Полный текст (612 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
٣١ - فلما سمعت امرأة العزيز إنكارهن عليها واغتيابهن إياها بعثت إليهن تدعوهن ليرين يوسف فيعذرنها، وهَيَّأت لهن محلًّا فيه فراش ووسائد، وأعطت كل واحدة من المدعوات سكينًا تقطع به الطعام، وقالت ليوسف ﵇: اخرج عليهن، فلما نظرن إليه أعظمنه، واندهشن لحسنه، وانبهرن بجماله، وجرَّحن أيديهن من شدة الانبهار به بالسكاكين المعدّة لقطع الطعام، وقلن: تنزه الله، ليس هذا الغلام بشرًا، فما هو فيه من الجمال لم يُعْهد في البشر، ليس إلا مَلَكًا كريمًا من الملائكة الكرام.
٣٢ - قالت امرأة العزيز للنسوة لما رأت ما أصابهن: هذا هو الفتى الَّذي عَيَّرتُنَّني بسبب حبه، ولقد طلبته، واحتَلْتُ لإغوائه، فامتنع، ولئن لم يفعل ما أطلب منه مستقبلًا ليدخلنّ السجن، وليكونن من الولاء.
٣٣ - قال يوسف ﵇ داعيًا ربه: يا رب، السجن الَّذي هددتني به أحب إليَّ مما يدعونني إليه من فعل الفاحشة، وإذا لم تكشف عني مكرهن أَمِل إليهن، وأكن من الجاهلين إن مِلْتُ إليهن، وطاوعتهن فيما يردن مني.
٣٤ - فأجاب الله دعوته، وكشف عنه مكر امرأة العزيز ومكر نسوة المدينة، إنه السميع لدعاء يوسف، ولدعاء كل داع، العليم بحال وحال غيره.
٣٥ - ثم كان من رأي العزيز وقومه لما شاهدوا الأدلة على براءته أن يسجنوه -حتَّى لا تنكشف الفضيحة- إلى مدة غير معلومة.
٣٦ - فسجنوه، ودخل معه غلامان في السجن، قال أحد الغلامين ليوسف: إني رأيت في المنام أني أعصر العنب ليصير خمرًا، وقال الثاني: إني رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطيور منه، أخبرنا -يا يوسف- بتفسير ما رأينا، إنا نراك من أهل الإحسان.
٣٧ - قال يوسف ﵇: لا يأتيكما طعام يجري عليكما من الملك أو غيره إلا بيَّنت لكما حقيقته وكيفيته قبل أن يأتيكما، ذلكما التأويل الَّذي أعلمه هو مما علَّمنيه ربي، لا من الكهانة ولا من التنجيم، إني تركت دين قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة كافرون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان جمال يوسف ﵇ الَّذي كان سبب افتتان النساء به.
• إيثار يوسف ﵇ السجن على معصية الله.
• من تدبير الله ليوسف ﵇ ولطفه به تعليمه تأويل الرؤى وجعلها سببًا لخروجه من بلاء السجن.
стр. 247
٣٨ - واتبعت دين آبائي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهو دين التوحيد لله، ما يصحّ لنا أن نشرك بالله غيره، وهو المنفرد بالوحدانية، ذلك التوحيد والإيمان الَّذي أنا عليه وآبائي هو من فضل الله علينا أن وفقنا له، ومن فضله على الناس جميعًا حين بعث إليهم الأنبياء به، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على نعمه، بل يكفرونه.
٣٩ - ثم خاطب يوسف الغلامين في السجن قائلًا: أعبادة آلهة متعددة خير، أم عبادة الله الواحد الَّذي لا شريك له، القهار لغيره، الَّذي لا يقهر؟
٤٠ - ما تعبدون من دون الله إلا أسماء على غير مسمَّيات، سمَّيتموها أنتم وآباؤكم آلهة، ليس لها في الألوهية نصيب، لم يُنْزِل الله بتسميتكم لها حجة تدل على صحتها، ليس الحكم في جميع المخلوقات إلا لله وحده، لا لهذه الأسماء التي سميتموها أنتم وآباؤكم، أمر الله سبحانه أن توحِّدوه بالعبادة، ونهى أن تشركوا معه غيره، ذلك التوحيد هو الدين المستقيم الَّذي لا اعوجاج فيه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، ولذلك يشركون بالله، فيعبدون بعض مخلوقاته.
٤١ - يا رفيقَي السجن، أما الَّذي رأى أنَّه يعصر عنبًا ليصير خمرًا فإنه يخرج من السجن، ويرجع إلى عمله، فيسقي الملك، وأما الَّذي رأى أن فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه فإنه يقتل ويصلب، فتأكل الطير من لحم رأسه، فرغ الأمر الَّذي طلبتما الفُتْيَا فيه وتم، فهو واقع لا محالة.
٤٢ - وقال يوسف للذي ظن أنَّه ناجٍ منهما -وهو ساقي الملك-: اذكر قصتي وشأني عند الملك؛ لعله يخرجني من السجن، فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف عند الملك، فمكث يوسف في السجن بعد ذلك عدة سنوات.
٤٣ - وقال الملك: إني رأيت في المنام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأيت سبع سنبلات خضر، وسبع سنبلات يابسات، يا أيها السادة والأشراف، أخبروني بتأويل رؤياي هذه إن كنتم عالمين بتأويل الرؤيا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب اتباع ملة إبراهيم، والبراءة من الشرك وأهله.
• في قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ ...﴾ دليل على أن هؤلاء المصريين كانوا أصحاب ديانة سماوية لكنهم أهل إشراك.
• كل الآلهة التي تُعبد من دون الله ما هي إلا أسماء -غير مسميات، ليس لها في الألوهية نصيب.
• استغلال المناسبات للدعوة إلى الله، كما استغلها يوسف ﵇ في السجن.
стр. 248
٤٤ - قالوا: رؤياك أخلاط أحلام، وما كان كذلك فلا تأويل له، ولسنا عالمين بتأويل الأحلام المختلطة.
٤٥ - وقال الساقي الَّذي نجا من الغلامين السجينين، وتذَكَّر يوسف ﵇ وما هو عليه من علم تأويل الرؤيا بعد مدة: أنا أخبركم بتأويل ما رآه الملك بعد سؤال من له علم بتأويلها، فابعثني -أيها الملك- إلى يوسف ليؤوِّل رؤياك.
٤٦ - فلما وصل الناجي إلى يوسف قال له: يا يوسف، أيها الصدِّيق، أخبرنا عن تأويل من رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأى سبع سنبلات خضر، ورأى سبع سنبلات يابسات؛ لعلي أرجع إلى الملك ومن عنده لعلهم يعلمون تعبير رؤيا الملك، ويعلمون فضلك ومكانتك.
٤٧ - قال يوسف ﵇ معبرًا هذه الرؤيا: تزرعون سبع سنين متتابعة بجدّ، فما حصدتم في كل سنة من تلك السنين السبع فاتركوه في سنابله منعًا له من التسوّس، إلا قليلًا مما تحتاجون لأكله من الحبوب.
٤٨ - ثم تجيء من بعد تلك السنين السبع المُخْصِبة التي زرعتم فيها، سبع سنين مجدبة يأكل الناس فيها كل ما حُصِد في السنين المُخْصِبة إلا قليلًا مما تحفظونه مما يكون بذرًا.
٤٩ - ثم يجيء بعد تلك السنين المجدبة عام تنزل فيه الأمطار، وتنبت الزروع، ويعصر فيه الناس ما يحتاج للعصر كالعنب والزيتون والقصب.
٥٠ - وقال الملك لأعوانه لما بلغه تعبير يوسف لرؤياه: أخرجوه من السجن، واتُوني به، فلما جاء يوسفَ رسولُ الملك قال له: ارجع إلى سيدك الملك فاسأله عن قصة النسوة اللاتي جرّحن أيديهن، حتَّى تظهر براءته قبل الخروج من السجن، إن ربي بما صنعن بي من المُرَاودة عليم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
٥١ - قال الملك مخاطبًا النسوة: ما شأنكن حين طلبتن يوسف بحيلة؛ ليعمل الفاحشة معكن؟ قالت زوجة العزيز مُقِرَّة بما صنعت: الآن يظهر الحق، أنا حاولت إغواءه ولم يحاول إغوائي، وإنه لمن الصادقين فيما ادعاه من براءته مما رميته به.
٥٢ - قالت امرأة العزيز: ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا الَّذي راودته، وأنه صادق أني لم أفترِ عليه في غيابه، فقد تبين لي مما حصل أن الله لا يوفق من يكذب ويمكر.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من كمال أدب يوسف أنَّه أشار لحَدَث النسوة ولم يشر إلى حَدَث امرأة العزيز.
• كمال علم يوسف ﵇ في حسن تعبير الرؤى.
• مشروعية تبرئة النفس مما نُسب إليها ظلمًا، وطلب تقصّي الحقائق لإثبات الحق.
• فضيلة الصدق وقول الحق ولو كان على النفس.
стр. 249
٥٣ - وواصلت امرأة العزيز كلامها قائلة: وما أنزه نفسي عن إرادة السوء، وما أردت بذلك تزكية نفسي؛ لأن شأن النفس البشرية كثرة الأمر بالسوء لميلها إلى ما تشتهيه وصعوبة كفها عنه، إلا ما ﵀ من النفوس، فعصمها من الأمر بالسوء، إن ربي غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
٥٤ - قال الملك لأعوانه لما تبين براءة يوسف وعلمه: جيئوني به أجعله خالصًا لنفسي، فجاؤوه به، فلما كلَّمه، وتبين له علمه وعقله قال له: إنك -يا يوسف- قد صِرتَ اليوم عندنا صاحب مكانة وجاه ومؤتمنًا.
٥٥ - قال يوسف للملك: ولّني على حفظ خزائن المال والأقوات في أرض مصر، فإني خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه.
٥٦ - وكما مَنَنَّا على يوسف بالبراءة والخلاص من السجن مننَّا عليه بالتمكين له في مصر، ينزل ويقيم في أي مكان شاء، نعطي من رحمتنا في الدنيا من نشاء من عبادنا، ولا نضيع ثواب المحسنين، بل نوفيهم إياه كاملًا غير منقوص.
٥٧ - ولَثوابُ الله الَّذي أعدّه في الآخرة خير من ثواب الدنيا للذين آمنوا بالله وكانوا يتقونه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
٥٨ - وقدم إخوة يوسف إلى أرض مصر ببضاعة لهم، فدخلوا عليه، فعرف أنهم إخوته، ولم يعرفوا أنَّه أخوهم؛ لطول المدة وتغير هيئته؛ لأنه كان صبيًّا حين رموه في البئر.
٥٩ - ولما أعطاهم ما طلبوه من المِيرَة والزاد، قال بعد أن أخبروه أن لهم أخًا من أبيهم تركوه عند أبيه: جيئوني بأخيكم من أبيكم أزدكم حمل لعير، ألا ترون أني أكمل الكيل ولا أنقصه، وأنا خير المضيفين.
٦٠ - فإن لم تجيئوني به تبين كذبكم في دعواكم أن لكم أخًا من أبيكم، فلن أكيل لكم طعامًا، ولا تقربوا بلدي.
٦١ - فأجابه إخوته قائلين: سنطلبه من أبيه، ونجتهد في ذلك، وإنا لفاعلون ما أمرتنا به دون تقصير.
٦٢ - وقال يوسف لعُمَّاله: ردوا بضاعة هؤلاء إليهم حتَّى يعرفوا عند عودتهم أننا لم نَبْتَعْها منهم، وهذا يجبرهم على الرجوع ثانية ومعهم أخوهم؛ ليثبتوا ليوسف صدقهم، ويقبل منهم بضاعتهم.
٦٣ - فلما رجعوا إلى أبيهم، وقصوا عليه ما كان من إكرام يوسف لهم قالوا: يا أبانا مُنِع منا الكيل إن لم نأت بأخينا معنا فابعثه معنا، فإنك إن بعثته معنا نكتل الطعام، وإنا لنتعهد لك بحفظه حتَّى يرجع إليك سالمًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من أعداء المؤمن: نفسه التي بين جنبيه؛ لذا وجب عليه مراقبتها وتقويم اعوجاجها.
• اشتراط العلم والأمانة فيمن يتولى منصبًا يصلح به أمر العامة.
• بيان أن ما في الآخرة من فضل الله، إنما هو خير وأبقى وأفضل لأهل الإيمان.
• جواز طلب الرجل المنصب ومدحه لنفسه إن دعت الحاجة، وكان مريدًا للخير والصلاح.
стр. 250
٦٤ - قال لهم أبوهم: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه الشقيق: يوسف من قبل؟! فقد أمنتكم عليه، وتعهدتم بحفظه، ولم تفوا بما تعهدتم به، فلا ثقة عندي بتعهدكم بحفظه، وإنما ثقتي بالله، فهو خير الحافظين لمن أراد حفظه، وأرحم الراحمين بمن أراد رحمته.
٦٥ - ولما فتحوا أوعية طعامهم الذي جلبوه وجدوا ثمنه رد إليهم، فقالوا لأبيهم: أي شيء نطلب من هذا العزيز بعد هذا الإكرام؛ وهذا ثمن طعامنا رده العزيز تفضلًا منه علينا، ونجلب الطعام لأهلنا، ونحفظ أخانا مما تخافه عليه، ونزداد كيل بعير بسبب اصطحابه، فزيادة كيل بعير أمر سهل عند العزيز.
٦٦ - قال لهم أبوهم: لن أبعثه معكم حتى تؤتوني عهد الله مؤكدًا أن تردوه إليَّ إلا إن أحاط هلاك بكم جميعًا , ولم يُبْقِ منكم أحدًا، ولم تقدروا على دفعه ولا الرجوع، فلما أعطوه عهد الله المؤكد على ذلك، قال: الله شهيد على ما نقول فتكفينا شهادته.
٦٧ - وقال لهم أبوهم موصيًا إياهم: لا تدخلوا مصر من باب واحد مجتمعين، لكن ادخلوا من أبواب متفرقة، فذلك أسلم من أن يعمّكم أحد بضرر إن أرادوه بكم، ولا أقول لكم ذلك لأدفع عنكم ضررًا أراده الله بكم، ولا لأجلب لكم نفعًا لم يرده الله، فالقضاء ليس إلا قضاء الله، والأمر ليس إلا أمره، عليه وحده توكلت في كل أموري، وعليه وحده فليتوكل المتوكلون في أمورهم.
٦٨ - فارتحلوا ومعهم أخوه الشقيق، ولما دخلوا من أبواب متفرقة كما أمرهم أبوهم ما كان يدفع عنهم دخولهم من أبواب متفرقة شيئًا مما قدره الله عليهم، إنما هي شفقة يعقوب على أولاده، أظهرها، ووصاهم بها، وهو يعلم أن لا قضاء إلا قضاء الله، فهو عالم بما علَّمناه من الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
٦٩ - ولما دخل إخوة يوسف على يوسف، ومعهم أخوه الشقيق، ضم إليه أخاه الشقيق، وقال له سرًّا: إني أنا أخوك الشقيق: يوسف، فلا تحزن لما كان يصنعه إخوتك من الأعمال الطائشة؛ من إيذاء وحقد علينا، وإلقائهم إياي في البئر.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأمر بالاحتياط والحذر ممن أُثِرَ عنه غدرًا (لَا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ).
• من وجوه الاحتياط التأكد بأخذ المواثيق المؤكدة باليمين، وجواز استحلاف المخوف منه على حفظ الودائع والأمانات.
• يجوز لطالب اليمين أن يستثني بعض الأمور التي يرى أنها ليست في مقدور من يحلف اليمين.
• من الأخذ بالأسباب الاحتياط من المَعَاطِب.
стр. 251
٧٠ - فلما أمر يوسف خُدَّامه بتحميل إبل إخوته بالطعام جعل مكيال الملك الذي يكيل به الطعام للمُمْتارين في وعاء أخيه الشقيق دون علمهم توصُّلًا إلى إبقائه معه، فلما ارتحلوا عائدين إلى أهلهم نادى منادٍ في إثرهم: يا أصحاب الابل المحملة بالمِيرة، إنكم لسارقون.
٧١ - قال إخوة يوسف، وأقبلوا على المنادي في إثرهم ومن معه من أصحابه: ماذا ضاع منكم حتى تتهمونا بالسرقة؟
٧٢ - قال المنادي ومن معه من أصحابه لإخوة يوسف: ضاع منَّا صاع الملك الذي يكيل به، ولمن جاء بصاع الملك قبل التفتيش جُعْلٌ، وهو حمل جمل، وأنا ضامن له ذلك.
٧٣ - قال لهم إخوة يوسف: والله لقد علمتم نزاهتنا وبراءتنا، كما رأيتموه من أحوالنا، وأنَّا ما جئنا أرض مصر لنفسد فيها، وما كنا في حياتنا سارقين.
٧٤ - قال المنادي وأصحابه: فما جزاء من سرقه عندكم إن كنتم كاذبين في دعواكم البراءة من السرقة؟
٧٥ - قال لهم إخوة يوسف: جزاء السارق عندنا أن من وُجِد المسروق في وعائه يسلم برقبته للمسروق منه يسترِقه، مثل هذا الجزاء بالاسترقاق نجزي السارقين.
٧٦ - فأرجعوهم إلى يوسف لتفتيش أوعيتهم، فبدأ بتفتيش أوعية إخوته غير الأشقاء قبل تفتيش وعاء أخيه الشقيق سترًا للحيلة، ثم فتش وعاء شقيقه، وأخرج صاع الملك منه، كما كدنا ليوسف بتدبير وضع الصاع في وعاء أخيه، كدنا له أمرًا آخر أن يأخذ إخوته بعقاب بلدهم باسترقاق السارق، هذا الأمر لا يتحقق لو عمل بعقاب الملك للسارق الذي هو الضرب والتغريم، إلا أن يشاء الله تدبيرًا آخر فهو قادر عليه، نرفع مراتب من نشاء من عبادنا كما رفعنا مرتبة يوسف، وفوق كل صاحب علم من هو أعلم منه، وفوق عِلمِ الجميع عِلمُ الله الذي يعلم كل شيء.
٧٧ - قال إخوة يوسف: إن يسرق فلا عجب، فقد سرف أخ له شقيق من قبل سرقته هو، يعنون يوسف ﵇، فأخفى يوسف تأذّيه بقَوْلَتِهم هذه، ولم يظهرها لهم، قال لهم في نفسه: ما أنتم عليه من حسدٍ وصنيع سوءٍ سبق منكم، هو الشر بعينه في هذا المقام، والله تعالى أعلم بهذا الافتراء الذي يصدر منكم.
٧٨ - قال إخوة يوسف ليوسف: أيها العزيز، إن له والدًا شيخًا طاعنًا في السن يحبه كثيرًا، فأمسك أحدنا بدلًا منه، إنا نراك من المحسنين في معاملتنا ومعاملة غيرنا، فأحسن إلينا بذلك.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• جواز الحيلة التي يُتَوصَّل بها لإحقاق الحق، بشرط عدم الإضرار بالغير.
• يجوز لصاحب الضالة أو الحاجة الضائعة رصد جُعْل "مكافأة" مع تعيين قدره وصفته لمن عاونه على ردها.
• التغافل عن الأذى والإسرار به في النفس من محاسن الأخلاق.
стр. 252
٧٩ - قال يوسف ﵇: عياذًا بالله أن نظلم بريئًا بجرم ظالم، فنمسك غير من وجدنا صاع الملك في وعائه، إنا إن فعلنا ذلك لظالمون، حيث عاقبنا بريئًا، وتركنا جانيًا.
٨٠ - فلما يئسوا من إجابة يوسف لطلبهم انفردوا عن الناس للتشاور، قال أخوهم الكبير: أذكِّركم أن أباكم قد أخذ عليكم عهد الله مؤكدًا على أن تردوا إليه ابنه إلا أن يحاط بكم بما لا تقدرون على دفعه، ومن قبل ذلك قد فرطتم في يوسف، ولم تفوا بعهدكم لأبيكم فيه، فلن أترك أرض مصر حتى يسمح لي أبي بالرجوع إليه، أو يقضي الله لي بأخذ أخي، والله خير القاضين، فهو يقضي بالحق والعدل.
٨١ - وقال الأخ الكبير: عودوا إلى أبيكم، فقولوا له: إن ابنك سرق، فاسْتَرَقَّه عزيز مصر عقوبة له على سرقته، وما أخبرنا إلا بما علمناه من مشاهدتنا للصاع يخرج من وعائه، وما كان لنا علم بأنه يسرق، ولو علمنا ذلك ما عاهدناك على رده.
٨٢ - ولتتحقق من صدقنا اسأل -يا أبانا- أهل مصر التي كنا فيها، واسأل أصحاب القافلة التي جئنا معها يخبروك بما أخبرناك به، وإنا لصادقون حقًّا فيما أخبرناك به من سرقته.
٨٣ - قال لهم أبوهم: ليس الأمر كما ذكرتم من كونه سرق، بل زيّنت لكم أنفسكم أن تمكروا به كما مكرتم بأخيه يوسف من قبل، فصبري صبر جميل، لا شكوى فيه إلا إلى الله، عسى الله أن يعيدهم إليّ جميعًا: يوسف وشقيقه، وأخاهما الكبير، إنه سبحانه هو العليم بحالي، الحكيم في تدبيره لأمري.
٨٤ - وابتعد معرضًا عنهم، وقال: يا شدة حزني على يوسف، وصار سواد عينيه بياضًا من كثرة ما بكى عليه، فهو مملوء حزنًا وهمًّا، يكتم حزنه عن الناس.
٨٥ - قال إخوة يوسف لأبيهم: تالله لا تزال -يا أبانا- تذكر يوسف، وتتفجع عليه حتى يشتد بك المرض، أو تهلك فعلًا.
٨٦ - قال لهم أبوهم: ما أشكو ما أصابني من الهم والحزن إلا إلى الله وحده، وأعلم من لطف الله وإحسانه وإجابته للمضطر وجزائه للمصاب ما لا تعلمونه أنتم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لا يجوز أخذ برئء بجريرة غيره، فلا يؤخذ مكان المجرم شخص آخر.
• الصبر الجميل هو ما كانت فيه الشكوى لله تعالى وحده.
• على المؤمن أن يكون على تمام يقين بأن الله تعالى يفرج كربه.
стр. 253
٨٧ - قال لهم أبوهم: يا أبنائي، اذهبوا فتعرفوا من أخبار يوسف وأخيه، ولا تقنطوا من تفريج الله وتنفيسه عن عباده، إنه لا يقنط من تفريجه وتنفيسه إلا القوم الكافرون؛ لأنهم يجهلون عظيم قدرة الله وخَفِيَّ إفضاله على عباده.
٨٨ - فامتثَلُوا أمر أبيهم، , ذهبوا بحثًا عن يوسف وأخيه، فلما دخلوا على يوسف قالوا له: أصابتنا الشدة والفقر، وأتينا ببضاعة حقيرة زهيدة، فكِلْ لنا كيلًا وافيًا كما كنت تكيل لنا من قبل، وتصدَّق علينا بزيادة على ذلك أو بالتغاضي عن بضاعتنا الحقيرة، إن الله يجازي المتصدقين بأحسن الجزاء.
٨٩ - فلما سمع كلامهم رق لهم رحمة بهم، وعرَّفهم بنفسه قال لهم: قد علمتم ما فعلتم بيوسف وشقيقه حين كنتم جاهلين عاقبة ما فعلتم بهما؟!
٩٠ - فتفاجؤوا، وقالوا: أإنك أنت يوسف؟! قال لهم يوسف: نعم أنا يوسف، وهذا الذي ترون معي: أخي الشقيق، قد تفضَّل الله علينا بالخلاص مما كنا فيه، وبرفع القَدْر، إنه من يتق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويصبر على البلاء؛ فإن عمله من الإحسان، والله لا يضيع أجر المحسنين، بل يحفظه لهم.
٩١ - وقال له إخوته معتذرين عما صنعوا به: تالله لقد فضّلك الله علينا بما أعطاك من صفات الكمال، ولقد كنا فيما صنعنا بك مسيئين ظالمين.
٩٢ - فقبل يوسف اعتذارهم، وقال: لا لوم عليكم اليوم يقتضي عقابكم ولا توبيخ، أسأل الله أن يغفر لكم، وهو سبحانه أرحم الراحمين.
٩٣ - فأعطاهم قميصه لما أعلموه بما آل إليه بصر أبيه، وقال: اذهبوا بقميصي هذا، فاطرحوه على وجه أبي يَعُدْ له بصره، وأحضروا إليّ أهليكم كلهم.
٩٤ - ولما خرجت القافلة منطلقة من مصر، وفارقت العامر منها قال يعقوب ﵇ لأبنائه ولمن عنده في أرضه: إني لأشم رائحة يوسف، لولا أنكم تُجَهِّلونني وتنسبونني إلى الخرف بقولكم: هذا شيخ خَرِف، يقول ما لا يعلم.
٩٥ - قال من عنده من ولده: والله إنك لا تزال في توهمك السابق بشأن منزلة يوسف عندك وإمكانية رؤيته ثانية.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عظم معرفة يعقوب ﵇ بالله حيث لم يتغير حسن ظنه رغم توالي المصائب ومرور السنين.
• من خلق المعتذر الصادق أن يطلب التوبة من الله، ويعترف على نفسه ويطلب الصفح ممن تضرر منه.
• بالتقوى والصبر تنال أعظم الدرجات في الدنيا وفي الآخرة.
• قبول اعتذار المسيء وترك الانتقام، خاصة عند التمكن منه، وترك تأنيبه على ما سلف منه.
стр. 254
٩٦ - فلما جاء المُخْبِر بما يسرّ يعقوب ألقى قميص يوسف على وجهه فصار بصيرًا، عندئذ قال لأبنائه: ألم أقل لكم إني أعلم من لطف الله وإحسانه ما لا تعلمونه أنتم؟
٩٧ - قال أبناؤه معتذرين لأبيهم يعقوب ﵇ عما فعلوه بيوسف وأخيه: يا أبانا، اطلب من الله المغفرة لذنوبنا السابقة، إنا كنا مذنبين مسيئين فيما فعلناه بيوسف وشقيقه.
٩٨ - قال لهم أبوهم: سوف أطلب لكم المغفرة من ربي، إنه هو الغفور لذنوب التائبين من عباده، الرحيم بهم.
٩٩ - وخرج يعقوب وأهله من أرضهم قاصدين يوسف في مصر، فلما دخلوا عليه ضمّ إليه أباه وأمه قال لإخوته وأهلهم: ادخلوا مصر بمشيئة الله آمنين لا يصيبكم فيها أذى.
١٠٠ - وأجلس أبويه على السرير الذي يجلس عليه، وحيّاه أبواه وإخوته الأحد عشر بالسجود، وكان سجود تشريف لا عبادة، تحقيقًا لأمر الله كما في الرؤى، لذا قال يوسف ﵇ لأبيه: هذه التحية بالسجود لي منكم هي تأويل رؤياي التي رأيتها من قبل وقصصتها عليك، قد صَيَّرها ربي حقًّا بوقوعها، وقد أحسن إليّ ربي حين أخرجني من السجن، وحين جاء بكم من البادية من بعد أن أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي، إن ربي لطيف في تدبيره لما يشاء، إنه هو العليم بأحوال عباده، الحكيم في تدبيره.
١٠١ - ثم دعا يوسف ربه، فقال: يا رب، قد أعطيتني ملك مصر، وعلّمتني تعبير الرؤى، يا خالق السماوات والأرض ومبدعهما على غير مثال سابق، أنت متولي جميع أموري في الحياة الدنيا، ومتولي جميعها في الآخرة، اقبضني عند انتهاء أجلي مسلمًا، وألحقني بالأنبياء الصالحين من آبائي وغيرهم في الفروس الأعلى من الجنة.
١٠٢ - ذلك المذكور من قصة يوسف وإخوته نوحيه إليك -أيها الرسول- لم يكن لك علم به، إذ لم تكن حاضرًا عند إخوة يوسف حين عزموا على إلقائه في قعر البئر، ودبروا ما دبروا من الحيلة، ولكنا أوحينا إليك ذلك.
١٠٣ - وما أكثر الناس بمؤمنين ولو بذلت -أيها الرسول- كل جهد ليؤمنوا، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بر الوالدين وتبجيلهما وتكريمهما واجب، ومن ذلك المسارعة بالبشارة لهما فيما يدخل السرور عليهما.
• التحذير من نزغ الشيطان، ومن الذي يسعى بالوقيعة بين الأحباب؛ ليفرق بينهم.
• مهما ارتفع العبد في دينه أو دنياه فان ذلك كله مرجعه إلى تفضّل الله تعالى وإنعامه عليه.
• سؤال الله حسن الخاتمة والسلامة والفوز يوم القيامة والالتحاق برفقة الصالحين في الجنان.
стр. 255
١٠٤ - ولو عقلوا لآمنوا بك؛ لأنك لم تطلب منهم -أيها الرسول- على القرآن ولا على ما تدعوهم إليه ثوابًا، فليس القرآن إلا تذكيرًا لجميع الناس.
١٠٥ - وكثيرة هي الآيات الدالة على توحيده سبحانه مبثوثة في السماوات وفي الأرض، يمرون عليها وهم عن التأمل فيها والاعتبار بها معرضون لا يلتفتون إليها.
١٠٦ - وما يؤمن أكثر الناس بالله أنه الخالق الرازق المحيي المميت إلا وهم يعبدون معه غيره من الأصنام والأوثان، ويدّعون أن له ولدًا، سبحانه.
١٠٧ - أفأمن هؤلاء المشركون أن تأتيهم عقوبة في الدنيا تغمرهم وتُظَلِّلُهم لا يستطيعون دفعها، أو تأتيهم الساعة فجأة، وهم لا يحسون بإتيانها فيستعدوا لها، فلذلك لم يؤمنوا؟!
١٠٨ - قل -أيها الرسول- لمن تدعوه: هذه طريقي التي أدعو الناس إليها، على حجة واضحة أدعو إليها أنا، ويدعو إليها من اتبعني، واهتدى بهديي، واستن بسُنَّتي، ولست من المشركين بالله، بل أنا من الموحدين له سبحانه.
١٠٩ - وما بعثنا من قبلك -أيها الرسول- إلا رجالًا من البشر لا ملائكة، نوحي إليهم كما أوحينا إليك، من أهل المدن لا من أهل البوادي، فكذبتهم أممهم فأهلكناها، أفلم يَسِرْ هؤلاء المكذبون بك في الأرض فيتأملوا كيف كانت نهاية المكذبين من قبلهم فيعتبروا بهم؟! وما في الدار الآخرة من النعيم خير للذين اتقوا الله في الدنيا، أفلا تعقلون أن ذلك خير فتتقوا الله بامتثال أوامره -وأعظمها الإيمان- وباجتناب نواهيه، وأكبرها الشرك بالله.
١١٠ - هؤلاء الرسل الذين نرسلهم نمهل أعداءهم، ولا نعاجلهم العقوبة استدراجًا لهم، حتى إذا تأخر إهلاكهم، ويئس الرسل من هلاكهم، وظن الكفار أن رسلهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به من العقاب للمكذبين، وإنجاء المؤمنين؛ جاء نصرنا لرسلنا، ونجِّي الرسل والمؤمنون من الهلاك الواقع على المكذبين، ولا يرد عذابنا عن القوم المجرمين عندما ننزله بهم.
١١١ - لقد كان في قصص الرسل وقصص أممهم، وفي قصة يوسف وإخوته موعظة يتعظ بها أصحاب العقول السليمة، ما كان القرآن المشتمل على ذلك كلامًا مختلقًا مكذوبًا على الله، ولكن كان تصديقًا للكتب السماوية المنزلة من عند الله، وتفصيلًا لكل ما يُحتاج إلى تفصيله من الأحكام والشرائع، وإرشادًا لكل خير، ورحمة لقوم يؤمنون به، فهم الذين ينتفعون بما فيه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من فضل الله تعالى أنه يُطْلع أنبياءه على بعض من أمور الغيب لغايات وحكم.
• أن الداعية لا يملك تصريف قلوب العباد وحملها على الطاعات، وأن أكثر الخلق ليسوا من أهل الهداية.
• ذم المعرضين عن آيات الله الكونية ودلائل توحيده المبثوثة في صفحات الكون.
• شملت هذه الآية ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ...﴾. ذكر بعض أركان الدعوة، ومنها:
أ- وجود منهج: ﴿ادْعُوَاْ إِلَى اللهِ﴾.
ب - ويقوم المنهج على العلم: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾.
ج - وجود داعية: ﴿أَدْعُوا﴾ ﴿أَنَا﴾.
د - وجود مَدْعُوِّين: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.
стр. 256
سورة الرعد
مدنية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان حقيقة القوة والقدرة الإلهية ومظاهرها، وإثبات الوعد والوعيد وسُنَّة الله في التغيير والتبديل.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿المر﴾. تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. هذه الآيات الرفيعة في هذه السورة، والقرآن الذي أنزله الله عليك -أيها الرسول- هو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك أنه من عند الله، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون به عنادًا وتكبرًا.
٢ - الله هو الذي خلق السماوات مرفوعات دون دعائم تشاهدونها، , علا وارتفع على العرش علوًا يليق به سبحانه من غير تكييف ولا تمثيل، وذَلَّل الشمس والقمر لمنافع خلقه، كل من الشمس والقمر يجري لأمد محدد في علم الله، يصرف سبحانه الأمر في السماوات والأرض بما يشاء، يبين الآيات الدالة على قدرته رجاء أن توقنوا بلقاء ربكم يوم القيامة، فتستعدوا له بالعمل الصالح.
٣ - وهو سبحانه الذي بسط الأرض، وخلق فيها جبالًا ثوابت حتى لا تضطرب بالناس، ومن كل أنواع الثمرات جعل فيها صنفين كالذكر والأنثى في الحيوان، يلبس الليل النهار، فيصير مظلمًا بعدما كان منيرًا، إن في ذلك المذكور لأدلة وبراهين لقوم يتفكرون في صنع الله، ويتأملون فيه، فهم الذين ينتفعون بتلك الأدلة والبراهين.
٣ - وفي الأرض بقاع متقاربة، وفيها بساتين من أعناب، وفيها زرع، ونخلات مجتمعة في أصل واحد، ونخلات منفردات بأصلها، تُسْقَى هذه البساتين وتلك الزروع بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الطعم وغيره من الفوائد على رغم تجاورها وسقيها بماء واحد، إن في ذلك المذكور لأدلة وبراهين لقوم يعقلون؛ لأنهم هم الذين يعتبرون بذلك.
٤ - وإن تتعحب -أيها الرسول- من شيء، فأحق ما تتعجب منه تكذيبهم بالبعث، وقولهم احتجاجًا لإنكاره: أإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا بالية نخرة أنُبْعَث ونُعاد أحياء؟! أولئك المنكرون للبعث بعد الموت الذين كفروا بربهم فأنكروا قدرته على بعث الموتى، وأولئك توضع السلاسل من النار في أعناقهم يوم القيامة، وأولئك هم أصحاب النار، وهم فيها ماكثون أبدًا، لا يلحقهم فناء، ولا ينقطع عنهم العذاب.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إثبات قدرة الله والتعجب من خلقه للسماوات على غير أعمدة تحملها، وهذا مع عظيم خلقتها واتساعها.
• إثبات قدرة الله وكمال ربوبيته ببرهان الخلق، إذ ينبت النبات الضخم، ويخرجه من البذرة الصغيرة، ثم يسقيه من ماء واحد، ومع هذا تختلف أحجام وألوان ثمراته وطعمها.
• أن إخراج الله تعالى للأشجار الضخمة من البذور الصغيرة، بعد أن كانت معدومة، فيه رد على المشركين في إنكارهم للبعث؛ فإن إعادة جمع أجزاء الرفات المتفرقة والمتحللة في الأرض، وبعثها من جديد، بعد أن كانت موجودة، هو بمنزلة أسهل من إخراج المعدوم من البذرة.
стр. 257
٦ - ويستعجلك -أيها الرسول- المشركون بالعقوبة، ويستبطؤون نزولها بهم قبل استكمالهم النعم التي قدرها الله لهم، وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من الأمم المكذبة، فلم لا يعتبرون بها؛ وإن ربك -أيها الرسول- لذو تجاوز للناس مع ظلمهم، فلا يعاجلهم بالعقاب ليتوبوا إلى الله، وإنه لقوي العقاب للمُصِرِّين على كفرهم إن لم يتوبوا.
٧ - ويقول الذين كفروا بالله - تماديًا في الصدود والعناد-: هلّا أنزل على محمد آية من ربه مثل ما أنزل على موسى وعيسى. إنما أنت -أيها الرسول- منذر تخوف الناس من عذاب الله، وليس لك من الآيات إلا ما أعطاك الله، ولكل قوم نبي برشدهم إلى طريق الحق، ويدلهم عليه.
٨ - الله يعلم ما تحمل كل أنثى في بطنها، يعلم كلَّ شيء عنه، ويعلم ما يحصل في الأرحام من نقص وزيادة وصحة واعتلال، وكل شيء عنده سبحانه مُقَدَّر بمقدار لا يزيد عليه ولا ينقص عنه.
٩ - لأنه سبحانه عالم كل ما غاب عن حواس خلقه، وعالم كل ما تدركه حواسهم، العظيم في صفاته وأسمائه وأفعاله، المستعلي على كل مخلوق من مخلوقاته بذاته وصفاته.
١٠ - يعلم السر وأخفى، يستوي في علمه من أخفى منكم - أيها الناس - القول، ومن أعلنه، ويسوي في علمه كذلك من هو مستتر بظلمة الليل عن أعين الناس، ومن هو ظاهر بأعماله في وَضَح النهار.
١١ - له ملائكة يَعْقبُ بعضهم بعضًا على الإنسان، فيأتي بعضهم بالليل، وبعضهم بالنهار، يحفظون الإنسان بأمر الله من جملة الأقدار التي كتب الله لهم منعها عنه، ويكتبون أقواله وأعماله، إن الله لا يغير ما بقوم من حال طيبة إلى حال غيرها لا تسرهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من حال الشكر، وإذا أراد لله سبحانه بقوم هلاكًا فلا راد لما أراده، وما لكم - أيها الناس - من دون الله من متولّ يتولى أموركم، فتلجؤوا إليه لدفع ما أصابكم من بلاء.
١٢ - هو الذي يريكم - أيها الناس - البرق، ويجمع لكم به الخوف من الصواعق، والطمع في المطر، وهو الذي ينشئ السحاب المثقل بماء المطر الغزير.
١٣ - ويسبح الرعدُ ربَّه تسبيحًا مقرونًا بحمده سبحانه، وتسبح الملائكةُ ربِّها خوفًا منه وإجلالًا وتعظيمًا له، ويرسل الصواعق المحرقة على من يشاء من مخلوقاته فيهلكه، والكفار يخاصمون في وحدانية الله، والله شديد الحول والقوة، لمن عصاه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عظيم مغفرة الله وحلمه عن خطايا بني آدم، فهم يستكبرون وَيتَحَدَّوْنَ رسله وأنبياءه، ومع هذا يرزقهم ويعافيهم ويحلم عنهم.
• سعة علم الله تعالى بما في ظلمة الرحم، فهو يعلم أمر النطفة الواقعة في الرحم، وصَيْرُورتها إلى تخليق ذكر أو أنثى، وصحته واعتلاله، ورزقه وأجله، وشقي أو سعيد، فعلمه بها عام شامل.
• عظيم عناية الله ببني آدم، وإثبات وجود الملائكة التي تحرسه وتصونه وغيرهم مثل الحَفَظَة.
• أن الله تعالى يغير حال العبد إلى الأفضل متى ما رأى منه اتباعًا لأسباب الهداية، فهداية التوفيق منوطة باتباع هداية البيان.
стр. 258
١٤ - لله وحده دعوة التوحيد لا يشاركه فيها أحد، والأصنام التي يدعوها المشركون من دونه لا تستجيب دعاء من يدعوها في أي مسألة، وما دعاؤهم لها إلا مثل عطشان يبسط يده إلى الماء ليصل إلى فيه فيشرب منه، وما لأصنامهم الا في ضياع وبُعدٍ عن الصواب؛ لأنها لا تملك لهم جلب نفع، دفع ضر.
١٥ - ولله وحده يخضع بالسجود جميع من في السماوات ومن في الأرض، يستوي في ذلك المؤمن والكافر، غير أن المؤمن يخضع له ويسجد طوعًا، وأما الكافر فيخضع له كرهًا، وتملي عليه فطرته أن يخضع له طوعًا، وله ينقادُ ظِلُّ كل ما له ظل من المخلوقات أول النهار وآخره.
١٦ - قل -أيها الرسول- للكفار الذين يعبدون مع الله غيره: من خالق السماوات والأرض ومدبر أمرهما؟ قل -أيها الرسول-: الله هو خالقهما ومدبر أمرهما، وأنتم تقرون بذلك، قل -أيها الرسول- لهم: أفأتخذتم لأنفسكم أولياء من دون الله عاجزين لا يستطيعون جلب نفع لأنفسهم، ولا كشف ضر عنها، فأنى لهم أن يستطيعوا ذلك لغيرهم؟ قل لهم -أيها الرسول-: هل يستوي الكافر الذي هو أعمى البصيرة، والمؤمن الذي هو البصير المهتدي؟ أم هل يستوي الكفر الذي هو ظلمات، والإيمان الذي هو نور؟ أم جعلوا لله سبحانه شركاء معه في الخلق خلقوا مثل خلق الله، فاختلط عندهم خلق الله بخلق شركائهم؟ قل لهم -أيها الرسول-: الله وحده هو خالق كل شيء لا شريك له في الخلق، وهو المنفرد بالألوهية، الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، القهار.
١٧ - ضرب الله مثلًا لتلاشي الباطل وبقاء الحق بماء مطر نازل من السماء حتى سالت به الأودية، كلٌّ حسب حجمه صغرًا وكبرًا، فحمل السيل الغُثَاء والرَّغْوَة مرتفعًا فوق الماء، وضرب مثلًا آخر لهما ببعض ما يوقد الناس عليه من المعادن النفيسة ابتغاء صهرها وصنع ما يتزين الناس به، بمثل هذين المثلين يضرب الله مثل الحق والباطل، فالباطل مثل الغُثَاء والزَّبَد الطافي على الماء، ومثل ما ينفيه صهر المعدن من الصدأ، والحق مثل الماء الصافي الذي يشرب منه، وينبت الثمار والكلأ والعشب، ومثل ما بقي من المعدن بعد صهره فينتفع الناس به، كما ضرب الله هذين المثلين يضرب الله الأمثال للناس؛ ليتضح الحق من الباطل.
١٨ - للمؤمنين الذين أجابوا ربهم لما دعاهم لتوحيده وطاعته المثوبة الحسنى وهي الجنة، والكفار الذين لم يجيبوا دعوته إلى توحيده وطاعته لو اتفق أن لهم ما في الأرض من أنواع المال، ولهم مثله مضافًا إليه؛ لبذلوا كل ذلك فداءً لأنفسهم من العذاب، أولئك الذين لم يجيبوا دعوته يحاسبون على سيئاتهم كلها، ومسكنهم الذي يأوون إليه جهنم فراشهم ومستقرهم الذي هو النار.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان ضلال المشركين في دعوتهم واستغاثتهم بغير الله تعالى، وتشبيه حالهم بحال من يريد الشرب فيبسط يده للماء بلا تناول له، وليس بشارب مع هذه الحالة؛ لكونه لم يتخذ وسيلة صحيحة لذلك.
• أن من وسائل الإيضاح في القرآن: ضرب الأمثال وهي تقرب المعقول من المحسوس، وتعطي صورة ذهنية تعين على فهم المراد.
• إثبات سجود جميع الكائنات لله تعالى طوعًا، أو كرهًا بما تمليه الفطرة من الخضوع له سبحانه.
стр. 259
١٩ - لا يستوي الذي يعلم أن ما أنزله الله عليك -أيها الرسول- من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه، وهو المؤمن المستجيب لله، ومن هو أعمى، وهو الكافر غير المستجيب لله، إنما يعتبر ويتعظ بذلك أصحاب العقول السليمة.
٢٠ - الذين استجابوا لله هم الذين يوفون بما عاهدوا الله عليه أو عاهدوا عليه عباده، ولا ينكثون العهود الموثقة مع الله، أو مع غيره.
٢١ - وهم الذين يَصِلُون كل ما أمر الله بوصله من الأرحام، ويخشون ربهم خشية تدفعهم إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويخافون أن يحاسبهم الله على كل ما اكتسبوه من الإثم، فمن نوقش الحساب هلك.
٢٢ - وهم الذين صبروا على طاعة الله، وعلى ما قدره الله عليهم مما يسر أو يسوء، وصبروا عن معصيته طلبًا لمرضاة الله، وأدوا الصلاة على أكمل وجه، وبذلوا مما أعطينا هم من الأموال الحقوق الواجبة، وبذلوا منها تطوعًا خفية للبعد عن الرياء، وجهرًا ليتأسَّى بهم غيرهم، ويدفعون سوء من أساء إليهم بالإحسان إليه، أولئك المتصفون بهذه الصفات لهم العاقبة المحمودة يوم القيامة.
٢٣ - هذه العاقبة المحمودة هي جنات يقيمون فيها مُنَعَّمِين إقامة دائمة، ومن تمام نعيمهم فيها أن يدخلها معهم من استقام من آبائهم وأمهاتهم وأزواجهم وأولادهم إكمالًا لأُنْسهم بلقائهم، والملائكة يدخلون عليهم مهنئين من جميع أبواب منازلهم في الجنة.
٢٤ - وتحييهم الملائكة كلما دخلوا عليهم بقولهم: سلام عليكم؛ أي: سلمتم من الآفات بسبب صبركم على طاعة الله، وعلى مُرِّ أقداره، وصِبركم عن معصيته، فنعم عاقبة الدار التي كانت عاقبتكم.
ولما ذكر الله صفات المؤمنين ثنى بصفات الكفار المعرضين، فقال:
٢٥ - والذين ينكثون عهد الله من بعد توكيده، ويقطعون ما أمر الله بوصله من الأرحام، أولئك البعداء الأشقياء لهم الطرد من رحمة الله، ولهم سوء العاقبة وهو النار.
٢٦ - الله يوسع في الرزق لمن يشاء، ويضيق على من يشاء من عباده، وليس توسيع الرزق علامة على السعادة ولا على محبة الله، ولا ضيقه علامة على الشقاء، وفرح الكفار بالحياة الدنيا فركنوا واطمأنوا إليها، وليست الحياة الدنيا في جنب الآخرة إلا متاعًا قليلًا ذاهبًا.
٢٧ - ويقول الذين كفروا بالله وبآياته: هلَّا أنزل على محمد آية حسّيّة من ربه تدل على صدقه، فنؤمن به، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المقترحين: إن الله يضل من يشاء بعدله، ويهدي إليه من رجع إليه بالتوبة بفضله، وليست الهداية بأيديهم حتى يربطوها بإنزال الآيات.
٢٨ - هؤلاء الذين يهديهم الله هم الذين آمنوا، وتستأنس قلوبهم بذكر الله بتسبيحه وتحميده، وبتلاوة كتابه ألا بذكر الله وحده تستأنس القلوب، خَلِيق بها ذلك.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الترغيب في جملة من فضائل الأخلاق الموجبة للجنة، ومنها: حسن الصلة، وخشية الله تعالى، والوفاء بالعهود، والصبر والإنفاق، ومقابلة السيئة بالحسنة والتحذير من ضدها.
• أن مقاليد الرزق بيد الله ، وأن توسعة الله تعالى أو تضييقه في رزق عبد ما لا ينبغي أن يكون موجبًا لفرح أو حزن، فهو ليس دليلًا على رضا الله أو سخطه على ذلك العبد.
• أن الهداية ليست بالضرورة مربوطة بإنزال الآيات والمعجزات التي اقترح المشركون إظهارها.
• من آثار القرآن على العبد المؤمن أنه يورثه طمأنينة في القلب.
стр. 260
٢٩ - وهؤلاء الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله، لهم عيش طيب في الآخرة، ولهم العاقبة الحسنة وهي الجنة.
٣٠ - مثل هذا الإرسال الذي أرسلنا به الرسل السابقين إلى أممهم؛ أرسلناك -أيها الرسول- إلى أمتك؛ لتقرأ عليهم القرآن الذي أوحيناه إليك، فهو كاف في الدلالة على صدقك، لكن حال قومك أنهم يجحدون هذه الآية؛ لأنهم يكفرون بالرحمن حيث يشركون معه غيره، قل لهم -أيها الرسول-: الرحمن الذي تشركون به غيره هو ربي الذي لا معبود بحق غيره، عليه توكلت في جميع أموري، وإليه توبتي.
٣١ - ولو كان من صفات كتاب من الكتب الإلهية أن تزال به الجبال عن أماكنها، أو تشقق به الأرض فتستحيل أنهارًا وعيونًا، أو يقرأ على الموتى فيصيروا أحياء -لكان هذا القرآن المنزل عليك -أيها الرسول- فهو واضح البرهان، عظيم التأثير لو أنهم كانوا أتقياء القلوب، لكنهم جاحدون. بل لله الأمر كله في إنزال المعجزات وغيرها، أفلم يعلم المؤمنون بالله أنَّه لو يشاء الله هداية الناس جميعًا دون إنزال آيات لهداهم جميعًا دونها؛ لكنه لم يشأ ذلك، ولا حال الذين كفروا بالله تصيبهم بما عملوا من الكفر والمعاصي داهية شديدة تقرعهم، أو تنزل تلك الداهية قريبًا من دارهم، حتى يأتي وعد الله بنزول العذاب المتصل، إن الله لا يترك إنجاز ما وعد به إذا جاء وقته المحدد له.
٣٢ - ولستَ أول رسول كذب به قومه وسخروا منه، فقد استهزأت أمم من قبلك -أيها الرسول- برسلها وكذبوا بهم، فأمهلت الذين كفروا برسلهم حتى ظنوا أني غير مهلكهم، ثم أخذتهم بعد الإمهال بصنوف العذاب، فكيف رأيت عقابي لهم؟ لقد كان عقابًا شديدًا.
٣٣ - أفمن هو قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق رقيب على كل نفس بما كسبت من عمل، فيجازيها على أعمالها، أولى أن يُعْبد، أم هذه الأصنام التي لا حق لها أن تعبد؟ وقد جعلها الكفار شركاء لله ظلمًا وزورًا، قل لهم -أيها الرسول-: سموا لنا الشركاء الذين عبدتموهم مع الله إن كنتم صادقين في دعواكم، أم تخبرون الله بما لا يعلم في الأرض من الشركاء, أم تخبرونه بظاهر من القول حقيقة له؟ بل حسّن الشيطان للذين كفروا تدبيرهم السيئ، فكفروا بالله، وصرفهم عن سبيل الرشاد والهداية، ومن يضلل الله عن سبيل الرشاد فليس له من هاد يهديه.
٣٤ - لهم عذاب في الحياة الدنيا بما ينالهم من القتل والأسر على أيدي المؤمنين، ولعذاب الآخرة الذي ينتظرهم أشدّ عليهم وأثقل من عذاب الدنيا؛ لما فيه من الشدة والدوام الذي لا ينقطع، وليس لهم مانع يحميهم من عذاب الله يوم القيامة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أن الأَصل في كل كتاب منزل أنه جاء للهداية، وليس لاستنزال الآيات، فذاك أمر لله تعالى يقدره متى شاء وكيف شاء.
• تسلية الله تعالى للنبي ﷺ ، وأحاطته علمًا أن ما يسلكه معه المشركون من طرق التكذيب، واجهه أنبياء سابقون.
• يصل الشيطان في إضلال بعض العباد إلى أن يزين لهم ما يعملونه من المعاصي والإفساد.
стр. 261
٣٥ - صف الجنة التى وعد الله بها المتقين له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه أنها تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ثمارها دائمة عكس ثمار الدنيا، وظلها دائم لا يزول، ولا يتقلص، تلك هي عاقبة الذين اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعاقبة الكافرين النار يدخلونها ماكثين فيها أبدًا.
٣٦ - والذين أعطيناهم التوراة من اليهود، والذين أعطيناهم الإنجيل من النصارى، يفرحون بما أنزل عليك -أيها الرسول- لموافقته لبعض ما أنزل عليهم، ومن طوائف اليهود والنصارى من ينكر بعض ما أنزل إليك مما لا يتفق مع أهوائهم، أو مما يصفهم بالتبديل والتحريف، قل لهم -أيها الرسول-: إنما أمرني الله أن أعبده وحده, ولا أشرك به غيره، إليه وحده أدعو ولا أدعو غيره، وإليه وحده مرجعي، وبهذا جاءت التوراة والإنجيل.
٣٧ - ومثل إنزالنا الكتب السابقة بالسنة أقوامها أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن قولًا فصلًا مبينًا للحق عربيًّا، ولئن اتبعت -أيها الرسول- أهواء أهل الكتاب في مساومتهم لك بحذف ما لا يتفق مع أهوائهم بعدما جاءك من العلم الذي علمك الله إياه، فليس لك من الله ولي يتولى أمرك، وينصرك على أعدائك، وليس لك مانع يمنعك من عذابه.
٣٨ - ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك -أيها الرسول- من البشر، فلست بدعًا من الرسل، وجعلنا لهم أزواجًا، وجعلنا لهم أولادًا كسائر البشر، ولم نجعلهم ملائكة لا يتزوجون ولا ينجبون، وأنت من هؤلاء الرسل الذين هم بشر يتزوجون وينجبون، فلماذا يعجب المشركون من كونك كذلك؟ ولا يصح لرسول أن يأتي من عنده بآية إلا إن أذن الله بإتيانه بها، لكل أمر قضاه الله كتاب ذكر فيه ذ لك، وأجل لا يتقدم ولا يتأخر.
٣٩ - يزيل الله ما يشاء إزالته من خير أو شر أو سعادة أو شقاء وغيرها، ويثبت ما يشاء منها، وعنده اللوح المحفوظ، فهو مرجع كل ذلك، وما يظهر من محو أو إثبات مطابق لما هو فيه.
٤٠ - وإن أريناك -أيها النبي- بعض ما نعدهم به من العذاب قبل موتك فذلك إلينا، أو أمتناك قبل أن نريك إياه فليس عليك إلا تبليغ ما أمرناك بتبليغه، وليس عليك مجازاتهم ولا محاسبتهم، فذلك علينا.
٤١ - أوَلم يشاهد هؤلاء الكفار أنا نأتي أرض الكفر ننقصها من أطرافها بنشر الإسلام، وفتح المسلمين لها، والله يحكم ويقضي بما يشاء بين عباده، ولا أحد يتعقب حكمه بنقض أو تغيير أو تبديل، وهو سبحانه سريع الحساب، يحاسب الأولين والآخرين في يوم واحد.
٤٢ - وقد مكرت الأمم السابقة بأنبيائها، وكادت لهم، وكذبوا بما جاؤوا به، فماذا فعلوا بتدبيرهم لهم؟ لا شيء؛ لأن التدبير الفاعل هو تدبير الله لا غيره، كما أنه سبحانه هو الذي يعلم ما تكسبه نفوسهم ويجازيهم عليه، وعندئذ سيعلمون كم كانوا مخطئين في عدم الإيمان بالله، وكم كان المؤمنون مصيبين، فحازوا بذلك الجنة والعاقبة الحسنة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الترغيب في الجنة ببيان صفتها، من جريان الأنهار وديمومة الرزق والظل.
• خطورة اتباع الهوى بعد ورود العلم وأنه من أسباب عذاب الله.
• بيان أن الرسل بشر، لهم أزواج وذريات، وأن نبينا ﷺ ليس بدعًا بينهم، فقد كان مماثلًا لهم في ذلك.
стр. 262
٤ ٣ - ويقول الذين كفروا: لست -يا محمد- مرسلًا من الله، قل لهم -أيها الرسول-: كفى بالله شاهدًا بيني وبينكم على أني مرسل من ربي إليكم، ومن عنده علم من الكتب السماوية التي جاء فيها نَعْتِي، ومن كان الله شاهدًا بصدقه، فلا يضره تكذيب من كذّب.
سُوُرَةُ إِبْرَاهِيمَ
مَكيَّة
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان وظيفة الرسل وحرصهم على إخراج الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، في مقابل إعراض أقوامهم، تثبيتًا للنبي ﷺ وتوعدًا للظالمين.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿الر﴾ تقدّم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك -أيها الرسول- لتخرج الناس من الكفر والجهل والضلالة إلى الإيمان والعلم والهداية إلى دين الإسلام الذي هو طريق الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، المحمود في كل شيء.
٢ - الله الذي له وحده ملك ما في السماوات، وله وحده ملك ما في الأرض، فهو المستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به شيء من خلقه، وسينال الذين كفروا عذابٌ قوي.
٣ - الذين كفروا يُؤثِرون الحياة الدنيا وما فيها من نعيم زائل على الآخرة وما فيها من نعيم دائم، ويصرفون الناس عن طريق الله، ويطلبون لطريقه التشويه والزيغ عن الحق والميل عن الاستقامة حتى لا يسلكها أحد، وأولئك المتصفون بتلك الصفات في ضلال بعيد عن الحق والصواب.
٤ - وما بعثنا من رسول إلا بعثناه مُتَحدِّثًا بلنة قومه؛ ليسهل عليهم فهم ما جاء به من عند الله، ولم نبعثه لإجبارهم على الإيمان بالله، فالله يضل من يشاء بعدله، ويوفق من يشاء للهداية بفضله، وهو العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتدبيره.
٥ - ولقد بعثنا موسى وأيدناه بالآيات الدالة على صدقه، وأنه مرسل من ربه، وأمرناه أن يُخْرِج قومه من الكفر والجهل إلى الإيمان والعلم، وأمرناه أن يذكرهم بأيام الله التي أنعم عليهم فيها، إن في تلك الأيام دلالات جلية على توحيد الله وعظيم قدرته، وإنعامه على المؤمنين، وهذا ما ينتفع به الصابرون على طاعة الله المداومون على شكر نعمه وآلائه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أن المقصد من إنزال القرآن هو الهداية بإخراج الناس من ظلمات الباطل إلى نور الحق.
• إرسال الرسل يكون بلسان أقوامهم ولغتهم؛ لأنه أبلغ في الفهم عنهم، فيكون أدعى للقبول والامتثال.
• وظيفة الرسل تتلخص في إرشاد الناس وقيادتهم للخروج من الظلمات إلى النور.
стр. 263
٩ - واذكر -أيها الرسول- حين امتثل موسى أمر ربه فقال لقومه من بني إسرائيل مُذكِّرًا إياهم بنعم الله عليهم: يا قوم، اذكروا نعمة الله عليكم حين أنقذكم من آل فرعون، وسَلَّمَكم مِن بَأْسِهم، يذيقونكم شر العذاب، حيث كانوا يذبحون أبناءكم الذكور حتى لا يولد فيكم من يستولي على ملك فرعون، ويبقون نساءكم على قيد الحياة لإذلالهن وإهانتهن، وفي أفعالهم هذه اختبار لكم عظيم على الصبر، فكافأكم الله على صبركم على هذا البلاء بإنقاذكم من بأس آل فرعون.
٧ - وقال لهم موسى: اذكروا حين أعلمكم ربكم إعلامًا بليغًا: لئن شكرتم الله على ما أنعم به عليكم من تلك النعم المذكورة ليزيدنكم عليها من إنعامه وفضله ولئن جحدتم نعمه عليكم ولم تشكروها، فإن عذابه شديد لمن يجحد نعمه ولا يشكرها.
٨ - وقال موسى لقومه: يا قوم، إن تكفروا أنتم ويكفر معكم جميع من في الأرض، فضرر كفركم يعود عليكم؛ فإن الله غني بنفسه، مستوجب الحمد بذاته، لا ينفعه إيمان المؤمنين، ولا يضره كفر الكافرين.
٩ - ألم يجئكم -أيها الكفار- خبر إهلاك الأمم المكذبة من قبلكم: قوم نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، والأمم الذين جاؤوا من بعدهم، وهم كثير لا يحصي عددهم إلا الله؟ أتتهم رسلهم بالدلائل الواضحة، ووضعوا أيديهم في أفواههم عاضِّين على أصابعهم من الغيظ على الرسل، وقالوا لرسلهم: إنا كفرنا بما أرسلتم به، وإنا لفي شك باعث على الريبة مما تدعوننا إليه.
١٠ - قالت لهم رسلهم ردًّا عليهم: أفي توحيد الله وإفراده بالعبادة شك، وهو خالق السماوات وخالق الأرض، وموجدهما على غير مثال سابق؟! يدعوكم إلى الإيمان به ليمحو عنكم من ذنوبكم السابقة، ويؤخركم إلى حين استيفائكم لآجالكم المحددة في حياتكم الدنيا. قالت لهم أقوامهم: لستم إلا بشرًا مثلنا، لا مزية لكم علينا، تريدون صرفنا عن عبادة ما كان يعبد آباؤنا، فأتُونا بحجة واضحة تدلّ على صدقكم فيما تدّعونه من أنكم رسل من الله إلينا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من وسائل الدعوة تذكير المدعوين بنعم الله تعالى عليهم، خاصة إن كان ذلك مرتبطًا بنعمة كبيرة، مثل نصر على عدوه أو نجاة منه.
• من فضل الله تعالى أنه وعد عباده مقابلة شكرهم بمزيد الإنعام، وفي المقابل فإن وعيده شديد لمن يكفر به.
• كفر العباد لا يضر اللهَ البتة، كما أن إيمانهم لا يضيف له شيئًا، فهو غني حميد بذاته.
стр. 264
١١ - قالت لهم رسلهم ردًّا عليهم: لسنا إلا بشرًا مثلكم، فنحن لا ننكر مماثلتكم في ذلك، ولكن لا يلزم من تلك المماثلةِ المماثلةُ في كل شيء، فالله يتفضل بالإنعام الخاص على من يشاء من عباده، فيصطفيهم رسلًا إلى الناس، وما يصح لنا أن نأتيكم بما طلبتم من حجة إلا بمشيئة الله، فليس الإتيان بها في مَقْدُورِنا، بل الله هو القادر على ذلك، وعلى الله وحده يتوكل المؤمنون به في شؤونهم كلها.
١٢ - وأي مانع وأي عذر يحول بيننا وبين التوكل عليه؟ وقد أرشدنا لأقوم الطرق وأوضحها، ولنصبرنّ على إيذائكم لنا بالتكذيب والسخرية، وعلى الله وحده يتوكل المتوكلون في جميع أمورهم.
١٣ - وقال الذين كفروا من أقوام الرسل لمَّا عجزوا عن مُحَاجّة رسلهم: لنخرجنكم من قريتنا، أو لترجعن عن دينكم إلى ديننا، فأوحى الله إلى الرسل تثبيتًا لهم: لنهلكنّ الظالمين الذين كفروا بالله وبرسله.
١٤ - ولنسكننكم - أيها الرسل ومن تبعكم - الأرض من بعد إهلاكهم، ذلك المذكور من إهلاك الكفار المكذبين، وإسكان رسلهم والمؤمنين الأرض من بعد إهلاكهم هو لمن استحضر عظمتي ومراقبتي له، وخاف إنذاري له بالعذاب.
١٥ - وطلب الرسلُ من ربِّهم أن ينصرهم على أعدائهم، وخسر كل متكبر معاند للحق، لا يتبعه مع ظهوره له.
١٦ - من أمام هذا المتكبر يوم القيامة جهنم، فهي له بالمرصاد. ويُسْقَى فيها من قيح أصحاب النار الذي يسيل منهم، فلا يروي عطشه، فلا يزال يُعَذب بالعطش وغيره من صنوف العذاب.
١٧ - يتكلف شربه مرة بعد مرة لشدة مرارته وحرارته ونتنه، ولا يقدر على ابتلاعه، ويأتيه الموت من كل جهة من شدة ما يقاسيه من العذاب، وليس هو بميت فيستريح، بل يبقى حيًّا يعاني العذاب، ومن أمامه عذاب آخر شديد ينتظره.
١٨ - مثل ما يقدمه الكفار من أعمال البر كالصدقة والإحسان والرحمة بالضعيف، مثل رماد اشتدت به الرياح في يوم شديد هبوب الرياح، فحملته بقوة، وفرّقته في كل مكان حتى لم يبق له أثر، وهكذا أعمال الكفار عصف بها الكفر، فلم تنفع أصحابها يوم القيامة، ذلك العمل الذي لم يُؤَسَّس على الإيمان هو الضلال البعيد عن طريق الحق.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أن الأنبياء والرسل بشرٌ من بني آدم، غير أن الله تعالى فضلهم بحمل الرسالة واصطفاهم لها من بين بني آدم.
• على الداعية الذي يريد التغيير أن يتوقع أن هناك صعوبات جَمَّة سوف تقابله، ومنها الطرد والنفي والإيذاء القولي والفعلي.
• أن الدعاة والصالحين موعودون بالنصر والاستخلاف في الأرض.
• بيان إبطال أعمال الكافرين الصالحة، وعدم اعتبارها بسبب كفرهم.
стр. 265
١٩ - ألم تعلم -أيها الانسان- أن الله خلق السماوات وخلق الأرض بالحق، فلم يخلقهما عبثًا، إن يشأ إذهابكم -أيها الناس- والإتيان بخلق آخر يعبده ويطيعه بدلًا منكم لأذهبكم وجاء بخلق آخر يعبده ويطيعه، فهو أمر سهل يسيرٌ عليه.
٢٠ - وليس إهلاككم والإتيان بخلق غيركم بمعجز له سبحانه، فهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
٢١ - وخرج الخلائق من قبورهم إلى الله يوم الميعاد. فقال الأتباع الضعفاء للسادة الرؤساء: إنا كنا لكم -أيها السادة- أتباعًا، نأتمر بأمركم، وننتهي بنهيكم، فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله شيئًا؟ قال السادة الرؤساء: لو وَفَّقنا الله للهداية لأرشدناكم إليها، فنجونا جميعًا من عذابه، ولكن ضللنا فأضللناكم، يستوي علينا وعليكم أنْ نضعُفَ عن تحمل العذاب أو أن نصبرَ، ليس لنا مهرب من العذاب.
٢٢ - وقال إبليس حين دخل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ: إن الله وعدكم الوعد الحق، فأنجزكم ما وعدكم، ووعدتكم وعد الباطل فلم أَفِ بما وعدتكم به، وما كان لي من قوة أقهركم بها في الدنيا على الكفر والضلال، لكن دعوتكم إلى الكفر، وزينت لكم المعاصي، فسارعتم إلى اتباعي، فلا تلوموني على ما حصل لكم من الضلال، ولوموا أنفسكم، فهي أولى باللوم، ما أنا بمغيثكم بدفع العذاب عنكم، وما أنتم بمغيثيَّ بدفعه عني، إني كفرت بجعلكم إياي شريكًا لله في العبادة، إن الظالمين -بالشرك بالله في الدنيا والكفر به- لهم عذاب موجع ينتظرهم يوم القيامة.
ولما ذكر الله مصير الكفار يوم القيامة ترهيبًا منه، ذكر مصير المؤمنين ترغيبًا فيه، فقال:
٢٣ - وبخلاف مصير الظالمين أدخل الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ماكثين فيها أبدًا بإذن ربهم وحوله، يُحيّي بعضهم بعضًا، وتحيّيهم الملائكة، ويحيّيهم ربهم سبحانه بالسلام.
٢٤ - ألم تعلم -أيها الرسول- كيف ضرب الله مثلًا لكلمة التوحيد التي هي: لا إله إلا الله، حين مثَّلها بشجرة طيبة هي النخلة، جذعها ضارب في قرار الأرض تشرب الماء بعروقها الطيبة، وفرعها مرتفع إلى السماء يشرب من الندى، ويستنشق الهواء الطيب.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان سوء عاقبة التابع والمتبوع إن اجتمعا على الباطل.
• بيان أن الشيطان أكبر عدو لبني آدم، وأنه وكاذب مخذول ضعيف، لا يملك لنفسه ولا لأتباعه شيئًا يوم القيامة.
• اعتراف إبليس أن وعد الله تعالى هو الحق، وأن وعد الشيطان إنما هو محض الكذب.
• تشبيه كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة الثمر، العالية الأغصان، الثابتة الجذور.
стр. 266
٢٥ - تعطي هذه الشجرة الطيبة ثمرها الطيب كل وقت بأمر ربها، ويضرب الله الأمثال للناس رجاء أن يتذكروا.
٢٦ - ومثل كلمة الشرك الخبيثة مثل شجرة خبيثة، وهي شجرة الحنظل، اقتُلِعت من أصلها، ليس لها ثبات على الأرض، ولا ارتفاع إلى السماء، فتموت وتذروها الرياح، فكلمة الكفر مآها الفناء، ولا يصعد لصاحبها إلى الله عمل طيب.
٢٧ - يُثبِّت الله المؤمنين بكلمة التوحيد الثابتة إيمانًا تامًّا في الحياة الدنيا حتى يموتوا وهم على الإيمان، وفي البرزخ في قبورهم عند السؤال، ويثبتهم يوم القيامة، ويضلّ الله الظالمين بالشرك بالله والكفر به عن الصواب والرشد، ويفعل الله ما يشاء من إضلال من أراد إضلاله بعدله، ومن هداية من شاء هدايته بفضله، فلا مُكْرِه له سبحانه.
٢٨ - لقد رأيت حال الذين كفروا بالله وبرسوله من قريش حين اعتاضوا عن إنعام الله عليهم بالأمن في الحرم، وببعثة محمد ﷺ فيهم، اعتاضوا عن ذلك: الكفرَ بنعمه حين كذبوا بما جاءهم به من ربه، وأنزلوا من اتبعهم في الكفر من أقوامهم دار الهلاك.
٢٩ - ودار الهلاك هي جهنم يدخلونها، يقاسون حرَّها، وساء المستقر مستقرهم.
٣٠ - وجعل المشركون لله أمثالًا ونظراء ليضلوا من اتبعهم عن سبيل الله بعد أن ضلوا هم عنها، قل لهم - أيها الرسول -: تمتعوا بما أنتم فيه من الشهوات، ونشر الشبهات في هذه الحياة الدنيا، فإن مرجعكم يوم القيامة إلى النار، ليس لكم مرجع غيرها.
٣١ - قل -أيها الرسول- للمؤمنين: أيها المؤمنون، أدوا الصلاة على أكمل وجه، وأنفقوا مما رزقكم الله النفقات الواجبة والمستحبة، خفية خوفًا من الرياء، وجهرًا ليقتدي بكم غيرُكم، من قبل أن يجيء يوم لا بيع فيه ولا فداء فيُفْتَدى من عذاب الله، ولا صداقة حتى يشفع الصديق لصديقه.
٣٢ - الله الذي أنشأ السماوات وأنشأ الأرض على غير مثال سابق، وأنزل من السماء ماء المطر، فأخرج بذلك الماء المنزل من أصناف الثمار رزقًا لكم -أيها الناس- وذلَّل لكم السفن تجري على الماء وفق تقديره، وذلَّل لكم الأنهار لتشربوا منها، وتسقوا أنعامكم وزروعكم.
٣٣ - وذلَّل لكم الشمس والقمر يجريان باستمرار، وذلَّل لكم الليل والنهار يتعاقبان، الليل لنومكم وراحتكم، والنهار لنشاطكم وكَدِّكم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تشبيه كلمة الكفر بشجرة الحَنْظل الزاحفة، فهي لا ترتفع، ولا تنتج طيبًا، ولا تدوم.
• الرابط بين الأمر بالصلاة والزكاة مع ذكر الآخرة، فيه إشعار بأنهما مما تكون به النجاة يومئذ.
• تعداد بعض النعم العظيمة إشارة لعظم كفر بعض بني آدم وجحدهم نعمه .
стр. 267
٣٤ - وأعطاكم من جميع ما طلبتموه، ومما لم تطلبوه، وإن تعدّوا نعم الله لا تقدروا على حصرها؛ لكثرتها وتعددها، فما ذكر لكم أمثلة منها، إن الإنسان لظلوم لنفسه، كثير الجحود لنعم الله .
٣٥ - واذكر -أيها الرسول- حين قال إبراهيم بعد أن أسكن ابنه إسماعيل وأمه هاجر بوادي مكة: يا رب، اجعل هذا البلد الذي أسكنتُ فيه أهلي -وهو مكة- بلدًا ذا أمن، لا يسفك فيه دم، ولا يظلم فيه أحد، وأبعدني وأبعد أولادي عن عبادة الأصنام.
٣٦ - يا رب، إن الأصنام أضللن كثيرًا من الناس، حيث ظنوا أنها تشفع لهم، ففتنوا بها، وعبدوها من دون الله، فمن تبعني من الناس في توحيد الله وطاعته فإنه من شيعتي وأتباعي، ومن عصاني فلم يتبعني في توحيده وطاعته فإنك - يا رب - غفور لذنوب من شئت أن تغفر له، رحيم بهم.
٣٧ - ربنا إني أسكنت بعض ذريتي، وهم ابني إسماعيل وأبناؤه بوادٍ (وهو مكة) لا زرع فيه ولا ماء بجوار بيتك المحرم، ربنا أسكنتهم بجواره ليقيموا الصلاة فيه، فصيَّر - يا رب - قلوب الناس تحنّ إليهم، وإلى هذا البلد، وارزقهم من الثمرات رجاء أن يشكروك على إنعامك عليهم.
٣٨ - ربنا، إنك تعلم كل ما نسرّه، وكل ما نجهر به، ولا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء، بل يعلمه، فلا يخفى عليه احتياجنا وفقرنا إليه.
٣٩ - الشكر والثناء لله سبحانه الذي أجاب دعائي أن يهب لي من الصالحين، فأعطاني على كبر سني إسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة، إن ربي سبحانه سميع دعاء من دعاه.
٤٠ - يا رب، اجعلني مؤديًا للصلاة على أكمل وجه، واجعل ذريتي ممن يؤديها كذلك، يا ربنا، وأجب دعائي واجعله مقبولًا عندك.
٤١ - ربنا، اغفر لي ذنوبي، واغفر ذنوب والديَّ (قالها قبل أن يعلم أن أباه عدو لله، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه)، واغفر للمؤمنين ذنوبهم يوم يقوم الناس لحسابهم أمام ربهم.
٤٢ - ولا تظنن -أيها الرسول- أن الله إذ يؤخر عذاب الظالمين غافل عما يعمله الظالمون من التكذيب والصد عن سبيل الله وغير ذلك، بل هو عالم بذلك، لا يخفى عليه منه شيء، إنما يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة ذلك اليوم الذي ترتفع فيها الأبصار خوفًا من هول ما تشاهده.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان فضيلة مكة التي دعا لها نبي الله إبراهيم ﵊.
• أن الإنسان مهما ارتفع شأنه في مراتب الطاعة والعبودية ينبغي له أن يخاف على نفسه وذريته من جليل الشرك ودقيقه.
• دعاء إبراهيم ﵊ يدل على أن العبد مهما ارتفع شأنه يظل مفتقرًا إلى الله تعالى ومحتاجًا إليه.
• من أساليب التربية: الدعاء للأبناء بالصلاح وحسن المعتقد والتوفيق في إقامة شعائر الدين.
стр. 268
٤٣ - حين يقوم الناس من قبورهم مسرعين إلى الداعي، رافعي رؤوسهم ينظرون جزعًا إلى السماء، لا ترجع إليهم أبصارهم، بل تبقى شاخصة من هول ما يشاهدونه، وقلوبهم فارغة لا عقل لها، ولا فهم من فزع المشهد.
٤٤ - وخوِّف -أيها الرسول- أمتك من عذاب الله يوم القيامة، فيقول عند ذلك الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله والشرك به: يا ربنا، أمهلنا، وأخّر عنا العذاب، وردّنا إلى الدنيا مدة يسيرة نؤمن بك، ونتبع الرسل الذين بعثتهم إلينا، فيُجَابون توبيخًا لهم: ألم تكونوا حلفتم في الحياة الدنيا أنكم لا انتقال لكم من الحياة الدنيا إلى الآخرة منكرين البعث بعد الموت؟!
٤٥ - ونزلتم في مساكن الأمم السابقة الظالمة من قبلكم لأنفسها بالكفر بالله، مثل قوم هود وقوم صالح, واتضح لكم ما أوقعناه بهم من الهلاك، وضربنا لكم الأمثال في كتاب الله لتتعظوا، فما اتعظتم بها.
٤٦ - وقد دبر هؤلاء النازلون في مساكن الأمم الظالمة المكايد لقتل النبي محمد ﷺ ، والقضاء على دعوته، والله يعلم تدبيرهم لا يخفى عليه منه شيء، وتدبير هؤلاء ضعيف، فهو لا يزيل الجبال ولا غيرها لضعفه، خلافًا لمكر الله بهم.
٤٧ - فلا تظننّ -أيها الرسول- أن الله الذي وعد رسله بالنصر وإظهار الدين مُخْلف ما وعد به رسله، إن الله عزيز لا يغلبه شيء، وسيعز أولياءه، ذو انتقام شديد من أعدائه وأعداء رسله.
٤٨ - هذا الانتقام من الكفار يحصل يوم تقوم القيامة، يوم تُبَدَّل هذه الأرض أرضًا أخرى بيضاء نقية، وتبدل السماوات سماوات غيرها، وظهر الناس من قبورهم بأبدانهم وأعمالهم للوقوف بين يدي الله المنفرد بملكه وعظمته، القهار الذي يَقْهر ولا يُقْهر، وَيغْلب ولا يُغْلب.
٤٩ - ٥٠ - وتُبْصِر -أيها الرسول-، يوم تُبدَّل الأرض غير الأرض، وتُبَدَّل السماوات؛ الكفارَ والمشركين قد شُدَّ بعضهم إلى بعض في القيود، قُرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالسلاسل، ثيابهم التي يلبسونها منَ القَطِران (وهي مادة شديدة الاشتعال)، وتعلو وجوههم الكالحة النار.
٥١ - ليثيب الله كل نفس ما عملت من خير أو شر، إن الله سريع الحساب للأعمال.
٥٢ - هذا القرآن المنزل على محمد ﷺ إعلام من الله إلى الناس، وليخوفوا بما فيه من الترهيب والوعيد الشديد، وليعلموا أن المعبود بحق هو الله وحده فيعبدوه ولا يشركوا به أحدًا، وليتعظ به ويعتبر أصحاب العقول السليمة؛ لأنهم الذين ينتفعون بالعظات والعبر.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تصوير مشاهد يوم القيامة وجزع الخلق وخوفهم وضعفهم ورهبتهم، وتبديل الأرض والسماوات.
• وصف شدة العذاب والذل الذي يلحق باهل المعصية والكفر يوم القيامة.
• أن العبد في سعة من أمره في حياته في الدنيا، فعليه أن يجتهد في الطاعة، فإن الله تعالى لا يتيح له فرصة أخرى إذا بعثه يوم القيامة.
стр. 269
سُوُرَةُ الْحِجْرِ
مَكِيَّة
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إنذار المكذبين بالعقاب من خلال عرض مشاهد المهلكين، تحذيرًا للمخاطبين وتثبيتًا للمؤمنين.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿الر﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. هذه الآيات رفيعة الشأن الدالة على أنها منزلة من عند الله هي آيات قرآن مُوضِّح للتوحيد والشرائع.
٢ - سيتمنى الكفار يوم القيامة لو كانوا مسلمين عندما يتضح لهم الأمر، وينكشف لهم بطلان ما كانوا عليه من الكفر في الدنيا.
٣ - اترك -أيها الرسول- هؤلاء المكذبين يأكلوا كما تأكل الأنعام، ويتمتعوا بملذات الدنيا المنقطعة، ويشغلهم طول الأمل عن الإيمان والعمل الصالح، فسوف يعلمون ما هم فيه من الخسران إذا وردوا على الله يوم القيامة.
٤ - وما أنزلنا الهلاك على قرية من القرى الظالمة إلا كان لها أجل محدد في علم الله، لا تتقدم عنه ولا تتأخر.
٥ - لا يأتي أمة من الأمم هلاكها قبل أن يحين أجلها، ولا يتأخر عنها الهلاك إذا حان أجلها، فعلى الظالمين ألا يغتروا بإمهال الله لهم.
٦ - وقال الكفار من أهل مكة للرسول ﷺ : يا أيها الذي نزل عليه - كما يدعي - الذكر إنك بدعواك هذه لمجنون تتصرف تصرف المجانين.
٧ - هلا جئتنا بالملائكة يشهدون لك، أو طلبت إهلاكنا بسبب كفرنا!
٨ - قال الله ردًّا على ما اقترحوه من مجيء الملائكة: لا ننزل الملائكة إلا وفق ما تقتضيه الحكمة حين يحين إهلاككم بالعذاب، وليسوا -إذا جئنا بالملائكة ولم يؤمنوا- بمُمْهَلين، بل سيعاجلون بالعقاب.
٩ - إنا نحن الذين نزلنا هذا القرآن على قلب محمد ﷺ تذكيرًا للناس، وإنا للقرآن لحافظون من الزيادة والنقصان والتبديل والتحريف.
١٠ - ولقد بعثنا من قبلك -أيها الرسول- رسلًا في جماعات الكفر السابقة فكذبوهم، فلست بِدْعًا من الرسل في تكذيب أمتك لك.
١١ - وما يأتي جماعات الكفر السابقة رسول إلا كذبوه، وسخروا منه.
١٢ - كما أدخلنا التكذيب في قلوب تلك الأمم ندخله كذلك في قلوب مشركي مكة بإعراضهم وعنادهم.
١٣ - لا يؤمنون بهذا القرآن المنزل على محمد ﷺ ، وقد مضت سُنَّة الله في إهلاك المكذبين بما جاءت به رسلهم، فليعتبر المكذبون بك.
١٤ - وهؤلاء المكذبون معاندون حتى لو اتضح لهم الحق بالأدلة الجلية، فلو فتحنا لهم بابًا من السماء فظلوا يصعدون.
١٥ - لما صدقوا، ولقالوا: إنما سُدَّت أبصارنا عن الإبصار، بل ما نراه هو بتأثير السحر، فنحن مسحورون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• القرآن الكريم جامع بين صفة الكمال في كل شيء، والوضوح والبيان.
• يهتم الكفار عادة بالماديات، فتراهمِ مُنْغَمِسين في الشهوات والأهواء، مغترين بالأماني الزائفة، منشغلين بالدنيا عن الآخرة.
• هلاك الأمم مُقَدَّر بتاريخ معين، ومقرر في أجل محدد، لا تأخير فيه ولا تقديم، وإن الله لا يَعْجَلُ لعجلة أحد.
• تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، إلى يوم القيامة.
стр. 270
١٦ - ولقد جعلنا في السماء نجومًا عظيمة يهتدي بها الناس في أسفارهم في ظلمات البر والبحر، وجَمَّلناها لمن نظر إليها وأبصرها؛ ليستدلوا بها على قدرة الله سبحانه.
١٧ - وحفظنا السماء من كل شيطان مطرود عن رحمة الله.
١٨ - إلا من استمع للملإِ الأعلى خِلْسة فيلحقه جرم مضيء، فيحرقه.
١٩ - والأرض بسطناها ليستقر الناس عليها، وجعلنا فيها جبالًا ثوابت حتى لا تميد بالناس، وأنبتنا فيها من أنواع النبات ما هو مقدّر محدد بما تقتضيه الحكمة.
٢٠ - وجعلنا لكم -أيها الناس- في الأرض ما يعيشكم من المآكل والمشارب ما دمتم في الحياة الدنيا، وجعلنا لغيركم ممن لا تَرزقونه من الناس والحيوان ما يعيشهم.
٢١ - وما من شيء ينتفع به الناس والدواب إلا نحن قادرون على إيجاده ونفع الناس به، وما نوجد ما نوجده من ذلك إلا بمقدار محدد تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا.
٢٢ - وأرسلنا الرياح تُلَقِّح السحاب، فأنزلنا من السحاب المُلَقَّح بها مطرًا، فسقيناكم من ماء المطر، ولستم -أيها الناس- بخازنين لهذا الماء في الأرض ليكون عيونًا وآبارًا، وإنما الله هو الذي يخزنه فيها.
٢٣ - إنا لنحن نحيي الموتى بخلقهم من العدم وببعثهم بعد الموت، ونميت الأحياء إذا استوفوا آجالهم، ونحن الباقون الذين نرث الأرض ومن عليها.
٢٤ - ولقد علمنا من تقدم منكم ولادة وموتًا، وعلمنا من تأخر فيهما لا يخفى علينا من ذلك شيء.
٢٥ - وإن ربك -أيها الرسول- هو يحشرهم جميعًا يوم القيامة؛ ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، إنه حكيم في تدبيره، عليم لا يخفى عليه شيء.
٢٦ - ولقد خلقنا آدم من طين يابس إن نُقِرَ صَوَّت، وهذا الطين الذي خُلِق منه أسود متغير الريح لطول مكثه.
٢٧ - وخلقنا أبا الجن من قبل خلق آدم ﵇ من نار شديدة الحرارة.
٢٨ - واذكر -أيها الرسول- إذ قال ربك للملائكة ولإبليس -وكان معهم-: إني سأخلق بشرًا من طين يابس له صوت إذا نُقِرَ، أسود متغير الريح.
٢٩ - فإذا عدَّلتُ صورته، وكمَّلت خلقه فاسجدوا له امتثالًا لأمري وتحية له.
٣٠ - فامتثل الملائكة، فسجدوا كلهم له كما أمرهم ربهم.
٣١ - لكن إبليس -الذي كان مع الملائكة، ولم يكن منهم- امتنع أن يسجد لآدم مع الملائكة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ينبغي للعبد التأمل والنظر في السماء وزينتها والاستدلال بها على باريها.
• جميع الأرزاق وأصناف الأقدار لا يملكها أحد إلا الله، فخزائنها بيده يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، بحسب حكمته ورحمته.
• الأرض مخلوقة ممهدة منبسطة تتناسب مع إمكان الحياة البشرية عليها، وهي مثبّتة بالجبال الرواسي؛ لئلا تتحرك باهلها، وفيها من النباتات المختلفة ذات المقادير المعلومة على وفق الحكمة والمصلحة.
• الأمر للملائكة بالسجود لآدم فيه تكريم للجنس البشري.
стр. 271
٣٢ - قال الله لإبليس بعد امتناعه من السجود لآدم: ما حملك ومنعك من أن تسجد مع الملائكة الذين سجدوا امتثالًا لأمري؟
٣٣ - قال إبليس متكبرًا: ما يصح لي أن أسجد لبشر خلقته من طين يابس كان طينًا أسود متغيرًا.
٣٤ - قال الله لإبليس: اخرج من الجنة فإنك مطرود.
٣٥ - وإن عليك اللعنة والطرد من رحمتي إلى يوم القيامة.
٣٦ - قال إبليس: يا رب، أمهلني ولا تمتني إلى يوم يبعث الخلق.
٣٧ - قال الله له: فإنك من المُمْهَلين الذين أخَّرت آجالهم.
٣٨ - إلى الوقت الذي يموت فيه جميع الخلائق عند النفخة الأولى.
٣٩ - قال إبليس: يا رب، بسبب إضلالك لي لأُحَسِّنَنَّ لهم المعاصي في الأرض، ولأضلَّنهم كلهم عن الصراط المستقيم.
٤٠ - إلا من اصطفيتهم من عبادك لعبادتك.
٤١ - قال الله: هذا طريق معتدل موصل إليّ.
٤٢ - إن عبادي المخلصين ليس لك قدرة ولا تَسَلُّطٌ على إغوائهم إلا من اتبعك من الضالين.
٤٣ - وإن جهنم لموعد إبليس ومن اتبعه من الضالين كلهم.
٤٤ - لجهنم سبعة أبواب يدخلون منها، لكل باب من أبوابها من أتباع إبليس قدر معلوم منهم يدخل منه.
٤٥ - إن الذين اتقوا ربهم بامتثال أمره واجتناب نهيه في جنات وعيون.
٤٦ - يقال لهم عند دخولها: ادخلوها بسلامة من الآفات، وأمن من المخاوف.
٤٧ - وأزلنا ما في صدورهم من حقد وعداوة، إخوة متحابِّين يجلسون على أسرَّة ينظر بعضهم إلى بعض.
٤٨ - لا يصيبهم فيها تعب، وليسوا بمُخْرَجين منها، بل هم خالدون فيها.
٤٩ - أَعْلِم -أيها الرسول- عبادي أني أنا الغفور لمن تاب منهم، الرحيم به.
٥٠ - وأَعْلِمهم أن عذابي هو العذاب الموجع، فليتوبوا إلي لينالوا مغفرتي، ويأمنوا من عذابي.
٥١ - وأعلمهم بخبر ضيوف إبراهيم ﵇ من الملائكة الذين جاؤوه بالبشرى بالولد، وبإهلاك قوم لوط.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات دليل على تزاور المتقين واجتماعهم وحسن أدبهم فيما بينهم، في كون كل منهم مقابلًا للآخر لا مستدبرًا له.
• ينبغي للعبد أن يكون قلبه دائمًا بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة.
• سجد الملائكة لآدم كلهم أجمعون سجود تحية وتكريم إلا إبليس رفض وأبى.
• لا سلطان لإبليس على الذين هداهم الله واجتباهم واصطفاهم في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفو الله.
стр. 272
٥٢ - حين دخلوا عليه، فقالوا له: سلامًا، فأجابهم بأحسن من تحيتهم، وقدم لهم عجلًا مشويًّا ليأكلوه، فقد ظن أنهم بشر، فلما لم يأكلوا منه، قال: إنا منكم خائفون.
٥٣ - قال الرسل من الملائكة: لا تخف، إنا نخبرك بما يسرك، أنه سيكون لك ولد ذكر عليم.
٥٤ - قال لهم إبراهيم -وقد تَعَجَّب من تبشيرهم إياه بولد-: أبشَّرتموني بولد مع ما أصابني من الكبر والشيخوخة، فعلى أي وجه تبشِّرونني؟
٥٥ - قال الرسل من الملائكة لإبراهيم: بشَّرناك بالحق الذي لا مرية فيه، فلا تكن من اليائسين مما بشَّرناك به.
٥٦ - قال إبراهيم: وهل ييئَس من رحمة ربه إلا المنحرفون عن صراط الله المستقيم؟!
٥٧ - قال إبراهيم: فما شأنكم الذي جاء بكم أيها المرسلون من الله تعالى؟
٥٨ - قال الرسل من الملائكة: إنا أرسلنا الله لإهلاك قوم عظيمي الفساد، عظيمي الشر، وهم قوم لوط.
٥٩ - إلا أهل لوط وأتباعه من المؤمنين، فلا يشملهم الإهلاك، إنا مُسَلِّموهم جميعًا منه.
٦٠ - إلا زوجته، فقد حكمنا أنها من الباقين الذين يشملهم الهلاك.
٦١ - فلما قدم الملائكة المرسلون إلى آل لوط في صور رجال.
٦٢ - قال لهم لوط ﵇: قوم غير معروفين.
٦٣ - قال الرسل من الملائكة للوط: لا تخف، بل جئناك -يا لوط- بما كان يشك فيه قومك من العذاب المهلك لهم.
٦٤ - وجئناك بالحق الذي لا هزل فيه، وإنا لصادقون فيما أخبرناك به.
٦٥ - فَسِرْ بأهلك بعد مُضِي جانب من الليل، وسِرْ خلفهم، ولا يلتفت أحد منكم إلى الوراء لينظر ما حل بهم، وامضوا إلى حيث أمركم الله أن تمضوا.
٦٦ - وأَعْلَمْنا لوطًا عن طريق الوحي ذلك الأمر الذي قدرناه، وهو أن هؤلاء القوم سيُسْتأصلون بإهلاك آخرهم إذا دخلوا في الصبح.
٦٧ - وجاء أهل سَدُوم مستبشرين بضيوف لوط؛ طمعًا في فعل الفاحشة.
٦٨ - قال لهم لوط: إن هؤلاء القوم ضيوفي، فلا تفضحوني بما تريدون بهم.
٦٩ - وخافوا الله بترك هذه الفاحشة، ولا تذلوني بصنيعكم الشنيع.
٧٠ - قال له قومه: ألم ننهك عن إضافة أحد من الناس؟
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تعليم أدب الضيف بالتحية والسلام حين القدوم على الآخرين.
• من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم لا سبيل له إلى القنوط من رحمة الله.
• نهى الله تعالى لوطًا وأتباعه عن الالتفات أثناء نزول العذاب بقوم لوط حتى لا تأخذهم الشفقة عليهم.
• تصميم قوم لوط على ارتكاب الفاحشة مع هؤلاء الضيوف دليل على طمس فطرتهم، وشدة فحشهم.
стр. 273
٧١ - قال لهم لوط ﵇ معذرًا لنفسه أمام ضيوفه: هؤلاء بناتي من جملة نسائكم، فتزوجوهن إن كنتم قاصدين قضاء شهوتكم.
٧٢ - وحياتِك -أيها الرسول- إن قوم لوط لفي طغيان شهوتهم يترددون.
٧٣ - فأخذهم صوت شديد مهلك عند دخولهم في وقت شروق الشمس.
٧٤ - فقلبنا قراهم بجعل عاليها سافلًا، وأمطرنا عليهم حجارة من طين مُتَحَجِّر.
٧٥ - إن في ذلك المذكور مما حل بقوم لوط من هلاك لعلامات للمتأملين.
٧٦ - وإن قرى قوم لوط لعلى طريق ثابت، يراها من يمرّ بها من المسافرين.
٧٧ - إن في ذلك الذي حدث لدلالة للمؤمنين يعتبرون بها.
٧٨ - وقد كان قوم شعيب أصحاب القرية ذات الشجر الملتف ظالمين؛ لكفرهم بالله وتكذيبهم لرسوله شعيب ﵇.
٧٩ - فانتقمنا منهم حيث أخذهم العذاب، وإن قرى قوم لوط ومواطن أصحاب شعيب لبطَرِيقٍ واضح لمن مر به.
٨٠ - ولقد كذبت ثمود. وهم أصحاب الحِجْر (مكان بين الحجاز والشام) جميع الرسل حين كذبوا نبيهم صالحًا ﵇.
٨١ - وأعطيناهم الحجج والدلائل على صدقه فيما جاء به من ربه، ومن ذلك الناقة، فلم يعتبروا بتلك الدلائل، ولم يبالوا بها.
٨٢ - وكانوا يقطعون الجبال ليصنعوا بيوتًا لهم يسكنونها آمنين مما يخافون.
٨٣ - فأخذتهم صاعقة العذاب عند دخولهم وقت الصبح.
٨٤ - فما دفع عنهم عذاب الله ما كانوا يكسبون من الأموال والمساكن.
٨٥ - وما خلقنا السماوات والأرض وما خلقنا ما بينهما باطلًا دون حكمة، ما خلقنا كل ذلك إلا بالحق، وإن الساعة لآتية لا مَحالة، فأعرض -أيها الرسول- عن المكذبين بك، واعف عنهم عفوًا حسنًا.
٨٦ - إن ربك -أيها الرسول- هو الخَلَّاق لكل شيء، العليم به.
٨٧ - ولقد أعطيناك الفاتحة التي هي سبع آيات، وهي القرآن العظيم.
٨٨ - لا تَمْدُد بصرك إلى ما متعنا به أصنافًا من الكفار من متع زائلة، ولا تحزن على تكذيبهم، وتواضع للمؤمنين.
٨٩ - وقل -أيها الرسول-: إني أنا النذير من العذاب، البين النذارة.
٩٠ - أنذركم أن يصيبكم مثل ما أنزل الله على المفرِّقين كُتُبَ الله أجزاء فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أن الله تعالى إذا أراد أن يهلك قرية ازداد شرهم وطغيانهم، فإذا انتهى أوقع بهم من العقوبات ما يستحقونه.
• كراهة دخول مواطن العذاب، ومثلها دخول مقابر الكفار، فإن دخل الإنسان إلى تلك المواضع والمقابر فعليه الإسراع.
• لا يطمح بصر المؤمن إلى زخارف الدنيا وعنده معارف المولى .
• على المؤمن أن يكون بعيدًا من المشركين، ولا يحزن إن لم يؤمنوا، قريبًا من المؤمنين، متواضعًا لهم، محبًّا لهم ولو كانوا فقراء.
стр. 274
٩ ١ - الذين صَيَّروا القرآن أجزاء، فقالوا: هو سحر، أو كهانة، أو شعر.
٩ ٢ - فوربك -أيها الرسول- لنسألنّ يوم القيامة جميع الذين صَيَّروه أجزاء.
٩ ٣ - لنسألنهم عما كانوا يعملون من الكفر والمعاصي في الدنيا.
٩ ٤ - فأعلن -أيها الرسول- ما أمرك الله به من الدعوة إليه، ولا تلتفت إلى ما يقوله ويفعله المشركون.
٩ ٥ - ولا تخف منهم، فقد كفيناك كيد الساخرين من أئمة الكفر من قريش.
٩ ٦ - الذين يتخذون مع الله معبودًا غيره، فسوف يعلمون عاقبة شركهم السيئة.
٩٧ - ولقد نعلم أنك -أيها الرسول- يضيق صدرك بما يصدر منهم من تكذيبهم لك وسخريتهم منك.
٩٨ - فالجأ إلى الله بتنزيهه عما لا يليق به، والثناء عليه بصفات كماله وكن من العابدين لله، المصلين له، ففي ذلك علاج لضيق صدرك.
٩٩ - ودوام على عبادة ربك، واستمرّ عليها ما دمت حيًّا حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك.
سُوُرَةُ النَّحْلِ
مَكِيَّة
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
التذكير بالنعم الدالة على المنعم، إلزامًا بعبوديته وتحذيرًا من جحود نعمته.
[التَّفْسِيرُ]
١ - اقترب ما قضى الله به من عذابكم -أيها الكفار- فلا تطلبوا تعجيله قبل أوانه، تنزه الله وتعالى عما يجعل له المشركون من الشركاء.
٢ - ينزل الله الملائكة بالوحي من قضائه على من يشاء من رسله: أن خوّفوا - أيها الرسل - الناس من الشرك بالله، فلا معبود بحق إلا أنا، فاتقوني -أيها الناس- بامتثال أوامري واجتناب نواهيَّ.
٣ - خلق الله السماوات وخلق الأرض على غير مثال سابق بالحق، فلم يخلقهما باطلًا، بل خلقهما ليُسْتَدَلَّ بهما على عظمته، تَنَزَّه عن إشراكهم به غيره.
٤ - خلق الإنسان من نطفة مَهِينة، فنما خلقًا من بعد خلق، فإذا هو شديد الجدال بالباطل ليطمس به الحق، مبين في جداله به.
٥ - والأنعام من الإبل والبقر والغنم خلقها لمصالحكم -أيها الناس- ومن هذه المصالح الدفء بأصوافها وأوبارها، ومصالح أخرى في ألبانها وجلودها وظهورها، ومنها تأكلون.
٦ - ولكم فيها زينة حين تدخلون في المساء، وحين تُخْرِجونها للمرعى في الصباح.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عناية الله ورعايته بصَوْن النبي ﷺ وحمايته من أذى المشركين.
• التسبيح والتحميد والصلاة علاج الهموم والأحزان، وطريق الخروج من الأزمات والمآزق والكروب.
• المسلم مطالب على سبيل الفرضية بالعبادة التي هي الصلاة على الدوام حتى يأتيه الموت، ما لم يغلب الغشيان أو فقد الذاكرة على عقله.
• سمى الله الوحي روحًا؛ لأنه تحيا به النفوس.
• مَلَّكَنا الله تعالى الأنعام والدواب وذَلَّلها لنا، وأباح لنا تسخيرها والانتفاع بها؛ رحمة منه تعالى بنا.
стр. 275
٧ - وتحمل هذه الأنعام التي خلقناها لكم أمتعتكم الثقيلة في أسفاركم إلى بلد لم تكونوا واصليه إلا بمشقة عظيمة على الأنفس، إن ربكم -أيها الناس- لرؤوف رحيم بكم حيث سخر لكم هذه الأنعام.
٨ - وخلق الله لكم الخيل والبغال والحمير لكي تركبوها، وتحملوا عليها أمتعتكم، ولتكون جَمالًا لكم تتجملون به في الناس، ويخلق ما لا تعلمون مما أراد خلقه.
٩ - وعلى الله بيان الطريق المستقيم الموصل إلى مرضاته وهو الإسلام، ومن الطرق ما هو من طرق الشيطان المائلة عن الحق، وكل طريق غير طريق الإسلام فهو مائل، ولو شاء الله أن يوفقكم جميعًا للإيمان لوفقكم له جميعًا.
١٠ - هو سبحانه الذي أنزل لكم من السحاب ماء، لكم من ذلك الماء شراب تشربونه وتشربه أنعامكم، ومنه ما يحصل به نبات الشجر الذي فيه ترعون مواشيكم.
١١ - ينبت الله لكم بذلك الماء الزروعَ التي تأكلون منها، وينبت لكم به الزيتون والنخل والأعناب، وينبت لكم من جميع الثمرات، إن في ذلك الماء وما ينشأ عنه لدلالة على قدرة الله لقوم يتفكرون في خلقه، فيستدلون به على عظمته سبحانه.
١٢ - وذلَّلَ الله لكم الليل لتسكنوا فيه وتستريحوا، والنهار لتكسبوا فيه ما تعيشون به، وسخر لكم الشمس، وجعلها ضياء، والقمر وجعله نورًا، والنجوم مذللات لكم بأمره القدري، بها تهتدون في ظلمات البر والبحر، وتعلمون الأوقات وغير ذلك، إن في تسخير ذلك كله لدلالات واضحة على قدرة الله لقوم يُعْمِلون عقولهم، فهم الذين يدركون الحكمة منها.
١٣ - وسخر لكم ما خلق سبحانه في الأرض مما اختلفت ألوانه من المعادن والحيوان والنبات والزروع، إن في ذلك المذكور من الخلق والتسخير لدلالة جلية على قدرة الله سبحانه لقوم يعتبرون به، ويدركون أن قادر ومنعم.
١٤ - وهو سبحانه الذي ذلَّل لكم البحر، فمكَنكم من ركوبه واستخراج ما فيه؛ لتأكلوا مما تصطادون من سمكه لحمًا غَضًّا لينًا، وتستخرجوا منه زينة تلبسونها وتلبسها نساؤكم مثل اللؤلؤ، وترى السفن تشق عُبَاب البحر، وتركبون هذه السفن طلبًا لفضل الله الحاصل من ربح التجارة، ورجاء أن تشكروا الله على ما أنعم به عليكم، وتفردوه بالعبادة.
• من عظمة الله أنه يخلق ما لا يعلمه جميع البشر في كل حين يريد سبحانه.
• خلق الله النجوم لزينة السماء، والهداية في ظلمات البر والبحر، ومعرفة الأوقات وحساب الأزمنة.
• الثناء والشكر على الله الذي أنعم علينا بما يصلح حياتنا ويعيننا على أفضل معيشة.
• الله سبحانه أنعم علينا بتسخير البحر لتناول اللحوم (الأسماك)، واستخراج اللؤلؤ والمرجان، وللركوب، والتجارة، وللدفاع عن البلاد من أذى محتل وعدوان مستعمر.
стр. 276
١٥ - وألقى في الأرض جبالًا تُثَبتِّها حتى لا تضطرب بكم وتميل، وأجرى فيها أنهارًا لتشربوا منها، وتسقوا أنعامكم وزروعكم، وشق فيها طرقًا تسلكونها، فتصلون إلى مقاصدكم دون أن تضلوا.
١٦ - وجعل لكم في الأرض معالم ظاهرة تهتدون بها في السير نهارًا، وجعل لكم النجوم في السماء رجاء أن تهتدوا بها ليلًا.
١٧ - أفمن يخلق هذه الأشياء وغيرها كمن لا يخلق شيئًا؟! أفلا تتذكرون عظمة الله الذي يخلق كل شيء، وتفردوه بالعبادة، ولا تشركوا به ما لا يخلق شيئا؟
١٨ - وأن تحاولوا -أيها الناس- عَدَّ نعم الله الكثيرة التي أنعم بها عليكم، وحَصْرها لا تستطيعوا ذلك لكثرتها وتنوعها، إن الله لغفور حيث لم يؤاخذكم بالغفلة عن شكرها، رحيم حيث لم يقطعها عنكم بسبب المعاصي والتقصير في شكره.
١٩ - والله يعلم ما تخفون -أيها العباد- من أعمالكم، ويعلم ما تظهرون منها لا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيكم عليها.
٢٠ - والذين يعبدهم المشركون من دون الله لا يخلقون شيئا ولو كان قليلًا، ومن عبدوهم من دون الله هم الذين يصنعونهم، فكيف يعبدون من دون الله ما يصنعونه بأيديهم من الأصنام؟!
٢١ - ومع كون عابديهم صنعوهم بأيديهم فهم جمادات لا حياة فيها ولا علم، فهم لا يعلمون متى يبعثون مع عابديهم يوم القيامة؛ ليرموا معهم في نار جهنم.
٢٢ - معبودكم بحق هو معبود واحد لا شريك له وهو الله، والذين لا يؤمنون بالبعث للجزاء قلوبهم جاحدة وحدانية الله لعدم خوفها، فهي لا تؤمن بحساب ولا عقاب، وهم متكبرون لا يقبلون الحق، ولا يخضعون له.
٢٣ - حقًّا إن الله يعلم ما يسره هؤلاء من الأعمال، ويعلم ما يظهرونه منها , لا يخفى عليه شيء، وسيجازيهم عليها، إنه سبحانه لا يحب المستكبرين عن عبادته والخضوع له، بل يمقتهم أشد المقت.
٢٤ - قيل لهؤلاء الذين ينكرون وحدانية الخالق، ويكذبون بالبعث: ماذا أنزل الله على محمد ﷺ ؟ قالوا: لم ينزل عليه شيئًا، وإنما جاء من نفسه بقصص الأولين وأكاذيبهم.
٢٥ - ليكون مآلهم أن يحملوا آثامهم دون نقص، ويحملوا من آثام الذين أضلوهم عن الإسلام جهلًا وتقليدًا، فما أشد قبح ما يحملونه من آثامهم وآثام أتباعهم.
٢٦ - لقد أتى الكفار من قبل هؤلاء بالمكايد لرسلهم، فهدم الله أبنيتهم من أسسها، فسقطت عليهم سقوفهم من فوقهم، وجاءهم العذاب من حيث لا يتوقعون، فقد كانوا يتوقعون أن أبنيتهم تحميهم، فأُهْلكوا بها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في الآيات من أصناف نعم الله على العباد شيء عظيم، مجمل ومفصل، يدعو الله به العباد إلى القيام بشكره وذكره ودعائه.
• طبيعة الإنسان الظلم والتجرؤ على المعاصي والتقصير في حقوق ربه، كَفَّار لنعم الله، لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله.
• مساواة المُضِل للضال في جريمة الضلال؛ إذ لولا إضلاله إياه لاهتدى بنظره أو بسؤال الناصحين.
• أَخْذ الله للمجرمين فجأة أشد نكاية؛ لما يصحبه من الرعب الشديد، بخلاف الشيء الوارد تدريجيًّا.
стр. 277
٢٧ - ثم يوم القيامة يهينهم الله بالعذاب، ويذلهم به، ويقول لهم: أين شركائي الذين كنتم تشركونهم معي في العبادة، وكنتم تعادون أنبيائي والمؤمنين بسببهم؟ قال العلماء الربانيون: إن الهوان والعذاب يوم القيامة واقع على الكافرين.
٢٨ - الذين يقبض ملك الموت وأعوانه من الملائكة أرواحهم وهم متلبسون بظلم أنفسهم بالكفر بالله، فانقادوا مستسلمين لما نزل لهم من الموت، وأنكروا ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي؛ ظنًّا منهم أن الإنكار ينفعهم، فيقال لهم: كذبتم، قد كنتم كافرين تعملون المعاصي، إن الله عليم بما كنتم تعملون في الدنيا، لا يخفى عليه شيء منه، وسيجازيكم عليه.
٢٩ - ويقال لهم: ادخلوا حسب أعمالكم أبواب جهنم ماكثين فيها أبدًا، فَلَساءت مقرًّا للمتكبرين عن الإيمان بالله وعبادته وحده.
٣٠ - وقيل للذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه: ماذا أنزل ربكم على نبيكم محمد ﷺ ؟ أجابوا: أنزل الله عليه خيرًا عظيمًا، للذين أحسنوا عبادة الله وأحسنوا التعامل مع خلقه في هذه الحياة الدنيا مثوبة حسنة، منها النصر وسعة الرزق، أعده الله لهم من الثواب في الآخرة خير مما عجَّله لهم في الدنيا، ولنِعْمَ دارُ المتقين لربهم بامتثال أوامره اجتناب نواهيه دارُ الآخرة.
٣١ - جنات إقامة واستقرار يدخلونها، تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، لهم في هذه الجنات ما تشتهي أنفسهم من المأكل والمشرب وغيرهما، بمثل هذا الجزاء الذي يجزي به المتقين من أمة محمد ﷺ يجزي المتقين من الأمم السابقة.
٣٢ - الذين يقبض ملك الموت وأعوانه من الملائكة أرواحهم في حال طهارة قلوبهم من الكفر، تخاطبهم الملائكة بقولهم: سلام عليكم، سلمتم من كل آفة، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون في الدنيا من الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح.
٣٢ - هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا أن يأتيهم ملك الموت وأعوانه من الملائكة لقبض أرواحهم وضرب وجوههم وأدبارهم، أو يأتي أمر الله باستئصالهم بالعذاب في الدنيا؟ مثل هذا الفعل الذي يفعله المشركون في مكة فعله المشركون من قبلهم فأهلكهم الله، وما ظلمهم حين أهلكهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بإيرادها موارد الهلاك بالكفر بالله.
٣٤ - فنزلت عليهم عقوبات أعمالهم التي كانوا يعملونها، وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه إذا ذُكروا به.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• فضيلة أهل العلم، وأنهم الناطقون بالحق في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأن لقولهم اعتبارًا عند الله وعند خلقه.
• من أدب الملائكة مع الله أنهم أسندوا العلم إلى الله دون أن يقولوا: إنا نعلم ما كنتم تعملون، وإشعارًا بأنهم ما علموا ذلك إلا بتعليم من الله تعالى.
• من كرم الله وجوده أنه يعطي أهل الجنة كل ما تمنوه عليه، حتى إنه يُذَكِّرهم أشياء من النعيم لم تخطر على قلوبهم.
• العمل هو السبب والأصل في دخول الجنة والنجاة من النار، وذلك يحصل برحمة الله ومنته على المؤمنين لا بحولهم وقوتهم.
стр. 278
٣٥ - وقال الذين أشركوا مع الله غيره في عبادتهم: لو شاء الله أن نعبده وحده، ولا نشرك به لما عبدنا أحدًا غيره، لا نحن ولا آباؤنا من قبلنا، ولو شاء ألا نُحَرِّم شيئًا ما حَرَّمناه، بمثل هذه الحجة الباطلة قال الكفار السابقون، فما على الرسل إلا التبليغ الواضح لما أمروا بتبليغه، وقد بَلَّغوا، ولا حجة للكفار في الاعتذار بالقَدَر بعد أن جعل الله لهم مشيئة واختيارًا، وأرسل إليهم رسله.
٣٦ - ولقد بعثنا في كل أمة سابقة رسولًا يأمر أمته بأن يعبدوا الله وحده، ويتركوا عبادة غيره من الأصنام والشياطين وغيرهم، فكان منهم من وفقه الله فآمن به، واتبع ما جاء به رسوله، وكان منهم من كفر بالله وعصى رسوله فلم يوفقه، فوجبت عليه الضلالة، فسيروا في الأرض لتروا بأعينكم كيف كان مصير المكذبين بعدما حل بهم من عذاب وهلاك.
٣٧ - إن تجتهد -أيها الرسول- بما تستطيع من دعوتك لهؤلاء، وتحرص على هدايتهم، وتأخذ بأسباب ذلك؛ فإن الله لا يوفق للهداية من يضله، وليس لهم من دون الله من أحد ينصرهم بدفع العذاب عنهم.
٣٨ - وحَلَفَ هؤلاء المكذبون بالبعث مبالغين في حلفهم جاهدين فيه مؤكِّدِين له: لا يبعث الله من يموت؛ دون أن تكون لهم حجة على ذلك، بلى، سيبعث الله كل من يموت، وعدًا عليه حقًّا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله يبعث الموتى، فينكرون البعث.
٣٩ - يبعثهم الله جميعًا يوم القيامة ليوضح لهم حقيقة ما كانوا يختلفون فيه من التوحيد والبعث والنبوّة، وليعلم الكفار أنهم كانوا كاذبين في ادعائهم شركاء مع الله وفي إنكارهم للبعث.
٤٠ - إنا إذا أردنا إحياء الموتى وبعثهم فلا مانع يمنعنا من ذلك، إنما نقول لشيء إذا أردناه: ﴿كُن﴾ فيكون لا محالة.
٤١ - والذين تركوا ديارهم وأهليهم وأموالهم مهاجرين من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ابتغاء مرضاة الله من بعد ما عذبهم الكفار وضيقوا عليهم لنُنَزِّلنهم في الدنيا دارًا يكونون فيها أعزَّة، ولثواب الآخرة أعظم لأن منه الجنة، لو كان المتخلفون عن الهجرة يعلمون ثواب المهاجرين لَمَا تخلفوا عنها.
٤٢ - هؤلاء المهاجرون في سبيل الله هم الذين صبروا على أذى أقوامهم ومفارقة أهليهم وأوطانهم، وصبروا على طاعة الله، وهم على ربهم وحده يعتمدون في كل أمورهم، فأعطاهم الله هذا الجزاء العظيم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• العاقل من يعتبر ويتعظ بما حل بالضالين المكذبين كيف آل أمرهم إلى الدمار والخراب والعذاب والهلاك.
• الحكمة من البعث والمعاد إظهار الله الحق فيما يختلف فيه الناس من أمر البعث وكل شيء.
• فضيلة الصّبر والتوكل: أما الصّبر: فلما فيه من قهر النفس، وأما التّوكل: فللعزوف عن الخلق والاتِّجاه إلى الحقِّ.
• جزاء المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وصبروا على الأذى وتوكلوا على ربِّهم، هو الموطن الأفضل، والمنزلة الحسنة، والعيشة الرَّضية، والرّزق الطّيّب الوفير، والنّصر على الأعداء، والسّيادة على البلاد والعباد.
стр. 279
٤٣ - وما أرسلنا من قبلك -أيها الرسول- إلا رجالًا من البشر نوحي إليهم، فلم نرسل رسلًا من الملائكة، وهذه سُنَّتنا المطردة، وإن كنتم تنكرون ذلك فاسألوا أهل الكتب السابقة يخبروكم أن الرسل كانوا بشرًا، ولم يكونوا ملائكة، إن كنتم لا تعلمون أنهم بشر.
٤٤ - أرسلنا هؤلاء الرسل من البشر بالدلائل الواضحة، وبالكتب المنزلة، وأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن لتوضح للناس ما يحتاج منه إلى توضيح، ولعلهم يُعْمِلون أفكارهم، فيتعظوا بما تضمنه.
٤٥ - أفامن الذين دَبَّروا المكايد ليصدوا عن سبيل الله أن يخسف الله بهم الأرض كما خسفها بقارون، أو يجيئهم العذاب من حيث لا ينتظرون مجيئه.
٤٦ - أو يصيبهم العذاب في حال تقلبهم في أسفارهم وسعيهم لمكاسبهم، فليسوا بفائتين ولا ممتنعين.
٤٧ - أَوَأمنوا أن ينالهم عذاب الله حال خوفهم منه، فالله قادر على تعذيبهم في كل حال، إن ربكم لرؤوف رحيم لا يعاجل بالعقوبة لعل عباده يتوبون إليه.
٤٨ - أَوَلم ينظر هؤلاء المكذبون نظر تأمل إلى مخلوقاته، تميل ظلالها يمينًا وشمالًا تبعًا لحركة الشمس وسيرها نهارًا وللقمر ليلًا، خاضعة لربها ساجدة له سجودًا حقيقيًّا، وهي ذليلة.
٤٩ - ولله وحده يسجد جميع ما في السماوات وجميع ما في الأرض من دابة، وله وحده يسجد الملائكة، وهم لا يستكبرون عن عبادة الله وطاعته.
٥٠ - وهم -مع ما هم عليه من العبادة والطاعة الدائمة- يخافون ربهم الذي هو فوقهم بذاته وقهره وسلطانه، ويفعلون ما يأمرهم به ربهم من الطاعة.
٥١ - وقال الله سبحانه لجميع عباده: لا تتخذوا معبودين اثنين، إنما هو معبود بحقٍّ واحدٌ لا ثاني له ولا شريك، فإياي فخافوني، ولا تخافوا غيري.
٥٢ - وله وحده ما في السماوات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتدبيرًا، وله وحده الطاعة والخضوع والإخلاص ثابتًا، أفغير الله تخافون؟! لا، بل خافوه وحده.
٥٣ - وما بكم -أيها الناس- من نعمة دينية أو دنيوية فمن الله سبحانه لا من غيره، ثم إذا أصابكم بلاء أو مرض أو فقر فإليه وحده تتَضَرَّعون بالدعاء؛ ليكشف عنكم ما أصابكم، فمن يمنح النعم ويكشف النقم هو الذي يجب أن يُعْبدَ وحده.
٥٣ - ثم إذا استجاب دعوتكم فصرف ما بكم من ضر إذا طائفة منكم بربهم يشركون، حيث يعبدون معه غيره، فأي لؤم هذا؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• على المجرم أن يستحي من ربه أن تكون نعم الله عليه نازلة في جميع اللحظات ومعاصيه صاعدة إلى ربه في كل الأوقات.
• ينبغي لأهل الكفر والتكذيب وأنواع المعاصي الخوف من الله تعالى أن يأخذهم بالعذاب على غِرَّة وهم لا يشعرون.
• جميع النعم من الله تعالى، سواء المادية كالرِّزق والسّلامة والصّحة، أو المعنوية كالأمان والجاه والمنصب ونحوها.
• لا يجد الإنسان ملجأ لكشف الضُّرِّ عنه في وقت الشدائد إلا الله تعالى فيضجّ بالدّعاء إليه؛ لعلمه أنه لا يقدر أحد على إزالة الكرب سواه.
стр. 280
٥٥ - شِرْكهم بالله جعلهم يكفرون نعم الله عليهم، ومنها كشف الضر؛ ولهذا قيل لهم: تمتعوا بما أنتم فيه من نعيم حتى يأتيكم عذاب الله الآجل والعاجل.
٥٦ - ويجعل المشركون لأصنامهم التي لا تعلم شيئًا -لأنها جمادات، ولا تنفع ولا تضر- قسمًا من أموالهم التي رزقناهم، يتقربون به إليها، والله لتسألنَّ -أيها المشركون- يوم القيامة عما كنتم تزعمون من أن هذه الأصنام آلهة، وأن لها قسمًا من أموالكم.
٥٧ - وينسب المشركون لله البنات، ويعتقدون أنها الملائكة، فينسبون إليه البنوة، ويختارون له ما لا يحبونه لأنفسهم، تنزه سبحانه وتقدس عما يجعلونه له منها، ويجعلون لهم ما تميل إليه أنفسهم من الأولاد الذكور، فأي جرم أعظم من هذا؟!
٥٨ - وإذا أُخبر أحد هؤلاء المشركين بميلاد أنثى اسودّ وجهه من شدة كراهية ما أُخْبِر به، وامتلأ قلبه همًّا وحزنًا، ثم هو ينسب إلى الله ما لا يرضاه لنفسه!
٥٩ - يختفي ويتغيب عن قومه من سوء ما أُخْبِر به من ميلاد أنثى، تحدثه نفسه: أيمسك هذه البنت على ذل وانكسار أو يَئِدُها، فيخفيها في التراب؟ ما أقبح ما يحكم به المشركون، حيث حكموا لربهم بما يكرهون لأنفسهم.
٦٠ - للكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة صفة السوء من الحاجة للولد والجهل والكفر، ولله الصفات الحميدة العليا من الجلال والكمال والغنى والعلم، وهو سبحانه العزيز في ملكه الذي لا يغالبه أحد الحكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.
٦١ - ولو يعاقب الله سبحانه الناس بسبب ظلمهم وكفرهم به ما ترك على الأرض من إنسان ولا حيوان يَدِبُّ على وجهها، ولكنه سبحانه يؤخرهم إلى أمَد محدد في علمه، فإذا جاء ذلك الأمَد المحدد في علمه لا يتأخرون عنه ولا يتقدمون ولو وقتًا يسيرًا.
٦٢ - ويجعلون لله سبحانه ما يكرهون نسبته إليهم من الإناث، وتنطق ألسنتهم بالكذب أن لهم عند الله المنزلة الحسنى إن صح أنهم سيبعثون كما يقولون، حقًّا إنّ لهم النار، وإنهم متروكون فيها، لا يخرجون منها أبدًا.
٦٣ - تالله لقد بعثنا رسلًا إلى أمم من قبلك -أيها الرسول- فحسّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة من الشرك والكفر والمعاصي، فهو نصيرهم المزعوم يوم القيامة فليستنصروه، ولهم يوم القيامة عذاب موجع.
٦٤ - وما أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن إلا لتبين لجميع الناس ما اختلفوا فيه من التوحيد والبعث وأحكام الشرع، وأن يكون القرآن هداية ورحمة للمؤمنين بالله وبرسله، وبما جاء به القرآن، فهم الذين ينتفعون بالحق.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من جهالات المشركين: نسبة البنات إلى الله تعالى، ونسبة البنين لأنفسهم، وأنفَتُهم من البنات، وتغيّر وجوههم حزنًا وغمًّا بالبنت، واستخفاء الواحد منهم وتغيبه عن مواجهة القوم من شدَّة الحزن وسوء الخزي والعار والحياء الذي يلحقه بسبب البنت.
• من سنن الله إمهال الكفار وعدم معاجلتهم بالعقوبة ليترك الفرصة لهم للإيمان والتوبة.
• مهمة النبي ﷺ الكبرى هي تبيان ما جاء في القرآن، وبيان ما اختلف فيه أهل الملل والأهواء من الدين والأحكام، فتقوم الحجة عليهم ببيانه.
стр. 281
٥٦ - والله أنزل من جهة السماء مطرًا، فأحيا به الأرض بإخراج النبات منها بعد أن كانت قاحلة جافة، إن في إنزال المطر من جهة السماء، وإخراج نبات الأرض به لدلالة واضحة على قدرة الله لقوم يسمعون كلام الله ويتدبرونه.
٦٦ - وإن لكم -أيها الناس- في الإبل والبقر والغنم لعظة تتعظون بها، حيث نسقيكم من ضروعها لبنًا خارجًا من بين ما يحتويه البطن من فضلات وما في الجسم من دم، ومع هذا يخرج لبنًا خالصًا نقيًّا لذيدا يطيب للشاربين.
٦٧ - ولكم عظة فيما نرزقكم من ثمرات النخل ومن ثمرات الأعناب، فتتخذون منه مسكرًا يذهب بالعقل، وهو غير حسن، وتتخذون منه رزقًا حسنًا تنتفعون به مثل التمر والزبيب والخل والدِّبْس، إن في ذلك المذكور لدلالة على قدرة الله وإنعامه على عباده لقوم يعقلون، فهم الذين يعتبرون.
٦٨ - وألهم ربُّك -أيها الرسول- النحل، وأرشدها أن: اتخذي لك بيوتًا في الجبال، واتخذي بيوتًا في الشجر، وفيما يبنيه الناس ويسقفونه.
٦٩ - ثم كلي من كل ما تشتهينه من الثمرات، واسلكي الطرق التي ألهمك ربك سلوكها مُذَلَّلة، يخرج من بطون تلك النحل عسل مختلف الألوان، فيه الأبيض والأصفر وغيرهما، فيه شفاء للناس، يعالجون به الأمراض، إن في إلهام النحل ذلك وفي العسل الذي يخرج من بطونها لدلالة على قدرة الله وتدبيره لشؤون خلقه لقوم يتفكرون، فهم الذين يعتبرون.
٧٠ - والله خلقكم على غير مثال سابق، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ومنكم من يمتد عمره إلى أسوأ مراحل العمر وهو الهرم، فلا يعلم مما كان يعلمه شيئًا، إن الله عليم لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، قدير لا يعجزه شيء.
٧١ - والله فضل بعضكم على بعض فيما منحكم من الرزق، فجعل منكم الغني والفقير، والسيد والمَسُود، فليس الذين فضلهم الله في الرزق برادِّي ما أعطاهم الله على عبيدهم حتى يكونوا شركاء بالسوية معهم في الملك، فكيف يرضون لله شركاءء من عبيده، ولا يرضون لأنفسهم أن يكون لهم شركاء من عبيدهم يستوون معهم؛ فأي ظلم هذا، وأي جحود لنعم الله أعظم من هذا؟!
٧١ - والله جعل لكم -أيها الناس- من جنسكم أزواجًا تأنسون بهن، وجعل لكم من أزواجكم أولادًا وأولاد أولاد، ورزقكم من المأكولات -كاللحم والحبوب والفواكه- طيبها، أفبالباطل من الأصنام والأوثان يؤمنون، وبنعم الله الكثيرة التي لا يستطيعون حصرها يكفرون ولا يشكرون الله بأن يؤمنوا به وحده؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• جعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد، ومصالح من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريًّا ونضيجًا وحاضرًا ومُدَّخَرًا وطعامًا وشرابًا.
• في خلق النحلة الصغيرة وما يخرج من بطونها من عسل لذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يُحَب غيره ويُدْعى سواه.
• من منن الله العظيمة على عباده أن جعل لهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم، ويخدمونهم ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة.
стр. 282
٧٣ - ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله أصنامًا، لا يملكون أن يرزقوهم أي رزق من السماوات ولا من الأرض، ولا يَتَأتَّى منهم أن يملكوا ذلك؛ لكونهم جمادات لا حياة لها ولا علم.
٧٤ - فلا تجعلوا -أيها الناس- لله أشباهًا من هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، فليس لله شبيه حتى تشركوه معه في العبادة، إن الله يعلم ما له من صفات الجلال والكمال، وأنتم لا تعلمون ذلك، فتقعون في الشرك به، وادعاء مماثلته لأصنامكم.
٧٥ - ضرب الله سبحانه مثلًا للرد على المشركين: عبدًا مملوكًا عاجزًا عن التصرف، ليس له ما ينفقه، وحرًّا أعطيناه من لدنًا مالًا حلالًا، يتصرف فيه بما يشاء، فهو يبذل منه في الخفاء والجهر ما يشاء، فلا يستوي هذان الرجلان، فكيف تُسَوون بين الله المالك المتصرف في ملكه بما يشاء، وبين أصنامكم العاجزة؟! الثناء لله المستحق للثناء، بل أكثر المشركين لا يعلمون انفراد الله بالألوهية واستحقاقِ أن يُعْبَدَ وحده.
٧٦ - وضرب الله سبحانه مثلًا آخر للرد عليهم هو مثل رجلين: أحدهما أبكم لا يسمع ولا ينطق ولا يفهم؛ لصممه وبكمه، عاجز عن نفع نفسه وعن نفع غيره، وهو حمل ثقيل على من يعوله، ويتولى أمره، أينما يبعثه لجهة لا يأت بخير، ولا يظفر بمطلوب، هل يستوي من هذه حاله مع من هو سليم السمع والنطق، نفعه مُتَعَدٍّ، فهو يأمر الناس بالعدل وهو مستقيم في نفسه، فهو على طريق واضح لا لبس فيه ولا عِوَج؟! فكيف تُسَوون -أيها المشركون- بين الله المتصف بصفات الجلال والكمال وبين أصنامكم التي لا تسمع ولا تنطق، ولا تجلب نفعًا، ولا تكشف ضرًّا؟!
٧٧ - ولله وحده علم ما غاب في السماوات، وعلم ما غاب في الأرض، فهو المختص بعلم ذلك دون أحد من خلقه، وما شأن القيامة التي هي من الغيوب المختصة به في سرعة مجيئها إذا أراده إلا مثل انطباق جفن عين وفتحه، بل هو أقرب من ذلك، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، إذا أراد أمرًا قال له: ﴿كُنْ﴾، فيكون.
٧٨ - والله أخرجكم -أيها الناس- من بطون أمهاتكم بعد انقضاء وفت الحمل أطفالًا لا تدركون شيئًا، وجعل لكم السمع لتسمعوا به، والأبصار لتبصروا بها، والقلوب لتعقلوا بها؛ رجاء أن تشكروه على ما أنعم به عليكم منها.
٧٩ - ألم ينظر المشركون إلى الطير مُذلَّلات مُهَيَّآت للطيران في الهواء بما منحها الله من الأجنحة ورقة الهواء، وألهمها قبض أجنحتها وبسطها، ما يمسكهن في الهواء عن السقوط إلا الله القادر، إن في ذلك التذليل والإمساك عن السقوط لدلالات لقوم يؤمنون بالله؛ لأنهم الذين ينتفعون بالدلالات والعبر.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لله تعالى الحكمة البالغة في قسمة الأرزاق بين العباد، إذ جعل منهم الغني والفقير والمتوسط؛ ليتكامل الكون، ويتعايش الناس، ويخدم بعضهم بعضًا.
• دَلَّ المثلان في الآيات على ضلالة المشركين وبطلان عبادة الأصنام؛ لأن شأن الإله المعبود أن يكون مالكًا قادرًا على التصرف في الأشياء، وعلى نفع غيره ممن يعبدونه، وعلى الأمر بالخير والعدل.
• من نعمه تعالى ومن مظاهر قدرته خلق الناس من بطون أمهاتهم لا علم لهم بشيء، ثم تزويدهم بوسائل المعرفة والعلم، وهي السمع والأبصار والأفئدة، فبها يعلمون ويدركون.
стр. 283
٨٠ - والله سبحانه جعل لكم من بيوتكم التي تبنونها من الحجر وغيره استقرارًا وراحة، وجعل لكم من جلود الإبل والبقر والغنم خيامًا وقِبَابًا في البادية مثل بيوت الحضر، يَخِفُّ عليكم حملها في ترحالكم من مكان لآخر، ويسهل نصبها وقت نزولكم، وجعل لكم من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز أثاثًا لبيوتكم وأكسية وأغطية تتمتعون بها إلى زمن محدد.
٨١ - والله جعل لكم من الأشجار والأبنية ما تستظلون به من الحر، وجعل لكم من الجبال أسرابًا ومغارات وكهوفًا تستترون فيها عن البرد والحر والعدو، وجعل لكم قمصانًا وثيابًا من القطن وغيره تدفع عنكم الحر والبرد، وجعل لكم دروعًا تقيكم بأس بعضكم في الحرب، فلا ينفذ السلاح إلى أجسامكم، كما أنعم الله به عليكم من النعم السابقة يكمل نعمه عليكم رجاء أن تنقادوا لله وحده، ولا تشركوا به شيئًا.
٨٢ - فإن أعرضوا عن الإيمان والتصديق بما جئت به فليس عليك -أيها الرسول- إلا تبليغ ما أمرت بتبليغه تبليغًا واضحًا، وليس عليك على الهداية.
٨٣ - يعرف المشركون نعم الله التي أنعم بها عليهم، ومنها إرسال النبي ﷺ إليهم، ثم يجحدون نعمه بعدم شكرها، وبالتكذيب برسوله، وأكثرهم الجاحدون لنعمه سبحانه.
٨٤ - واذكر -أيها الرسول- يوم يبعث الله من كل أمة رسولها الذي أرسل إليها يشهد على إيمان المؤمن منهم وكفر الكافر، ثم بعد ذلك لا يسمح للكفار بالاعتذار عما كانوا عليه من الكفر، ولا يرجعون إلى الدنيا ليعملوا ما يرضى عنه ربهم، فالآخرة دار حساب لا دار عمل.
٨٥ - وإذا عاين الظالمون المشركون العذاب فلا يُخَفَّف عنهم العذاب، ولا هم يُمْهَلون بتأخيره عنهم، بل يدخلونه خالدين فيه مخلدين.
٨٦ - عاين المشركون في الآخرة معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله قالوا: ربنا، هؤلاء هم شركاؤنا الذين كنا نعبدهم من دونك، قالوا ذلك ليُحَمِّلوهم أوزارهم، فانطق الله معبوداتهم، فردوا عليهم: إنكم - أيها المشركون لكاذبونن في عبادتكم شريكًا مع الله، فليس معه شريك فيعبد.
٨٧ - واستسلم المشركون، وانقادوا لله وحده، وذهب عنهم ما كانوا يختلقونه من ادعاء أن أصنامهم تشفع لهم عند الله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دلت الآيات على جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال، ومنها استخدامها في البيوت والأثاث.
• كثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر، والثناء بها على الله تعالى.
• الشهيد الذي يشهد على كل أمة هو أزكي الشهداء وأعدلهم، وهم الرسل الذين إذا شهدوا تم عليهم الحكم.
• في قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ دليل على اتخاذ العباد عدَّة الجهاد , ليستعينوا بها على قتال الأعداء.
стр. 284
٨٨ - الذين كفروا بالله، وصرفوا غيرهم عن سبيل الله زدناهم عذابًا -بسبب فسادهم وإفسادهم بإضلالهم لغيرهم- على العذاب الذي استحقوه لكفرهم.
٨٩ - واذكر -أيها الرسول- يوم نبعث في كل أمة رسولًا يشهد عليهم بما كانوا عليه من ويتكلم بلسانهم، وجئنا لك -أيها الرسول- شهيدًا على الأمم جميعًا، ونزلنا عليك القران لتبيين كل ما يحتاج إلى تبيين من الحلال والحرام والثواب والعقاب وغير ذلك، ونزلناه هداية للناس إلى الحق، ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه، وتبشيرًا للمؤمنين بالله بما ينتظرون من النعيم المقيم.
٩٠ - إن الله يأمر عباده بالعدل بأن يؤدي العبد حقوق الله وحقوق العباد، وألا يفضّل أحدًا على أحد في الحكم إلا بحق يوجب ذلك التفضيل، ويأمر بالإحسان بأن يتفضل العبد بما لا يلزمه كالإنفاق تطوعًا والعفو عن الظالم، ويأمر بإعطاء الأقرباء ما يحتاجون إليه، وينهى عن كل ما قبح، قولًا كفحش القول، أو فعلًا كالزنى، وينهى عما ينكره الشرع، وهو كل المعاصي، وينهى عن الظلم والتكبر على الناس، يعظكم الله بما أمركم به، ونهاكم عنه في هذه الآية رجاء أن تعتبروا بما وعظكم به.
٩١ - وأوفوا بكل عهد عاهدتم الله أو عاهدتم الناس عليه، ولا تنقضوا الأيمان بعد تغليظها بالحلف بالله، وقد جعلتم الله شهيدًا عليكم بالوفاء بما حلفتم عليه، إن الله يعلم ما تفعلون، لا يخفى عليه شيء منه، وسيجازيكم عليه.
٩٢ - ولا تكونوا بنقض العهود سفهاء خفاف العقول، مثل امرأة حمقاء تعبت في غزل صوفها أو قطنها، وأحكمت غزله، ثم نقضته وجعلته محلولًا كما كان قبل غزله، فتعبت في غزله ونقضه، ولم تحصل على مطلوب، تُصَيِّرون أيمانكم خديعة يخدع بعضكم بعضًا بها؛ لتكون أمتكم أكثر وأقوى من أمة عدائكم، إنما يختبركم الله بالوفاء بالعهود، هل تفون بها، أم تنقضونها؟ وليوضحنّ الله لكم يوم القيامة ما كنتم تختلفون فيه في الدنيا، فيبين المحق من المبطل، والصادق من الكاذب.
٩٣ - ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة متفقين على الحق، ولكنه سبحانه يضل من يشاء بخذلانه عن الحق وعن الوفاء بالعهود بعدله، ويوفق من يشاء بفضله لذلك، ولتُسْألنّ يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• للكفار الذين يصدون عن سبيل الله عذاب مضاعف بسبب إفسادهم في الدنيا بالكفر والمعصية.
• لا تخلو الأرض من أهل الصلاح والعلم، وهم أئمة الهدى خلفاء الأنبياء، والعلماء حفظة شرائع الأنبياء.
• حدَّدت هذه الآيات دعائم المجتمع المسلم في الحياة الخاصة والعامة للفرد والجماعة والدولة.
• النهي عن الرشوة وأخذ الأموال على نقض العهد.
стр. 285
٩٤ - ولا تُصَيِّروا أيمانكم خديعة يخدع بعضكم بعضًا بها، تتبعون فيها أهواءكم، فتنقضونها متى شئتم، وتفون بها متى شئتم، فإنكم إن فعلتم ذلك زَلّت أقدامكم عن الصراط المستقيم بعد أن كانت ثابتة عليه، وذقتم العذاب بسبب ضلالكم عن سبيل الله، وإضلالكم غيركم عنها، ولكم عذاب مضاعف.
٩٥ - ولا تستبدلوا بعهد الله عوضًا قليلًا على نقضكم للعهد، وترك الوفاء به، إن ما عند الله من النصر والغنائم في الدنيا، وما عنده من النعيم الدائم في الآخرة خير لكم مما تنالونه من عوض قليل على نقض العهد إن كنتم تعلمون ذلك.
٩٦ - ما عندكم -أيها الناس- من المال واللذات والنعيم ينقضي ولو كان كثيرًا، وما عند الله من الجزاء باق، فكيف تؤثرون فانيًا على باق؟ ولنجزيت الذين صبروا على عهوهم ولم ينقضوها ثوابهم بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات، فنجزيهم الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
٩٧ - من عمل عملًا صالحًا موافقًا للشرع ذكرًا كان أو أنثى، وهو مؤمن بالله؛ فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة بالرضا بقضاء الله وبالقناعة والتوفيق للطاعات، ولنجزينهم ثوابهم في الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة.
٩٨ - فإذا أردت قراءة القرآن - أيها المؤمن - فاسأل الله أن يعيذك من وساوس الشيطان المطرود عن رحمة الله.
٩٩ - إن الشيطان ليس له تسلط على الذين آمنوا بالله، وعلى ربهم وحده يعتمدون في جميع أمورهم.
١٠٠ - إنما تسلطه بالوساوس على الذين يتخذونه وليًّا، ويطيعونه في إغوائه، والذين هم بسبب إغوائه مشركون بالله يعبدون معه غيره.
١٠١ - وإذا نسخنا حكم آية من القرآن بآية أخرى -والله أعلم بما ينسخ من القرآن لحكمة، وعليم بما لا ينسخ منه- قالوا: إنما أنت - يا محمد - كاذب تختلق على الله، بل أكثرهم لا يعلمون أن النسخ إنما يكون لحكمة إلهية بالغة.
١٠٢ - قل لهم -أيها الرسول-: نزل بهذا القرآن جبريل ﵇ من عند الله سبحانه بالحق الذي لا خطأ فيه ولا تبديل ولا تحريف، ليثبّت الذين آمنوا بالله على إيمانهم كلما نزل منه جديد، ونُسِخَ منه بعض، وليكون هداية لهم إلى الحق، وبشارة للمسلمين بما يحصلون عليه من الثواب الكريم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• العمل الصالح المقرون بالإيمان يجعل الحياة طيبة.
• الطريق إلى السلامة من شر الشيطان هو الالتجاء إلى الله، والاستعاذة به من شره.
• على المؤمنين أن يجعلوا القرآن إمامهم، فيتربوا بعلومه، ويتخلقُوا بأخلاقه، ويستضيئوا بنوره، فبذلك تستقيم أمورهم الدينية والدنيوية.
• نسخ الأحكام واقع في القرآن زمن الوحي لحكمة، وهي مراعاة المصالح والحوادث، وتبدل الأحوال البشرية.
следующие страницы →