Полный текст (612 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
١١ - الله خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، وجعل لكم من الإبل والبقر والغنم أزواجًا، حتى تتكاثر من أجلكم، يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم بالتزاوج، ويعيشكم فيما جعل لكم من أنعامكم من لحومها وألبانها، لا يماثله شيء من مخلوقاته، هو السميع لأقوال عباده، البصير بأفعالهم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيهم على أعمالهم؛ إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
١٢ - له وحده مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يوسع الرزق لمن يشاء من عباده؛ اختبارًا له أيشكر أم يكفر؟ ويضيِّقه على من يشاء؛ ابتلاءً له أيصبر أم يتسخط على قدر الله؟ إنه بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء مما فيه مصالح عباده.
١٣ - شرع لكم من الدين مثل ما أمرنا نوحًا بتبليغه والعمل به، والذي أوحيناه إليك -أيها الرسول- وشرع لكم مثل الذي أمرنا إبراهيم وموسى وعيسى بتبليغه والعمل به،
وخلاصته: أن أقيموا الدين، واتركوا التفرق فيه، عَظُم على المشركين ما تدعوهم إليه من توحيد الله، وترك عبادة غيره، الله يصطفي من شاء من عباده، فيوفقه لعبادته وطاعته، ويهدي إليه من يرجع إليه منهم بالتوبة من ذنوبه.
١٤ - وما تفرق الكفار والمشركون إلا من بعد ما قامت عليهم الحجة ببعثة محمد ﷺ إليهم، وما كان تفرُّقهم إلا بسبب البغي والظلم، ولولا ما سبق في علم الله من أنه يؤخر عنهم العذاب إلى أَمَدٍ محدد في علمه هو يوم القيامة لحكم الله بينهم، فعجل لهم العذاب بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسله، وإن الذين أورثوا التوراة من اليهود، والإنجيل من النصارى من بعد أسلافهم، ومن بعد هؤلاء المشركين، لفي شك من هذا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ومكذبون به.
١٥ - ادعُ لهذا الدين المستقيم، واثبت عليه وفق ما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم الباطلة، وقل عند مجادلتهم: آمنت بالله وبالكتب التي أنزلها الله على رسله، وأمرني الله أن أحكم بينكم بالعدل، الله الذي أعبده ربنا وربكم جميعًا، لنا أعمالنا خيرًا كانت أو شرًّا، ولكم أعمالكم خيرًا كانت أو شرًّا، لا جدال بيننا وبينكم بعد أن تبينت الحجة، واتضحت المحجة، الله يجمع بيننا جميعًا، وإليه المرجع يوم القيامة، فيجازي كلًّا منا بما يستحقه، فيتبيَّن عندئذ الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دين الأنبياء في أصوله دين واحد.
• أهمية وحدة الكلمة، وخطر الاختلاف فيها.
• من مقومات نجاح الدعوة إلى الله: صحة المبدأ، والاستقامة عليه، والبعد عن اتباع الأهواء، والعدل والتركيز على المشترك، وترك الجدال العقيم، والتذكير بالمصير المشترك.
стр. 492
١٦ - والذين يجادلون بالحجج الباطلة في هذا الدين المنزل على محمد ﷺ بعدما استجاب الناس له، هؤلاء المجادلون حجتهم ذاهبة وساقطة عند ربهم وعند المؤمنين، لا أثر لها، وعليهم غضب من الله لكفرهم ورفضهم الحق، ولهم عذاب شديد ينتظرهم يوم القيامة.
ولما بيَّن بطلان حجج الكافرين بيَّن أصل الحجج الصحيحة التي يحتج بها المسلم وهي القرآن، فقال:
١٧ - الله الذي أنزل القرآن بالحق الذي لا مرية فيه، وأنزل العدل ليحكم بين الناس بالإنصات، وقد تكون الساعة التي يكذِّب بها هؤلاء قريبة، ومعلوم أن كل آتٍ قريب.
١٨ - يطلب الذين لا يؤمنون بها تعجيلها؛ لأنهم لا يؤمنون بحساب ولا ثواب ولا عقاب , والذين آمنوا بالله خائفون منها لخوفهم من مصيرهم فيها، ويعلمون علم اليقين أنها الحق الذي لا مِرْية فيه، ألا إن الذين يجادلون في الساعة ويخاصمون فيها، ويشككون في وقوعها، لفي ضلال بعيد عن الحق.
١٩ - الله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء، فيوسع له الرزق، ويضيِّق على من يشاء رحمة به، وإن بدا غير ذلك، وهو القوي الذي لا يغلبه أحد، العزيز الذي ينتقم من أعدائه.
٢٠ - من كان يريد ثواب الآخرة عاملًا لها عملها، نضاعف له ثوابه، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن كان يريد الدنيا وحدها أعطيناه نصيبه المقدر له فيها، وليس له في الآخرة من حظ لإيثاره الدنيا عليها.
٢١ - أم لهؤلاء المشركين آلهة من دون الله، وقد شرعوا لهم من الدين ما لم ياذن لهم الله بشرعه من الشرك به وتحريم ما أحل، وتحليل ما حرم؟ ولولا ما ضربه الله من أجَلٍ محدد للفصل بين المختلفين، وأنه يؤخرهم إليه لفصَل بينهم، وإن الظالمين لأنفسهم بالشرك بالله والمعاصي لهم عذاب موجع ينتظرهم يوم القيامة.
٢٢ - ترى -أيها الرسول- الظالمين أنفسهم بالشرك والمعاصي خائفين من العقاب بما كسبوا من الإثم، والعقاب واقع بهم لا محالة، فلا ينفعهم الخوف المجرد عن توبة، والذين آمنوا بالله وبرسله وعملوا الأعمال الصالحات على النقيض منهم؛ فهم في بساتين الجنات يتنعمون، لهم ما يشاؤون عند ربهم من أنواع النعيم الذي لا ينقطع أبدًا، ذلك هو الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خوف المؤمن من أهوال يوم القيامة يعين على الاستعداد لها.
• لطف الله بعباده حيث يوسع الرزق على من يكون خيرًا له، ويضيِّق على من يكون التضييق خيرًا له.
• خطر إيثار الدنيا على الآخرة.
стр. 493
٢٣ - ذلك التبشير العظيم الذي يبشر الله به على يد رسوله الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الأعمال الصالحات، قل -أيها الرسول-: لا أطلب منكم على تبليغ الحق ثوابًا إلا ثوابًا واحدًا عائدًا نفعه إليكم، وهو أن تحبوني لقرابتي فيكم، ومن يكسب حسنة نضاعف له أجره؛ الحسنة بعشر أمثالها، إن الله غفور لذنوب من تاب إليه من عباده، شكور لأعمالهم الصالحة التي يعملونها ابتغاء وجهه.
٢٤ - مِنْ زعم المشركين أن محمدًا ﷺ قد اختلق هذا القرآن ونسبه لربه، ويقول الله ردًّا عليهم: لو حدَّثتَ نفسك أن تفتري كذبًا لطَبَعْتُ على قلبك، ومحوت الباطل المفترى، وأبقيت الحق، ولما لم يكن الأمر كذلك دلَّ على صدف النبي ﷺ أنه موحى له من ربه، إنه عليم بما في قلوب عباده لا يخفى عليه شيء منه.
٢٥ - وهو سبحانه الذي يقبل توبة عباده من الكفر والمعاصي إذا تابوا إليه، ويتجاوز عن سيئاتهم التي ارتكبوها، ويعلم ما تفعلون من شيء، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.
٢٦ - ويجيب دعاء الذين آمنوا بالله وبرسله وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله على ما لم يسألوه، والكافرون بالله وبرسله لهم عذاب قوي ينتظرهم يوم القيامة.
٢٧ - ولو وسَّع الله الرزق لجميع عباده لطغوا في الأرض بالظلم، ولكنه سبحانه ينزل من الرزق بقدر ما يشاء من توسيع وتضييق، إنه خبير بأحوال عباده بصير بها، فيعطي لحكمة، ويمنع لحكمة أيضًا.
٢٨ - وهو الذي ينزل المطر على عباده من بعد ما يئسوا من نزوله، وينشر هذا المطر فتنبت الأرض، وهو المتولِّي شؤون عباده، المحمود على كل حال.
٢٩ - ومن آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته خلق السماوات وخلق الأرض، وما نشر فيهما من مخلوقات عجيبة، وهو على جمعهم للحشر والجزاء متى شاء قدير، لا يعجزه ذلك كما لم يعجزه خلقهم أول مرة.
٣٠ - وما أصابكم -أيها الناس- من مصيبة في أنفسكم أو أموالكم فبما كسبته أيديكم من المعاصي، ويتجاوز الله لكم عن كثير منها، فلا يؤاخذكم به.
٣١ - ولستم بقادرين على النجاة من ربكم هربًا إذا أراد عقابكم، وليس لكم من دونه ولي يتولى أموركم، ولا نصير يرفع عنكم العذاب إن أراده بكم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الداعي إلى الله لا يبتغي الأجر عند الناس.
• التوسيع في الرزق والتضييق فيه خاضع لحكمة إلهية قد تخفى على كثير من الناس.
• الذنوب والمعاصي من أسباب المصائب.
стр. 494
٣٢ - ومن آيات لة على قدرته ووحدانيته السفن التي تجري في البحر مثل الجبال في ارتفاعها وعلوها.
٣٣ - إن يشأ الله إسكان الريح التي تسيِّرهنَّ أسكنها، فَيَظْللن ثوابت في البحر لا يتحرَّكن، إنَّ في ذلك المذكور من خلق السفن وتسخير الرياح لدلالات واضحة على قدرة الله لكل صَبَّار على البلاء والمحن، شكور لنعم الله عليه.
٣٤ - أو إن يشأ سبحانه إهلاك تلك السفن بإرسال الريح العاصفة عليها أهلكها بسبب ما كسب الناس من الإثم، ويتجاوز عن كثير من ذنوب عباده فلا يعاقبهم عليها.
٣٥ - ويعلم عند إهلاك تلك السفن بإرسال الريح العاصفة الذين يجادلون في آيات الله لإبطالها ما لهم من مهرب عن الهلاك، فلا يدعون إلا الله، ويتركون من عداه.
٣٦ - فما أُعطيتم -أيها الناس- من مال أو جاه أو ولد، فمتاع الحياة الدنيا وهو زائل منقطع، والنعيم الدائم هو نعيم الجنة الذي أعده الله للذين آمنوا بالله ورسله، وعلى ربهم وحده يعتمدون في جميع أمورهم.
٣٧ - والذين يبتعدون عن كبائر الذنوب وقبائحها، وإذا غضبوا ممن أساء إليهم بالقول أو الفعل يغفرون له زلته، ولا يعاقبونه عليها، وهذا العفو تفضل منهم إذا كان فيه خير ومصلحة.
٣٨ - والذين استجابوا لربهم؛ بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، وأتمُّوا الصلاة على أكمل وجه، والذين يتشاورون في الأمور التي تهمهم، ومما رزقناهم ينفقون ابتغاء وجه الله.
٣٩ - والذين إذا أصابهم الظلم ينتصرون إكرامًا لأنفسهم وإعزازًا لها، إذا كان الظالم غير أهل للعفو، وهذا الانتصار حق، بخاصة إذا لم يكن في العفو مصلحة.
٤٠ - ومن أراد أن يأخذ حقه فله ذلك، لكن بالمثل دون زيادة أو تجاوز، ومن عفا عمن أساء إليه ولم يؤاخذه على إساءته، وأصلح ما بينه وبين أخيه فثوابه عند الله، إنه لا يحب الظالمين الذين يظلمون الناس في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم، بل يبغضهم.
٤١ - ومن انتصر لنفسه فأولئك ما عليهم من مؤاخذة لأخذهم بحقهم.
٤٢ - إنما المؤاخذة والعقاب للذين يظلمون الناس، ويعملون في الأرض بالمعاصي، أولئك لهم عذاب موجع في الآخرة.
٤٣ - وأما من صبر على إيذاء غيره وتجاوز عنه، فإن ذلك الصبر مما يعود بالخير عليه وعلى المجتمع؛ وذاك أمر محمود، ولا يوفَّق له إلا ذو حظ عظيم.
٤٤ - ومن خذله الله عن الهداية فأضلَّه عن الحق فليس له ولي من بعده يتولى أمره، وترى الظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي لما عاينوا العذاب يوم القيامة يقولون متمنِّين: هل للعودة إلى الدنيا طريق فنتوب إلى الله؟
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الصبر والشكر سببان للتوفيق للاعتبار بآيات الله.
• مكانة الشورى في الإسلام عظيمة.
• جواز مؤاخذة الظالم بمثل ظلمه، والعفو خير من ذلك.
стр. 495
٤٥ - وترى -أيها الرسول- هؤلاء الظالمين حين يُعْرَضون على النار وهم أذلاء وخزايا ينظرون إلى الناس خِلْسة من شدة خوفهم منها، وقال الذين آمنوا بالله وبرسله: إن الخاسرين حقًّا هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بسبب ما لاقوه من عذاب الله، ألا إن الظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي في عذاب دائم لا ينقطع أبدًا.
٤٦ - وما كان لهم من أولياء ينصرونهم بإنقاذهم من عذاب الله يوم القيامة، ومن يخذله الله عن الحق فيضلُّه فليس له أبدًا من طريق تؤديه إلى الهداية إلى الحق.
٤٧ - استجيبوا -أيها الناس- لربكم بالمسارعة إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وترك التسويف، من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي إذا جاء لا دافع له، ما لكم من ملجأ تلجؤون إليه، وما لكم من إنكار تنكرون به ذنوبكم التي اكتسبتموها في الدنيا.
٤٨ - فإن أعرضوا عما أمرتهم به فما بعثناك -أيها الرسول- عليهم حفيظًا تحفظ أعمالهم، ليس عليك إلا تبليغ ما أمرت بتبليغه، وحسابهم على الله، وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة من غنى وصحة ونحوهما فرح بها، وإن يصب البشر بلاء بمكروه بسبب ذنوبهم؛ فإن طبيعتهم كفر نعم الله، وعدم شكرها، والتسخط مما قدره الله بحكمته.
٤٩ - ٥٠ - لله ملك السماوات وملك الأرض، يخلق ما يشاء من ذكر أو أنثى أو غير ذلك، يعطي لمن يشاء إناثًا ويحرمه الذكور، ويعطي لمن يشاء الذكور ويحرمه الإناث، ويجعل لمن يشاء الذكور والإناث معًا، ويجعل من يشاء عقيمًا لا يولد له، إنه عليم بما هو كائن وبما سيكون في المستقبل، وهذا من تمام علمه وكمال حكمته، لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء.
٥١ - ما يصحُّ لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا بالإلهام أو غيره، أو يكلمه، بحيث يسمع كلامه ولا يراه، أو يرسل إليه ملكًا رسولًا مثل جبريل، فيوحي إلى الرسول البشري بإذن الله ما يشاء الله أن يوحيه، إنه سبحانه عليٌّ في ذاته وصفاته، حكيم في خلقه وقدره وشرعه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب المسارعة إلى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
• مهمة الرسول البلاغ، والنتائج بيد الله.
• هبة الذكور أو الإناث أو جمعهما معًا هو على مقتضى علم الله بما يصلح لعباده، ليس فيها مزية للذكور دون الإناث.
• يوحي الله تعالى إلى أنبيائه بطرق شتى؛ لِحِكَمٍ يعلمها سبحانه.
стр. 496
٥ ٢ - وكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك -أيها الرسول- أوحينا إليك قرآنًا من عندنا، ما كنت تعلم قبله ما الكتب السماوية المنزلة على الرسل، وما كنت تعلم ما الإيمان؟ ولكن أنزلنا هذا القرآن ضياءً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتدل الناس إلى طريق مستقيم هو دين الاسلام.
٥ ٣ - طريق الله الذي له ما في السماوات، وله ما في الأرض، خلقًا وملكًا وتدبيرًا، حتمًا إلى الله وحده ترجع الأمور في تقديرها وتدبيرها.
سورة الزخرف
مَكيَّة
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان المبادئ القرآنية الصحيحة، ونقض التصورات الجاهلية الزائفة.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿حم﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
٢ - أقسم الله بالقرآن الموضح لطريق الهداية إلى الحق.
٣ - إنا جعلناه قرآنا بلسان العرب؛ رجاء أن تعقلوا -يا معشر من نزل بلسانكم- معانيه، وتفهموها لتنقلوها إلى الأمم الأخرى.
٤ - وإن هذا القرآن في اللوح المحفوظ لذو علوّ ورفعة، وذو حكمة، قد أحكمت آياته في أوامره ونواهيه.
٥ - أفنترك إنزال القرآن عليكم إعراضًا لأجل إكثاركم من الشرك والمعاصي؟ لا نفعل ذلك، بل الرحمة بكم تقتضي عكس هذا.
٦ - وكم بعثنا من نبي في الأمم السابقة.
٧ - وما يأتي تلك الأمم السابقة من نبي من عند الله إلا كانوا منه يسخرون.
٨ - فأهلكنا من هم أشدَّ بطشًا من تلك الأمم، فلا نعجز عن إهلاك من هم أضعف منهم، ومضى في القرآن صفة إهلاك الأمم السابقة، مثل عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مَدْين.
٩ - ولئن سألت -أيها الرسول- هؤلاء المشركين المكذبين: من خلق السماوات، ومن خلق الأرض؟ ليقولنَّ جوابًا لسؤالك: خلقهنَّ العزيز الذي لا يغلبه أحد - العليم بكل شيء.
١٠ - الله الذي مهد لكم الأرض فجعلها لكم وطاءً تطؤونها بأقدامكم، وصيَّر لكم فيها طرقًا في جبالها وأوديتها؛ رجاء أن تسترشدوا بها في سيركم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سمي الوحي روحًا لأهمية الوحي في هداية الناس، فهو بمنزلة الروح للجسد.
• الهداية المسندة إلى الرسول ﷺ هي هداية الإرشاد لا هداية التوفيق.
• ما عند المشركين من توحيد الربوبية لا ينفعهم يوم القيامة.
стр. 497
١١ - والذي نزل من السماء ماءً بقدر ما يكفيكم، ويكفي بهائمكم وزروعكم، فأحيينا به بلدة قاحلة لا نبات بها، وكما أحيا الله تلك الأرض القاحلة بالنبات يحييكم للبعث.
١٢ - والذي خلق الأصناف جميعها، كالليل والنهار، والذكر والأنثى وغيرها، وصيَّر لكم من السفن والأنعام ما تركبونه في أسفاركم، فتركبون السفن في البحر، وتركبون أنعامكم في البر.
١٣ - صيَّر لكم ذلك كله؛ رجاء أن تستقروا على ظهور ما تركبون منه في أسفاركم، ثم تذكروا نعمة ربكم بتسخيرها لكم إذا استقررتم على ظهورها، وتقولوا بألسنتكم: تنزَّه وتقدَّس الذي هيا وذلل لنا هذا المركوب فصرنا نتحكم فيه، وما كنا له مطيقين لولا تسخير الله له.
١٤ - وإنا إلى ربنا وحده لراجعون بعد موتنا للحساب والجزاء.
١٥ - وزعم المشركون أن بعض المخلوقات متولدة عن الخالق سبحانه حين قالوا: الملائكة بنات الله، إن الإنسان الذي يقول مثل هذا القول لكفور بيّن الكفر والضلال.
١٦ - أتقولون -أيها المشركون-: اتخذ الله مما يخلق بنات لنفسه، وأخلصكم بالذكور من الأولاد؟! فأي قسمة هذه القسمة التي زعمتم؟!
١٧ - وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى التي ينسبها إلى ربه ظل وجهه مسودًا من شدة الهم والحزن، وظلَّ هو ممتلئًا غيظًا، فكيف ينسب إلى ربه ما يغتمَّ هو به إذا بُشِّر به؟
١٨ - أينسبون إلى ربهم من يُرَبَّى في الزينة وهو في الجدال كير مبين الكلام لأنوثته؟!
١٩ - وسمَّوُا الملائكة الذين هم عباد الرحمن سبحانه: إناثًا، هل حضروا حين خلقهم الله، فتبينوا أنهم إناث؟! ستكتب الملائكة شهادتهم هذه، ويسألون عنها يوم القيامة، ويعذبون بها لكذبهم.
٢٠ - وقالوا محتجين بالقدر: لو شاء الله ألا نعبد الملائكة ما عبدناهم، فكونه شاء ذلك منا يدلُّ على رضاه، ليس لهم بقولهم هذا من علم، إن هم إلا يكذبون.
٢١ - أم أعطينا هؤلاء المشركين كتابًا من قبل القرآن يبيح لهم عبادة غير الله؟! فهم متمسكون بذلك الكتاب، محتجون به.
٢٢ - لا، لم يقع ذلك، بل قالوا محتجين بالتقليد: إنا وجدنا آباءنا من قبلنا على دين وملة، وقد كانوا يعبدون الأصنام، وإنا ماضون على آثارهم في عبادتها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كل نعمة تقتضي شكرًا.
• جور المشركين في تصوراتهم عن ربهم حين نسبوا الإناث إليه، وكَرِهوهنَّ لأنفسهم.
• بطلان الاحتجاج على المعاصي بالقدر.
• المشاهدة أحد الأسس لإثبات الحقائق.
стр. 498
٢٣ - وكما كذَّب هؤلاء، واحتجوا بتقليدهم لآبائهم، لم نبعث من قبلك -أيها الرسول- في قرية من رسول ينذر قومه إلا قال رؤساؤهم وكبراؤهم من أهل الثراء فيهم: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، وإنا متبعون لآثارهم. فليس قومك بدْعًا في ذلك.
٢٤ - قال لهم رسولهم: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بما هو خير من ملتهم التي كانوا عليها؟ قالوا: إنا كافرون بالذي أرسلت به أنت ومن سبقك من الرسل.
٢٥ - فانتقمنا من الأمم التي كذبت بالرسل من قبلك فأهلكناهم، فتأمل كيف كانت نهاية المكذبين برسلهم، فقد كانت نهاية أليمة.
٢٦ - واذكر -أيها الرسول- حين قال إبراهيم لأبيه وقومه: إنني بريء مما تعبدون من الأصنام من دون الله.
٢٧ - إلا الله الذي خلقني فإنه سيرشدني إلى ما فيه نفعي من اتباع دينه القويم.
٢٨ - وصيَّر إبراهيم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) باقية في ذريته من بعده، فلا يزال فيهم من يوحِّد الله لا يشرك به شيئًا؛ رجاء أن يرجعوا إلى الله بالتوبة إليه من الشرك والمعاصي.
٢٩ - لم أعاجل بالهلاك هؤلاء المشركين المكذبين، بل متعتهم بالبقاء في الدنيا، ومتعت آباءهم من قبلهم حتى جاءهم القرآن، ورسول مبين هو محمد ﷺ .
٣٠ - ولما جاءهم هذا القرآن الذي هو الحق الذي لا مِرْية فيه قالوا: هذا سحر يسحرنا به محمد، وإنا به كافرون فلن نؤمن به.
٣١ - وقال المشركون المكذبون: هلَّا أنزل الله هذا القرآن على أحد رجلين عظيمين من مكة أو الطائف، وهما الوليد بن عقبة وعروة بن مسعود الثقفي بدلًا من إنزاله على محمد الفقير اليتيم.
٣٢ - أهم يقسمون رحمة ربك -أيها الرسول- فيعطونها من يشاؤون ويمنعونها من يشاؤون أم الله؟ نحن قسمنا بينهم أرزاقهم في الدنيا، وجعلنا منهم الغني والفقير؛ ليصير بعضهم مُسَخَّرًا لبعض، ورحمة ربك لعباده في الآخرة خير مما يجمعه هؤلاء من حطام الدنيا الفاني.
٣٣ - ولولا أن يكون الناس أمة واحدة في الكفر لجعلنا لبيوت من يكفر بالله سقوفًا من الفضة، وجعلنا لهم درجًا عليه يصعدون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التقليد من أسباب ضلال الأمم السابقة.
• البراءة من الكفر والكافرين لازمة.
• تقسيم الأرزاق خاضع لحكمة الله.
• حقارة الدنيا عند الله، فلو كانت تزن عنده جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء.
стр. 499
٣٤ - وجعلنا لبيوتهم أبوابًا، وجعلنا لهم أسرَّة عليها يتكئون استدراجًا لهم وفتنة.
٣٥ - ولجعلنا لهم ذهبًا، وليس كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، فنفعه قليل لعدم بقائه، وما في الآخرة من النعيم خير عند ربك -أيها الرسول- للمتقين لله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
٣٦ - ومن ينظر نظر غير متمكن في القرآن يوصله إلى الإعراض يعاقب بتسليط شيطان ملازم له يزيده في الغواية.
٣٧ - وإن هؤلاء القرناء الذين يُسَلَّطون على المعرضين عن القرآن ليصدونهم عن دين الله؛ فلا يمتثلون أوامره، ولا يجتنبون نواهيه، ويظنون أنهم مهتدون إلى الحق، ومن ثَمَّ فهم لا يتوبون من ضلالهم.
٣٨ - حتى إذا جاءنا المُعْرِض عن ذكر الله يوم القيامة قال متمنيًا: يا ليت بيني وبينك -أيها القرين- مسافة ما بين المشرق والمغرب، فَقُبِّحْت من قرين.
٣٩ - قال الله للكافرين يوم القيامة: ولن ينفعكم اليوم -وقد ظلمتم أنفسكم بالشرك والمعاصي- اشتراككم في العذاب فلن يحمل شركاؤكم عنكم شيئًا من عذابكم.
٤٠ - إن هؤلاء صُمٌّ عن سماع الحق، عُمْيٌ عن إبصاره، أفأنت -أيها الرسول- تستطيع إسماع الصم، أو هداية العمي، أو هداية من كان في ضلال واضح عن الطريق المستقيم؟!
٤١ - فإن ذهبنا بك -بأن أمَتْناكَ قبل أن نعذبهم- فإنا منتقمون منهم بتعذيبهم في الدنيا والآخرة.
٤٢ - أو نرينَّك بعض ما نعدهم من العذاب، فإنا عليهم مقتدرون يستطيعون مغالبتنا في شيء.
٤٣ - فتمسَّك -أيها الرسول- بما أوحى إليك ربك، واعمل به، إنك على طريق حق لا لَبْس فيه.
٤٤ - وإن هذا القرآن لشرف لك، وشرف لقومك، وسوف تسألون يوم القيامة عن الإيمان به، واتباع هديه، والدعوة إليه.
٤٥ - واسأل -أيها الرسول- من بعثنا من قبلك من الرسل: أجعلنا من دون الرحمن معبودات تُعْبَد؟!
٤٦ - ولقد بعثنا موسى بآياتنا إلى فرعون والأشراف من قومه فقال لهم: إني رسول رب المخلوقات كلها.
٤٧ - فلما جاءهم بآياتنا صاروا منها يضحكون؛ سخرية واستهزاءً.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر الإعراض عن القرآن.
• القرآن شرف لرسول الله ﷺ ولأمته.
• اتفاق الرسالات كلها على نبذ الشرك.
• السخرية من الحق صفة من صفات الكفر.
стр. 500
٤٨ - وما نري فرعون والأشراف من قومه من حجة على صحة ما جاء به موسى ﵇ إلا كانت أعظم من الحجة التي قبلها، وأخذناهم بالعذاب في الدنيا؛ رجاء أن يرجعوا عما هم عليه من الكفر، ولكن دونما فائدة.
٤٩ - فقالوا لما نالهم بعض العذاب لموسى ﵇: يا أيها الساحر، ادع لنا ربك بما ذكر لك من كشف العذاب إن آمنا، إنا لمهتدون إليه إن كشفه عنا.
٥٠ - فلما صرفنا عنهم العذاب إذا هم ينقضون عهدهم، ولا يفون به.
٥١ - ونادى فرعون في قومه قائلًا في تبجُّح بملكه: يا قوم، أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار من النيل تجري تحت قصوري؟ أفلا تبصرون ملكي وتعرفون عظمتي؟!
٥٢ - فأنا خير من موسى الطريد الضعيف الذي لا يحسن الكلام.
٥٣ - فهلَّا ألقى الله الذي أرسله أَسْوِرة من ذهب عليه؛ لتبيين أنه رسوله، أو جاء معه الملائكة يتبع بعضهم بعضًا.
٥٤ - فأغرى فرعون قومه، فأطاعوه في ضلاله، إنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله.
٥٥ - فلما أغضبونا باستمرارهم على الكفر انتقمنا منهم، فأغرقناهم كلهم.
٥٦ - فصيّرنا فرعون وملأه مقدمة يتقدمون للناس وكفار قومك لهم بالأثر، وصيّرناهم عبرة لمن يعتبر؛ لئلا يعمل بعملهم فيصيبه ما أصابهم.
٥٧ - ولما حسب المشركون أن عيسى الذي عبده النصارى داخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ وقد نهى الله عن عبادته كما نهى عن عبادة الأصنام إذا قومك -أيها الرسول- يضجّون ويصخبون في الخصومة قائلين: رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فأنزل الله ردًّا عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾.
٥٨ - وقالوا: أمعبوداتنا خير أم عيسى؟! ما ضرب لك ابن الزِّبَعْرَى وأمثاله هذا المثل حبًّا للتوصل إلى الحق، ولكن حبًّا للجدل، فهم قوم مجبولون على الخصومة.
٥٩ - ما عيسى بن مريم إلا عبد من عباد الله أنعمنا عليه بالنبوة والرسالة، وصيّرناه مثلًا لبني إسرائيل يستدلون به على قدرة الله حين خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أبوين.
٦٠ - ولو نشاء إهلاككم -يا بني آدم- لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم ملائكة يخلفونكم في الأرض، يعبدون الله لا يشركون به شيئًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• نَكْث العهود من صفات الكفار.
• الفاسق خفيف العقل يستخفّه من أراد استخفافه.
• غضب الله يوجب الخسران.
• أهل الضلال يسعون إلى تحريف دلالات النص القرآني حسب أهوائهم.
стр. 501
٦١ - وإن عيسى لعلامة من علامات الساعة الكبرى حين ينزل آخر الزمان، فلا تشكّوا أن الساعة واقعة، واتبعوني فيما جئتكم به من عند الله، هذا الذي جئتكم به هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
٦٢ - ولا يصرفنكم الشيطان عن الصراط المستقيم بإغوائه وإغرائه، إنه لكم عدوّ بيّن العداوة.
٦٣ - ولما جاء عيسى ﵇ قومه بالأدلة الواضحة على أنه رسول، قال لهم: قد جئتكم من عند الله بالحكمة، ولأوضح لكم بعض الذي تختلفون فيه من أمور دينكم، فاتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه.
٦٤ - إن الله هو ربي وربكم، لا رب لنا غيره، فأخلصوا له وحده العبادة، وهذا التوحيد هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
٦٥ - فاختلفت طوائف النصارى في شأن عيسى؛ فمنهم من يقول: هو إله، ومن يقول: هو ابن الله، ومنهم من يقول: هو وأمه إلهان، فويل للذين ظلموا أنفسهم -بما وصفوا به عيسى من الألوهية، أو البُنُوَّة، أو أنه ثالث ثلاثة- من عذاب موجع ينتظرهم يوم القيامة.
٦٦ - هل ينتظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في شأن عيسى إلا الساعة أن تأتيهم فجأة وهم لا يحسّون بإتيانها؟! فإن جاءتهم وهم على كفرهم فإن مصيرهم العذاب الموجع.
٦٧ - المتخالّون والمتصادقون على الكفر والضلال بعضهم لبعض أعداء يوم القيامة إلا المتقين لله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فخُلّتهم دائمة لا تنقطع.
٦٨ - ويقول لهم الله: يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم فيما تستقبلونه، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من حظوظ الدنيا.
٦٩ - الذين آمنوا بالقرآن المنزل على رسولهم، وكانوا منقادين للقرآن؛ يأتمرون بأوامره، وينتهون عن نواهيه.
٧٠ - ادخلوا الجنة أنتم وأمثالكم في الإيمان، تسرّون بما تلقونه من النعيم المقيم الذي لا ينفد ولا ينقطع.
٧١ - يطوف عليهم خدّامهم بآنية من ذهب وبأكواب لا عُرَا لها، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس، وتتلذذ الأعين برؤيته، وأنتم فيها ماكثون، لا تخرجون منها أبدًا.
٧٢ - تلك الجنة التي وصفت لكم هي التي أورثكم الله إياها بأعمالكم فضلًا منه.
٧٣ - لكم فيها فاكهة كثيرة لا تنقطع، منها تأكلون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• نزول عيسى من علامات الساعة الكبرى.
• انقطاع خُلَّة الفساق يوم القيامة، ودوام خُلَّة المتقين.
• بشارة الله للمؤمنين وتطمينه لهم عما خلفوا وراءهم من الدنيا وعما يستقبلونه في الآخرة.
стр. 502
ولما ذكر الله جزاء المتقين ذكر جزاء من هم ضدهم وهم المجرمون فقال:
٧٤ - إن المجرمين بالكفر والمعاصي في عذاب جهنم يوم القيامة ماكثون فيه أبدًا.
٧٥ - لا يُخَفّف عنهم العذاب، وهم فيه آيسون من رحمة الله.
٧٦ - وما ظلمناهم حين أدخلناهم النار، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم بالكفر.
٧٧ - ونادوا خازن النار مالكًا قائلين: يا مالك، لِيُمِتْنا ربك فنستريح من العذاب، فيجيبهم مالك بقوله: إنكم ماكثون في العذاب دائمًا لا تموتون، ولا ينقطع عنكم العذاب.
٧٨ - لقد جئناكم في الدنيا بالحق الذي لا مِرْية فيه، ولكن معظمكم للحق كارهون.
٧٩ - فإن مكروا بالنبي ﷺ وأعدوا له كيدًا فإنا مُحكِمون لهم تدبيرًا يفوق كيدهم.
٨٠ - أم يظنون أنا لا نسمع سرهم الذي أضمروه في قلوبهم، أو سرّهم الذي يتناجون به خفية، بلى إنا نسمع ذلك كله، والملائكة لديهم يكتبون كل ما عملوه.
٨١ - قل -أيها الرسول- للذين ينسبون البنات لله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا: إن كان لله -على سبيل الفرض- ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد.
٨٢ - تنزّه رب السماوات والأرض ورب العرش عما يقوله هؤلاء المشركون من نسبة الشريك والصاحبة والولد إليه.
٨٣ - فاتركهم -أيها الرسول- يخوضوا فيما هم عليه من الباطل، ويلعبوا، حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون، وهو يوم القيامة.
٨٤ - وهو سبحانه المعبود في السماء بحق، وهو المعبود في الأرض بحق، وهو الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره، العليم بأحوال عباده، لا يخفى عليه منها شيء.
٨٥ - وتزايد خير الله وبركته سبحانه، الذي له وحده ملك السماوات وملك الأرض وملك ما بينهما، وعنده وحده علم الساعة التي تقوم فيها القيامة، لا يعلمها غيره، وإليه وحده ترجعون في الآخرة للحساب والجزاء.
٨٦ - ولا يملك الذين يعبدهم المشركون من دون الله الشفاعة عند الله، إلا من شهد أن لا إله إلا الله، وهو يعلم ما شهد به؛ مثل عيسى وعزير والملائكة.
٨٧ - ولئن سألتهم: من خلقهم؟ ليقولنّ: خلقنا الله، فكيف يُصْرَفْون عن عبادته بعد هذا الاعتراف؟!
٨٨ - وعنده سبحانه علم شكوى رسوله من تكذيب قومه، وقوله فيها: يارب، إن هؤلاء قوم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم.
٨٩ - فأعرضْ عنهم، وقل لهم ما تدفع به شرهم -وكان هذا في مكة- فسوف يعلمون ما يلاقونه من العقاب.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كراهة الحق خطر عظيم.
• مكر الكافرين يعود عليهم ولو بعد حين.
• كلما ازداد علم العبد بربه، ازداد ثقة بربه وتسليمًا لشرعه.
• اختصاص الله بعلم وقت الساعة.
стр. 503
سُورَةُ الدُّخَان
- مَكيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الإنذار بالعذاب المرتقب، من خلال تخويف المكذبين من عذاب الدنيا والآخرة.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿حم﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
٢ - أقسم الله بالقرآن الموضح لطريق الهداية إلى الحق.
٣ - إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، وهي ليلة كثيرة الخيرات، إنا كنا مخوِّفين بهذا القرآن.
٤ - في هذه الليلة يفصل كل أمر محكم يتعلق بالأرزاق والآجال وغيرهما مما يحدثه الله تلك السنة.
٥ - نفصل كل أمر محكم من عندنا، إنا كنا باعثين الرسل.
٦ - نبعث الرسل رحمة من ربك -أيها الرسول- لمن أرسلوا إليهم، إنه سبحانه هو السميع لأقوال عباده، العليم بأفعالهم ونياتهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
٧ - رب السماوات ورب الأرض ورب ما بينهما إن كنتم موقنين بذلك فآمنوا برسولي.
٨ - لا معبود بحق غيره، يحيي ويميت، لا محيي ولا مميت غيره، ربكم ورب آبائكم المتقدمين.
٩ - ليس هؤلاء المشركون بموقنين بذلك، بل هم في شك منه يلهون عنه بما هم فيه من الباطل.
١٠ - فانتظر -أيها الرسول- عذاب قومك القريب يوم تأتي السماء بدخان واضح يرونه بأعينهم من شدة الوجع.
١١ - يعمّ قومك، ويقال لهم: هذا العذاب الذي أصابكم عذاب موجع.
١٢ - فيتضرعون إلى ربهم سائلين: ربنا اصرف عنا العذاب الذي أرسلته علينا، إنا مؤمنون بك وبرسولك إن صرفته عنا.
١٣ - كيف لهم أن يتذكروا وينيبوا إلى ربهم وقد جاءهم رسول بيّن الرسالة، وعرفوا صدقه وأمانته؟!
١٤ - ثم أعرضوا عن التصديق به، وقالوا عنه: هو معلَّم يُعلِّمه غيره وليس برسول، وقالوا عنه: هو مجنون.
١٥ - إنا حين نصرف عنكم العذاب قليلًا، إنكم عائدون إلى كفركم وتكذيبكم.
١٦ - وانتظرهم -أيها الرسول- يوم نبطش بكفار قومك البطشة الكبرى يوم بدر، إنا منتقمون منهم لكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله.
١٧ - ولقد اختبرنا قبلهم قوم فرعون، وجاءهم رسول من الله كريم يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، وهو موسى ﵇.
١٨ - قال موسى لفرعون وقومه: اتركوا لي بني إسرائيل، فهم عباد الله، ليس لكم حق أن تستعبدوهم، إني لكم رسول من الله، أمين على ما أمرني أن أبلغكم، لا أنقص منه شيئًا ولا أزيده.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• نزول القرآن في ليلة القدر التى هي كثيرة الخيرات دلالة على عظم قدره.
• بعثة الرسل ونزول القرآن من مظاهر رحمة الله بعباده.
• رسالات الأنبياء تحرير للمستضعفين من قبضة المتكبرين.
стр. 504
١٩ - وألا تتكبروا على الله بترك عبادته، والاستعلاء على عباده، إني آتيكم بحجة واضحة.
٢٠ - وإني اعتصمت بربي وربكم من أن تقتلوني بالرجم بالحجارة.
٢١ - وإن لم تصدقوا بما جئت به فاعتزلوني، ولا تقربوني بسوء.
٢٢ - فدعا موسى ﵇ ربه: أن هؤلاء القوم -فرعون وملأه- قوم مجرمون يستحقّون تعجيل العقاب.
٢٣ - فأمر الله موسى أن يسري بقومه ليلًا، وأخبره أن فرعون وقومه سيتبعونهم.
٢٤ - وأمره إذا اجتاز البحر هو وبنو إسرائيل أن يتركه ساكنًا كما كان، إن فرعون وجنده مهلكون بالغرق في البحر.
٢٥ - كم خلَّف فرعون وقومه وراءهم من بساتين وعيون جارية!
٢٦ - وكم خلَّفوا وراءهم من زروع ومجلس حسن!
٢٧ - وكم خلَّفوا وراءهم من عيشة كانوا فيها متنعّمين!
٢٨ - هكذا حدث لهم ما وُصِفَ لكم، وأورثنا جناتهم وعيونهم وزروعهم ومقاماتهم قومًا آخرين هم بنو إسرائيل.
٢٩ - فما بكت على فرعون وقومه السماء والأرض حين غرقوا، وما كانوا مُمْهَلين حتى يتوبوا.
٣٠ - ولقد أنقذنا بني إسرائيل من العذاب المُذِل، حيث كان فرعون وقومه يقتلون أبناءهم، ويستحيون نساءهم.
٣١ - أنقذناهم من عذاب فرعون، إنه كان مستكبرًا من المتجاوزين لأمر الله ودينه.
٣٢ - ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا على عالمي زمانهم لكثرة أنبيائهم.
٣٣ - وأعطيناهم من الدلائل والبراهين التي أيّدنا بها موسى ما فيه نعمة ظاهرة لهم كالمنّ والسلوى وغيرهما.
٣٤ - إن هؤلاءالمشركين المكذبين ليقولون منكرين للبعث:
٣٥ - ما هي إلا موتتنا الأولى فلا حياة بعدها، وما نحن بمبعوثين بعد هذه الموتة.
٣٦ - فأت -يا محمد- أنت ومن معك من أتباعك بآبائنا الذين ماتوا أحياء إن كنتم صادقين فيما تدّعونه من أن الله يبعث الموتى أحياء للحساب والجزاء.
٣٧ - أهؤلاء المشركون المكذبون بك -أيها الرسول- خير في القوة والمنعة، أم قوم تُبَّع والذين من قبلهم مثل عاد وثمود - أهلكناهم جميعًا، إنهم كانوا مجرمين.
٣٨ - وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين بخلقها.
٣٩ - ما خلقنا السماوات والأرض إلا لحكمة بالغة، ولكن معظم المشركين لا يعلمون ذلك.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب لجوء المؤمن إلى ربه أن يحفظه من كيد عدوّه.
• مشروعية الدعاء على الكفار عندما لا يستجيبون للدعوة، وعندما يحاربون أهلها.
• الكون لا يحزن لموت الكافر لهوانه على الله.
• خلق السماوات والأرض لحكمة بالغة يجهلها الملحدون.
стр. 505
٤٠ - إن يوم القيامة الذي يفصل الله به بين العباد ميعاد للخلائق جميعًا يجمعهم الله فيه.
٤١ - يوم لا ينفع قريب قريبه، ولا صديق صديقه، ولا هم يمنعون من عذاب الله؛ لأن الملك يومئذ لله، لا أحد يستطيع ادعاءه.
٤٢ - إلا من ﵀ من الناس، فإنه ينتفع بما قدم من عمل صالح إن الله هو العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وقدره وتدبيره.
ولما ذكر الله القيامة ذكر افتراق الناس فيها حسب الجزاء، فقال:
٤٣ - إن شجرة الزقوم التي أنبتها الله في أصل الجحيم.
٤٤ - طعام ذي الإثم العظيم وهو الكافر يأكل من ثمرها الخبيث.
٤٥ - هذا الثمر مثل الزيت الأسود، يغلي في بطونهم من شدة حرارته.
٤٦ - كغلي الماء المتناهي في الحرارة.
٤٧ - ويقال لزبانية النار: خذوه فجرّوه بعنف وغلظة إلى وسط الجحيم.
٤٨ - ثم صبوا فوق رأس هذا المُعَذَّب الماء الحار فلا يفارقه العذاب.
٤٩ - ويقال له تهكُّمًا: ذق هذا العذاب الأليم؛ إنك أنت العزيز الذي لا يُضام جنابك الكريم في قومك.
٥٠ - إن هذا العذاب هو الذي كنتم تشكّون في وقوعه يوم القيامة، فقد زال عنكم الشك بمعاينته.
٥١ - إن المتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه في موضع إقامة آمنون من كل مكروه يصيبهم.
٥٢ - في بساتين وعيون جارية.
٥٣ - يلبسون في الجنة رقيق الديباج وغليظه، يقابل بعضهم بعضًا، ولا ينظر أحدهم قفا الآخر.
٥٤ - كما أكرمناهم بذلك المذكور زوجناهم في الجنة بالحسان من النساء واسعات الأعين مع شدّة بياض بياضها وشدّة سواد سوادها.
٥٥ - يدعون خدمهم فيها ليأتوهم بكل فاكهة أرادوها آمنين من انقطاعها، ومن مضارّها.
٥٦ - خالدين فيها، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى في الحياة الدنيا، ووقاهم ربهم عذاب النار.
٥٧ - تفضلًا وإحسانًا من ربك بهم، ذلك المذكور -من إدخالهم الجنة , ووقايتهم من النار- هو الفوز العظيم الذي لا يدانيه فوز.
٥٨ - فإنما يسّرنا هذا القرآن وسهَّلناه بإنزاله بلسانك العربي -أيها الرسول- لعلَّهم يتعظون.
٥٩ - فانتظر نصرك وهلاكهم، إنهم منتظرون هلاكك.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجمع بين العذاب الجسمي والنفسي للكافر.
• الفوز العظيم هو النجاة من النار ودخول الجنة.
• تيسير الله لفظ القرآن ومعانيه لعباده.
стр. 506
سُورَة الجَاثِيَة
- مَكيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
معالجة أصحاب الهوى المستكبرين عن الحق، من خلال عرض الآيات والتذكير بالآخرة.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿حم﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
٢ - تنزيل القرآن من الله العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وقدره وتدبيره.
٣ - إن في السماوات والأرض لدلائل على قدرة الله ووحدانيته للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين يعتبرون بالآيات.
٤ - وفي خلقكم -أيها الناس- من نطفة، ثم من مُضْغة، ثم من عَلَقة، وفي خلق ما يبثه الله من دابة تدب على وجه الأرض دلائل على وحدانيته لقوم يوقنون بأن الله هو الخالق.
٥ - وفي تعاقب الليل والنهار، وفيما أنزل الله من السماء من المطر فأحيا به الأرض بإنباتها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها، وفى تصريف الرياح بالإتيان بها مرة من جهه، ومره من أخرى لمنافعكم؛ دلائل لقوم يعقلون، فيستدلون بها على وحدانية الله وقدرته على البعث، وقدرته على كل شيء.
٦ - هذه الآيات والبراهين نتلوها عليك -أيها الرسول- بالحق، فإن لم يؤمنوا بحديث الله المنزل على عبده وبحججه، فبأي حديث بعده يؤمنون، وبأي حجج بعده يصدقون؟!
٧ - عذاب من الله وهلاك لكل كذاب كثير الآثام.
٨ - يسمع هذا الكافر آيات الله في القرآن تقرأ عليه، ثم يستمرّ على ما كان عليه من الكفر والمعاصي؛ متعاليًا في نفسه عن اتباع الحق، كأنه لم يسمع تلك الآيات المقروءة عليه، فأخبره -أيها الرسول- بما يسوؤه في آخرته، وهو عذاب موجع ينتظره فيها.
٩ - وإذا بلغه شيء من القرآن اتخذه سخرية يسخر منه، أولئك المتصفون بصفة السخرية من القرآن لهم عذاب مذلّ يوم القيامة.
١٠ - من أمامهم نار جهنم تنتظرهم في الآخرة، ولا يغني عنهم ما كسبوا من الأموال من الله شيئًا، ولا يدفع عنهم شيئًا ما اتخذوه من دونه من الأصنام التي يعبدونها من دونه، ولهم يوم القيامة عذاب عظيم.
١١ - هذا الكتاب الذي أنزلناه على رسولنا محمد هاد إلى طريق الحق، والذين كفروا بآيات ربهم المنزلة على رسوله لهم عذاب سيئ موجع.
١٢ - الله وحده هو الذي سخّر لكم -أيها الناس- البحر لتجري السفن فيه بأمره، ولتطلبوا من فضله بأنواع المكاسب المباحة، ولعلكم تشكرون نعمة الله عليكم.
١٣ - وسخّر لكم سبحانه ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم، وما في الأرض من أنهار وأشجار وجبال وغيره، إن في تسخير ذلك لكم لدلائل على قدرة الله ووحدانيته، لقوم يتفكرون في آياته، فيعتبرون بها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الكذب والإصرار على الذنب والكبر والاستهزاء بآيات الله: صفات أهل الضلال، وقد توعّد الله المتصف بها.
• نعم الله على عباده كثيرة، ومنها تسخير ما في الكون لهم.
• النعم تقتضي من العباد شكر المعبود الذي منحهم إياها.
стр. 507
١٤ - قل -أيها الرسول- للذين آمنوا بالله، وصدقوا رسوله: تجاوزوا عمن أساء إليكم من الكفار الذين لا يبالون بنعم الله أو نقمه، فإن الله سيجزي كلًّا من المؤمنين الصابرين، والكفار المعتدين، بما كانوا يكسبون من الأعمال في الدنيا.
١٥ - من عمل عملًا صالحًا فنتيجة عمله الصالح له، والله غني عن عمله، ومن أساء عمله فنتيجة عمله السيئ عقابه عليه، والله لا تضرّه إساءته، ثم إلينا وحدنا ترجعون في الآخرة لنجازي كلًّا بما يستحقّه.
١٦ - ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والفصل بين الناس بحكمها، وجعلنا معظم الأنبياء منهم من ذرية إبراهيم ﵇، ورزقناهم من أنواع الطيبات، وفضلناهم على عالمي زمانهم.
١٧ - وأعطيناهم دلائل توضح الحق من الباطل، فما اختلفوا إلا من بعد ما قامت عليهم الحجج ببعثة نبينا محمد ﷺ ، وما جرّهم إلى هذا الاختلاف إلا بغي بعضهم على بعض حرصًا على الرئاسة والجاه، إن ربك -أيها الرسول- يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا، فيبيّن من كان محقًّا، ومن كان مبطلًا.
١٨ - ثم جعلناك على طريقة وسُنَّة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا تدعو إلى الإيمان والعمل الصالح، فاتبع هذه الشريعة، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون الحق؛ فأهواؤهم مضلة عن الحق.
١٩ - إن الذين لا يعلمون الحق لن يَكُفُّوا عنك من عذاب الله شيئًا إن اتبعت أهواءهم، وإن الظالمين من جميع المِلَلِ والنِّحَل بعضهم ناصر بعض، ومؤيده على المؤمنين، والله ناصر المتقين له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
٢٠ - هذا القرآن المنزل على رسولنا بصائر يبصر بها الناس الحق من الباطل، وهداية إلى الحق، ورحمة لقوم يوقنون؛ لأنهم هم الذين يهتدون به إلى الصراط المستقيم ليرضى عنهم ربهم، فيدخلهم الجنة، ويزحزحهم عن النار.
٢١ - هل يظن الذين اكتسبوا بجوارحهم الكفر والمعاصي أن نجعلهم في الجزاء مثل الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، بحيث يستوون في الدنيا والآخرة؟! قبح حكمهم هذا.
٢٢ - وخلق الله السماوات والأرض لحكمة بالغة، ولم يخلقهما عبثًا، ولتجزى كل نفس بما كسبته من خير أو شرّ، والله لا يظلمهم بنقص في حسناتهم، ولا زيادة في سيئاتهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• العفو والتجاوز عن الظالم إذا لم يُظهر الفساد في الأرض، ويَعْتَدِ على حدود الله؛ خلق فاضل أمر الله به المؤمنين إن غلب على ظنهم العاقبة الحسنة.
• وجوب اتباع الشرع والبعد عن اتباع أهواء البشر.
• كما لا يستوي المؤمنون والكافرون في الصفات، فلا يستوون في الجزاء.
• خلق الله السماوات وفق حكمة بالغة يجهلها الماديون الملحدون.
стр. 508
٢٣ - انظر -أيها الرسول- إلى من اتبع هواه وجعله بمنزلة المعبود له الذي لا يخالفه، فقد أضلّه الله على علم منه؛ لأنه يستحقّ الإضلال، وختم على قلبه فلا يسمع سماعًا ينتفع به، وجعل الله على بصره غطاء يمنعه من إبصار الحق، فمن الذي يوفِّقه للحق بعد أن أضله الله؟! أفلا تتذكرون ضرر اتباع الهوى، ونفع اتباع شرع الله؟!
٢٤ - وقال الكافرون المنكرون للبعث: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا هذه فقط، فلا حياة بعدها، تموت أجيال فلا تعود وتحيا أجيال، وما يميتنا إلا تعاقب الليل والنهار، وليس لهم على إنكارهم للبعث من علم، إن هم إلا يظنون، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.
٢٥ - وإذا تُقْرأ على المشركين المنكرين للبعث آياتنا واضحات ما كان لهم من حجة يحتجون بها إلا قولهم للرسول ﷺ وأصحابه: أحيوا لنا آباءنا الذين ماتوا إن كنتم صادقين في دعوى أننا نبعث بعد موتنا.
٢٦ - قل لهم -أيها الرسول-: الله يحييكم بخلقكم ثم يميتكم، ثم يجمعكم بعد موتكم إلى يوم القيامة للحساب والجزاء، ذلك اليوم الذي لا شك فيه أنه آتٍ، ولكن معظم الناس لا يعلمون؛ لذلك لا يستعدّون له بالعمل الصالح.
٢٧ - ولله وحده ملك السماوات وملك الأرض، فلا يُعْبد بحقٍّ غيره فيهما، ويوم تقوم الساعة التي يبعث الله فيها الموتى للحساب والجزاء يخسر أصحاب الباطل الذين كانوا يعبدون غير الله، ويسعون لإبطال الحق، واحقاق الباطل.
٢٨ - وترى -أيها الرسول- في ذلك اليوم كل أمة باركة على ركبها تنتظر ما يفعل بها، كل أمة تدعى إلى كتاب أعمالها الذي كتبه الحفظة من الملائكة، اليوم تجزون -أيها الناس- ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشرّ.
٢٩ - هذا كتابنا -الذي كانت ملائكتنا تكتب فيه أعمالكم- يشهد عليكم بالحقّ فاقرؤوه، إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب ما كنتم تعملون في الدنيا.
٣٠ - فأما الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات فيدخلهم ربهم سبحانه في جنته برحمته؛ ذلك الجزاء الذي أعطاهم الله إياه هو الفوز الواضح الذي لا يدانيه فوز.
٣١ - وأما الذين كفروا بالله فيقال لهم تَبْكِيتًا لهم: ألم تكن آياتي تقرأ عليكم فتعاليتم على الإيمان بها، وكنتم قومًا مجرمين، تكسبون الكفر والآثام؟!
٣٢ - وإذا قيل لكم: إن وعد الله -الذي وعد به عباده أنه سيبعثهم ويجازيهم- حق لا مِرْية فيه، والساعة حق لا شك فيها فاعملوا لها، قلتم: ما ندري ما هذه الساعة، إن نظن إلا ظنًّا ضعيفًا أنها آتية، وما نحن بمستيقنين أنها ستأتي.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اتباع الهوى يهلك صاحبه، ويحجب عنه أسباب التوفيق.
• هول يوم القيامة.
• الظن لا يغني من الحق شيئًا، خاصةً في مجال الاعتقاد.
стр. 509
٣ ٣ - وظهر لهم سيئات ما عملوه في الدنيا من الكفر والمعاصي، ونزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به عندما يُحَذَّرون منه.
٣ ٤ - وقال لهم الله: اليوم نترككم في النار كما أنكم نسيتم لقاء يومكم هذا، فلم تستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح، ومستقرّكم الذي تأوون إليه هو النار، وليس لكم من ناصرين يدفعون عنكم عذاب الله.
٣ ٥ - ذلكم العذاب الذي عذبتم به بسبب أنكم اتخذتم آيات الله هزؤًا تسخرون منها، وخدعتكم الحياة بلذّاتها وشهواتها، فاليوم لا يخرج هؤلاء الكفار المستهزئون بآيات الله من النار، بل يبقون فيها خالدين أبدًا، ولا يردّون إلى الحياة الدنيا ليعملوا عملًا صالحًا، ولا يرضى عنهم ربهم.
٣٦ - فللَّه وحده الحمد، رب السماوات ورب الأرض، ورب جميع المخلوقات.
٣٧ - وله الجلال والعظمة في السماوات وفي الأرض، وهو العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره وشرعه.
سُورَة الأحْقَافِ
- مَكيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إقامة الحجة على المكذبين وإنذارهم بالعذاب، ولذا تكرر فيها لفظ الإنذار.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿حم﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
٢ - تنزيل القرآن من الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره وشرعه.
٣ - ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما عبثًا، بل خلقنا ذلك كله بالحق لحكم بالغة، منها أن يعرفه العباد من خلالها فيعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وليقوموا بمقتضيات استخلافهم في الأرض إلى أمد محدد يعلمه الله وحده، والذين كفروا بالله معرضون عما أنذروا به في كتاب الله، لا يبالون به.
٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المعرضين عن الحق: أخبروني عن أصنامكم التي تعبدونها من دون الله ماذا خلقوا من أجزاء الأرض؟ هل خلقوا جبلًا؟ هل خلقوا نهرًا؟ أم لهم شرك ونصيب مع الله في خلق السماوات؟ جيئوني بكتاب منزل من عند الله من قبل القرآن، أو ببقية علم مما تركه الأولون إن كنتم صادقين في دعواكم أن أصنامكم تستحق العبادة.
٥ - ولا أحد أضلّ ممن يعبد من دون الله صنمًا لا يستجيب لدعائه إلى يوم القيامة، وهذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله غافلة عن دعاء عُبَّادها لها؛ فضلًا أن تنفعهم أو تضرهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستهزاء بآيات الله كفر.
• خطر الاغترار بلذات الدنيا وشهواتها.
• ثبوت صفة الكبرياء لله تعالى.
• إجابة الدعاء من أظهر أدلة وجود الله ﷺ واستحقاقه العبادة.
стр. 510
٦ - ومع كونها لا تنفعهم في الدنيا فإنهم إذا حُشِروا يوم القيامة يكونون أعداء لمن كانوا يعبدونهم، ويتبرؤون منهم، وينكرون أنهم كانوا على علم بعبادتهم إياهم.
٧ - وإذا تُقْرأ عليهم آياتنا المنزلة على رسولنا قال الذين كفروا للقرآن لما جاءهم على يد رسولهم: هذا سحر واضح، وليس وحيًا من الله.
٨ - هل يقول هؤلاء المشركون: إن محمدًا اختلق هذا القرآن، ونسبه إلى الله؟! قل لهم -أيها الرسول-: إن اختلقته من تلقاء نفسي فلا تملكون لي حيلة إن أراد الله أن يعذبني، فكيف أعرّض نفسي للعذاب بالاختلاق عليه؟! الله أعلم بما تخوضون فيه من الطعن في قرآنه والقدح فيّ، كفى به سبحانه شهيدًا بيني وبينكم، وهو الغفور لذنوب من تاب من عباده، الرحيم بهم.
٩ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين بنبوتك: ما كنت أول رسول يبعثه الله فتستغربوا دعوتي لكم، فقد سبقني رسل كثيرون، ولا أعلم ما يفعله الله بي، ولا ما يفعله بكم في الدنيا، إن أتبع إلا ما يوحيه الله إليّ، فلا أقول ولا أفعل إلا وفق ما يوحيه، وما أنا إلا نذير أنذركم عذاب الله، بيّن النذارة.
١٠ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله، وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على أنه من عند الله؛ اعتمادًا على ما جاء في التوراة بشأنه، فآمن هو به، واستكبرتم عن الإيمان به -ألستم حينئذ ظالمين؟! إن الله لا يوفّق القوم الظالمين للحق.
١١ - وقال الذين كفروا بالقرآن وبما جاءهم به رسولهم للذين آمنوا: لو كان ما جاء به محمد حقًّا يهدي إلى الخير ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء والعبيد والضعفاء. ولأنهم لم يهتدوا بما جاءهم به رسولهم فسيقولون: هذا الذي جاءنا به كذب قديم، ونحن لا نتبع الكذب.
١٢ - ومن قبل هذا القرآن التوراةُ الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﵇ إمامًا يُقْتَدى به في الحق، ورحمة لمن آمن به واتبعه من بني إسرائيل، وهذا القرآن المنزل على محمد ﷺ كتاب مصدق لما سبقه من الكتب بلسان عربي؛ لينذر به الذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله وبفعل المعاصي، وهو بشارة للمحسنين الذين أحسنوا علاقتهم مع خالقهم وعلاقتهم مع خلقه.
١٣ - إن الذين قالوا: ربنا الله لا رب لنا غيره، ثم استقاموا على الإيمان والعمل الصالح، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه في الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا، ولا على ما خلفوه وراءهم.
١٤ - أولئك الموصوفون بتلك الصفات أصحاب الجنة ماكثون فيها أبدًا؛ جزاء لهم على أعمالهم الصالحة التي قدموها في الدنيا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كل من عُبِد من دون الله ينكر على من عبده من الكافرين.
• عدم معرفة النبي ﷺ بالغيب إلا ما أطلعه الله عليه منه.
• وجود ما يثبت نبوّة نبينا ﷺ في الكتب السابقة.
• بيان فضل الاستقامة وجزاء أصحابها.
стр. 511
١٥ - وأمرنا الإنسان أمرًا مؤكدًا أن يحسن إلى والديه، بأن يبرّهما في حياتهما، وبعد موتهما بما لا مخالفة فيه للشرع، وعلى وجه الخصوص أمه التي حملته بمشقة ووضعته بمشقة، ومدة حمله التي مكثها وبدء فطامه: ثلاثون شهرًا، حتى إذا بلغ اكتمال قوتيه العقلية والبدنية وبلغ أربعين سنة قال: رب، ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديَّ، وألهمني أن أعمل عملًا صالحًا ترضاه، وتقبَّله مني، وأصلح لي أولادي، إني تبت إليك من ذنوبي، وإني من المنقادين لطاعتك، المستسلمين لأوامرك.
١٦ - أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا من الأعمال الصالحات، ونتجاوز عن سيئاتهم، فلا نؤاخذهم بها، وهم في جملة أهل الجنة، هذا الوعد الذي وعدوا به وعد صدق، سيتحقق لا محالة.
ولما ذكر مثالًا للباز بأبويه ترغيبًا في البِرِّ، ذكر مثالًا للعاق تنفيرًا من العقوق، فقال:
١٧ - والذي قال لوالديه: تبًّا لكما، أتعدانني أن أخرج من قبري حيًّا بعد موتي، وقد مضت القرون الكثيرة، ومات الناس فيها فلم يبعث أحد منهم حيًّا؟! ووالداه يطلبان الغوث من الله أن يهدي ابنهما للإيمان، ويقولان لابنهما: هلاك لك إن لم تؤمن بالبعث فآمِن به، إن وعد الله بالبعث حق لا مِرْية فيه، فيقول هو مجددًا إنكاره للبعث: ما هذا الذي يقال عن البعث إلا منقول من كتب المتقدمين وما سطروه، لا يثبت عن الله.
١٨ - أولئك الذين وجب لهم العذاب في جملة أمم من قبلهم من الجن والإنس، إنهم كانوا خاسرين؛ حيث خسروا أنفسهم وأهليهم بدخولهم النار.
١٩ - ولكلا الفريقين -فريق الجنة، وفريق السعير- مراتب حسب أعمالهم، فمراتب أهل الجنة درجات عالية، ومراتب أهل النار دركات سافلة، وليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وهم لا يظلمون يوم القيامة بنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم.
٢٠ - ويوم يعرض الذين كفروا بالله وكذبوا رسله على النار ليعذبوا فيها، ويقال لهم توبيخًا لهم وتقريعًا: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، واستمتعتم بما فيها من الملذات، أما في هذا اليوم فتجزون العذاب الذي يهينكم ويذلكم بسبب تكبركم في الأرض بغير الحق، وبسبب خروجكم عن طاعة الله بالكفر والمعاصي.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان مكانة بِرِّ الوالدين في الإسلام، بخاصة في حق الأم، والتحذير من العقوق.
• بيان خطر التوسع في ملاذّ الدنيا؛ لأنها تشغل عن الآخرة.
• بيان الوعيد الشديد لأصحاب الكبر والفسوق.
стр. 512
٢١ - واذكر -أيها الرسول- هودًا أخا عاد في النسب حين أنذر قومه من وقوع عذاب الله عليهم، وهم بمنازلهم بالأحقاف جنوب الجزيرة العربية، وقد مضت الرسل منذرين قومهم قبل هود وبعده، قائلين لأقوامهم: لا تعبدوا إلا الله وحده، فلا تعبدوا معه غيره، إني أخاف عليكم -يا قوم- عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة.
٢٢ - قال له قومه: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟! لن يكون لك ذلك، فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت صادقًا فيما تدّعيه.
٢٣ - قال: إنما علم وقت العذاب عند الله، وأنا لا علم لي به، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، ولكني أراكم قومًا تجهلون ما فيه نفعكم فتتركونه، وما فيه ضرّكم فتأتونه.
٢٤ - فلما جاءهم ما استعجلوا به من العذاب، فرأوه سحابًا معترضًا في جهة من السماء متجهًا لأوديتهم قالوا: هذا عارض مصيبنا بالمطر، قال لهم هود: ليس الأمر كما ظننتم من أنه سحاب ممطركم، بل هو العذاب الذي استعجلتموه، فهو ريح فيها عذاب مؤلم.
٢٥ - تدمر كل شيء مرت عليه مما أمرها الله بإهلاكه، فأصبحوا هلكى، لا يُرَى إلا بيوتهم التي كانوا يسكنونها شاهدة على وجودهم فيها من قبل، مثل هذا الجزاء المؤلم نجزي المجرمين المُصِرِّين على كفرهم ومعاصيهم.
٢٦ - ولقد أعطينا قوم هود من أسباب التمكين ما لم نعطكم إياه، وجعلنا لهم أسماعًا يسمعون بها، وأبصارًا يبصرون بها، وقلوبًا يعقلون بها، فما أغنت عنهم أسماعهم ولا أبصارهم ولا عقولهم من شيء، فلم تدفع عنهم عذاب الله لما جاءهم، إذ كانوا يكفرون بآيات الله، ونزل بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب الذي خوّفهم منه نبيهم هود ﵇.
٢٧ - ولقد أهلكنا ما حولكم -يا أهل مكة- من القرى، فقد أهلكنا عادًا وثمود وقوم لوط وأصحاب مَدْين، ونوّعنا لهم الحجج والبراهين؛ رجاء أن يرجعوا عن كفرهم.
٢٨ - فهلَّا نصرتهم الأصنام التي اتخذوها آلهة من دون الله يتقربون إليها بالعبادة والذبح؟! لم تنصرهم قطعًا، بل غابت عنهم أحوج ما كانوا إليها، , وذلك كذبهم وافتراؤهم الذي منّوا به أنفسهم أن هذه الأصنام تنفعهم وتشفع لهم عند الله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لا علم للرسل بالغيب إلا ما أطلعهم ربهم عليه منه.
• اغترار قوم هود حين ظنوا العذاب النازل بهم مطرًا، فلم يتوبوا قبل مباغتته لهم.
• قوة قوم عاد فوق قوة قريش، ومع ذلك أهلكهم الله.
• العاقل من يتعظ بغير لجاهل من يتعظ بنفسه.
стр. 513
١٩ - واذكر -أيها الرسول- حين أرسلنا إليك فريقًا من الجن يستمعون القرآن المنزل عليك، فلما حضروا لسماعه قال بعضهم لبعض: أنصتوا حتى نتمكن من سماعه، فلما أنهى الرسول ﷺ قراءته رجعوا إلى قومهم ينذرونهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا بهذا القرآن.
٢٠ - قالوا لهم: يا قومنا، إنا سمعنا كتابًا أنزله الله من بعد موسى مصدقًا لما سبقه من الكتب المنزلة من عند الله، هذا الكتاب الذي سمعناه يرشد إلى الحق، ويهدي إلى طريق مستقيم، وهو طريق الاسلام.
٢١ - يا قومنا، أجيبوا محمدًا إلى ما دعاكم إليه من الحق، وآمنوا أنه رسول من ربه، يغفر لكم الله ذنوبكم، ويسلّمكم من عذاب موجع ينتظركم إذا لم تجيبوه إلى ما دعاكم إليه من الحق، ولم تؤمنوا أنه رسول من ربه.
٢٢ - ومن لا يجب محمدًا ﷺ إلى ما يدعوه إليه من الحق فلن يفوت الله بالهرب في الأرض، وليس له من دون الله من أولياء ينقذونه من العذاب، أولئك في ضلال عن الحق واضح.
٢٣ - أَوَلم ير هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث أن الله الذي خلق السماوات وخلق الأرض ولم يعجز عن خلقهنّ مع ضخامتهن واتساعهنّ قادر على أن يحيي الموتى للحساب والجزاء؟! بلى، إنه لقادر على إحيائهم، إنه سبحانه على كل شيء قدير، فلا يعجز عن إحياء الموتى.
٢٤ - ويوم يعرض الذين كفروا بالله وبرسله على النار ليعذبوا فيها، ويقال توبيخًا لهم: أليس هذا الذي تشاهدونه من العذاب حقًّا؟! أم أنه كذب كما كنتم تقولون في الدنيا؟! قالوا: بلى وربنا إنه لحقّ، فيقال لهم: ذوقوا العذاب بسبب كفركم بالله.
٢٥ - فاصبر -أيها الرسول- على تكذيب قومك لك مثل ما صبر أولو العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵇، ولا تستعجل لهم العذاب، كأن المكذبين من قومك يوم يرون ما يوعدون من العذاب في الآخرة لم يمكثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار لطول عذابهم، هذا القرآن المنزل على محمد ﷺ بلاغ وكفاية للإنس والجن، فإنه لا يُهْلَكُ بالعذاب إلا القوم الخارجون عن طاعة الله بالكفر والمعاصي.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من حسن الأدب الاستماع إلى المتكلم والإنصات له.
• سرعة استجابة المهتدين من الجنّ إلى الحق رسالة ترغيب إلى الإنس.
• الاستجابة إلى الحق تقتضي المسارعة في الدعوة إليه.
• الصبر خلق الأنبياء ﵈.
стр. 514
سُورَة مُحَمَّد
- مَدَنيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تحريض المؤمنين على القتال، تقويةً لهم وتوهينًا للكافرين.
[التَّفْسِيرُ]
١ - الذين كفروا بالله وصرفوا الناس عن دين الله، أبطل الله أعمالهم.
٢ - والذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات، وآمنوا بما نزله الله على رسوله محمد ﷺ وهو الحق من ربهم- كفّر عنهم سيئاتهم فلا يؤاخذهم بها، وأصلح لهم شؤونهم الدنيوية والأخروية.
٣ - ذلك الجزاء المذكور للفريقين هو بسبب أن الذين كفروا بالله اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا بالله وبرسوله اتبعوا الحق من ربهم، فاختلف جزاؤهما لاختلاف سعيهما، كما بيّن الله حكمه في الفريقين: فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، يضرب الله للناس أمثالهم، فيلحق النظير بالنظير.
٤ - فإذا لقيتم -أيها المؤمنون المحاربين من الذين كفروا فاضربوا رقابهم بسيوفكم، واستمرّوا في قتالهم حتى تكثروا فيهم القتل، فتستأصلوا شوكتهم، فإذا أكثرتم فيهم القتل فشدوا قيود الأسرى، فإذا أسرتموهم فلكم الخيار حسب ما تقتضيه المصلحة؛ بين المَنّ عليهم بإطلاق سراحِهم دون مقابِل، أو مفاداتهم بمال , أو غيره، وَاصِلُوا قتالَهم وأَسْرَهم حتى تنتهي الحرب بإسلام الكفار أو معاهدتهم. ذلك المذكور من ابتلاء المؤمنين بالكافرين ومداولة الأيام وانتصار بعضهم على بعض، هو حكم الله، ولو يشاء الله الانتصار من الكفار دون قتال لانتصر منهم، لكنه شرع الجهاد ليختبر بعضكم ببعض، فيختبر من يقاتل من المؤمنين ومن لا يقاتل، ويختبر الكافر بالمؤمن، فإن قتل المؤمن دخل الجنة، وإن قتله المؤمن دخل هو النار، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يبطل الله أعمالهم.
٥ - سيوفقهم لاتباع الحق في حياتهم الدنيا، ويصلح شأنهم.
٦ - ويدخلهم الجنة يوم القيامة، بيّنها لهم بأوصافها في الدنيا فعرفوها، وعرفهم منازلهم فيها في الآخرة.
٧ - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع لهم، إن تنصروا الله بنصر نبيه ودينه، وبقتال الكفار، ينصركم بمنحكم الغلبة عليهم، ويثبّت أقدامكم في الحرب عند لقائهم.
٨ - والذين كفروا بالله وبرسوله فلهم الخسران والهلاك، وأبطل الله ثواب أعمالهم.
٩ - ذلك العقاب الواقع بهم بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن لما فيه من توحيد الله، فأحبط الله أعمالهم، فخسروا في الدنيا والآخرة.
١٠ - أفلم يسر هؤلاء المكذبون في الأرض، فيتأملوا كيف كانت نهاية الذين كذبوا من قبلهم، فقد كانت نهاية مؤلمة، دمر الله عليهم مساكنهم، فأهلكهم وأهلك أولادهم وأموالهم، وللكافرين في كل زمان ومكان أمثال تلك العقوبات.
١١ - ذلك الجزاء المذكور للفريقين؛ لأن الله ناصر الذين آمنوا به، وأن الكافرين لا ناصر لهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• النكاية في العدوّ بالقتل وسيلة مُثْلى لإخضاعه.
• المن والفداء والقتل والاسترقاق خيارات في الإسلام للتعامل مع الأسير الكافر، يؤخذ منها ما يحقق المصلحة.
• عظم فضل الشهادة في سبيل الله.
• نصر الله للمؤمنين مشروط بنصرهم لدينه.
стр. 515
١٢ - إن الله يدخل الذين آمنوا بالله وبرسوله وعملوا الأعمال الصالحات، جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، والذين كفروا بالله وبرسوله يتمتعون في الدنيا باتباع شهواتهم، ويأكلون كما تأكل الأنعام، لا همّ لهم إلا بطونهم وفروجهم، والنار يوم القيامة هي مستقرّهم الذي يأوون إليه.
١٣ - وكم من قرية من قرى الأمم المتقدمة هي أشدّ قوة وأكثر أموالا وأولادًا من مكة التي أخرجك أهلها منها، أهلكناهم لما كذبوا رسلهم، فلا ناصر لهم ينقذهم من عذاب الله لما جاءهم، فلا يعجزنا إهلاك أهل مكة إذا أردناه.
١٤ - هل من كان له برهان بيّن وحجة واضحة من ربه، فهو يعبده على بصيرة، كمن زَيَّن له الشيطان سوء عمله، واتبعوا ما تمليه عليهم أهواؤهم من عبادة الأصنام وارتكاب الإثم، والتكذيب بالرسل؟
١٥ - صفة الجنة التي وعد الله المتقين له -بامتثال أوامره واجتناب نواهيه- أن يدخلهم فيها: فيها أنهار من ماء غير متغير ريحًا ولا طعمًا لطول مُكْث، وفيها أنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وفيها أنهار من خمر لذيذة للشاربين، وأنهار من عسل قد صُفِّي من الشوائب، ولهم فيها من كل أنواع الثمرات ما يشاؤون، ولهم فوق ذلك كله محو من الله لذنوبهم، فلا يؤاخذهم بها، هل يستوي من كان هذا جزاءه مع من هو ماكث في النار لا يخرج منها أبدًا، وسُقوا ماءً شديد الحرارة، فقطّع أمعاء بطونهم من شدّة حرّه؟!
١٦ - ومن المنافقين من يستمع إليك -أيها الرسول- سماعًا لا قبول معه، بل مع إعراض، حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أعطاهم الله علمًا: ماذا قال في حديثه قريبًا؟ تجاهلًا منهم وإعراضًا، أولئك هم الذين ختم الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير، واتبعوا أهواءهم فأعمتهم عن الحق.
١٧ - والذين اهتدوا إلى طريق الحق، واتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، زادهم ربهم هداية وتوفيقًا للخير، وألهمهم العمل بما يقيهم من النار.
١٨ - فهل ينتظر الكفار إلا أن تأتيهم الساعة فجأة من غير سابق علم لهم بها؟! فقد جاءت علاماتها، ومنها بعثته ﷺ ، وانشقاق القمر، فكيف لهم أن يتذكروا إذا جاءتهم الساعة؟
١٩ - فأيقن -أيها الرسول- أنه لا معبود بحق غير الله، واطلب من الله المغفرة لذنوبك، واطلب المغفرة منه لذنوب المؤمنين وذنوب المؤمنات، والله يعلم تصرفكم في نهاركم، ومستقرّكم بليلكم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اقتصار همّ الكافر على التمتع في الدنيا بالمتع الزائلة.
• المقابلة بين جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين تبيّن الفرق الشاسع بينهما؛ ليختار العاقل أن يكون مؤمنًا، ويختار الأحمق أن يكون كافرًا.
• بيان سوء أدب المنافقين مع رسول الله ﷺ .
• العلم قبل القول والعمل.
стр. 516
٢٠ - ويقول الذين آمنوا بالله -متمنين أن ينزل الله على رسوله سورة تشتمل على حكم القتال-: هلَّا أنزل الله سورة فيها ذِكْر القتال، فإذا أنزل الله سورة محكمة في بيانها وأحكامها مشتملة على ذكر القتال، رأيت -أيها الرسول- الذين في قلوبهم شك من المنافقين ينظرون إليك نظر من غشي عليه من شدة الخوف والرعب، فتوعدهم الله بأن عذابهم قد وَليَهُم وقَرُبَ منهم بسبب النكوص عن القتال والخوف منه:
٢١ - أن يطيعوا أمر الله، وأن يقولوا قولًا معروفًا لا نكر فيه خير لهم، فإذا فرض القتال وجدّ الجدّ، فلو صدقوا الله في إيمانهم به، وطاعتهم له لكان خيرًا لهم من النفاق وعصيان أوامر الله.
٢٢ - ويغلب على حالكم إن أعرضتم عن الإيمان بالله وطاعته أنكم تفسدون في الأرض بالكفر والمعاصي، وتقطعون أواصر الرحم؛ كما كانت حالكم في الجاهلية.
٢٣ - أولئك المتَّصِفون بالإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام هم الذين أبعدهم الله عن رحمته، وأصمّ آذانهم عن سماع الحق سماع قَبول وإذعان، وأعمى أبصارهم عن إبصاره إبصار اعتبار.
٢٤ - فهلَّا تدبر هؤلاء المُعْرِضون القرآنَ وتأمَّلوا ما فيه؟! فلو تدبروه لدلّهم على كل خير، وأبعدهم عن كل شرّ، أم على قلوب هؤلاء أقفالها قد أحكم إغلاقها، فلا تصل إليها موعظة، ولا تنفعها ذكرى؟!
٢٥ - إن الذين ارتدوا عن إيمانهم إلى الكفر والنفاق، من بعد ما قامت عليهم الحجة، وتبيّن لهم صدق النبي ﷺ ، الشيطان هو الذي زين لهم الكفر والنفاق وسهَّله لهم، ومنّاهم بطول الأمل.
٢٦ - ذلك الإضلال الحاصل لهم بسبب أنهم قالوا سرًّا للمشركين الذين كرهوا ما نزّل على رسوله من الوحي: سنطيعكم في بعض الأمر كالتثبيط عن القتال. والله يعلم ما يسرونه ويخفونه، لا يخفى عليه شيء، فيظهر ما شاء منه لرسوله ﷺ .
٢٧ - فكيف ترى ما هم فيه من العذاب والحال الشنيعة التي هم عليها إذا قبضت أرواحهم الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، يضربون وجوههم وأدبارهم بمَقَامِع الحديد.
٢٨ - ذلك العذاب بسبب أنهم اتبعوا كل ما اغضب الله عليهم؛ من الكفر والنفاق ومحادّة الله ورسوله، وكرهوا ما يقربهم من ربهم، ويحلّ عليهم رضوانه؛ من الإيمان بالله واتباع رسوله، فأبطل أعمالهم.
٢٩ - هل يظنّ الذين في قلوبهم شك من المنافقين أن لن يخرج الله أحقادهم ويظهرها؟! ليخرجنّها بالابتلاء بالمحن؛ ليتميز صادق الإيمان من الكاذب، ويتضح المؤمن، ويفتضح المنافق.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التكليف بالجهاد في سبيل الله يميّز المنافقين من صفّ المؤمنين.
• أهمية تدبر كتاب الله، وخطر الإعراض عنه.
• الإفساد في الأرض وقطع الأرحام من أسباب قلة التوفيق والبعد عن رحمة الله.
стр. 517
٣٠ - ولو نشاء تعريفك -أيها الرسول- المنافقين لعرّفناكهم، فلعرفتهم بعلامتهم، وسوف تعرفهم بأسلوب كلامهم، والله يعلم أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيكم عليها.
٣١ - ولنختبرنّكم -أيها المؤمنون- بالجهاد وقتال الأعداء والقتل حتى نعلم المجاهدين منكم في سبيل الله، والصابرين منكم على قتال أعدائه، ونختبركم فنعرف الصادق منكم والكاذب.
٣٢ - إن الذين كفروا بالله وبرسوله، وصدوا عن دين الله بأنفسهم، وصدوا عنه غيرهم، وخالفوا رسوله وَعَادَوْه من بعد ما تبيّن أنه نبي -لن يضرّوا الله، وإنما يضرون أنفسهم، وسيبطل الله أعمالهم.
٣٣ - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول بأن تمتثلوا أمرهما، وتجتنبوا نهيهما، ولا تبطلوا أعمالكم بالكفر والرياء.
٣٤ - إن الذين كفروا بالله، وصرفوا أنفسهم وصرفوا الناس عن دين الله، ثم ماتوا على كفرهم قبل التوبة -فلن يتجاوز الله عن ذنوبهم بسترها، بل سيؤاخذهم بها، ويدخلهم النار خالدين فيها أبدًا.
٣٥ - فلا تضعفوا -أيها المؤمنون- عن مواجهة عدوّكم، وتدعوهم إلى الصلح قبل أن يدعوكم إليه، وأنتم القاهرون الغالبون لهم، والله معكم بنصره وتأييده، ولن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا، بل يزيدكم منًّا منه وتفضلًا.
٣٦ - إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، فلا ينشغل بها عاقل عن العمل لآخرته، وإن تؤمنوا بالله ورسوله، وتتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، يعطكم ثواب أعمالكم كاملًا غير منقوص، ولا يطلب منكم أموالكم كلها، وإنما يطلب منكم الواجب من الزكاة.
٣٧ - إن يطلب منكم جميع أموالكم ويلحّ في طلبها منكم، تبخلوا بها، ويخرج ما في قلوبكم من كراهية الإنفاق في سبيله، فترك طلبها منكم رفقًا بكم.
٣٨ - ها أنتم هؤلاء تُدْعَون لتنفقوا جزءًا من أموالكم في سبيل الله، ولا يطلب منكم إنفاق أموالكم كلها، فمنكم من يمنع الإنفاق المطلوب بخلًا منه، ومن يبخل بإنفاق جزء من ماله في سبيل الله، فإنما يبخل في الواقع على نفسه؛ بحرمانها ثواب الإنفاق، والله الغني فلا يحتاج إلى إنفاقكم، وأنتم الفقراء إليه، وإن ترجعوا عن الإسلام إلى الكفر يهلككم، ويأت بقوم غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم، بل يكونون مطيعين له.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سرائر المنافقين وخبثهم يظهر على قسمات وجوههم وأسلوب كلامهم.
• الاختبار سُنَّة إلهية لتمييز المؤمنين من المنافقين.
• تأييد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتسديد.
• من رفق الله بعباده أنه لا يطلب منهم إنفاق كل أموالهم في سبيل الله.
стр. 518
سُورَة الفَتح
- مَدَنيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر الوعد الإلهي بالفتح والتمكين لنبيِّه وللمؤمنين الصادقين في نصرة الدين.
[التَّفْسِيرُ]
١ - إنا فتحنا لك -أيها الرسول- فتحًا مبينًا بصلح الحديبية.
٢ - ليغفر لك الله ما تقدم قبل هذا الفتح من ذنبك، وما تأخر بعده، ويكمل نعمته عليك بنصر دينك، ويهديك طريقًا مستقيمًا، لا اعوجاج فيه، وهو طريق الإسلام المستقيم.
٣ - وينصرك الله على أعدائك نصرًا عزيزًا، لا يدفعه أحد.
٤ - الله هو الذي أنزل الثبات والطمأنينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا على إيمانهم، ولله وحده جنود السماوات والأرض، يؤيد بها من يشاء من عباده، وكان الله عليمًا بمصالح عباده، حكيمًا فيما يجريه من نصر وتأييد.
٥ - ليدخل المؤمنين بالله وبرسوله والمؤمنات جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ويمحو عنهم سيئاتهم، فلا يؤاخذهم بها، وكان ذلك المذكور -من نيل المطلوب وهو الجنة، وإبعاد المرهوب وهو المؤاخذة بالسيئات- عند الله فوزًا عظيمًا لا يدانيه فوز.
٦ - ويعذب المنافقين والمنافقات، ويعذب المشركين بالله والمشركات، الظانين بالله أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، فعادت دائرة العذاب عليهم، وغضب الله عليهم بسبب كفرهم وظنهم السيئ، وطردهم من رحمته، وأعدّ لهم في الآخرة جهنم يدخلونها خالدين فيها أبدًا، وساءت جهنمُ مصيرًا يرجعون إليه.
٧ - ولله جنود السماوات والأرض يؤيد بها من يشاء من عباده، وكان الله عزيزًا لا يغالبه أحد، حكيمًا في خلقه وتقديره وتدبيره.
٨ - إنا بعثناك -أيها الرسول- شاهدًا تشهد على أمتك يوم القيامة، ومبشرًا المؤمنين بما أعدّ لهم في الدنيا من النصر والتمكين، وبما أعد لهم في الآخرة من النعيم، ومخوّفًا الكافرين بما أعدّ لهم في الدنيا من الذلة والهزيمة على أيدي المؤمنين، وبما أعدّ في الآخرة من العذاب الأليم الذي ينتظرهم.
٩ - رجاء أن تؤمنوا بالله، وتؤمنوا برسوله، وتعظِّموا رسوله وتُجِلّوه، وتسبِّحوا الله أول النهار وآخره.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• صلح الحديبية بداية فتح عظيم على الإسلام والمسلمين.
• السكينة أثر من آثار الإيمان تبعث على الطمأنينة والثبات.
• خطر ظن السوء بالله، فإن الله يعامل الناس حسب ظنهم به سبحانه.
• وجوب تعظيم وتوقير رسول الله ﷺ .
стр. 519
١٠ - إن الذين يبايعونك -أيها الرسول- بيعة الرضوان على قتال أهل مكة المشركين، إنما يبايعون الله؛ لأنه هو الذي أمرهم بقتال المشركين، وهو الذي يجازيهم، يد الله فوق أيديهم عند البيعة، وهو مطَّلع عليهم لا يخفى عليه منهم شيء، فمن نقض بيعته، ولم يَفِ بما عاهد عليه الله من نصرة دينه، فإنما ضرر نقضه لبيعته ونقضه لعهده، عائد عليه، فالله لا يضرّه ذلك، ومن أوفى بما عاهد عليه الله من نصرة دينه، فسيعطيه جزاءً عظيمًا وهو الجنة.
١١ - سيقول لك -أيها الرسول- الذين خلّفهم الله من الأعراب عن مرافقتك في سفرك إلى مكة إذا عاتبتهم: شغلتنا رعاية أموالنا ورعاية أولادنا عن المسير معك، فاطلب لنا المغفرة من الله لذنوبنا، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم من طلب استغفار النبي ﷺ ؛ لأنهم لم يتوبوا من ذنوبهم، قل لهم: لا أحد يملك لكم من الله شيئًا إن أراد بكم خيرًا، أو أراد بكم شرًّا، بل كان الله بما تعملون خبيرًا لا يخفى عليه شيء من أعمالكم مهما أخفيتموها.
١٢ - ليس ما اعتذرتم به من الانشغال برعاية الأموال والأولاد سبَبَ تخلفكم عن المسير معه، بل ظننتم أن الرسول وأصحابه سيهلكون جميعًا، ولا يرجعون إلى أهليهم في المدينة، حسَّنه الشيطان في قلوبكم، وظننتم ظنًّا سيئًا بربكم أنه لن ينصر نبيّه، وكنتم قومًا هلكى بسبب ما أقدمتم عليه من ظن السوء بالله والتخلف عن رسوله.
١٣ - ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو كافر، وقد أعددنا يوم القيامة للكافرين بالله نارًا مستعرة يعذبون فيها.
١٤ - ولله وحده ملك السماوات والأرض، يغفر ذنوب من يشاء من عباده، فيدخله الجنة بفضله، ويعذب من يشاء من عباده بعدله، وكان الله غفورًا لذنوب من تاب من عباده، رحيمًا بهم.
١٥ - سيقول الذين خلفهم الله إذا انطلقتم -أيها المؤمنون- إلى غنائم خيبر التي وعدكم الله إياها بعد صلح الحديبية لتأخذوها-: اتركونا نخرج معكم لنصيب منها؛ يريد هؤلاء المُخَلَّفون أن يبدلوا بطلبهم هذا وعد الله الذي وعد به المؤمنين بعد صلح الحديبية أن يعطيهم وحدهم غنائم خيبر، قل لهم -أيها الرسول-: لن تتبعونا إلى تلك الغنائم، فقد وعدنا الله أن غنائم خيبر خاصة بمن شهد الحديبية، فسيقولون: مَنْعُكم لنا من اتباعكم إلى خيبر ليس بأمر من الله، بل بسبب حسدكم لنا. وليس الأمر كما زعم هؤلاء المُخَلَّفون، بل هم لا يفقهون أوامر الله ونواهيه إلا قليلًا؛ لذلك وقعوا في معصيته.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مكانة بيعة الرضوان عند الله عظيمة، وأهلها من خير الناس على وجه الأرض.
• سوء الظن بالله من أسباب الوقوع في المعصية وقد يوصل إلى الكفر.
• ضعاف الإيمان قليلون عند الفزع، كثيرون عند الطمع.
стр. 520
١٦ - قل -أيها الرسول- للذين تخلَّفوا من الأعراب عن المسير معك إلى مكة مختبرًا إياهم: ستُدعون إلى قتال قوم أصحاب بأس قوي في القتال، تقاتلونهم في سبيل الله، أو يدخلون في الإسلام من غير قتال، فإن تطيعوا الله فيما دعاكم إليه من قتالهم يعطكم أجرًا حسنًا هو الجنة، وإن تتولوا عن طاعته -كتولِّيكم عنها حين تخلفتم عن السير معه إلى مكة- يعذبكم عذابًا موجعًا.
١٧ - ليس على المعذور بعمًى أو عرج أو مرض إثم إذا تخلف عن القتال في سبيل الله، ومن يطع الله ويطع رسوله يدخله جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ومن يعرض عن طاعتهما يعذبه الله عذابًا موجعًا.
١٨ - لقد رضي الله عن المؤمنين وهم يبايعونك في الحديبية بيعة الرضوان تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص والصدق، فأنزل الطمأنينة على قلوبهم، وجزاهم على ذلك فتحًا قريبًا هو فتح خيبر؛ تعويضًا لهم عما فاتهم من دخول مكة.
١٩ - وأعطاهم مغانم كثيرة يأخذونها من أهل خيبر، وكان الله عزيزًا لا يغالبه أحد، حكيمًا في خلقه وتقديره وتدبيره.
٢٠ - وعدكم الله -أيها المؤمنون- مغانم كثيرة تأخذونها في الفتوحات الإسلامية في المستقبل، فعجل لكم مغانم خيبر، ومَنَع أيدي اليهود لمَّا هموا أن يصيبوا عيالكم بعدكم، ولتكون هذه المغانم المعجلة علامة لكم على نصر الله وتأييده لكم، ويهديكم الله طريقًا مستقيمًا لا اعوجاج فيه.
٢١ - ووعدكم الله مغانم أخرى لم تقدروا عليها في هذا الوقت، الله وحده هو القادر عليها، وهي في علمه وتدبيره، وكان الله على كل شيء قديرًا، لا يعجزه شيء.
٢٢ - ولو قاتلكم -أيها المؤمنون- الذين كفروا بالله ورسوله لولّوا هاربين منهزمين أمامكم، ثم لا يجدون وليًّا يتولى أمرهم، ولا يجدون نصيرًا ينصرهم على قتالكم.
٢٣ - وغلبة المؤمنين وهزيمة الكافرين، ثابتة في كل زمان ومكان، فهي سُنَّة الله في الأمم التي مضت قبل هؤلاء المكذبين، ولن تجد -أيها الرسول- لسُنَّة الله تبديلًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إخبار القرآن بمغيبات تحققت فيما بعد -مثل الفتوح الإسلامية- دليل قاطع على أن القرآن الكريم من عند الله.
• تقوم أحكام الشريعة على الرفق واليسر.
• جزاء أهل بيعة الرضوان منه ما هو معجل، ومنه ما هو مدَّخر لهم في الآخرة.
• غلبة الحق وأهله على الباطل وأهله سُنَّة إلهية.
стр. 521
٢٤ - وهو الذي منع أيدي المشركين عنكم حين جاء نحو ثمانين رجلًا منهم يريدون إصابتكم بسوء بالحديبية، وكفّ أيديكم عنهم فلم تقتلوهم ولم تؤذوهم، بل أطلقتم سَرَاحَهم بعد أن أَقْدَرَكم على أَسْرِهم، وكان الله بما تعملون بصيرًا، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء.
٢٥ - هم الذين كفروا بالله ورسوله، ومنعوكم عن المسجد الحرام، ومنعوا الهدي فبقي محبوسًا عن الوصول إلى الحرم محلّ ذبحه، ولولا وجود رجال مؤمنين بالله ونساء مؤمنات به لا تعرفونهم أن تقتلوهم مع الكفار، فيصيبكم من قتلهم إثم وديات بغير علم منكم؛ لأذن لكم في فتح مكة ليدخل الله في رحمته من يشاء مثل المؤمنين في مكة، لو تميّز الذين كفروا عن المؤمنين في مكة لعذبنا الذين كفروا بالله وبرسوله عذابًا موجعًا.
٢٦ - إذ جعل الذين كفروا بالله ورسوله في قلوبهم الأَنَفة أَنَفة الجاهلية التي لا ترتبط بإحقاق الحق وإنما ترتبط بالهوى، فأنفوا من دخول رسول الله ﷺ عليهم عام الحديبية؛ خوفًا من تعييرهم بأنه غلبهم عليها، فأنزل الله الطمأنينة من عنده على رسوله وأنزلها على المؤمنين، فلم يؤذ بهم الغضب إلى مقابلة المشركين بمثل فعلهم، وألزم الله المؤمنين كلمة الحق وهي لا إله إلا الله، وأن يقوموا بحقها فقاموا به، وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من غيرهم، وكانوا أهلها المستأهلين لها لما علم الله في قلوبهم من الخير، وكان الله بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء.
٢٧ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق حين أراه إياها في منامه وأخبر بها أصحابه، وهي أنه هو وأصحابه يدخلون بيت الله الحرام آمنين من عدوّهم، منهم المحلِّقون رؤوسهم، ومنهم المقصِّرون إيذانًا بنهاية النُّسُك. فعَلم الله من مصلحتكم -أيها المؤمنون- ما لم تعلموا أنتم، فجعل من دون تحقيق الرؤيا بدخول مكة تلك السَّنَةَ فتحًا قريبًا، وهو ما أجراه الله من صلح الحديبية، وما تبعه من فتح خيبر على أيدي المؤمنين الذين حضروا الحديبية.
٢٨ - الله هو الذي أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالبيان الواضح ودين الحق الذي هو دين الاسلام؛ ليعليه على الأديان المخالفة له كلها، وقد شهد الله على ذلك، وكفى بالله شاهدًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الصد عن سبيل الله جريمة يستحق أصحابها العذاب الأليم.
• تدبير الله لمصالح عباده فوق مستوى علمهم المحدود.
• التحذير من استبدال رابطة الدين بحمية النسب أو الجاهلية.
• ظهور دين الإسلام سُنَّة ووعد إلهي تحقق.
стр. 522
٢ ٩ - محمد رسول الله وصحابته الذين هم معه، أشدّاء على الكفار المحاربين، رحماء بينهم متعاطفون متوادُّون، تراهم -أيها الناظر- ركَّعًا سُجَّدا لله سبحانه، يطلبون من الله أن يتفضل عليهم بالمغفرة والثواب الكريم، وأن يرضى عنهم، علامتهم في وجوههم من آثار السجود ما يظهر من الهدي والسمت ونور الصلاة في وجوههم، ذلك وصفهم الذي وصفتهم به التوراة الكتاب المنزل على موسى ﵇، وأما مثلهم في الإنجيل الكتاب المنزل على عيسى- ﵇ فهو أنهم في تعاونهم وكمالهم كزرع أخرج صغاره، فقوي فغلظ فاستوى على سيقانه، يعجب الزُّراع قوته وكماله؛ ليغيظ بهم الله الكفار لما يرونه فيهم من القوة والتماسك والكمال، وعد الله الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات من الصحابة مغفرة لذنوبهم، فلا يؤاخذون بها، وثوابًا عظيمًا من عنده وهو الجنة.
سُورَة الحُجُراتِ
- مَدَنيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تقرير أخلاق المجتمع الإسلامي والتحذير من الأخلاق السيئة.
[التَّفْسِيرُ]
١ - يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما شرع، لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إن الله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيكم عليها.
٢ - يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما شرع، تأدبوا مع رسوله، ولا تجعلوا أصواتكم تعلو على صوت النبي ﷺ عند مخاطبته، ولا تعلنوا له باسمه كما ينادي بعضكم بعضًا، بل نادوه بالنبوة والرسالة بخطاب لين؛ خوف أن يَبطُل ثوابُ أعمالكم بسبب ذلك وأنتم لا نحسّون ببطلان ثوابها.
٣ - إن الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله ﷺ ، أولئك هم الذين امتحن الله قلوبهم لتقواه، وأخلصهم لها، لهم مغفرة لذنوبهم فلا يؤاخذهم، ولهم ثواب عظيم يوم القيامة، وهو أن يدخلهم الله الجنة.
٤ - إن الذين ينادونك -أيها الرسول- من الأعراب من وراء حجرات نسائك معظمهم لا يعقلون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تشرع الرحمة مع المؤمن، والشدة مع الكافر المحارب.
• التماسك والتعاون من أخلاق أصحابه ﷺ .
• من يجد في قلبه كرهًا للصحابة الكرام يُخْشى عليه من الكفر.
• وجوب التأدب مع رسول الله ﷺ ، ومع سُنَّته، ومع ورثته (العلماء).
стр. 523
٥ - ولو أن هؤلاء الذين ينادونك -أيها الرسول- من وراء حجرات نسائك، صبروا فلم ينادوك حتى تخرج إليهم، فيخاطبوك مخفوضة أصواتهم؛ لكان ذلك خيرًا لهم من ندائك من ورائها؛ لما فيه من التوقير والتعظيم، والله غفور لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم، وغفور لهم لجهلهم، رحيم بهم.
٦ - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، إن جاءكم فاسق بخبر عن قوم، فتثبتوا من صحة خبره، ولا تبادروا إلى تصديقه؛ خوف أن تصيبوا -إذا صدّقتم خبره دون تثبت- قومًا بجناية وأنتم جاهلون حقيقة أمرهم، فتصبحوا بعد إصابتكم لهم نادمين عندما يتبين لكم كذب خبره.
٧ - واعلموا -أيها المؤمنون- أن فيكم رسول الله ينزل عليه الوحي، فاحذروا أن تكذبوا فينزل عليه الوحي يخبره بكذبكم، وهو أعلم بما فيه مصلحتكم، لو يطيعكم في كثير مما تقترحونه لوقعتم في المشقة التي لا يرضاها لكم، ولكنّ الله من فضله حبب إليكم الإيمان، وحسّنه في قلوبكم فآمنتم، وكرّه إليكم الكفر، والخروج عن طاعته، وكره إليكم معصيته، أولئك المتصفون بهذه الصفات هم السالكون طريق الرشد والصواب.
٨ - وما حصل لكم -من تحسين الخير في قلوبكم، وتكريه الشرّ- إنما هو فضل من الله، تفضل به عليكم، ونعمة أنعمها عليكم، والله عليم بمن يشكره من عباده فيوفقه، وحكيم إذ يضع كل شيء في محلّه المناسب له.
٩ - وإنْ فِرقتان من المؤمنين تقاتلتا فأصلحوا -أيها المؤمنون- بينهما بدعوتهما إلى تحكيم شرع الله في خلافهما، فإن أبت إحداهما الصلح واعتدت فقاتلوا المعتدية حتى ترجع إلى حكم الله، فإن رجعت إلى حكم الله فأصلحوا بينهما بالعدل والإنصاف، واعدلوا في حكمكم بينهما، إن الله يحبّ العادلين في حكمهم.
١٠ - إنما المؤمنون إخوة في الإسلام، والأخوة في الإسلام تقتضي أن تصلحوا -أيها المؤمنون- بين أخويكم المتنازعين، واتقوا الله بامتثال أوامر جتناب نواهيه؛ رجاء أن ترحموا.
١١ - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، لا يستهزئ قوم منكم بقوم، عسى أن يكون المستهزَأ بهم خيرًا عند الله، والعبرة بما عند الله، ولا يستهزئ نساء من نساء عسى أن يكون المستهزَأ بهن خيرًا عند الله، ولا تعيبوا إخوتكم فهم بمنزلة أنفسكم، ولا يُعَبِّرْ بعضكم بعضًا بلقب يكرهه، كما كان حال بعض الأنصار قبل مجيء رسول الله ﷺ ، ومن فعل ذلك منكم فهو فاسق، بئست الصفة صفة الفسق بعد الإيمان، ومن لم يتب من هذه المعاصي فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب ما فعلوه من المعاصي.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب التثبت من صحة الأخبار، خاصة التي ينقلها من يُتَّهم بالفسق.
• وجوب الإصلاح بين من يتقاتل من المسلمين، ومشروعية قتال الطائفة التي تصر على الاعتداء وترفض الصلح.
• من حقوق الأخوة الإيمانية: الصلح بين المتنازعين والبعد عما يجرح المشاعر من السخرية والعيب والتنابز بالألقاب.
стр. 524
١٢ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع، ابتعدوا عن كثير من التهم التي لا تستند لما يوجبها من أسباب وقرائن، إن بعض الظن إثم، كسوء الظن بمن ظاهره الصلاح، ولا تتبعوا عورات المؤمنين من ورائهم، ولا يذكر أحدكم أخاه بما يكره، فإنّ ذِكْره بما يكره مثل أكل لحمه ميتًا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا؟! فاكرهوا اغتيابه فهو مثله، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، إن الله تواب على من تاب من عباده، رحيم بهم.
١٣ - يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر واحد وهو أبوكم آدم، وأنثى واحدة وهي أمكم حواء، فنسبكم واحد، فلا يفخر بعضكم على بعض في النسب، وصيّرناكم بعد ذلك شعوبًا كثيرة وقبائل منتشرة؛ ليعرف بعضكم بعضًا، لا ليفخر عليه؛ لأن التمايز لا يكون إلا بالتقوى، لذا قال: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم بأحوالكم، خبير بما تكونون عليه من كمال ونقص، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
١٤ - قال بعض أهل البادية لما قدموا على النبي ﷺ : آمنّا بالله وبرسوله. قل لهم -أيها الرسول-: لم تؤمنوا، ولكن قولوا: استسلمنا وانقدنا، ولم يدخل الإيمان في قلوبكم بعدُ، ويُتوقع له أن يدخلها، وإن تطيعوا -أيها الأعراب- الله ورسوله في الإيمان والعمل الصالح، واجتناب المحرمات، لا ينقصكم الله شيئًا من ثواب أعمالكم، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
١٥ - إنما المؤمنون هم الذين آمنوا بالله وبرسوله، ثم لم يخالط إيمانَهم شكٌّ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، لم يبخلوا بشيء منها، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم الصادقون في إيمانهم.
١٦ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء الأعراب: أتعلّمون الله، وتُشعرونه بدينكم؟! والله يعلم ما في السماوات، ويعلم ما في الأرض، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء، فلا يحتاج إلى إعلامكم إياه بدينكم.
١٧ - يمنّ عليك -أيها الرسول- هؤلاء الأعراب بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا عليّ بدخولكم في دين الله، فنفع ذلك -إن حصل- عائد عليكم، بل الله هو الذي يمنّ عليكم بأن وفّقكم للإيمان به إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم دخلتم فيه.
١٨ - إن الله يعلم غيب السماوات، ويعلم غيب الأرض، لا يخفى عليه شيء منه، والله بصير بما تعملون، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم على حسنها وسيئها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سوء الظن بأهل الخير معصية، ويجوز الحذر من أهل الشر بسوء الظن بهم.
• وحدة أصل بني البشر تقتضي نبذ التفاخر بالأنساب.
• الإيمان ليس مجرد نطق لا يوافقه اعتقاد، بل هو اعتقاد بالجَنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان.
• هداية التوفيق بيد الله وحده وهي فضل منه سبحانه ليست حقًّا لأحد.
стр. 525
سُورَة ق
- مَكيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إيقاظ القلوب الغافلة، لإدراك حقائق البعث والجزاء وبراهينه ومَشاهِدِه.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿ق﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. أقسم الله بالقرآن الكريم لما فيه من المعاني وكثرة الخير والبركة؛ لتبعثنّ يوم القيامة للحساب والجزاء.
٢ - لم يكن سببَ رفضهم توقُّعُهم أن تَكْذِبَ فهم يعرفون صدقك، بل تعجبوا أن يأتيهم رسول منذر من جنسهم، وليس من جنس الملائكة، وقالوا مِن تعجُّبهم: مجيء رسول من البشر إلينا شيء عجيب!
٣ - أنبعث إذا متنا وصرنا ترابًا؟! ذلك البعث ورجوع الحياة إلى أجسامنا بعدما بليت شيء مستبعد، لا يمكن أن يقع.
٤ - قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم بعد موتهم وتفنيه، لم يخف علينا منه شيء، وعندنا كتاب حافظ لكل ما يقدره الله عليهم في حياتهم وبعد موتهم.
٥ - بل كذب هؤلاء المشركون بالقرآن لما جاءهم به الرسول، فهم في أمر مضطرب، لا يثبتون على شيء بشأنه.
ولما ذكر إنكار المشركين للبعث ذكّرهم بالأدلة على وقوعه فقال:
٦ - أفلم يتأمل هؤلاء المكذبون بالبعث السماء فوقهم؛ كيف خلقناها وبنيناها وزيناها بما وضعنا فيها من نجوم، وليس لها شقوق تعيبها؟! فالذي خلق هذه السماء لا يعجز عن بعث الموتى أحياء.
٧ - والأرض بسطناها صالحة للسكنى عليها، وألقينا فيها جبالًا ثوابت حتى لا تضطرب، وأنبتنا فيها من كل صنف من النبات والشجر حسن المنظر.
٨ - خلقنا ذلك كله ليكون تبصرة وتذكيرًا لكل عبد راجع إلى ربه بالطاعة.
٩ - ونزلنا من السماء ماءً كثير النفع والخير، فأنبتنا بذلك الماء بساتين، وأنبتنا ما تحصدونه من حب الشعير وغيره.
١٠ - وأنبتنا به النخل طِوالًا عاليات، لها طلع متراكب بعضه فوق بعض.
١١ - أنبتنا ما أنبتنا من ذلك رزقًا للعباد يأكلون منه، وأحيينا به بلدة لا نبات فيها، كما أحيينا بهذا المطر بلدة لا نبات فيها نحيى الموتى، فيخرجون أحياء.
١٢ - كذبت قبل هؤلاء المكذبين بك -أيها الرسول- أقوام بأنبيائهم، فكذبت قوم نوح وأصحاب البئر، وكذبت ثمود.
١٣ - وكذبت عاد وفرعون، وقوم لوط.
١٤ - وكذب قوم شعيب أصحاب الأيكة وقوم تُبَّعٍ ملك اليمن، فثبت عليهم ما وعدهم الله من العذاب.
١٥ - أفعجزنا عن خلقكم أول مرة حتى نعجز عن بعثكم؟! بل هم في حيرة من خلق جديد بعد خلقهم الأول.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المشركون يستعظمون النبوة على البشر، ويمنحون صفة الألوهية للحجر!
• خلق السماوات، وخلق الأرض، وإنزال المطر، وإنبات الأرض القاحلة، والخلق الأول: كلها أدلة على البعث.
• التكذيب بالرسل عادة الأمم السابقة، وعقاب المكذبين سُنَّة إلهية.
стр. 526
١٦ - ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما تحدث به نفسه من خواطر وأفكار، ونحن أقرب إليه من العِرق الموجود في العنق المتصل بالقلب.
١٧ - إذ يتلقى الملكان المتلقيان عمله، أحدهما قعيد عن يمينه، والثاني قعيد عن شماله.
١٨ - ما يقول من قول إلا لديه ملك رقيب على ما يقوله حاضر.
١٩ - وجاءت شدة الموت بالحق الذي لا مهرب منه، ذلك ما كنت -أيها الإنسان الغافل- تتأخر عنه، وتفر.
٢٠ - ونفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن النفخة الثانية، ذلك يوم القيامة، يوم الوعيد للكفار والعصاة بالعذاب.
٢١ - وجاءت كل نفس معها مَلَك يسوقها، ومَلك يشهد عليها بأعمالها.
٢٢ - ويقال لهذا الإنسان المَسُوق: لقد كنت في الدنيا في غفلة عن هذا اليوم بسبب اغترارك بشهواتك ولذاتك، فكشفنا عنك غفلتك بما تعاينه من العذاب والكرب، فبصرك اليوم حادٌّ تدرك به ما كنت في غفلة عنه.
٢٣ - وقال قرينه الموكل به من الملائكة: هذا ما لدي من عمله حاضر دون نقص ولا زيادة.
٢٤ - ويقول الله للملكين السائق والشاهد: ألقيا في جهنم كل كفور للحق، معاند له.
٢٥ - كثير المنع لما أوجب الله عليه من حق، متجاوز لحدود الله، شاكّ فيما يخبر به من وعد أو وعيد.
٢٦ - الذي جعل مع الله معبودًا آخر يشركه معه في العبادة، فألقياه في العذاب الشديد.
٢٧ - قال قرينه من الشياطين متبرئًا منه: ربنا ما أضللته، ولكن كان في ضلال بعيد عن الحق.
٢٨ - قال الله: لا تختصموا لديّ، فلا فائدة من ذلك، فقد قدمت لكم في الدنيا ما جاءت به رسلي من الوعيد الشديد لمن كفر بي وعصاني.
٢٩ - ما يغير القول لدي، ولا يخلف وعدي، ولا أظلم العبيد بنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم، بل أجزيهم بما عملوا.
٣٠ - يوم نقول لجهنم: هل امتلأت بمن ألقي فيك من الكفار والعصاة؟ فتجيب ربها: هل من مزيد؟ طلبًا للزيادة؛ غضبًا لربها.
ولما ذكر الله الوعيد الشديد للكفار ذكر ما أعدّه لعباده المؤمنين فقال:
٣١ - وقُرِّبت الجنة للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فشاهدوا ما فيها من النعيم غير بعيد منهم.
٣٢ - ويقال لهم: هذا ما وعدكم الله لكل رجَّاع إلى ربه بالتوبة، حافظ لما ألزمه ربه به.
٣٣ - من خاف الله بالسر حيث لا يراه إلا الله، ولقي الله بقلب سليم مقبل على الله، كثير الرجوع إليه.
٣٤ - ويقال لهم: ادخلوا الجنة دخولًا مصحوبًا بالسلامة مما تكرهون، ذلك يوم البقاء الذي لا فناء بعده.
٣٥ - لهم ما يشاؤون فيها من النعيم الذي لا ينفد، ولدينا مزيد من النعيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومنه رؤية الله سبحانه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• علم الله بما يخطر في النفوس من خير وشر.
• خطورة الغفلة عن الدار الآخرة.
• ثبوت صفة العدل لله تعالى.
стр. 527
٣ ٦ - وما أكثر الأمم التي أهلكناها قبل هؤلاء المشركين المكذبين من أهل مكة، ففتشوا في البلاد لعلهم يجدون مهربًا من العذاب فلم يجدوه.
٣٧ - إن في ذلك المذكور من إهلاك الأمم السابقة لتذكيرًا وموعظة لمن كان له قلب يعقل به، أو أنصت بسمعه حاضر القلب، غير غافل.
٣٨ - ولقد خلقنا السماوات، وخلقنا الأرض، وما بين السماوات والأرض؛ في ستة أيام مع قدرتنا على خلقها في لحظة، وما أصابنا من تعب كما تقول اليهود.
٣٩ - فاصبر -أيها الرسول- على ما يقوله اليهود وغيرهم، وصلّ لربك حامدًا إياه صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وصلّ العصر قبل غروبها.
٤ ٠ - ومن الليل فصلّ له، وسبِّحه بعد الصلوات.
٤ ١ - واستمع -أيها الرسول- يوم ينادي المَلَك الموكل بالنفخ في الصُّور النفخة الثانية، من مكان قريب.
٤ ٢ - يوم يسمع الخلائق صيحة البعث بالحق الذي لا مِرْية فيه، ذلك اليوم الذي يسمعونها فيه هو يوم خروج الأموات من قبورهم للحساب والجزاء.
٤٣ - إنا نحن نحيي ونميت، لا محيي غيرنا ولا مميت، وإلينا وحدنا رجوع العباد يوم القيامة للحساب والجزاء.
٤٤ - يوم تتشقق عنهم الأرض فيخرجون مسرعين، ذلك حشر علينا سهل.
٤ ٥ - نحن أعلم بما يقوله هؤلاء المكذبون، وما أنت -أيها الرسول- بمُسَلَّط عليهم فتجبرهم على الإيمان، وإنما أنت مبلغ ما أمرك الله بتبليغه، فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي للكافرين والعصاة؛ لأن الخائف هو الذي يتعظ، ويتذكر إذا ذُكّر.
سُورَة الذَّاريَاتِ
- مَكيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تعريف المخلوقين بمصدر رزقهم وهو الله تعالى؛ لكي يفروا إليه ويحققوا العبودية له.
[التَّفْسِيرُ]
١ - يقسم الله بالرياح التي تذرو التراب.
٢ - وبالسُّحب التي تحمل الماء الغزير.
٣ - وبالسفن التي تجري في البحر بسهولة ويسر.
٤ - وبالملائكة التي تقسم ما أمرها الله بتقسيمه من أمور العباد.
٥ - إن ما يعدكم ربكم به من الحساب والجزاء لَحَقٌّ لا مِرْية فيه.
٦ - وإن حساب العباد لواقع يوم القيامة لا محالة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاعتبار بوقائع التاريخ من شأن ذوي القلوب الواعية.
• خلق الله الكون في ستة أيام لِحِكَم يعلمها الله، لعل منها بيان سُنَّة التدرج.
• سوء أدب اليهود في وصفهم الله تعالى بالتعب بعد خلقه السماوات والأرض، وهذا كفر بالله.
стр. 528
٧ - ويقسم الله بالسماء الحسنة الخلق ذات الطرق.
٨ - إنكم -يا أهل مكة- لفي قول متناقض متضارب، تارة تقولون: القرآن سحر، وتارة شعر، وتقولون: محمد ساحر تارة، وتارة شاعر.
٩ - يُصْرف عن الإيمان بالقرآن وبالنبي ﷺ من صُرِف عنه في علم الله؛ لعلمه أنه لا يؤمن، فلا يوفق للهداية.
١٠ - لعن هؤلاء الكذابون الذين قالوا في القرآن وفي نبيهم ما قالوا.
١١ - الذين هم في جهل غافلون عن الدار الآخرة، لا يبالون بها.
١٢ - يسألون: متى يوم الجزاء؟ وهم لا يعملون له.
١٣ - فيجيبهم الله عن سؤالهم: يوم هم على النار يعذبون.
١٤ - يقال لهم: ذوقوا عذابكم، هذا هو الذي كنتم تسألون تعجيله عندما تنذرون به؛ استهزاء.
١٥ - إن المتقين لربهم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه يوم القيامة في بساتين وعيون جارية.
١٦ - آخذين ما أعطاهم ربهم من الجزاء الكريم، إنهم كانوا قبل هذا الجزاء الكريم محسنين في الدنيا.
١٧ - كانوا يصلّون من الليل، لا ينامون إلا زمنًا قليلًا.
١٨ - وفي وقت الأسحار يطلبون المغفرة من الله لذنوبهم.
١٩ - وفي أموالهم حق -يتطوّعون به- للسائل من الناس، وللذي لا يسألهم، ممن حرم الرزق لأي سبب كان.
٢٠ - وفي الأرض وما وضع الله فيها من جبال وبحار وأنهار وأشجار ونبات وحيوان , دلالات على قدرة الله للموقنين أن الله هو الخالق المصور.
٢١ - وفي أنفسكم -أيها الناس- دلالات على قدرة الله، أفلا تبصرون لتعتبروا؟!
٢٢ - وفي السماء رزقكم الدنيوي والديني، وفيها ما توعدون من خير أو شر.
٢٣ - فورب السماء والأرض إن البعث لحق لا شك فيه، كما أنه لا شك في نطقكم حين تنطقون.
٢٤ - هل أتاك -أيها الرسول- حديث ضيوف إبراهيم من الملائكة الذين أكرمهم ﵈؟.
٢٥ - حين دخلوا عليه فقالوا له: سلامًا، قال إبراهيم ردًّا عليهم: سلام، وقال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم.
٢٦ - فمال إلى أهله خفية، فجاء من عندهم بعجل كامل سمين؛ ظنًّا منه أنهم بشر.
٢٧ - فقرّب العجل إليهم، وخاطبهم برفق: ألا تأكلون ما قُدِّم لكم من طعام؟
٢٨ - فلما لم يأكلوا أضمر في نفسه الخوف منهم ففطنوا له، فقالوا مطمئنين إياه: لا تخفْ، إنا رسل من عند الله، وأخبروه بما يسرّه من أنه يولد له غلام له علم كثير، والمُبَشَّر به هو إسحاق ﵇.
٢٩ - فلما سمعت امرأته البشارة أقبلت تصيح من الفرح، فلطمت وجهها، وقالت متعجبة: أتلد عجوز، وهي في الأصل عقيم!
٣٠ - قال لها الملائكة: ما أخبرناكِ به قاله ربكِ، وما قاله لا رادّ له؛ إنه هو الحكيم في خلقه وتقديره، العليم بخلقه وما يصلح لهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إحسان العمل وإخلاصه لله سبب لدخول الجنة.
• فضل قيام الليل وأنه من أفضل القربات.
• من آداب الضيافة: رد التحية بأحسن منها، وتحضير المائدة خفية، والاستعداد للضيوف قبل نزولهم، وعدم استثناء شيء من المائدة، والإشراف على تحضيرها، والإسراع فيه، وتقريبها للضيوف، وخطابهم برفق.
стр. 529
٣١ - قال إبراهيم ﵇ للملائكة: ما شأنكم؟ وما الذي تقصدونه؟
٣٢ - قال الملائكة جوابًا له: إنا بعثنا الله إلى قوم مجرمين يرتكبون قبائح الذنوب.
٣٣ - لنبعث عليهم حجارة من طين متصلِّب.
٣٤ - معلَّمة عند ربك -يا إبراهيم- تُبْعَث على المتجاوزين لحدود الله المبالغين في الكفر والمعاصي.
٣٥ - فأخرجنا من كان في قرية قوم لوط من المؤمنين حتى لا يصيبهم ما يصيب المجرمين من العذاب.
٣٦ - فما وجدنا في قريتهم هذه غير بيت واحد من المسلمين، هم أهل بيت لوط ﵇.
٣٧ - وتركنا في قرية قوم لوط من آثار العذاب ما يدل على وقوع العذاب عليهم ليعتبر به من يخاف العذاب الموجع الذي أصابهم، فلا يعمل بعملهم لينجو منه.
٣٨ - وفي موسى حين بعثناه إلى فرعون بالحجج الواضحة، آية لمن يخاف العذاب الموجع.
٣٩ - فأعرض فرعون معتدًّا بقوته وجنده عن الحق، وقال عن موسى ﵇: هو ساحر يسحر الناس، أو مجنون يقول ما لا يعقله.
٤٠ - فأخذناه هو وجنوده كلهم فطرحناهم في البحر، فغرقوا وهلكوا، وفرعون آتٍ بما يلام عليه من التكذيب وادعاء أنه إله.
٤١ - وفي عاد قوم هود آية لمن يخاف العذاب الموجع حين بعثنا عليهم الريح التي لا تحمل مطرًا ولا تلقح شجرًا، ولا بركة فيها.
٤٢ - ما تترك من نفس أو مال أو غيرهما أتت عليه إلا دمرته، وتركته كالبالي المتفتت.
٤٣ - وفي ثمود قوم صالح ﵇ آية لمن يخاف العذاب الموجع حين قيل لهم: استمتعوا بحياتكم قبل انقضاء آجالكم.
٤٤ - فتكبروا عن أمر ربهم وعلوا استكبارًا على الإيمان والطاعة، فأخذتهم صاعقة العذاب وهم ينتظرون نزوله، إذ كانوا وعدوا بالعذاب قبل نزوله بثلاثة أيام.
٤٥ - فما استطاعوا أن يدفعوا عنهم ما نزل بهم من العذاب، ولم تكن لهم قوة يمتنعون بها.
٤٦ - وقد أهلكنا قوم نوح بالغرق من قبل هؤلاء المذكورين، إنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله، فاستحقوا عقابه.
٤٧ - والسماء بنيناها، وأتقنّا بناءها بقوة، وإنا لموسعون لأطرافها.
٤٨ - والأرض جعلناها ممهدة للساكنين عليها كالفراش لهم، فنعم الماهدون نحن إذ مهدناها لهم.
٤٩ - ومن كل شيء خلقنا صنفين؛ كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والبر والبحر؛ لعلكم تتذكرون وحدانية الله الذي خلق من كل شيء صنفين، وتتذكرون قدرته.
٥٠ - ففروا من عقاب الله إلى ثوابه، بطاعته وعدم معصيته، إني لكم -أيها الناس- نذير من عقابه بيّن النذارة.
٥١ - ولا تجعلوا مع الله معبودًا آخر تعبدونه من دونه، إني لكم نذير منه بيّن النذارة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الإيمان أعلى درجة من الإسلام.
• إهلاك الله للأمم المكذبة درس للناس جميعًا.
• الخوف من الله يقتضي الفرار إليه سبحانه بالعمل الصالح، وليس الفرار منه.
стр. 530
٥ ٢ - مثل ذلك التكذيب الذي كذب به أهل مكة كذبت الأمم السابقة، فما جاءهم من رسول من عند الله إلا قالوا عنه: هو ساحر، أو مجنون.
٥ ٣ - أتواصى المتقدمون من الكفار والمتأخرون منهم على تكذيب الرسل؟! لا، بل جمعهم على هذا طغيانهم.
٥ ٤ - فأعرض -أيها الرسول- عن هؤلاء المكذبين، فما أنت بملوم، فقد بلغتهم ما أرسلت به إليهم.
٥٥ - ولا يمنعك إعراضك عنهم من وعظهم، وتذكيرهم، فعظهم وذكّرهم، فإن التذكير ينفع أهل الإيمان بالله.
٥ ٦ - وما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتي وحدي، ما خلقتهم ليجعلوا لي شريكًا.
٥ ٧ - ما أريد منهم رزقًا، ولا أريد منهم أن يطعموني.
٥ ٨ - إن الله هو الرزاق لعباده، فالجميع محتاجون إلى رزقه، ذو القوة المتين الذي لا يغلبه شيء، وجميع الجن والإنس خاضعون لقوّته سبحانه.
٥ ٩ - فإن للذين ظلموا أنفسهم بتكذيبك -أيها الرسول- نصيبًا من العذاب مثل نصيب أصحابهم السابقين، له أجل محدد، فلا يطلبوا مني تعجيله قبل أجله.
٦٠ - فهلاك وخسار للذين كفروا بالله، وكذَّبوا رسولهم من يوم القيامة الذي يوعدون فيه بإنزال العذاب عليهم.
سُورَة الطُّورِ
- مَكيّة -
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
دحض شبهات المكذبين من خلال عرض الحجج والبراهين، إرغامًا على الإذعان والتسليم.
[التَّفْسِيرُ]
١ - أقسم الله بالجبل الذي كلّم عليه موسى ﵇.
٢ - وأقسم بالكتاب الذي هو مسَطَّر.
٣ - في ورق مبسوط مفتوح كالكتب المنزلة.
٤ - وأقسم بالبيت الذي تعمره الملائكة في السماء بعبادة الله.
٥ - وأقسم بالسماء المرفوعة التي هي سقف الأرض.
٦ - وأقسم بالبحر المملوء ماء.
٧ - إن عذاب ربك -أيها الرسول- لواقع لا محالة على الكافرين.
٨ - ليس له من دافع يدفعه عنهم، ويمنعهم من وقوعه بهم.
٩ - يوم تتحرك السماء تحركًا، وتضطرب إيذانًا بالقيامة.
١٠ - وتسير الجبال من مواقعها سيرًا.
١١ - فهلاك وخسار في ذلك اليوم للمكذبين بما وعد الله الكافرين به من العذاب.
١٢ - الذين هم في خوض في الباطل يلعبون، لا يبالون ببعث ولا نشور.
١٣ - يوم يُدْفعون بشدّة وعنف إلى نار جهنم دفعًا.
١٤ - ويقال توبيخًا لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون عندما تخوفكم رسلكم منها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الكفر ملة واحدة وإن اختلفت وسائله وتنوع أهله ومكانه وزمانه.
• شهادة الله لرسوله ﷺ بتبليغ الرسالة.
• الحكمة من خلق الجن والإنس تحقيق عبادة الله بكل مظاهرها.
• سوف تتغير أحوال الكون يوم القيامة.
следующие страницы →