← Тафсир

Тафсир · id 18102

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (612 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٥٦ - والله أنزل من جهة السماء مطرًا، فأحيا به الأرض بإخراج النبات منها بعد أن كانت قاحلة جافة، إن في إنزال المطر من جهة السماء، وإخراج نبات الأرض به لدلالة واضحة على قدرة الله لقوم يسمعون كلام الله ويتدبرونه. ٦٦ - وإن لكم -أيها الناس- في الإبل والبقر والغنم لعظة تتعظون بها، حيث نسقيكم من ضروعها لبنًا خارجًا من بين ما يحتويه البطن من فضلات وما في الجسم من دم، ومع هذا يخرج لبنًا خالصًا نقيًّا لذيدا يطيب للشاربين. ٦٧ - ولكم عظة فيما نرزقكم من ثمرات النخل ومن ثمرات الأعناب، فتتخذون منه مسكرًا يذهب بالعقل، وهو غير حسن، وتتخذون منه رزقًا حسنًا تنتفعون به مثل التمر والزبيب والخل والدِّبْس، إن في ذلك المذكور لدلالة على قدرة الله وإنعامه على عباده لقوم يعقلون، فهم الذين يعتبرون. ٦٨ - وألهم ربُّك -أيها الرسول- النحل، وأرشدها أن: اتخذي لك بيوتًا في الجبال، واتخذي بيوتًا في الشجر، وفيما يبنيه الناس ويسقفونه. ٦٩ - ثم كلي من كل ما تشتهينه من الثمرات، واسلكي الطرق التي ألهمك ربك سلوكها مُذَلَّلة، يخرج من بطون تلك النحل عسل مختلف الألوان، فيه الأبيض والأصفر وغيرهما، فيه شفاء للناس، يعالجون به الأمراض، إن في إلهام النحل ذلك وفي العسل الذي يخرج من بطونها لدلالة على قدرة الله وتدبيره لشؤون خلقه لقوم يتفكرون، فهم الذين يعتبرون. ٧٠ - والله خلقكم على غير مثال سابق، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ومنكم من يمتد عمره إلى أسوأ مراحل العمر وهو الهرم، فلا يعلم مما كان يعلمه شيئًا، إن الله عليم لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، قدير لا يعجزه شيء. ٧١ - والله فضل بعضكم على بعض فيما منحكم من الرزق، فجعل منكم الغني والفقير، والسيد والمَسُود، فليس الذين فضلهم الله في الرزق برادِّي ما أعطاهم الله على عبيدهم حتى يكونوا شركاء بالسوية معهم في الملك، فكيف يرضون لله شركاءء من عبيده، ولا يرضون لأنفسهم أن يكون لهم شركاء من عبيدهم يستوون معهم؛ فأي ظلم هذا، وأي جحود لنعم الله أعظم من هذا؟! ٧١ - والله جعل لكم -أيها الناس- من جنسكم أزواجًا تأنسون بهن، وجعل لكم من أزواجكم أولادًا وأولاد أولاد، ورزقكم من المأكولات -كاللحم والحبوب والفواكه- طيبها، أفبالباطل من الأصنام والأوثان يؤمنون، وبنعم الله الكثيرة التي لا يستطيعون حصرها يكفرون ولا يشكرون الله بأن يؤمنوا به وحده؟! [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • جعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد، ومصالح من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريًّا ونضيجًا وحاضرًا ومُدَّخَرًا وطعامًا وشرابًا. • في خلق النحلة الصغيرة وما يخرج من بطونها من عسل لذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يُحَب غيره ويُدْعى سواه. • من منن الله العظيمة على عباده أن جعل لهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم، ويخدمونهم ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة.

стр. 282

٧٣ - ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله أصنامًا، لا يملكون أن يرزقوهم أي رزق من السماوات ولا من الأرض، ولا يَتَأتَّى منهم أن يملكوا ذلك؛ لكونهم جمادات لا حياة لها ولا علم. ٧٤ - فلا تجعلوا -أيها الناس- لله أشباهًا من هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، فليس لله شبيه حتى تشركوه معه في العبادة، إن الله يعلم ما له من صفات الجلال والكمال، وأنتم لا تعلمون ذلك، فتقعون في الشرك به، وادعاء مماثلته لأصنامكم. ٧٥ - ضرب الله سبحانه مثلًا للرد على المشركين: عبدًا مملوكًا عاجزًا عن التصرف، ليس له ما ينفقه، وحرًّا أعطيناه من لدنًا مالًا حلالًا، يتصرف فيه بما يشاء، فهو يبذل منه في الخفاء والجهر ما يشاء، فلا يستوي هذان الرجلان، فكيف تُسَوون بين الله المالك المتصرف في ملكه بما يشاء، وبين أصنامكم العاجزة؟! الثناء لله المستحق للثناء، بل أكثر المشركين لا يعلمون انفراد الله بالألوهية واستحقاقِ أن يُعْبَدَ وحده. ٧٦ - وضرب الله سبحانه مثلًا آخر للرد عليهم هو مثل رجلين: أحدهما أبكم لا يسمع ولا ينطق ولا يفهم؛ لصممه وبكمه، عاجز عن نفع نفسه وعن نفع غيره، وهو حمل ثقيل على من يعوله، ويتولى أمره، أينما يبعثه لجهة لا يأت بخير، ولا يظفر بمطلوب، هل يستوي من هذه حاله مع من هو سليم السمع والنطق، نفعه مُتَعَدٍّ، فهو يأمر الناس بالعدل وهو مستقيم في نفسه، فهو على طريق واضح لا لبس فيه ولا عِوَج؟! فكيف تُسَوون -أيها المشركون- بين الله المتصف بصفات الجلال والكمال وبين أصنامكم التي لا تسمع ولا تنطق، ولا تجلب نفعًا، ولا تكشف ضرًّا؟! ٧٧ - ولله وحده علم ما غاب في السماوات، وعلم ما غاب في الأرض، فهو المختص بعلم ذلك دون أحد من خلقه، وما شأن القيامة التي هي من الغيوب المختصة به في سرعة مجيئها إذا أراده إلا مثل انطباق جفن عين وفتحه، بل هو أقرب من ذلك، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، إذا أراد أمرًا قال له: ﴿كُنْ﴾، فيكون. ٧٨ - والله أخرجكم -أيها الناس- من بطون أمهاتكم بعد انقضاء وفت الحمل أطفالًا لا تدركون شيئًا، وجعل لكم السمع لتسمعوا به، والأبصار لتبصروا بها، والقلوب لتعقلوا بها؛ رجاء أن تشكروه على ما أنعم به عليكم منها. ٧٩ - ألم ينظر المشركون إلى الطير مُذلَّلات مُهَيَّآت للطيران في الهواء بما منحها الله من الأجنحة ورقة الهواء، وألهمها قبض أجنحتها وبسطها، ما يمسكهن في الهواء عن السقوط إلا الله القادر، إن في ذلك التذليل والإمساك عن السقوط لدلالات لقوم يؤمنون بالله؛ لأنهم الذين ينتفعون بالدلالات والعبر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • لله تعالى الحكمة البالغة في قسمة الأرزاق بين العباد، إذ جعل منهم الغني والفقير والمتوسط؛ ليتكامل الكون، ويتعايش الناس، ويخدم بعضهم بعضًا. • دَلَّ المثلان في الآيات على ضلالة المشركين وبطلان عبادة الأصنام؛ لأن شأن الإله المعبود أن يكون مالكًا قادرًا على التصرف في الأشياء، وعلى نفع غيره ممن يعبدونه، وعلى الأمر بالخير والعدل. • من نعمه تعالى ومن مظاهر قدرته خلق الناس من بطون أمهاتهم لا علم لهم بشيء، ثم تزويدهم بوسائل المعرفة والعلم، وهي السمع والأبصار والأفئدة، فبها يعلمون ويدركون.

стр. 283

٨٠ - والله سبحانه جعل لكم من بيوتكم التي تبنونها من الحجر وغيره استقرارًا وراحة، وجعل لكم من جلود الإبل والبقر والغنم خيامًا وقِبَابًا في البادية مثل بيوت الحضر، يَخِفُّ عليكم حملها في ترحالكم من مكان لآخر، ويسهل نصبها وقت نزولكم، وجعل لكم من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز أثاثًا لبيوتكم وأكسية وأغطية تتمتعون بها إلى زمن محدد. ٨١ - والله جعل لكم من الأشجار والأبنية ما تستظلون به من الحر، وجعل لكم من الجبال أسرابًا ومغارات وكهوفًا تستترون فيها عن البرد والحر والعدو، وجعل لكم قمصانًا وثيابًا من القطن وغيره تدفع عنكم الحر والبرد، وجعل لكم دروعًا تقيكم بأس بعضكم في الحرب، فلا ينفذ السلاح إلى أجسامكم، كما أنعم الله به عليكم من النعم السابقة يكمل نعمه عليكم رجاء أن تنقادوا لله وحده، ولا تشركوا به شيئًا. ٨٢ - فإن أعرضوا عن الإيمان والتصديق بما جئت به فليس عليك -أيها الرسول- إلا تبليغ ما أمرت بتبليغه تبليغًا واضحًا، وليس عليك على الهداية. ٨٣ - يعرف المشركون نعم الله التي أنعم بها عليهم، ومنها إرسال النبي ﷺ إليهم، ثم يجحدون نعمه بعدم شكرها، وبالتكذيب برسوله، وأكثرهم الجاحدون لنعمه سبحانه. ٨٤ - واذكر -أيها الرسول- يوم يبعث الله من كل أمة رسولها الذي أرسل إليها يشهد على إيمان المؤمن منهم وكفر الكافر، ثم بعد ذلك لا يسمح للكفار بالاعتذار عما كانوا عليه من الكفر، ولا يرجعون إلى الدنيا ليعملوا ما يرضى عنه ربهم، فالآخرة دار حساب لا دار عمل. ٨٥ - وإذا عاين الظالمون المشركون العذاب فلا يُخَفَّف عنهم العذاب، ولا هم يُمْهَلون بتأخيره عنهم، بل يدخلونه خالدين فيه مخلدين. ٨٦ - عاين المشركون في الآخرة معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله قالوا: ربنا، هؤلاء هم شركاؤنا الذين كنا نعبدهم من دونك، قالوا ذلك ليُحَمِّلوهم أوزارهم، فانطق الله معبوداتهم، فردوا عليهم: إنكم - أيها المشركون لكاذبونن في عبادتكم شريكًا مع الله، فليس معه شريك فيعبد. ٨٧ - واستسلم المشركون، وانقادوا لله وحده، وذهب عنهم ما كانوا يختلقونه من ادعاء أن أصنامهم تشفع لهم عند الله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • دلت الآيات على جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال، ومنها استخدامها في البيوت والأثاث. • كثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر، والثناء بها على الله تعالى. • الشهيد الذي يشهد على كل أمة هو أزكي الشهداء وأعدلهم، وهم الرسل الذين إذا شهدوا تم عليهم الحكم. • في قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ دليل على اتخاذ العباد عدَّة الجهاد , ليستعينوا بها على قتال الأعداء.

стр. 284

٨٨ - الذين كفروا بالله، وصرفوا غيرهم عن سبيل الله زدناهم عذابًا -بسبب فسادهم وإفسادهم بإضلالهم لغيرهم- على العذاب الذي استحقوه لكفرهم. ٨٩ - واذكر -أيها الرسول- يوم نبعث في كل أمة رسولًا يشهد عليهم بما كانوا عليه من ويتكلم بلسانهم، وجئنا لك -أيها الرسول- شهيدًا على الأمم جميعًا، ونزلنا عليك القران لتبيين كل ما يحتاج إلى تبيين من الحلال والحرام والثواب والعقاب وغير ذلك، ونزلناه هداية للناس إلى الحق، ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه، وتبشيرًا للمؤمنين بالله بما ينتظرون من النعيم المقيم. ٩٠ - إن الله يأمر عباده بالعدل بأن يؤدي العبد حقوق الله وحقوق العباد، وألا يفضّل أحدًا على أحد في الحكم إلا بحق يوجب ذلك التفضيل، ويأمر بالإحسان بأن يتفضل العبد بما لا يلزمه كالإنفاق تطوعًا والعفو عن الظالم، ويأمر بإعطاء الأقرباء ما يحتاجون إليه، وينهى عن كل ما قبح، قولًا كفحش القول، أو فعلًا كالزنى، وينهى عما ينكره الشرع، وهو كل المعاصي، وينهى عن الظلم والتكبر على الناس، يعظكم الله بما أمركم به، ونهاكم عنه في هذه الآية رجاء أن تعتبروا بما وعظكم به. ٩١ - وأوفوا بكل عهد عاهدتم الله أو عاهدتم الناس عليه، ولا تنقضوا الأيمان بعد تغليظها بالحلف بالله، وقد جعلتم الله شهيدًا عليكم بالوفاء بما حلفتم عليه، إن الله يعلم ما تفعلون، لا يخفى عليه شيء منه، وسيجازيكم عليه. ٩٢ - ولا تكونوا بنقض العهود سفهاء خفاف العقول، مثل امرأة حمقاء تعبت في غزل صوفها أو قطنها، وأحكمت غزله، ثم نقضته وجعلته محلولًا كما كان قبل غزله، فتعبت في غزله ونقضه، ولم تحصل على مطلوب، تُصَيِّرون أيمانكم خديعة يخدع بعضكم بعضًا بها؛ لتكون أمتكم أكثر وأقوى من أمة عدائكم، إنما يختبركم الله بالوفاء بالعهود، هل تفون بها، أم تنقضونها؟ وليوضحنّ الله لكم يوم القيامة ما كنتم تختلفون فيه في الدنيا، فيبين المحق من المبطل، والصادق من الكاذب. ٩٣ - ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة متفقين على الحق، ولكنه سبحانه يضل من يشاء بخذلانه عن الحق وعن الوفاء بالعهود بعدله، ويوفق من يشاء بفضله لذلك، ولتُسْألنّ يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • للكفار الذين يصدون عن سبيل الله عذاب مضاعف بسبب إفسادهم في الدنيا بالكفر والمعصية. • لا تخلو الأرض من أهل الصلاح والعلم، وهم أئمة الهدى خلفاء الأنبياء، والعلماء حفظة شرائع الأنبياء. • حدَّدت هذه الآيات دعائم المجتمع المسلم في الحياة الخاصة والعامة للفرد والجماعة والدولة. • النهي عن الرشوة وأخذ الأموال على نقض العهد.

стр. 285

٩٤ - ولا تُصَيِّروا أيمانكم خديعة يخدع بعضكم بعضًا بها، تتبعون فيها أهواءكم، فتنقضونها متى شئتم، وتفون بها متى شئتم، فإنكم إن فعلتم ذلك زَلّت أقدامكم عن الصراط المستقيم بعد أن كانت ثابتة عليه، وذقتم العذاب بسبب ضلالكم عن سبيل الله، وإضلالكم غيركم عنها، ولكم عذاب مضاعف. ٩٥ - ولا تستبدلوا بعهد الله عوضًا قليلًا على نقضكم للعهد، وترك الوفاء به، إن ما عند الله من النصر والغنائم في الدنيا، وما عنده من النعيم الدائم في الآخرة خير لكم مما تنالونه من عوض قليل على نقض العهد إن كنتم تعلمون ذلك. ٩٦ - ما عندكم -أيها الناس- من المال واللذات والنعيم ينقضي ولو كان كثيرًا، وما عند الله من الجزاء باق، فكيف تؤثرون فانيًا على باق؟ ولنجزيت الذين صبروا على عهوهم ولم ينقضوها ثوابهم بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات، فنجزيهم الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. ٩٧ - من عمل عملًا صالحًا موافقًا للشرع ذكرًا كان أو أنثى، وهو مؤمن بالله؛ فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة بالرضا بقضاء الله وبالقناعة والتوفيق للطاعات، ولنجزينهم ثوابهم في الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة. ٩٨ - فإذا أردت قراءة القرآن - أيها المؤمن - فاسأل الله أن يعيذك من وساوس الشيطان المطرود عن رحمة الله. ٩٩ - إن الشيطان ليس له تسلط على الذين آمنوا بالله، وعلى ربهم وحده يعتمدون في جميع أمورهم. ١٠٠ - إنما تسلطه بالوساوس على الذين يتخذونه وليًّا، ويطيعونه في إغوائه، والذين هم بسبب إغوائه مشركون بالله يعبدون معه غيره. ١٠١ - وإذا نسخنا حكم آية من القرآن بآية أخرى -والله أعلم بما ينسخ من القرآن لحكمة، وعليم بما لا ينسخ منه- قالوا: إنما أنت - يا محمد - كاذب تختلق على الله، بل أكثرهم لا يعلمون أن النسخ إنما يكون لحكمة إلهية بالغة. ١٠٢ - قل لهم -أيها الرسول-: نزل بهذا القرآن جبريل ﵇ من عند الله سبحانه بالحق الذي لا خطأ فيه ولا تبديل ولا تحريف، ليثبّت الذين آمنوا بالله على إيمانهم كلما نزل منه جديد، ونُسِخَ منه بعض، وليكون هداية لهم إلى الحق، وبشارة للمسلمين بما يحصلون عليه من الثواب الكريم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • العمل الصالح المقرون بالإيمان يجعل الحياة طيبة. • الطريق إلى السلامة من شر الشيطان هو الالتجاء إلى الله، والاستعاذة به من شره. • على المؤمنين أن يجعلوا القرآن إمامهم، فيتربوا بعلومه، ويتخلقُوا بأخلاقه، ويستضيئوا بنوره، فبذلك تستقيم أمورهم الدينية والدنيوية. • نسخ الأحكام واقع في القرآن زمن الوحي لحكمة، وهي مراعاة المصالح والحوادث، وتبدل الأحوال البشرية.

стр. 286

١٠٣ - ونحن نعلم أن المشركين يقولون: إن محمدًا ﷺ إنما يُعَلِّمه القرآنَ إنسانٌ، وهم كاذبون في دعواهم، فلغة من يزعمون أنه يعلمه أعجمية، وهذا القرآن نزل بلسان عربي واضح ذي بلاغة عالية، فكيف يزعمون أنه تَلَقَّاه من أعجمي؟! ١٠٤ - إن الذين لا يؤمنون بآيات الله أنها من عنده سبحانه لا يوفقهم الله للهداية ما داموا مُصِرِّين على ذلك، ولهم عذاب موجع بسبب ما هم فيه من الكفر بالله، والتكذيب بآياته. ١٠٥ - ليس محمد ﷺ كاذبًا فيما جاء به من ربه، إنما يختلق الكذب الذين لا يصدقون بآيات الله؛ لأنهم لا يخافون عذابًا، ولا يرجون ثوابًا، وأولئك المتصفون بالكفر هم الكاذبون؛ لأن الكذب عادتهم التي اعتادوا عليها. ١٠٦ - من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانِهِ وقلبُه مطمئن بالإيمان موقن بحقيقته، لكن من كان منفسح الصدر بالكفر فاختاره على الإيمان وتكلم به طائعًا فهو مرتد عن الإسلام فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم. ١٠٧ - ذلك الارتداد عن الإسلام بسبب أنهم آثروا ما ينالونه من حطام الدنيا مكافأة لكفرهم على الآخرة، وأن الله لا يوفق القوم الكافرين إلى الإيمان، بل يخذلهم. ١٠٨ - أولئك المتصفون بالردة بعد الإيمان الذين ختم الله على قلوبهم فلا يفهمون المواعظ، وعلى أسماعهم فلا يسمعونها سماعًا يُنْتَفع به، وعلى أبصارهم فلا يبصرون الآيات الدالة على الإيمان، وأولئك هم الغافلون عن أسباب السعادة والشقاء، وعما أعد الله لهم من العذاب. ١٠٩ - حقًّا إنهم يوم القيامة هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم بسبب كفرهم بعد إيمانهم الذي لو تمسكوا به لدخلوا الجنة. ١١٠ - ثم إن ربك -أيها الرسول- لغفور ورحيم بالمستضعفين من المؤمنين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بعدما عذبهم المشركون وامتحنوهم في دينهم حتى نطقوا بكلمة الكفر وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ثم جاهدوا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وجملمة الذين كفروا السفلى، وصبروا على مشاقه، إن ربك من بعد تلك الفتنة التي فُتِنوا بها، والتعذيب الذي عُذبوا به حتى نطقوا بكلمة الكفر؛ لغفور لهم، رحيم بهم؛ لأنهم ما نطقوا بكلمة الكفر إِلا مُكْرَهين. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الترخيص للمُسْتكره بالنطق بالكفر ظاهرًا مع اطمئنان القلب بالإيمان. • المرتدون استوجبوا غضب الله وعذابه؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وحرموا من هداية الله، وطبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وجعلوا من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة. • كَتَبَ الله المغفرة والرحمة للذين آمنوا، وهاجروا من بعد ما فتنوا، وصبروا على الجهاد.

стр. 287

١١١ - واذكر -أيها الرسول- يوم يأتي كل إنسان يُحاجّ عن نفسه، لا يُحاج عن غيرها لعظم الموقف، وتُوفَّى كل نفس جزاء ما عملت من خير وشر، وهم لا يُظْلمون بنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم. ١١٢ - وضرب الله مثلًا قريةً -وهي مكة- كانت آمنة لا يخاف أهلها، مستقرة والناس من حولها يُتَخَطَّفون، يجيئها رزقها هنيئًا سهلًا من كل مكان، فكفر أهلها بما أنعم الله عليهم من النعم ولم يشكروه، فجازاهم الله بالجوع والخوف الشديد الظاهر على أجسامهم فزعًا وهزالًا، حتى صارا كاللباس لهم بسبب ما كانوا يعملون من الكفر والتكذيب. ١١٣ - ولقد جاء أهل مكة رسول منهم يعرفونه بالأمانة والصدق، وهو محمد ﷺ ، فكذبوه فيما أنزله عليه ربه، فنزل بهم عذاب الله بالجوع والخوف، وهم ظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك حين أشركوا بالله، وكذبوا رسوله. ١١٤ - فكلوا - أيها العباد - مما رزقكم الله سبحانه ما كان حلالًا من جنس ما يُسْتطاب أكله، واشكروا نعمة الله التي أنعم بها عليكم بالإقرار بهذه النعم لله وصرفها في مرضاته، إن كنتم تعبدونه وحده ولا تشركون به. ١١٥ - حَرَّم الله عليكم من المأكولات ما مات دون ذكاة مما يُذَكَّى، والدم المَسْفوح، والخنزير بجميع أجزائه، وما ذبحه ذابحه قربانًا لغير الله، وهذا التحريم إنما هو في حالة الاختيار، فمن ألجاته الضرورة إلى أكل المذكورات، فأكل منها غير راغب في المحرم لذاته، ولا متجاوز لحد الحاجة؛ فلا إثم عليه، فإن الله غفور، يغفر له ما أكل، رحيم به حين أباح له ذلك عند الضرورة. ١١٦ - ولا تقولوا -أيها المشركون- لما تصفه ألسنتكم من الكذب على الله: هذا الشيء حلال، وهذا الشيء حرام؛ بقصد أن تختلقوا على الله الكذب بتحريم ما لم يحرم، أو تحليل ما لم يحلل، إن الذين يختلقون على الله الكذب لا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من مرهوب. ١١٧ - لهم متاع قليل حقير باتباعهم أهواءهم في الدنيا، ولهم يوم القيامة عذاب موجع. ولما ذكر الله ما حرمه من المأكولات على هذه الأمة ذكر ما حرمه على اليهود فقال: ١١٨ - وعلى اليهود خاصة حرمنا ما قصصناه عليك (كما في الآية) (١٤٦) من سورة الأنعام)، وما ظلمناهم بتحريم ذلك، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون حين ارتكبوا أسباب العقاب، فجزيناهم ببغيهم، فحرمنا عليهم ذلك عقوبة لهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الجزاء من جنس العمل؛ فإن أهل القرية لما بطروا النعمة بُذلوا بنقيضها، وهو مَحْقُها وسَلْبُها ووقعوا في شدة الجوع بعد الشبع، وفي الخوف والهلع بعد الأمن والاطمئنان، وفي قلة موارد العيش بعد الكفاية. • وجوب الإيمان بالله وبالرسل، وعبادة الله وحده، وشكره على نعمه وآلائه الكثيرة، وأن العذاب الإلهي لاحق بكل من كفر بالله وعصاه، وجحد نعمة الله عليه. • الله تعالى لم يحرم علينا إلا الخبائث تفضلًا منه، وصيانة عن كل مُسْتَقْذَر.

стр. 288

١١٩ - ثم إن ربك -أيها الرسول- للذين عملوا السيئات جهلًا بعاقبتها وإن كانوا متعمدين، ثم تابوا إلى الله بعد ما عملوا من سيئات، وأصلحوا أعمالهم التي فيها فساد، إن ربك من بعد التوبة لغفور لذنوبهم، رحيم بهم. ولما كان المشركون يزعمون أنهم على ملة إبراهيم رد الله عليهم دعواهم، فقال: ١٢٠ - إن إبراهيم ﵇ كان جامعًا لخصال الخير، مديمًا لطاعة ربه , مائلًا عن الأديان كلها إلى دين الاسلام، ولم يكن من المشركين قط. ١٢١ - وكان شاكرًا لنعم الله التي أنعم بها عليه، اختاره الله للنبوة، وهداه إلى دين الإسلام القويم. ١٢١ - وأعطيناه في الدنيا النبوة والثناء الحسن والولد الصالح، وإنه في الآخرة لمن الصالحين الذين أعد الله لهم الدرجات العلا من الجنة. ١٢٣ - ثم أوحينا إليك -أيها الرسول- أن اتبع ملة إبراهيم في التوحيد والبراءة من المشركين والدعوة إلى الله والعمل بشريعته، مائلًا عن جميع الأديان إلى دين الاسلام، وما كان من المشركين قط كما يزعم المشركون، بل كان موحدًا لله. ١٢٤ - إنما جُعِل تعظيم السبت فرضًا على اليهود الذين اختلفوا فيه؛ ليتفرغوا فيه من مشاغلهم للعبادة بعد أن ضلوا عن يوم الجمعة الذي أمروا بالتفرغ فيه، وإن ربك -أيها الرسول- ليحكم بين هؤلاء المختلفين يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، فيجازي كلًّا بما يستحقُّ. ١٢٥ - ادع -أيها الرسول- إلى دين الإسلام أنت ومن اتبعك من المؤمنين بما تقتضيه حال المدعو وانقياده، وبالنصح المشتمل على الترغيب والترهيب، وجادلهم بالطريقة التي هي أحسن قولًا وفكرًا وتهذيبًا، فليس عليك هداية الناس، وإنما عليك إبلاغهم، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن دين الإسلام، وهو أعلم بالمهتدين إليه، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ١٢٦ - وإن أردتم معاقبة عدوكم فعاقبوه بمثل ما فعل بكم دون زيادة، ولئن صبرتم عن معاقبتكم له عند القدرة عليه فإن ذلك خير للصابرين منكم من الانتصاف بمعاقبتهم. ١٢٧ - واصبر -أيها الرسول- على ما يصيبك من أذاهم، وما توفيقك للصبر إلا بتوفيق الله لك، ولا تحزن لإعراض الكفار عنك، ولا يضق صدرك بسبب ما يقومون به من مكر وكيد. ١٢٨ - إن الله مع الذين اتقوه بترك المعاصي، والذين هم محسنون بأداء الطاعات، وامتثال ما أمروا به، فهو معهم بالنصر والتأييد. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • اقتضت رحمة الله أن يقبل توبة عباده الذين يعملون السوء من الكفر والمعاصي، ثم يتوبون ويصلحونَ أعمالهم، فيغفر الله لهم. • يحسن بالمسلم أن يتخذ إبراهيم ﵇ قدوة له. • على الدعاة إلى دين الله اتباع هذه الطرق الثلاث: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. • العقاب يكون بالمِثْل دون زيادة، فالمظلوم منهي عن الزيادة في عقوبة الظالم.

стр. 289

سُوُرَة الإِسْرَاءِ مَكِيَّةَ [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان كمال الرسالة المحمدية، وفيها إشارات وبشارات للرسالة مضمونًا ومستقبلًا. [التَّفْسِيرُ] ١ - تنزه الله سبحانه وتعظَّم؛ لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فهو الذي سيّر عبده محمدًا ﷺ روحًا وجسدًا يقظة بجزء من الليل من المسجد الحرام إلى مسجد بيت المقدس الذي باركنا حوله بالثمار والزروع وبمنازل الأنبياء ﵈؛ ليرى بعض آياتنا الدالة على قدرة الله سبحانه، إنه هو السميع فلا يخفى عليه مسموع، البصير فلا يخفى عليه مُبْصَر. ٢ - وأعطينا موسى ﵇ التوراة وجعلناها هادية ومرشدة لبني إسرائيل، وقلنا لبني إسرائيل: لا تتخذوا من دوني وكيلًا تفوضون إليه أموركم، بل توكلوا عليَّ وحدي. ٣ - أنتم من نسل من أنعمنا عليهم بالنجاة مع نوح ﵇ من الغرق في الطوفان، فتذكروا هذه النعمة، واشكروا الله تعالى بعبادته وحده وطاعته، واقتدوا في ذلك بنوح، فإنه كان كثير الشكر لله تعالى. ٤ - وأخبرنا بنو إسرائيل وأعلمناهم في التوراة أنه لا بد أن يقع منهم فساد في الأرض بفعل المعاصي والبطر مرتين، وليَسْتَعْلنَّ على الناس بالظلم والبغي متجاوزين الحد في الاستعلاء عليهم. ٥ - فإذا حصل منهم الإفساد الأول سَلَّطْنا عليهم عبادًا لنا أصحاب قوة وبطش عظيم يقتلونهم ويشردونهم، فجالوا بين ديارهم يفسدون ما مروا عليه، وكان وعد الله بذلك واقعًا لا محالة. ٦ - ثم أعدنا لكم - يا بني إسرائيل - الدولة الغلبة على من سُلِّطوا عليكم عندما تبتم إلى الله، وأمددناكم بأموال بعد نهبها، وأولادٍ بعد سبيهم، وصيرناكم أكثر جمعًا من أعدائكم. ٧ - إن أحسنتم - يا بني إسرائيل - أعمالكم، وجئتم بها على الوجه المطلوب، فجزاء ذلك عائد لكم، فالله غني عن أعمالكم، وإن أسأتم أفعالكم فعاقبة ذلك عليكم، فالله لا ينفعه إحسان أفعالكم، ولا تضره إساءتها، فإذا حصل الإفساد الثاني سلطنا عليكم أعداءكم ليخزوكم، ويجعلوا المساءة ظاهرة على وجوهكم، لما يذيقونكم من صنوف الهوان، وليدخلوا بيت المقدس ويخربوه كما دخلوه وخربوه المرة الأولى، وليدمروا ما غلبوا عليه من البلاد تدميرًا كاملًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • في قوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾: إشارة لدخوله في حكم الإسلام؛ لأن المسجد موطن عبادةِ المسلمين. • بيان فضيلة الشكر، والاقتداء بالشاكرين من الأنبياء والمرسلين. • من حكمة الله وسُنَّته أن يبعث على المفسدين من يمنعهم من الفساد؛ لتحقق حكمة الله في الإصلاح. • التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي؛ لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل، فسُنَّة الله واحدة لا تتبدل ولا تتحول.

стр. 290

٨ - عسى ربكم - يا بني إسرائيل - أن يرحمكم بعد هذا الانتقام الشديد إن تبتم إليه، وأحسنتم أعمالكم، وإن رجعتم إلى الإفساد مرة ثالثة أو أكثر رجعنا إلى الانتقام منكم، وصَيَّرنا جهنم للكافرين بالله فراشًا ومهادًا لا يتخلون عنه. ٩ - إن هذا القرآن المنزل على محمد ﷺ يدل على أحسن السُّبُل وهي سبيل الإسلام، ويخبر المؤمنين بالله الذين يعملون الأعمال الصالحات بما يسرهم، وهو أن لهم ثوابًا عظيمًا من الله. ١٠ - ويخبر الذين لا يؤمنون بيوم القيامة بما يسوؤهم، وهو أنَّا أعددنا لهم يوم القيامة عذابًا موجعًا. ١١ - ويدعو الإنسان لجهله على نفسه وولده, وماله عند الغضب بالشرور، مثل دعائه لنفسه بالخير، فلو استجبنا دعاءه بالشر لهلك، وهلك ماله وولده، كان الإنسان مجبولًا على العجلة؛ ولذا فإنّه قد يتعجّل ما يضرّه. ١٢ - وخلقنا الليل والنهار علامتين دالتين على وحدانية الله وقدرته؛ لما فيهما من الاختلاف في الطول والقصر والحرارة والبرودة، فجعلنا الليل مظلمًا للراحة والنوم، وجعلنا النهار مضيئًا يبصر فيه الناس فيسعون لمعاشهم، رجاء أن تعلموا بتعاقبهما عدد السنين، وما تحتاجون إليه من حساب أوقات الشهور والأيام والساعات، وكل شيء بيَّناه تبيينًا لتتميز الأشياء، ويتضح المُحِقُّ من المُبْطِل. ١٣ - وكل إنسان جعلنا عمله الصادر عنه ملازمًا له ملازمة القلادة للعنق، لا ينفصل عنه حتى يُحاسَب عليه، ونخرج له يوم القيامة كتابًا فيه جميع ما عمل من خير وشر يجده أمامه مفتوحًا مبسوطًا. ١٤ - ونقول له يومئذ: اقرأ -أيها الانسان- كتابك، وتولّ حساب نفسك على أعمالك، كفى بنفسك يوم القيامة محاسبًا لك. ١٥ - من اهتدى إلى الإيمان فثواب هدايته له، ومن ضل فعقاب ضلاله عليه، ولا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى، وما كنا معذبين قومًّا حتى نقيم عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم. ١٦ - وإذا أردنا إهلاك قرية لظلمها أمرنا من أبطرتهم النعمة بالطاعة فلم يمتثلوا، بل عصوا وخرجوا عن الطاعة، فحَقَّ عليهم القول بالعذاب المُسْتأصِل، فأهلكناهم هلاك استئصال. ١٧ - وما أكثَرَ الأممَ المكذبة التي أهلكناها من بعد نوح مثل عاد وثمود! وكفى بربك -أيها الرسول- بذنوب عباده خبيرًا بصيرًا، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من اهتدى بهدي القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره. • التحذير من الدعوة على النفس والأولاد بالشر. • اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقص وتعاقبهما، وضوء النهار وظلمة الليل، كل ذلك دليل على وحدانية الله ووجوده وكمال علمه وقدرته. • تقرر الآيات مبدأ المسؤولية الشخصية، عدلًا من الله ورحمة بعباده.

стр. 291

١٨ - من كان يقصد بأعمال البر الحياة الدنيا، ولا يؤمن بالآخرة، ولا يُلْقِي لها بالًا، عجَّلنا له فيها ما نشاؤه نحن لا ما يشاؤه هو من نعيم، ثم جعلنا له جهنم يدخلها يوم القيامة يعاني حرها، مذمومًا على اختياره الدنيا وكفره بالآخرة، مطرودًا من رحمة الله. ١٩ - ومن قصد ثواب الآخرة بأعمال البر، وسعى لها سعيها الخالي من الرياء والسمعة، وهو مؤمن بما أوجب الله الإيمان به، فأولئك المتصفون بتلك الصفات كان سعيهم مقبولًا عند الله وسيجازيهم عليه. ٢٠ - نزيدُ كلًّا من هذين الفريقين الفاجر والبَرّ، من عطاء ربك -أيها الرسول- دون انقطاع، وما كان عطاء ربك في الدنيا ممنوعًا عن أحد، بَرًّا كان أو فاجرًا. ٢١ - تأمل -أيها الرسول- كيف فضلنا بعضهم على بعض في الدنيا في الرزق والمراتب، وللآخرة أعظم تفاوتًا في درجات النعيم من الحياة الدنيا، وأعظم تفضيلًا، فليحرص المؤمن عليها. ٢٢ - لا تجعل -أيها العبد- مع الله معبودًا آخر تعبده، فتصير مذمومًا عند الله، وعند عباده الصالحين لا حامد لك، مخذولًا منه لا ناصر لك. ٢٣ - وأمرَ ربك -أيها العبد- وأوجبَ ألا يُعْبد غيره، وأمر بالإحسان إلى الوالدين خاصة عند بلوغ الكبر، فإن بلغ أحد الوالدين الكبر أو بلغه كلاهما عندك، فلا تتضجر منهما بالتفوه بما يدل على ذلك، ولا تزجرهما ولا تغلظ عليهما في القول، وقل لهما قولًا كريمًا فيه لين ولطف. ٢٤ - وتواضع لهما ذلًّا ورحمة بهما، وقل: يا رب، ارحمهما رحمة لأجل تربيتهما إياي في صغري. ٢٥ - ربكم -أيها الناس- أعلم بما في ضمائركم من الإخلاص له في العبادة وأعمال الخير، والبر بالوالدين، فإن كانت نياتكم في عبادتكم ومعاملتكم لوالديكم وغيرهما صالحة فإنه سبحانه كان للرجَّاعين إليه بالتوبة غفورًا، فمن تاب من تقصيره السابق في طاعته لربه أو لوالديه غفر الله له. ٢٦ - وأعط - أيها المؤمن - القريب حقه من صلة رحمه، وأعط الفقير المحتاج، وأعط المنقطع في سفره، ولا تنفق مالك في معصية، أو على وجه الاسراف. ٢٧ - إن المنفقين أموالهم في المعاصي، والمسرفين في الإنفاق كانوا إخوان الشياطين، يطيعونهم فيما يأمرونهم به من التبذير والإسراف، وكان الشيطان لربه كفورًا، فلا يعمل إلا بما فيه معصية، ولا يأمر إلا بما يسخط ربه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • ينبغي للإنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير وينوي فعل ما لم يقدر عليه؛ ليُثاب على ذلك. • أن النعم في الدنيا لا ينبغي أن يُسْتَدل بها على رضا الله تعالى؛ لأن الدنيا قد تحصل مع أن عاقبتها المصير إلى عذاب الله. • الإحسان إلى الوالدين فرض لازم واجب، وقد قرن الله شكرهما بشكره لعظيم فضلهما. • يحرّم الإسلام التبذير، والتبذير إنفاق المال في غير حقه.

стр. 292

٢٨ - وإن امتنعت عن إعطاء هؤلاء لعدم وجود ما تعطيهم إياه منتظرًا ما يفتح الله به عليك من رزق، فقل لهم قولا لينًا سهلًا، مثل أن تدعو لهم بسعة الرزق، أو تعدهم بالعطاء إن رزقك الله مالًا. ٢٩ - ولا تمسك يدك عن الإنفاق، ولا تسرف في الإنفاق، فتصير ملومًا يلومك الناس على بخلك إن أمسكت يدك عن الإنفاق، منقطعًا عن الإنفاق لإسرافك، فلم تجد ما تنفقه. ٣٠ - إن ربك يوسع الرزق على من يشاء، ويضيقه على من يشاء لحكمة بالغة، إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا، لا يخفى عليه منهم شيء، فيصرف أمره فيهم بما يشاء. ٣١ - ولا تقتلوا أولادكم خوفًا من الفقر مستقبلًا إذا أنفقتم عليهم، نحن نتكفل برزقهم، ونتكفل برزقكم أنتم، إن قتلهم كان إثمًا كبيرًا؛ إذ لا ذنب لهم ولا سبب يستوجب قتلهم. ٣٢ - واحذروا الزنى، وتجنبوا ما يشجع عليه، إنه كان متناهيًا في القبح، وساء طريقًا لما يؤديه من اختلاط الأنساب، ومن عذاب الله. ٣٣ - ولا تقتلوا النفس التي عصم الله دمها بإيمان أو بأمان إلا إن استحقت القتل برِدَّة، أو بزنى بعد إحصان، أو بقصاص، ومن قُتِل مظلومًا دون سبب يبيح قتله فقد جعلنا لمن يلي أمره من ورثته تسلطًا على قاتله، فله أن يطالب بقتله قصاصًا، وله العفو دون مقابل، وله العفو وأخذ الدية، فلا يتجاوز الحد الذي أباحه الله له بالتمثيل بالقاتل، أو بقتله بغير ما قتل به، أو بقتل غير القاتل، إنه كان مُؤَيَّدًا مُعَانًا. ٣٤ - ولا تتصرفوا في مال من مات والده من الأطفال إلا بما هو أصلح له من تنميته وحفظه حتى يبلغ كمال عقله ورشده، وأوفوا بما بينكم وبين الله، وبما بينكم وبين عباده من عهد دون نقض أو نقص، إن الله يسأل معطي العهد يوم القيامة: هل وفى به فيثيبه أو لم يف به فيعاقبه. ٣٥ - وأتموا الكيل إذا كلتم لغيركم ولا تخسروه، وزنوا بالميزان العدل الذي لا ينقص شيئًا ولا يبخسه، وذلك الإيفاء للكيل والوزن خير لكم في الدنيا والآخرة، وأحسن عاقبة من التطفيف بنقص المكاييل والموازين. ٣٦ - ولا تتبع - يا ابن آدم - ما لا علم لك به، فتتبع الظنون والحدس، إن الإنسان مسؤول عما استخدم فيه سمعه وبصره وفؤاده من خير أو شر، فيثاب على الخير، ويعاقب على الشر. ٣٧ - ولا تمش في الأرض تكبرًا واختيالًا، إنك إن تمش فيها متعاليًا لن تقطع الأرض بمشيتك، ولن تصل قامتك إلى ما وصلت إليه الجبال طولًا وارتفاعًا، فعلامَ التكبر إذن؟! ٣٨ - كل ما سبق ذكره كان السيئ منه عند ربك -أيها الانسان- ممنوعًا، لا يرضى الله عن مرتكبه، بل يبغضه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الأدب الرفيع هو رد ذوي القربى بلطف، ووعدهم وعدًا جميلًا بالصلة عند اليسر، والاعتذار إليهم بما هو مقبول. • الله أرحم بالأولاد من والديهم؛ فنهى الوالدين أن يقتلوا أولادهم خوفًا من الفقر والإملاق وتكفل برزق الجميع. • في الآيات دليل على أن الحق في القتل للولي، فلا يُقْتَص إلا بإذنه، وإن عفا سقط القصاص. • من لطف الله ورحمته باليتيم أن أمر أولياءه بحفظه وحفظ ماله وإصلاحه وتنميته حتى يبلغ أشده.

стр. 293

٣٩ - ذلك الذي وضحناه من الأوامر والنواهي والأحكام مما أوحاه إليك ربك، ولا تتخذ -أيها الانسان- مع الله معبودًا آخر، فتُرْمَى في جهنم يوم القيامة ملومًا تلومك نفسك ويلومك الناس، مطرودًا عن كل خير. ٤٠ - يا من تدعون أن الملائكة بنات الله، أفاختصّكم ربكم - أيها المشركون - بالذكور من الأولاد، واتخذ لنفسه الملائكة بنات؟ تعالى الله عما تقولون، إنكم لتقولون على الله سبحانه قولًا بالغ القبح حيث تنسبون له الولد، وتزعمون أن له البنات إمعانًا في الكفر به. ٤١ - ولقد أوضحنا في هذا القرآن الأحكام والمواعظ والأمثال ليتعظ بها الناس، فيسلكوا ما ينفعهم، ويتركوا ما يضرهم، والحال أن بعضهم ممن انتكست فطرتهم لم يزدد بذلك إلا بعدًا عن الحق وكراهية له. ٤٢ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لو كان مع الله تعالى معبودات كما يقولون افتراء وكذبًا إذن لطلبت تلك المعبودات المزعومة إلى الله ذي العرش طريقًا لتغالبه على ملكه وتنازعه فيه. ٤٣ - تنزه الله سبحانه وتقدس عما يصفه به المشركون، وتعالى عما يقولونه علوًّا كبيرًا. ٤٤ - تسبح لله السماوات، وتسبح لله الأرض، ويسبح لله من في السماوات والأرض من المخلوقات، وما من شيء إلا ينزهه قارنًا تنزيهه إياه بالثناء، ولكن لا تفهمون كيفية تسبيحهم، فأنتم لا تفهمون إلا تسبيح من يسبح بلسانكم، إنه تعالى كان حليمًا لا يعاجل بالعقوبة، غفورًا لمن تاب إليه. ٤٥ - وإذا قرأت -أيها الرسول- القرآن فسمعوا ما فيه من الزجر، والمواعظ جعلنا بينك. وبين الذين لا يؤمنون بيوم القيامة حجابًا ساترًا يمنعهم من فهم القرآن عقابًا لهم على إعراضهم. ٤٦ - وصيرنا على قلوبهم أغطية حتى لا يفهموا القرآن، وصيرنا في آذانهم ثقلًا حتى لا يسمعوه سماع انتفاع، وإذا ذكرت ربك في القرآن لم تذكر آلهتهم المزعومة رجعوا على أعقابهم متباعدين عن إخلاص التوحيد لله. ٤٧ - نحن أعلم بطريقة استماع رؤسائهم للقرآن، فهم لا يريدون الاهتداء به، بل يريدون الاستخفاف واللغو عند قراءتك، ونحن أعلم بما يتناجون به من التكذيب والصد عنه، حين يقول هؤلاء الظالمون لأنفسهم بالكفر: لا تتبعون -أيها الناس- إلا رجلًا مسحورًا اختلط عقله. ٤٨ - تأمل -أيها الرسول- لتعجب مما وصفوك به من صفات مذمومة مختلفة، فانحرفوا عن الحق، وحاروا فلم يهتدوا إلى طريق الحق. ٤٩ - وقال المشركون إنكارًا للبعث: أإذا متنا وصرنا عظامًا، وبليت أجسامنا، أنبعث بعثًا جديدًا؟ إن هذا لمستحيل. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الزعم بأن الملائكة بنات الله افتراء كبير، وقول عظيم الإثم عند الله. • أكثر الناس لا تزيدهم آيات الله إلا نفورًا؛ لبغضهم للحق ومحبتهم ما كانوا عليه من الباطل. • ما من مخلوق في السماوات والأرض إلا يسبح بحمد الله تعالى فينبغي للعبد ألا تسبقه المخلوقات بالتسبيح. • من حلم الله على عباده أنه لا يعاجلهم بالعقوبة على غفلتهم وسوء صنيعهم، فرحمته سبقت غضبه.

стр. 294

٥٠ - قل لهم -أيها الرسول-: كونوا -أيها المشركون- إن استطعتم حجارة في شدتها، أو كونوا حديدًا في قوته، ولن تستطيعوا ذلك. ٥١ - أو كونوا خلقًا آخر أعظم منهما مما يعظم في صدوركم، فإن الله معيدكم كما بدأكم، ومحييكم كما خلقكم أول مرة، فسيقول هؤلاء المعاندون: من يعيدنا أحياء بعد موتنا؟ قل لهم: يعيدكم الذي خلفكم أول مرة على غير مثال سابق، فسيحركون رؤوسهم ساخرين من ردك عليهم، ويقولون مستبعدين: متى هذه الإعادة؟! قل لهم: لعلها قريبة، فكل ما هو آت قريب. ٥٢ - يعيدكم الله يوم يناديكم إلى أرض المحشر، فتستجيبون منقادين لأمره، حامدين إياه، وتظنون أنكم ما مكثتم في الأرض إلا زمنًا قليلًا. ٥٣ - وقل - أيا الرسول - لعبادي المؤمنين بي: يقولوا الكلمة الطيبة عندما يحارون، ويجتنبوا الكلمة السيئة المنفرة؛ لأن الشيطان يستغلّها فيسعى بينهم بما يفسد عليهم حياتهم الدنيوية والأخروية، إن الشيطان كان للإنسان عدوًّا واضح العداوة، فعليه أن يحذر منه. ٥٤ - ربكم -أيها الناس- أعلم بكم، فلا يخفى عليه منكم شيء، إن يشأ أن يرحمكم رحمكم بأن يوفقكم للإيمان والعمل الصالح، وإن يشأ أن يعذبكم عذبكم بأن يخذلكم عن الإيمان ويميتكم على الكفر، وما بعثناك -أيها الرسول- عليهم وكيلًا تجبرهم على الإيمان، وتمنعهم من الكفر، وتحصي عليهم أعمالهم، إنما أنت مبلغ عن الله ما أمرك بتبليغه. ٥٥ - وربك -أيها الرسول- أعلم بكُلِّ من في السماوات والأرض، وأعلم باحوالهم وبما يستحقون، ولقد فضلنا بعض الأنبياء على بعض بكثرة الأتباع وبإنزال الكتب، وأعطينا داود كتابًا هو الزبور. ٥٦ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: ادعوا -أيها المشركون- الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله إن نزل بكم ضر، فهم لا يملكون دفع الضر عنكم، ولا يملكون نقله إلى غيركم لعجزهم، ومن كان عاجزًا لا يكون إلهًا. ٥٧ - أولئك الذين يدعونهم من الملائكة ونحوهم هم أنفسهم يطلبون ما يقربهم إلى الله من العمل الصالح، ويتنافسون أيهم أقرب إليه بالطاعة، ويرجون أن يرحمهم، ويخافون أن يعذبهم، إن عذاب ربك -أيها الرسول- مما ينبغي أن يحذر. ٥٨ - وما من قرية أو مدينة إلا نحن منزلون بها العذاب والهلاك في الحياة الدنيا بسبب كفرها، أو مبتلوها بعقاب قوي بالقتل أو غيره بسبب كفرها، كان ذلك الإهلاك والعذاب قضاء إلهيًّا مكتوبًا في اللوح المحفوظ. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • القول الحسن داع لكل خلق جميل وعمل صالح، فإنَّ من ملك لسانه ملك جميع أمره. • فاضل الله بين الأنبياء بعضهم على بعض عن علم منه وحكمة. • الله لا يريد بعباده إلا ما هو الخير، ولا يأمرهم إلا بما فيه مصلحتهم. • علامة محبة الله أن يجتهد العبد في كل عمل يقربه إلى الله، وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلها لله والنصح فيها.

стр. 295

٥٩ - وما تركنا إنزال العلامات الحسية الدالة على صدق الرسول التي طلبها المشركون كإحياء الموتى ونحوه، إلا لأننا أنزلناها على الأمم الأولى فكذبوا بها، فقد أعطينا ثمود آية عظيمة واضحة، هي الناقة، فكفروا بها فعاجلناهم بالعذاب، وما نبعث بالآيات على أيدي الرسل إلا تخويفًا لأممهم؛ لعلهم يسلمون. ٦٠ - واذكر -أيها الرسول- إذ قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس قدرة، فهم في قبضته، والله مانعك منهم، فبلّغ ما أُمِرْت بتبليغه وما، جعلنا ما أريناك عيانًا ليلة الإسراء إلا امتحانًا للناس، هل يصدقون به، أم يكذبون به؛ وما جعلنا شجرة الزقوم المذكور في القرآن أنها تنبت في أصل الجحيم إلا ابتلاء لهم، فإذا لم يؤمنوا بهاتين الآيتين فلن يؤمنوا بغيرهما، ونخوّفهم بإنزال الآيات فما يزيدون بالتخويف بإنزالها إلا زيادة في الكفر وتماديًا في الضلال. ٦١ - واذكر -أيها الرسول- إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم سجود تحية لا سجود عبادة، فامتثلوا وسجدوا كلهم له، لكنّ إبليس أبى تكبرًا أن يسجد له قائلًا: أأسجد لمن خلقته من الطين، وأنا خلقتني من النار؟! فأنا أشرف منه. ٦٢ - قال إبليس لربه: أرأيت هذا المخلوق الذي كرَّمته عليّ بأمرك لي بالسجود له؟ لئن أبقيتني حيًّا إلى آخر الحياة الدنيا لأستميلن أولاده ولأغوينهم عن صراطك المستقيم إلا قليلًا ممن عصمت منهم، وهل عبادك المخلصون. ٦٣ - قال له ربه: اذهب أنت ومن أطاعك منهم، فإن جهنم هي جزاؤك وجزاؤهم جزاء كاملًا موفرًا على أعمالكم. ٦٤ - واسْتَخْفِف من استطعت أن تستخفّه منهم بصوتك الداعي إلى المعصية، وصِحْ عليهم بفرسانك ومشاتك الداعين لطاعتك، وشاركهم في أموالهم بتزيين كل تصرُّف يخالف الشرع، وشاركهم في أولادهم بادعائهم كذبًا، وتحصيلهم بالزنى، وتعبيدهم لغير الله عند التسمية، وزين لهم الوعود الكاذبة والأماني الباطلة، وما يعدهم الشيطان إلا الوعود الكاذبة التي تخدعهم. ٦٥ - إن عبادي المؤمنين العاملين بطاعتي ليس لك -يا إبليس- عليهم تسلّط؛ لأن الله يدفع عنهم شرّك، وكفى بالله وكيلًا لمن اعتمد عليه في أموره. ٦٦ - ربكم -أيها الناس- هو الذي يُسَيّر لكم السفن في البحر رجاء أن تطلبوا رزقه بأرباح التجارة وغيرها، إنه كان بكم رحيمًا حيث يسّر لكم هذه الوسائل. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من رحمة الله بالناس عدم إنزاله الآيات التي يطلبها المكذبون حتى لا يعاجلهم بالعقاب إذا كذبوا بها. • ابتلى الله العباد بالشيطان الداعي لهم إلى معصية الله بأقواله وأفعاله. • من صور مشاركة الشيطان للإنسان في الأموال والأولاد: ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وعدم تأديب الأولاد.

стр. 296

٦٧ - وإذا أصابكم -أيها المشركون- بلاء ومكروه في البحر حتى خشيتم الهلاك غاب عن خاطركم ما كنتم تعبدون من دون الله، ولم تذكروا إلا الله فاستغثتم به، فلما أغاثكم وسلّمكم مما تخافونه، وصرتم في البر أعرضتم عن توحيده ودعائه وحده، ورجعتم إلى أصنامكم، وكان الإنسان جحودًا لنعم الله. ٦٨ - أفأمنتم -أيها المشركون- حين نجاكم إلى عليكم حجارة من السماء تمطركم مثل ما فعل بقوم لوط، ثم لا تجدوا حافظًا يحفظكم، ولا ناصرًا يمنعكم من الهلاك. ٦٩ - أم أمنتم أن يعيدكم الله إلى البحر مرة أخرى، ثم يبعث عليكم ريحًا شديدة، فيغرقكم بسبب كفركم بنعمة الله لما أنجاكم أولًا، ثم لا تجدوا لكم مطالبًا يطالبنا بما فعلنا بكم انتصارًا لكم. ٧٠ - ولقد كرمنا ذرية آدم بالعقل وإسجاد الملائكة لأبيهم وغير ذلك، وسخرنا لهم ما يحملهم في البر من الدواب والمراكب، وما يحملهم في البحر من السفن، ورزقناهم من طيبات المآكل والمشارب والمناكح وغيرها، وفضلناهم على كثير من مخلوقاتنا تفضيلًا عظيمًا، فعليهم أن يشكروا نعم الله عليهم. ٧١ - واذكر -أيها الرسول- يوم ننادي كل مجموعة بإمامها الذي كانت تقتدي به في الدنيا، فمن أُعْطِيَ كتاب عمله بيمينه فأولئك يقرؤون كتبهم مسرورين، ولا ينقصون من أجورهم شيئًا، وإن بلغ في صغره قدر الخيط الذي في شق النواة. ٧٢ - ومن كان في هذه الحياة الدنيا أعمى القلب عن قبول الحق والإذعان له، فهو يوم القيامة أشد عمى، فلا يهتدي لطريق الجنة، وأضل طريقًا عن الهداية، والجزاء من جنس العمل. ٧٣ - ولقد أوشك المشركون أن يصرفوك -أيها الرسول- عما أوحينا إليك من القرآن؛ لتختلق علينا غيره مما يوافق أهواءهم، ولو فعلت ما أرادوا من ذلك لاصطفوك حبيبًا. ٧٤ - ولولا أن مننا عليك بالتثبيت على الحق لقد أوشكت أن تميل إليهم بعض المَيْل، فتوافقهم فيما اقترحوه عليك؛ لقوة خداعهم وشدّة احتيالهم مع فرط حرصك على إيمانهم، لكن عصمناك من الميل إليهم. ٧٥ - ولو ملت إليهم فيما يقترحون عليك لأصبناك بعذاب مضاعف في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم لا تجد نصيرًا يناصرك علينا، ويدفع عنك العذاب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الإنسان كفور للنعم إلا من هدى الله. • كل أمة تُدْعَى إلى دينها وكتابها، هل عملت به أم لا؟ والله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه ومخالفته لها. • عداوة المجرمين والمكذبين للرسل وورثتهم ظاهرة بسبب الحق الذي يحملونه، وليس لذواتهم. • الله تعالى عصم النبي من أسباب الشر ومن البشر، فثبته وهداه الصراط المستقيم، ولورثته مثل ذلك على حسب اتباعهم له.

стр. 297

٧٦ - ولقد أوشك الكفار أن يزعجوك بعداوتهم إياك ليخرجوك من مكة، لكن منعهم الله من إخراجك حتى هاجرت بأمر ربك، ولو أخرجوك لم يبقوا بعد إخراجك إلا زمنًا يسيرًا. ٧٧ - ذلك الحكم بعدم بقائهم بعدك إلا زمنًا يسيرًا سُنَّة الله المطردة في الرسل من قبلك، وهي أن أي رسول أخرجه قومه من بينهم أنزل الله بهم العذاب، ولن تجد -أيها الرسول- لسُنَّتنا تغييرًا، بل ستجدها ثابتة مطردة. ٧٨ - أقم الصلاة بالإتيان بها على أتم وجه في أوقاتها من زوال الشمس عن كبد السماء ويشمل ذلك صلاة الظهر والعصر، إلى ظلمة الليل، وتشمل المغرب والعشاء، وأقم صلاة الفجر وأطل القراءة فيها، فصلاة الفجر تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار. ٧٩ - ومن الليل فقم -أيها الرسول- وصلِّ بعضًا منه لتكون صلاتك زيادة لك في رفع درجاتك، متحريًا أن يبعثك ربك يوم القيامة شافعًا للناس مما هم فيه من أهوال يوم القيامة، ويكون لك مقام الشفاعة العظمى الذي يحمده الأولون والآخرون. ٨٠ - وقل -أيها الرسول-: رب، اجعل مداخلي ومخارجي كلها في طاعتك وعلى مرضاتك، واجعل لي من عندك حجة ظاهرة تنصرني بها على عدوي. ٨١ - وقل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: جاء الإسلام، وتحقق ما وعد الله به من نصره، وذهب الشرك والكفر، إن الباطل ذاهب مُتَلاشٍ لا يثبت أمام الحق. ٨٢ - ونُنزِّل من القرآن ما هو شفاءً للقلوب من الجهل والكفر والشك، وما هو شفاء للأبدان إذا رقيت به، وما هو رحمة للمؤمنين العاملين به، ولا يزيد هذا القرآن الكفار إلا هلاكًا؛ لأن سماعه يغيظهم، ويزيدهم تكذيبًا وإعراضًا عنه. ٨٣ - وإذا أنعمنا على الإنسان بنعمة مثل الصحة والغنى أعرض عن شكر الله وطاعته، وتباعد تكبرًا وإذا أصابه مرض أو فقر ونحوهما كان شديد القنوط واليأس من رحمة الله. ٨٤ - قل -أيها الرسول-: كل إنسان يعمل على طريقته التي تشابه حاله في الهداية والضلال، فربكم أعلم بمن هو أهدى طريقًا إلى الحق. ٨٥ - ويسألك -أيها الرسول- الكفار من أهل الكتاب عن حقيقة الروح، فقل لهم: لا يعلم حقيقة الروح إلا الله، وما أُعْطِيتم أنتم وجميع الخلق من العلم إلا قليلًا في جنب علم الله سبحانه. ٨٦ - والله لو شئنا الذهاب بالذي أنزلنا إليك -أيها الرسول- من الوحي بمحوه من الصدور الكتب لذهبنا به، ثم لا تجد من ينصرك ويتولّى ردِّه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • في الآيات دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه، وأنه ينبغي له ألا يزال مُتَمَلِّقًا لربه أن يثبته على الإيمان. • عند ظهور الحق يَضْمَحِل الباطل، ولا يعلو الباطل إلا في الأزمنة والأمكنة التي يكسل فيها أهل الحق. • الشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب من الشبَه، والجهالة، والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ والمقاصد السيئة. • في الآيات دليل على أن المسؤول إذا سئل عن أمر ليس في مصلحة السائل فالأولى أن يعرض عن جوابه، ويدله على ما يحتاج إليه، ويرشده إلى ما ينفعه.

стр. 298

٨٧ - لكن لم نذهب به رحمة من ربك، وتركناه محفوظًا، إنّ فضل ربك كان عليك عظيمًا حيث جعلك رسولًا، وختم بك الأنبياء، وأنزل عليك القرآن. ولما كان المشركون يَتَذَرَّعون بأن هذا القرآن من جنس ما يقوله البشر، واقترحوا تبديله تحدَّاهم الله بالإتيان بمثله، فقال: ٨٨ - قل -أيها الرسول-: لئن اجتمع الإنس والجن كلهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن المنزل عليك في بلاغته، وحسن نظمه، وجزالته، لن يأتوا به أبدًا ولو كان بعضهم لبعض معينًا ونصيرًا. ٨٩ - ولقد بيَّنَا للناس في هذا القرآن، ونوّعنا فيه من كل ما يُعْتَبر به من المواعظ والعبر والأوامر والنواهي والقصص رجاء أن يؤمنوا، فأبى معظم الناس إلا جحودًا وإنكارًا لهذا القرآن. ولما عجزوا بدؤوا يقدمون مقترحات للتعجيز، فاقترحوا ما يلي: ٩٠ - وقال المشركون: لن نؤمن بك حتى تُخْرِج لنا من أرض مكة عينًا جارية لا تنضب. ٩١ - أو يكون لك بستان كثير الأشجار، فتجري فيه الأنهار بغزارة. ٩٢ - أو تُسْقِط علينا السماء -كما ذكرت- قِطَعًا من العذاب، أو تجيء بالله والملائكة عيانًا حتى يشهدوا لك بصحة ما تدّعيه. ٩٣ - أو يكون لك بيت مُزَخْرَف بالذهب وغيره، أو تصعد في السماء، ولن نؤمن بأنك مرسل إن صعدت إليها إلا إذا نزلت بكتاب من عند الله مسطور نقرأ فيه أنك رسول الله. قل لهم -أيها الرسول-: سبحان ربي! هل كنت إلا بشرًا رسولًا كسائر الرسل، لا أملك الإتيان بشيء، فكيف لي أن أجيء بما اقترحتموه؟! ٩٤ - وما منع الكفار من الإيمان بالله وبرسوله، والعمل بما جاء به الرسول إلا إنكارهم أن يكون الرسول من جنس البشر، حيث قالوا استنكارًا: أبعث الله إلينا رسولًا من البشر؟! ٩٥ - قل -أيها الرسول- ردًّا عليهم: لو كان على الأرض ملائكة يسكنونها ويسيرون مطمئنين كما هو حالكم لبعثنا إليهم رسولًا مَلَكًا من جنسهم؛ لأنه الذي يستطيع أن يُفْهمهم ما أُرْسِل به، فليس من الحكمة أن نرسل إليهم رسولًا من جنس البشر، وكذلك حالكم أنتم. ٩٦ - قل -أيها الرسول-: كفى بالله شاهدًا بيني وبينكم أني رسول إليكم، وأني بلغتكم ما أرسلت به إليكم، إنه كان بأحوال عباده محيطًا، لا يخفى عليه منها شيء، بصيرًا بكل خفايا نفوسهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • بيَّن الله للناس في القرآن من كل ما يُعْتَبر به من المواعظ والعبر والأوامر والنواهي والقصص؛ رجاء أن يؤمنوا. • القرآن كلام الله وآية النبي الخالدة، ولن يقدر أحد على المجيء بمثله. • من رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم بشرًا منهم، فإنهم لا يطيقون التلقي من الملائكة. • من شهادة الله لرسوله ما أيده به من الآيات، ونَصْرُه على من عاداه وناوأه.

стр. 299

٩٧ - ومن يوفقه الله للهداية فهو المهتدي حقًّا، ومن يخذله عنها ويضلّه فلن تجد -أيها الرسول- لهم أولياء يهدونهم إلى الحق، ويدفعون عنهم الضر، ويجلبون لهم النفع، ونحشرهم يوم القيامة يُسْحبون على وجوههم لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون، منزلهم الذي يأوون إليه جهنم، كلما سكن لهيبها زدناهم اشتعالًا. ٩٨ - ذلك العذاب الذي يلقونه هو جزاؤهم بسبب كفرهم بآياتنا المنزلة على رسولنا، وبقولهم استبعادًا للبعث: أإذا متنا وصرنا عظامًا بالية، وأجزاء مُفَتتة أنبعث بعد ذلك خلقًا جديدًا؟ ولما ذكروا ما يتشبثون به لإنكار البعث رد الله عليهم بقوله: ٩٩ - أوَلم يعلم هؤلاء المنكرون للبعث أن الله الذي خلق السماوات وخلق الأرض على عظمهما قادر على أن يخلق مثلهم، فمن قدر على خلق ما هو عظيم قادر على خلق ما دونه، وقد جعل الله لهم في الدنيا وقتًا محددًا تنتهي فيه حياتهم، وجعل لهم أجلًا لبعثهم لا شك فيه، ومع ظهور أدلة البعث أبى المشركون إلا جحودًا بالبعث مع وضوح أدلته. ١٠٠ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لو كنتم تملكون خزائن رحمة ربي التي لا تنفد ولا تنقضي، إذن لامتنعتم من إنفاقها خوفًا من نفادها حتى لا تصبحوا فقراء، ومن طبع الإنسان أنه بخيل إلا إن كان مؤمنًا، فهو ينفق رجاء ثواب الله. ولما لقي النبي ﷺ من المشركين ما لقي من التكذيب جاءت تسليته بقصة موسى مع فرعون وقومه، فقال: ١٠١ - ولقد أعطينا موسى تسع دلائل واضحة تشهد له، وهي العصا واليد والسنون ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، فاسأل -أيها الرسول- اليهود حين جاء موسى أسلافهم بتلك الآيات، فقال له فرعون: إني لأظنك - يا موسى - رجلًا مسحورًا؛ لما تأتي به من الغرائب. ١٠٢ - قال موسى ردًّا عليه: لقد أيقنتَ - يا فرعون - أنه ما أنزل هذه الآيات إلا الله رب السماوات والأرض، أنزلهن دلالات على قدرته، وعلى صدق رسوله، ولكنك جحدت، وإني لأعلم أنك - يا فرعون - هالك خاسر. ١٠٣ - فأراد فرعون أن يعاقب موسى ﵇ وقومه بإخراجهم من مصر، فأهلكناه ومن كان معه من جنوده جميعًا بالغرق. ١٠٤ - وقلنا من بعد إهلاك فرعون وجنوده لبني إسرائيل: اسكنوا أرض الشام، فإذا كان يوم القيامة أتينا بكم جميعًا إلى المحشر للحساب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الله تعالى هو المنفرد بالهداية والإضلال، فمن يهده فهو المهتدي على الحقيقة، ومن يضلله ويخذله فلا هادي له. • مأوى الكفار ومستقرهم ومقامهم جهنم، كلما سكنت نارها الله نارًا تلتهب. • وجوب الاعتصام بالله عند تهديد الطغاة والمُسْتَبدين. • الطغاة والمُسْتَبدون يلجؤون إلى استخدام السلطة والقوة عندما يواجهون أهل الحق؛ لأنهم لا يستطيعون مواجهتهم بالحجة والبيان.

стр. 300

١ ٠٥ - وبالحق أنزلنا هذا القرآن على محمد ﷺ ، وبالحق نزل عليه دون تبديل ولا تحريف، وما أرسلناك -أيها الرسول- إلا مبشرًا أهل التقوى بالجنة، ومخوّفا أهل الكفر والعصيان من النار. ١٠٦ - وأنزلناه قرآنا فصلناه، وبيناه رجاء أن تقرأه على الناس على مهَل وترَسُّل في التلاوة؛ لأنه أدعى للفهم والتدبر، ونزلناه مُنَجَّمًا مفرقًا حسب الحوادث والأحوال. ١٠٧ - قل -أيها الرسول-: آمنوا به، فلا يزيده إيمانكم شيئًا، أو لا تؤمنوا به، فلا ينقصه كفركم شيئًا، إن الذين قرؤوا الكتب السماوية السابقة، وعرفوا الوحي والنبوة إذا يُقْرأ عليهم القرآن يخرّون على وجوههم ساجدين لله شكرًا. ١٠٨ - ويقولون في سجودهم: تنزه ربنا عن خُلْف الوعد، فما وعد به من بعثة محمَّد ﷺ كائن، إن وعد ربنا بذلك وبغيره لواقع لا محالة. ١٠٩ - ويقعون على وجوههم ساجدين لله يبكون من خشيته، ويزيدهم سماع القرآن وتدبر معانيه خشية الله وخشية له. ١١٠ - قل -أيها الرسول- لمن أنكر عليك الدعاء بقولك: (يا الله، يا رحمن): الله والرحمن اسمان له سبحانه فادعوه بأي منهما أو بغيرهما من أسمائه، فله -سبحانه- الأسماء الحسنى، وهذان منها، فادعوه بهما أو بغيرهما من أسمائه الحسنى، ولا تجهر بالقراءة في صلاتك فيسمعك المشركون، ولا تسرّ بها فلا يسمعها المؤمنون، واطلب طريقًا وسطًا بين الأمرين. ١١١ - وقيل -أيها الرسول-: الحمد لله المستحق لأنواع المحامد الذي تنزه عن الولد، وتنزه عن الشريك، فلا شريك له في ملكه، ولا يصيبه ذل وهوان، فلا يحتاج لمن يناصره ويعزّزه، وعظّمه تعظيمًا كثيرًا، فلا تنسب له ولدًا ولا شريكًا في الملك ولا مناصرًا مُعِينًا. سورة الكهف مكية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان منهج التعامل مع الفتن، وضرب النماذج لذلك. ١ - الثناء بصفات الكمال والجلال، وبالنعم الظاهرة والباطنة لله وحده الذي أنزل على عبده ورسوله محمَّد ﷺ القرآن، ولم يجعل لهذا القرآن اعوجاجًا وميلًا عن الحق. ٢ - بل جعله مستقيمًا لا تناقض فيه ولا اختلاف؛ ليخوّف الكافرين من عذاب قوي من عند الله ينتظرهم، ويخبر المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات بما يسرهم أن لهم ثوابًا حسنًا لا يدانيه ثواب. ٣ - خالدين في هذا الثواب أبدًا، فلا ينقطع عنهم. ٤ - ويخوف اليهود والنصارى وبعض المشركين الذين قالوا: اتخذ الله ولدًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أنزل الله القرآن متضمنًا الحق والعدل والشريعة والحكم الأمثل .. جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى. • الدعاء أو القراءة في الصلاة يكون بطريقة متوسطة بين الجهر والإسرار. • القرآن الكريم قد اشتمل على كل عمل صالح موصل لما تستبشر به النفوس وتفرح به الأرواح.

стр. 301

٥ - ليس لهؤلاء المفترين من علم أو دليل على ما يدعونه من نسبة الولد إلى الله، وليس لآبائهم الذين قلدوهم في ذلك علم، عظمت في القبح تلك الكلمة التي تخرج من أفواههم دون تعقل، ما يقولون إلا قولًا كذبا، لا أساس له ولا مستند. ٦ - فلعلك -أيها الرسول- مُهْلك نفسك حزنًا وأسفًا إن لم يؤمنوا بهذا القرآن، فلا تفعل، فليس عليك هدايتهم، وإنما عليك البلاغ. ٧ - إنا جعلنا ما فوق وجه الأرض من المخلوقات جمالًا لها لنختبرهم أيهم أحسن عملًا بما يرضي الله، وأيهم أسوأ عملًا، لنجزي كلا بما يستحقه. ٨ - وإنا لمصيّرون ما على وجه الأرض من المخلوقات ترابًا خاليًا من النبات، وذلك بعد انقضاء حياة ما عليها من المخلوقات، فليعتبروا بذلك. ٩ - لا تظنن -أيها الرسول- أن قصة أصحاب الكهف، ولوحهم الذي كُتِبت فيه أسماؤهم من آياتنا العجيبة، بل غيرها أعجب مثل خلق السماوات والأرض. ١٠ - اذكر -أيها الرسول- حين التجأ الشبان المؤمنون فرارًا بدينهم، فقالوا في دعائهم لربهم: ربنا، أعطنا من عندك رحمة بأن تغفر ذنوبنا، وتنجينا من أعدائنا، واجعل لنا من أمر الهجرة عن الكفار والإيمان اهتداء إلى طريق الحق وسدادًا. ١١ - ثم بعد سيرهم ولجوئهم إلى الكهف ضربنا على آذانهم حجابًا عن سماع الأصوات، وألقينا عليهم النوم أعوامًا كثيرة. ١٢ - ثم بعد نومهم الطويل أيقظناهم لنعلم -علمَ ظهورٍ- أي الطائفتين المتنازعتين في أمد مكثهم في الكهف أعلم بمقدار ذلك الأمد. ١٣ - نحن نطلعك -أيها الرسول- على خبرهم بالصدق الذي لا مرية معه، إنهم شبان آمنوا بربهم، وعملوا بطاعته، وزدناهم هداية وتثبيتًا على الحق. ١٤ - وقوينا قلوبهم بالإيمان والثبات عليه، والصبر على هجر الأوطان فيه، حين قاموا معلنين بين يدي الملك الكافر إيمانهم بالله وحده, فقالوا له: ربنا الذي آمنا به وعبدناه هو رب السماوات ورب الأرض، لن نعبد ما سواه من الآلهة المزعومة كذبًا، لقد قلنا -إن عبدنا غيره- قولًا جائرًا بعيدًا عن الحق. ١٥ - ثم التفت بعضهم إلى بعض قائلين: هؤلاء قومنا اتخذوا من دون الله معبودات يعبدونها، وهم لا يملكون على عبادتهم برهانًا واضحًا، فلا أحد أظلم ممن اختلق على الله كذبًا بنسبة الشريك إليه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الداعي إلى الله عليه التبليغ والسعي بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف. • في العلم بمقدار لبث أصحاب الكهف، ضبط للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته. • في الآيات دليل صريح على الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال: خوف الفتنة. • ضرورة الاهتمام بتربية الشباب؛ لأنهم أزكى قلوبًا، وأنقى أفئدة، وأكثر حماسة، وعليهم تقوم نهضة الأمم.

стр. 302

١٦ - وحين تنحّيتم عن قومكم، وتركتم ما يعبدون من دون الله، فلم تعبدوا إلا الله وحده، فالجؤوا إلى الكهف فرارًا بدينكم يبسط لكم ربكم سبحانه من رحمته ما يحفظكم به من أعدائكم ويحمكم, وييسّر لكم من أمركم ما تنتفعون به مما يعوضكم عن العيش بين ظهراني قومكم. ١٧ - فامتَثَلوا ما أمروا به، وألقى الله النوم عليهم، وحفظهم من عدوِّهم، وترى -أيها المشاهد لهم- الشمس إذا طلعت من مشرقها تميل عن كهفهم جهة يمين الداخل فيه، وإذا غابت عند غروبها تعدل عنه جهة شماله فلا تصيبه، فهم في ظل دائم لا يؤذيهم حر الشمس، وهم في مُسمَع من الكهف ينالهم من الهواء ما يحتاجون إليه، ذلك الحاصل لهم من إيوائهم إلى الكهف، وإلقاء النوم عليهم، وانحراف الشمس عنهم، واتساع مكانهم وانجائهم من قومهم: من عجائب صنع الله الدالة على قدرته، من يوفقه الله لطريق الهداية فهو المهتدي حقًّا، ومن يخذله عنها ويضله فلن تجد له ناصرًا يوفقه للهداية، ويرشده إليها؛ لأن الهداية بيد الله، وليست بيده هو. ١٨ - وتظنّهم -أيها الناظر إليهم- مستيقظين لانفتاح أعينهم، والواقع أنهم نيام، ونقلّبهم في نومهم تارة يمينًا، وتارة شمالًا حتى لا تأكل الأرض أجسامهم، وكلبهم المرافق لهم مادّ ذراعيه بمدخل الكهف، لو اطلعت عليهم وشاهدتهم لأدبرت عنهم هاربًا خوفًا منهم، ولامتلأت نفسك رعبًا منهم. ١٩ - وكما فعلنا بهم مما ذكرنا من عجائب قدرتنا أيقظناهم بعد مدة طويلة ليسأل بعضهم بعضًا عن المدة التي مكثوها نائمين، فأجاب بعضهم: مكثنا نائمين يومًا أو بعض يوم، وأجاب بعض منهم ممن لم تظهر له مدة مكثهم نائمين: ربكم أعلم بمدة مكثكم نائمين، ففوِّضوا إليه علم ذلك وانشغلوا بما يعنيكم، فأرسلوا أحدكم بنقودكم الفضية هذه إلى مدينتنا المعهودة، فلينظر أي أهلها أطيب طعامًا وأطيب مكسبًا, ولْيتَأنّ في دخوله وخروجه ومعاملته، وليكن لَبقًا, ولا يدع أحدًا يعلم بمكانكم؛ لما يترتب على ذلك من ضرر عظيم. ٢٠ - إن قومكم إن يَطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم يقتلوكم بالرجم بالحجارة، أو يرجعوكم إلى ملتهم المنحرفة التي كنتم عليها قبل أن يمنّ الله عليكم بالهداية إلى دين الحق، وإن رجعتم إليها فلن تفوزوا أبدًا، لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة، بل ستخسرون فيهما الخسران العظيم بسبب ترككم دين الحق الذي هداكم الله إليه، ورجوعكم إلى تلك الملة المنحرفة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من حكمة الله وقدرته أن قَلَّبهم على جنوبهم يمينًا وشمالًا بقدر ما لا تفسد الأرض أجسامهم، وهذا تعليم من الله لعباده. • جواز اتخاذ الكلاب للحاجة والصيد والحراسة. • انتفاع الإنسان بصحبة الأخيار ومخالطة الصالحين حتى لو كان أقل منهم منزلة، فقد حفظ ذكر الكلب لأنه صاحَبَ أهل الفضل. • دلت الآيات على مشروعية الوكالة، وعلى حسن السياسة والتلطف في التعامل مع الناس.

стр. 303

٢١ - وكما فعلنا بهم الأفعال العجيبة الدالة على قدرتنا من إنامتهم سنين كثيرة، وإيقاظهم بعدها، أطلعنا عليهم أهل مدينتهم ليعلم أهل مدينتهم أن وعد الله بنصر المؤمنين وبالبعث حق، وإن القيامة آتية لا شك فيها، فلما انكشف أمر أصحاب الكهف وماتوا اختلف المُطلِعون عليهم: ماذا يفعلون بشأنهم؟ قال فريق منهم: ابنوا على باب كهفهم بنيانًا يحجبهم ويحميهم، ربهم أعلم بحالهم، فحالهم يقتضي أن لهم خصوصية عنده. وقال أصحاب النفوذ ممن ليس لهم علم ولا دعوة صحيحة: لنتخذن على مكانهم هذا مسجدًا للعبادة تكريمًا لهم وتذكيرًا بمكانهم. ٢٢ - سيقول بعض الخائضين في قصتهم عن عددهم: هم ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول بعضهم: هم خمسة سادسهم كلبهم، وكلتا الطائفتين إنما قالت ما قالته تبعًا لظنها من غير دليل، ويقول بعضهم: هم سبعة وثامنهم كلبهم، قل -أيها الرسول-: ربي أعلم بعددهم, ما يعلم عددهم إلا قليل ممن علّمهم الله عددهم، فلا تجادل في عددهم ولا في غيره من أحوالهم أهلَ الكتاب ولا غيرهم إلا جدالا ظاهرًا لا عمق فيه، بأن تقتصر على من نزل عليك وحي بشأنهم، ولا تسأل أحدًا منهم عن تفاصيل شأنهم، فإنهم لا يعلمون ذلك. ٢٣ - ولا تقولنّ -أيها النبي- لشيء تريد فعله غدًا: إني فاعل هذا الشيء غدًا؛ لأنك لا تدري هل تفعله، أو يُحَال بينك وبينه؟ وهو توجيه لكل مسلم. ٢٤ - إلا أن تُعَلِّق فعله على مشيئة الله بأن تقول: سافعله -إن شاء الله- غدًا، واذكر ربك بقولك: إن شاء الله -إن نسيت أن تقولها- وقيل: أرجو أن يرشدني ربي لأقرب من هذا الأمر هداية وتوفيقًا. ٢٥ - ومَكَثَ أصحاب الكهف في كهفهم ثلاث مئة وتسع سنين. ٢٦ - قل -أيها الرسول-: الله أعلم بما مكثوا في كهفهم، وقد أخبرنا بمدة مكثهم فيه، فلا قول لأحد بعد قوله سبحانه، له سبحانه وحده ما غاب في السماوات وما غاب في الأرض خلقًا وعلمًا، ما أَبْصَرَه سبحانه! فهو يبصر كل شيء، وما أَسْمَعَه! فهو يسمع كل شيء، ليس لهم من دونه ولي يتولى أمرهم، ولا يشرك في حكمه أحدًا، فهو المنفرد وحده بالحكم. ولما بيَّن أن الحكم له وحده أمر رسوله بتلاوة ما أوحي إليه من حكم ربه واتباعه، فقال: ٢٧ - واقرأ -أيها الرسول- واعمل بما أوحى الله به إليك من القرآن، فلا مبدل لكلماته؛ لأنها صدق كلها وعدل كلها، ولن تجد من دونه سبحانه ملجًا تلجأ إليه، ولا معاذًا تعوذ به سواه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • اتخاذ المساجد على القبور، والصلاة فيها، والبناء عليها؛ غير جائز في شرعنا. • في القصة إقامة الحجة على قدرة الله على الحشر وبعث الأجساد من القبور والحساب. • دلَّت الآيات على أن المراء والجدال المحمود هو الجدال بالتي هي أحسن. • السُّنَّة والأدب الشرعيان يقتضيان تعليق الأمور المستقبلية بمشيئة الله تعالى.

стр. 304

٢٨ - ألزم نفسك بصحبة الذين يدعون ربهم دعاء عبادة ودعاء مسألة أول النهار وآخره، مخلصين له, لا تتجاوز عيناك عنهم، تريد مجالسة أهل الغنى والشرف, ولا تطع من صَيَّرنا قلبه غافلًا عن ذكرنا بختمنا عليه، فَأمَرك بتنحية الفقراء عن مجلسك، وقَدَّم اتباع ما تهواه نفسه على طاعة ربه، وكانت أعماله ضياعًا. ٢٩ - وقيل -أيها الرسول- لهؤلاء اللاهين عن ذكر الله لغفلة قلوبهم: ما جئتكم به هو الحق، وهو من عند الله لا من عندي، ولست مجيب دعوتكم إياي أن أطرد المؤمنين، فمن شاء منكم الإيمان بهذا الحق فليؤمن به، وسيسرّ بجزائه، ومن شاء منكم الكفر به فليكفر، وسيستاء بالعقاب الذي ينتظره، إنا أعددنا للظالمين أنفسهم باختيار الكفر نارًا عظيمة أحاط بهم سورها، فلا يستطيعون فرارًا منها، وإن يطلبوا غوثًا بماء من شدة ما يلاقون من العطش يغاثوا بماء كالزيت العَكِر شديد الحرارة، يشوي وجوههم من شدة حرّه, ساء شرابًا هذا الشراب الذي يُغَاثون به، فهو لا يغني من عطش بل يزيده, ولا يطفئ اللهب الذي يَلْفَح جلودهم، وساءت النار منزلًا ينزلونه, ومقامًا يقيمون فيه. ولما ذكر الله ما أعدّ للظالمين من عذاب ذكر ما أعدّ للمؤمنين من ثواب كريم، فقال: ٣٠ - إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات قد أحسنوا عملهم فلهم ثواب عظيم، إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا، بل نوفيهم أجورهم كاملة غير منقوصة. ٣١ - أولئك الموصوفون بالإيمان وفعل الأعمال الصالحات لهم جنات إقامة يقيمون فيها أبدًا، تجري من تحت منازلهم أنهار الجنة العذبة، يزيّنون فيها بأسورة من ذهب، ويلبسون ثيابًا خضرًا من رقيق الحرير وغليظه، يتكئون على الأسرة المزيّنة بالستائر الجميلة، حَسُن الثواب ثوابهم، وحَسُنت الجنة منزلًا ومقامًا يقيمون فيه. ولما بيّن سبحانه جزاء الظالمين وجزاء المؤمنين ضرب مثلًا لهما، فقال: ٣٢ - واضرب -أيها الرسول- مثلًا لرجلين: كافر ومؤمن، جعلنا للكافر منهما حديقتين، وأحطنا الحديقتين بنخل، وأنبتنا في الفارغ من مساحتهما: زروعًا. ٣٣ - فأثمرت كل حديقة ثمارها من تمر وعنب وزرع، ولم تنقص منه شيئًا، بل أعطته وافيًا كاملًا، وأجرينا بينهما نهرًا لسقيهما بيسر. ٣٤ - وكان لصاحب الحديقتين أموال وثمار أخرى، فقال لصاحبه المؤمن وهو يخاطبه ليؤثر فيه مُغْترًا: أنا أكثر منك أموالًا، وأعز منك جانبًا، وأقوى عشيرة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • فضيلة صحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم وإن كانوا فقراء؛ فإن في صحبتهم من الفوائد ما لا يُحْصَى. • كثرة الذكر مع حضور القلب سبب للبركة في الأعمار والأوقات. • قاعدتا الثواب وأساس النجاة: الإيمان مع العمل الصالح؛ لأن الله رتب عليهما الثواب في الدنيا والآخرة.

стр. 305

٣٥ - ودخل الكافر حديقته في صحبة المؤمن ليريه إياها وهو ظالم لنفسه بالكفر وبالعُجْب، قال الكافر: ما أظنّ أن تفنى هذه الحديقة التي تشاهدها؛ بما اتخذت لها من أسباب البقاء. ٣٦ - وما أظن أن القيامة حادثة، إنما هي حياة مستمرة، وعلى فرض وقوعها فهذا بُعِثْت وأُرْجِعْت إلى ربي لأجدنّ بعد البعث ما أرجع إليه مما هو أفضل من حديقتي هذه، فكوني غنيًّا في الدنيا يقتضي أن أكون غنيًّا بعد البعث. ٣٧ - قال له صاحبه المؤمن وهو يراجعه الكلام: أكفرت بالذي خلق أباك آدم من تراب، ثم خلقك أنت من المني، ثم صيّرك إنسانا ذكرًا، وعدل أعضاءك وجعلك كاملًا، فالذي قدر على ذلك كله قادر على بعثك. ٣٨ - لكن أنا لا أقول بقولك هذا، وإنما أقول: هو الله سبحانه ربي المتفضل بنعمه علينا، ولا أشرك به أحدًا في العبادة. ٣٩ - هلَّا حين دخلت حديقتك قلت: ما شاء الله لا قوة لأحد إلا بالله، فهو الذي يفعل ما يشاء وهو القوي، فإن كنت تراني أفقر منك وأقلّ أولادًا. ٤٠ - فأنا أتوقع أن يعطيني الله خيرًا من حديقتك، وأن يبعث على حديقتك عذابًا من السماء، فتصبح حديقتك أرضًا لا نبات فيها تزلق فيها الأقدام لمُلوسَتها. ٤١ - أو يذهب ماؤها غائرًا في الأرض فلا تستطيع الوصول إليه بوسيلة، وإذا غار ماؤها فلا بقاء لها. ٤٢ - وتَحَقَّق ما توقعه المؤمن، فأحاط الهلاك بثمار حديقة الكافر، فأصبح الكافر يقلب كفيه من شدة السيرة والندم على ما بذل في عمارتها وإصلاحها من أموال، والحديقة ساقطة على دعائمها التي تُمَدَّد عليها أغصان العنب، ويقول: يا ليتني آمنت بربي وحده، ولم أشرك معه أحدًا في العبادة. ٤٣ - ولم تكن لهذا الكافر جماعة يمنعونه مما حل به من عقاب، وهو الذي كان يفتخر بجماعته، وما كان هو ممتنعًا من إهلاك الله لحديقته. ٤٤ - في ذلك المقام النصرة لله وحده, هو سبحانه خيرٌ ثوابًا لأوليائه من المؤمنين، فهو يضاعف لهم الثواب، وخير عاقبةً لهم. ٤٥ - واضرب -أيها الرسول- للمُغْتَرِّين بالدنيا مثلًا، فمثلها في زوالها وسرعة انقضائها مثل ماء مطر أنزلناه من السماء , فنبت بهذا الماء نبات الأرض وأَيْنَع، فأصبح هذا النبات متكسرًا متفتتًا، تحمل الرياح أجزاءه إلى نواح أخرى، فتعود الأرض كما كانت، وكان الله على كلّ شيء مقتدرًا، لا يعجزه شيء، فيحيي ما شاء، ويفني ما شاء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • على المؤمن ألا يستكين أمام عزة الغني الكافر، وعليه نصحه وإرشاده إلى الإيمان بالله، والإقرار بوحدانيته، وشكر نعمه وأفضاله عليه. • ينبغي لكل من أعجبه شيء من ماله أو ولده أن يضيف النعمة إلى مُولِيها ومُسْدِيها بأن يقول: ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .. إذا أراد الله بعبد خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا. • جواز الدعاء بتلف مال من كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه.

стр. 306

٤٦ - المال والأولاد مما يُتَزَيَّن به في الحياة الدنيا, ولا نفع للمال في الآخرة إلا إن أُنْفِق فيما يرضي الله، والأعمال والأقوال المرضية عند الله خير ثوابًا من كل ما في الدنيا من زينة، وهي خير ما يؤمله الإنسان؛ لأن زينة الدنيا فانية وثواب الأعمال والأقوال المرضية عند الله باقية. ٤٧ - واذكر يوم نُزيل الجبال من مواطنها، وترى الأرض ظاهرة لزوال ما عليها من جبال وشجر وبناء، وجمعنا جميع المخلوقات، فلم نترك منهم أحدًا إلا بعثناه. ٤٨ - وعرض الناس على ربك صفوفًا فيحاسبهم، ويقال لهم: لقد جئتمونا فُرَادى حفاة عراة غُرْلًا كما خلقناكم أول مرة، بل زعمتم أنكم لن تبعثوا، وأنّا لن نجعل لكم زمانًا ومكانًا نجازيكم فيه على أعمالكم. ٤٩ - وَوُضِع كتاب الأعمال، فمِنْ آخِذٍ كتابهِ بيمينه، ومن آخِذٍ إياه بشماله، وترى -أيها الإنسان- الكافرين خائفين مما فيه؛ لأنهم يعلمون ما قدموا فيه من الكفر والمعاصي، ويقولون: يا هلاكنا ومصيبتنا! ما لهذا الكتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة من أعمالنا إلا حفظها وعدّها, جدوا ما عملوا في حياتهم الدنيا من المعاصي مكتوبًا مثبتًا, ولا يظلم ربك -أيها الرسول- أحدًا، فلا يعاقب أحدًا من غير ذنب، ولا ينقص المطيع من أجر طاعته شيئًا. ٥٠ - واذكر -أيها الرسول- إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم سجود تحية، فسجدوا كلهم له امتثالًا لأمر ربهم إلا إبليس كان من الجن ولم يكن من الملائكة، فأبى واستكبر عن السجود، فخرج عن طاعة ربه، أفتتخذونه -أيها الناس- هو وأولاده أولياء توالونهم من دوني وهم أعداء لكم، فكيف تتخذون أعداءكم أولياء لكم؟! بئس وقبح صنع الظالمين الذين جعلوا الشيطان وليًّا لهم بدلًا من موالاة الله تعالى. ٥١ - هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني هم عبيد أمثالكم، ما أشهدتهم خلق السماوات ولا خلق الأرض حين خلقتهما، بل لم يكونوا موجودين، وما أشهدت بعضهم خلق بعض، فأنا المنفرد بالخلق والتدبير، وما كنت متخذ المضلين من شياطين الإنس والجن أعوانًا، فأنا غني عن الأعوان. ٥٢ - واذكر لهم -أيها الرسول- يوم القيامة إذ يقول الله للذين أشركوا به في الدنيا: ادعوا شركائي الذين زعمتم أنهم شركاء لي لعلهم ينصرونكم، فدعوهم فلم يستجيبوا لدعائهم ولم ينصروهم، وجعلنا بين العابدين والمعبودين مَهْلكًا يشتركون فيه، وهو نار جهنم. ٥٣ - وعاين المشركون النار، فأيقنوا تمام اليقين أنهم واقعون فيها, ولم يجدوا عنها مكانًا ينصرفون إليه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • على العبد الإكثار من الباقيات الصالحات، وهي كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة. • على العبد تذكر أهوال القيامة، والعمل لهذا اليوم حتى ينجو من أهواله، وينعم بجنة الله ورضوانه. • كَرَّم الله تعالى أبانا آدم ﵇ والجنس البشري بأجمعه بأمره الملائكة أن تسجد له في بدء الخليقة سجود تحية وتكريم. • في الآيات الحث على اتخاذ الشيطان عدوًّا.

стр. 307

٥٤ - ولقد بيّنا ونوّعنا في هذا القرآن المنزل على محمَّد ﷺ الكثير من أنواع الأمثال ليتذكروا ويتّعظوا، لكن الإنسان -وخاصة الكافر- أكثر شيء يظهر منه المجادلة بغير الحق. ٥٥ - وما حال بين الكفار المعاندين وبين الإيمان بما جاء به محمد ﷺ من ربه، بينهم وبين طلب المغفرة من الله لذنوبهم نَقْص البيان، فقد ضُرِبت لهم الأمثلة في القرآن، وجاءتهم الحجج الواضحة، وإنما منعهم طلبهم -بتعَنُّت- إيقاع عذاب الأمم السابقة عليهم، ومعاينة العذاب الذي وعدوا به. ٥٦ - وما نبعث من نبعث من رسلنا إلا مبشرين أهل الإيمان والطاعة، ومخوّفين أهل الكفر والعصيان، وليس لهم تسلّط على القلوب بحملها على الهداية، ويخاصم الذين كفروا بالله الرسل مع وضوح الدليل لهم؛ ليزيلوا بباطلهم الحق المنزل على محمَّد ﷺ ، وصَيَّروا القرآن وما خُوفوا به أُضْحوكة وسخرية. ٥٧ - ولا أحد أشد ظلمًا ممن ذُكِّر بآيات ربه، فلم يَعْبأ بما فيها من وعيد بالعذاب، وأعرض عن الاتعاظ بها، ونسي ما قدّم في حياته الدنيا من الكفر والمعاصي ولم يتب منها، إنا جعلنا على قلوب من هذا وصفهم أغطية تمنعها من فهم القرآن، وفي آذانهم صمَمًا عنه، فلا يسمعونه سماع قبول, وإن تدعهم إلى الإيمان فلن يستجيبوا لما تدعوهم إليه أبدًا ما دامت على قلوبهم أغطية، وفي آذانهم صَمَم. ٥٨ - ولئلا يَتَشَوَّف النبي ﷺ إلى معاجلة المكذبين به بالعذاب قال الله له: وربك -أيها الرسول- الغفور لذنوب عباده التائبين، ذو الرحمة التي وسعت كل شيء، ومن رحمته أنه يمهل العصاة لعلهم يتوبون إليه، فلو أنه تعالى يعاقب هؤلاء المعرضين لعجّل لهم العذاب في الحياة الدنيا، لكنه حليم رحيم، أخر عنهم العذاب ليتوبوا، بل لهم مكان وزمان محددان يجازون فيه على كفرهم وإعراضهم إن لم يتوبوا، لن يجدوا من دونه ملجأ يلجئون إليه. ٥٩ - وتلك القرى الكافرة القريبة منكم مثل قرى قوم هود وصالح وشعيب أهلكناهم حين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، وجعلنا لإهلاكهم وقتًا محددا. ٦٠ - واذكر -أيها الرسول- حين قال موسى ﵇ لخادمه يوشع بن نون: لا أزال أسير حتى أصل ملتقى البحرين، أو أسير زمنًا طويلًا إلى أن ألقى العبد الصالح، فأتعلم منه. ٦١ - فسارا، فلما وصلا ملتقى البحرين نسيا سمكتهما التي اتخذاها زادًا لهما، فأحيا الله السمكة، واتخذت طريقًا في البحر مثل السِّرْداب، لا يلتئم الماء معه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عظمة القرآن وجلالته وعمومه؛ لأن فيه كل طريق موصل إلى العلوم النافعة، والسعادة الأبدية، وكل طريق يعصم من الشر. • من حكمة الله ورحمته أن تقييضه المبطلين المجادلين الحق بالباطل من أعظم الأسباب إلى وضوح الحق، وتبيُّن الباطل وفساده. • في الآيات من التخويف لمن ترك الحق بعد علمه أن يحال بينهم وبينه، ولا يتمكن منه بعد ذلك، ما هو أعظم مُرَهِّب وزاجر عن ذلك. • فضيلة العلم والرحلة في طلبه، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم. • الحوت يطلق على السمكة الصغيرة والكبيرة ولم يرد في القرآن لفظ السمك، وإنما ورد الحوت والنون واللحم الطبري.

стр. 308

٦٢ - فلما تعديا ذلك المكان، قال موسى ﵇ لخادمه: آتنا طعام الغُدوة، لقد لقينا من سفرنا هذا تعبًا شديدًا. ٦٣ - قال الغلام: أرأيت ما حصل حين التجأنا إلى الصخرة؟! فإني نسيت أن أذكر لك أمر الحوت، وما أنساني أن أذكره لك إلا الشيطان، فقد حَيِيَ الحوت، واتخذ له طريقًا في البحر يحمل على التعجب. ٦٤ - قال موسى ﵇ لخادمه: ذلك ما كنا نريد، فهو علامة مكان العبد الصالح، فرجعا يتتبَّعان آثار أقدامهما؛ لئلا يضيعا عن الطريق حتى انتهيا إلى الصخرة، ومنها إلى مدخل الحوت. ٦٥ - فلما وصلا مكان فَقْد الحوت وجدا عنده عبدًا من عبادنا الصالحين (وهو الخَضِر ﵇، أعطيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من عندنا علمًا لا يطّلع عليه الناس، وهو ما تضمنته هذه القصة. ٦٦ - قال له موسى في تواضع وتلطّف: هل أتّبعك على أن تعلّمني مما علمك الله من العلم ما هو رشاد إلى الحق؟ ٦٧ - قال الخَضِر: إنك لن تُطِيق الصبر على ما تراه من علمي؛ لأنه لا يوافق ما لديك من علم. ٦٨ - وكيف تصبر على ما ترى من الأفعال التي لا تعلم وجه الصواب فيها؛ لأنك تحكم فيها بمبلغ علمك؟! ٦٩ - قال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرًا على ما أرى منك من أفعال، ملتزمًا بطاعتك، لا أعصي لك أمرا أمرتني به. ٧٠ - قال الخَضِر لموسى: إن اتبعتني، فلا تسألني عن شيء مما تشاهدني أقوم به حتى أكون أنا البادئ بتبيين وجهه. ٧١ - فلما اتفقا على ذلك انطلقا إلى ساحل البحر حتى لقيا سفينة، فركبا فيها دون أجرةٍ تَكْرِمة للخَضِر، فخرق الخَضر السفينة بقَلْع لوح من ألواحها، فقال له موسى: أخرقت السفينة التي حملَنا أهلُها فيها بغير أجرة رجاء أن تُغْرِق أهلها؟! لقد أتيت أمرًا عظيمًا. ٧٢ - قال الخَضِر لموسى: ألم أقل: إنك لن تطيق معي صبرًا على ما ترى مني؟! ٧٣ - قال موسى ﵇ للخَضِر: لا تؤاخذني بسبب تركي لعهدك نسيانا, ولا تضيّق عليّ وتُشدد في صحبتك. ٧٤ - فانطلقا بعد نزولهما من السفينة يمشيان على الساحل، فأبصرا غلامًا لم يبلغ الحلم يلعب مع غلمان، فقتله الخَضِر، فقال له موسى: أقتلت نفسًا طاهرة لم تبلغ الحلم دونما ذنب؟! لقد أتيت أمرًا مُنْكَرًا! [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • استحباب كون خادم الإنسان ذكيًّا فطنًا كَيِّسًا ليتم له أمره الذي يريده. • أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله يُعان ما لا يُعان غيره. • التأدب مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب. • النسيان لا يقتضي المؤاخذة، ولا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم. • تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يَتَمَهَّر فيه ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة. • إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى, والإقرار بذلك، وشكر الله عليها.

стр. 309

٧٥ - قال الخَضِر لموسى ﵇: إني كنت قلت لك: إنك -يا موسى- لن تستطيع الصبر على ما أقوم به من أمر. ٧٦ - قال موسى ﵇: إن سألت عن شيء بعد هذه المرة ففارقني، فقد وصلت إلى الغاية التي تُعْذَر فيها على ترك مصاحبتي؛ لكوني خالفت أمرك ثلاث مرات. ٧٧ - فسارا حتى إذا جاءا أهل قرية طلبا من أهلها طعامًا, فامتنع أهل القرية من إطعامهما، وتأدية حق الضيافة إليهما، فوجدا في القرية حائطًا مائلًا قارب أن يسقط وينهدم، فسواه الخَضِر حتى استقام، فقال موسى ﵇ للخَضِر: لو شئت اتخاذ أجر على إصلاحه لاتخذته؛ لحاجتنا إليه بعد امتناعهم من ضيافتنا. ٧٨ - الخَضِر لموسى: هذا الاعتراض على عدم أخذي أجرًا على إقامة الحائط هو محل الفراق بيني وبينك، سأخبرك بتفسير ما لم تستطع أن تصبر عليه مما شاهدتني قمت به. ٧٩ - أما السفينة التي أنكرت عليَّ خرقها؛ فكانت لضعفاء يعملون عليها في البحر لا يستطيعون الدفع عنها، فأردت أن تفسير معيبة بما أحدثته فيها؛ حتى لا يستولي عليها ملك كان أمامهم يأخذ كل سفينة صالحة كرهًا من أصحابها، ويترك كل سفينة معيبة. ٨٠ - وأما الغلام الذي أنكرت عليّ قتله فكان أبواه مؤمنَين، وكان هو في علم الله كافرًا، فخفنا إن بلغ أن يحملهما على الكفر باللهِ والطغيان من فرط محبتهما له، أو من فرط حاجتهما إليه. ٨١ - فأردنا أن يعوّضهما الله ولدًا خيرًا منه دينًا وصلاحًا وطهارة من الذنوب، وأقرب رحمة بوالديه منه. ٨٢ - وأما الحائط الذي أصلحته وأنكرت عليّ إصلاحه فكان لصغيرين في المدينة التي جئناها قد مات أبوهما، وكان تحت الحائط مال مدفون لهما, وكان أبو هذين الصغيرين صالحًا، فأراد ربك -يا موسى- أن يبلغا من الرشد ويكبرا، ويخرجا مالهما المدفون من تحته؛ إذ لو سقط الحائط الآن لانكشف مالهما وتعرّض للضياع، وكان هذا التدبير رحمة من ربك بهما، وما فعلته من اجتهادي؛ ذلك تفسير ما لم تستطع الصبر عليه. ولما ذكر الله قصة الخَضِر ذكر قصة ذي القرنين؛ لما بينهما من ترابط؛ إذ إن كلًّا منهما سعى لحماية "الضعفاء" فقال: ٨٣ - ويسألك -أيها الرسول- المشركون واليهود مُمْتحِنين عن خبر صاحب القرنين، قل: سأتلو عليكم من خبره جزءًا تعتبرون به وتتذكرون. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب الثاني والتثبت وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء. • أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتُعَلق بها الأحكام الدنيوية في الأموال والدماء وغيرها. • يُدْفَع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير, ويُرَاعَى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما. • ينبغي للصاحب ألا يفارق صاحبه ويترك صحبته حتى يُعْتِبَه ويُعْذِر منه. • استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ بنسبة الخير إليه وعدم نسبة الشر إليه .. أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه وفي ذريته.

стр. 310

٨٤ - إنا مَكَّنا له في الأرض، وأعطيناه من كل شيء يتعلق به مطلوبُه طريقًا يتوصل به إلى مراده. ٨٥ - فأخذ بما أعطيناه من الوسائل والطرق للتوصل إلى مطلوبه، فاتجه غربًا. ٨٦ - وسار في الأرض حتى إذا وصل إلى نهاية الأرض من جهة مغرب الشمس رآها كأنها تغرب في عين حارة ذات طين أسود، ووجد عند مغرب الشمس قومًا كفارًا، قلنا له على سبيل التخيير: يا صاحب القرنين، إما أن تُعَذِّب هؤلاء. بالقتل أو بغيره، وإما أن تُحْسِن إليهم. ٨٧ - قال صاحب القرنين: أما من أشرك بالله وأصرَّ على ذلك بعد دعوتنا له إلى عبادة الله فسنعاقبه بالقتل في الدنيا، ثم يرجع إلى ربه يوم القيامة فيعذبه عذابًا فظيعًا. ٨٨ - وأما من آمن منهم بالله وعمل عملًا صالحًا فله الجنة؛ جزاءً من ربه على إيمانه وعمله الصالح، وسنقول له من أمرنا ما فيه رفق ولين. ٨٩ - ثم اتبع طريقًا غير طريقه الأولى متجهًا إلى جهة شروق الشمس. ٩٠ - وسار حتى إذا وصل إلى الموضع الذي تطلع عليه الشمس، وجد الشمس تطلع على أقوام لم نجعل لهم من دون الشمس ما يقيهم من البيوت ومن ظلال الأشجار. ٩١ - كذلك أمْر صاحب القرنين، وقد أحاط علمنا بتفاصيل ما لديه من القوة والسلطان. ٩٢ - ثم اتبع طريقًا غير الطريقين الأوليين معترضًا بين المشرق والمغرب. ٩٣ - وسار حتى وصل ثغرة بين جبلين فوجد من قِبَلِهما قومًا لا يكادون يفهمون كلام غيرهم. ٩٤ - قالوا: يا ذا القرنين، إن يأجوج ومأجوج (يعنون أمتين عظيمتين من بني آدم) مفسدون في الأرض بما يقومون به من القتل وغيره، فهل نجعل لك مالًا على أن تجعل بيننا وبينهم حاجزًا؟ ٩٥ - قال ذو القرنين: ما رزقنيه ربي من الملك والسلطان خير لي مما تعطونني من مال، فأعينوني برجال وآلات أجعل بينكم وبينهم حاجزا. ٩٦ - أحْضِروا قِطَع الحديد، فأحضروها فطفق يبني بها بين الجبلين، حتى إذا ساواهما ببنائه قال للعمال: أشعلوا النار على هذه القطع، حتى إذا احمرت قطع الحديد قال: أحضروا نحاسًا أصبّه عليه. ٩٧ - فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوَا عليه لارتفاعه، وما استطاعوا أن يثقبوه من أسفله لصلابته. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أن ذا القرنين أحد الملوك المؤمنين الذين ملكوا الدنيا وسيطروا على أهلها، فقد آتاه الله ملكًا واسعًا، ومنحه حكمة وهيبة وعلمًا نافعًا. • من واجب الملك أو الحاكم أن يقوم بحماية الخلق في حفظ ديارهم، وإصلاح ثغورهم من أموالهم. • أهل الصلاح والإخلاص يحرصون على إنجاز الأعمال ابتغاء وجه الله.

стр. 311

٩٨ - قال ذو القرنين: هذا السد رحمة من ربي يحول بين يأجوج ومأجوج وبين الإفساد في الأرض, ويمنعهم منه, فإذا جاء الوقت الذي حدده الله لخروجهم قبل قيام الساعة صيره مستويًا بالأرض, وكان وعبد الله بتسويته بالأرض وبخروج يأجوج ومأجوج ثابتًا لا خُلْف فيه. ٩٩ - وتركنا بعض الخلق وآخر الزمان يضطربون ويختلطون ببعض، ونفِخ في الصور فجمعنا الخلق كله للحساب والجزاء. ١٠٠ - وأظهرنا جهنم للكافرين إظهارًا لا لبس معه ليشاهدوها عيانا. ١٠١ - أظهرناها للكافرين الذين كانوا في الدنيا عميًا عن ذكر الله؛ لما على أعينهم من حجاب مانع من ذلك، ,كانوا لا يستطيعون سمع آيات الله سماع قبول. ١٠٢ - أفظنّ الذين كفروا بالله أن يجعلوا عبادي من ملائكة ورسل وشياطين معبودين من دوني؟! إنا هيأنا جهنم للكافرين منزلًا لإقامتهم. ١٠٣ - قل -أيها الرسول-: هل نخبركم -أيها الناس- بأعظم الناس خسرانًا لعمله؟ ١٠٤ - الذين يرون يوم القيامة أن سعيهم الذي كانوا يسعونه في الدنيا قد ضاع، وهم يظنون أنهم محسنون في سعيهم، وسينتفعون بأعمالهم، والواقع خلاف ذلك. ١٠٥ - أولئك هم الذين كفروا بآيات ربهم الدالة على توحيده، وكفروا بلقائه، فبطلت أعمالهم لكفرهم بها، فلا يكون لهم يوم القيامة قدر عند الله. ١٠٦ - ذلك الجزاء المُعَدّ لهم هو جهنم؛ لكفرهم بالله، واتخاذهم آياتي المنزلة ورسلي سخرية. ولما ذكر الله جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين، فقال: ١٠٧ - إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات كانت لهم أعلى الجنان منزلًا لإكرامهم. ١٠٨ - ماكثين فيها أبدًا، لا يطلبون عنها تحوّلًا؛ لأنها لا يدانيها جزاء. ١٠٩ - قل -أيها الرسول-: إن كلمات ربي كثيرة، فلو كان البحر حِبْرًا لها تكتب به لانتهى ماء البحر قبل أن تنتهي كلماته سبحانه، ولو أتينا ببحور أخرى لنفدت أيضًا. ١١٠ - قل -أيها الرسول-: إنما أنا بشر مثلكم، يُوحَى إليّ أنّ معبودكم بحق معبود واحد لا شريك له، وهو الله، فمن كان يخاف لقاء ربه فليعمل عملًا موافقًا لشرعه، مخلصًا فيه لربه، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • إثبات البعث والحشر بجمع الجن والإنس في ساحات القيامة بالنفخة الثانية في الصور. • أن أشد الناس خسارة يوم القيامة هم الذين ضل سعيهم في الدنيا، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا في عبادة من سوى الله. • لا يمكن حصر كلمات الله تعالى وعلمه وحكمته وأسراره، ولو كانت البحار والمحيطات وأمثالها دون تحديد حبرًا يكتب به.

стр. 312

سورة مريم مكية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان مظاهر رحمة الله بأوليائه؛ كهبة الولد الصالح، وبيان تنزُّهه تعالى عن الولد والمُعين، ردًّا على المفترين. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿كهيعص﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. ٢ - هذا ذكر رحمة ربك بعبده زكريا ﵇، نقصّه عليك للاعتبار به. ٣ - إذ دعا ربه سبحانه دعاء خفيًّا ليكون أقرب إلى الإجابة. ٤ - قال: يا رب، إني ضعفت عظامي، وكثر شيب رأسي, ولم أكن خائبًا في دعائي لك، بل كما دعوتك أجبتني. ٥ - وإني خفت قرابتي ألا يقوموا بعد موتي بحق الدين لانشغالهم بالدنيا، وكانت امرأتي عقيمًا لا تلد، فأعطني من عندك ولدًا مُعِينًا. ٦ - يرث النبوّة عني، ويرثها من آل يعقوب ﵇، وصيِّره -يا رب- مرضيًّا في دينه وخلقه وعلمه. ٧ - فاستجاب الله دعاءه, وناداه: يا زكريا، إنا نخبرك بما يسرّك، فقد أجبنا دعاءك، وأعطيناك غلامًا اسمه يحيى، لم نجعل لغيره من قبله هذا الاسم. ٨ - قال زكريا متعجبًا من قدرة الله: كيف يولد لي ولد وامرأتي عقيم لا تلد، وقد بلغت نهاية العمر من الكبر وضعف العظام؟! ٩ - قال المَلَك: الأمر كما قلت من أن امرأتك لا تلد، وأنك قد بلغت نهاية العمر من الكبر وضعف العظام، لكن ربك قال: خلْق ربك ليحيى من أمّ عاقر ومن أب بلغ نهاية العمر سهْل، وقد خلقتك -يا زكريا- من قبل ذلك ولم تكن شيئًا يذكر؛ لأنك كنت عدمًا. ١٠ - قال زكريا ﵇: يا رب، اجعل لي علامة أطمئنّ بها تدل على حصول ما بشّرتني به الملائكة، قال: علامتك على حصول ما بُشِّرتَ به ألا تستطيع كلام الناس ثلاث ليال من غير علة، بل أنت صحيح معافى. ١١ - فخرج زكريا على قومه من مصلّاه، فأشار إليهم من غير كلام: أن سبّحوا الله سبحانه أول النهار وآخره. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الضعف والعجز من أحب وسائل التوسل إلى الله؛ لأنه يدل على التَّبَرُؤِ من الحول والقوة، وتعلق القلب بحول الله وقوته. • يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه، وما يليق بالخضوع. • الحرص على مصلحة الدين وتقديمها على بقية المصالح. • تستحب الأسماء ذات المعاني الطيبة.

стр. 313

١٢ - فولد له يحيى، فلما بلغ سنًّا يخاطب فيها قلنا له: يا يحيى، خذ التوراة بجدّ واجتهاد، وأعطيناه الفهم والعلم والجد والعزم وهو في سنّ الصبا. ١٣ - ورحمناه رحمة من عندنا، وطهّرناه من الذنوب، , وكان تقيًّا يأتمر بأوامر الله، ويجتنب نواهيه. ١٤ - وكان برًّا بوالديه، لطيفًا بهما، محسنًا إليهما, ولم يكن متكبّرًا عن طاعة ربه ولا طاعتهما, ولا عاصيًا لربه أو لوالديه. ١٥ - وسلام عليه من الله وأمان له منه يوم ولد، ويوم يموت ويخرج من هذه الحياة، ويوم يبعث حيًّا يوم القيامة، المواطن الثلاثة هي أوحش ما يمرّ به الإنسان، فإذا أمن فيها فلا خوف عليه فيما عداها. ١٦ - واذكر -أيها الرسول- في القرآن المنزل عليك خبر مريم ﵍ إذ تنحّت عن أهلها، وانفردت بمكان على جهة الشرق منهم. ١٧ - فاتخذت لنفسها من دون قومها ساترًا يسترها حتى لا يروها حال عبادتها لربها، فبعثنا إليها جبريل ﵇، فتمثل لها في صورة إنسان سَوِيّ الخلقة، فخافت أنه يريدها بسوء. ١٨ - فلما رأته في صورة إنسان سَوِيّ الخَلْق يتّجه إليها قالت: إني أستجير بالرحمن منك أن ينالني منك سوء -يا هذا- إن كنت تقيًّا تخاف الله. ١٩ - قال جبريل ﵇: أنا لست بشرًا، إنما أنا رسول من ربك أرسلني إليك لأهب لك ولدًا طيّبًا طاهرًا. ٢٠ - قالت مريم متعجبة: كيف يكون لي ولد ولم يقربني زوج ولا غيره، ولست زانية حتى يكون لي ولد؟! ٢١ - قال لها جبريل: الأمر كما ذكرت من أنك لم يمسسك زوج ولا غيره ولم تكوني زانية، لكن ربك سبحانه قال: خَلْق ولد من غير أب سهل على، وليكون الولد الموهوب لك علامة للناس على قدرة الله، ورحمة منا لك ولمن آمن به، وكان خَلْق ولدك هذا قضاء من الله مقدّرًا، مكتوبًا في اللوح المحفوظ. ٢٢ - فحملت به بعد نفخ الملك، فتنحت به إلى مكان بعيد عن الناس. ٢٣ - فضربها المخاض، وألجأها إلى ساق نخلة، قالت مريم عايها السلام: يا ليتني متّ قبل هذا اليوم، وكنت شيئًا لا يُذْكَر حتى لا يُظَن بي السوء. ٢٤ - فناداها عيسى من تحت قدميها: لا تحزني، قد جعل ربك تحتك جدول ماءٍ تشربين منه. ٢٥ - وأمسكي بجذع النخلة وهزيه تساقط عليك رطبًا طريًّا جُنيَ من ساعته. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الصبر على القيام بالتكاليف الشرعية مطلوب. • علو منزلة بر الوالدين ومكانتها عند الله، فالله قرنه بشكره. • مع كمال قدرة الله في آياته الباهرة التي أظهرها لمريم، إلا أنه جعلها تعمل بالأسباب ليصلها ثمرة النخلة.

стр. 314

٢٦ - فكلي من الرطب، واشربي من الماء، وطيبي نفسًا بمولودك ولا تحزني، فإن رأيت من الناس أحدًا فسألك عن خبر المولود فقولي له: إني أوجبت على نفسي لربي صمتًا عن الكلام، فلن أكلم اليوم أحدًا من الناس. ٢٧ - فجاءت مريم بابنها إلى قومها تحمله، قال لها قومها مستنكرين: يا مريم، لقد جئت أمرًا عظيمًا مفترى، حيث جئت بولد من غير أب. ٢٨ - يا شبيهة هارون في العبادة (وهو رجل صالح ما كان أبوك زانيًا، ولا كانت أمك زانية، فأنت من بيت طاهر معروف بالصلاح، فكيف تأتين بولد من غير أب؟! ٢٩ - فأشارت إلى ابنها عيسى ﵇ وهو في المهد، فقال لها قومها متعجبين: كيف نكلّم صبيًّا وهو في المهد؟! ٣٠ - قال عيسى ﵇: إني عبد الله، أعطاني الإنجيل، وجعلني نبيًّا من أنبيائه. ٣١ - وجعلني كثير النفع للعباد أينما كنت، وأمرني بأداء الصلاة وإعطاء الزكاة طيلة حياتي. ٣٢ - وجعلني برًّا بأمي، ولم يجعلني متكبرًا عن طاعة ربي، ولا عاصيًا له. ٣٣ - والأمان من الشيطان وأعوانه عليّ يوم ميلادي ويوم موتي ويوم بعثي حيًّا يوم القيامة، فلم يتخبّطْني الشيطان في هذه المواقف الثلاثة الموحشة. ٣٤ - ذلك الموصوف بتلك الصفات هو عيسى بن مريم، وهذا الكلام هو قول الحق فيه لا ما يقوله الضالّون الذين يشكّون في أمره ويختلفون. ٣٥ - ما ينبغي لله أن يتخذ من ولد، تقدس عن ذلك وتنزّه، إذا أراد أمرًا، فإنما يكفيه سبحانه أن يقول لذلك الأمر: (كن)، فيكون لا محالة، فمن كان كذلك فهو مُنَزَّه عن الولد. ٣٦ - وإن الله سبحانه هو ربي وهو ربكم جميعًا، فأخلصوا له العبادة وحده، هذا الذي ذكرت لكم هو الطريق المستقيم الموصل إلى مرضاة الله. ٣٧ - فاختلف المختلفون في شأن عيسى ﵇ فصاروا أحزابًا متفرقين من بين قومه، فآمن به بعضهم وقالوا: هو رسول، وكفر به آخرون كاليهود، كما غلا فيه طوائف فقال بعضهم: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله، تعالى الله عن ذلك، فويل للمختلفين في شأنه من شهود يوم القيامة العظيم بما فيه من مشاهد وحساب وعقاب. ٣٨ - ما أسمعهم يومئذ وما أبصرهم، سمعوا حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر، لكنِ الظالمون في الحياة الدنيا في ضلال واضح عن الصراط المستقيم، فلا يستعدّون للآخرة حتى تأتيهم بغتة وهم على ظلمهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • في أمر مريم بالسكوت عن الكلام دليل على فضيلة الصمت في بعض المواطن .. لا يجوز نذر الصمت في شرعنا. • أن ما أخبر به القرآن عن كيفية خلق عيسى هو الحق القاطع الذي لا شك فيه، وكل ما عداه من تقولات باطل لا يليق بالرسل. • في الدنيا يكون الكافر أصم وأعمى عن الحق، ولكنه سيبصر ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولن ينفعه ذلك.

стр. 315

٣٩ - وأنذر -أيها الرسول- الناس يوم الندامة حين يندم المسيء على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الطاعة، إذ طويت صحف العباد، وفرغ من حسابهم، وصار كلٌّ إلى ما قدّم، وهم في حياتهم الدنيا مُغْتَرُّون بها, لاهون عن الآخرة، وهم لا يؤمنون بيوم القيامة. ٤٠ - إنا نحن الباقون بعد فناء الخلائق، نرث الأرض، ونرث من عليها لفنائهم وبقائنا بعدهم، وملكنا لهم، وتصرّفنا فيهم بما نشاء، وإلينا وحدنا يرجعون يوم القيامة للحساب والجزاء. ٤١ - واذكر -أيها الرسول- في القرآن المنزّل عليك خبر إبراهيم ﵇، إنه كان كثير الصدق والتصديق بآيات الله، ونبيًّا من عند الله. ٤٢ - إذ قال لأبيه آزر: يا أبت؛ لِمَ تعبد من دون الله صنمًا لا يسمع دعاءك إنْ دعوْتَه، ولا يبصر عبادتك إن عبدته، ولا يكشف عنك ضرًّا, ولا يجلب لك نفعًا؟! ٤٣ - يا أبت، إني قد جاءني من العلم عن طريق الوحي ما لم يأتك، فاتّبعني أرشدك إلى طريق مستقيم. ٤٤ - يا أبت، لا تعبد الشيطان بطاعتك له، إن الشيطان كان للرحمن عاصيًا، حيث أمره بالسجود لآدم فلم يسجد. ٤٥ - يا أبت، إني أخاف أن يصيبك عذاب من الرحمن إن متّ على كفرك، فتكون قرينًا له في العذاب لموالاتك له. ٤٦ - قال آزر لابنه إبراهيم ﵇: أمعرضٌ أنت عن أصنامي التي أعبدها يا إبراهيم؟! لئن لم تكفّ عن سبّ أصنامي لأرمينّك بالحجارة، وفارقني زمانًا طويلًا فلا تكلّمني، ولا تجتمع معي. ٤٧ - قال إبراهيم ﵇ لأبيه: سلام عليك مني، لا ينالك ما تكره مني، سأطلب لك المغفرة من ربي والهداية، إنه سبحانه كان كثير اللطف بي. ٤٨ - وأفارقكم وأفارق معبوداتكم التي تعبدونها من دون الله، وأدعو ربي وحده لا أشرك به شيئًا، عسى ألا يمنعني إذا دعوته، فأكون بدعائه شَقيًّا. ٤٩ - فلما تركهم وترك آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، عوّضناه عن فقد أهله فوهبنا له ابنه إسحاق، ووهبنا له حفيده يعقوب، وكل واحد منهما جعلناه نبيًّا. ٥٠ - وأعطيناهم من رحمتنا مع النبوة خيرًا كثيرًا، وجعلنا لهم ثناءً حسنًا مستمرا على ألسنة العباد. ٥١ - واذكر -أيها الرسول- في القرآن المنزل عليك خبر موسى ﵇، إنه كان مختارًا مصطفى، وكان رسولًا نبيًّا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • لما كان اعتزال إبراهيم لقومه مشتركًا فيه مع سارة، ناسب أن يذكر هبتهما المشتركة وحفيدهما، ثم جاء ذكر إسماعيل مستقلًا مع أن الله وهبه إياه قبل إسحاق. • التأدب واللطف والرفق في محاورة الوالدين واختيار أفضل الأسماء في مناداتهما. • المعاصي تمنع العبد من رحمة الله، وتغلق عليه أبوابها، كما أن الطاعة أكبر الأسباب لنيل رحمته. • وعبد الله كل محسن أن ينشر له ثناءً صادقًا بحسب إحسانه، وإبراهيم ﵇ وذريته من أئمة المحسنين.

стр. 316

٥٢ - وناديناه من جانب الجبل الأيمن بالنسبة لموقع موسى ﵇، وقرّبناه مناجيًا، حيث أسمعه الله كلامه. ٥٣ - وأعطيناه -من رحمتنا وإنعامنا عليه- أخاه هارون ﵇ نبيًّا؛ استجابة لدعائه حين سأل ربه ذلك. ٥٤ - واذكر -أيها الرسول- في القرآن المنزل عليك خبر إسماعيل ﵇، إنه كان صادق الوعد، لا يَعِدُ وعدًا إلا وَفَى به، وكان رسولًا نبيًّا. ٥٥ - وكان يأمر أهله بإقامة الصلاة، وبإعطاء الزكاة, وكان عند ربه مرضيًّا. ٥٦ - واذكر -أيها الرسول- في القرآن المنزل عليك خبر إدريس ﵇, إنه كان كثير الصدق والتصديق بآيات ربه، وكان نبيًّا من أنبياء الله. ٥٧ - ورفعنا ذكره بما أعطيناه من النبوة، فكان عالي المنزلة. ٥٨ - أولئك المذكورون في هذه السورة ابتداءً بزكريا وختامًا بإدريس ﵇، هم الذين أنعم الله عليهم بالنبوة من أبناء آدم ﵇، ومن أبناء من حملنا في السفينة مع نوح ﵇، ومن أبناء إبراهيم وأبناء يعقوب ﵇، وممن وفقنا للهداية إلى الإِسلام، واصطفيناهم وجعلناهم أنبياء، كانوا إذا سمعوا آيات الله تقرأ سجدوا لله باكين من خشيته. ٥٩ - فجاء من بعد هؤلاء الأنبياء المصطفين أتباع سوء وضلال، ضيعوا الصلاة، فلم يأتوا بها على الوجه المطلوب، وارتكبوا ما تشتهيه أنفسهم من المعاصي كالزنى، فسوف يلقون شرًّا في جهنم وخيبة. ٦٠ - إلا من تاب من تقصيره وتفريطه، وآمن بالله وعمل عملًا صالحًا فأولئك الموصوفون بهذه الصفات يدخلون الجنة، ولا ينقصون من أجور أعمالهم شيئًا ولو قلّ. ٦١ - جنات إقامة واستقرار التي وعد الرحمن عباده الصالحين بالغيب أن يدخلهم فيها، وهم لم يروها فآمنوا بها، فوعْد الله بالجنة -وإن كان غيبًا- آت لا محالة. ٦٢ - لا يسمعون فيها فضولًا, ولا كلامَ فحش، بل يسمعون سلام بعضهم على بعض، وسلام الملائكة عليهم، ويأتيهم ما يشتهون من الطعام فيها صباحًا ومساءً. ٦٣ - هذه الجنّة الموصوفة بهذه الصفات هي التي نورثها من عبادنا من كان ممتثلًا للأوامر، مجتنبًا للنواهي. ولما ذكر سبحانه ثواب المتقين ذكر أن التقوى هي الوقوف مع أمره، فقال: ٦٤ - وقيل -يا جبريل- لمحمد ﷺ : إن الملائكة لا تتنزل من تلقاء أنفسها، وإنما تتنزّل بأمر الله، لله ما نستقبله من أمر الآخرة، وما خلّفناه من أمر الدنيا، وما بين الدنيا والآخرة, وما كان ربك -أيها الرسول- ناسيًا شيئًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • حاجة الداعية دومًا إلى أنصار يساعدونه في دعوته. • إثبات صفة الكلام لله تعالى. • صدق الوعد محمود، وهو من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخُلْف مذموم. • إن الملائكة رسل الله بالوحي لا تنزل على أحد من الأنبياء والرسل من البشر إلا بأمر الله.

стр. 317

٦٥ - خالق السماوات وخالق الأرض، ومالكهما ومدبر أمرهما، وخالق ما بينهما ومالكه ومدبره، فاعبده وحده، فهو المستحق للعبادة، واثبت على عبادته، فليس له مثيل ولا نظير يشاركه في العبادة. ٦٦ - ويقول الكافر المنكر للبعث؛ استهزاء: أإذا متّ فإني سوف أخرج من قبري حيًّا حياة ثانية؟! إن هذا لبعيد. ٦٧ - أَوَلا يتذكر هذا المنكر للبعث أنا خلقناه من قبل ولم يكن شيئًا؟! فيستدلّ بالخلق الأول على الخلق الثاني، مع أن الخلق الثاني أسهل وأيسر. ٦٨ - فوربّك -أيها الرسول- لنخرجنّهم من قبورهم إلى المحشر مصحوبين بشياطينهم الذين أضلّوهم، ثم لنسوقنّهم إلى أبواب جهنم أذلاء، باركين على ركبهم. ٦٩ - ثم لنجذبنّ بشدة وعنف من كل طائفة من طوائف الضلال أشدهم عصيانًا، وهم قادتهم. ٧٠ - ثم لنحن أعلم بالذين هم أحقّ بدخول النار ومقاساة حرّها ومعاناته. ٧١ - وما منكم -أيها الناس- أحد إلا سيعبر فوق الصراط المضروب على متن جهنم، كان هذا العبور قضاء مُبْرَمًا قضاه الله، فلا رادّ لقضائه. ٧٢ - ثم بعد هذا العبور على الصراط نسلّم الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ونترك الظالمين باركين على ركبهم، لا يستطيعون الفرار منها. ٧٣ - وإذا تُقْرأ على الناس آياتنا المنزلة على رسولنا واضحات قال الكفار للمؤمنين: أيُّ فريقينا خير إقامة ومسكنا، وأحسن مجلسًا ومجتمعًا: فريقنا أم فريقكم؟! ٧٤ - وما أكثر الأمم التي أهلكناها قبل هؤلاء الكفار المفتخرين بما هم فيه من تفوّق مادي، هي أحسن منهم أموالًا، وأحسن منظرًا لنفاسة ثيابهم، وتنعّم أبدانهم. ٧٥ - قل -أيها الرسول-: من كان يتخبّط في ضلاله فسيمهله الرحمن حتى يزداد ضلالًا، حتى إذا عاينوا ما كانوا يوعدون به من العذاب المعجل في الدنيا، أو المؤجَّل يوم القيامة فسيعلمون حينئذ من هو شر منزلًا وأقل ناصرا، أهو فريقهم أم فريق المؤمنين؟ ٧٦ - ومقابل الإمهال أو لئك حتى يزدادوا ضلالًا، يزيد الله الذين اهتدوا إيمانًا وطاعة، والأعمال الصالحات المؤدّية إلى السعادة الأبدية أنفع عند ربك -أيها الرسول- جزاء، وخير عاقبة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • على المؤمنين الاشتغال بما أمروا به والاستمرار عليه في حدود المستطاع. • وورد جميع الخلائق عَلى النار -أي: المرور على الصراط، لا الدخول في النار- أمر واقع لا محالة. • أن معايير الدين ومفاهيمه الصحيحة تختلف عن تصورات الجهلة والعوام. • من كان غارقًا في الضلالة متأصلًا في الكفر يتركه الله في طغيان جهله وكفره، حتى يطول اغترار، فيكون ذلك أشد لعقابه. • يثبّت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم توفيقًا ونصرة، وينزل من الآيات ما يكون سببًا لزيادة اليقين مجازاةً لهم.

стр. 318

٧٧ - أفرأيت -أيها الرسول- الذي كفر بحججنا، وأنكر وعيدنا، وقال: إن متّ، وبعثت لأعطَينّ مالًا كثيرًا وأولادًا. ٧٨ - أَعَلِم الغيب فقال ما قال عن بينة؟! أم جعل عند ربه عهدًا ليدخلنّه الجنة، ويعطينه مالًا وأولادًا؟! ٧٩ - ليس الأمر كما زعم، سنكتب ما يقوله وما يعمله، ونزيده عذابًا فوق عذابه لما يدّعيه من الباطل. ٨٠ - ونرث ما تركه من مال وولد بعد إهلاكنا له، ويجيئنا يوم القيامة فردًا قد سلب منه ما كان يتمتّع به من مال ومن جاء. ٨١ - واتّخذ المشركون لهم معبودين من دون الله؛ ليكونوا لهم ظهيرًا ومعينًا ينتصرون بهم. ٨٢ - ليس الأمر كما زعموا، فهذه المعبودات التي يعبدونها من دون الله ستجحد عبادة المشركين لها يوم القيامة، وتتبرأ منهم، وتكون لهم أعداء. ٨٣ - ألم تر -أيها الرسول- أنا بعثنا الشياطين، وسلطناهم على الكفار تهيجهم إلى فعل المعاصي والصد عن دين الله تهييجًا؟ ٨٤ - فلا تعجل -أيها الرسول- بطلب الله أن يعجّل هلاكهم، إنما نحصي أعمارهم إحصاء، حتى إذا انتهى وقت إمهالهم عاقبناهم بما يستحقّون. ٨٥ - واذكر -أيها الرسول- يوم القيامة يوم نجمع المتقين ربهم -بامتثال أوامره واجتناب نواهيه- إلى ربهم وفدًا مكرمين مُعَزَّزين. ٨٦ - ونسوق الكفار إلى جهنم عطاشًا. ٨٧ - لا يملك هؤلاء الكفار الشفاعة لبعضهم إلا من اتّخذ عند الله في الدنيا عهدًا بالإيمان به وبرسله. ٨٨ - وقال اليهود والنصارى وبعض المشركين: اتخذ الرحمن ولدًا. ٨٩ - لقد جئتم -أيها القائلون بهذا- شيئًا عظيمًا. ٩٠ - تكاد السماوات تتشقّق من هذا القول المنكر، وتكاد الأرض تتصاع، وتكاد الجبال تسقط منهدمة. ٩١ - كل ذلك من أجل أن نسبوا للرحمن ولدًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. ٩٢ - وما يستقيم أن يتخذ الرحمن ولدًا لتنزّهه عن ذلك. ٩٣ - إن كل من في السماوات من الملائكة والإنس والجن إلا يأتي ربه يوم القيامة خاضعًا. ٩٤ - لقد أحاط بهم علمًا، وعدهم عدًّا، فلا يخفى عليه منهم شيء. ٩٥ - وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفردًا لا ناصر له ولا مال. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تدل الآيات على سخف الكافر وسَذَاجة تفكيره، وتَمَنِّيه الأماني المعسولة، وهو سيجد نقيضها تمامًا في عالم الآخرة. • سلّط الله الشياطين على الكافرين بالإغواء والإغراء بالشر، والإخراج من الطاعة إلى المعصية. • أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون بإذن الله يوم القيامة.

стр. 319

٩ ٦ - إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات المرضية عند الله، سيجعل لهم الله محبة بحبه إياهم، وبتحبيبهم إلى عباده. ٩ ٧ - فإنما يسرنا هذا القرآن بإنزاله بلسانك -أيها الرسول- من أجل أن تبشّر به المتقين الذين يمتثلون أوامري، ويجتنبون نواهي، وتخوّف به قومًا أشداء في الخصومة والمكابرة في الإذعان للحق. ٩ ٨ - وما أكثر الأمم التي أهلكناها من قبل قومك، فهل تشعر اليوم بأحد من تلك الأمم؟! وهل تسمع لهم صوتًا خفيًّا؟! فما أصابهم قد يصيب غيرهم حين يأذن الله. سورة طه مكية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] تقوية النبي ﷺ لحمل الرسالة والصبر عليها. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿طه﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. ٢ - ما أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن ليكون سببًا في إرهاق نفسك أسفًا على إعراض قومك عن الإيمان بك. ٣ - ما أنزلناه إلا ليكون تذكيرًا لمن وفقهم الله لخشيته. ٤ - نزّله الله الذي خلق الأرض، وخلق السماوات المرتفعة، فهو قرآن عظيم؛ لأنه منزل من عند عظيم. ٥ - الرحمن علا وارتفع على العرش علوًّا يليق بجلاله . ٦ - له سبحانه وحده ما في السماوات وما في الأرض وما تحت التراب من مخلوقات، خلقًا وملكًا وتدبيرًا. ٧ - وإن تعلن -أيها الرسول- القول، أو تخفه فإنه سبحانه يعلم ذلك كله، فهو يعلم السر وما هو أخفى من السر مثل خواطر النفس، لا يخفى عليه شيء من ذلك. ٨ - الله لا معبود بحق غيره, له وحده الأسماء البالغة الكمال في الحسن. ولما كان النبي ﷺ يعاني من قومه الإعراض، جاءت تسليته بقصة موسى ﵇، فقال سبحانه: ٩ - ولقد جاءك -أيها الرسول- خبر موسى بن عمران ﵇. ١٠ - حين عاين في سفره نارًا، فقال لأهله: أقيموا في مكانكم هذا، إني أبصرت نارًا لعلي آتيكم من هذه النار بشعلة، أو أجد من يهديني إلى الطريق. ١١ - فلما جاء النار ناداه الله سبحانه بقوله: يا موسى. ١٢ - إني أنا ربك فانزع نعليك استعدادًا لمناجاتي، إنك بالوادي المُطَهَّر (طُوَى). [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • ليس إنزال القرآن العظيم لإتعاب النفس في العبادة، وإذاقتها المشقة الفادحة، وإنما هو كتاب تذكرة ينتفع به الذين يخشون ربهم. • قَرَن الله بين الخلق والأمر، فكما أن الخلق لا يخرج عن الحكمة؛ فكذلك لا يأمر ولا ينهى إلا بما هو عدل وحكمة. • على الزوج واجب الإنفاق على الأهل (المرأة) من غذاء وكساء ومسكن ووسائل تدفئة وقت البرد.

стр. 320

١٣ - وأنا اصطفيتك -يا موسى- لتبليغ رسالتي، فاستمع لما أوحيه إليك. ١٤ - إنني أنا الله لا معبود بحق غيري، فاعبدني وحدي، وأدّ الصلاة على أكمل وجه لتذكُرني فيها. ١٥ - إن الساعة آتية لا محالة وواقعة، أكاد أخفيها فلا يعلم وقتها مخلوق، ولكن يعرفون علاماتها بإخبار النبي لهم؛ لكي تُجَازَى كل نفس بما عملته، خيرًا كان أو شرًّا. ١٦ - فلا يصرفنّك عن التصديق بها والاستعداد لها بالعمل الصالح من لا يؤمن بها من الكفار، واتبع ما تهواه نفسه من المحرمات، فتهلك بسبب ذلك. ١٧ - وما تلك التي بيدك اليمنى يا موسى؟ ١٨ - قال موسى ﵇: هي عصاي؛ أعتمد عليها في المشي، وأخبط بها الشجر ليسقط ورقها لغنمي، ولي فيها منافع غير ما ذكرت. ١٩ - قال الله: ألقها يا موسى. ٢٠ - فألقاها موسى، فانقلبت حية تمشي بسرعة وخفة. ٢١ - قال الله لموسى ﵇: خذ العصا, ولا تخف من انقلابها حية، سنعيدها إذا أخذتها إلى حالتها الأولى. ٢٢ - واضمم يدك إلى جنبك تخرج بيضاء من غير برص؛ علامة ثانية لك. ٢٣ - أريناك هاتين العلامتين لنريك -يا موسى- من آياتنا العظمى الدالة على قدرتنا، وعلى أنك رسول من عند الله. ٢٤ - سر -يا موسى- إلى فرعون، فإنه تجاوز الحد في الكفر والتمرد على الله. ٢٥ - قال موسى ﵇: رب، وسّع لي صدري لأتحمّل الأذى. ٢٦ - وسهّل لي أمري. ٢٧ - وأقدرني على النطق بالفصيح من الكلام. ٢٨ - ليفهموا كلامي إذا بلّغتهم رسالتك. ٢٩ - واجعل لي معينًا من أهلي يعينني في أموري. ٣٠ - هارون بن عمران أخي. ٣١ - قوِّ به ظهري. ٣٢ - واجعله شريكًا لي في الرسالة. ٣٣ - لكي نسبحك تسبيحا كثيرًا. ٣٤ - ونذكرك ذكرًا كثيرًا. ٣٥ - إنك كنت بنا بصيرًا لا يخفى عليك شيء من أمرنا. ٣٦ - قال الله: قد أعطيناك ما طلبت يا موسى. ٣٧ - ولقد أنعمنا عليك مرة أخرى. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب حسن الاستماع في الأمور المهمة، وأهمها الوحي المنزل من عند الله. • اشتمل أول الوحي إلى موسى على أصلين في العقيدة وهما: الإقرار بتوحيد الله، والإيمان بالساعة (القيامة)، وعلى أهم فريضة بعد الإيمان وهي الصلاة. • التعاون بين الدعاة ضروري لإنجاح المقصود؛ فقد جعل الله لموسى أخاه هارون نبيًّا ليعاونه في أداء الرسالة. • أهمية امتلاك الداعية لمهارة الإفهام للمدعوِّين.
следующие страницы →