ثم ارتقَى إبراهيمُ إِلى السَّابعة، أمَّا إذا كان الإسراءُ مرَّتين فلا إِشكالَ.
(ثُمَّ مَرَرْتُ) لم يَقُل مَرَّ كما قال قبلَه: (مَرَّ جبْريلُ بالنبيِّ ﷺ )؛ لأنَّه بتَقدير (قال)، أو تَكون الأولى نَقْلًا بالمعنى، والثَّاني باللَّفظ.
(ابن حَزْم) بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، هو أبو بكر بن محمَّد ابن عَمْرو بن حَزْم.
(أَبا حَبَّة) بفتح المُهمَلَة وتَشديد المُوحَّدة على الصَّحيح، وقيل: بمُثنَّاةٍ تحت، وهو ما ذكَره القَابِسِيُّ، لكن هذا قُتل بأُحُدٍ، فرواية ابن حَزْم عنه مُنقطعةٌ إِنْ كان أبو بكر، وإنْ كان المُراد أَبوه محمَّد فلم يُدركْه الزُّهريُّ، ففي السَّنَد وَهْمٌ إلا أَنْ يُقال: المُراد أبو بكر، رواه عنه مُرسلًا، أو قال: إِنَّ، ولم يَقُل: سَمعتُ، ولا أَخبَرني، فلا وَهْمَ، وكذا هو أيضًا في "صحيح مسلم".
وقيل: إنَّه أبو حنَّة -بالنُّون-، قيل: واسمه مالك بن عَمْرو، وقيل: ثابت، وقيل: عامر (١)، قال الوَاقِدي: وقد شَهِدَ بدرًا.
وأما بالمُثنَّاة تحت: ابن غَزِيَّة، فقُتِلَ باليَمامة، ولم يَشهد بدرًا، لكنَّ الأَوَّل قاله عبد الله بن محمَّد بن عمارة الأنصاري، وهو أعلم بالأَنصار.
(ظَهَرتُ)؛ أي: عَلَوتُ.
(لمُستوَى) بفتح الواو، أي: مَصعَدٍ، وهو مكانٌ مُشرِفٌ يَستوي
стр. 1052
عليه مَن استَوى، أي: صَعد، وقيل: المُراد المَكانُ المُستوي، وقيل: اللَّام فيه للعِلَّة، أي: علَوتُ لاستِعلاء مُستَوَى، أو لرُؤيته، أو لمُطالعته، أو بمعنى (إلى)؛ كأوحَى لَها، وفي بعض النسخ: (بمُستوى) بالمُوحَّدة بدلَ اللام.
(صَرِيْفَ الأَقْلامِ) بفَتح الضَاد، أي: صَوتَها حالَ الكِتابة على اللَّوح من أَقضية الله ووَحْيه تَنسخُه الملائكةُ من اللَّوح المَحفوظ، أو ما شاءَ اللهُ من ذلك أَنْ يُكتَب ويُرفع لمَا أَراده من أَمره وتَدبيره؛ لأَنَّ الله غَنيٌّ عن الاستِذكار بتَدوين الكُتُب، أَحاطَ الله بكُل شيءٍ عِلْمًا.
(قال ابنُ حَزْم) إلى آخره، الظّاهر أنَّه من مَقول ابن شِهَاب، ويحتمل أَنْ يكون تَعليقًا من البُخاري، وليس بين (١) أنس والنبي ﷺ أبو ذَرٍّ، ولا بَين ابن حَزْم والنبي ﷺ ابنُ عبَّاس، وأَبو حَبّة، فهو إمَّا مُرسلٌ، وإما تُركَت الواسِطة اعتِمادًا على ما تقدَّم آنفا، على أَنَّ إِطلاق الصَّحابيِّ: (قال رسولُ الله ﷺ ) أَنْ يكون بلا واسطةٍ، فلَعلَّ أنسًا سَمعَ بعضَ الحديث من النبي ﷺ ، وبعضَه من أبي ذَرٍّ.
(إِلى رَبِّكَ)؛ أي: إِلى المَوضع الذي ناجيتَه به.
(شَطْر)؛ أي: نِصْف، لكنْ شَطْر الخَمس وعِشْرين بتَكميل المُنكسِر تَصيرُ ثلاثةَ عشَرَ، أو يُرادُ بالشَّطر البَعضُ، وهو ظاهر.
(هِيَ خَمْسٌ)؛ أي: بحسَب الفِعل.
стр. 1053
(وهُنَّ خَمسُونَ)؛ أي: بحسَب الثَّواب، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
(لا يُبَدَّلُ)؛ أي: قال تعالى: لا يُبَدَّلُ القَولُ بثَوابِ الخَمْسِ بخَمْسينَ، وقيل: المُراد لا يُنقَصُ من الخَمْس، وأما نَقْصُ الخَمسين إلى خَمسٍ فلَيسَ من تَبديل القَول؛ لأنَّه تَبديلُ تَكليفٍ، وأما بعد الإِخبار بالخَمْس والخَمْسين فتبديلُ إِخبار، والمُراد: لا يُبدَّلُ القَضاءُ المُبْرَم لا المُعلَّق الذي يَمحو اللهُ منه ما يَشاء ويثبتُ ما يَشاءُ، أو المعنى: لا يُبدَّل القَولُ بعد ذلك، أما مُراجعة الرب تعالى في ذلك، فللعِلم أَنَّ الأَمرَ الأَوَّل ليس على وجْهِ القَطعِ والإِبرام، أو طلب التَّرحُّم بنَسخِ ذلكَ عن الأُمَّة.
(السِّدْرة)؛ أي: الشَّجَرة التي في أَعلا السَّماواتِ، سُمِّيت بالمُنتَهى؛ لأَنَّ عِلْم المَلائكة يَنتهي إليها، ولم يُجاوزْها أحدٌ إلا رسول الله ﷺ ، وهذا أحدُ المَقامَينِ الذي تَغبِطُه بهما الخَلْق، وهو في الدُّنيا ليلةَ الإسراء، والآخَر يومَ القيامة، وهو المَقام المَحمود، وعن ابن مَسعود: إِنَّ ذلك لأنَّه يَنتهي إليها ما يَهبطُ مِنْ فَوقها وما يَصعد من تَحتها من الله، نعم، في "مسلم": أنها في السَّماء السَّادسة، فلعلَّ أصلَها فيها، ومُعظمُها في السَّماء السَّابعة.
(لا أَدْري) هو مَثيلُ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، في الإِبهام للتَّفخيم والتَّهويل، وإِنْ كان مَعلومًا.
стр. 1054
(حَبَائِل) بالمُهمَلَة والمُوحَّدة: عُقود اللُّؤلُؤ، جَمعُ حَبَالَة.
قال (خ) وغيرُه: إنَّه تَصحيفٌ، وإنَّما جَنَابِذ بالجيم والنُّون والمُعجَمَة، جَمع جُنْبُذ بضَمِّ أوَّله وثَالثه: ما ارتَفع من الشَّيء واستَدار كالقُبَّة، والعامة تفتح الباء، والظَّاهر أنَّه فارسيٌّ مُعرَّبٌ، وكذا ذكَره البُخاري في (كتاب الأَنبياء)، وفسَّره بالقِبَاب.
قال (ط): نَزل جبريل ﵇ صَبيحةَ الإِسراء فهمَزَ بعَقبهِ في ناحية الوادي، فتَوضَّأَ والنبيُّ ﷺ يَنظُر، فرَجعَ فأخذَ بيدِ خديجة، ثم أَتَى بها العَينَ فتَوضَّأ كما تَوضَّأ جبريل، ثم صَلَّيا ركعتَين كما صلَّى جبْريل.
قال نافع بن جُبَير: نَزل جبريل حين زاغَت الشَّمس فصلَّى به، وقيل: ولم تَكنْ صلاة فرضَتْ قبلَ ذلك إلا ما كان أُمِرَ به من قِيام اللَّيل من غير تَحديدِ ركَعاتٍ، ووَقْتِ حُضور، فكان يَقوم أَدنى من ثُلُثَيه ونصْفَه وثُلُثَه.
قال: وفيه من الفِقْه تَحلية المُعظَّم من أُمور الله تعالى كتَحليةِ المُصحَف بالذَّهَب، وكذا السَّيف الذي به إِعلاء كلمة الله، والخاتَم الذي تُطبَع به عُهود الله، ورُسُله النَّافذة إلى أَقطار الأرض.
قلت: فيه نظَرٌ؛ لأَنَّ ذلك من فِعْل المَلائكة كما سبق.
وأَنَّ أرواح المُؤمنين يُصعَد بها إلى السَّماء، وأَنَّ أَعمال بني آدم الصَّالحة تَسُرُّ آدم ﵇ والسَّيئة تَسوؤُه، والتَّرحيب عند اللِّقاء، وذِكْر أَقرب القَرابة لتَمام التَّرحيب، وبالوَصْف الشَّامل للخَيْر،
стр. 1055
وأَنَّ أَوامر الله -تعالى- تُكتَب بأَقلامٍ كثيرة، وأنَّ ما كتَبَه اللهُ وأَحكمَه من آثارٍ معلومةٍ لا يَتبدَّل، والنَّسخُ إنَّما هو في الأَحكام لرِفْق العَبَّاد، يَمْحُو الله منها ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وجَواز النَّسْخ قبلَ الفِعل، والاستِشفاع والمُراجعة فيه، والحَياء من تَكثير الحَوائِج خَشيَةَ الضَّعف عند القِيام بشُكرها، وأَنَّ الجنَّة في السَّماء.
قال (ك): وفيه الاستئذانُ، وقَولُ المُستَأذِن: فُلان، ولا يقول: أنا؛ تأَدُّبًا، ولا بإِبهامه، وأَنَّ للسَّماء أَبوابًا حقيقة، تُفتَح وتُغلَق، ولها حَفَظَة، وأنَّه ﷺ مِنْ نسل إِبراهيم، ومَدْحُ الإِنسان في وَجْهه عند أَمْنٍ من إِعجابه ونَحوه، وشَفَقة الوالد وسُروره بحُسْن حاله ووصفه بذلك، وعدمُ وجوب صلاة الوِتْر، لأنَّها زائدة على الخَمْس؛ لشُمول نَفي التَّبديل الزِّيادة، وأَنَّ الجنَّة والنَّار مَخلوقتان.
* * *
٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ صَالح ابْنِ كيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: (فَرَضَ الله الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا ركعَتَيْنِ ركعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ).
الحديث الثَّاني:
(الصَّلاة)؛ أي: الرُّباعية، لأَنَّ الثَّلاثيَّة وِتْرُ صَلاة النَّهار.
(ركعتَينِ ركعَتَينِ) تَكريرُه لإِفادة عُموم التَّثنية، فلَولاهُ لاحتَمل أَنَّ
стр. 1056
المُراد رَكْعتانِ فقط في السَّفَر والحَضَر، ونُصِبَ على الحال، وهما بمَنْزلةِ كلمةٍ واحدة، أي مَثْنَى، فهو كـ: حُلْوٌ حَامِضٌ، نعَمْ، ظاهرُ أنَّها (أُقرَّت) يَقتَضي أَنْ لا يَجوزَ الإِتمامُ كما تقولُه الحنَفيَّة، لكنْ جوابُه: أنَّ ذلك مذهبُ عائشة عن اجتِهادٍ مُعارَضٍ بالرِّواية عن ابن عبَّاس: أنَّها فُرِضَتْ أربعًا أربعًا، وفي السَّفَر تَرخيصُ القَصْر لرَكعتَين، وبأَنَّ جبريل لمَّا جاءَه صَبيحة الإسراء إنَّما صلَّى به أَربعًا أَربعًا، وبأَنَّ عائشة أتَمَّتْ في السَّفَر، وأَفتَتْ بالإِتمام فيه.
قال (ك): ولم أَستَدِلَّ بآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، لاحتِمال أنَّها كانت ركعتَين ركعتَين في السَّفر، ولما زِيْدَ في الحضَر نبُّهوا على أَنَّ السَّفَر باقٍ على كَونه ركعتَين، فلا جُناحَ عليكُم في ذلك.
قلتُ: لكنَّ لفظَ القَصْر يُنبئ عن سَبْقِ تَمامٍ.
* * *
٢ - بابُ وُجُوبِ الصلاة فِي الثِّيَابِ، وقول الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكةٍ". فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامعُ فِيهِ مَا لَمْ
стр. 1057
يَرَ أَذًى، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
(باب وُجوب الصَّلاة في الثِّياب) جَمَعه كما يُقال: فُلانٌ يركب الخُيول.
(ويُذْكَرُ عن سلَمة) علَّقه بالتَّمريض، فلذلك قال بعدَه: في إسناده نظَرٌ، وقد رواه أبو داود، والنَّسائي، وفي سنَده موسى بن محمَّد، وفي حديثه مَناكير، قاله البُخاري في "التاريخ"، وأخرجه أيضًا ابن خُزَيْمَة، وابن حِبَّان.
(يَزُرُّهُ) بضَمِّ الزَّاي، وتشديد الرَّاء، أي: يَشُدُّ إِزَارَه.
(ولَو بشَوكَة)؛ أي: يَجمَع بين طَرَفيه بشَوكَةٍ، فيقوم مَقام شَدِّ الإِزَار.
(ومَنْ صَلَّى) هو من تَتمَّة التَّرجَمة.
(أَذًى)؛ أي: نَجاسةً.
(وأَمَرَ) وصلَه البُخاري فيما يأتي قريبًا من حديث أبي هريرة في تَأْذين عليِّ بمِنَى يوم النَّحْر.
(ولا يَطُوفَ) ذُكر استِطرادًا، لأَنَّ الطَّواف بالبيت صَلاةٌ.
* * *
٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إبراهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْناَ أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيعْتَزِلُ الْحُيَّضُ
стр. 1058
عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأة: يَا رَسُولَ اللهِ! إِحْدَاناَ لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ، قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا".
(محمَّد)؛ أي: ابن سِيْرِين.
(أُمِرْناَ) بضَمِّ الهمزة.
(نُخرِجَ) بكَسْر الرَّاء.
(الخُدُور) السُّتُور.
(مُصَلَّاهُنَّ) مكان صلاتِهنَّ، وفي بعضها: (مُصَلَّاهُم).
(إِحدَاناَ)؛ أي: بعضُنا، وهو مبتدأٌ خبرُه ما بعدَه، أي: كيف تَشهد ولا جِلْبابَ لها؟ وذلك بعدَ نُزول الحِجَاب.
(لِتُلْبِسْهَا) بالجَزْم، وهو يحتمل أَنْ تَصِيْرا في جِلْبابٍ واحدٍ، وأَنْ تُعيرَها جِلْبابًا على حِدَتِها كما سبق في (كتاب الحيض).
ووجه دلالة الحديث على التَّرجَمة: أنَّه إذا وجَب اللُّبْس للخُروج لجماعة المُسلمين، فالخُروج للصَّلاة بطَريقٍ أَولى، فلنَفس الصَّلاة أَولى، وإذا وجَب سَتْر عَورة النِّساء، فالرَّجل كذلك في وُجوب سَتْر عورته، أما الزَّائد على سَتْر العَورة فللتجمُّل، واللهُ أَحَقّ مَنْ تُجُمِّلَ له، ثم قيل: سَتْر العَورة واجبٌ مُطلَقا في الصَّلاة وغيرها، وقيل: في الصَّلاة فقط، ونقَله (ط) عن أبي حَنِيْفة، والشَّافعي.
قلتُ: لكنْ مُطلقًا هو مذهب الشَّافعي، وقيل: سَتْر العَورة سُنَّةٌ، وإلا لافتَقَر إلى نيَّةٍ كالطَّهارة، ولمَا جازتْ عُريَانًا مع العَجْز إلا ببدلٍ
стр. 1059
كالقُعود لمَنْ عجَز عن القِيَام، ورُدَّ بأَنَّ الاستِقبال شرطٌ، ولا نيَّةَ فيه.
قال (ط) (١): ولأنَّ القِراءة تَسقُط عن المَأموم (٢) بلا بدَلٍ، ولكن هذا على مذهبِه، وحديث سلَمة يَدُلُّ على الوجوب، وقال تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
* * *
٣٥١ / -م - وَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ رَجَاء: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ سِيرِينَ، حَدَّثتنَا أُمُّ عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بهَذَا.
(وقال عبدُ اللهِ بنُ رَجَاء) وصله الطَّبَراني في "معجمه الكبير".
(عِمْران) ابن دَاوِر بوَزْن طَابِق.
قال الغَسَّاني: استَشهد به البُخاري في موضعين في (الصَّلاة).
* * *
٣ - بابُ عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى الْقَفَا فِي الصَّلَاةِ
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: عَنْ سَهْلٍ: صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ.
стр. 1060
(باب عقْد الإزَار على القفا) هو مقصورا: مُؤَخَّر العُنُق، يُذكَر ويُؤنَّث، جمعُه قِفِيٌّ كعَصَا وعِصِي، وأَقْفاء كأرجاء، وجاءَ أَقفِيَة على غير قياس.
(أبو حَازِم) بالمُهمَلَة والزَّاي، سلَمة بن دِيْنَار.
(سَهْل)؛ أي: السَّاعدي.
(صلَّوا) بلفظ المَاضي.
(عَاقِدِي) جمع عاقِد، حُذفت نُونه للإضافة.
(أُزُرِهم) بضَمِّ الزَّاي جمع إِزَار، يُذكَّر ويُؤنَّث، ويُجمع في القِلَّة على أأْزِرَة كأخْمِرة.
(عَواتِقِهِم) جمع عَاتِق، وهو مَوضع الرِّدَاء من المَنكِب، يُذكَر ويُؤنَّث، وسيَأتي وَصْلُ هذا في البُخاري بعد قليل.
* * *
٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونسُ، قَالَ: حَدَّثنا عَاصمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِل: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وأيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟!
(واقِد) بالقاف، هو أَخو عاصم الرَّاوي عنه، أبوهما محمَّد بن
стр. 1061
زَيْد بن عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب.
(قِبَلَ) بكسر القاف وفَتح المُوحَّدة: جِهَةَ.
(المِشْجَب) بكَسْر المِيْم وسُكون المُعجَمَة وفَتْح الجيم ثُمَّ مُوَحَّدة: عِيدان تُضَمُّ رؤُوسُها ويُفَرَّج بين قَوائِمها، تُوضَعُ عليها الثّياب والأَسقِيَة لتَبريد المَاء، وهو مِن تَشَاجَبَ الأَمرُ: اختَلَطَ وتَداخَل.
(ذاكَ) في بعضِها: (هذا).
(أَحْمَقُ) بالرَّفْع غير مُنصَرِف؛ أي: جَاهلٌ.
(مِثْلُكَ) صفةٌ له، وإضافتُه لا تُفيده تَعريفًا لتَوَغُّلِه في الإِبهام إِلَّا إِنْ أُضيف لما اشتُهِر مُماثلتُه، وهُنا ليس كذلك.
وجَعْلُه إِرادةَ الأَحمق غَرَضًا؛ لأنَّه إذا أَنكَر أدَّى إلى تَعريفه، كما أَنكَر هذا.
قوله: (تصلي) إلى آخره، أي: أتصلِّي، فحُذفت همزةُ الإِنكار، وهو يُشعر بجهله بالسُّنة، لا جَرَمَ زجَره مَنْ أَغلَظ عليه في الجَواب.
(وأينا) استفهام يُفيد النَّفي، وقَصْدُه أَنَّ الفعل متقرِّر في زمنه ﷺ ، فلا يُنكَر.
* * *
٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُطَرِّف أبو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
стр. 1062
يُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ.
(مُطَرِّف) بضَمِّ الميم وكَسْر الرَّاء المشدَّدة، هو ابن عبد الله.
(المَوَالِي) في بعضها بحذف الياء، ووجْهُ مُطابقَة الحديث التَّرجَمة إنْ لم يَجعلْهُ بَقيَّة الحديث الأَوَّل: أَنَّ الغَالبَ في كَون الثَّوب الواحد يَستُر العَورة أَنْ يُعقَد على القَفَا.
قال (ط): عَقْدُه على القَفا في الصَّلاة حيثُ لا سَراويلَ؛ لأَنَّ عاقِدَه إذا ركَع لم تَبدُ عَورتُه.
وفي الحديث: الأَخْذُ بالأَيسَر مع قُدرة الأكَثَر تَوسعةً على العامَّة ليُقتَدى به، وأَنَّ للعالم أن يَصِفَ بالحُمْق مَنْ يُنكِرُ على مَن جَهِل، ولهذا في رواية: (أَنْ يَراني الجُهَّالُ مثلُكم)، فالحُمْق كناية عن الجَهل.
* * *
٤ - بابُ الصلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ملتحفًا بِهِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثهِ: الْمُلْتَحِفُ الْمُتَوَشِّحُ، وَهْوَ الْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهْوَ الاِشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ هَانِئ: الْتَحَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَوْبٍ، وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
стр. 1063
(باب الصَّلاة في الثوب (١) الواحد مُلتَحِفًا) الالتِحاف: التَّغَطِّي.
(في حَديثه)، أي: الذي رَواهُ في (باب السِّيَر).
(المُلتَحِفُ: المُتَوَشِّحُ)؛ أي: مِنْ وَشَّحتُه تَوشِيْحًا فتَوَشَّحَ، أي: أَلبَستُه فلَبِسَ.
قال (ط): هو نَوعٌ من الاشتِمال.
قال ابن السكِّيت: هو أَنْ يَأخُذَ طَرَف الثَّوب الذي أَلقاهُ على مَنكبه الأَيمن من تحت يده اليُسْرى، ويأخذَ طرَفه الذي أَلقاهُ على الأَيسر من تحت يده اليُمنى، ثم يعقدَ طرفَهما على صَدره.
(طَرَفَيهِ) الضَّمير للثَّوب.
(عاتِقَيهِ) الضَّمير للمُلتَحِف.
(قالتْ أُمُّ هانِئٍ)، أي: فاخِتَة بنت أَبي طَالب، وقد وصَلَ ذلك ابنُ أبي شَيبة في "مصنفه"، وهو في "مسلم" بدُون ذِكْر: (على عَاتِقِه)، وكذا هو مُتفَقٌ عليه من غير ذِكْر: (خَالَفَ بَينَ طَرَفَيْهِ على عاتِقَيهِ).
* * *
٣٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.
غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ ركَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِل رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ أَجَرْناَ مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحى.
الرابع:
(مَرْحَبًا)؛ أي: لَقِيْتَ رُحْبًا وسَعَةً.
(يَا أُمَّ هَانِئٍ) بالنِّداء، وربَّما حُذفتْ همزة (أُم) تَخفيفًا، ورُوي: (بأم هانئ) بباءِ الجَرِّ.
قال (ع): والرِّوايتَانِ مَعروفتَان صَحيحتَان، والباء أكثر.
(ثَمَانَ) بفتح النُّون، في بعضها: (ثَمانِيَ)، بالياء المَفتوحة بعد النُّون المَكسورة، وأصلُه منسوب إلى الثُّمُن؛ لأنه الجُزْء الذي صَيَّرَ السَّبعةَ ثَمانية، ثم فَتحوا أوَّله لأنَّهم يُغيِّرون في النَّسَبِ، وحذَفوا منه إحدى يَاءَي النَّسَب، وعَوَّضوا منه الأَلف، كما فعَلوا في النَّسَب إلى اليَّمَن، فتثبت تارةً عند الإِضافة كما تَثبُت ياءُ القاضي، تَقول: ثَماني نِسْوة، وتَسقط مع التَّنوين رفعًا وجرًّا، وتَثبُت نصبًا؛ لأنَّه ليس بجمع.
(زَعَمَ)؛ أي: ادَعَى، أو قال.
(ابنُ أَبِيْ)؛ تعني: عليًّا ﵁، وفي بعضها: (ابنُ أُمّي)؛ لأنَّها شَقيقتُه، أُمهما فاطمة بنت أَسَد بن هاشم.
стр. 1066
قال (ش): هو الأَشهر، ورواية: (أبي) للحَموِي.
(قاتِل) اسمُ فاعل قَتَلَ.
(أَجَرْتُهُ) بلا مَدٍّ، والتَّاء بالضَّمِّ للمُتَكلّم، أي: أَمَّنته، وأَجَرْتُ له بالدُّخول في دار الإسلام، وكأنَّه من الجَوْر، والهمزة فيه للسَّلْب والإِزالة، أو من الجِوَار بمعنى المُجاوَرة.
(فُلانُ) بالرَّفْع خبر مبتدأ مَحذوفٍ، أو بالنَّصْب بَدَلًا من (رَجُل)، أو من الضَّمير المَنصوب.
(هُبَيْرة) بضَمِّ الهاء وفتح المُوحَّدة، ابن عمرو المَخْزُومي (١)، ولَدتْ منه قبلَ إِسلامها أَولادًا، منهم هانئ الذي كُنِّيَتْ به، وابنُه المَذكور هنا يحتمل أنَّه من أم هانئ أو من غيرها، ونسَيَ الرَّاوي اسمه، فذكَره بلفظ: فُلان.
قال الزُّبَيْر بن بَكَّار: فُلانُ بن هُبَيْرة: هو الحارث بن هِشَام، وقال ابن الجَوْزِي: إنْ كان المُراد بفُلان ابنَها فهو جَعْدَة، نعم، قد استَنكَره ابنُ عبد البَرِّ، وقال: يَبعُد أَنَّ عليًّا يَرُوم قَتْل ابن أُخته، وهي مُسلمة، أَسلمت في الفتح وهو صغيرٌ، ورُجِّح أنَّه من غيرها، فيكون رَبِيْبَها.
(قَدْ أَجَرْناَ)؛ أي: آمَنَّا؛ لأَنَّ تأمينَكِ صحيح، فلا يَصِحُّ لعلي قَتْلُه، ففيه أنَّ لكلٍّ من المسلمين ولو امرأةً أن يُؤَمِّن كافرًا لكن بشروطٍ في الفقه.
стр. 1067
وفيه سَتْرُ الرِّجال بالنِّساء، وجوازُ السَّلام من وَراء حِجَاب، وعدمُ الاكتِفاء بـ (أَنا) في الجَواب، والتَّرحيبُ بالزائر وذِكْره بالكُنية، وصلاةُ الضّحى.
* * *
٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ سَائِلًا سَاَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَولكُلِّكُمْ. ثَوْبَانِ؟! ".
(أَوَلكُلِّكُمْ) بهمزة الاستِفهام، والمعطوف عليه محذوف على طريقةٍ سبقت مرَّاتٍ، فالتَّقدير: أَأَنتَ سائل عن مِثْل هذا الظَّاهر، أو لِكُلِّكُم، وكذا التَّقدير على سبيل التَّمثيل.
وقال (خ): لفظُه استِخبارٌ، ومعناه إخبارٌ عن الحال التي كانوا عليها، وفي ضِمْنه الإفتاء بكِفَاية ساتر العَورة؛ لأنَّه إذا لم يكُن لكل ثَوبان، والصَّلاةُ لازمة، فكيف لم يعلَموا أَنَّ الصَّلاة في الثَّوب الواحِد جائزةٌ.
قال الطَّحَاوي: لو كُرِهت الصَّلاةُ في ثَوبٍ واحدٍ لمَنْ يجد ثَوبين لكُرهتْ لمن ليس له إلا ثَوب واحد؛ لأَنَّ حكم الصَّلاة في حقِّهما واحد.
* * *
стр. 1068
٥ - بابٌ إِذَا صلَّى فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ
(بابٌ: إِذا صلَّى في الثَّوب الواحد فليَجعل على عاتِقَيه)، في بعضها: (عاتِقِه).
٣٥٩ - حَدَّثَنَا أبو عَاصِم، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يُصَلِّي أَحَدكمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ".
الحديث الأَوَّل:
(لا يُصَلِّي) بالياء في رواية "الصَّحيحين" كما قاله ابن الأَثِيْر على أنَّ (لا) نافيةٌ، ويُروى: (لا يُصَلِّ) بلا ياءٍ، على أنها ناهيةٌ، والنَّهي هنا للتَّنزيه لا للتَّحريم؛ للإجماع على جواز تَركه؛ لأَنَّ القَصْد سترُ العَورة على أيّ وجهٍ حصَل.
قال (خ): وثبت أنَّه ﷺ صلَّى في ثَوبٍ كان أحدُ طرَفيه على بعض نِسَائه وهي نائِمةٌ، ومعلومٌ أنَّه لا يَتَّسِع الطَّرَف الذي هو لابسُه حتى يفضل عنه ما كان لعَاتِقِه؛ إذ الطَّرَف لا بُدَّ أن يَبقَى منه ما يَستُر أهلَه، وفي حديث جابرٍ: لا آتي الصَّلاةَ مِنْ غَيرِ شَيءٍ عَلَى العَاتِقِ.
نعم، نُقل عن أحمد روايةٌ: أنَّه لا تَصحُّ صلاتُه إلا بوَضْع شيءٍ على عاتِقِه إذا قَدَر؛ لظاهر الحديث، وروايةٌ: أنَّه يأثم بتَرْكه.
* * *
стр. 1069
٣٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ -أَوْ كُنْتُ سَألتُهُ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ".
الحديث الثَّاني:
(أَوْ كُنْتُ سَأَلتُهُ) شكَّ في أنَّه هل سَمع منه بسؤالٍ، أو بغير سؤالٍ.
(أَشْهَدُ) عبرَ به تأكيدًا، أو تَحقيقًا لصِدْقه، ووجه دلالته على التَّرجَمة: أَنَّ المُخالفة بين الطَّرَفين لا تَتيسَّر إلا بوَضْع شيءٍ على العاتِق، وحكمته أنَّه إذا لم يفعل ذلك لا يَأمن أن تَنكشفَ عورتُه، وإذا أَمسَكهُ بيده عند الاحتِياج لذلك فاتَه سُنَّةُ وضْعِ اليَد اليُمنى على اليُسرى تحت صَدْره، ورفعِهما حيث يُشرع الرَّفْع، وغير ذلك، ولأَنَّ فيه سَتْر أَعالي البدَن الذي هو مَوضع الزِّينة، وقد قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١].
* * *
٦ - بابٌ إِذَا كانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا
(باب: إذا كان الثَّوب ضَيِّقًا) يجوز تخفيف ياء ضَيْقًا، وهو صفةٌ
стр. 1070
مُشبَّهةٌ تَدلُّ على الثُّبوت، بخلاف ضَائِق اسمَ فاعل يَدلُّ على الحُدوث.
* * *
٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالح، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَألْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِه، فجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: (مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟ "، فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: "مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟! "، قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ، يَعْنِي: ضَاقَ، قَالَ: "فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيقًا فَاتَّزِرْ بِهِ".
الحديث الأَوَّل:
(لِبَعْضِ أَمْرِي)؛ أي: لبعض حَوائجي، فالأمر واحدُ الأُمور، لا واحدُ الأَوامر.
(إِلى جَانِبِهِ) إمَّا على أنَّ (إلى) بمعنى (في)، وإما بتضمُّنها معنى الانضِمام؛ أي: صلَّيتُ مُنضمًّا إلى، أو معنى الانتِهاء، أي: مُنتهيًا إلى.
(انْصَرَفَ)؛ أي: عن الصَّلاة، واستِقبالِ القِبْلة.
(السُّرَى) مَقصورٌ: سَيْر اللَّيل، أي: ما سبب سُرَاك؟، أي: لأنَّه لا يأتي أحدٌ ليلًا إلا لحاجة، ففيه طلَب الحاجة من السُّلطان في الخَلْوةِ
стр. 1071
والسِّرِّ، وذلك غالبًا في اللَّيل.
(ما هَذَا؟)؛ أي: اشتِمال الصَّمَّاء المَنْهيّ عنه، أو الالتِحاف من غير أَنْ يجعل طرَفَيه.
(كانَ ثَوبٌ) على أنَّها تامَّةٌ، وفي بعضها: (ثوبًا) على أنَّها ناقصةٌ، أي: ما لي إِلا هذا الثَّوب الذي لا يُتَستَّر به إلا بهذا الوجه من الاشتِمال، وفي بعضها بعدَ (ثَوبٌ) زيادة: (يَعنِي ضَاقَ).
(فَاتَّزِرْ) بإِدغام الهمزة المَقلوبة تاء في الثَّانية؛ فتَخطئةُ البصريِّين هي الخطأُ، كما سبق.
قال (ط): هذا تفسيرُ الحديث السَّابق: "لا يُصَليَنَّ أحدُكُمْ في الثَّوب الواحِدِ، ليسَ عَلَى عَاتِقِه مِنْهُ شَيءٌ": أنَّ المُراد الواسِع الذي يمكن الاشتِمال به لا الضَّيِّق؛ فإنَّه يَتَّزِرُ به، وأَمَّا حديث النَّهي عن الصَّلاة في الثَّوب الواحد مُتَّزِرًا به، فلا يُعارِض قولَه هنا: "وإِنْ كان ضَيِّقًا فاتَّزِرْ به".
قال الطَّحَاوي: لأَنَّ النَّهي لواجِدِ غَيرِه، ومَنْ لا يجد لا بَأْسَ أن يُصلِّي فيه، ويَشهد له أنَّ الذين كانوا يَعقدون أُزُرَهم على أَعناقهم لو كان لهم غَيرُها لَلَبِسُوها في الصَّلاة، وما احتِيج أن تُنهى النِّساءُ عن رَفْع رؤُوسهنَّ، حتى يَستَوي الرِّجال جُلوسًا، وتختلفَ أحكامُهم في الصَّلاة مع قوله ﷺ : "فَلا تَختَلِفُوا عَلَيهِ".
وفي الحديث: أنَّ الثَّوب إذا أَمكَن الاشتِمال به فلا يُتَّزَرُ به؛ لأنَّه أستَر للعَورة، والاشتِمال الذي أَنكَره ﷺ إنَّما هو اشتِمال الصَّمَّاء،
стр. 1072
وهو أَنْ يُجَلِّلَ نفسَه بثَوب ولا يَرفعَ شيئًا من جَوانبِه، ولا يُمكنُه إخراجُ يَديه إلا من أسفَله فيخاف أن تَبدوَ عورتُه.
قال (خ): هذا هو الاشتِمالْ المَنهيُّ لا أن يتَّزِرَ بأحَدِ طرَفَي الثَّوب، ويَرتديَ بالآخر، فإنْ ضاقَ عن الارتداء بالطَّرَف الآخر فيَأتَزِر، ولا أعلمُ خلافًا أنَّه إذا غَطَّى ما بين سُرّته إلى ركبته كانت صلاتُه جائزةً.
* * *
٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيىَ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أبو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَيقَالُ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرّجَالُ جُلُوسًا.
الحديث الثَّاني:
(سُفيان)؛ أي: الثَّوري، ويَحتمل ابنَ عُيَيْنة؛ لأنَّهما يَرويان عن أبي حازم سلَمة بن دِيْنَار.
(رِجَالٌ) تنكيرُه للتَّنويع، أو للتَّبعيض؛ إذ لَو عَرَّفَه لاستَغرق، وليس المَقصودَ.
(يُصَلُّونَ) خبر (كانَ).
(عَاقِدِيْ) حالٌ، ويحتمل العكس.
(ويُقَال) في بعضها: (وقال)؛ أي: النبيُّ ﷺ .
стр. 1073
(لا تَرْفَعْنَ)؛ أي: من السُّجود خَشيةَ أَنْ يَلْمَحْنَ شيئًا من عَورات الرِّجال عند الرَّفْع.
(جُلُوسًا) جَمْع جالِسٍ، أو مَصدَر بمعنى جالسين.
* * *
٧ - بابُ الصلاةِ فِي الْجُبَّةِ الشاميةِ
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الثِّيَابِ يَنْسُجُهَا الْمَجُوسِيُّ لَمْ يَرَ بِهَا بَأسًا.
وَقَالَ مَعْمَرٌ: رأيتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيابِ الْيَمَنِ مَا صُبغَ بِالْبَوْلِ.
وَصَلَّى عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ.
(باب الصَّلاة في الجُبّة الشَّاميّة) في الشَّام لُغات: الهمْز، وتَركه، وغيرُ ذلك.
(الحسَن)؛ أي: البَصْري.
(تنسِجُهَا) بكسر السِّين وضَمِّها؛ قاله السَّفَاقُسِي، والجُملة صفةٌ للثِّياب؛ لأنَّ الجُملة وإِنْ كانت نكِرةً لكنَّ المعرفة بلام الجِنْس كالنَّكرة كما قال:
ولَقَدْ أَمُرُّ علَى اللَّئِيْمِ يَسُبُّنِي
(المَجُوسُ) في بَعضها: (المَجوسيُّ)، وهو واحد المَجوس، وهو جارٍ مَجرى اسم القَبيلة، فهو معرفةٌ، سواءٌ فيه (أل) أَوْ لا،
стр. 1074
ولا يجري مَجرى الحيِّ، حتى يُعرَّف.
(غيْرِ مَقْصُورٍ)؛ أي: خَامٍ غير مَدْقُوق، وكان المَدقُوق يُغسَل قبل الدَّقِّ؛ لأَنَّ الدَّقَّ بعد القِصَارة.
(لَمْ يُرَ) بالبناء للمفعول؛ أي: لم يَرَ القَومُ، أو بالبناء للفاعل يعني نفسَه، لكنْ جَرَّد من نفسه شخصًا وأسنَد إليه.
(البَوْلِ) إما أَنَّ المُرادَ بعد غَسله، أو أَنَّ بَول ما يُؤْكَلُ طاهرٌ على رأيه.
* * *
٣٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفرٍ، فَقَالَ: "يَا مُغِيرَةُ! خُذِ الإداوَاةَ"، فَأخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَاْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أسفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فتوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى.
(يَحيَى) يحتمل أنَّه ابن جَعْفَر، أبو زَكَريَّا البِيْكَنْدي.
قال (ك): ووجدتُه في بعض النُّسَخ بهذه النِّسبة، ويَحتمل أنَّه ابن مَعِيْن، لأَنَّ كلًّا منهما يَروي عن أبي مُعاوية الضَّرير، على أَنَّ الغَسَّانيَّ في "التَّقييد" قال: إِنَّ يَحيى هنا، وفي (الجنائز) و (سورة الدُّخان)، فسَّر ابن السَّكَن الذي في (الجنائز) بأنَّه: يَحيى بن مُوسى المَعروف بـ: خَتٍّ،
стр. 1075
وأَهمَل الآخرَينِ. قال: ولم أَجدْهما منسوبَين لأحدٍ من شُيوخنا.
(أَبو مُعاويَةَ) هو الضَّرير، محمَّد بن خازم بالمُعجَمَة، ويَحتمل أنَّه شَيْبَان النَّحْوي.
(مُسْلِمِ) ابن البَطِيْن، ويحتمل أنَّه ابن صَبِيْح، وبالجُملة فلا تَقدَحُ هذه التَّرديدات؛ لأَنَّ الكلَّ على شَرطه، وأخرَجَ لهم.
(الإداوَة) المِطْهَرة.
(ضَاقَتْ)؛ أي: الجُبَّة.
وفي الحديث: جَواز أَمْر الرَّئيس غيرَه بالخِدْمة والسَّتْر عن الأَعيُن للحاجة، والإعانةُ في الوُضوء، والمَسحُ على (١) الخُفِّ (٢)، وإخراجُ اليَدِ من أَسفَلٍ للحاجة، ولباسُ الضَّيِّقة الكُمِّ والقِصار، ولباسُ ثِياب المُشركين؛ لأَنَّ الشَّام كانت ذلكَ الوَقْت -وهو غزوة تبوك سنَةَ تِسْعٍ- دارَ كُفْرٍ، وثيابُهم ضيقة الأكمام.
قال (ط): في ذلك اختلافٌ، فأجاز الشَّافعيُّ والكُوفيُّون لُبْسَ ثِيَاب الكُفَّار، وإِنْ لم تُغْسَل حتَّى تتبيَّن النجاسة.
* * *
(مَا رُئِيَ) هو بضَمِّ الرَّاء، وكَسْر الهمْزة، وبكسر الرَّاء والمَدِّ، وهو بعُمومه وَجْهُ الدَّلالة على التَّرجَمة بكراهة التَّعرِّي.
وهذا الحديث مُرسلُ صحابيٍّ، اتفقُوا على الاحتِجاج به إلا ما تَفرَّد به الأُستاذ أبو إسحاق الإِسْفَرايِيْني؛ نعَمْ، في السِّيَاق ما يُستَأنسُ به لأَخذِه ذلك من العَبَّاس، فلا يكونُ ذلك مُرسَلًا.
وفي الحديث: أنَّه ﷺ كانَ في صِغَره مَصونًا مَحمِيًّا عن أَخلاق الجاهليَّة.
وبُنيان الكَعْبة كان قبلَ مَبعَثه ﷺ بخمسَ عشرةَ سنة، وقد أمره الله بعد البِعْثة أن يَأمُر أَنْ لا يَطُوفَ بالبَيت عُريانٌ رفعًا لمَا كانوا يَتسامحون به في الجاهلية، وأما هو فجَبَلَه الله على جَميل الأَخلاق وشَريف الطِّباع، ومنه مَنعْ بُدُوِّ العَورة إلا ما رُخِّص من رُؤية الحَلائل لأَزواجِهنَّ عُراةً.
* * *
٩ - بابُ الصلاة فِي الْقَمِيص وَالسَّرَاويل وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاء
(باب الصَّلاة في القَميص والسَّراويل (١) والتُّبَّان)؛ أي: بفتح (٢)
والفَرْق بين الرِّدَاء والإِزَار: أَنَّ الرِّدَاء للنِّصْف الأَعلى، والإِزار للأسفَل، وإنَّما ذكَر هذه الصُّوَر الثَّمانية، أو التِّسعَة بدُون [مُناسبَة]، أو المُناسبة لمُرادِه، إمَّا على وجْه التَّعداد، فلا حاجةَ لعَطْفٍ، أو أنَّها أَبدَالٌ، أو ساقِطٌ منها حرفُ العَطْف على رأي من جَوَّزَه.
قال (ط): فقولُ عمر: إذا وسَّع الله، دليلٌ على أنَّ الثَّوب الواحدَ كافٍ، وأَنَّ الزِّيادة استِحسانٌ، وقوله: (جَمَعَ) إلى آخِره، المُراد لِيَجْمَعْ، ليُصَلِّ، بلفظ الاستِقبال.
* * *
٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّراوِيلَ وَلَا الْبُرْنسُ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرانُ وَلَا وَرْسٌ، فَمَنْ لَمْ يَجدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُوناَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ".
وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَهُ.
الحديث الثَّاني:
(فقال: ما يَلبَسُ) الفاء فيه تَفسيريَّة، إذْ هو نَفْس قال.
(ولا يَلبَسِ) بفتح المُوحَّدة بلفظ النَّهي، أو النَّفْي، فتُكسَر سينُه، أو تُضَمُّ.
стр. 1080
(البُرْنسُ) بضَمِّ المُوحَّدة والنُّون، وسُكون الرَّاء: ثَوبٌ خاصٌّ، أو هو القَلَنْسوة.
(وَرْس) هو نبَاتٌ أَصفَرُ باليَمَن.
(ولا ثَوْبًا) رُوِيَ بالنَّصْب والرَّفعْ، وسبق آخرَ (كتاب العِلم) الكلامُ في الحديث، ووجه دلالته على التَّرجَمة هنا ما يُفهم منه مِنْ جَواز الصَّلاة بدُون قَميصٍ وسَراويل.
(وعَنْ ناَفع) تَعليقٌ، ويحتمل أنَّه عطف على (سالمٍ) فيكون مُتصِلًا.
* * *
١٠ - بابُ مَا يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ
(باب ما يَستُر العَورة) هي سَوْءَة الإنسان، وكلُّ ما يُستَحيَى منه، وهي من الرِّجال ما بين السُّرَّة والرُّكْبة عند الشَّافعي ومالك، وعند أبي حنيفة وأحمد مِنْها الرُّكْبة أيضًا، وقال أهل الظَّاهر: لا عَورة إلا القُبُل والدُّبُر.
٣٦٧ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ليث، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: نهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
стр. 1081
الحديث الأَوَّل:
(اشتِمَالِ الصَّمَّاء) ذكَر في (كتاب اللِّباس): أَنْ يَجعل ثَوبه على أحَد عاتِقَيه، فيَبدُوَ أحدُ شِقَّيه، وقال الجَوْهَري: أَنْ يَرُدَّ الكِسَاءَ مثلًا من قِبَل يَمينه على يَدِه اليُسرى وعاتِقهِ الأَيسَر، ثم يَرُدَّه ثانية من خَلْفه على يَده اليُمنى وعاتِقه الأَيمن، فيُغطيهما جَميعا.
ونقَل أبو عُبَيد عن الفُقهاء: أَنْ يَشتمل بثَوب واحد يَرفعُه من أَحَد جانبَيه على مَنكبَيه، فيَبدوَ فَرجُه، والتَّقدير في اشتَمَل الصَّمَّاء: اشتَمَلَ الشَّمْلةَ التي تُسمَّى الصَّمَّاء من ضُروب الاشتِمال.
وقال (ن): عن الأَصْمَعي: أَنْ يَشتمل بالثَّوب، حتى يُجلِّل به جَسَده لا يَرفع منه جانبًا، فلا تَخرج منه يدُه.
قال ابن قتيْبة: سُمِّيتْ صَمَّاءَ لسَدِّ المَنافِذ كلِّها كالصَّخْرة الصَّمَّاء التي ليسَ فيها خَرْقٌ، ثم نقَل عن الفُقهاء ما نقَله أبو عُبَيد.
قال العلماء: فعلى تفسير أهل اللُّغة: يُكره؛ لئلَّا تَعرِضَ له حاجةٌ من دَفْع بعض الهَوَامِّ فيَعسُر، أو يَتعذَّر عليه، فيَلحقه الضَّرر، وعلى تفسير الفُقهاء يحرم إن انكشَفَ به بعضُ العَورة وإلا فيُكره.
(وأَنْ يَحتَبِيَ) فسَّره (خ): مرَّة بأن يجمَع ظَهرَه ورِجْلَيه بثَوبٍ، ومرَّة بجعل رِجلَيه في الثَّوب مُتجافيتَين عن بَطنه، فإذا لم يكُن واسعًا يُسبِل منه شيئًا على فَرْجِه تَبدو منها عَورته، فيُنهى عن ذلك إذا كان كاشفًا عن فَرْجه، وبهذا فسَّره غيرُه أيضًا.
стр. 1082
قال: وكانت العرَب تَرتَفِقُ به في جُلوسها، وبه فسَّره البُخاري في (كتاب اللِّباس).
* * *
٣٦٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نهى النَّبِيُّ ﷺ ، عَنْ بَيْعَتَيْنِ، عَنِ اللِّمَاسِ وَالنِّباذِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
الحديث الثَّاني:
(بِيْعَتَينِ) بفتح المُوحَّدة وكَسْرِها، وهو الأَحسَن، لأَنَّ المُرادَ الهيئةُ؛ كالرِّكبة والجِلْسَة.
(اللِّمَاسِ) بكَسْر اللَّام: لَمْسُ الثَّوب لا يَنظُر إليه.
(والنِّباذِ) بكَسْر النُّون: طَرْح الرَّجل ثَوبَه للرَّجل بالبَيع قبلَ أَنْ يُقَلِّبه لا يَنظُر إليه، فسَّرهما بذلك في (باب البيع).
قال (ن): لأصحابنا تأويلاتٌ فيهما:
أحدها: المُلامَسة: أن يَلْمَس المُسْتَامُ الثَّوبَ المَطويَّ أو في ظُلمة بشرطِ أَنَّ لَمْسَه مَقامَ نَظَرِه، وأنْ لا خِيَار له إذا رآه.
ثانيها: أنَّ لَمْسَه ينقطعُ به خيار المَجلِس.
وفي المُنَابَذَة:
стр. 1083
أحدها: أن يَجعل النَّبْذَ بيعًا.
ثانيها: أن يَنقطِعَ به الخِيَار.
ثالثها: أنَّه نبذُ الحَصَا، وفيه ثلاثة أوجهٍ: أنَّ المَبيع من الثِّياب ما تقَعُ عليه الحصاةُ التي أَرميها، أو يَجعَلا نَفْسَ الرَّمي بيعا، أو أنَّه إذا رَمَى الثَّوبَ يكون مَبيعًا من المُشتري بكَذا.
* * *
٣٦٩ - حَدَّثنا إِسحاقٌ قَالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بنُ إِبرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أَخِي ابن شهابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أخبَرَني حُمَيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أبو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نؤذِّنُ بِمِنى: أَلا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِك، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَان.
قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا، فَأمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبرَاءَةَ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
الحديث الثَّالث:
(إِسْحَاق) هو ابن رَاهَوَيْهِ، ويحتمل أنَّه إسحاق بن مَنْصُور، لأنَّهما يَرويان عن يَعقوب هذا، وهو سِبْطُ عبد الرَّحمن بن عَوف، كما قاله الغَسَّاني، عن الكَلابَاذِي.
стр. 1084
(ابنُ أخِي) هو محمَّد بن عبد الله، ابنُ أَخِي الزُّهريِّ.
(تِلْكَ الحجَّة)؛ أي: حجَّة أبي بَكْر بالنَّاس قبل حجَّة الوَداع بسنَةٍ.
(مُؤَذِّنِيْنَ)؛ أي: رَهْطٌ مُؤَذِّنون في النَّاس يومَ النَّحر، وهو اقتباسٌ من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣].
(أَنْ لا يَحُجُّ مُشْرِكٌ) برفع (يَحُجُّ)، أي: لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
قال (ك): الظَّاهر أَنَّ ذلك العَامَ ليس داخلًا؛ إذِ التَّقدير: بعد خُروج هذا العام لا بعدَ دُخوله، وفيه نظَر.
(ولا يَطُوفُ) بالرَّفْع أيضًا، وهو إبطال لما كانوا عليه من طوافهم عَرَايَا، ففيه دليلٌ على السَّتْر في الطَّواف.
(قال حُمَيْدُ) يحتمل أنَّه تعليقٌ، وأنَّه داخلٌ تحت الإسناد، نعم، هو مُرسل؛ لأَنَّ حُمَيدًا ليس بصحابي.
(بِبراءَةَ) بالفَتح على أنَّها علَمٌ للسُّورة، أو بالرَّفع على الحِكاية، أو بالكَسْر والتَّنوين، أي: بسُورة بَراءةٍ.
(قَالَ أبو هُرَيْرَةَ) يحتمل أيضًا أنَّه تعليق، وأنَّه داخِل في الإِسناد.
(فأذَّنَ معَنَا) بفتح العين وإسكانها، وهذا يحتمل أنَّه أَذَّن به لا أنَّه داخل في سُورة براءة التي أُمِرَ أَنْ يُؤذِّن بها، ويحتمل أنَّه أَذَّن بذلك بعد التَّأذين ببَراءة.
* * *
стр. 1085
١١ - بابُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ رِدَاء
(باب الصَّلاة بغير رِداء)
٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الْمَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِداؤُهُ مَوْضُوعٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ (تُصَلِّي وَرِداؤُكَ مَوْضُوعٌ؟ قَالَ: نعمْ، أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ، رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يصَلِّي هَكَذَا.
(مُلتَحِفًا)، في بعضها: (مُلتَحِفٌ)؛ أي: هو مُلتَحِفٌ.
(مَوضُوعٌ)؛ أي: على الأَرض، أو على المِشْجَبِ ونحوِه.
(انصَرَفَ)؛ أي: من الصَّلاة.
(يَا أبا عَبدِ الله) هو كُنية جابر، وحُذفتْ همزتُه تخفيفًا.
(مِثْلُكَم) بنصبه حالًا، أو برَفْعه صفةً؛ لأَنَّ إضافتَه لا تُفيد تعريفًا، كما سبق قَريبًا تَقريرُه، وكونُه مُفردًا وُصِفَ به جَمْعٌ؛ لأنَّه مما يَستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، وإنَّ وجْهَ الإغلاظ أنَّه فَهِمَ من السَّائل الإنكارَ، وأنَّه يُحبُّ أَن يَراه الجاهل ليُفيده الحكمَ إذا أَنكَر.
* * *
стр. 1086
١٢ - بابُ مَا يُذْكرُ فِي الْفَخِذِ
ويُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْفَخِذُ عَوْرَةٌ".
وَقَالَ أَنسٌ: حَسَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَخِذِهِ.
وَحَدِيثُ أَنسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلَافِهِم.
وَقَالَ أبو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ ركبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ فَخِذِي.
(باب ما يُذكر في الفَخِذ) (ويُروى) تعليقٌ بتَمريض، لكنْ حديث (ابن عبَّاس) وصلَه أحمد، والتِّرْمِذي.
(وجَرْهَدٍ) بفتح الجيم، وصَلَه البُخاري في "تاريخه"، وأحمد، والطَّبَرانيُّ من طُرُقٍ، وصحَّحه ابن حِبَّان.
(الفَخِذ): فيه أربع لُغاتٍ مَشهورةٍ.
وحديث محمَّد بن جَحْش، وصَلَه البُخاري في "تاريخه"، وأحمد، والطَّبَراني، وقوله فيه: (وقال أنسٌ)، أسنَده في الباب.
(حَسَرَ) بفَتح المُهمَلات، أي: كشَفَ.
стр. 1087
(أَسنَدُ)؛ أي: أَحسَن إِسنادًا من حديث جَرْهَد.
(أَحْوَطُ)؛ أي: أَقرَب للتَّقوى.
(حتَّى يَخرُجَ مِنِ اختِلافِهم) ففيه أَنَّ مُراعاةَ الخِلاف أَحوَطُ للدِّين، وهو مقامُ الوَرَع.
(وقَالَ أَبو مُوسَى) تَعليقٌ بالجَزْم، ووصلَه البُخاري في (مناقب عُثمان).
ووجْه دُخوله في التَّرجَمة: أَنَّ الرُّكبة إِذا كانت عَورة فالفَخِذ أَولى، لكن كشفُها قبلَ دُخول عُثمان يقتضي أنَّها ليست بعَورة، وأَنَّ تغطيتها عند دُخول عُثمان أَدَبٌ واستحياءٌ.
قال (ط): ولذلك قال: "أَلا أَستَحيِي ممَنْ تَستَحيِي منهُ مَلائكةُ السَّمَاءِ".
وفيها فعلُه ﷺ مع أصحابه مُراعاةُ كل بما هو الغالب عليه، فلمَّا كان الغالبُ على عُثمان الحياء استحيَى منه، وذكَر أَنَّ الملَك يَستَحيِي منه، فالمُجازاة من جِنْس الفعل.
فإِن قيل: حديث أنَس حجَّة على الشَّافعية، حيث قالوا: الفَخِذ عَورة؟ فجوابه: أَنَّ ذلك بغير اختِيار، بل للازدِحام؛ بدليل مَسِّ رُكبةِ أنس فَخِذَه كما سيَجيء، أو أنَّهم أَخَذوا له بالأَحوَط.
(وقَالَ زيد) قد وصَلَ هذا البُخاري في (الجهاد) و (التَّفسير).
(أَنْزَلَ الله)؛ أي: قولَه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: ٩٥].