على إيجاد جماعة من أولي الفضل يأمرون بالمعروف، وينهون عن الفساد والشر، وأنهم عصمة من عذاب الله.

стр. 242

١ ١٨ - ولو شاء ربك -أيها الرسول- أن يجعل الناس أمة واحدة على الحق لفعل، لكنه لم يشأ ذلك، فلا يزالون مختلفين فيه بسبب اتباع الهوى والبغي. ١١٩ - إلا من ﵏ بالتوفيق للهداية، فإنهم لا يختلفون في توحيده سبحانه، ولذلك الاختبار بالاختلاف خلقهم سبحانه، فمنهم شقي وسعيد، وتمت كلمة ربك -أيها الرسول- التي قضاها في الأزل بملء جهنم من أتباع الشيطان من الجن والناس. ١ ٢ ٠ - وكل خبر نقصه عليك -أيها الرسول- من أخبار الرسل من قبلك نقصه لنُثَبِّت به قلبك على الحق ونقوّيه، وجاءك في هذه السورة الحق الَّذي لا شك فيه، وجاءتك فيها موعظة للكافرين، وذكرى للمؤمنين الذين ينتفعون بالذكرى. ١٢١ - وقل -أيها الرسول- للذين لا يؤمنون بالله، ولا يوحدونه: اعملوا على طريقكم في الإعراض عن الحق والصد عنه، إنا عاملون على طريقنا من الثبات عليه، والدعوة له، والصبر عليه. ١٢٢ - وترقبوا ما ينزل بنا، إنا مترقبون ما ينزل بكم. ١٢ ٣ - ولله وحده علم ما غاب في السماوات، وما غاب في الأرض، لا يخفى عليه شيء منه، وإليه وحده يرجع الأمر جميعه يوم القيامة، فاعبده -أيها الرسول- وحده، وتوكل عليه في كل أمورك، وليس ربك بغافل عما تعملون، بل هو عليم به، وسيجازي كلًّا بما عمل. سورة يوسف مكية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] الوعد بالتمكين بعد الابتلاء المبين، تثبيتًا ووعدًا للنبي ﷺ وللمؤمنين. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿الر﴾ سبق الكلام عليها وعلى نظائرها في بداية سورة البقرة. هذه الآيات التي أنزلت في هذه السورة من آيات القرآن الواضح فيما اشتمل عليه. ٢ - إنا أنزلنا القرآن بلغة العرب لعلكم -أيها العرب- تفهمون معانيه. ٣ - نحن نقص عليك -أيها الرسول- أحسن القصص لصدقها وسلامة ألفاظها وبلاغتها، بإنزالنا عليك هذا القرآن، وإنك كنت من قبل إنزاله من الغافلين عن هذا القصص، لا علم لك به. ٤ - نخبرك -أيها الرسول- حين قال يوسف لأبيه يعقوب: يا أبت، إني رأيت في المنام أحد عشر كوكبًا، ورأيت الشمس والقمر، رأيت كل أولئك لي ساجدين، فكانت هذه الرؤيا عاجل بشرى ليوسف ﵇. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • بيان الحكمة من القصص القرآني، وهي تثبيت قلب النبي ﷺ وموعظة المؤمنين. • انفراد الله تعالى بعلم الغيب لا يشركه فيه أحد. • الحكمة من نزول القرآن عربيًّا أن يعقله العرب؛ ليبلغوه إلى غيرهم. • اشتمال القرآن على أحسن القصص.

стр. 243

٥ - قال يعقوب لابنه يوسف: يا بني، لا تذكر رؤياك لإخوتك، فيفهموها، ويحسدوك، فيدبروا لك مكيدة حسدًا منهم، إن الشيطان للإنسان عدو واضح العداوة. ٦ - وكما رأيت تلك الرؤيا يختارك -يا يوسف- ربك، ويعلمك تعبير الرؤى، ويكمل نعمته عليك بالنبوة كما أتم نعمته على أبويك من قبلك: إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم بخلقه، حكيم في تدبيره. ٧ - لقد كان في خبر يوسف وخبر إخوته عبر وعظات للسائلين عن أخبارهم. ٨ - حين قال إخوته فيما بينهم: ليوسف وأخوه الشقيق أحب إلى أبينا منا ونحن جماعة ذوو عدد فكيف فضَّلهما علينا؟ إنا لنراه في خطأ بيِّن حين فضَّلهما علينا من غير سبب يظهر لنا. ٩ - اقتلوا يوسف، أو غيِّبوه في أرض بعيدة؛ يَخْلُصْ لكم وجه أبيكم فيحبكم حبًّا كاملًا، وتكونوا من بعد ما تقدمون عليه من قتله أو تغييبه قومًا صالحين، حين تتوبون من ذنبكم. ١٠ - قال أحد الإخوة: لا تقتلوا يوسف، ولكن ارموه في قعر البئر يأخذه بعض المسافرين الذين يمرون به، فهذا أخف ضررًا من قتله، إن كنتم عازمين على ما قلتم بشأنه. ١١ - ولما اتفقوا على إبعاده قالوا لأبيهم يعقوب: يا أبانا، ما لك لا تجعلنا أمناء على يوسف؟ وإنا لمشفقون عليه نرعاه مما يضره، ونحن ناصحون له بحفظه ورعايته حتَّى يعود إليك سالمًا، فما الَّذي يمنعك من إرساله معنا؟ ١٢ - اسمح لنا نأخذه معنا غدًا يتمتع بالطعام ويمرح، وإنا له لحافظون من كل أذى يصيبه. ١٣ - قال يعقوب لأبنائه: إني ليحزنني ذهابكم به؛ لأني لا أصبر على فراقه، وأخاف عليه من أن يأكله الذئب وأنتم لاهون عنه بالرتع واللعب. ١٤ - قالوا لأبيهم: لئن أكل الذئب يوسف ونحن جماعة إنا في هذه الحال لا خير فينا، فنحن خاسرون إذ لم نمنعه من الذئب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • ثبوت الرؤيا شرعًا، وجواز تعبيرها. • مشروعية كتمان بعض الحقائق إن ترتب على إظهارها شيءٌ من الأذى. • بيان فضل ذرية آل إبراهيم واصطفائهم على الناس بالنبوة. • الميل إلى أحد الأبناء بالحب يورث العداوة والحسد بين الإِخوة.

стр. 244

١٥ - فأرسله يعقوب معهم، فلما ذهبوا به بعيدًا، وعزموا على رميه في قعر البئر، أوحينا إلى يوسف في هذه الحال: لتخبرنهم بصنيعهم هذا وهم لا يشعرون بك حال إخبارك لهم. ١٦ - وجاء إخوة يوسف أباهم وقت العشاء يتباكون ترويجًا لمكرهم. ١٧ - قالوا: يا أبانا، إنا ذهبنا نتسابق على الأرجل ونترامى بالنبال، وتركنا يوسف عند ثيابنا وأزْوَادنا ليحفظها، فأكله الذئب، ولست بمصدّق لنا، وإن كنا في الواقع صادقين فيما أخبرناك به. ١٨ - وأكدوا خبرهم بحيلة، فجاؤوا بقميص يوسف ملطّخًا بدم غير دمه، موهمين أنَّه أثر أكل الذئب له، ففطن يعقوب -بقرينة أن القميص لم يُمَزَّق- لكذبهم، فقال لهم: ليس الأمر كما أخبرتم، بل زيّنت لكم أنفسكم أمرًا سيئًا صنعتموه به، فأمري صبر جميل لا جزع فيه، والله المطلوب منه العون على ما تذكرونه من أمر يوسف. ١٩ - وجاءت قافلة مارّة، فبعثوا من يستقي لهم الماء، فأرسل دَلْوَه في البئر، فتعلّق يوسف بالحبل، فلما أبصره مرسلها قال مسرورًا: يا بشراي هذا غلام، وأخفاه واردهم وبعض أصحابه عن بقية القافلة زاعمين أنَّه بضاعة استبضعوها، والله عليم بما يفعلونه بيوسف من الابتذال والبيع، لا يخفى عليه من عملهم شيء. ٢٠ - وباعه الوارد وأصحابه بمصر بثمن زهيد، فهو دراهم سهلة العد لقلَّتها، وكانوا من الزاهدين فيه لحرصهم على التخلص منه سريعًا، فقد علموا من حاله أنه ليس بمملوك، وخافوا على أنفسهم من أهله، وهذا من تمام رحمة الله به حتَّى لا يبقى معهم طويلًا. ٢١ - وقال الرجل الَّذي اشتراه من مصر لامرأته: أحسني إليه وأكرميه في مقامه معنا؛ لعله ينفعنا في القيام ببعض ما نحتاج إليه، أو نُصيِّره ولدًا بالتبنِّي، وكما أنجينا يوسف من القتل، وأخرجناه من البئر، وعطفنا عليه قلب العزيز؛ مكّنا له في مصر، ولنعلمه تأويل الرؤيا، والله غالب على أمره، فأمره نافذ، فلا مكرِه له سبحانه، ولكن غالب الناس -وهم الكفار- لا يعلمون ذلك. ٢٢ - ولما بلغ يوسف سن اشتداد البدن أعطيناه فهمًا وعلمًا، ومثل هذا الجزاء الَّذي جزيناه به نجزي المحسنين في عبادتهم لله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • بيان خطورة الحسد الَّذي جرّ إخوة يوسف إلى الكيد به والمؤامرة على قتله. • مشروعية العمل بالقرينة في الأحكام. • من تدبير الله ليوسف ﵇ ولطفه به أن قذف في قلب عزيز مصر معاني الأبوة بعد أن حجب الشيطان عن إخوته معاني الأخوة.

стр. 245

٢٣ - وطلبت امرأة العزيز برفق وإعمال حيلة من يوسف ﵇ فعل الفاحشة، وغلّقت الأبواب إمعانًا في الخلوة، وقالت له: هَلُمَّ وتعال إليّ، فقال يوسف: أعتصم بالله مما دعوتِني إليه، إن سيّدي أحسن إليّ في مقامي عنده فلن أخونه، فإن خنته كنت ظالمًا، إنه لا يفوز الظالمون. ٢٤ - ولقد رغبت نفسها في فعل الفاحشة، وخطر على نفسه هو ذلك، لولا أنَّه رأى من آيات الله ما يكفه عن ذلك ويبعده، وقد أريناه ذلك لنكشف عنه السوء، ونبعده عن الزنى والخيانة، إن يوسف من عبادنا المختارين للرسالة والنبوة. ٢٥ - وتسابقا إلى الباب: يوسف لينجو بنفسه، وهي لتمنعه من الخروج، فأمسكت بقميصه لتمنعه من الخروج، فشقّته من خلفه، ووجدا زوجها عند الباب، قالت امرأة العزيز للعزيز محتالة: ليس عقاب من قصد بزوجتك -يا عزيز- فعل الفاحشة إلا السجن، أو أن يُعذب عذابًا موجعًا. ٢٦ - قال يوسف ﵇: هي التي طلبت مني الفاحشة، ولم أُرِدْها منها، وجعل الله صبيًّا من أهلها يتكلم في المهد، فشهد بقوله: إن كان قميص يوسف شُقَّ من أمامه فذلك قرينة على صدقها؛ لأنها كانت تمنعه من نفسها، فهو كاذب. ٢٧ - وإن كان قميصه شُقَّ من خلفه فذلك قرينة على صدقه؛ لكونها كانت تُراوِده وهو هارب عنها، فهي كاذبه. ٢٨ - فلما شاهد العزيز أن قميص يوسف ﵇ شُقَّ من خلفه تحقق من صدق يوسف، وقال: إن هذا القذف الَّذي قذفته به من جملة مَكْرِكُنَّ -معشر النساء- إنَ مَكْرَكُنَّ مكر قوي. ٢٩ - وقال ليوسف: يا يوسف، اضرِبْ عن هذا الأمر صفحًا، ولا تذكره لأحد، واطلبي أنت المغفرة لإثمك، إنك كنت من الآثمين بسبب مراودة يوسف عن نفسه. ٣٠ - وانتشر خبرها في المدينة، وقالت طائفة من النساء على سبيل الإنكار: زوجة العزيز تدعو عبدها إلى نفسها، قد وصل حبه شغاف قلبها (أي: غلافه)، إنا لنراها بسبب مراودتها له وحبها إياه -عبدها- في ضلال واضح. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • قبح خيانة المحسن في أهله وماله, الأمر الَّذي ذكره يوسف من جملة أسباب رفض الفاحشة. • بيان عصمة الأنبياء وحفظ الله لهم من الوقوع في السوء والفحشاء. • وجوب دفع الفاحشة والهرب والتخلص منها. • مشروعية العمل بالقرائن في الأحكام.

стр. 246

٣١ - فلما سمعت امرأة العزيز إنكارهن عليها واغتيابهن إياها بعثت إليهن تدعوهن ليرين يوسف فيعذرنها، وهَيَّأت لهن محلًّا فيه فراش ووسائد، وأعطت كل واحدة من المدعوات سكينًا تقطع به الطعام، وقالت ليوسف ﵇: اخرج عليهن، فلما نظرن إليه أعظمنه، واندهشن لحسنه، وانبهرن بجماله، وجرَّحن أيديهن من شدة الانبهار به بالسكاكين المعدّة لقطع الطعام، وقلن: تنزه الله، ليس هذا الغلام بشرًا، فما هو فيه من الجمال لم يُعْهد في البشر، ليس إلا مَلَكًا كريمًا من الملائكة الكرام. ٣٢ - قالت امرأة العزيز للنسوة لما رأت ما أصابهن: هذا هو الفتى الَّذي عَيَّرتُنَّني بسبب حبه، ولقد طلبته، واحتَلْتُ لإغوائه، فامتنع، ولئن لم يفعل ما أطلب منه مستقبلًا ليدخلنّ السجن، وليكونن من الولاء. ٣٣ - قال يوسف ﵇ داعيًا ربه: يا رب، السجن الَّذي هددتني به أحب إليَّ مما يدعونني إليه من فعل الفاحشة، وإذا لم تكشف عني مكرهن أَمِل إليهن، وأكن من الجاهلين إن مِلْتُ إليهن، وطاوعتهن فيما يردن مني. ٣٤ - فأجاب الله دعوته، وكشف عنه مكر امرأة العزيز ومكر نسوة المدينة، إنه السميع لدعاء يوسف، ولدعاء كل داع، العليم بحال وحال غيره. ٣٥ - ثم كان من رأي العزيز وقومه لما شاهدوا الأدلة على براءته أن يسجنوه -حتَّى لا تنكشف الفضيحة- إلى مدة غير معلومة. ٣٦ - فسجنوه، ودخل معه غلامان في السجن، قال أحد الغلامين ليوسف: إني رأيت في المنام أني أعصر العنب ليصير خمرًا، وقال الثاني: إني رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطيور منه، أخبرنا -يا يوسف- بتفسير ما رأينا، إنا نراك من أهل الإحسان. ٣٧ - قال يوسف ﵇: لا يأتيكما طعام يجري عليكما من الملك أو غيره إلا بيَّنت لكما حقيقته وكيفيته قبل أن يأتيكما، ذلكما التأويل الَّذي أعلمه هو مما علَّمنيه ربي، لا من الكهانة ولا من التنجيم، إني تركت دين قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة كافرون. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • بيان جمال يوسف ﵇ الَّذي كان سبب افتتان النساء به. • إيثار يوسف ﵇ السجن على معصية الله. • من تدبير الله ليوسف ﵇ ولطفه به تعليمه تأويل الرؤى وجعلها سببًا لخروجه من بلاء السجن.

стр. 247

٣٨ - واتبعت دين آبائي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهو دين التوحيد لله، ما يصحّ لنا أن نشرك بالله غيره، وهو المنفرد بالوحدانية، ذلك التوحيد والإيمان الَّذي أنا عليه وآبائي هو من فضل الله علينا أن وفقنا له، ومن فضله على الناس جميعًا حين بعث إليهم الأنبياء به، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على نعمه، بل يكفرونه. ٣٩ - ثم خاطب يوسف الغلامين في السجن قائلًا: أعبادة آلهة متعددة خير، أم عبادة الله الواحد الَّذي لا شريك له، القهار لغيره، الَّذي لا يقهر؟ ٤٠ - ما تعبدون من دون الله إلا أسماء على غير مسمَّيات، سمَّيتموها أنتم وآباؤكم آلهة، ليس لها في الألوهية نصيب، لم يُنْزِل الله بتسميتكم لها حجة تدل على صحتها، ليس الحكم في جميع المخلوقات إلا لله وحده، لا لهذه الأسماء التي سميتموها أنتم وآباؤكم، أمر الله سبحانه أن توحِّدوه بالعبادة، ونهى أن تشركوا معه غيره، ذلك التوحيد هو الدين المستقيم الَّذي لا اعوجاج فيه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، ولذلك يشركون بالله، فيعبدون بعض مخلوقاته. ٤١ - يا رفيقَي السجن، أما الَّذي رأى أنَّه يعصر عنبًا ليصير خمرًا فإنه يخرج من السجن، ويرجع إلى عمله، فيسقي الملك، وأما الَّذي رأى أن فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه فإنه يقتل ويصلب، فتأكل الطير من لحم رأسه، فرغ الأمر الَّذي طلبتما الفُتْيَا فيه وتم، فهو واقع لا محالة. ٤٢ - وقال يوسف للذي ظن أنَّه ناجٍ منهما -وهو ساقي الملك-: اذكر قصتي وشأني عند الملك؛ لعله يخرجني من السجن، فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف عند الملك، فمكث يوسف في السجن بعد ذلك عدة سنوات. ٤٣ - وقال الملك: إني رأيت في المنام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأيت سبع سنبلات خضر، وسبع سنبلات يابسات، يا أيها السادة والأشراف، أخبروني بتأويل رؤياي هذه إن كنتم عالمين بتأويل الرؤيا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب اتباع ملة إبراهيم، والبراءة من الشرك وأهله. • في قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ ...﴾ دليل على أن هؤلاء المصريين كانوا أصحاب ديانة سماوية لكنهم أهل إشراك. • كل الآلهة التي تُعبد من دون الله ما هي إلا أسماء -غير مسميات، ليس لها في الألوهية نصيب. • استغلال المناسبات للدعوة إلى الله، كما استغلها يوسف ﵇ في السجن.

стр. 248

٤٤ - قالوا: رؤياك أخلاط أحلام، وما كان كذلك فلا تأويل له، ولسنا عالمين بتأويل الأحلام المختلطة. ٤٥ - وقال الساقي الَّذي نجا من الغلامين السجينين، وتذَكَّر يوسف ﵇ وما هو عليه من علم تأويل الرؤيا بعد مدة: أنا أخبركم بتأويل ما رآه الملك بعد سؤال من له علم بتأويلها، فابعثني -أيها الملك- إلى يوسف ليؤوِّل رؤياك. ٤٦ - فلما وصل الناجي إلى يوسف قال له: يا يوسف، أيها الصدِّيق، أخبرنا عن تأويل من رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأى سبع سنبلات خضر، ورأى سبع سنبلات يابسات؛ لعلي أرجع إلى الملك ومن عنده لعلهم يعلمون تعبير رؤيا الملك، ويعلمون فضلك ومكانتك. ٤٧ - قال يوسف ﵇ معبرًا هذه الرؤيا: تزرعون سبع سنين متتابعة بجدّ، فما حصدتم في كل سنة من تلك السنين السبع فاتركوه في سنابله منعًا له من التسوّس، إلا قليلًا مما تحتاجون لأكله من الحبوب. ٤٨ - ثم تجيء من بعد تلك السنين السبع المُخْصِبة التي زرعتم فيها، سبع سنين مجدبة يأكل الناس فيها كل ما حُصِد في السنين المُخْصِبة إلا قليلًا مما تحفظونه مما يكون بذرًا. ٤٩ - ثم يجيء بعد تلك السنين المجدبة عام تنزل فيه الأمطار، وتنبت الزروع، ويعصر فيه الناس ما يحتاج للعصر كالعنب والزيتون والقصب. ٥٠ - وقال الملك لأعوانه لما بلغه تعبير يوسف لرؤياه: أخرجوه من السجن، واتُوني به، فلما جاء يوسفَ رسولُ الملك قال له: ارجع إلى سيدك الملك فاسأله عن قصة النسوة اللاتي جرّحن أيديهن، حتَّى تظهر براءته قبل الخروج من السجن، إن ربي بما صنعن بي من المُرَاودة عليم، لا يخفى عليه شيء من ذلك. ٥١ - قال الملك مخاطبًا النسوة: ما شأنكن حين طلبتن يوسف بحيلة؛ ليعمل الفاحشة معكن؟ قالت زوجة العزيز مُقِرَّة بما صنعت: الآن يظهر الحق، أنا حاولت إغواءه ولم يحاول إغوائي، وإنه لمن الصادقين فيما ادعاه من براءته مما رميته به. ٥٢ - قالت امرأة العزيز: ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا الَّذي راودته، وأنه صادق أني لم أفترِ عليه في غيابه، فقد تبين لي مما حصل أن الله لا يوفق من يكذب ويمكر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من كمال أدب يوسف أنَّه أشار لحَدَث النسوة ولم يشر إلى حَدَث امرأة العزيز. • كمال علم يوسف ﵇ في حسن تعبير الرؤى. • مشروعية تبرئة النفس مما نُسب إليها ظلمًا، وطلب تقصّي الحقائق لإثبات الحق. • فضيلة الصدق وقول الحق ولو كان على النفس.

стр. 249

٥٣ - وواصلت امرأة العزيز كلامها قائلة: وما أنزه نفسي عن إرادة السوء، وما أردت بذلك تزكية نفسي؛ لأن شأن النفس البشرية كثرة الأمر بالسوء لميلها إلى ما تشتهيه وصعوبة كفها عنه، إلا ما ﵀ من النفوس، فعصمها من الأمر بالسوء، إن ربي غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم. ٥٤ - قال الملك لأعوانه لما تبين براءة يوسف وعلمه: جيئوني به أجعله خالصًا لنفسي، فجاؤوه به، فلما كلَّمه، وتبين له علمه وعقله قال له: إنك -يا يوسف- قد صِرتَ اليوم عندنا صاحب مكانة وجاه ومؤتمنًا. ٥٥ - قال يوسف للملك: ولّني على حفظ خزائن المال والأقوات في أرض مصر، فإني خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه. ٥٦ - وكما مَنَنَّا على يوسف بالبراءة والخلاص من السجن مننَّا عليه بالتمكين له في مصر، ينزل ويقيم في أي مكان شاء، نعطي من رحمتنا في الدنيا من نشاء من عبادنا، ولا نضيع ثواب المحسنين، بل نوفيهم إياه كاملًا غير منقوص. ٥٧ - ولَثوابُ الله الَّذي أعدّه في الآخرة خير من ثواب الدنيا للذين آمنوا بالله وكانوا يتقونه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ٥٨ - وقدم إخوة يوسف إلى أرض مصر ببضاعة لهم، فدخلوا عليه، فعرف أنهم إخوته، ولم يعرفوا أنَّه أخوهم؛ لطول المدة وتغير هيئته؛ لأنه كان صبيًّا حين رموه في البئر. ٥٩ - ولما أعطاهم ما طلبوه من المِيرَة والزاد، قال بعد أن أخبروه أن لهم أخًا من أبيهم تركوه عند أبيه: جيئوني بأخيكم من أبيكم أزدكم حمل لعير، ألا ترون أني أكمل الكيل ولا أنقصه، وأنا خير المضيفين. ٦٠ - فإن لم تجيئوني به تبين كذبكم في دعواكم أن لكم أخًا من أبيكم، فلن أكيل لكم طعامًا، ولا تقربوا بلدي. ٦١ - فأجابه إخوته قائلين: سنطلبه من أبيه، ونجتهد في ذلك، وإنا لفاعلون ما أمرتنا به دون تقصير. ٦٢ - وقال يوسف لعُمَّاله: ردوا بضاعة هؤلاء إليهم حتَّى يعرفوا عند عودتهم أننا لم نَبْتَعْها منهم، وهذا يجبرهم على الرجوع ثانية ومعهم أخوهم؛ ليثبتوا ليوسف صدقهم، ويقبل منهم بضاعتهم. ٦٣ - فلما رجعوا إلى أبيهم، وقصوا عليه ما كان من إكرام يوسف لهم قالوا: يا أبانا مُنِع منا الكيل إن لم نأت بأخينا معنا فابعثه معنا، فإنك إن بعثته معنا نكتل الطعام، وإنا لنتعهد لك بحفظه حتَّى يرجع إليك سالمًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من أعداء المؤمن: نفسه التي بين جنبيه؛ لذا وجب عليه مراقبتها وتقويم اعوجاجها. • اشتراط العلم والأمانة فيمن يتولى منصبًا يصلح به أمر العامة. • بيان أن ما في الآخرة من فضل الله، إنما هو خير وأبقى وأفضل لأهل الإيمان. • جواز طلب الرجل المنصب ومدحه لنفسه إن دعت الحاجة، وكان مريدًا للخير والصلاح.

стр. 250

٦٤ - قال لهم أبوهم: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه الشقيق: يوسف من قبل؟! فقد أمنتكم عليه، وتعهدتم بحفظه، ولم تفوا بما تعهدتم به، فلا ثقة عندي بتعهدكم بحفظه، وإنما ثقتي بالله، فهو خير الحافظين لمن أراد حفظه، وأرحم الراحمين بمن أراد رحمته. ٦٥ - ولما فتحوا أوعية طعامهم الذي جلبوه وجدوا ثمنه رد إليهم، فقالوا لأبيهم: أي شيء نطلب من هذا العزيز بعد هذا الإكرام؛ وهذا ثمن طعامنا رده العزيز تفضلًا منه علينا، ونجلب الطعام لأهلنا، ونحفظ أخانا مما تخافه عليه، ونزداد كيل بعير بسبب اصطحابه، فزيادة كيل بعير أمر سهل عند العزيز. ٦٦ - قال لهم أبوهم: لن أبعثه معكم حتى تؤتوني عهد الله مؤكدًا أن تردوه إليَّ إلا إن أحاط هلاك بكم جميعًا , ولم يُبْقِ منكم أحدًا، ولم تقدروا على دفعه ولا الرجوع، فلما أعطوه عهد الله المؤكد على ذلك، قال: الله شهيد على ما نقول فتكفينا شهادته. ٦٧ - وقال لهم أبوهم موصيًا إياهم: لا تدخلوا مصر من باب واحد مجتمعين، لكن ادخلوا من أبواب متفرقة، فذلك أسلم من أن يعمّكم أحد بضرر إن أرادوه بكم، ولا أقول لكم ذلك لأدفع عنكم ضررًا أراده الله بكم، ولا لأجلب لكم نفعًا لم يرده الله، فالقضاء ليس إلا قضاء الله، والأمر ليس إلا أمره، عليه وحده توكلت في كل أموري، وعليه وحده فليتوكل المتوكلون في أمورهم. ٦٨ - فارتحلوا ومعهم أخوه الشقيق، ولما دخلوا من أبواب متفرقة كما أمرهم أبوهم ما كان يدفع عنهم دخولهم من أبواب متفرقة شيئًا مما قدره الله عليهم، إنما هي شفقة يعقوب على أولاده، أظهرها، ووصاهم بها، وهو يعلم أن لا قضاء إلا قضاء الله، فهو عالم بما علَّمناه من الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ٦٩ - ولما دخل إخوة يوسف على يوسف، ومعهم أخوه الشقيق، ضم إليه أخاه الشقيق، وقال له سرًّا: إني أنا أخوك الشقيق: يوسف، فلا تحزن لما كان يصنعه إخوتك من الأعمال الطائشة؛ من إيذاء وحقد علينا، وإلقائهم إياي في البئر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الأمر بالاحتياط والحذر ممن أُثِرَ عنه غدرًا (لَا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ). • من وجوه الاحتياط التأكد بأخذ المواثيق المؤكدة باليمين، وجواز استحلاف المخوف منه على حفظ الودائع والأمانات. • يجوز لطالب اليمين أن يستثني بعض الأمور التي يرى أنها ليست في مقدور من يحلف اليمين. • من الأخذ بالأسباب الاحتياط من المَعَاطِب.
следующие страницы →