← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

(بمربد) بكسرِ الميم وسكونِ الرَّاء وفتحِ الموحَّدة ودالٍ مهملة، موضع تُحبَسُ به النَّعَم، وهذا المِربَدُ على ميلين من المَدينة، فلهذا دخَلَ في ترجَمَةِ الحَضَر؛ لأنَّ السَّفرَ القصيرَ في حُكمِ الحَضَر. (فصلى)؛ أي: بتيمُّمٍ وإن لم يذكرْه البخاريُّ، فقد رواه مالك وغيرُه. * * * ٣٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَناَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونة زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمٍ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أبو الجُهَيْم: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُل فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثمَّ رَدَّ ﵇. (عبد الله بن يسار) بفتح المثنَّاة تحتُ وبمهمَلة. قال (ن): وقعَ في "مسلم" بدله: (عبدُ الرَّحمن بنُ يسار)، ووقعَ فيه أيضًا؛ (أبو جَهم) بالتَّكبير، وكلاهُما غَلَطٌ، أي: فالذي في هذا الحديث: (أبو جُهيم) بالتَّصغير، وربَّما قيلَ: (الجُهَيم) بلامِ لَمحِ الأصلِ، وهو عبدُ الله بنُ الحارث. (بئر جمل) بفتح الجيم والميم: موضِعٌ بالمدينة.

стр. 1017

(رجل) هو أبو جُهَيم، راوي الحديث كما في "مسند الشَّافعيِّ". (فلم يرد) بتشديد (١) الدال، أي: لم يردَّ السَّلامَ. قال (ن): والحديثُ محمول على أنَّه ﷺ كان عادِمًا للماء حالَ التيمُّمِ؛ لامتناعِ التيمُّمِ مع القُدرة، سواء في فرضٍ أو نفلٍ؛ لكنَّ هذا التيمُّمَ لرَدِّ السَّلام، وهو ذِكر يجوزُ على غَير طُهرٍ، فوجه الاستدلالِ به للتَّرجَمة أنه إذا تيمَّمَ للذِّكرِ والطَّهارةُ سنَّةٌ له؛ فالتيمُّمُ للصَّلاةِ إذا خاف فوتَها أولى، ففيه دليلٌ على التيمُّمِ للنَّوافل، وأيضًا فإذا خافَ الفَوت في السَّفَر تيمَّمَ لفَقدِ الماء بالنَّص؛ كانَ الحاضِرُ مثلَه قياسًا. (على الجدار) إنَّما تيمَّم بالجدارِ، ولا يجوز مثلُه إلا بإذنِ المالكِ لأنَّ ذلك الجدارَ كان مُباحًا، أو عَلِمَ من مالكِه الرِّضا، ولا سيَّما للنبيّ ﷺ . قال (ط): في الحديث ردٌّ على الشَّافعيّ في اشتِراطه الغبارَ؛ فإنَّ الجدارَ لا غبارَ عليه، وردَّه (ك): بأنَّ الغالبَ على الجدار الغبارُ، فمن أين نفيُه مع أنَّه ثبَتَ أنَّه ﷺ حتَّ الجدارَ بالعصا ثم تيمَّم فيُحمَلُ المُطلَقُ على المُقيَّد. * * *

стр. 1018

٤ - باب المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا (باب هل ينفخ فيهما)؛ أي: في اليدَين، ففي بعضِها: (هل ينفُخُ في يدَيه بغير ما يَضرِبُ بِها الصَّعيدَ للتيمُّم). ٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كنَّا فِي سَفَرٍ أَناَ وَأَنْتَ، فَأمَّا أنتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَناَ فتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إنَّما كانَ يَكْفِيكَ هَكَذا)، فضَرَبَ النَّبيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، ونَفَخَ فِيْهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. (الحكم) بفتح الكاف، أي: ابنُ عُتَيبَة -بالمثناة فوقُ-. (ذر) بفتح المعجمَة وتشديدِ الرَّاء، أي: ابن عبد الله. (أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الزَّاي، مقصورٌ. (أجنبت)؛ أي: صِرتُ جُنُبًا، وفي بعضِها: (جُنِبتُ) بضم الجيم وكسر النونِ. (فلم أصب)؛ أي: لم أَجِد. (أما تذكر) الهمزةُ للاستِفهام، و (ما) للنَّفي.

стр. 1019

(أنا وأنت) تفسير لضميرِ الجَمع في (أنَّا). (فلم تصل)، أي: إمَّا لاعتِقادِ أنَّ التيمُّمَ عن الحدَث الأصغرِ لا الأكبرِ، وعمَّار قاسه عليه، أو أنَّه لم يُصَلِّ لتوقُّعِ الوُصول للماءِ. (فتمعكت)؛ أي؛ تَمرَّغتُ في التُّراب. (بضربة) لا دلالةَ فيه على أنَّ الضَّربةَ الواحدةَ تكفي للوَجه واليدَين لِجوازِ أن يكونَ ذلك تعليمًا لإتيانِ كلّ ما يَحصلُ به التَّيمُّمُ، وقد ثبت في الرِّواية الأُخرى (ضَربتان). (ونفخ)؛ أي: ليُخَفِّف التُّرابَ لا أنَّه تيمَّمَ بلا غُبارٍ. (وكفيه) لا يُستدَلُّ به على عدمِ وجوبِ المَسح للذِّراعين والمِرفقَين، كما هو مذهبُ أحمدَ أنَّ الواجب للكوعَين فقط، لثُبوتِ المَسح للمِرفقَين في رواية أخرى عن عمارٍ، بل فيه في أبي داودَ: (إلى المَناكبِ والآباطِ)، فسَقَط ما وراءَ المِرفقَين بالإجماعِ، فيبقى الوُجوبُ في الباقي، وأيضًا ففي الوُضوءِ يجب ذلك فكذا في بَدَلِه، وهو التيمُّمُ. وفي الحديثِ جوازُ الاجتِهادِ في زَمَنه ﷺ كما هو أصحُّ الأقوالِ في الأصولِ، ثالثها: يمتنِعُ بحَضرته فقط. وفيه أنَّ مَسحَ الوَجه واليدَين بدلٌ في الجَنابة عن كلِّ البَدَن، كما أنَّه في الوُضوءِ عن أعضائه، وعن غَسلِ لُمْعَةٍ في الجِراحة، وفيه أنَّه ﷺ لم يأمُرْه بالإعادَةِ لأنَّه عَمِلَ أكثرَ ممَّا كان يجبُ عليه في التيمُّم. * * *

стр. 1020

٥ - بابٌ التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ (باب التيمم للوجه والكفين) ٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ، عَنْ ذَرِّ، عَنْ (سَعِيدِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمَّار بِهَذَا. وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْناَهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَناَ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. قَالَ الْحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ. الحديث الأول: (حجاج)؛ أي: ابنُ المِنْهالِ. (بهذا)؛ أي: بقوله: أمَا تَذكُر. (وضرب) هو من قَولِ الحَجَّاج. (وأدناهما)؛ أي: قرَّبَهُما من فيه. (وقال النضر) بالنون المَفتوحةِ والضَّاد المُعجمة السَّاكنة: ابنُ شُمَيلٍ، وهو من كلامِ البخاريِّ، والفَرقُ بين هذه الطَّريقِ وطريقِ

стр. 1021

الحجَّاجِ أنَّه بلفظِ (عن)، وذا بلَفظِ (سَمِعتُ) وبينهما فَرقٌ، نعم، هو تَعليقٌ؛ لأنَّ وفاةَ النَّضْرِ بنِ شُمَيلٍ سنةَ ثلاث ومئتين بالعِراقِ، والبُخاريُّ ابنُ تِسعٍ ببُخَارَى، لكنْ وصَلَه مسلم. (قال الحكم) يحتملُ أن يكونَ تعليقًا، وأن يكونَ من كلامِ شُعبَةَ، فيكونُ مسنَدًا، والغَرَضُ أنَّ الحَكَمَ يروي عن شُعبَةَ بلا واسطة ذَرٍّ بينهما، فهو أعلى، كما أنَّ ذاك من لَفظِ (سَمعتُ) أعلى. * * * ٣٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ عَمَّار: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأجْنَبْنَا، وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا. (شهد)؛ أي: حَضَرَ. (له)؛ أي: لعمَرَ. (سرية) قِطعة من الجَيشِ. (تفل) بمثنَّاةٍ فوقُ وفاءٍ مفتوحتَين. قال الجوهري: التَّفلُ شبيهٌ بالبَزْقِ، وهو أقلُّ منه، أوَّلُه البَزْقُ ثمَّ التَّفْلُ ثمَّ النَّفثُ ثم النَّفخُ، والقَصدُ أنَّه أبدَلَ (نَفَخَ) بـ (تَفَلَ). * * *

стр. 1022

٣٤١ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرناَ شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَم، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: تَمَعَّكْتُ فأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: (يَكْفِيكَ الوَجْهَ وَالكَفَّينِ). الحديث الثاني: (كثير) بالمثلَّثة. (يكفيك الوجه والكفين) وفي بعضِها: (واليدين)، والأحسَنُ رفعُ الوَجه، وحينئذٍ فإنْ عَطَفَ عليه (الكفَّانِ) -كما قال ابنُ مالك أنَّها رواية- فواضح، وأمَّا رواية: (والكفين)؛ فيحتملُ أنَّه منصوبٌ على أنَّ الواوَ بمعنَى (مع)، وأنَّه مجرورٌ على أنَّ الأصلَ: ومسحُ الكفَّين، فحُذِف المُضاف وأُبقِيَ الجَرُّ، وجوَّز ابنُ مالك أن يكونَ الأصل: يكفِي كالوَجه واليَدَين، والكافُ زائدةٌ كما في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، والأصلُ: يكفِي الوَجهُ والكفَّان. قال: ويجوزُ على هذا الوَجهِ رفعُ اليَدَين عَطفًا على مَحلِّ الوَجه، فإنَّه فاعل، فتَلَخَّص: أنَّ (الكفَّين) مَرفوعٌ وإنْ جُرَّ بحرفِ جزّ زائد، أو مَجرورٌ بحَذفِ مُضافٍ، أو منصوبٌ. الحديثُ الثَّاني الفَرقُ بينَ إسنادِه وإسنادِ المُتقدِّم أنَّ بينَه وبينَ شُعبَةَ رجُلَين بخلافِ باقي الطُّرق، وبينَ المَتنَين أنَّ هنا (بيدِه) بدلَ (كفَّيه)، وعدمَ لفظِ: (ونَفَخَ). * * *

стр. 1023

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المُسْلمِ يكفِيهِ مِنَ المَاء وَقَالَ الْحَسَنُ: يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّم. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَا بَأس بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بها. (باب الصعيد الطيب وضوء المسلم) قال الجوهري: الصَّعيدُ: التُّرابُ، وقال ثَعلب: وَجهُ الأَرضِ، والطَّيبُ: الطَّاهرُ، وقيلَ: الحلالُ. والتُّرابُ شَرطٌ عندَ الشَّافعي خلافًا لقولِ مالكٍ وأبي حنيفةَ: يجوزُ على كلِّ أرضٍ طاهرةٍ، ولو جُدُرًا لا ترابَ عليها. قال بعض المالكية: يتيمَّمُ بالصَّخرَةِ المَغسولةِ، وبكلِّ ما اتَّصل بالأَرض من خشَبٍ وغيرِه، بل وجوَّزَ الأوزاعِيُّ بالمِلح، وكلِّ ما على الأَرضِ. قال (ط): إن قيلَ: لا يقالُ: مَسَحَ منه؛ إلا إذا أخَذَ جُزءًا، قيلَ: يجوزُ أن يكونَ (منه) صلةً، نحو: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢]، والقرآنُ كلُّه شفاءٌ. فإن قيلَ: ففي الحديث: (وتربتُها طَهورًا)، وهو نصٌّ في التُّراب، وزيادَةُ الثِّقة مقبولةٌ يجبُ العملُ بِها؟ قيلَ: نحن نُجوِّزُ الأمرَين، فنَعمَلُ

стр. 1024

بالزَّائد والمَزيدِ علَيه. قال (ك): أما كونُ (من) صِلَةً فتعسُّفٌ، وفي "الكشَّاف": فإن قلتَ: لا يَفهمُ أحدٌ من مَسحتُ مِنَ الدُّهن، ومن الماء، ومن التُّرابِ؛ إلا البَعض؟ قلت: هو كما يقولُ، والإِذعانُ للحقِّ أحقُّ من المِراء. وأمَّا قولُه: عَمِلنا بالزَّائدِ والمَزيدِ عليه، فغَيرُ صحيحٍ، فإنَّ المُطلَق يجِبُ حَملُه على المقيَّد عند اتِّحاد السَّبب، وإلا فليسَ عَمَلًا بالدَّليلَين. (يجزئ) بالهمزِ، من الإِجزاءِ، وهو الأداءُ الكافي في سُقوطِ التَّعبُّد، وفي بعضِها بفَتح أوَّله، بمعنَى: يكفي. قال الجوهري: جَزَأتُ بالشَّيءِ اكتَفَيتُ، وجُزِئ على هذا؛ أي: قُضِيَ، فهو على التَّقديرَين لازم، ولعلَّ التقديرَ هنا: يقضِي عن الماءِ التيمُّمُ، فحُذِف الجار وأُوصِلَ الفعلُ، وغرضُه أنَّ التيمُّمَ كالوضوءِ في أداءِ فروضٍ متعدِّدةٍ به. قال (ط): قال الحَسَنُ، والكوفيُّونَ: يُصلِّي بالتَّيمُّمِ جميعَ الصَّلوات ما لم يُحدِثْ، لتَرتُّبِه على الوُضوء فله حكمُه، وقال الأئمَّةُ الثَّلاثة: لا يصلِّي إلا فَرضًا واحدًا، لأنَّه طهارةٌ ضروريَّة استُبيحَ بِها، بدليلِ بُطلانِها بوجودِ الماء، وأنَّ الجُنُبَ يعودُ جُنُبًا بوجودِ الماء، فلذلك أُمِرَ مَن صلَّى به بطلَبِ الماءِ لصلاةٍ أخرى، وأيضًا فالتَّيمُّمُ لا يجوز لشيءٍ قبلَ وقتِه، فلا يُصلِّي به فريضَةً أخرى، لأنَّه يتيمَّمُ قبلَ الوَقت، نعم، المُتيمِّمُ يؤُمُّ المُتوضِّيء عند الشَّافعيِّ، ومالك، وأبي

стр. 1025

حنيفةَ، خلافًا للأوزاعيِّ؛ قالَ: لضَعفِ طهارته. (السبخة) بفتح المُوحَّدة، واحدةُ السِّباخِ، وأرضٌ سَبَخَةٌ: ذاتُ سِبَاخ، وجوَّزَ الجُمهورُ التيمُّمَ بِها، ومنَعَه ابنُ راهَوَيه. * * * ٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ استيقَظَ فُلَانٌ ثُمَ فُلَانٌ ثُمَ فُلَانٌ -يسَمِّيهِم أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوفٌ- ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ناَمَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ ويرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ: (لَا ضَيْرَ -أَوْ لَا يَضِيرُ- ارْتَحِلُوا)، فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيد ثُمَّ نزلَ، فَدَعَا بِالوَضُوءَ، فتوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفتلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِل لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ قَالَ: (مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟!)، قَالَ: أَصَابتني جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ)، ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ

стр. 1026

العَطَشِ فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلَانًا -كَانَ يسَمِّيهِ أبو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوفٌ- وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا المَاءَ)، فَانْطَلَقَا فتلَقَّيَا امْرَأةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ -أَوْ سَطِيحَتَيْنِ- مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ المَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالمَاءَ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُناَ خُلُوفًا، قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا، قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي، فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بإناَءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ المَزَادَتَيْنِ -أَوِ سطِيحَتَيْنِ- وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ العَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِناَء مِنْ مَاءٍ قَالَ: (اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ)، وَهْيَ قَائِمَةٌ تنظُرُ إلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللهِ! لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وإنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اجْمَعُوا لَهَا)، فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدقيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ لَهَا: (تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَاناَ)، فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانة؟ قَالَتِ: العَجَبُ، لَقِيَني رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ! إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ، وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا

стр. 1027

الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ -تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ- أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا، فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءَ القَوْمَ يَدْعُونكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإسْلَامِ. (مسرهد) بضمِّ الميم وفتحِ المُهملة وسكونِ الرَّاء وفتحِ الهاء وبمهملة، والإسناد بَصريُّون. (أسرينا) وفي بعضِها: (سَرَينا). (وقعنا وقعة)؛ أي: نِمنا نَومَةً، كأنَّهم سَقَطوا عن الحَركة. (أحلى): خبر (إنَّ)، أو صفةٌ لـ (وَقعة)، والخبرُ محذوفٌ. (منها)؛ أي: منَ الوَقعةِ آخرَ اللَّيل، كما قال: (ن)، فإنَّ الكَرَى عندَ الصَّباح يطيبُ. (أول) بالنَّصبِ خبرُ (كان)، و (فلان) اسمُها، و (من) نكرةٌ موصوفة، لأنَّ (أول) نكرةٌ لإضافته إلى نكرةٍ. (فلان) هو أبو بكرٍ، كما في رواية سَلمِ بنِ زَرِيرٍ. (الرابع)؛ أي: من المُستَيقظين، وفي بعضها: (هو الرابع). (ما يحدث له)؛ أي: من الوَحي، وهو بضمِّ الدَّال، من الحُدوث. (ما أصاب الناس)؛ أي: من فواتِ الصُّبح وكونهم على غيرِ ماءٍ. (جلد) بفتح الجيم وكسر اللام، من الجَلادةِ، وهي الصَّلابةُ،

стр. 1028

وجَلُدَ الرَّجُلُ -بضمِّ اللام- فهو جَليدٌ وجَلدٌ، وجوابُ لمَّا محذوفٌ لأنه يكثُر حَذفُه. (استيقظ)؛ أي: تيقَّظَ، فهو لازمٌ، والنبيُّ ﷺ فاعلُه. (لا ضير) -أي: لا ضرَرَ- (أو لا يضير) شك من الرَّاوي، يقال: ضَارَه يَضيرُه ويضُورُه. (ارتحلوا) أمرٌ بالارتِحالِ. (فارتحل)؛ أي: النبيُّ ﷺ بِمَن معه، وفي بعضِها: (فارتَحَلوا). (انفتل)؛ أي: انصَرَفَ. (برجل) قيل: هو خَلَّادُ بنُ رافعٍ، ووَهَّموا قائلَه. (معتزل)؛ أي: مُنفَرد. (يكفيك)؛ أي: لإباحةِ الصَّلاة، ثم يحتملُ وهو أظهرُ لصلاةٍ واحدَةٍ، ويحتملُ لكلِّ صلاةٍ ما لم يُحدِث. (اشتكى إليه الناس) في رواية: (اشتَكَوا)، كـ (أكلوني البراغيثُ). (فلانًا) هو عِمرانُ راوي الحديث، كما في رواية: سَلمِ بنِ زَرِيرٍ. (مزادتين أو سطيحتين) الشَّكُّ من الرَّاوي، والمَزادةُ -بفتح الميم وبالزَّاي- جَمعُها مَزاوِدُ ومَزَائِدُ: الرَّاوية، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّه يُزادُ فيها جِلدٌ آخرُ من غيرها، ولهذا قيل: إنَّها أكبرُ من القِربَةِ، والسَّطيحة -بفتح السين وكَسرِ الطَّاء المهملتين- بمعنَى المَزادَة.

стр. 1029

(عهدي) مبتدأٌ وخبرُه إمَّا محذوفٌ، أي: حاصِلٌ ونحوُه. (بالماء) متعلِّق بـ (عَهدي). (أمس) ظرفٌ له. (هذه الساعة) بدلٌ منه بدلَ بعضٍ من كُلٍّ، و (أمسِ) مبنيٌّ على الكسر عند الحجازيين، ومُعرَبٌ غيرُ منصرفٍ للعَدل والعلَمِيَّة عند تميمٍ، فتُفتَحُ سينُه حينئذٍ إذا كانَ ظَرفًا. وجوَّز أبو البقاء أن يكونَ (أمسِ) خبرَ (عهدي)؛ لأنَّ المصدرَ يُخبَرُ عنه بظرفِ الزَّمان، وعليه اقتَصر: (ك)، فعلى هذا تُضَمُّ سينُه على لغة تَميمٍ. قال ابنُ مالك: أصلُه في مثلِ هذه السَّاعة، فحُذِفَ المُضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامَه. (ونفرنا) بفتح النون والفاء، عدةُ رِجالٍ من ثلاثةٍ إلى عَشَرةٍ، ويقال: فيه لغة: نَفِيرٌ ونَفَرٌ. قال الفراء: نفرُ الرَّجل: رَهْطُه. (خلوف) بضمِّ الخاء المُعجمة، جمعُ (خالِف) أي: مُستقٍ بعد أن تَرَك النِّساء والأثقالَ في الحي كـ: شاهدٍ وشُهود، ويقالُ: حيٌّ خُلُوف؛ أي: غُيَّبٌ، وفي بعضِها: (خُلُوفًا) بنصبه خبرًا لـ (كانَ). (الصابئ) بالهمزِ من (صَبَأ) خَرَجَ من دينٍ إلى دينٍ، أو بالياءِ من صَبَا يصبِي: إذا مالَ.

стр. 1030

(تعنين)؛ أي: تُريدين. (وأوكأ) الإيكاءُ: الشَّدُّ بالوِكاء، وهو ما يُجعَلُ على فَمِ القِربة. (أفواههما) مثل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. (العزالي) بفتح العين المهملة وخفَّةِ الزَّاي، جَمعُ عَزلاء -بالمَدِّ-، وهو فمُ المَزادة الأَسفلُ، وهي عُروَتُها التي يَخرجُ منها الماء خُروجًا واسعًا، وتفتح لامُ (العزالَى) كالصَّحارَى، وهو منصوبٌ بفتح الياء، ويسكَّنُ في لغةِ من يقدِّرُ حركات المنقوصِ مطلقًا في النَّصب وغيرِه. (اسقوا) بهمزة وَصلٍ أو قطعٍ، فتُكسر وتُفتح. (واستقى) فرقٌ بينَه وبينَ (سقى) أنَّه لنَفسِه، و (سقَى) لغيرِه من ماشيَةٍ ونحوِها، و (استقَى) قيل: بمعنَى (سقى)، وقيلَ: إنما يقالُ: سقيتُه لنفسِه، واستَقَيتُه لمَاشيتِه. (آخر) يجوزُ أن يكونَ خبَرَ (كان)، وأنَّ (أَعطى) الخبَرُ، وبالعكس؛ لأنَّ (أنْ) مع الفعل في تقدير المَصدر والمَعرفةِ. قال أبو البقاء: وهو الأَرجَحُ؛ لأنَّ (أنْ) والفعلَ أعرفُ من المُفرد قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا﴾ [النمل: ٥٦]، قُرِئَ بالرَّفع والنَّصبِ. (الذي أصابته)؛ أي: الذي كان مُعتَزِلًا. (فأفرغه) بقطعِ الهمزة. (يفعل) بفتح أوَّله وضمِّه.

стр. 1031

(وايم الله) قسمٌ كـ (أَيمُن) والهمزةُ للوَصل، بل قالَ أبو عُبيد: إنَّ (أيمُن) جمعُ (يمين) هو أصلُه، فحُذِفت نونُه، وكان أصلُ هَمزته قَطعًا، لكنْ طُرِحَت لكَثرةِ الاستِعمال، وهي بكسرِ الهمزَةِ وفَتحِها، وليس لنا هَمزةُ وَصل تُفتَح غيرُها، ولغاتُها نحوُ العشرين، ورفعُه بالابتداء، والخبَرُ محذوف، أي: قَسَمي. (أُقلع) بضم الهمزة، من الإقلاع عن الشَّيءِ، وهو الكفُّ عنه. (ملأة) بميمٍ مكسورة ولام ساكنة بعدها همزة ثم تاءِ التأنيث السَّاكنة، أي: امتلاءً. قال (ك): وبفتح الميم، وذلك من مُعجِزاته ﷺ . (عجوة) هو من أجوَدِ تَمرِ المَدينة. (ودقيقة وسويقة) رُوِيا مُكبَّرتين ومُصغَّرتَين. (طعاما)؛ أي: الثَّلاثة. (فجعلوه) في بعضِها: (فَجَعلوها)، أي: الثَّلاثة. (بين يديها)؛ أي: قُدَّامَها على ظَهر البعير، وإنَّما أُعطِيت ذلك مع كُفرِها طَمَعًا في إسلامِها، وتَصَرَّفوا أوَّلًا في مالِها نَظرًا إلى كُفرِها أو للضَّرورة، فإنَّها تُبيحُ المَحظورَ. (رزئنا) بفتح الراء وكسر الزاي: نَقَصْنا، وفي بعضِها بفتح الزَّاي. (العجب) بالرفع؛ أي: حبَسنِي العَجَب.

стр. 1032

(من بين) هي بيانيَّةٌ، وإلا فكانَ المُناسب (في) بدل (من) على أنَّ حروفَ الجرِّ قد تتقارض. (والسبابة)؛ أي: المُسبِّحة. (يعني)؛ أي: المَرأة، أي: تُريد أنه أسحَرُ النَّاس بين السَّماء والأرضِ، أو أنَّه رسولُ الله حَقًّا. (الصرم) بكسر الصَّاد، النَّفَرُ ينزلون بأهليهم وأبياتِهم على الماء، والجمعُ (أصرُم)، وإنما لم يُغيروا عليهم وهم كَفَرَةٌ للطَّمَعِ في إسلامهم بسبَبِها، أو للاستِئْلافِ، أو لرِعايَة ذِمَامِها (١). (ما أرى) بفتح الهمزة، أي: الذي أعلَمُ، وبضَمِّها؛ أي: أظُنُّ. قال ابن مالك: وفي بعض نُسخِ البُخاري: ما أدري، وهو صَحيحٌ أيضًا، و (ما) بمعنَى الذي. (أن) بفتحِ الهمزة، أي: أعلَمُ وأعتَقِد أنَّ هؤلاء يدعونكَم عَمدًا، لا جَهلًا ولا نِسيانًا، ولا خَوفًا مِنكُم، وقال غيرُ ابنِ مالكٍ: يجوزُ أن تكونَ (ما) نافيةً، وأن تُكسَرَ الهمزةُ، و (أدري) -بالدَّال-؛ أي: لا أعلَمُ حالكم في تخلُّفِكم عن الإسلامِ، مع أنَّهم يدعونكَم عَمدًا. وقال أبو البقاء: الجيِّدُ كسرُ (إنَّ) على الاستئنافِ، ولا تُفتح على إِعمال (أدري) فيه؛ لأنَّها قد عَمِلت بطريقِ الظَّاهر، والمعنَى: أنَّ المسلمين تَرَكوا الإغارَة على صَرحِها مع القُدرَة، فرغَّبَتهم في

стр. 1033

الإسلامِ، ويكونُ مَفعولُ (أدري) مَحذوفًا، أي: ما أَدري ماذا يَمتَنعونَ من الإسلامِ ونحوِه. (فهل لكم) ترغيب لهم. قال (خ): فيه أنَّ فَوائِتَ الصَّلاة يُؤَذَّنُ لَها. وتعقَّبه (ك): بأنَّ النِّداءَ أعمُّ من الأذان، فقد يُرادُ به الإقامةُ. وفيه جوازُ تأخيرِ القَضَاء للصَّلاة عن مَوضع تذكُّرِها حيثُ لا غَفلَةَ ولا استِهانة. قال (ط): وفيه أنَّ نَومَه ﷺ كغَيره من البَشر، إلا أنَّه لا أضغاثَ فيه؛ لأنَّ رُؤيا الأنبياءِ وَحي، وأنَّ الأمورَ يُحكَمُ فيها بالأعمِّ؛ فإنَّه قد يَحدُث له وَحيٌ، وقد لا يَحدُث كالنَّائم يُحكَمُ بحَدَثِه، وقد يوجَدُ حَدَث، وقد لا يوجَدُ. وفيه التأدُّبُ في إيقاظِ السَّيد؛ لأنَّ عمَرَ لم يوقِظْه ﷺ بالنّداء، بل بذكرِ الله ، وأنَّ عمرَ أجلدُ المؤمنين وأصلبُهم في الدِّين، وأنَّ من حلَّت به في مَوضعٍ فِتنةٌ يخرُجُ منه ويَفِرُّ بدينه، وأنَّ من ذَكَرَ صلاةً يأخُذ فيما يصلِحُه لصَلاته من طَهورٍ ونحوِه، والجَماعةُ في صلاةِ الفائتَةِ، وأنَّ تأخيرَ المُبادرة إليها لا تَمنعُ أن يكونَ ذاكرًا لَها. وفيه طَلبُ الماء للشُّرب والوُضوء، والبَعثُ فيه، وأخذُ الماء للحاجَةِ حيثُ وُجِد، ويُعوَّضُ صاحِبُه، ومن دلائل النُّبوَّةِ أن يشربوا مِمَّا سَقَط من العَزَالِي والمَزادتان مَملوءَتان، ومراعاةُ ذِمامِ الكافِر. وفيه بيانُ مِقدارِ الانتِفاعِ بالاستِئلافِ على الإسلامِ، فَعَلِم الصِّرمُ

стр. 1034

قدر ذلك فأَسلَموا، وأنَّ العَطشانَ يُقدَّمُ على الجُنُب، وجوازُ تأخيرِ الصَّلاة الفائِتَةِ بالنَّومِ، وجوازُ الحَلِف بدونِ الاستِحلاف. * * * ٧ - بابٌ إِذَا خَاف الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ أَوِ المَوْتَ أَوْ خَاف العَطَشَ تَيَمَّمَ ويُذْكَرُ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدهٌ فتيمَّمَ وَتَلَا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ. (باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت): المرضُ يشملُ ما كان فيه تلَفٌ وغيرُه، كزيادة في المرضِ أو نحوِه على ما فُصِّل في الفِقه؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقال مالكٌ: لا يتيمَّمُ لِمَرضٍ إلا إن خافَ التَّلفَ، وقال الحسَنُ: لا يُستباحُ تيمُّم بمرضٍ أصلًا. (ويذكر) تعليقٌ بصيغةِ تَمريضٍ، وقد وصَلَه الدَّارَقطنِيُّ، وكذا رواه أبو داودَ، وابنُ حبَّان، والحاكمُ، لكنْ من غيرِ ذِكرِ التيمُّمِ، وهذه القِصَّة كانت في غزوةِ ذاتِ السَّلاسلِ. (أجنب) بفتح الهمزة.

стр. 1035

(ولم يعنفه)؛ أي: رسولُ الله ﷺ عَمْرًا. ووجهُ الدَّليل: أنَّه قد يؤدي للهلاكِ، وقد نهَى الله عمَّا يوجِبُ الهلاكَ، وعدمُ التَّعنيفِ تقريرٌ، فيكونُ حُجَّةً على تيمُّمِ الجُنُب. * * * ٣٤٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ غُنْدَر-، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ أبو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا لَمْ يَجدِ المَاءَ لَا يُصَلِّي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا، كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ: هَكَذَا -يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى- قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. الحديث الأول: (سليمان)؛ أي: الأَعمَش. (أبو وائل) شقيقُ بنُ سَلَمَة. (إذا لم يجد)؛ أي: الجُنُب، وهو استفهامٌ من عبد الله لأبي موسى وسؤال. (وفي هذا)؛ أي: في جَوازِ التيمُّمِ للجُنُب. (معنى تيمم وصلي) تفسير لقوله: (قال هكذا). قلتُ: هو من مَقولِ أبي موسى. (أين قول عمار)؛ أي: قولُه: (كنا في سَفرة فأجنَبتُ فتَمَعَّكتُ)،

стр. 1036

وقد سَبق حديثُه بطوله، وإنَّما لم يقنَع عمَرُ بقَولِ عمَّارٍ؛ لأنَّه كان حاضِرًا معه في تلك السَّفرة، ولم يذكُر القِصَّة، فارتابَ في ذلك. * * * ٣٤٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يجِدْ مَاءً كيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجدَ المَاءَ، فَقَالَ أبو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (كَانَ يَكْفِيكَ)؟ قَالَ: ألمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللهِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ المَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَتتَيَمَّمَ، فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللهِ لِهَذَا، قَالَ: نعمْ. الحديث الثاني: (عن أبيه)؛ أي: حفصِ بنِ غياثٍ. (أرأيت)؛ أي: أخبِرْني. (يا أبا) قد تُحذَفُ هَمزتُه تَخفيفًا، وهو كُنيةُ عبدِ الله. (يكفيك)؛ أي: مسحُ الوَجهِ واليَدَين. (فدعنا)؛ أي: اُترُكنا، أي: اِقطع النَّظَر عن قَول عمَّارٍ، فما تقولُ

стр. 1037

فيما وَرَد في القرآن: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. (فما أدري)؛ أي: فلم يَعرفْ عبدُ الله ما يقولُ في تَوجيهِ الآية على وِفقِ فَتواه، فـ (ما) استِفهاميَّة، ولعلَّ المَجلِسَ ما كان يقتَضِي تطويلَ المُناظَرة، وإلا فله أن يقولَ: المُرادُ بالمُلامَسةِ في الآية تلاقي البَشَرتَين بلا جِماعٍ، وجُعِلَ التيمُّمُ بدَلًا من الوضوءِ، فلا يدلُّ على جوازِه للجُنُب. (لأوشك)؛ أي: قَرُبَ وأسرع، ففيه ردٌّ على من زَعَم أنَّه لا يقالُ إلا: يُوشِكُ -مُضارِعًا-. (بَرد) بفتح الباء والراء، وحَكَى الجَوهَرِيُّ ضَمَّها، ووجهُ المُلازَمَة في تيمُّم الجُنُب، والتيمُّمِ للبَردِ؛ اشتراكُهُما في عَدمِ القُدرة على استِعمال الماء؛ لأنَّه إمَّا بفَقدِه، وإما بتعذُّرِ استِعماله. (فقلت)؛ أي: قالَ الأعمشُ: فقلت لشَقيقٍ. (ولهذا) هو عَطْفٌ على مقولاتِه المُقدَّرة، أي: كذا وكذا أيضًا، ففيهِ جوازُ المناظَرةِ والانتقالِ فيها من حُجَّةٍ إلى حُجَّةٍ، وجوازُ الاجتهاد. قال (خ): ظاهرُ هذه المُناظرةِ يأتي على إهمالِ حُكمِ الآية، وأيّ عذر من أنَّ بعضَ النَّاس قد يَستعمِلُها على وجهها، وفي غيرِ حينها؟ ووجهُ ما قال عبدُ الله بِما ظاهرُه إبطالُ الرُّخصة مع ما به من إسقاطِ الصَّلاة عمَّن خُوطِبَ بِها؛ أنَّه إنَّما تأولَ المُلامسةَ على غيرِ الجِماع، إذ لو أرادَ الجِماعَ لكان فيه مخالفةُ الآية صريحًا، وذلك مما لا يجوزُ من

стр. 1038

مثلِه في علمِهِ وفِقهِه، وتلَخَّص من القِصَّة: أنَّ رأيَ عمرَ وعبدِ الله انتقاضُ الطَّهارة بملامَسَةِ البَشَرتَين، وأنَّ عمارًا حين رأى التّرابَ بدلًا عن الماء استَعمله في جَميع ما يأتي عليه الماء. قال (ط): وفيه جوازُ التيمُّمِ للخائف من البَردِ، وأنَّ العَطشانَ يتيَمَّمُ، وأنَّ الجُنُب كذلك، إلا ما ذُكِرَ عن عمرَ وابنِ مَسعود لآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، ولِما كان من رَأيهما أنَّ المُلامَسة ما دونَ الجِماع، وأنَّ التيمُّمَ بدلٌ من الوُضوء لا من الغُسل، وأنَّ الانتقالَ في الحِجاجِ مما فيه خلافٌ إلى ما فيه وِفاقٌ، وذلك جائزٌ عند تعجيل القَطع والإِفحامِ للخَصمِ كما في محاجَجَةِ إبراهيمَ ﵇ نُمْرُودَ. * * * ٨ - بابٌ التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ (بابٌ: التيمم ضربة) بالنَّصب على الحال إن أَضفتَ (باب)، وإن نوَّنتَه فما بعدَه مرفوعان، مبتدأٌ وخبرٌ. ٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَناَ أبو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ أبو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجدِ المَاءَ

стр. 1039

شَهْرًا، أَمَا كانَ يتيَمَّمُ وَيُصَلِّي، فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يتيَمَّمُوا الصَّعِيدَ، قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا، قَالَ: نعمْ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: ألمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فتمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابّهُّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّمَا كانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنعَ هَكَذَا)، فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أفلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. وَزَادَ يَعْلَى عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ: كنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أبو مُوسَى: ألمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثنِي أَناَ وَأنتَ فَأَجْنَبْتُ فتمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْناَهُ فَقَالَ: (إِنَّمَا كانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا)، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكفَّيْهِ وَاحِدَةً. (أبو معاوية)؛ أي: محمَّدُ بنُ خَازِمٍ -بالمُعجمة والزاي- الضَّريرُ. (الأعمش) سليمانُ. (أما كان) الهمزة مُقحَمَةٌ، أو للتَّقرير، وعليهما فهو جواب (لو) لكنْ بتقدير القَولِ قبلَ (لو)، أي: يقولُ: لو أنَّ رجُلًا ... إلى آخره،

стр. 1040

فكيفَ تصنَعُ بالآية مع قَولكم: لا يتيمَّم، أو الاستفهامُ باقٍ بتقدير قَولٍ قبلَه، وهو جوابُ (لو)، أي: لو أنَّ رجُلًا أجنبَ يقال في حقِّه: أمَا يتيمم، ويحتملُ أنَّ الجوابَ على هذا فكيفَ تصنَعون؟ (في سورة المائدة) خُصِّصَ بِها، وإن كانت الآيةُ في سورة النِّساء أيضًا؛ لأنَّها آخرُ السُّوَر نزولًا، أو لأنَّ تناولَها للجُنُب أظهرُ؛ لتقديمِ حُكمِ الوُضوءِ فيها. (قلت) هو مقولُ شقيقٍ. (هذا)؛ أي: أنَّ الجُنُب لا يتيمَّمُ. (لذا)؛ أي: للزومِ تيمُّمِ صاحبِ البَرد. (تمرغ) بالرَّفع، وأصلُه: تتَمَرَّغُ، فحُذِفَت إحدَى التَّاءَين. (ضربة ...) إلى آخره، ففيه إِشكال من وجوه: أحدها: كونُه بضَربَةٍ، وفي الطُّرقِ غيرِها: (ضَربتان)، وكذا رجَّحه (ن): وقال: إنَّ الأصحَّ المنصوصَ: ضَربتان. ثانيها: الاكتِفاءُ بِمَسحِ ظهرِ كَفٍّ واحدةٍ، والإجماعُ على وجوبِ مَسحِ الكفَّين. ثالثها: إذا استَعمَلَ التُّراب في ظَهر الشِّمالِ، فكيف يَمسحُ به الوَجهَ، وهو مُستعمَل؟ رابعها: عدمُ مسحِ الذِّراعَين. خامسها: عدمُ التَّرتيبِ في تقديم الكَفِّ على الوَجه. والجواب كما قرره (ك): إنَّ الضَّربةَ الواحدة لأحَدِ ظَهري

стр. 1041

الكَفِّ، والتقدير: ثمَّ ضرَبَ ضَربةً أُخرى، ومسحَ بِها يدَيه، للإجْماعِ على عَدَمِ الاكتِفاءِ بمسحِ إحدى الكفَّين، فيكونُ المَسحُ الأوَّلُ ليس لكَونه من التيمُّمِ، بل فعلَه ﷺ خارِجا عنه لتَخفيفِ التُّراب، أو لبيانِ أنَّ تَمَعُّكَ عمَّار تغليظٌ للأمر، والواجبُ دونَه، أو أنَّ الضَّرب ما كانَ للتَّعليمِ بصورةِ الضَّربِ وتخفيفِ الأمرِ على عمَّار، أو أنَّ الواجبَ إيصالُ التُّرابِ للوَجه والكفَّين بضَربةٍ أو أكثرَ كما رجَّحَه الرَّافعيُّ، وهو الأَرجحُ. وأمَّا مسحُ الذِّراعَين فهو وإن كان أشبهَ بالأصولِ، لكنَّ الأصحَّ رواية مسحُ الكفَّين، وأمَّا الترتيبُ فمحلُّ خلاف، فأبو حنيفةَ لا يوجِبُه، وأمَّا احتمالُ أنَّ التُّرابَ صارَ مُستعملا فيحتملُ أن يكونَ المُراد بالكفِّ الجنسَ، حتى يتناولَ الكفَّين، فمَسح بإحدى الكفَّين ظَهرَ الشِّمال، ثم دلكَ الكفَّ المستعملةَ على غير المُستعملِ، ثم مَسحَ بِها وجهَه. قال: وأمَّا الجوابُ عن مَسحِ واحدة الظَّهرَ، فهو أن تُحمَلَ (أو) الفاصلةَ على الواو الوَاصلَةِ جَمعًا بين الدَّلائل، أي: تُجعلُ (أو) بمعنَى الواو، انتهى مُلخَّصًا. (زاد يعلى) بفتح المُثنَّاة وبسكون المهملة وفتح اللام، أي: ابنُ عبيدٍ الطَّنَافِسِيُّ، وقد وَصَل هذا التَّعليقَ أحمَدُ، وابنُ حِبان والإسماعيليُّ، على أنَّه كما قال (ك): يحتملُ أنَّه أدخل تحتَ إسناِد محمَّدِ بنِ سلَّام، أو أنَّ البخاريَّ سَمِعَه منه؛ لأنَّه أَدرَك عَصرَه. (أنا وأنت) إنَّما أكَّد بِهما الضَّميرَ المَنصوب، وكان الوَجهُ: إيايَ

стр. 1042

وإيَّاك؛ لأنَّ الضَّمائِرَ تتقارض، فيحِلُّ بعضُها محلَّ بَعضٍ. (واحدة) إدخالُ البخاريِّ له في التَّرجَمة يقتضي أنَّه ضَربةٌ واحدة، لكنْ يحتملُ وهو أظهرُ أن يُرادَ مسحةٌ واحدةٌ، وأمَّا الضَّربُ فضَربتانِ، وعلى تقدير ضَربَة، فيُقالُ: كيفَ استَعمَله في الوَجه، ثُمَّ مَسحَ به الكفَّين؟ فجوابُه: أنَّ مَن لا يصيرُ التُّرابُ عندَه مُستعمَلًا بذلك فالسُّؤالُ ساقِطٌ، ومَن يراه مُستَعمَلًا فوَجهُه أن يَمسَحَ الوَجه بكف واحدةٍ ثم ينفُضَ الغُبارَ منَ الكَفِّ غيرِ المُستعمَلة إلى الأُخرى، أو يَدلُكَ إحدى اليدَين بالأُخرى، ثم يَمسحَهُما بذلك. قال (ط): أخذَ أحمدُ بهذا الحديث أنَّ ضَربةً واحدةً للوَجه والكفَّين. قال: ولأنَّه إذا بدأَ بمَسحِ وَجهِه فإلى أن يَبلُغَ حدَّ الذَّقنِ لا يبقى في يَدِه شيءٌ من التُّراب، فإذا لم يَحتَج إلى ضَربةٍ أُخرى لباقي الوَجهِ فلا يحتاجُ في اليدِ إلى أُخرى؛ إذ ليسَ هو كالماءِ الذي يجبُ أن يَماسَّ كلَّ جُزءٍ من العُضوِ، وقالَ الثَّلاثة: ضَربتان؛ ضربةٌ للوَجه وضربةٌ لليدَين، كما في الوُضوء؛ [ماءٌ] للوَجه، وماءٌ لليدَين، لكنْ عندَ مالكٍ إلى الكوعَين. قال: وفي الحديثِ تركُ التَّرتيبِ في التيمُّمِ. * * *

стр. 1043

٩ - بابٌ ٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَوْفٌ، عَنْ أَبي رَجَاء، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَم يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ: "يَا فُلَانُ! مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَومِ؟ "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". هو ساقِطٌ في بعضِها، فيكونُ وجهُ دخولِ هذا الحديثِ في التَّرجَمةِ أنَّه أطلَقَ ولم يقيِّد بضَربتَين، لكنْ لعلَّ الإطلاقَ للإشارَةِ إلى أنه لا اختِصَاصَ له ببَعضِ أحكامِ التيمُّمِ. * * *

стр. 1044

٨ - كتاب الصلاة

стр. 1045

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨ - كتاب الصلاة ١ - بابُ كيْفَ فُرِضتِ الصَّلَواتُ فِي الإِسْرَاء وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أبو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ: يَأْمُرُناَ؛ يَعْنِي: النَّبِي ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ. (كتاب الصَّلاة) (باب: كيف فُرِضَت الصَّلاة في الإسراء؟)؛ أي: به ﷺ للسَّماء. (وقال ابن عبَّاس) هو الحديث الذي أَسنده أَوَّلَ الصَّحيح، وسبق شَرحُه. (النبيَّ ﷺ ) نَصبٌ بـ (يعني)، أو رفعٌ فاعلُ (يَأمُر). واعلم أنَّ الاتفاق على أنَّ فَرْضَ الصَّلوات الخمس ليلةَ الإِسراء. ثم قيل: الإسراءُ كان في المَنام، والحقُّ -وعليه الأكثرُ، ومُعظم السَّلَف-: أنَّه أُسري بجسَده، والآثارُ تدلُّك عليه، ولا ضرورةَ لصَرفها عن ظاهرها، وقيل: كان ليلةَ سبعٍ وعشرين من ربيع الآخِر، قَبلَ الهجرة بسنَةٍ، وقال الزُّبَيْريُّ: بعد المَبْعَث بخمس سنين، وهذا أَشبهُ؛

стр. 1046

إِذْ لم يختلفوا أنَّ خديجة صلَّتْ معه بعدَ فَرْض الصَّلاة، ولا خِلافَ أنَّها ماتتْ قبلَ الهجرة بثلاثٍ، أو بخمسٍ. * * * ٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أبو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَناَ بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نعمْ، مَعِي مُحَمَّد ﷺ ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعمْ، فَلَمَّا فتحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُل قَاعِدٌ عَلَى يَمِينهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِه أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِه بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح وَالاِبْنِ الصَّالح، قُلْتُ لِجبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذه الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينهِ وَشِمَالِهِ نسمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازنها: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنها مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ. قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى

стр. 1047

وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بإدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح وَالأخ الصَّالح، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح وَالأخ الصَّالح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأخ الصَّالح وَالنَّبِيِّ الصَّالح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى، ثمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالح وَالاِبْنِ الصَّالح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَني ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَاناَ يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ". قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعَنِي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أمُّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى

стр. 1048

فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انتهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنتهَى، وَغَشِيَهَا ألوَان لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وإذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ". الحديث الأَوَّل: (فُرِج) بضَمِّ الفاء، وخِفَّةِ الرَّاء المَكسورة. (بَيْتي) إضافة، وإِنْ كان بيتَ أُمِّ هانِئ كما ثبَتَ ذلك؛ لأَنَّ الإِضافة تكون بأدنى مُلابَسَة، وأما رواية أنَّه كان بالحَطِيْم، فإِنْ كان العُروج مرَّتينِ فظاهر، أو مرَّةً فلَعلَّه دخَل بيتَ أُمِّ هانئ بعد غَسْل الصَّدر، ثُم عُرج به منه إلى السماء. (زَمْزَم) بفتح الزَّايين، مُنصرف. (بطَسْتٍ) بفتح الطَّاء، وسُكون السِّين المُهمَلتَين، وقد تُكسَر الطَّاء، وقد تُدغَمُ السِّين في التَّاء بعد قَلْبِها، وهي مؤنثة، وتُذَكَّر على معنى الإِناء. (مِنْ ذَهَبٍ) ليس فيه حُكم للأُمَّة؛ لأَنَّ ذلك فِعْلُ الملائكة، ولا يَلزم أنْ يَكونَ كحُكمهم، أو كان ذلك قَبْلَ تَحريم أَواني الذَّهَب. (حِكْمَةً وإِيمانًا) جُعِلا مَظروفًا للطَّسْتِ وهما مَعنيَان، إما لأَنَّ المُراد أَنَّ في الطَّسْتِ شيئًا يحصُل به كمالُهما، فسُمِّيَ بهما لكَونه سببًا لهما، وهو مِنْ أَحسَن المَجازات، أو ذلك من باب التَّمثيل، أو مُثِّلا لَه كما تُمَثَّلُ له أَرواحُ الأَنبياء الدَّارجة بالصُّوَرِ التي كانوا عليها.

стр. 1049

(أَطبقَهُ)؟ أي: غَطَّاهُ، وجعله مُطبَقًا. (بي) (١) في بعضها: به، إمَّا لنقْل الرَّاوي المعنى، ولم يَحكِ اللَّفظَ، أو أنَّه ﷺ جَرَّد مِنْ نَفسه شَخصًا، فأشارَ إليه. (أَأُرْسِلَ؟) ليس السُّؤال عن أَصل رسالتهِ لاشتهاره في المَلكوت، فلا يَخفَى عن خُزَّان السَّماوات (٢)، بل المُراد الإِرسال للعُروج به، أو للاستِصحاب بما أَنعَم الله والاستِبشار؛ لأَنَّ من البيِّن أَنَّ أحدًا من البشَر لا يُرقَى به إلى السَّماء إلا بإِذن الله تعالى له ولمَلائكته بإِصعاده. (أَسْوِدةٌ) جمعُ سَواد كأزمنة، والسَّواد: الشَّخص، وقيل: الجَماعات، وسَوَاد النَّاس: عَوامُّهم، وكلُّ عَدَدٍ كثيرٍ. (مرحبًا) مفعولٌ مُطلَقٌ، أي: أَصَبتَ رُحبًا لا ضِيْقًا، وهي كلمة تُقال عند أُنْسِ القَادم، ونَصبُها بفعلٍ لا يَظهر، قال الفَرَّاء: معناه رحَّبَ اللهُ بكَ مَرحبًا، كأنَّه وُضعَ مَوضعَ التَّرحيب. (قِبَلَ) بكَسْر القَافِ وفَتْح المُوحَّدة، أي: جِهَةَ. (نَسَم) بفَتح النُّون والمُهمَلَة، جَمعُ نسمة، وهي نَفْس الإِنسان،

стр. 1050

أي: أَرواح بني آدم، وقد استُشكِلَ هذا بما جاء أَنَّ أَرواحَ المُؤمنين في الجنَّة فَوقَ السَّماء السَّابعة، وأَنَّ أَرواح الكُفَّار في سِجِّين، قيل: في الأَرض السَّابعة. قال (ع): فيحتمل أنَّها تُعرَض على آدمَ أَوقاتًا، فوافَقَ وقتُ عَرْضها مُرورَ النبيِّ ﷺ ، أو كونهم في النَّار أو في الجنَّة إنَّما هو في أوقاتٍ، بدليل قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، أو أَنَّ الجنَّة كانت في جهة يَمين آدم، والنَّار في جهة شَماله، وكلاهما حيث شاءَ اللهُ تعالى. (ولم يُثبتْ)، أي: لم يُبين سَماءً لكلِّ نبي. (بإدْريس) الباء فيه للإلصاق، وفيما قبلَه، أو هي للمُصاحَبة. (والأخ) إنَّما لم يَقُلْ إدريس: والابنِ، كما قال آدمُ، لأَنَّ إِدريس لم يَكُن من آبائه ﷺ ، بل به استَدلَّ قائلُه عليه، ولئِنْ صحَّ فيَكونُ قال ذلك تلطُّفًا وتَواضعًا؛ إِذ الأَنبياءُ إخوةٌ، والمؤمنون إخوةٌ. (الصَّالح) وُصِفَ به لعُمومه لكلِّ وصف حميدٍ. (ثُمَّ مَرَرْتُ)، (ثم) وإِنْ دلَّت على التَّرتيب فلا تُنافي ما سبق من أَنَّ أَبا ذَر لم يُثبتْ مَنازلَهم، إما لأَنَّ أَنسًا لم يَروه عن أبي ذَر، أو أنَّه لا يَلزم من هذا تعيينٌ، لبَقاء الإِبهام فيه، لأَنَّ بين آدم وإبراهيم ثلاثةُ أنبياء، وأربعةٌ من السَّماوات أو خمسةٌ، إِذْ جاءَ في روايةٍ: (وإبراهيم في السابعة)، ووجه الجَمْع بين الأَمرين: أنَّه لعلَّه وجَدَه في السَّادسة،

стр. 1051

ثم ارتقَى إبراهيمُ إِلى السَّابعة، أمَّا إذا كان الإسراءُ مرَّتين فلا إِشكالَ. (ثُمَّ مَرَرْتُ) لم يَقُل مَرَّ كما قال قبلَه: (مَرَّ جبْريلُ بالنبيِّ ﷺ )؛ لأنَّه بتَقدير (قال)، أو تَكون الأولى نَقْلًا بالمعنى، والثَّاني باللَّفظ. (ابن حَزْم) بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، هو أبو بكر بن محمَّد ابن عَمْرو بن حَزْم. (أَبا حَبَّة) بفتح المُهمَلَة وتَشديد المُوحَّدة على الصَّحيح، وقيل: بمُثنَّاةٍ تحت، وهو ما ذكَره القَابِسِيُّ، لكن هذا قُتل بأُحُدٍ، فرواية ابن حَزْم عنه مُنقطعةٌ إِنْ كان أبو بكر، وإنْ كان المُراد أَبوه محمَّد فلم يُدركْه الزُّهريُّ، ففي السَّنَد وَهْمٌ إلا أَنْ يُقال: المُراد أبو بكر، رواه عنه مُرسلًا، أو قال: إِنَّ، ولم يَقُل: سَمعتُ، ولا أَخبَرني، فلا وَهْمَ، وكذا هو أيضًا في "صحيح مسلم". وقيل: إنَّه أبو حنَّة -بالنُّون-، قيل: واسمه مالك بن عَمْرو، وقيل: ثابت، وقيل: عامر (١)، قال الوَاقِدي: وقد شَهِدَ بدرًا. وأما بالمُثنَّاة تحت: ابن غَزِيَّة، فقُتِلَ باليَمامة، ولم يَشهد بدرًا، لكنَّ الأَوَّل قاله عبد الله بن محمَّد بن عمارة الأنصاري، وهو أعلم بالأَنصار. (ظَهَرتُ)؛ أي: عَلَوتُ. (لمُستوَى) بفتح الواو، أي: مَصعَدٍ، وهو مكانٌ مُشرِفٌ يَستوي

стр. 1052

عليه مَن استَوى، أي: صَعد، وقيل: المُراد المَكانُ المُستوي، وقيل: اللَّام فيه للعِلَّة، أي: علَوتُ لاستِعلاء مُستَوَى، أو لرُؤيته، أو لمُطالعته، أو بمعنى (إلى)؛ كأوحَى لَها، وفي بعض النسخ: (بمُستوى) بالمُوحَّدة بدلَ اللام. (صَرِيْفَ الأَقْلامِ) بفَتح الضَاد، أي: صَوتَها حالَ الكِتابة على اللَّوح من أَقضية الله ووَحْيه تَنسخُه الملائكةُ من اللَّوح المَحفوظ، أو ما شاءَ اللهُ من ذلك أَنْ يُكتَب ويُرفع لمَا أَراده من أَمره وتَدبيره؛ لأَنَّ الله غَنيٌّ عن الاستِذكار بتَدوين الكُتُب، أَحاطَ الله بكُل شيءٍ عِلْمًا. (قال ابنُ حَزْم) إلى آخره، الظّاهر أنَّه من مَقول ابن شِهَاب، ويحتمل أَنْ يكون تَعليقًا من البُخاري، وليس بين (١) أنس والنبي ﷺ أبو ذَرٍّ، ولا بَين ابن حَزْم والنبي ﷺ ابنُ عبَّاس، وأَبو حَبّة، فهو إمَّا مُرسلٌ، وإما تُركَت الواسِطة اعتِمادًا على ما تقدَّم آنفا، على أَنَّ إِطلاق الصَّحابيِّ: (قال رسولُ الله ﷺ ) أَنْ يكون بلا واسطةٍ، فلَعلَّ أنسًا سَمعَ بعضَ الحديث من النبي ﷺ ، وبعضَه من أبي ذَرٍّ. (إِلى رَبِّكَ)؛ أي: إِلى المَوضع الذي ناجيتَه به. (شَطْر)؛ أي: نِصْف، لكنْ شَطْر الخَمس وعِشْرين بتَكميل المُنكسِر تَصيرُ ثلاثةَ عشَرَ، أو يُرادُ بالشَّطر البَعضُ، وهو ظاهر. (هِيَ خَمْسٌ)؛ أي: بحسَب الفِعل.

стр. 1053

(وهُنَّ خَمسُونَ)؛ أي: بحسَب الثَّواب، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. (لا يُبَدَّلُ)؛ أي: قال تعالى: لا يُبَدَّلُ القَولُ بثَوابِ الخَمْسِ بخَمْسينَ، وقيل: المُراد لا يُنقَصُ من الخَمْس، وأما نَقْصُ الخَمسين إلى خَمسٍ فلَيسَ من تَبديل القَول؛ لأنَّه تَبديلُ تَكليفٍ، وأما بعد الإِخبار بالخَمْس والخَمْسين فتبديلُ إِخبار، والمُراد: لا يُبدَّلُ القَضاءُ المُبْرَم لا المُعلَّق الذي يَمحو اللهُ منه ما يَشاء ويثبتُ ما يَشاءُ، أو المعنى: لا يُبدَّل القَولُ بعد ذلك، أما مُراجعة الرب تعالى في ذلك، فللعِلم أَنَّ الأَمرَ الأَوَّل ليس على وجْهِ القَطعِ والإِبرام، أو طلب التَّرحُّم بنَسخِ ذلكَ عن الأُمَّة. (السِّدْرة)؛ أي: الشَّجَرة التي في أَعلا السَّماواتِ، سُمِّيت بالمُنتَهى؛ لأَنَّ عِلْم المَلائكة يَنتهي إليها، ولم يُجاوزْها أحدٌ إلا رسول الله ﷺ ، وهذا أحدُ المَقامَينِ الذي تَغبِطُه بهما الخَلْق، وهو في الدُّنيا ليلةَ الإسراء، والآخَر يومَ القيامة، وهو المَقام المَحمود، وعن ابن مَسعود: إِنَّ ذلك لأنَّه يَنتهي إليها ما يَهبطُ مِنْ فَوقها وما يَصعد من تَحتها من الله، نعم، في "مسلم": أنها في السَّماء السَّادسة، فلعلَّ أصلَها فيها، ومُعظمُها في السَّماء السَّابعة. (لا أَدْري) هو مَثيلُ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، في الإِبهام للتَّفخيم والتَّهويل، وإِنْ كان مَعلومًا.

стр. 1054

(حَبَائِل) بالمُهمَلَة والمُوحَّدة: عُقود اللُّؤلُؤ، جَمعُ حَبَالَة. قال (خ) وغيرُه: إنَّه تَصحيفٌ، وإنَّما جَنَابِذ بالجيم والنُّون والمُعجَمَة، جَمع جُنْبُذ بضَمِّ أوَّله وثَالثه: ما ارتَفع من الشَّيء واستَدار كالقُبَّة، والعامة تفتح الباء، والظَّاهر أنَّه فارسيٌّ مُعرَّبٌ، وكذا ذكَره البُخاري في (كتاب الأَنبياء)، وفسَّره بالقِبَاب. قال (ط): نَزل جبريل ﵇ صَبيحةَ الإِسراء فهمَزَ بعَقبهِ في ناحية الوادي، فتَوضَّأَ والنبيُّ ﷺ يَنظُر، فرَجعَ فأخذَ بيدِ خديجة، ثم أَتَى بها العَينَ فتَوضَّأ كما تَوضَّأ جبريل، ثم صَلَّيا ركعتَين كما صلَّى جبْريل. قال نافع بن جُبَير: نَزل جبريل حين زاغَت الشَّمس فصلَّى به، وقيل: ولم تَكنْ صلاة فرضَتْ قبلَ ذلك إلا ما كان أُمِرَ به من قِيام اللَّيل من غير تَحديدِ ركَعاتٍ، ووَقْتِ حُضور، فكان يَقوم أَدنى من ثُلُثَيه ونصْفَه وثُلُثَه. قال: وفيه من الفِقْه تَحلية المُعظَّم من أُمور الله تعالى كتَحليةِ المُصحَف بالذَّهَب، وكذا السَّيف الذي به إِعلاء كلمة الله، والخاتَم الذي تُطبَع به عُهود الله، ورُسُله النَّافذة إلى أَقطار الأرض. قلت: فيه نظَرٌ؛ لأَنَّ ذلك من فِعْل المَلائكة كما سبق. وأَنَّ أرواح المُؤمنين يُصعَد بها إلى السَّماء، وأَنَّ أَعمال بني آدم الصَّالحة تَسُرُّ آدم ﵇ والسَّيئة تَسوؤُه، والتَّرحيب عند اللِّقاء، وذِكْر أَقرب القَرابة لتَمام التَّرحيب، وبالوَصْف الشَّامل للخَيْر،

стр. 1055

وأَنَّ أَوامر الله -تعالى- تُكتَب بأَقلامٍ كثيرة، وأنَّ ما كتَبَه اللهُ وأَحكمَه من آثارٍ معلومةٍ لا يَتبدَّل، والنَّسخُ إنَّما هو في الأَحكام لرِفْق العَبَّاد، يَمْحُو الله منها ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وجَواز النَّسْخ قبلَ الفِعل، والاستِشفاع والمُراجعة فيه، والحَياء من تَكثير الحَوائِج خَشيَةَ الضَّعف عند القِيام بشُكرها، وأَنَّ الجنَّة في السَّماء. قال (ك): وفيه الاستئذانُ، وقَولُ المُستَأذِن: فُلان، ولا يقول: أنا؛ تأَدُّبًا، ولا بإِبهامه، وأَنَّ للسَّماء أَبوابًا حقيقة، تُفتَح وتُغلَق، ولها حَفَظَة، وأنَّه ﷺ مِنْ نسل إِبراهيم، ومَدْحُ الإِنسان في وَجْهه عند أَمْنٍ من إِعجابه ونَحوه، وشَفَقة الوالد وسُروره بحُسْن حاله ووصفه بذلك، وعدمُ وجوب صلاة الوِتْر، لأنَّها زائدة على الخَمْس؛ لشُمول نَفي التَّبديل الزِّيادة، وأَنَّ الجنَّة والنَّار مَخلوقتان. * * * ٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ صَالح ابْنِ كيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: (فَرَضَ الله الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا ركعَتَيْنِ ركعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ). الحديث الثَّاني: (الصَّلاة)؛ أي: الرُّباعية، لأَنَّ الثَّلاثيَّة وِتْرُ صَلاة النَّهار. (ركعتَينِ ركعَتَينِ) تَكريرُه لإِفادة عُموم التَّثنية، فلَولاهُ لاحتَمل أَنَّ
следующие страницы →