← Тафсир

Тафсир · id 18102

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (612 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

١٦ - ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما تحدث به نفسه من خواطر وأفكار، ونحن أقرب إليه من العِرق الموجود في العنق المتصل بالقلب. ١٧ - إذ يتلقى الملكان المتلقيان عمله، أحدهما قعيد عن يمينه، والثاني قعيد عن شماله. ١٨ - ما يقول من قول إلا لديه ملك رقيب على ما يقوله حاضر. ١٩ - وجاءت شدة الموت بالحق الذي لا مهرب منه، ذلك ما كنت -أيها الإنسان الغافل- تتأخر عنه، وتفر. ٢٠ - ونفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن النفخة الثانية، ذلك يوم القيامة، يوم الوعيد للكفار والعصاة بالعذاب. ٢١ - وجاءت كل نفس معها مَلَك يسوقها، ومَلك يشهد عليها بأعمالها. ٢٢ - ويقال لهذا الإنسان المَسُوق: لقد كنت في الدنيا في غفلة عن هذا اليوم بسبب اغترارك بشهواتك ولذاتك، فكشفنا عنك غفلتك بما تعاينه من العذاب والكرب، فبصرك اليوم حادٌّ تدرك به ما كنت في غفلة عنه. ٢٣ - وقال قرينه الموكل به من الملائكة: هذا ما لدي من عمله حاضر دون نقص ولا زيادة. ٢٤ - ويقول الله للملكين السائق والشاهد: ألقيا في جهنم كل كفور للحق، معاند له. ٢٥ - كثير المنع لما أوجب الله عليه من حق، متجاوز لحدود الله، شاكّ فيما يخبر به من وعد أو وعيد. ٢٦ - الذي جعل مع الله معبودًا آخر يشركه معه في العبادة، فألقياه في العذاب الشديد. ٢٧ - قال قرينه من الشياطين متبرئًا منه: ربنا ما أضللته، ولكن كان في ضلال بعيد عن الحق. ٢٨ - قال الله: لا تختصموا لديّ، فلا فائدة من ذلك، فقد قدمت لكم في الدنيا ما جاءت به رسلي من الوعيد الشديد لمن كفر بي وعصاني. ٢٩ - ما يغير القول لدي، ولا يخلف وعدي، ولا أظلم العبيد بنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم، بل أجزيهم بما عملوا. ٣٠ - يوم نقول لجهنم: هل امتلأت بمن ألقي فيك من الكفار والعصاة؟ فتجيب ربها: هل من مزيد؟ طلبًا للزيادة؛ غضبًا لربها. ولما ذكر الله الوعيد الشديد للكفار ذكر ما أعدّه لعباده المؤمنين فقال: ٣١ - وقُرِّبت الجنة للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فشاهدوا ما فيها من النعيم غير بعيد منهم. ٣٢ - ويقال لهم: هذا ما وعدكم الله لكل رجَّاع إلى ربه بالتوبة، حافظ لما ألزمه ربه به. ٣٣ - من خاف الله بالسر حيث لا يراه إلا الله، ولقي الله بقلب سليم مقبل على الله، كثير الرجوع إليه. ٣٤ - ويقال لهم: ادخلوا الجنة دخولًا مصحوبًا بالسلامة مما تكرهون، ذلك يوم البقاء الذي لا فناء بعده. ٣٥ - لهم ما يشاؤون فيها من النعيم الذي لا ينفد، ولدينا مزيد من النعيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومنه رؤية الله سبحانه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • علم الله بما يخطر في النفوس من خير وشر. • خطورة الغفلة عن الدار الآخرة. • ثبوت صفة العدل لله تعالى.

стр. 527

٣ ٦ - وما أكثر الأمم التي أهلكناها قبل هؤلاء المشركين المكذبين من أهل مكة، ففتشوا في البلاد لعلهم يجدون مهربًا من العذاب فلم يجدوه. ٣٧ - إن في ذلك المذكور من إهلاك الأمم السابقة لتذكيرًا وموعظة لمن كان له قلب يعقل به، أو أنصت بسمعه حاضر القلب، غير غافل. ٣٨ - ولقد خلقنا السماوات، وخلقنا الأرض، وما بين السماوات والأرض؛ في ستة أيام مع قدرتنا على خلقها في لحظة، وما أصابنا من تعب كما تقول اليهود. ٣٩ - فاصبر -أيها الرسول- على ما يقوله اليهود وغيرهم، وصلّ لربك حامدًا إياه صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وصلّ العصر قبل غروبها. ٤ ٠ - ومن الليل فصلّ له، وسبِّحه بعد الصلوات. ٤ ١ - واستمع -أيها الرسول- يوم ينادي المَلَك الموكل بالنفخ في الصُّور النفخة الثانية، من مكان قريب. ٤ ٢ - يوم يسمع الخلائق صيحة البعث بالحق الذي لا مِرْية فيه، ذلك اليوم الذي يسمعونها فيه هو يوم خروج الأموات من قبورهم للحساب والجزاء. ٤٣ - إنا نحن نحيي ونميت، لا محيي غيرنا ولا مميت، وإلينا وحدنا رجوع العباد يوم القيامة للحساب والجزاء. ٤٤ - يوم تتشقق عنهم الأرض فيخرجون مسرعين، ذلك حشر علينا سهل. ٤ ٥ - نحن أعلم بما يقوله هؤلاء المكذبون، وما أنت -أيها الرسول- بمُسَلَّط عليهم فتجبرهم على الإيمان، وإنما أنت مبلغ ما أمرك الله بتبليغه، فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي للكافرين والعصاة؛ لأن الخائف هو الذي يتعظ، ويتذكر إذا ذُكّر. سُورَة الذَّاريَاتِ - مَكيّة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] تعريف المخلوقين بمصدر رزقهم وهو الله تعالى؛ لكي يفروا إليه ويحققوا العبودية له. [التَّفْسِيرُ] ١ - يقسم الله بالرياح التي تذرو التراب. ٢ - وبالسُّحب التي تحمل الماء الغزير. ٣ - وبالسفن التي تجري في البحر بسهولة ويسر. ٤ - وبالملائكة التي تقسم ما أمرها الله بتقسيمه من أمور العباد. ٥ - إن ما يعدكم ربكم به من الحساب والجزاء لَحَقٌّ لا مِرْية فيه. ٦ - وإن حساب العباد لواقع يوم القيامة لا محالة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الاعتبار بوقائع التاريخ من شأن ذوي القلوب الواعية. • خلق الله الكون في ستة أيام لِحِكَم يعلمها الله، لعل منها بيان سُنَّة التدرج. • سوء أدب اليهود في وصفهم الله تعالى بالتعب بعد خلقه السماوات والأرض، وهذا كفر بالله.

стр. 528

٧ - ويقسم الله بالسماء الحسنة الخلق ذات الطرق. ٨ - إنكم -يا أهل مكة- لفي قول متناقض متضارب، تارة تقولون: القرآن سحر، وتارة شعر، وتقولون: محمد ساحر تارة، وتارة شاعر. ٩ - يُصْرف عن الإيمان بالقرآن وبالنبي ﷺ من صُرِف عنه في علم الله؛ لعلمه أنه لا يؤمن، فلا يوفق للهداية. ١٠ - لعن هؤلاء الكذابون الذين قالوا في القرآن وفي نبيهم ما قالوا. ١١ - الذين هم في جهل غافلون عن الدار الآخرة، لا يبالون بها. ١٢ - يسألون: متى يوم الجزاء؟ وهم لا يعملون له. ١٣ - فيجيبهم الله عن سؤالهم: يوم هم على النار يعذبون. ١٤ - يقال لهم: ذوقوا عذابكم، هذا هو الذي كنتم تسألون تعجيله عندما تنذرون به؛ استهزاء. ١٥ - إن المتقين لربهم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه يوم القيامة في بساتين وعيون جارية. ١٦ - آخذين ما أعطاهم ربهم من الجزاء الكريم، إنهم كانوا قبل هذا الجزاء الكريم محسنين في الدنيا. ١٧ - كانوا يصلّون من الليل، لا ينامون إلا زمنًا قليلًا. ١٨ - وفي وقت الأسحار يطلبون المغفرة من الله لذنوبهم. ١٩ - وفي أموالهم حق -يتطوّعون به- للسائل من الناس، وللذي لا يسألهم، ممن حرم الرزق لأي سبب كان. ٢٠ - وفي الأرض وما وضع الله فيها من جبال وبحار وأنهار وأشجار ونبات وحيوان , دلالات على قدرة الله للموقنين أن الله هو الخالق المصور. ٢١ - وفي أنفسكم -أيها الناس- دلالات على قدرة الله، أفلا تبصرون لتعتبروا؟! ٢٢ - وفي السماء رزقكم الدنيوي والديني، وفيها ما توعدون من خير أو شر. ٢٣ - فورب السماء والأرض إن البعث لحق لا شك فيه، كما أنه لا شك في نطقكم حين تنطقون. ٢٤ - هل أتاك -أيها الرسول- حديث ضيوف إبراهيم من الملائكة الذين أكرمهم ﵈؟. ٢٥ - حين دخلوا عليه فقالوا له: سلامًا، قال إبراهيم ردًّا عليهم: سلام، وقال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم. ٢٦ - فمال إلى أهله خفية، فجاء من عندهم بعجل كامل سمين؛ ظنًّا منه أنهم بشر. ٢٧ - فقرّب العجل إليهم، وخاطبهم برفق: ألا تأكلون ما قُدِّم لكم من طعام؟ ٢٨ - فلما لم يأكلوا أضمر في نفسه الخوف منهم ففطنوا له، فقالوا مطمئنين إياه: لا تخفْ، إنا رسل من عند الله، وأخبروه بما يسرّه من أنه يولد له غلام له علم كثير، والمُبَشَّر به هو إسحاق ﵇. ٢٩ - فلما سمعت امرأته البشارة أقبلت تصيح من الفرح، فلطمت وجهها، وقالت متعجبة: أتلد عجوز، وهي في الأصل عقيم! ٣٠ - قال لها الملائكة: ما أخبرناكِ به قاله ربكِ، وما قاله لا رادّ له؛ إنه هو الحكيم في خلقه وتقديره، العليم بخلقه وما يصلح لهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • إحسان العمل وإخلاصه لله سبب لدخول الجنة. • فضل قيام الليل وأنه من أفضل القربات. • من آداب الضيافة: رد التحية بأحسن منها، وتحضير المائدة خفية، والاستعداد للضيوف قبل نزولهم، وعدم استثناء شيء من المائدة، والإشراف على تحضيرها، والإسراع فيه، وتقريبها للضيوف، وخطابهم برفق.

стр. 529

٣١ - قال إبراهيم ﵇ للملائكة: ما شأنكم؟ وما الذي تقصدونه؟ ٣٢ - قال الملائكة جوابًا له: إنا بعثنا الله إلى قوم مجرمين يرتكبون قبائح الذنوب. ٣٣ - لنبعث عليهم حجارة من طين متصلِّب. ٣٤ - معلَّمة عند ربك -يا إبراهيم- تُبْعَث على المتجاوزين لحدود الله المبالغين في الكفر والمعاصي. ٣٥ - فأخرجنا من كان في قرية قوم لوط من المؤمنين حتى لا يصيبهم ما يصيب المجرمين من العذاب. ٣٦ - فما وجدنا في قريتهم هذه غير بيت واحد من المسلمين، هم أهل بيت لوط ﵇. ٣٧ - وتركنا في قرية قوم لوط من آثار العذاب ما يدل على وقوع العذاب عليهم ليعتبر به من يخاف العذاب الموجع الذي أصابهم، فلا يعمل بعملهم لينجو منه. ٣٨ - وفي موسى حين بعثناه إلى فرعون بالحجج الواضحة، آية لمن يخاف العذاب الموجع. ٣٩ - فأعرض فرعون معتدًّا بقوته وجنده عن الحق، وقال عن موسى ﵇: هو ساحر يسحر الناس، أو مجنون يقول ما لا يعقله. ٤٠ - فأخذناه هو وجنوده كلهم فطرحناهم في البحر، فغرقوا وهلكوا، وفرعون آتٍ بما يلام عليه من التكذيب وادعاء أنه إله. ٤١ - وفي عاد قوم هود آية لمن يخاف العذاب الموجع حين بعثنا عليهم الريح التي لا تحمل مطرًا ولا تلقح شجرًا، ولا بركة فيها. ٤٢ - ما تترك من نفس أو مال أو غيرهما أتت عليه إلا دمرته، وتركته كالبالي المتفتت. ٤٣ - وفي ثمود قوم صالح ﵇ آية لمن يخاف العذاب الموجع حين قيل لهم: استمتعوا بحياتكم قبل انقضاء آجالكم. ٤٤ - فتكبروا عن أمر ربهم وعلوا استكبارًا على الإيمان والطاعة، فأخذتهم صاعقة العذاب وهم ينتظرون نزوله، إذ كانوا وعدوا بالعذاب قبل نزوله بثلاثة أيام. ٤٥ - فما استطاعوا أن يدفعوا عنهم ما نزل بهم من العذاب، ولم تكن لهم قوة يمتنعون بها. ٤٦ - وقد أهلكنا قوم نوح بالغرق من قبل هؤلاء المذكورين، إنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله، فاستحقوا عقابه. ٤٧ - والسماء بنيناها، وأتقنّا بناءها بقوة، وإنا لموسعون لأطرافها. ٤٨ - والأرض جعلناها ممهدة للساكنين عليها كالفراش لهم، فنعم الماهدون نحن إذ مهدناها لهم. ٤٩ - ومن كل شيء خلقنا صنفين؛ كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والبر والبحر؛ لعلكم تتذكرون وحدانية الله الذي خلق من كل شيء صنفين، وتتذكرون قدرته. ٥٠ - ففروا من عقاب الله إلى ثوابه، بطاعته وعدم معصيته، إني لكم -أيها الناس- نذير من عقابه بيّن النذارة. ٥١ - ولا تجعلوا مع الله معبودًا آخر تعبدونه من دونه، إني لكم نذير منه بيّن النذارة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الإيمان أعلى درجة من الإسلام. • إهلاك الله للأمم المكذبة درس للناس جميعًا. • الخوف من الله يقتضي الفرار إليه سبحانه بالعمل الصالح، وليس الفرار منه.

стр. 530

٥ ٢ - مثل ذلك التكذيب الذي كذب به أهل مكة كذبت الأمم السابقة، فما جاءهم من رسول من عند الله إلا قالوا عنه: هو ساحر، أو مجنون. ٥ ٣ - أتواصى المتقدمون من الكفار والمتأخرون منهم على تكذيب الرسل؟! لا، بل جمعهم على هذا طغيانهم. ٥ ٤ - فأعرض -أيها الرسول- عن هؤلاء المكذبين، فما أنت بملوم، فقد بلغتهم ما أرسلت به إليهم. ٥٥ - ولا يمنعك إعراضك عنهم من وعظهم، وتذكيرهم، فعظهم وذكّرهم، فإن التذكير ينفع أهل الإيمان بالله. ٥ ٦ - وما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتي وحدي، ما خلقتهم ليجعلوا لي شريكًا. ٥ ٧ - ما أريد منهم رزقًا، ولا أريد منهم أن يطعموني. ٥ ٨ - إن الله هو الرزاق لعباده، فالجميع محتاجون إلى رزقه، ذو القوة المتين الذي لا يغلبه شيء، وجميع الجن والإنس خاضعون لقوّته سبحانه. ٥ ٩ - فإن للذين ظلموا أنفسهم بتكذيبك -أيها الرسول- نصيبًا من العذاب مثل نصيب أصحابهم السابقين، له أجل محدد، فلا يطلبوا مني تعجيله قبل أجله. ٦٠ - فهلاك وخسار للذين كفروا بالله، وكذَّبوا رسولهم من يوم القيامة الذي يوعدون فيه بإنزال العذاب عليهم. سُورَة الطُّورِ - مَكيّة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] دحض شبهات المكذبين من خلال عرض الحجج والبراهين، إرغامًا على الإذعان والتسليم. [التَّفْسِيرُ] ١ - أقسم الله بالجبل الذي كلّم عليه موسى ﵇. ٢ - وأقسم بالكتاب الذي هو مسَطَّر. ٣ - في ورق مبسوط مفتوح كالكتب المنزلة. ٤ - وأقسم بالبيت الذي تعمره الملائكة في السماء بعبادة الله. ٥ - وأقسم بالسماء المرفوعة التي هي سقف الأرض. ٦ - وأقسم بالبحر المملوء ماء. ٧ - إن عذاب ربك -أيها الرسول- لواقع لا محالة على الكافرين. ٨ - ليس له من دافع يدفعه عنهم، ويمنعهم من وقوعه بهم. ٩ - يوم تتحرك السماء تحركًا، وتضطرب إيذانًا بالقيامة. ١٠ - وتسير الجبال من مواقعها سيرًا. ١١ - فهلاك وخسار في ذلك اليوم للمكذبين بما وعد الله الكافرين به من العذاب. ١٢ - الذين هم في خوض في الباطل يلعبون، لا يبالون ببعث ولا نشور. ١٣ - يوم يُدْفعون بشدّة وعنف إلى نار جهنم دفعًا. ١٤ - ويقال توبيخًا لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون عندما تخوفكم رسلكم منها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الكفر ملة واحدة وإن اختلفت وسائله وتنوع أهله ومكانه وزمانه. • شهادة الله لرسوله ﷺ بتبليغ الرسالة. • الحكمة من خلق الجن والإنس تحقيق عبادة الله بكل مظاهرها. • سوف تتغير أحوال الكون يوم القيامة.

стр. 531

١٥ - أفسحر هذا الذي عاينتموه من العذاب؟! أم أنتم لا تعاينونه؟! ١٦ - ذوقوا حرّ هذه النار وعانوها، فاصبروا على معاناة حرّها، أو لا تصبروا عليه، سواء صبركم وعدم صبركم، لا تجزون اليوم إلا ما كنتم تعملون في الدنيا من الكفر والمعاصي. ولما ذكر الله جزاء المكذبين، ذكر جزاء المصدقين المتقين، فقال: ١٧ - إن المتقين لربهم -بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه- في جنات ونعيم عظيم لا ينقطع. ١٨ - يتفكهون بما أعطاهم الله من لذائذ المأكل والمشرب والمنكح، ووقاهم ربهم سبحانه عذاب الجحيم؛ ففازوا بحصول مطلوبهم من الملذات، وبوقايتهم من المكدرات. ١٩ - ويقال لهم: كلوا واشربوا مما اشتهته أنفسكم، هنيئًا، لا تخافون ضررًا ولا أذى مما تأكلون أو تشربون؛ جزاء لكم على أعمالكم الطيبة في الدنيا. ٢٠ - متكئون على الأرائك المزينة قد جعلت متقابلة بعضها إلى جانب بعض، وزوجناهم بنساء بيض واسعات العيون. ٢١ - والذين آمنوا واتبعهم أولادهم في الإيمان، ألحقنا بهم أولادهم لتقرّ أعينهم بهم، ولو لم يبلغوا أعمالهم، وما نقصناهم شيئًا من ثواب أعمالهم، كل إنسان محبوس بما كسبه من عمل سيئ لا يحمل عنه غيره من عمله شيئًا. ٢٢ - وأمددنا أهل الجنة هؤلاء بصنوف من الفاكهة، وأمددناهم بكل ما اشتهوه من لحم. ٢٣ - يتعاطون في الجنة كأسًا لا يترتب على شربها ما يترتب عليها في الدنيا، من الكلام الباطل والإثم بسبب السكر. ٢٤ - ويدور عليهم غلمان سخروا لخدمتهم كأنهم في صفاء بشرتهم وبياضها لؤلؤ محفوظ في أصدافه. ٢٥ - وأقبل بعض أهل الجنة على بعض، يسأل بعضهم بعضًا عن حالهم في الدنيا. ٢٦ - فيجيبونهم: إنا كنا في الدنيا بين أهلينا خائفين من عذاب الله. ٢٧ - فمنّ الله علينا بالهداية إلى الإسلام، ووقانا العذاب البالغ في الحرارة. ٢٨ - إنا كنّا في حياتنا الدنيا نعبده، وندعوه أن يقينا عذاب النار، إنه هو المحسن الصادق في وعده لعباده، الرحيم بهم، ومن برّه ورحمته بنا أن هدانا للإيمان، وأدخلنا الجنة. وأبعدنا عن النار. ٢٩ - فذكّر -أيها الرسول- بلقرآن، فلست بما أنعم الله عليك به من الإيمان والعقل بكاهنٍ لكَ رَئِيٌّ من الجن، ولست بمجنون. ٣٠ - أم يقول هؤلاء المكذبون: إن محمدًا ليس رسولًا، بل هو شاعر ننتظر به أن يتخطفه الموت، فنستريح منه. ٣١ - قل لهم -أيها الرسول-: انتظروا موتي، وأنا أنتظر ما يحلّ بكم من عذاب بسبب تكذيبكم إياي. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الجمع بين الآباء والأبناء في الجنة في منزلة واحدة وإن قصر عمل بعضهم إكرامًا لهم جميعًا حتى تتم الفرحة. • خمر الآخرة لا يترتب على شربها مكروه. • من خاف من ربه في دنياه أمّته في آخرته.

стр. 532

٣٢ - بل أتأمرهم عقولهم بقولهم: إنه كاهن ومجنون؟! فيجمعون بين ما لا يجتمع في شخص، بل هم قوم متجاوزون للحدود، فلا يرجعون إلى شرع ولا عقل. ٣٣ - أم يقولون: إن محمدًا اختلق هذا القرآن، ولم يوحَ إليه به؟! لم يختلقه، بل هم يستكبرون عن الإيمان به، فيقولون: اختلقه. ٣٤ - فليأتوا بحديث مثله ولو كان مُخْتَلَقًا إن كانوا صادقين في دعواهم أنه اختلقه. ٣٥ - أم خُلقوا من غير خالق يخلقهم؟! أم هم الخالقون لأنفسهم؟! لا يمكن وجود مخلوق دون خالق، ولا مخلوق يخلق، فلم لا يعبدون خالقهم؟! ٣٦ - أم خلقوا السماوات والأرض؟! بل لا يوقنون أن الله هو خالقهم، إذ لو أيقنوا ذلك لوحَّدوه، ولآمنوا برسوله. ٣٧ - أم عندهم خزائن ربك من الرزق فيمنحوه من يشاؤون، ومن النبوّة فيعطوها ويمنعوها من أرادوا؟! أم هم المُتَسلِّطون المتصرفون حسب مشيئتهم؟! ٣٨ - أم لهم مِرْقَاة يرقون بها إلى السماء يستمعون فيها إلى وحي الله يوحيه أنهم على حق؟! فليأت من استمع منهم إلى ذلك الوحي بحجة واضحة تصدقكم فيما تدّعونه من أنكم على حق. ٣٩ - أم له البنات التي تكرهونها، ولكم البنون الذين تحبّونهم؟! ٤٠ - أم تطلب منهم -أيها الرسول- أجرًا على ما تبلغهم عن ربك؟! فهم بسبب ذلك مكلفون حِملًا لا يقدرون على حمله. ٤١ - أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون للناس ما يطلعون عليه من الغيوب، فيخبرونهم بما شاؤوا منها؟! ٤٢ - أم يريد هؤلاء المكذبون كيدًا بك وبدينك؟! فثقْ بالله، فالذين كفروا بالله وبرسوله هم الممكور بهم، لا أنت. ٤٣ - أم لهم معبود بحق غير الله؟! تنزه الله وتقدس عما ينسبونه إليه من الشريك. كل ما تقدم لم يكن ولا يتصور بحال. ٤٤ - وإن يروا قطعًا من السماء ساقطة يقولوا عنه: هذا سحاب متراكم بعضه على بعض كالعادة، فلا يتعظون، ولا يؤمنون. ٤٥ - فاتركهم -أيها الرسول- في عنادهم وجحودهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يعذبون، وهو يوم القيامة. ٤٦ - يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئًا قليلًا أو كثيرًا، ولا هم ينصرون بإنقاذهم من العذاب. ٤٧ - وإن للذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي عذابًا قبل عذاب الآخرة؛ في الدنيا بالقتل والسبي، وفي البَرْزَخ بعذاب القبر، ولكنّ معظمهم لا يعلمون ذلك، فلذلك يقيمون على كفرهم. ولما بيّن الله بطلان ما عليه المشركون أمر رسوله بعدم المبالاة بهم، وبالصبر على تكذيبهم فقال: ٤٨ - واصبر -أيها الرسول- لقضاء ربك، ولحكمه الشرعي، فإنك بمرأى منا وحفظ، وسبح بحمد ربك حين تقوم من نومك. ٤٩ - ومن الليل فسبّح ربك، وصلّ له، وصلّ صلاة الفجر حين إدبار النجوم بأفولها بضوء النهار. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الطغيان سبب من أسباب الضلال. • أهمية الجدال العقلي في إثبات حقائق الدين. • ثبوت عذاب البَرْزَخ.

стр. 533

سُورَة النَّجمِ - مَكيّة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان صدق الوحي وعلو مصدره، إثباتًا لعقيدة التوحيد، وإبطالًا لعقيدة الشرك. [التَّفْسِيرُ] ١ - أقسم سبحانه بالنجم إذا سقط. ٢ - ما انحرف محمد رسول الله ﷺ عن طريق الهداية، وما صار غويًّا، ولكنه رشيد. ٣ - وما يتكلم بهذا القرآن تبعًا لهواه. ٤ - ليس هذا القرآن إلا وحيًا يوحيه الله إليه عن طريق جبريل ﵇. ٥ - علمه إياه ملك شديد القوة هو جبريل ﵇. ٦ - وجبريل ﵇ ذو هيئة حسنة، فاستوى ﵇ ظاهرًا للنبي ﷺ على هيئته التي خلقه الله عليها. ٧ - ثم اقترب جبريل ﵇ من النبي ﷺ ، ثم ازداد قربًا منه. ٩ - فكان قربه منه بمقدار قوسين أو هو أقرب. ١٠ - فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ﷺ ما أوحى. ١١ - ما كذب قلب محمد ﷺ ما رآه بصره. ١٢ - أفتجادلونه -أيها المشركون- فيما أراه الله ليلة أسرى به؟! ١٣ - ولقد رأى محمد ﷺ جبريل على صورته مرة أخرى ليلة أسري به. ١٤ - عند سدرة المنتهى وهي شجرة عظيمة جدًّا في السماء السابعة. ١٥ - عند هذه الشجرة جنة المأوى. ١٦ - إذ يغشى السدرة من أمر الله شيء عظيم، لا يعرف كنهه إلا الله. ١٧ - ما مال بصره ﷺ يمينًا ولا شمالًا، ولا تجاوز ما حدّ له. ١٨ - لقد رأى محمد ﷺ ليلة عرج به من آيات ربه العظمى الدالة على قدرته، فرأى الجنة، ورأى النار، وغيرهما. ١٩ - أفرأيتم -أيها المشركون- هذه الأصنام التى تعبدونها من دون الله: اللات والعزى. ٢٠ - ومناة الثالثة الأخرى من أصنامكم. أخبروني هل تملك لكم نفعًا أو ضرًّا؟! ٢١ - ألكم -أيها المشركون- الذكر الذي تحبونه، وله سبحانه الأنثى التي تكرهونها؟! ٢٢ - تلك القسمة التي قسمتموها بأهوائكم قسمة جائرة. ٢٣ - ليست هذه الأصنام إلا أسماء فارغة من المعنى، فلا حظ لها في صفات الألوهية، سميتموها أنتم وآباؤكم من تلقاء أنفسكم، ما أنزل الله بها من برهان، لا يتبع المشركون في اعتقادهم إلا الظن وما تهواه أنفسهم مما زيّنه الشيطان في قلوبهم، ولقد جاءهم من ربهم الهدى على لسان نبيه ﷺ ، فما اهتدوا به. ٢٤ - أم للإنسان ما تمنى من شفاعة الأصنام إلى الله؟! ٢٥ - لا، ليس له ما تمنى، فللَّه وحده الآخرة والأولى، يعطي منهما ما يشاء ويمنع ما يشاء. ٢٦ - وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا لو أرادوا أن يشفعوا لأحد إلا بعد أن يأذن الله في الشفاعة لمن يشاء منهم، ويرضى عن المشفوع له، فلن يأذن الله لمن جعل شريكًا أن يشفع، ولن يرضى عن مشفوعه الذي يعبده من دون الله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • كمال أدب النبي ﷺ حيث لم يَزغْ بصره وهو في السماء السابعة. • سفاهة عقل المشركين حيث عبدوا شيئًا لا يضر ولا ينفع، ونسبوا لله ما يكرهون واصطفوا لهم ما يحبون. • الشفاعة لا تقع إلا بشرطين: الإذن للشافع، والرضا عن المشفوع له.

стр. 534

٢٧ - إن الذين لا يؤمنون بالبعث في الدار الآخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى باعتقادهم أنهم بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. ٢٨ - وليس لهم بتسميتها إناثًا من علم يستندون إليه، لا يتبعون في ذلك إلا التخرص والوهم، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا حتى يقوم مقامه. ٢٩ - فأعرض -أيها الرسول- عمن أدبر عن ذكر الله ولم يعبأ به، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، فهو لا يعمل لآخرته؛ لأنه لا يؤمن بها. ٣٠ - ذلك الذي يقوله هؤلاء المشركون -من تسمية الملائكة تسمية الأنثى- هو حدهم الذي يصلون إليه من العلم لأنهم جاهلون، لم يصلوا إلى يقين، إن ربك -أيها الرسول- هو أعلم بمن حاد عن سبيل الحق، وهو أعلم بمن اهتدى إلى طريقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك. ٣١ - وله وحده ما في السماوات، وله ما في الأرض ملكًا وخلقًا وتدبيرًا، ليجزي الذين أساؤوا أعمالهم في الدنيا بما يستحقون من العذاب، ويجزي المؤمنين الذين أحسنوا أعمالهم بالجنة. ٣٢ - الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب، وقبائح المعاصي إلا صغائر الذنوب، فهذه تغفر بترك الكبائر، والإكثار من الطاعات، إن ربك -أيها الرسول- واسع المغفرة، يغفر ذنوب عباده متى تابوا منها، هو سبحانه أعلم بأحوالكم وشؤونكم حين خلق أباكم آدم من تراب، وحين كنتم حملًا في بطون أمهاتهم تُخْلقون خلقًا من بعد خلق، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فلا تمدحوا أنفسكم بالثناء عليها بالتقوى، فهو سبحانه أعلم بمن اتقاه؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ٣٣ - أفرأيت قبح حال الذي أعرض عن الإسلام بعد اقترابه منه. ٣٤ - وأعطى قليلًا من المال ثم منع؛ لأن البخل سجيته، ومع ذلك هو يزكي نفسه. ٣٥ - أعنده علم الغيب فهو يرى ويُحدِّث بالغيب؟! ٣٦ - أم هو مفترٍ على الله؟! أم لم يُخْبَر هذا المتقوّل على الله بما في الصحف الأولى التي أنزلها الله على موسى؟ ٣٧ - وصحف إبراهيم الذي أدى كل ما كلفه ربه به وأتمه. ٣٨ - أنه لا يحمل إنسان إثم غيره. ٣٩ - وأنه ليس للإنسان إلا ثواب عمله الذي عمله. ٤٠ - وأن عمله سوف يرى يوم القيامة عيانًا. ٤١ - ثم يُعْطَى جزاء عمله تامًّا غير منقوص. ٤٢ - وأن إلى ربك -أيها الرسول- مرجع العباد ومصيرهم بعد موتهم. ٤٣ - وأنه هو أفرح من يشاء فأضحكه، وأحزن من يشاء فأبكاه. ٤٤ - وأنه أمات الأحياء في الدنيا، وأحيا الموتى بالبعث. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر. • خطورة التقوُّل على الله بغير علم. • النهي عن تزكية النفس.

стр. 535

٤ ٥ - وأنه خلق الصنفين: الذكر والأنثى. ٤ ٦ - من نطفة إذا وضعت في الرحم. ٤٧ - وأن عليه إعادة خلقهما بعد موتهما للبعث. ٤٨ - وأنه أغنى من شاء من عباده بتمليكه المال وأعطى من المال ما يتخذه الناس قنية يقتنونه. ٤٩ - وأنه هو رب الشِّعْرى النجم الذي يعبده بعض المشركين مع الله. ٥٠ - وأنه أهلك عادًا الأولى؛ وهم قوم هود لمَّا أصرّوا على كفرهم. ٥ ١ - وأهلك ثمود قوم صالح، فلم يُبْقِ منهم أحدًا. ٥ ٢ - وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمودٍ، إن قوم نوح كانوا أشدّ ظلمًا، وأعظم طغيانًا من عاد وثمود؛ لأن نوحًا مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى توحيد الله، فلم يستجيبوا له. ٥ ٣ - وقرى قوم لوط رفعها إلى السماء، ثم قلبها، ثم أسقطها إلى الأرض. ٥٤ - فغطاها وأصابها من الحجارة ما غطاها بعد رفعها إلى السماء وإسقاطها على الأرض. ٥٥ - فبأي آيات ربك الدالة على قدرته تجادل أيها الإنسان فلا تتعظ بها؟! ٥٦ - هذا الرسول المرسل إليكم من جنس الرسل الأولى. ٥٧ - اقتربت القيامة القريبة. ٥٨ - ليس لها دافع يدفعها، ولا مطلع يطلع عليها إلا الله. ٥٩ - أفمن هذا القرآن الذي يُتْلى عليكم تعجبون أن يكون من عند الله؟! ٦٠ - وتضحكون منه استهزاءً، ولا تبكون عند سماع مواعظه؟! ٦١ - وأنتم لاهون عنه، لا تبالون به؟! ٦٢ - فاسجدوا لله وحده، وأخلصوا له العبادة. سُورَة القَمَرِ - مَكيّة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] التذكير بالآيات والنذر، وبيان مصير المكذبين بها؛ ولذا تكرر فيها: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. [التَّفْسِيرُ] ١ - اقترب مجيء الساعة، وانشق القمر في عهد النبي ﷺ ، فكان انشقاقه من آياته ﷺ الحسية. ٢ - وإن يَرَ المشركون دليلًا وبرهانًا على صدقه ﷺ يُعرضوا عن قَبوله، ويقولوا: ما شاهدناه من الحجج والبراهين سحر باطل. ٣ - وكذبوا بما جاءهم من الحق، واتبعوا أهواءهم في التكذيب، وكل أمر -خيرًا كان أو شرًّا- واقع بمستحقه يوم القيامة. ٤ - ولقد جاءهم من أخبار الأمم التي أهلكها الله بكفرها وظلمها ما يكفي لردعهم عن كفرهم وظلمهم. ٥ - والذي جاءهم حكمة تامة لتقوم عليهم الحجة، فما تنفع النذر قومًا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ٦ - فإذ لم يهتدوا فاتركهم -أيها الرسول- وأعرض عنهم منتظرًا يوم يدعو الملك الموكل بالنفخ في الصور إلى أمر فظيع لم تعرف الخلائق مثله من قبل. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عدم التأثر بالقرآن نذير شؤم. • خطر اتباع الهوى على النفس في الدنيا والآخرة. • عدم الاتعاظ بهلاك الأمم صفة من صفات الكفار.

стр. 536

٧ - ذليلة أبصارهم، يخرجون من القبور كأنهم في سعيهم إلى موقف الحساب جراد منتشر. ٨ - مسرعين إلى الداعي إلى ذلك الموقف، يقول الكافرون: هذا اليوم يوم عسير؛ لما فيه من الشدة والأهوال. ولما ذكر الله إعراض الكفار عن دعوة رسولنا ﷺ ، أخبره بأن الأمم السابقة كذبت رسلها؛ تسليةً له، فقال: ٩ - كذبت قبل هؤلاء المكذبين بدعوتك -أيها الرسول- قوم نوح، فكذبوا عبدنا نوحًا ﵇ لما بعثناه إليهم، وقالوا عنه: هو مجنون، وانتهروه بأنواع السب والشتم والتهديد إذا لم يترك دعوتهم. ١٠ - فدعا نوح ربه قائلًا: إن قومي غلبوني، ولم يستجيبوا لي، فانتصر منهم بعقاب تنزله عليهم. ١١ - ففتحنا أبواب السماء بماء متدفق متتابع. ١٢ - وفجرنا الأرض فصارت عيونًا ينبع منها الماء، فالتقى الماء النازل من السماء مع الماء النابع من الأرض على أمر من الله قدره في الأزل، فأغرق الجميع إلا من نجاه الله. ١٣ - وحملنا نوحًا على سفينة ذات ألواح ومسامير، فنجيناه ومن معه من الغرق. ١٤ - تجري هذه السفينة في أمواج الماء المتلاطمة بمرأى منا وحفظ، انتصارًا لنوح الذي كذبه قومه، وكفروا بما جاءهم به من عند الله. ١٥ - ولقد تركنا هذا العقاب الذي عاقبناهم به؛ عبرة وعظة، فهل من معتبر يعتبر بذلك؟! ١٦ - فكيف كان عذابي للمكذبين؟! وكيف كان إنذاري بإهلاكي لهم؟! ١٧ - ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟! ١٨ - كذبت عاد نبيها هودًا ﵇، فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟! وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟! ١٩ - إنا بعثنا عليهم ريحًا شديدة باردة في يوم شرّ وشؤم مستمرّ معهم إلى ورودهم جهنم. ٢٠ - تقتلع الناس من الأرض، وترمي بهم على رؤوسهم كأنهم أصول نخل منقلع من مغرسه. ٢١ - فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟! وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟! ٢٢ - ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟! ٢٣ - كذبت ثمود بما أنذرهم به رسولهم صالح ﵇. ٢٤ - فقالوا مستنكرين: أنتبع بشرًا من جنسنا واحدًا؟! إنا إن اتبعناه في هذه الحالة لفي بعد عن الصواب وانحراف عنه، وفي عناء. ٢٥ - أأنزل عليه الوحي وهو واحد، واختص به دوننا جميعًا؟! لا، بل هو كذاب متجبر. ٢٦ - سيعلمون يوم القيامة من الكذاب المتجبر أصالح أم هم؟ ٢٧ - إنا مخرجو الناقة من الصخرة وباعثوها اختبارًا لهم فانتظر يا صالح -وراقب مايصنعون بها وما يُصْنَع بهم، واصبر على أذاهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مشروعية الدعاء على الكافر المصرّ على كفره. • إهلاك المكذبين وإنجاء المؤمنين سُنَّة إلهية. • تيسير القرآن للحفظ وللتذكر والاتعاظ.

стр. 537

٢٨ - وأخبرهم أن ماء بئرهم مقسوم بينهم وبين الناقة؛ يوم لها، ويوم لهم، كل نصيب يحضره صاحبه وحده في يومه المختص به. ٢٩ - فنادوا صاحبهم ليقتل الناقة، فتناول السيف وقتلها؛ امتثالًا لأمر قومه. ٣٠ - فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟! وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟! ٣١ - إنا بعثنا عليهم صيحة واحدة فأهلكتهم، فكانوا كالشجر اليابسى يتخذ منه المُحْتَظِر حظيرة لغنمه. ٣٢ - ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟! ٣٣ - كذبت قوم لوط بما أنذرهم به رسولهم لوط ﵇. ٣٤ - إنا بعثنا عليهم ريحًا ترميهم بالحجارة إلا آل لوط ﵇، لم يصبهم العذاب، فقد أنقذناهم منه؛ إذ سرى بهم قبل وقوع العذاب من آخر الليل. ٣٥ - أنقذناهم من العذاب إنعامًا منا عليهم، مثل هذا الجزاء الذي جزينا به لوطًا نجزي من شكر الله على نعمه. ٣٦ - ولقد خوّفهم لوط عذابنا فتجادلوا بإنذاره، وكذبوه. ٣٧ - ولقد راود لوطًا قومُهُ أن يخلي بينهم وبين ضيوفه من الملائكة قصد فعل الفاحشة، فطمسنا أعينهم فلم تبصرهم، وقلنا لهم: ذوقوا عذابي، ونتيجة إنذاري لكم. ٣٨ - ولقد جاءهم في وقت الصباح عذاب مستمرّ معهم حتى يَردُوا الآخرة فيأتيهم عذابها. ٣٩ - وقيل لهم: ذوقوا عذابي الذي أنزلته بكم، ونتيجة إنذار لوط لكم. ٤٠ - ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟! ٤١ - ولقد جاء آلَ -فرعون إنذارنا على لسان موسى وهارون ﵇. ٤٢ - كذبوا بالبراهين والحجج التي جاءتهم من عندنا، فعاقبناهم على تكذيبهم بها عقوبة عزيز لا يغلبه أحد، مقتدر لا يعجز عن شيء. ٤٣ - أَكُفَّاركم -يا أهل مكة- خير من أولئكم الكفار المذكورين: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وقومه؟! أم لكم براءة من عذاب الله جاءت بها الكتب السماوية؟! ٤٤ - بل أيقول هؤلاء الكفار من أهل مكة: نحن جميع منتصر ممن يريدنا بسوء، ويريد تفريق جَمْعنا؟! ٤٥ - سَيُهْزم جَمْعُ هؤلاء الكفار ويولّون الأدبار أمام المؤمنين، وقد حدث هذا يوم بدر. ٤٦ - بل الساعة التي يكذبون بها موعدهم الذي يعذبون فيه، والساعة أعظم وأقسى مما لقوه من عذاب الدنيا يوم بدر. ٤٧ - إن المجرمين بالكفر والمعاصي في ضلال عن الحق، وعذاب وعناء. ٤٨ - يوم يجرّون في النار على وجوههم، ويقال لهم توبيخًا: ذوقوا عذاب النار. ٤٩ - إنا كل شيء في الكون خلقناه بتقدير سابق منّا، ووفق علمنا ومشيئتنا، وما كتبناه في اللوح المحفوظ. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • شمول العذاب للمباشر للجريمة والمُتَمالئ معه عليها. • شُكْر الله على نعمه سبب السلامة من العذاب. • إخبار القرآن بهزيمة المشركين يوم بدر قبل وقوعها من الإخبار بالغيب الدال على صدق القرآن. • وجوب الإيمان بالقدر.

стр. 538

٥ ٠ - وما أَمْرنا إذا أردنا شيئًا إلا أن نقول كلمة واحدة هى: كن، فيكون ما نريد سريعًا مثل لمح البصر. ٥ ١ - ولقد أهلكنا أمثالكم في الكفر من الأمم الماضية، فهل من معتبر يعتبر بذلك فينزجر عن كفره؟! ٥ ٢ - وكل شيء فعله العباد فهو مكتوب في كتب الحَفَظة لا يفوتهم منه شيء. ٥ ٣ - وكل صغير من الأعمال والأقوال، وكل كبير منها؛ مكتوب في صحائف الأعمال وفي اللوح المحفوظ، وسيجازون عليه. ٥ ٤ - إن المتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، في جنات يتنعمون فيها، وفي أنهار جارية. ٥٥ - في مجلس حق لا لَغْو فيه ولا إثم، عند مليك يملك كل شيء، مقتدر لا يعجز عن شيء، فلا تسأل عما ينالونه منه من النعيم الدائم. سُورَة الرّحَمن - مَدَنيّة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] الإعلام بآلاء الله الباهرة وآثار رحمته الظاهرة في الدنيا والآخرة، ترغيبًا في الإيمان، وتحذيرًا من الكفران. [التَّفْسِيرُ] ١ - الرحمن ذو الرحمة الواسعة. ٢ - علم الناس القرآن بتسهيل حفظه، وتيسير فهم معانيه. ٣ - خلق الإنسان سويًّا، وأحسن تصويره. ٤ - علّمه كيف يُبِين عمَّا في ضميره نطقًا وكتابة. ٥ - الشمس والقمر قَدَّرهما؛ يسيران بحساب متقن؛ ليعلم الناس عدد السنين والحساب. ٦ - وما لا ساق له من النبات والشجر يسجدان لله سبحانه منقادَين مستسلمَينِ له. ٧ - والسماء رفعها فوق الأرض سقفًا لها، وأثبت العدل في الأرض، وأمر به عباده. ٨ - أثبت العدل لئلا تجوروا -أيها الناس- وتخونوا في الوزن والكيل. ٩ - وأقيموا الوزن بينكم بالعدل، ولا تنقصوا الوزن أو الكيل إذا كلتم أو وزنتم لغيركم. ١٠ - والأرض وضعها مُهَيَّأة لاستقرار الخلق عليها. ١١ - فيها الأشجار التي تثمر الفواكه، وفيها النخل ذات الأوعية التي يكون منها التمر. ١٢ - وفيها الحب ذو التِّبْن كالبُر والشعير، وفيها النباتات التي تستطيبون رائحتها. ١٣ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ١٤ - خلق آدم ﵇ من طين يابس تسمع له صلصلة، مثل الطين المطبوخ. ١٥ - وخلق أبا الجن من لهب خالص من الدخان. ١٦ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ١٧ - رب مَشْرِقَي الشمس ومغربيها شتاءً وصيفًا. ١٨ - فبأي نعمَ الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس - تكذبان؟! [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • كتابة الأعمال صغيرها وكبيرها في صحائف الأعمال. • ابتداء الرحمن بذكر نعمه بالقرآن دلالة على شرف القرآن وعظم منته على الخلق به. • مكانة العدل في الإسلام. • نعم الله تقتضي منا العرفان بها وشكرها، لا التكذيب بها وكفرها.

стр. 539

١٩ - خلط الله البحرين المالح والعَذْب يلتقيان فيما تراه العين. ٢٠ - بينهما حاجز يمنع كلًّا منهما أن يطغى على الآخر حتى يبقى العَذْب عَذْبًا والمالح مالحًا. ٢١ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٢٢ - يخرج من مجموع البحرين كبار الدُّر وصغاره. ٢٣ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٢٤ - وله وحده التصرف في السفن الجارية في البحار مثل الجبال. ٢٥ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٢٦ - كل من على وجه الأرض من الخلائق هالك لا محالة. ٢٧ - ويبقى وجه ربك -أيها الرسول- ذو العظمة والإحسان والتفضل على عباده، فلا يلحقه فناء أبدًا. ٢٨ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٢٩ - يسأله كل من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الجن والإنس؛ حاجاتِهم، كل يوم هو في شأن من شؤون عباده؛ من إحياء وإماتة ورزق وغير ذلك. ٣٠ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٣١ - سنفرغ لحسابكم -أيها الإنس والجن- فنجازي كلًّا بما يستحقه من ثواب أو عقاب. ٣٢ - فبأى نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ناحية من نواحي السماوات والأرض فافعلوا، ولن تستطيعوا أن تفعلوا ذلك إلا بقوة وبينة، وأنَّى لكم ذلك؟ ٣٤ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٣٥ - يُرْسَل عليكما -أيها الإنس والجن- لهب من النار خالٍ من الدخان، ودخان لا لهب فيه، فلا تستطيعان الامتناع من ذلك. ٣٦ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٣٧ - فإذا تشققت السماء لنزول الملائكة منها فكانت حمراء مثل الدهن في إشراق لونه. ٣٨ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٣٩ - ففي ذلك اليوم العظيم لا يُسْأل إنس ولا جنّ عن ذنوبهم؛ لعلم الله بأعمالهم. ٤٠ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٤١ - يُعْرف المجرمون يوم القيامة بعلامتهم وهي سواد الوجوه وزرقة العيون، فتُضَمّ نواصيهم إلى أقدامهم فيرمون في جهنم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الجمع بين البحر المالح والعَذْب دون أن يختلطا من مظاهر قدرة الله تعالى. • ثبوت الفناء لجميع الخلائق، وبيان أن البقاء لله وحده حصٌّ للعباد على التعلق بالباقي -سبحانه- دون من سواه. • إثبات صفة الوجه لله على ما يليق به سبحانه دون تشبيه أو تمثيل. • تنويع عذاب الكافر.

стр. 540

٤٧ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٤٣ - ويقال لهم توبيخًا: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون في الدنيا أمام أعينهم لا يستطيعون إنكارها. ٤٤ - يتردَّدون بينها وبين ماء حارٍّ شديد الحرارة. ٤٥ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٤٦ - وللذي خاف القيام بين يدي ربه في الآخرة فآمن وعمل صالحًا، جنتان. ٤٧ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٤٨ - وهاتان الجنتان ذواتا أغصان عظيمة نضرة مثمرة. ٤٩ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٥٠ - في الجنتين عينان تجريان خلالهما بالماء. ٥١ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٥٢ - فيهما من كل فاكهة يُتَفَكَّه بها صنفان. ٥٣ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٥٤ - متكئين على فرش بطائنها من الديباج الغليظ، وما يُجْنى من الثمار والفواكه من الجنتين قريب يتناوله القائم والجالس والمتكئ. ٥٥ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٥٦ - فيهن نساء قصرن نظرهنّ على أزواجهنّ، لم يَفْتَضِضْ بكارتهنّ قبل أزواجهنّ إنس ولا جانّ. ٥٧ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٥٨ - كأنهنّ الياقوت والمرجان جمالًا وصفاء. ٥٩ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٦٠ - ما جزاء من أحسن بطاعة ربه إلا أن يحسن الله جزاءه؟! ٦١ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٦٢ - ومن دون هاتين الجنتين المذكورتين جنتان أخريان. ٦٣ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٦٤ - قد اشتدّت خضرتهما. ٦٥ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٦٦ - في هاتين الجنتين عينان شديدتا الفَوَران بالماء، لا ينقطع فَوَران مائهما. ٦٧ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٦٨ - في هاتين الجنتين فاكهة كثيرة ونخل عظيم ورُمَّان. ٦٩ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أهمية الخوف من الله واستحضار رهبة الوقوف بين يديه. • مدح نساء الجنة بالعفاف دلالة على فضيلة هذه الصفة في المرأة. • الجزاء من جنس العمل.

стр. 541

٧ ٠ - في هذه الجنان نساء طيبات الأخلاق حسان الوجوه. ٧ ١ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٧ ٢ - حور مستورات في الخيام صونًا لهنّ. ٧ ٣ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٧ ٤ - لم يقترب منهنَّ قبل أزواجهنّ إنس ولا جانّ. ٧ ٥ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٧ ٦ - متكئين على وسائد مغطاة بأغطية خضر، وفرش حسان. ٧٧ - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ٧ ٨ - تعاظم وكثر خير اسم ربك ذي العظمة والإحسان والتفضل على عباده. سُورَةُ الوَاقعَة - مَكيّة- [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] التخويف بيوم القيامة، وتحقق وقوعه وأصناف الناس فيه وبيان جزاء كل منهم. [التَّفْسِيرُ] ١ - إذا قامت القيامة لا محالة. ٢ - لن توجد نفس تكذّب بها كما كانت تكذّب في الدنيا. ٣ - خافضة للكفار الفجار بإدخالهم في النار، رافعة للمؤمنين المتقين بإدخالهم في الجنة. ٤ - إذا حُرِّكت الأرض تحريكًا عظيمًا. ٥ - وفُتِّتت الجبال تفتيتًا. ٦ - فكانت من التفتيت غبارًا منتشرًا لا ثبات لها. ٧ - وكنتم أصنافًا ثلاثة في ذلك اليوم: ٨ - فأصحاب اليمين الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ما أعلى وأعظم منزلتهم! ٩ - وأصحاب الشمال الذين يأخذون كتبهم بشمائلهم، ما أخسّ وأسوأ منزلتهم! ١٠ - والسابقون بفعل الخيرات في الدنيا هم السابقون في الآخرة لدخول الجنة. ١١ - أولئك هم المقربون عند الله. ١٢ - في جنات النعيم، يتنعمون بأصناف النعيم. ١٣ - جماعة من هذه الأمة ومن الأمم السابقة. ١٤ - وقليل من الناس في آخر الزمان هم السابقون المقربون. ١٥ - على أَسِرّة منسوجة بالذهب. ١٦ - متكئين على هذه الأسرّة متقابلين بوجوههم، لا ينظر أحدهم قفا غيره. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • دوام تذكر نعم الله وآياته سبحانه موجب لتعظيم الله وحسن طاعته. • انقطاع تكذيب الكفار بمعاينة مشاهد القيامة. • تفاوت درجات أهل الجنة بتفاوت أعمالهم.

стр. 542

١٧ - يدور عليهم لخدمتهم وِلْدان لا ينالهم هَرَم ولا فناء. ١٨ - يدورون عليهم بأقداح لا عُرَا لها، وأباريق لها عُرًا، وكأس من خمر جارية في الجنة لا تنقطع. ١٩ - ليست كخمر الدنيا، فلا يلحق شاربها صداع ولا ذهاب عقل. ٢٠ - ويدور عليهم هؤلاء الوِلْدان بفاكهة مما يختارون. ٢١ - ويدورون بلحم طير مما تشتهيه أنفسهم. ٢٢ - ولهم في الجنة نساء واسعات العيون في جمال. ٢٣ - كأمثال اللؤلؤ المَصُون في صَدَفه. ٢٤ - ثوابًا لهم على ما كانوا يعملونه من الأعمال الصالحات في الدنيا. ٢٥ - لا يسمعون في الجنة فاحش كلام، ولا ما يلحق صاحبه إثم. ٢٦ - لا يسمعون إلا سلام الملائكة عليهم، وسلام بعضهم على بعض. ٢٧ - وأصحاب اليمين، ما أصحاب اليمين؟ يالعظمة مكانتهم وشأنهم عند الله. ٢٨ - في سِدْر مقطوع الشوك، لا أذى فيه. ٢٩ - وفي موز متراكم مصفوف بعضه إلى بعض. ٣٠ - وظل ممدود مستمرّ لا يزول. ٣١ - وماء جار لا يتوقف. ٣٢ - وفاكهة كثيرة لا تنحصر. ٣٣ - لا تنقطع عنهم أبدًا، فليس لها موسم، ولا يحول دونها مانع في أي وقت أرادوها. ٣٤ - وفرش مرفوعة عالية توضع على الأسرّة. ٣٥ - إنا أنشأنا الحور المذكورات إنشاءً غير مألوف. ٣٦ - فصيّرناهنّ أبكارًا لم يُلْمَسن من قبل. ٣٧ - مُتَحَبِّبات إلى أزواجهنّ، مستويات في السنّ. ٣٨ - أنشأناهنّ لأصحاب اليمين الذين يؤخذ بهم ذات اليمين علامة على سعادتهم. ٣٩ - هم جماعة من أمم الأنبياء السابقين. ٤٠ - وجماعة من أمة محمد ﷺ وهي آخر الأمم. ٤١ - وأصحاب الشمال، ما أصحاب الشمال؟ يالسوء حالهم ومصيرهم. ٤٢ - في رياح شديدة الحرارة، وفي ماء شديد الحرارة. ٤٣ - وفي ظل دخان مُسْودٌ. ٤٤ - لا طيّب الهبوب، ولا حسن المنظر. ٤٥ - إنهم كانوا قبل ما صاروا إليه من العذاب مُتَنَعِّمين في الدنيا، لا هَمَّ لهم إلا شهواتهم. ٤٦ - وكانوا يصممون على الكفر بالله وعبادة الأصنام من دونه. ٤٧ - وكانوا ينكرون البعث فيقولون استهزاءً واستبعادًا له: أإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا نَخِرة أنبعث بعد ذلك؟! ٤٨ - أَوَ يبعث آباؤنا الأولون الذين ماتوا قبلنا؟! ٤٩ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنكرين للبعث: إن الأولين من الناس والمتأخرين منهم. ٥٠ - سيُجْمعون يوم القيامة لا محالة للحساب والجزاء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • العمل الصالح سبب لنيل النعيم في الآخرة. • الترف والتنعم من أسباب الوقوع في المعاصي. • خطر الإصرار على الذنب.

стр. 543

٥١ - ثم إنكم -أيها المكدبون بالبعث، الضالون عن الصراط المستقيم-. ٥٢ - لآكلون يوم القيامة من ثمرِ شجرِ الزَّقُّوم، وهو شرّ ثمر وأخبثه. ٥٣ - فمالئون من ذلك الشجر المُرِّ بطونكم الخاوية. ٥٤ - فشاربون عليه من الماء الحار الشديد الحرارة. ٥٥ - فمكثرون من شربه كما تكثر الإبل من الشرب بسبب داء الهُيَام. ٥٦ - هذا المذكور من الطعام المرّ والماء الحارّ هو ضيافتهم التي يُسْتَقبلون بها يوم الجزاء. ٥٧ - نحن خلقناكم -أيها المكذبون- بعد أن كنتم عدمًا، فهلَّا صدَّقتم بأنا سنبعثكم أحياء بعد موتكم؟! ٥٨ - أفرأيتم -أيها الناس- ما تقذفونه من المني في أرحام نسائكم؟! ٥٩ - أأنتم تخلقون ذلك المني، أم نحن الذين نخلقه؟! ٦٠ - نحن قدرنا بينكم الموت، فلكل واحد منكم أجل لا يتقدم عليه ولا يتأخر، وما نحن بعاجزين. ٦١ - على أن نبدل ما أنتم عليه من الخلق والتصوير مما علمتموه، وننشئكم فيما لا تعلمونه من الخلق والتصوير. ٦٢ - ولقد علمتم كيف خلقناكم الخلق الأول، أفلا تعتبرون وتعلمون أن الذي خلقكم أول مرة قادر على بعثكم بعد موتكم؟! ٦٣ - أفرأيتم ما تلقونه من البذر في الأرض؟! ٦٤ - أأنتم الذين تنبتون ذلك البذر، أم نحن الذين ننبته؟! ٦٥ - لو نشاء جعْل ذلك الزرع حطامًا لجعلناه حطامًا بعد أن أوشك على النضج والإدراك، فظللتم بعد ذلك تتعجبون مما أصابه. ٦٦ - تقولون: إنا لمعذبون بخسارة ما أنفقناه. ٦٧ - بل نحن محرومون من الرزق. ٦٨ - أفرأيتم الماء الذي تشربون منه إذا عطشتم؟! ٦٩ - أأنتم أنزلتموه من السحاب في السماء، أم نحن الذين أنزلناه؟! ٧٠ - لو نشاء جعْل ذلك الماء شديد الملوحة لا يُنْتَفع به شربًا ولا سقيًا لجعلناه شديد الملوحة، فلولا تشكرون الله على إنزاله عَذْبًا رحمة بكم. ٧١ - أفرأيتم النار التى توقدونها لمنافعكم؟! ٧٢ - أأنتم الذين أنشأتم الشجرة التي توقَد منها، أم نحن الذين أنشأناها رفقًا بكم؟! ٧٣ - نحن صيّرنا هذه النار تذكرة لكم تذكركم بنار الآخرة، وصيّرناها منفعة للمسافرين منكم. ٧٤ - فنزِّه -أيها الرسول- ربك العظيم عما لا يليق به. ٧٥ - أقسم الله بأماكن النجوم ومواقعها. ٧٦ - وإن القَسَم بهذه المواقع -لو تعلمون عظمه- لعظيم؛ لما فيه من الآيات والعبر التي لا تنحصر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • دلالة الخلق الأول على سهولة البعث ظاهرة. • إنزال الماء وإنبات الأرض والنار التي ينتفع بها الناس نعم تقتضي من الناس شكرها لله، فالله قادر على سلبها متى شاء. • الاعتقاد بأن للكواكب أثرًا في نزول المطر كفر وهو من عادات الجاهلية.

стр. 544

٧٧ - إن القرآن المقروء عليكم -أيها الناس- قرآن كريم؛ لما فيه من المنافع العظيمة. ٧٨ - في كتاب مَصُون عن أعين الناس، وهو اللوح المحفوظ. ٧٩ - لا يمسّه إلا الملائكة المطهَّرون من الذنوب والعيوب. ٨٠ - مُنَزَّل من رب الخلائق على نبيه محمد ﷺ . ٨ ١ - أفبهذا الحديث أنتم - أيها المشركون - مكذبون غير مصدقين؟! ٨ ٢ - وتجعلون شكركم لله على ما رزقكم به من النعم أنكم تكذبون به، فتنسبون المطر إلى النَّوْء، فتقولون: مُطِرنا بنَوْء كذا ونَوْء كذا؟! لما ذكر بعض أدلة البعث أراد أن ينبه على قدرته على الإعادة بالإشارة إلى عجزهم عن دفع الموت، فالذي أمات قادر على أن يحيي. ٨ ٣ - فهلَّا إذا وصلت الروح الحلقوم. ٨٤ - وأنتم في ذلك الوقت تنظرون المُحْتَضِر بين أيديكم. ٨٥ - ونحن بعلمنا وقدرتنا وملائكتنا أقرب إلى ميتكم منكم، ولكن لا تشاهدون هؤلاء الملائكة. ٨٦ - فهلَّا - إن كنتم، كما تزعمون، غير مبعوثين لمجازاتكم على أعمالكم -. ٨٧ - ترجعون هذه الروح التي تخرج من مميتكم إن كنتم صادقين؟! ولا تستطيعون ذلك. ٨٨ - فأما إن كان الميت من السابقين إلى الخيرات. ٨٩ - فله راحة لا تعب بعدها، ورزق طيب، ورحمة، وله جنة يتنعم فيها بما تشتهيه نفسه. ٩٠ - ٩١ - وأما إن كان الميت من أصحاب اليمين فلا تهتمّ لشأنهم، فلهم السلامة المكذبين بما جاء به الرسول ﷺ الضالين عن الصراط المستقيم. ٩٣ - فضيافته التي يستقبل بها ماء حارٌّ شديد الحرارة. ٩٤ - وله احتراق بنار الجحيم. ٩٥ - إن هذا الذي قصصناه عليك -أيها الرسول- لهو حق اليقين الذي لا مِرْية فيه. ٩٦ - فنزِّه اسم ربك العظيم، وقدِّسْه عن النقائص. سُورَة الحَدِيْدِ - مَدَنيّة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بناء القوة الإيمانية والمادية الباعثة على الدعوة والجهاد، وتخليص النفوس من عوائقها؛ ولذا تكرر فيها ذكر الإنفاق والإيمان. [التَّفْسِيرُ] ١ - نزَّهَ اللهَ وقَدَّسه ما في السماوات والأرض من مخلوقاته، وهو العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره. ٢ - له وحده ملك السماوات والأرض، يحيي من يشاء أن يحييه، ويميت من يشاء أن يميته، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء. ٣ - هو الأول الذي لا شيء قبله، وهو الآخر الذي لا شيء بعده، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، وهو بكل شيء عليم، لا يفوته شيء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • شدة سكرات الموت وعجز الإنسان عن دفعها. • الأصل أن البشر لا يرون الملائكة إلا إن أراد الله لحكمة. • أسماء الله (الأول، الآخر، الظاهر، الباطن) تقتضي تعظيم الله ومراقبته في الأعمال الظاهرة والباطنة.

стр. 545

٤ - هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام بدأت بيوم الأحد وانتهت بيوم الجمعة، وهو قادر على خلقها في أقلّ من طرفة عين، ثم علا وارتفع سبحانه على العرش علوًّا يليق به سبحانه، يعلم ما يدخل في الأرض من مطر وبذر وغيرهما، وما يخرج منها من نبات ومعادن وغيرهما، وما ينزل من السماء من المطر والوحي وغيرهما، وما يعرج فيها من الملائكة ومن أعمال العباد وأرواحهم، وهو معكم أينما كنتم -أيها الناس- بعلمه، لا يخفى عليه منكم شيء، والله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها. ٥ - له وحده ملك السماوات وملك الأرض، واليه وحده ترجع الأمور، فيحاسب الخلائق يوم القيامة، ويجازيهم على أعمالهم. ٦ - يدخل الليل على النهار فتأتي الظلمة، وينام الناس، ويدخل النهار على الليل فيأتي الضياء، فينطلق الناس إلى أعمالهم، وهو عليم بما في صدور عباده، لا يخفى عليه شيء منه. ٧ - آمنوا بالله، وآمنوا برسوله، وأنفقوا من المال الذي جعلكم الله مُسْتَخْلَفين فيه، تتصرفون فيه وفق ما شرع لكم، فالذين آمنوا منكم بالله، وبذلوا أموالهم في سبيل الله، لهم ثواب عظيم عنده، وهو الجنة. ٨ - وأي شيء يمنعكم من الإيمان بالله؟! والرسول يدعوكم إلى الله رجاء أن تؤمنوا بربكم سبحانه، وقد أخذ الله منكم العهد أن تؤمنوا به حين أخرجكم من ظهور آبائكم، إن كنتم مؤمنين. ٩ - هو الذي ينزل على عبده محمد ﷺ آيات واضحات؛ ليخرجكم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وإن الله بكم لرؤوف رحيم حين أرسل إليكم نبيه هاديًا وبشيرًا. ١٠ - وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله؟! ولله ميراث السماوات والأرض، لا يستوي منكم -أيها المؤمنون- من أنفق ماله في سبيل الله ابتغاء مرضاته من قبل فتح مكة، وقاتل الكفار لنصرة الإسلام، مع من أنفق بعد الفتح وقاتلوا الكفار؛ أولئك المنفقون من قبل الفتح والمقاتلون في سبيل الله، أعظم منزلة عند الله وأرفع درجة من الذين أنفقوا أموالهم في سبيله بعد فتحها وقاتلوا الكفار؛ وقد وعد الله كِلا الفريقين الجنة، والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها. ١١ - من ذا الذي يبذل ماله طيبة به نفسه لوجه الله، فيعطيه الله ثواب ما بذله من ماله مضاعفًا، وله يوم القيامة ثواب كريم، وهو الجنة؟! [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • المال مال الله، والإنسان مُسْتَخْلف فيه. • تفاوت درجات المؤمنين بحسب السبق إلى الإيمان وأعمال البر. • الإنفاق في سبيل الله سبب في بركة المال ونمائه.

стр. 546

١٢ - يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يتقدمهم نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ويقال لهم في ذلك اليوم: بُشْراكم اليوم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، ذلك الجزاء هو الفوز العظيم الذي لا يدانيه فوز. ولما ذكر الله حال المؤمنين في ذلك اليوم ذكر حال المنافقين، فقال: ١٣ - يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انتظرونا رجاء أن نقتبس من نوركم ما يعيننا على عبور الصراط، ويقال للمنافقين استهزاءً بهم: ارجعوا وراءكم، فاطلبوا نورًا تستنيرون به، فَضُرِب بينهم بسور، لذلك السور باب، باطنه مما يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره مما يلي المنافقين فيه العذاب. ١٤ - ينادي المنافقون المؤمنين قائلين: ألم نكن معكم على الإسلام والطاعة؟! قال لهم المسلمون: بلى، كنتم معنا، لكنّكم فتنتم أنفسكم بالنفاق فأهلكتموها، وتربصتم بالمؤمنين أن يُغْلَبوا فتُعْلِنوا كفركم، وشككتم في نصر الله للمؤمنين، وفي البعث بعد الموت، وخدعتكم الأطماع الكاذبة حتى جاءكم الموت وأنتم على ذلك، وغرَّكم بالله الشيطان. ١٥ - فاليوم لا تؤخذ منكم -أيها المناففون- فدية من عذاب الله، ولا تؤخذ فدية من الذين كفروا بالله علنًا، ومصيركم ومصير الكافرين النار، هي أولى بكم، وأنتم أولى بها، وبئس المصير. ١٦ - ألم يَحِنْ للذين آمنوا بالله ورسوله أن تلين قلوبهم وتطمئنّ لذكر الله سبحانه، وما نزل من القرآن من وعد أو وعيد، ولا يكونوا مثل الذين أُعطوا التوراة من اليهود، والذين أُعطوا الإنجيل من النصارى، في قسوة القلوب، فطال الزمن بينهم وبين بعثة أنبيائهم فقست بسبب ذلك قلوبهم، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله إلى معصيته؟! ١٧ - اعلموا أن الله يحيي الأرض بإنباتها بعد جفافها، قد بيّنا لكم -أيها الناس- الأدلة والبراهين على قدرة الله ووحدانيته رجاء أن تعقلوها؛ فتعلموا أن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على بعثكم بعد موتكم، وقادر على جعل قلوبكم لينة بعد قسوتها. ١٨ - إن المتصدقين ببعض أموالهم، والمتصدقات ببعض أموالهنّ، الذين ينفقونها طيبة بها نفوسهم دون مَنٍّ ولا أذى، يُضاعَف لهم ثواب أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولهم مع ذلك ثواب كريم عند الله وهو الجنة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • امتنان الله على المؤمنين بإعطائهم نورًا يسعى أمامهم وعن أيمانهم. • المعاصي والنفاق سبب للظلمة والهلاك يوم القيامة. • التربُّص بالمؤمنين والشك في البعث، والانخداع بالأماني، والاغترار بالشيطان: من صفات المنافقين. • خطر الغفلة المؤدية لقسوة القلوب.

стр. 547

١٩ - والذين آمنوا بالله وآمنوا برسله دون تفريق بينهم، أولئك هم الصدِّيقون، والشهداء عند ربهم لهم ثوابهم الكريم المعدّ لهم، ولهم نورهم الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة، والذين كفروا بالله وبرسله، وكذبوا بآياتنا المنزلة على رسولنا أولئك أصحاب الجحيم، يدخلونها يوم القيامة خالدين فيها أبدًا، لا يخرجون منها. ٢٠ - اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب تلعب به الأبدان، ولهو تلهو به القلوب، وزينة تتجملون بها، وتفاخر بينكم بما فيها من ملك ومتاع، وتباهٍ بكثرة الأموال وكثرة الأولاد، كمثل مطر أعجب الزُّرَّاع نباته، ثم لا يلبث هذا النبات المخضرّ أن ييبس، فتراه -أيها الرائي- بعد اخضراره مصفرًّا، ثم يجعله الله فُتَاتًا بتكسر، وفي الآخرة عذاب شديد للكفار والمنافقين، ومغفرة من الله لذنوب عباده المؤمنين، ورضوان منه، وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل لا ثبات له، فمن آثر متاعها الزائل على نعيم الآخرة فهو خاسر مغبون. ٢١ - سابقوا -أيها الناس- إلى الأعمال الصالحات التي تنالون بها مغفرة ذنوبكم؛ من توبة وغيرها من القربات، ولتنالوا بها جنة عرضها مثل عرض السماء والأرض، هذه الجنة أعدّها الله للذين آمنوا به وآمنوا برسله، ذلك الجزاء فضل الله يعطيه من يشاء من عباده، والله سبحانه ذو الفضل العظيم على عباده المؤمنين. ٢٢ - ما أصاب الناس من مصيبة في الأرض من الجَدْب وغيره، ولا أصابهم من مصيبة في أنفسهم إلا وهي مثبتة في اللوح المحفوظ من قبل أن نخلق الخليقة، إن ذلك على الله سهل. ٢٣ - وذلك لكي لا تحزنوا -أيها الناس- على ما فاتكم، ولكي لا تفرحوا بما أعطاكم من النعم فرح بَطَر، إن الله لا يحبّ كل متكبر فخور على الناس بما أعطاه الله. ٢٤ - الذين يبخلون بما يجب عليهم بذله، ويأمرون غيرهم بالبخل خاسرون، ومن يتولّ عن طاعة الله فلن يضرّ الله وإنما يضرّ نفسه، إن الله هو الغني، فلا يفتقر إلى طاعة عبيده، المحمود على كل حال. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الزهد في الدنيا وما فيها من شهوات، والترغيب في الآخرة وما فيها من نعيم دائم يُعينان على سلوك الصراط المستقيم. • وجوب الإيمان بالقدر. • من فوائد الإيمان بالقدر عدم الحزن على ما فات من حظوظ الدنيا. • البخل والأمر به خصلتان ذميمتان لا يتصف بهما المؤمن.

стр. 548

٢٥ - لقد أرسلنا رسلنا بالحجج الواضحة والبراهين الجلية، وأنزلنا معهم الكتب، وأنزلنا معهم الميزان؛ ليقوم الناس بالعدل، وأنزلنا الحديد فيه بأس قوي، فمنه يُصْنَع السلاح، وفيه منافع للناس في صناعاتهم وحرفهم، وليعلم الله علمًا يظهر للعباد من ينصره من عباده بالغيب، إن الله قوي عزيز لا يغلبه شيء، ولا يعجز عن شيء. ٢٦ - ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم ﵇، وجعلنا في ذريتهما النبوة، والكتب المنزلة، فمن ذريتهما مهتدٍ إلى الصراط المستقيم، موفَّق، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله. ٢٧ - ثم أتبعنا رسلنا، فبعثناهم تَتْرَى إلى أممهم، وأتبعناهم بعيسى بن مريم وأعطيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين آمنوا به واتبعوه رأفة ورحمة، فكانوا متوادِّين متراحمين فيما بينهم، وابتدعوا الغلو في دينهم، فتركوا بعض ما أحل الله لهم من النكاح والملاذ، ولم نطلب منهم ذلك، وإنما ألزموا به أنفسهم؛ ابتداعًا منهم في الدين، وإنما طلبنا اتباع مرضاة الله فلم يفعلوا، فأعطينا الذين آمنوا منهم ثوابهم، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله بالتكذيب بما جاءهم به رسوله محمد ﷺ . ٢٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، اتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وآمنوا برسوله، يعطكم نصيبَيْن من الثواب والأجر على إيمانكم بمحمد ﷺ ، وإيمانكم بالرسل السابقين، ويجعل لكم نورًا تهتدون به في حياتكم الدنيا، وتستنيرون به على الصراط يوم القيامة، ويغفر لكم ذنوبكم فيسترها ولا يؤاخذكم بها، والله سبحانه غفورٌ لعباده رحيم بهم. ٢٩ - وقد بيّنا لكم فضلنا العظيم بما أعددناه لكم -أيها المؤمنون- من الثواب المضاعف؛ ليعلم أهل الكتاب السابقون من يهود ونصارى أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله بحيث يمنحونه مَنْ يشاؤون، ويمنعونه مَنْ يشاؤون، وليعلموا أن الفضل بيد الله سبحانه يعطيه من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم الذي يختص به من يشاء من عباده. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الحق لا بد له من قوة تحميه وتنشره. • بيان مكانة العدل في الشرائع السماوية. • صلة النسب بأهل الإيمان والصلاح لا تُغْنِي شيئًا عن الإنسان ما لم يكن هو مؤمنًا. • بيان تحريم الابتداع في الدين.

стр. 549

سُورَة المُجَادلةِ - مَدَنيّة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] إظهار علم الله الشامل وإحاطته البالغة، تربيةً لمراقبته، وتحذيرًا من مخالفته. [التَّفْسِيرُ] ١ - قد سمع الله كلام المرأة (وهي خَوْلة بنت ثعلبة) التي تراجعك -أيها الرسول- في شأن زوجها (وهو أوس بن الصامت) لَمَّا ظاهر منها، وتشتكي إلى الله ما صنع بها زوجها، والله يسمع تراجعكما في الكلام، لا يخفى عليه منه شيء، إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بأفعالهم، ولا يخفى عليه منها شيء. ٢ - الذين يُظاهرون من نسائهم؛ بأن يقول أحدهم لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، كذبوا في قولهم هذا، فليست زوجاتهم بأمهاتهم، إنما أمهاتهم اللائي وَلَدْنَهم، وإنهم إذ يقولون ذلك القول ليقولون قولًا فظيعًا، وكذبًا، وإن الله لعفوّ غفور، فقد شرع لهم الكفارة؛ تخليصًا لهم من الإثم. ٣ - والذين يقولون هذا القول الفظيع، ثم يريدون جِماعَ من ظاهروا منهنّ فعليهم أن يُكَفِّروا بعتق رقبة من قبل أن يجامعوهنّ، ذلكم الحكم المذكور تؤمرون به زجرًا لكم عن الظِّهار، والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء. ٤ - فمن لم يجد منكم رقبة يعتقها فعليه صيام شهرين متتابعين من قبل أن يجامع زوجته التي ظاهر منها، فمن لم يستطع صيام شهرين متتابعين فعليه إطعام ستين مسكينًا، ذلك الحكم الذي حكمنا به لتؤمنوا بأن الله أمر به، فتمتثلوا أمره، وتلك الأحكام التي شرعناها لكم حدود الله التي حدّها لعباده فلا تتجاوزوها، وللكافرين بأحكام الله وحدوده التي حدّها عذاب موجع. ٥ - إن الذين يعادون الله ورسوله أُذِلُّوا وأُخْزُوا كما أُذِلَّ الذين عادوه من الأمم السابقة وأُخْزُوا، وقد أنزلنا آيات واضحات، وللكافرين بالله وبرسله وآياته عذاب مُذِلّ. ٦ - يوم يبعثهم الله جميعًا لا يغادر منهم أحدًا، فيخبرهم بما عملوا في الدنيا من الأعمال القبيحة، أحصاه الله عليهم، فلم يفته من أعمالهم شيء، ونسوه هم فوجدوه مكتوبًا في صحائفهم التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها، والله على كل شيء مُطَّلع لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • لُطْف الله بالمستضعفين من عباده من حيث إجابة دعائهم ونصرتهم. • من رحمة الله بعباده تنوع كفارة الظهار حسب الاستطاعة ليخرج العبد من الحرج. • في ختم آيات الظهار يذكر الكافرين؛ إشارة إلى أنه من أعمالهم، ثم ناسب أن يورد بعض أحوال الكافرين.

стр. 550

٧ - ألم تر -أيها الرسول- أن الله يعلم ما في السماوات ويعلم ما في الأرض، لا يخفى عليه شيء مما فيهما، ما يكون من حديث ثلاثة سِرًّا إلا هو سبحانه رابعهم بعلمه، ولا يكون من حديث خمسة سِرًّا إلا هو سبحانه سادسهم بعلمه، ولا أقلّ من ذلك العدد، ولا أكثر منه إلا كان معهم بعلمه أينما كانوا، لا يخفى عليه من حديثهم شيء، ثم يخبرهم الله بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء. ٨ - ألم تر -أيها الرسول- إلى اليهود الذين كانوا يتناجون إذا رأوا مؤمنًا، فنهاهم الله عن النجوى، ثم هم يرجعون إلى ما نهاهم الله عنه، ويتناجون فيما بينهم بما فيه إثم مثل اغتياب المؤمنين، وبما فيه عدوان عليهم، وبما فيه معصية للرسول، وإذا جاؤوك -أيها الرسول- حَيَّوْك بتحية لم يُحَيِّك الله بها؛ وهي قولهم: السَّام عليك يقصدون الموت، ويقولون تكذيبًا للنبي ﷺ : هلّا يعذبنا الله بما نقول، إذ لو كان صادقًا في دعواه أنَّه نبي لعذبنا الله بما نقول فيه! كافيهم جهنم عقابًا على ما قالوه، يعانون حرّها، فقبح المصير مصيرهم. ٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تتناجوا بما فيه إثم أو عدوان أو معصية للرسول حتَّى لا تكونوا مثل اليهود، وتناجوا بما فيه طاعة لله وكفّ عن معصيته، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو الَّذي إليه وحده تحشرون يوم القيامة للحساب والجزاء. ١٠ - إنما النجوى -المشتملة على الإثم والعدوان ومعصية الرسول- من تزيين الشيطان ووسوسته لأوليائه؛ ليدخل الحزن على المؤمنين أنهم يُكادُ لهم، وليس الشيطان ولا تزيينه بضار المؤمنين شيئًا إلا بمشيئة الله وإرادته، وعلى الله فليعتمد المؤمنون في جميع شؤونهم. ولما ذكر الله الأدب في الأقوال ذكر الأدب في المجالس فقال: ١١ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا قيل لكم: توسَّعوا في المجالس فأوسِعوا فيها، يوسِّع الله لكم في حياتكم الدنيا وفي الآخرة، وإذا قيل لكم: ارتفعوا من بعض المجالس ليجلس فيها أهل الفضل فارتفعوا عنها، يرفع الله سبحانه الذين آمنوا منكم والذين أعطوا العلم درجات عظيمة، والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مع أن الله عالٍ بذاته على خلقه؛ إلا أنَّه مطلع عليهم بعلمه لا يخفى عليه أي شيء. • لما كان كثير من الخلق يأثمون بالتناجي يأمر الله المؤمنين أن تكون نجواهم بالبر والتقوى. • من آداب المجالس التوسيع فيها للآخرين.

стр. 551

١٢ - لما أكثر الصحابة من مناجاة النبي ﷺ ؛ قال الله: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم مُسَارَّة الرسول فقدموا بين يدي مُسَارَّتكم صدقة، ذلك التقديم للصدقة خير لكم وأطهر؛ لما فيه من طاعة الله التي تزكي القلوب، فإن لم تجدوا ما تتصدقون به فلا حرج عليكم في مُسَارَّته، فإن الله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم حيث لم يكلفهم إلا ما لي وسعهم. ١٣ - أَخِفْتم الفقر بسبب تقديم الصدقة إذا ناجيتم الرسول؟! فإذ لم تفعلوا ما أمر الله به منها، وتاب عليكم حيث رخص لكم في تركها فَأْتُوا بالصلاة على أكمل وجه، وأعطوا زكاة أموالكم، وأطيعوا الله ورسوله، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها. ١٤ - ألم تر -أيها الرسول- إلى المنافقين الذين وَالَوُا اليهود الذين غضب الله عليهم بسبب كفرهم ومعاصيهم، هؤلاء المنافقون ليسوا من المؤمنين ولا من اليهود، بل هم مُذبْذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ويحلفون بأنهم مسلمون وبأنهم ما نقلوا أخبار المسلمين لليهود , وهم كاذبون في حلفهم. ١٥ - أعدّ الله لهم عذابًا شديدًا في الآخرة، حيث يدخلهم الدرك الأسفل من النار، إنهم قبح ما كانوا عليه من أعمال الكفر في الدنيا. ١٦ - اتخذوا أيمانهم التي كانوا يحلفونها وقاية من القتل بسبب الكفر، حيث أظهروا بها الإسلإم ليعصموا دماءهم وأموالهم، فصرفوا الناس عن الحق لما كانوا فيه من التوهين والتثبيط للمسلمين، فلهم عذاب مذلّ يذلهم ويخزيهم. ١٧ - لن تغني عنهم أموالهم، ولا أولادهم من الله شيئًا، أولئك أصحاب النار الذين يدخلونها ماكثين فيها أبدًا لا ينقطع عنهم العذاب. ١٨ - يوم يبعثهم الله جميعًا لا يترك منهم أحدًا إلا بعثه للجزاء، فيحلفون لله ما كانوا على الكفر والنفاق، وإنما كانوا مؤمنين عاملين بما يرضي الله، يحلفون له في الآخرة كما كانوا يحلفون لكم -أيها المؤمنون- في الدنيا أنهم مسلمون، ويظنون أنهم بهذه الأيمان التي يحلفونها لله على شيء مما يجلب لهم نفعًا أو يدفع عنهم ضرًّا، ألا إنهم هم الكاذبون حقًّا في أيمانهم في الدنيا، وفي أيمانهم في الآخرة. ١٩ - استولى عليهم الشيطان فأنساهم بوسوسته ذكر الله، فلم يعملوا بما يرضيه، وإنما عملوا بما يغضبه، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم جنود إبليس وأتباعه، ألا إن جنود إبليس وأتباعه هم الخاسرون في الدنيا والآخرة، فقد باعوا الهدى بالضلالة، والجنّة بالنار. ٢٠ - إن الذين يعادون الله ويعادون رسوله أولئك في جملة من أذلهم الله في الدنيا والآخرة وأخزاهم من الأمم الكافرة. ٢١ - قضى الله في سأبق علمه لأنتصرنّ أنا ورسلي على أعدائنا بالحجة والقوة، إن الله قوي على نصر رسله، عزيز ينتقم من أعدائهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • لطف الله بنبيه ﷺ ؛ حيث أدَّب صحابته بعدم المشقَّة عليه بكثرة المناجاة. • ولاية اليهود من شأن المنافقين. • خسران أهل الكفر وغلبة أهل الإيمان سُنَّة إلهية قد تتأخر، لكنها لا تتخلف.

стр. 552

٢ ٢ - لا تجد -أيها الرسول- قومًا يؤمنون بالله ويؤمنون بيوم القيامة يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله، ولو كان هؤلاء الأعداء لله ولرسوله آباءهم، أو كانوا أبناءهم، أو كانوا إخوانهم، أو عشيرتهم التي ينتمون إليها؛ لأن الإيمان يمنع من موالاة أعداء الله ورسوله، ولأن رابطة الإيمان أعلى من جميع الروابط، فهي مُقَدَّمة عليها عند التعارض، أولئك الذين لا يوالون من عادى الله ورسوله -ولو كانوا أقرباء- هم الذين أثبت الله الإيمان في قلوبهم فلا يتغير، وقوّاهم ببرهان منه ونور، ويدخلهم يوم القيامة في جنات عدن تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، لا ينقطع عنهم نعيمها ولا يفنون عنه، ﵃ رضًا لا يسخط بعده أبدًا، ورضوا هم عنه لما أعطاهم من النعيم الَّذي لا ينفد، ومنه رؤيته سبحانه، أولئك الموصوفون بما ذُكِر جند الله الذين يمتثلون ما أمر به، ويكفّون عما نهى عنه، ألا إن جند الله هم الفائزون بما ينالونه من مطلوبهم، وبما يفوتهم من مرهوبهم في الدنيا والآخرة. سورة الحشر - مدنية- [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] إظهار قوة الله وعزته في توهين اليهود والمنافقين، وإظهار تفرقهم، في مقابل إظهار تآلف المؤمنين. [التَّفْسِيرُ] ١ - عَظَّمَ الله ونزَّهَهُ عما لا يليق به كلُّ ما في السماوات وما في الأرض من المخلوقات، وهو العزيز الَّذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره. ٢ - هو الَّذي أخرج بني النَّضِير الذين كفروا بالله، وكذبوا رسوله محمدًا ﷺ ، من ديارهم بالمدينة لأول إخراج لهم من المدينة إلى الشام، وهم من اليهود أصحاب التوراة، بعد نقضهم لعهدهم وصيرورتهم مع المشركين عليه؛ أخرجهم إلى أرض الشام، ما ظننتم -أيها المؤمنون- أن يخرجوا من ديارهم لما هم عليه من العزة والمنعة، وظنوا هم أن حصونهم التي شَيَّدوها مانعتهم من بأس الله وعقابه، فجاءهم بأس الله من حيث لم يُقَدِّروا مجيئه حين أمر رسوله بقتالهم وإجلائهم من ديارهم، وأدخل الله في قلوبهم الخوف الشديد، يدمرون بيوتهم بأيديهم من داخلها لئلا ينتفع بها المسلمون، ويدمرها المسلمون من خارجها، فاتعظوا يا أصحاب الأبصار بما حلّ بهم بسبب كفرهم، فلا تكونوا مثلهم، فتنالوا جزاءهم وعقابهم الَّذي عوقبوا به. ٣ - ولولا أن الله كتب عليهم إخراجهم من ديارهم، لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، كما فعل بإخوانهم من بني قُرَيْظة، ولهم في الآخرة عذاب النار ينتظرهم خالدين فيه أبدًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • المحبة التي لا تجعل المسلم يتبرأ من دين الكافر ويكرهه، فإنها محرمة، أما المحبة الفطرية؛ كمحبة المسلم لقريبه الكافر، فإنها جائزة. • رابطة الإيمان أوثق الروابط بين أهل الإيمان. • قد يعلو أهل الباطل حتَّى يُظن أنهم لن ينهزموا، فتأتي هزيمتهم من حيث لا يتوقعون. • من قدر الله في الناس دفع المصائب بوقوع ما دونها من المصائب.

стр. 553

٤ - ذلك الَّذي حصل لهم حصل لأنهم عَادَوُا الله وعادَوْا رسوله بكفرهم ونقضهم للعهود، ومن يعادِ الله فإن الله شديد العقاب، فسيناله عقابه الشديد. ٥ - ما قطعتم -معشر المؤمنين- من نخلة لتغيظوا أعداء الله في غزوة بني النَّضِير أو تركتموها قائمة على جذوعها لتنتفعوا بها -فبأمر الله، وليس من الفساد في الأرض كما زعموا، وليذلّ الله به الخارجين عن طاعته من اليهود الذين نقضوا العهد، واختاروا سبيل الغدر على طريق الوفاء. ٦ - والذي ردّه الله على رسوله من أموال بني النَّضِير فما أسرعتم في طلبه مما تركبونه خيلًا ولا إبلًا، ولا أصابتكم فيه مشقة، ولكنّ الله يسلِّط رسله على من يشاء، وقد سلَّط رسوله على بني النَّضِير ففتح بلادهم بغير قتال، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء. ٧ - ما أنعم الله على رسوله من أموال أهل القرى من غير قتال فللَّه، يجعله لمن يشاء، وللرسول مُلْكًا، ولذوي قرابته من بني هاشم وبني المطلب؛ تعويضًا لهم عما مُنِعوه من الصدقة، وللأيتام، وللفقراء، وللغريب الَّذي نفدت نفقته؛ لكي لا يقتصر تداول المال على الأغنياء دون الفقراء، وما أعطاكم الرسول من أموال الفيء فخذوه -أيها المؤمنون- وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، إن الله شديد العقاب فاحذروا عقابه. ٨ - ويُصْرَف جزء من هذا المال للفقراء المهاجرين في سبيل الله الذين أُجْبِروا على ترك أموالهم وأولادهم، يرجون أن يتفضل الله عليهم بالرزق في الدنيا، وبالرضوان في الآخرة، وينصرون الله وينصرون رسوله بالجهاد في سبيل الله، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم الراسخون في الإيمان حقًّا. ولما ذكر الله المهاجرين وأثنى عليهم، ذكر الأنصار وأئنى عليهم كذلك، فقال سبحانه: ٩ - والأنصار الذين نزلوا المدينة من قبل المهاجرين، واختاروا الإيمان بالله وبرسوله، يحبون من هاجر إليهم من مكة، ولا يجدون في صدورهم غيظًا ولا حسدًا على المهاجرين في سبيل الله إذا ما أُعْطُوا شيئًا من الفيء ولم يُعْطَوْا هم، ويقدمون على أنفسهم المهاجرين في الحظوظ الدنيوية، ولو كانوا متصفين بالفقر والحاجة، ومن يَقِه الله حِرْص نفسه على المال فيبذله في سبيله فأولئك هم الفائزون بنيل ما يرتجونه، والنجاة مما يرهبونه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • فِعلُ ما يُظنُّ أنَّه مفسدة لتحقيق مصلحة عظمى لا يدخل في باب الفساد في الأرض. • من محاسن الإسلام مراعاة ذي الحاجة للمال، فَصَرَفَ الفيء لهم دون الأغنياء المكتفين بما عندهم. • الإيثار منقبة عظيمة من مناقب الإسلام ظهرت في الأنصار أحسن ظهور.

стр. 554

١٠ - والذين جاؤوا من بعد هؤلاء واتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا في الدين الذين سبقونا إلى الإيمان بالله وبرسوله، ولا تجعل في قلوبنا ضعيفة وحقدًا لأحد من المؤمنين، ربنا إنك رؤوف بعبادك، رحيم بهم. ١١ - ألم تر -أيها الرسول- إلى الذين أضمروا الكفر وأظهروا الإيمان، يقولون لإخوانهم في الكفر من اليهود أتباع التوراة المحرفة: اثبتوا في دياركم فلن نخذلكم، ولن نسلمكم، فلئن أخرجكم المسلمون منها لنخرجنّ تضامنًا معكم، ولا نطيع أحدًا يريد أن يمنعنا من الخروج معكم، وإن قاتلوكم لنعيننَّكم عليهم، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما ادعوه من الخروج مع اليهود إذا اخْرجوا، والقتال معهم إذا قُوتِلوا. ١٢ - لئن أخرج المسلمون اليهود لا يخرجون معهم، وإن قاتلوهم لا ينصروهم ولا يعينوهم، ولئن نصروهم وأعانوهم على المسلمين ليهربُنّ فرارًا منهم ثم لا يُنْصَر المنافقون بعد ذلك، بل يذلّهم الله ويخزيهم. ١٣ - لأنتم -أيها المؤمنون- أشدُّ تخويفًا في قلوب المنافقين واليهود من الله، ذلك المذكور -من شدة خوفهم منكم، وضعف خوفهم من الله- بسبب أنهم قوم لا يفقهون ولا يفهمون؛ إذ لو كانوا يفقهون لعلموا أن الله أحقّ أن يُخَاف وأن يُرْهَب، فهو الَّذي سلطكم عليهم. ١٤ - لا يقاتلكم -أيها المؤمنون- اليهود مجتمعين إلا في قرى مُحَصَّنة بالأسوار، أو من وراء جدران، فهم لا يستطيعون مواجهتكم لجبنهم، بأسهم فيما بينهم قوي لما بينهم من العداوة، تظنّ أنهم على كلمة واحدة، وأن صفهم واحد، والواقع أن قلوبهم متفرقة مختلفة، ذلك الاختلاف والتعادي بسبب أنهم لا يعقلون؛ إذ لو كانوا يعقلون لعرفوا الحق واتبعوه، ولم يختلفوا فيه. ١٥ - مثل هؤلاء اليهود في كفرهم وما حلّ بهم من عقاب، كمثل الذين من قبلهم من مشركي مكة في زمن قريب، فذاقوا سوء عاقبة كفرهم، فَقُتِل من قُتِل وأسِر من أسِر منهم يوم بدر، ولهم في الآخرة عذاب موجع. ١٦ - مَثَلُهم في سماعهم من المنافقين كمثل الشيطان حين زيّن للإنسان أن يكفر، فلما كفر بسبب تزيينه الكفر له قال: إني بريء منك لما كفرت، إني أخاف الله رب الخلائق. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • رابطة الإيمان لا تتأثر بتطاول الزمان وتغير المكان. • صداقة المنافقين لليهود وغيرهم صداقة وهمية تتلاشى عند الشدائد. • اليهود جبناء لا يواجهون في القتال، ولو قاتلوا فإنهم يتحصنون بِقُرَاهم وأسلحتهم.

стр. 555

١٧ - فكان نهاية أمر الشيطان ومن أطاعه أنهما (أي: الشيطان المُطاع، والإنسان المُطِيع) يوم القيامة في النار ماكثَيْنِ فيها أبدًا، وذلك الجزاء الَّذي ينتظرهما هو جزاء الظالمين لأنفسهم بتعدّي حدود الله. ١٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولتتأمل نفس ما قدمت من عمل صالح ليوم القيامة، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها. ١٩ - ولا تكونوا مثل الذين نسوا الله بترك امتثال أمره واجتناب نهيه، فأنساهم الله أنفسهم، فلم يعملوا بما ينجيها من غضب الله وعقابه، أولئك الذين نسوا الله -فلم يمتثلوا أمره ولم يكفّوا عن نهيه- هم الخارجون عن طاعة الله. ٢٠ - لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنّة، بل هم مختلفون في جزائهم مثل اختلاف أعمالهم في الدنيا، أصحاب الجنّة هم الفائزون بنيل ما يطلبونه، الناجون مما يرهبونه. ١٦ - لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيت -أيها الرسول- ذلك الجبل مع صلابته متذللًا متشققًا من شدة خشية الله؛ لما في القرآن من المواعظ الزاجرة والوعيد الشديد، وهذه الأمثال نضربها للناس لعلهم يعملون عقولهم فيتعظوا بما تشتمل عليه آياته من العظات والعبر. ٢٢ - ٢٣ - هو الله الَّذي لا معبود بحق غيره، عالم ما غاب وما حضر، لا يخفي عليه شيء من ذلك، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وسعت رحمته العالمين، الملك، المُنَزَّه والمُقَدَّس عن كل نقص، السالم من كل عيب، المصدق رسله بالآيات الباهرة، الرقيب على أعمال عباده، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الجبار الَّذي قهر بجبروته كل شيء، المتكبر، تَنَزَّه الله وتَقَدّس عما يشرك معه المشركون من الأوثان وغيرها. ٢٤ - هو الله الخالق الَّذي خلق كل شيء، الموجد للأشياء، المصور لمخلوقاته وفق ما يريد، له سبحانه الأسماء الحسنى المشتملة على صفاته العلا، ينزهه ما في السماوات وما في الأرض عن كل نقص، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من علامات توفيق الله للمؤمن أنَّه يحاسب نفسه في الدنيا قبل حسابها يوم القيامة. • في تذكير العباد بشدة أثر القرآن على الجبل العظيم؛ تنبيه على أنهم أحق بهذا التأثر لما فيهم من الضعف. • أشارت الأسماء (الخالق، البارئ، المصور) إلى مراحل تكوين المخلوق من التقدير له، ثم إيجاده، ثم جعل له صورة خاصة به، وبذكر أحدها مفردًا فإنه يدل على البقية.

стр. 556

سورة الممتحنة - مدنية- [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] تخليص قلوب المؤمنين من الولاء لغير دين الله تعالى. [التَّفْسِيرُ] ١ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تتخذوا أعدائي وأعداءكم أولياء توالونهم وتوادّونهم، وقد كفروا بما جاءكم على يد رسولكم من الدين، يُخْرِجون الرسول من داره، ويخرجونكم أنتم كذلك من دياركم بمكة، لا يراعون فيكم قرابة ولا رحمًا، لا لشيء إلا أنكم آمنتم بالله ربكم، لا تفعلوا ذلك إن كنتم خرجتم لأجل الجهاد في سبيلي، ومن أجل طلب مرضاتي، تُسِرُّون إليهم بأخبار المسلمين مودة لهم، وأنا أعلم بما أخفيتم من ذلك وما أعلنتم، لا يخفى عليَّ شيء من ذلك ولا من غيره، ومن يفعل تلك الموالاة والموادة للكفار فقد انحرف عن وسط الطريق، وضلّ عن الحق، وجانَبَ الصواب. ٢ - إن يظفروا بكم يُظْهِروا ما يضمرونه في قلوبهم من العداوة، ويمدّوا أيديهم إليكم بالإيذاء والضرب، ويطلقوا ألسنتهم بالشتم والسبّ، وتمنّوا لو تكفرون بالله وبرسوله لتكونوا مثلهم. ٣ - لن تنفعكم قرابتكم، ولا أولادكم إذا واليتم الكفار من أجلهم، يوم القيامة يفرق الله بينكم، فيدخل أهل الجنّة منكم الجنّة، وأهل النار النار، فلا ينفع بعضكم بعضًا، والله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه سبحانه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها. ٤ - لقد كان لكم -أيها المؤمنون- قدوة حسنة في إبراهيم ﵇ والمؤمنين الذين كانوا معه، حين قالوا لقومهم الكفار: إنا بريئون منكم ومما تعبدون من دون الله من الأصنام، كفرنا بما أنتم عليه من الدين، وظهرت بيننا وبينكم العداوة والكراهية حتَّى تؤمنوا بالله وحده، ولا تشركوا به أحدًا، فكان عليكم أن تتبرؤوا من قومكم الكفار مثلهم، إلا قول إبراهيم ﵇ لأبيه: لأطلبنّ المغفرة لك من الله، فلا تتأسوا به فيه؛ لأن هذا كان قبل يأس إبراهيم من أبيه، فليس لمؤمن أن يطلب المغفرة لمشرك، ولست بدافع عنك من عذاب الله شيئًا، ربنا عليك اعتمدنا في أمورنا كلها، وإليك رجعنا تائبين، وإليك المرجع يوم القيامة. ٥ - ربنا لا تُصَيِّرنا فتنة للذين كفروا بأن تسلطهم علينا فيقولوا: لو كانوا على حق لما سُلِّطنا عليهم، واغفر لنا ربنا ذنوبنا، إنك أنت العزيز الَّذي لا يُغْلب، الحكيم في خلقك وشرعك وقدرك. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تسريب أخبار أهل الإسلام إلى الكفار كبيرة من الكبائر. • عداوة الكفار عداوة مُتَأصِّلة لا تؤثر فيها موالاتهم. • استغفار إبراهيم لأبيه لوعده له بذلك، فلما نهاه الله عن ذلك لموته على الكفر ترك الاستغفار له.

стр. 557

٦ - هذه القدوة الحسنة إنما يتأسى بها من كان يرجو من الله الخير في الدنيا والآخرة، ومن يعرض عن هذه القدوة الحسنة فإن الله غني عن عباده، لا يحتاج إلى طاعتهم، وهو المحمود على كل حال. ٧ - عسى الله أن يجعل بينكم -أيها المؤمنون- وبين الذين عاديتم من الكفار محبة بحيث يهديهم الله للإسلام، فيكونون إخوة لكم في الدين، والله قدير يقدر أن يقلب قلوبهم إلى الإيمان، والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم. ٨ - لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم بسبب إسلامكم، ولم يخرجوكم من دياركم أن تحسنوا إليهم، وتعدلوا بينهم بأن تعطوهم ما لهم من حق عليكم، مثل ما فعلت أسماء بنت أبي بكر الصديق بأمها الكافرة لما قدمت إليها بعد أن استأذنت النبي ﷺ في ذلك، فأمرها بأن تصلها، إن الله يحب العادلين الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا. ٩ - إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم بسبب إيمانكم، وأخرجوكم من دياركم، وأعانوا على إخراجكم؛ ينهاكم أن توالوهم، ومن يوالهم منكم فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب مخالفة أمر الله. ١٠ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه، إذا جاءتكم المؤمنات مهاجرات من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فاختبروهنّ في صدق إيمانهنّ، الله أعلم بإيمانهنّ , لا يخفى عليه شيء مما تنطوي عليه قلوبهنّ، فإن علمتموهنّ مؤمنات بعد الاختبار بما يظهر لكم من صدقهنّ فلا تردّوهن إلى أزواجهم الكفار، لا يحلّ للمؤمنات أن يتزوجن بالكفار، ولا يحلّ للكفار أن يتزوجوا بالمؤمنات، وأعطوا أزواجهم ما بذلوا من مهورهنّ، ولا إثم عليكم -أيها المؤمنون- أن تتزوجوهنّ بعد انقضاء عدتهن إذا أعطيتموهن مهورهنّ، ومن كانت زوجته كافرة أو ارتدت عن الإسلام فلا يمسكها؛ لانقطاع نكاحهما بكفرها، واسألوا الكفار ما بذلتم من مهور زوجاتكم المُرْتدَّات، وليسألوا هم ما بذلوا من مهور زوجاتهم اللائي أسلمن، ذلكم المذكور -من رَدِّ المهور من جهتكم ومن جهتهم- هو حكم الله، يحكم بينكم سبحانه بما يشاء، والله عليم بأحوال عباده، وأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، حكيم فيما يشرعه لعباده. ١١ - وإن فُرِضَ خروجُ بعض نسائكم إلى الكفار مُرْتدَّات وطلبتم مهورهن من الكفار ولم يعطوها، فغنمتم من الكفار فأعطوا الأزواج الذين خرجت زوجاتهم مُرْتدَّات مثل ما بذلوا من المهور، واتقوا الله الَّذي أنتم به مؤمنون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • في تصريف الله القلب من العداوة إلى المودة، ومن الكفر إلى الإيمان إشارة إلى أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه سبحانه، فليطلب العبد منه الثبات على الإيمان. • التفريق في الحكم بين الكفار المحاربين والمسالمين. • حرمة الزواج بالكافرة غير الكتابية ابتداءً ودوامًا، وحرمة زواج المسلمة من كافر ابتداءً ودوامًا.

стр. 558

١ ٢ - يا أيها النبي، إذا جاءك النساء المؤمنات يُبايعنك -مثل ما حدث في فتح مكة- على ألا يشركن بالله شيئًا، بل يعبدنه وحده، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهنّ جريًا وراء عادة أهل الجاهلية، ولا يُلْحِقن بأزواجهنّ أولادهنّ من الزنى، ولا يعصينك في معروف من مثل نهيه عن النياحة والحلق وشق الجيب-: فبايعهنّ، واطلب لهنّ المغفرة من الله لذنوبهنّ بعد مبايعتهنّ لك، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم. ولما بدأت السورة بالتحذير من موالاة أعداء الله اختتمت بالتحذير منه تأكيدًا لما سبق، فقال تعالى: ١ ٣ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم لا يوقنون بالآخرة، بل هم يائسون منها مثل يأسهم من رجوع موتاهم إليهم لكفرهم بالبعث. سورة الصف - مدنية- [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] تحفيز المؤمنين لنصرة دين الله، والجهاد في سبيله. [التَّفْسِيرُ] ١ - نَزَّهَ الله وقَدَّسه عن كل ما لا يليق به، ما في السماوات وما في الأرض، وهو العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وقدره وشرعه. ٢ - يا أيها الدين آمنوا بالله، لم تقولون: فعلنا شيئًا، ولم تفعلوه في الواقع؟! كقول أحدكم: قاتلت بسيفي وضربت، وهولم يقاتل بسيفه ولم يضرب. ٣ - عَظُم ذلك المبغوض عند الله وهو أن تقولوا ما لا تفعلونه، فلا يليق بالمؤمن إلا أن يكون صادقًا مع الله، يُصَدِّق عملُهُ قولَه. ٤ - إن الله يحبّ المؤمنين الذين يقاتلون في سبيله ابتغاء مرضاته صفًّا بعضهم جنب بعض كأنهم بنيان متلاصق بعضه ببعض. ولما ذكر الله القتال وامتدح المؤمنين المُتَراصِّين في القتال في سبيله، ذكر ما كان عليه أصحاب موسى وعيسى من مخالفة رسوليهما، تحذيرًا للمؤمنين من مخالفة نبيهم، فقال: ٥ - واذكر -أيها الرسول- حين قال موسى لقومه: يا قوم، لم تؤذونني بمخالفة أمري وأنتم تعلمون أني رسول الله إليكم؟! فلما مالوا وانحرفوا عما جاءهم به من الحق أمال الله قلوبهم عن الحق والاستقامة، والله لا يوفق للحق القوم الخارجين عن طاعته. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مشروعية مبايعة ولي الأمر على السمع والطاعة والتقوى. • وجوب الصدق في الأفعال ومطابقتها للأقوال. • بيَّن الله للعبد طريق الخير والشر، فإذا اختار العبد الزيغ والضلال ولم يتب فإن الله يعاقبه بزيادة زيغه وضلاله.

стр. 559

٦ - واذكر -أيها الرسول- حين قال عيسى بن مريم ﵇: يا بني إسرائيل، إني رسول الله بعثني إليكم مصدقًا لما نزل قبلي من التوراة، فلست بِبِدْع من الرسل، ومبشرًا برسول يجيء من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم عيسى بالحجج الدالة على صدقه قالوا: هذا سحر واضح، فلن نتبعه. ٧ - ولا أحد أشدّ ظلمًا ممن اختلق على الله الكذب حيث جعل له أندادًا يعبدهم من دونه وهو يُدْعَى إلى الإسلام دين التوحيد الخالص لله، والله لا يوفق القوم الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصي إلى ما فيه رشده وسدادهم. ٨ - يريد هؤلاء المكذبون أن يطفئوا نور الله بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة ومن التشويه للحق، والله مكمل نوره على رغم أنوفهم بإظهار دينه في مشارق الأرض ومغاربها وإعلاء كلمته. ٩ - الله هو الَّذي بعث رسوله محمدًا ﷺ بدين الإسلام، دين الهداية والإرشاد للخير، ودين العلم النافع والعمل الصالح؛ ليُعْلِيه على جميع الأديان على رغم أنوف المشركين الذين يكرهون أن يُمَكَّن له في الأرض. ١٠ - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرعه لهم، هل أرشدكم وأهديكم إلى تجارة رابحة، تنقذكم من عذاب موجع؟ ١١ - هذه التجارة الرابحة هي أن تؤمنوا بالله وبرسوله، وتجاهدوا في سبيله سبحانه بإنفاق أموالكم وبذل أنفسكم ابتغاء مرضاته؛ ذلك العمل المذكور خير لكم إن كنتم تعلمون فسارعوا إليه. ١٢ - ورِبْح هذه التجارة هو أن يغفر الله لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ويدخلكم مساكن طيبة في جنات إقامة لا انتقال عنها، ذلك الجزاء المذكور هو الفوز العظيم الَّذي لا يدانيه أيّ فوز. ١٣ - ومن رِبْح هذه التجارة خصلة أخرى تحبونها وهي عاجلة في الدنيا، أن ينصركم الله على عدوّكم، وفتحٌ قريب يفتحه عليكم وهو فتح مكة وغيرها، واخْبِر -أيها الرسول- المؤمنين بما يسرّهم من النصر في الدنيا والفوز بالجنّة في الآخرة. ١٤ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، كونوا أنصار الله بنصركم لدينه الَّذي جاء به رسولكم مثل نصرة الحَوَارِيين لما قال لهم عيسى ﵇: من أنصاري إلى الله؟ فأجابوه مبادرين: نحن أنصار الله، فآمن فريق من بني إسرائيل بعيسى ﵇، وكفر به فريق آخر، فايّدنا الذين آمنوا بعيسى على الذين كفروا به، فأصبحوا غالبين عليهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تبشير الرسالات السابقة بنبينا ﷺ دلالة على صدق نبوته. • التمكين للدين سُنَّة إلهية. • الإيمان والجهاد في سبيل الله من أسباب دخول الجنّة. • قد يعجل الله جزاء المؤمن في الدنيا، وقد يدخره له في الآخرة لكنه لا يُضَيِّعه -سبحانه-.

стр. 560

سورة الجمعة - مَدَنية- [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان منَّة الله على هذه الأمة في تفضيلها وهدايتها بالرسول ﷺ بعد ضلالها، والإلزام بطاعته، والتحذير من مشابهة اليهود. [التَّفْسِيرُ] ١ - يُنَزِّه الله عن كل ما لا يليق به من صفات النقص ويُقَدِّسه، جميعُ ما في السماوات، وجميع ما في الأرض من الخلائق، هو الملك المنفرد وحده بالملك، المُنَزَّه عن كل نقص، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره. ٢ - هو الَّذي أرسل في العرب الذين لا يقرؤون ولا يكتبون رسولًا من جنسهم، يتلو عليهم آياته التي أنزلها عليه، ويطهّرهم من الكفر ومساوئ الأخلاق، ويعلّمهم القرآن، ويعلّمهم السُّنَّة، وإنهم كانوا من قبل إرساله إليهم في ضلال عن الحق واضح، حيث كانوا يعبدون الأصنام، ويسفكون الدماء، ويقطعون الرحم. ٣ - وبعث هذا الرسول إلى قوم آخرين من العرب وغيرهم لم يأتوا بعد، وسيأتون، وهو العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره. ٤ - ذلك المذكور -من بعث الرسول إلى العرب وغيرهم- فضل الله يعطيه من يشاء، والله ذو الإحسان العظيم، ومن إحسانه العظيم إرساله رسول هذه الأمة إلى الناس كافة. ولما ذكر الله ما امتن به من بعثة الرسول، ومن إنزال القرآن، ذكر ما كان عليه بعض أتباع موسى ﵇ من الإعراض عن العمل بما في التوراة؛ تحذيرًا لهذه الأمة من اتباعهم، فقال: ٥ - مثل اليهود الذين كُلِّفوا القيام بما في التوراة فتركوا ما كُلِّفوا به، كمثل الحمار يحمل الكتب الكبيرة، لا يدري ما حُمِل عليه: أهو كتبٌ أم غيرها؟ قبح مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، والله لا يوفق القوم الظالمين لإصابة الحق. ٦ - قل -أيها الرسول-: يا أيها الذين بقوا على اليهودية بعد تحريفها، إن زعمتم أنكم أولياء لله اختصكم بالولاية دون الناس فتمنّوا الموت؛ ليعجّل لكم ما اختصكم به -حسب زعمكم- من الكرامة إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم أولياء الله من دون الناس. ٧ - ولا يتمنون الموت أبدًا، بل يتمنون الخلود في الدنيا بسبب ما عملوه من الكفر والمعاصي والظلم، وتحريف التوراة وتبديلها، والله عليم بالظالمين، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وسيجازيهم عليها. ٨ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء اليهود: إن الموت الَّذي تهربون منه ملاقيكم لا محالة إن عاجلًا أو آجلًا، ثم ترجعون يوم القيامة إلى الله عالم ما غاب وما حضر، لا يخفى عليه شيء منهما، فيخبركم بما كنتم تعملونه في الدنيا، ويجازيكم عليه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عظم منة النبي ﷺ على البشرية عامة وعلى العرب خصوصًا، حيث كانوا في جاهلية وضياع. • الهداية فضل من الله وحده، تطلب منه وتستجلب بطاعته. • تكذيب دعوى اليهود أنهم أولياء الله؛ بتحدّيهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين في دعواهم لأن الولي يشتاق لحبيبه.

стр. 561

٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا نادى المؤذن للصلاة من يوم الجمعة بعد صعود الخطيب على المنبر، فاسعوا إلى المساجد لحضور الخطبة والصلاة، واتركوا البيع؛ لئلا يشغلكم عن الطاعة، ذلك المأمور به من السعي وترك البيع بعد الأذان لصلاة الجمعة خير لكم -أيها المؤمنون- إن كنتم تعلمون ذلك، فامتثلوا ما أمركم الله به. ١ ٠ - فإذا أنهيتم صلاة الجمعة فانتشروا في الأرض بحثًا عن الكسب الحلال، وعن قضاء حاجاتكم، واطلبوا من فضل الله عن طريق الكسب الحلال والربح الحلال، واذكروا الله في أثناء بحثكم عن الرزق ذكرًا كثيرًا، ولا يُنْسِكم بحثكم عن الرزق ذكر الله؛ رجاء الفوز بما تحبونه، والنجاة مما ترهبونه. ١١ - وإذا عاين بعض المسلمين تجارة أو لهوًا تفرقوا خارجين إليها، وتركوك -أيها الرسول- قائمًا على المنبر، قل -أيها الرسول-: ما عند الله من الجزاء على العمل الصالح خير من التجارة واللهو الذي خرجتم إليه، والله خير الرازقين. سورة المنافقون - مَدَنية- [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] كشف المنافقين وصفاتهم وبيان موقفهم من الإسلام وأهله، تحذيرًا منهم ومن التشبه بهم. [التَّفْسِيرُ] ١ - إذا حضر مجلسك -أيها الرسول- المنافقون الذين يُظْهِرون الإسلام، ويُضْمِرون الكفر، قالوا: نشهد إنك لرسول الله حقًّا، والله يعلم إنك لرسوله حقًّا، والله يشهد أن المنافقين لكاذبون فيما يدّعون أنهم يشهدون من صميم قلوبهم أنك رسوله. ٢ - جعلوا أيمانهم التي يحلفونها على دعواهم الإيمان، سترةً ووقاية لهم من القتل والأسر، وصرفوا الناس عن الإيمان بما يبثونه من التشكيك والإرجاف إنهم قبح ما كانوا يعملون من النفاق والأيمان الكاذبة. ٣ - ذلك بسبب أنهم آمنوا نفاقًا، ولم يصل الإيمان إلى قلوبهم، ثم كفروا بالله سرًّا، فختم على قلوبهم بسبب كفرهم فلا يدخلها إيمان، فهم بسبب ذلك الختم لا يفقهون ما فيه صلاحهم ورشدهم. ٤ - وإذا رأيتهم -أيها الناظر- تعجبك هيئاتهم وأشكالهم؛ لما هم فيه من النضارة والنعيم، وإن يتكلموا تسمع لكلامهم لما فيه من البلاغة، كأنهم في مجلسك -أيها الرسول- خُشب مُسَنَّدة، لا يفهمون شيئًا ولا يعونه، يظنون كل صوت يستهدفهم لما فيهم من الجبن، هم العدوّ حقًّا، فاحذرهم -أيها الرسول- أن يفشوا لك سرًّا أو يكيدوا لك مكيدة، لعنهم الله، كيف يُصْرَفون عن الإيمان مع وضوح دلائله، وجلاء براهينه؟! [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب السعي إلى الجمعة بعد النداء وحرمة ما سواه من الدنيا إلا لعذر. • تخصيص سورة للمنافقين فيه تنبيه على خطورتهم وخفاء أمرهم. • العبرة بصلاح الباطن لا بجمال الظاهر ولا حسن المنطق.

стр. 562

٥ - وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله معتذرين عما بدر منكم، يطلب لكم من الله المغفرة لذنوبكم، عطفوا رؤوسهم استهزاءً وسخرية، ورأيتهم يُعْرِضون عما أُمِرُوا به، وهم مستكبرون عن قبول الحق والإذعان له. ٦ - يستوي طلبُك -أيها الرسول- المغفرة لذنوبهم وعدم طلبك المغفرة لهم، لن يغفر الله لهم ذنوبهم، إن الله لا يوفق القوم الخارجين عن طاعته، المُصِرِّين على معصيته. ٧ - هم الذين يقولون: لا تنفقوا أموالكم على من عند رسول الله من الفقراء والأعراب حول المدينة حتَّى يتفرقوا عنه، ولله وحده خزائن السماوات، وخزائن الأرض، يرزقها من يشاء من عباده، ولكنّ المنافقين لا يعلمون أن خزائن الرزق بيده سبحانه. ٨ - يقول رأسهم عبد الله بن أُبيّ: لئن عدنا إلى المدينة ليُخْرجنّ الأعز -وهم أنا وقومي- منها الأذلّ؛ وَهم محمد وأصحابه، ولله وحده العزة ولرسوله وللمؤمنين، وليست لعبد الله بن أُبيّ وأصحابه، ولكن المنافقين لا يعلمون أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. ولما بيّن الله حرص المنافقين على البخل بالإنفاق للصد عن سبيل الله حذّر المؤمنين من ذلك، وأمرهم بالإنفاق في سبيله، فقال: ٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن الصلاة أو غيرها من فرائض الإسلام، ومن شغلته أمواله وأولاده عما أوجبه الله عليه من الصلاة وغيرها، فأولئك هم الخاسرون حقًّا الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ١٠ - وأنفقوا مما رزقكم الله من الأموال من قبل أن يأتي أحدكم الموت، فيقول لربه: ربّ هلَّا أخرتني إلى مدّة يسيرة، فاتصدّق من مالي في سبيل الله، وأكن من عباد الله الصالحين الذين صلحت أعمالهم. ١١ - ولن يؤخر الله سبحانه نفسًا إذا حضر أجلها وانقضى عمرها، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها، إن خيرًا فخير، بيان شرًّا فشر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الإعراض عن النصح والتكبر من صفات المنافقين. • من وسائل أعداء الدين الحصار الاقتصادي للمسلمين. • خطر الأموال والأولاد إذا شغلت عن ذكر الله.

стр. 563

سورة التغابن - مَدَينة- [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] ذكر غبن الكافرين وخسارتهم يوم القيامة، تحذيرًا من الكفر وأهله. [التَّفْسِيرُ] ١ - يُنَزِّه الله ويُقَدِّسه عما لا يليق به من صفات النقص، كل ما في السماوات وما في الأرض من الخلائق، له وحده الملك، فلا مَلِكَ غيره، وله الثناء الحسن، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء. ٢ - هو الَّذي خلقكم -أيها الناس- فمنكم كافر به ومصيره النار، ومنكم مؤمن به ومصيره الجنّة، والله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها. ٣ - خلق السماوات وخلق الأرض بالحق، ولم يخلقهما عبثًا، وصوّركم -أيها الناس- فأحسن صوركم مِنَّة منه وتفضلًا، ولو شاء لجعلها قبيحة، وإليه وحده الرجوع يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ٤ - يعلم ما في السماوات ويعلم ما في الأرض، ويعلم ما تخفون من الأعمال ويعلم ما تعلنونه، والله عليم بما في الصدور من خير أو شر، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ٥ - ألم يأتكم -أيها المشركون- خبر الأمم المكذِّبة من قبلكم؛ مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، فذاقوا عقاب ما كانوا عليه من الكفر في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع؟! بلى، قد أتاكم ذلك، فاعتبروا بما آل إليه أمرهم؛ فتوبوا إلى الله قبل أن يحل بكم ما حلّ بهم. ٦ - ذلك العذاب الَّذي أصابهم إنما أصابهم بسبب أنَّه كانت تأتيهم رسلهم من عند الله بالحجج الواضحة والبراهين الجلية، فقالوا مستنكرين أن تكون الرسل من جنس البشر: أبشر يرشدوننا إلى الحق؟! فكفروا وأعرضوا عن الإيمان بهم، فلم يضرّوا الله شيئًا، واستغنى الله عن إيمانهم وطاعتهم؛ لأن طاعتهم لا تزيده شيئًا، والله غني لا يفتقر إلى عباده، محمود في أقواله وأفعاله. ٧ - زعم الذين كفروا بالله أن الله لن يبعثهم أحياءً بعد موتهم، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنكرين للبعث: بلى وربي لتُبْعَثُنّ يوم القيامة، ثم لتُخْبَرُنّ بما عملتم في الدنيا، وذلك البعث على الله سهل؛ فقد خلفكم أول مرّة، فهو قادر على بعثكم بعد موتكم أحياء للحساب والجزاء. ٨ - فآمنوا -أيها الناس- بالله، وآمنوا برسوله، وآمنوا بالقرآن الَّذي أنزلناه على رسولنا، والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها. ٩ - واذكر -أيها الرسول- يوم يجمعكم الله ليوم القيامة ليجازيكم على أعمالكم، ذلك اليوم الَّذي يظهر فيه خسارة الكفار ونقصهم، حيث يرث المؤمنون منازل أهل النار في الجنّة، ويرث أهل النار منازل أهل الجنّة في النار، ومن يؤمن بالله ويعمل عملًا صالحًا يكفِّرِ الله عنه سيئاته، ويدخله جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، لا يخرجون منها، وَلا ينقطع عنهم نعيمها، ذلك الَّذي نالوه هو الفوز العظيم الَّذي لا يدانيه فوز. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من قضاء الله انقسام الناس إلى أشقياء وسعداء. • من الوسائل المعينة على العمل الصالح تذكر خسارة الناس يوم القيامة.

стр. 564

١٠ - والذين كفروا بالله، وكذبوا بآياتنا التي أنزلناها على رسولنا، أولئك أصحاب النار ماكثين فيها أبدًا، وقبح المصير مصيرهم. ١١ - ما أصابت أحدًا مصيبة في نفسه أو ماله أو ولده إلا بقضاء الله وتدره، ومن يؤمن بالله وقضائه وقدره يوفق الله قلبه بالتسليم لأمره والرضا بقضائه، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء. ١٢ - وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن أعرضتم عما جاءكم به رسوله فإثم ذلك الإعراض عليكم، وليس على رسولنا الا تبليغ ما أمرناه بتبليغه، وقد بلغكم ما أُمِر بتبليغه. ١٣ - الله هو المعبود بحق، لا معبود بحق غيره، وعلى الله وحده فليعتمد المؤمنون في جميع أمورهم. ١٤ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إن من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم؛ لكونهم يشغلونكم عن ذكر الله والجهاد في سبيله، ويثبطونكم، فأحذروهم أن يؤثِّروا فيكم، وإن تتجاوزوا عن زلاتهم وتعرضوا عنها وتستروها عليهم، فإن الله يغفر لكم ذنوبكم ويرحمكم، والجزاء من جنس العمل. ١٥ - إنما أموالكم وأولادكم ابتلاء واختبار لكم، فقد يحملونكم على كسب الحرام، وترك طاعة الله، والله عنده ثواب عظيم لمن آثر طاعته على طاعة الأولاد، وعلى الانشغال بالمال، وهذا الجزاء العظيم هو الجنّة. ١٦ - فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ما استطعتم إلى طاعته سبيلًا، واسمعوا وأطيعوا الله ورسوله، وابذلوا أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير، ومن يَقِهِ الله حرص نفسه فأولئك هم الفائزون بما يطلبونه، والناجون مما يرهبونه. ١٧ - إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا؛ بأن تبذلوا من أموالكم في سبيله، يُضاعف لكم الأجر بجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويتجاوز لكم عن ذنوبكم، والله شكور يعطي على العمل القليل الأجر الكثير، حليم لا يعاجل بالعقوبة. ١٨ - الله سبحانه عالم ما غاب، وعالم ما حضر، لا يخفى عليه من ذلك شيء، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مهمة الرسل التبليغ عن الله، الهداية فهي بيد الله. • الإيمان بالقدر سبب للطمأنينة والهداية. • التكليف في حدود المقدور للمكلَّف. • مضاعفة الثواب للمنفق في سبيل الله.

стр. 565

سورة الطلاق - مَدَنية- [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] تعظيم أمر الطلاق وحدوده، وبيان عاقبة التقوى والتعدي على حدود الله. [التَّفْسِيرُ] ١ - يا أيها النبي، إذا أردت أنت أو أراد أحد من أمتك طلاق زوجته فليطلقها لأول عِدَّتها؛ بأن يكون الطلاق في طُهْر لم يجامعها فيه، واحفظوا العِدَّة، لتتمكنوا من مراجعة زوجاتكم فيها إن أردتم مراجعتهنّ، واتقوا الله ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، تُخْرِجوا مطلقاتكم من البيوت التي يسكنّ فيها، ولا يخرجن بأنفسهنّ، حتَّى تنقضي عدتهنّ؛ إلا أن يأتين بفاحشة ظاهرة مثل الزنى، وتلك الأحكام هي حدود الله التي حدّ لعباده، ومن يتجاوز حدود الله فقد ظلم نفسه حيث أوردها موارد الهلاك بسبب عصيانه لربه، لا تعلم -أيها المطلّق- لعلّ الله يحدث بعد ذلك الرغبة في قلب الزوج فيراجع زوجته. ٢ - فإذا قاربن انقضاء عِدَّتهنّ فراجعوهنّ عن رغبة وحسن معاشرة، أو اتركوا مراجعتهن حتَّى تنقضي عدتهن، فيملكْن أمر أنفسهنّ، مع إعطائهنّ ما لهن من حقوق، وإذا أردتم مراجعتهن أو مفارقتهن فأشهدوا عدلين منكم حسمًا للنزاع، وائتوا -أيها الشهود- بالشهادة مبتغين وجه الله؛ ذلك المذكور من الأحكام يُذَكَّر به من كان يؤمن بالله، ويؤمن بيوم القيامة؛ لأنه هو الَّذي ينتفع بالتذكير والموعظة، ومن يتّق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، يجعل الله له مخرجًا من كل ما يقع فيه من الضيق والحرج. ٣ - ويرزقه من حيث لا يخطر له على بال، ولا يكون في حسبانه، ومن يعتمد على الله في أموره فهو كافيه، إن الله منفذ أمره، لا يعجز عن شيء، ولا يفوته شيء، قد جعل الله لكل شيء قدرًا ينتهي إليه، فللشدة قدر، وللرخاء قدر، فلا يدوم أحدهما على الإنسان. ٤ - والمطلقات اللائي يئسن من أن يحضن لكبر سنّهن، إن شككتم في كيفية عِدَّتهن فعِدَّتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يبلغن سنّ الحيض لصغرهن فعِدَّتهن ثلاثة أشهر كذلك، والحوامل من النساء نهاية عدَّتهن من طلاق أو وفاة: إذا وضعن حملهنّ، ومن يتّق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، يُيَسِّر الله له أموره، ويسهل له كل عسير. ٥ - ذلك المذكور من أحكام الطلاق والرجعة والعِدَّة حكم الله أنزله إليكم -أيها المؤمنون- لتعملوا به، ومن يتّق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يمح عنه سيئاته التي ارتكبها، ويعطه أجرًا عظيمًا في الآخرة، وهو دخول الجنّة، والحصول على النعيم الَّذي لا ينفد. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • خطاب النبي ﷺ خطاب لأمته ما لم تثبت له الخصوصية. • وجوب السكنى والنفقة للمطلقة الرجعية. • النَّدْب إلى الإشهاد حسمًا لمادة الخلاف. • كثرة فوائد التقوى وعظمها.
следующие страницы →