← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

١٢ - بابُ مَا يُذْكرُ فِي الْفَخِذِ ويُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْفَخِذُ عَوْرَةٌ". وَقَالَ أَنسٌ: حَسَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَخِذِهِ. وَحَدِيثُ أَنسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلَافِهِم. وَقَالَ أبو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ ركبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ فَخِذِي. (باب ما يُذكر في الفَخِذ) (ويُروى) تعليقٌ بتَمريض، لكنْ حديث (ابن عبَّاس) وصلَه أحمد، والتِّرْمِذي. (وجَرْهَدٍ) بفتح الجيم، وصَلَه البُخاري في "تاريخه"، وأحمد، والطَّبَرانيُّ من طُرُقٍ، وصحَّحه ابن حِبَّان. (الفَخِذ): فيه أربع لُغاتٍ مَشهورةٍ. وحديث محمَّد بن جَحْش، وصَلَه البُخاري في "تاريخه"، وأحمد، والطَّبَراني، وقوله فيه: (وقال أنسٌ)، أسنَده في الباب. (حَسَرَ) بفَتح المُهمَلات، أي: كشَفَ.

стр. 1087

(أَسنَدُ)؛ أي: أَحسَن إِسنادًا من حديث جَرْهَد. (أَحْوَطُ)؛ أي: أَقرَب للتَّقوى. (حتَّى يَخرُجَ مِنِ اختِلافِهم) ففيه أَنَّ مُراعاةَ الخِلاف أَحوَطُ للدِّين، وهو مقامُ الوَرَع. (وقَالَ أَبو مُوسَى) تَعليقٌ بالجَزْم، ووصلَه البُخاري في (مناقب عُثمان). ووجْه دُخوله في التَّرجَمة: أَنَّ الرُّكبة إِذا كانت عَورة فالفَخِذ أَولى، لكن كشفُها قبلَ دُخول عُثمان يقتضي أنَّها ليست بعَورة، وأَنَّ تغطيتها عند دُخول عُثمان أَدَبٌ واستحياءٌ. قال (ط): ولذلك قال: "أَلا أَستَحيِي ممَنْ تَستَحيِي منهُ مَلائكةُ السَّمَاءِ". وفيها فعلُه ﷺ مع أصحابه مُراعاةُ كل بما هو الغالب عليه، فلمَّا كان الغالبُ على عُثمان الحياء استحيَى منه، وذكَر أَنَّ الملَك يَستَحيِي منه، فالمُجازاة من جِنْس الفعل. فإِن قيل: حديث أنَس حجَّة على الشَّافعية، حيث قالوا: الفَخِذ عَورة؟ فجوابه: أَنَّ ذلك بغير اختِيار، بل للازدِحام؛ بدليل مَسِّ رُكبةِ أنس فَخِذَه كما سيَجيء، أو أنَّهم أَخَذوا له بالأَحوَط. (وقَالَ زيد) قد وصَلَ هذا البُخاري في (الجهاد) و (التَّفسير). (أَنْزَلَ الله)؛ أي: قولَه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: ٩٥].

стр. 1088

(تَرُضَّ) بضَمِّ الرَّاء وتَشديد المُعجَمَة، من الرضِّ وهو الدَّقُّ، وكلُّ شيء كَسَرْتَه فقد رَضَضْتَه، والضَّمير فيه عائدٌ على فَخِذ النبيِّ ﷺ ، أو بضَمِّ أوَّله وفَتْح ثَانيهِ على البِناء للمَفعول، وهذا يَقتضي أَنَّ الفَخِذ ليس عَورة؛ لأَنَّ المَسَّ للعَورة حرامٌ بلا حائِل كالنَّظَر. * * * ٣٧١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أنسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نبِي اللهِ ﷺ وَركبَ أبو طَلْحَةَ، وَأنا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأجْرَى نبَيُّ اللهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيبر، وَإِنَّ رُكبَتي لتمَسُّ فَخِذَ نبَيِّ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ حَسَرَ الإزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتّى إنِّي أنْظرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نبَيّ اللهِ ﷺ ، فلمّا دَخَلَ القريةَ قَالَ: "الله أكبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صبَاحُ الْمُنْذَرِينَ"، قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ -قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا-: وَالْخَمِيسُ، يَعْنِي الْجَيْشَ، قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ، فَجَاءَ دِحْيةُ فَقَالَ: يَا نبَيَّ اللهِ! أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ، قَالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً"، فَأخَذَ صَفِيةَ بِنْتَ حُييٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا نبَيَّ اللهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفيةَ بِنْتَ حُيي سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ، قَالَ: "ادْعُوهُ بِهَا"، فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِي ﷺ قَالَ: "خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غيْرَهَا"، قَالَ: فَأعْتَقَهَا

стр. 1089

النَّبِي ﷺ وتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ! مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نفسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْم، فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَاَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا فَقَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجئْ بِهِ"، وَبَسَطَ نِطَعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجيءُ بِالسَّمْنِ -قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ- قَالَ: فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَليمَةَ رَسُولِ الله ﷺ . (عُلَيَّة) بضَمِّ المُهمَلَة وفتح اللَّام. (بغَلَس) بفتح الغين واللَّام: ظُلْمة آخرِ اللَّيل. (أَبُو طَلْحَة) هو زيدُ بن سَهْل زَوج أُمِّ أنَس. (فأجْرَى)؛ أي: مَركُوبَه. (زُقَاقِ) بضَمِّ الزَّاي وبقَافَين: السِّكَّة، تُذَكَّر وتُؤَنَّث، وجَمعه أَزِقَّةٌ، وزُقَّان بالنُّون. (حُسِرَ) بضَمِّ أوَّله، مبنيّ للمفعول؛ بدليل روايةِ مُسلم: (فانْحَسَرَ)، أي: بغَير اختياره لضَرورة الإِجراء، وحينئذٍ فلا دَلالةَ له على كَون الفَخِذ ليس بعَورة. (عَنْ فَخِذ) في بعضها: (على فَخِذِه)؛ أي: الإِزَارُ الكائِنُ على فَخِذِه، فلا يَتعلَّق بـ (حُسِرَ) إلا أَنْ يُقال: حُروف الجَرّ يَنوب بعضُها عن بعضٍ. (القَرْيَةَ)؛ أي: خَيْبَر، وهذا يُشعِر بأَنَّ ذلك الزُّقاق خارجَها.

стр. 1090

(إِلَى أَعْمَالِهِمْ)؛ أي: مَواضعِ أَعمالهم. (مُحمَّدٌ)؛ أي: جاءَ محمَّدٌ، أو هذا محمَّدٌ. (قالَ عَبدُ العَزِيْز)؛ أي: الرَّاوي عن أنَس. (بَعْضُ أَصحَابِنَا) هو ثَابِتٌ البُنَاني، تَبيَّن في طَريقٍ آخَر وإِنْ أُبهم هُنا. (والخَمِيْسُ)؛ أي: زادَ، فقال: محمَّدٌ والخَمِيْس، أي: الجَيْش؛ لأَنَّ لَه قَلبًا، ومَيمَنةً، ومَيْسَرةً، ومُقدَّمة، وسَاقَة، ويَجوز نَصبه على المَفعول معه. (عَنْوَةً) بفتح المُهمَلَة، وسُكون النُّون، أي: قَهْرًا لا صُلْحًا. (دِحْيَة) بفَتح الدَّال وكَسرِها. (صَفِيَّة) بفتح الصَّاد، قيل: كان اسمها زينَب؛ فسُمِّيت بعد الاصطِفاء بصَفِيَّة، وقيل: بل هو اسمُها من قبلُ. (حُيي) بضَمِّ المُهمَلَة، وكَسْرها، وفتح المُثنَّاة تَحت، مُخَفَّفة، ثم مثلها مشدَّدة، من نَسْل هارون النبيّ ﵇ كانتْ تَحت كِنَانَة بن أبي الحُقَيْق -بضَمِّ المُهمَلَة، وفتح القَاف الأَوَّلى- قُتِلَ عنها بخَيْبَر سنَة سَبعٍ. (قُرَيْظَة) بضَمِّ أوَّله، وبظَاءٍ مُهمَلةٍ، (والنَّضِيْر) بفَتح أوَّله، وضادٍ مُعجَمة، قَبيلتان عَظيمتان من يَهود خَيْبَر، دخَلوا في العرَب على نَسَبهم إلى هارون.

стр. 1091

وإنَّما أَعطاها لدِحْيَة قبلَ القِسْمة؛ لأَنَّ له صَفِيَّ المَغنَم، يُعطيه لمَنْ يَشاء، أو أنَّ ذلك من النَّفْل، إِنْ قُلْنا من أَصل الغَنيمة، فإنْ قُلنا من خُمُس الخُمُس، فكان بعد أَنْ مَيَّزه، أو قبلَه ويُحسَب منه رجوعُها له، إما لعدَم تَمام الهبة، أو لأنَّه أبو المُؤمنين فلَه الرُّجوع في هِبَة الوَلَد، أو أنَّه اشتَراها منه، أي: لِمَا جاء أنَّه أَعطاهُ عنها سَبعة أَرؤُس. قال (ن): أو أنَّه ردَّها برضاه، أو أنَّه إنَّما كان أَذِن له في جاريةٍ من حَشْو السَّبي لا من أَفضلهنَّ، فلَمَّا رآه أَخَذَ أَنفَسَهنَّ نسَبًا وشَرفًا وجَمالًا استَرجعَها؛ لأنَّه لم يَأذَن، ورأَى أنَّه في إِبقائها له مَفسدةً لتَمييزه بها على باقي الجَيْش، ولمَا فيه من انتِهاكها مع مَرْتبتِها، ورُبَّما تَرتَّب على ذلك شِقاقٌ أو غيرُه، فكان أَخْذُها لنَفسه ﷺ قاطِعًا لهذه المَفاسد. (ثَابِتٌ)؛ أي: البُنَاني. (حَمْزةَ) بالمُهمَلَة والزَّاي، كُنِّيَ به أنس. (نَفْسَها) بالنَّصْب. (أَعتقَها وتَزوَّجَها) بيانٌ لقوله: (نَفْسَها)، والمَعنى: تَزوَّجَها بلا مَهْرٍ؛ لأَنَّ ذلك من خصائصه، أو أَنَّ ذلك الإِعتاقَ من مُقابلة تَزوجها به لا حقيقةُ صَداقٍ، أو أَنَّ اشتراط كَون العِتق صداقَها، أو كَون القيمة مع الجهل بها صَداقًا من خَصائصه، وأخَذَ أحمد بظاهره، فجوَّز ذلك لغَيره أيضًا.

стр. 1092

والتَّعقيب بالفَاء للإِعتاق فقط لا للتَّزوُّج؛ فإِنَّه يَحتاج للاستِبراء، والمُراد التَّعقيب اللَّائق، وهو ما كانَ على أُسلُوب الشَّرع. (أُمُّ سُلَيم) هي: أُمُّ أَنس. (فأهْدَتْها)؛ أي: زَفَّتْها له، وفي بعضِها: (فَهَدَتْها)، وصُوِّبَ؛ لقَول الجَوْهَري: الهدَاء مصدرُ هَدَيتُ أنا المَرأةَ إلى زَوجها. (عَرُوسًا) هو مما يَستوي الرَّجل والمَرأة ما دَامَا في إِعْراسهما. (نِطَعًا) قال (ش): بنُون مفتوحة وطاء مكْسورةِ في أَفصح لُغاته السَّبع، وذكَرها (ك) أربعةً: بفتح النُّون وكَسرها، وسكون الطَّاء وفتحها، جَمعُه: نُطُوعٌ، وأَنْطَاعٌ. قلتُ: وبقيَّة السَّبع مذكورةٌ في غير هذا المكان. (قالَ)؛ أي: عبدُ العَزيز. (وأَحْسِبُه)؛ أي: أَنسًا. (ذَكَرَ السَّويقَ)؛ أي: قال: وجَعلَ الرَّجلُ يَجيءُ بالسَّويق، هذا هو الظاهر، ويحتمل أَنَّ الفَرَبْري قال: يعني البُخاري، والضَّميرُ في (أَحْسِبُ) ليَعقوب شَيخِه. (فحَاسُوا) بمُهمَلتَين، أي: خَلَطُوا أو اتَّخَذُوا. (حَيْسًا) بفتح أوَّله، أي: تَمرٌ يُخلَطُ بسَمْن وأَقِطٍ، أي: ورُبَّما عُوِّضَ بالدَّقِيْق عن الأَقِط. (وَلِيْمَةَ) خبَر (كان)، واسمُه: ضميرُ الثَّلاث المَجعولَة حَيْسًا، أو

стр. 1093

أَنَ التَّأنيث باعتِبار الخبَر كما في: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]. والوَليْمة: طعامُ العُرْس، من الوَلْم وهو الجَمْع؛ لاجتِماع الزوجين. قال (ن): في الحديث أَنْ لا كَراهةَ في التَّسمية بصلاة الغَداة، وجوازُ الإِرداف إذا كانت الدَّابَّة مُطيقةً، والتَّكبيرُ عند الحَرْب، وتَثليثُه، والدُّعاء بخَراب المَقصودِ أَخْذُه على أَهله، أي: جَعَلَ (خَرِبَتْ خَيْبَر) دُعاء ويحتمل أنَّه إخبار عن خَرابِها عليهم وفتحِها للمُسلمين، واستِحباب الوَليمة بعد الدخول، وإِدْلالُ الكَبير على أَصحابه لطَلَب طَعامهم في نحو ذلك، واستِحبابُ مُساعدة أصحابه فيه، وأَنَّ السنَّة تحصُل فيها بغير اللَّحم. * * * ١٣ - بابٌ في كمْ تُصَلِّي الْمَرْاةُ في الثِّيَابِ ؟ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا في ثَوْبٍ لأَجَزْتُهُ. (باب: في كَمْ تُصلِّي المَرأة من الثِّياب)، (كم) استفهامية، مميزها محذوفٌ، أي: كم ثَوبا, ولا يَقدح جرُّها بـ (في) في كون لها الصَّدر؛ لأنَّ الجارَّ والمَجرورَ ككلمةٍ واحدةٍ. * * * ٣٧٢ - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ

стр. 1094

قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَن عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ في مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ. (لَقَدْ) جوابُ قسَمٍ محذوفٌ. (مُتَلَفِّعَات) بالرَّفعْ والنَّصْب، على الصِّفَة أو الحال، والتَّلَفُّع: التَّلَحُّف والاشتِمال بتَغطية الرَّأس والجسَد، وللأَصِيْلي: مُتلَفِّفَاتٍ بفاءَينِ، وهو بمعناه. (بِمُروطِهنَّ) هي أَكْسِيَةٌ من صُوفٍ أو خَزٍّ، وقيل: أَرديةٌ واسعةٌ، واحدُها مِرْطٌ بكسر الميم، ففيه جَواز الصَّلاة في ثَوبٍ واحدٍ، وفيه حُضور النِّساء الجماعة ومع الرِّجال، وأَنَّ ذلك كثيرٌ دائمٌ، لقولها: (كان). (مَا يُعْرَفْنَ)، أي: إِمَّا لبقاء ظُلْمة اللَّيل ليُؤخَذ منه الصَّلاةُ أَوَّلَ الوَقْت قبلَ الإِسفار، أو لمُبالغَتهنَّ في التَّلحُّف والتَّغطية، ثم قيل: ما يُعرفْنَ أنهن نِساءٌ، وقيل: ما تُعرَف الواحدةُ منهنَّ مَنْ هي. قال (ط): واختُلف في كَمْ تُصلِّي؟: فقال: مالكٌ، وأبو حنيفة، والشَّافعي: في دِرْعٍ وخِمَارٍ، وزاد عَطاء: وإِزَارٍ، وزاد ابن سِيْرِين رابعًا، وهو: مِلْحَفة، وقال ابن المُنْذِر: عليها سَتْر يَدَيها سِوَى الوَجْه والكَفَّين سواءٌ بثوبٍ أو أكثر، والزَّائد على الواحد استحبابٌ؛ لأَنَّ الحُرَّة كلَّها عَورة إلا الوجْهَ والكَفَّين.

стр. 1095

قلتُ: وهو مذهب الشَّافعي، وقال أبو حنيفة: القَدَم ليس بعَورة، وعن أحمد: الكُلُّ حتى الظُّفُر. * * * ١٤ - بابٌ إِذَا صَلَّى في ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ، وَنَظَرَ إلَى عَلَمِهَا (باب: إِذا صلَّى في ثَوبٍ له أعلامٌ ونظَر إلى عَلَمِها) أَنَّث باعتِبار الخَمِيْصَة، وفي بعضها: (عَلَمه). ٣٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْم وَائتوني بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْم، فَإِنَّهَا ألهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي". وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كُنْتُ أنظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَناَ في الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي". (خَمِيْصَة) بفتح المُعجَمَة وكسر الميم، وبصادٍ مهملةٍ، كِسَاءٌ أسودُ مربعٌ له علَمان. (إِلَى أَبِي جَهْمٍ) بفَتح الجيم وسُكون الهاء، عامِر بن حُذَيْفة العدَوي القُرَشي.

стр. 1096

(بأَنْبَجَانِيَّةِ) بهمزة قَطْعٍ، تُفتَح وتُكسَر، وسُكون النُّون، وبموحَّدةٍ تُفتح وتُكسَر، وبياءٍ بعد النُّون الثَّانية، تُشَدَّد وتُخفَّف: كِسَاءٌ غَليظٌ لا عَلَمَ له، فقيل: بالتَّشديد نِسبةٌ لمَوضع بالشَّام. قال (ع): ولا يُقال: أَنْبَجَانِيٌّ، قيل لأبي حاتم: لِمَ فتَحتَ الباءَ؟ قال: خَرَجَ مَخرَج مَعْبَرانيٌّ، أَلا تَرى أَنَّ الزيادة فيه والنَّسَب مما يَتغيَّر له البِنَاءُ. (ألهَتْني)؛ أي: شغَلتْني، ولَهِيَ الرَّجلُ -بكسر الهاء عن كذا-؛ أي: غَفَلَ عنه، ولَهَا يَلْهو من اللهْو، أي: لَعِبَ. (عَنْ صَلاتِي)؛ أي: عن كَمال الحُضور فيها والتَّدبُّر. قلتُ: والمُراد أنِّي صِرْتُ ألهُو، فقَد بانَ بقَوله في الرِّواية الأُخرى: (أَخَافُ أَنْ تَفتِنَنِي)، قال ابن عُيينة: رَدَّها لأنَّها قد تكون سَببًا للغَفلة عن ذِكْر الله، كما قالَ: "اخرُجُوا عَنْ هَذَا الوَادِي الذِي أَصابَكُمْ فيهِ الغَفْلَةُ؛ فإِنَّ بِهِ شَيْطَانًا". (وقال هِشَامٌ) عطفٌ على (قال ابنُ شِهَاب)؛ لأنَّه من شُيوخ إبراهيم، ويحتمل أنَّه تعليق. (أَنْ تَفتِنَنِي) بفتح أوَّله، أي: تَشغَل قَلْبي. قال (ن): ففيه الحَثُّ على حُضور القَلْب في الصَّلاة، وتَرْكِ ما يُؤدِّي إلى شَغْله، وكراهةُ تَزويق مِحراب المَسجد، وبعثُه بالخَمِيْصَة وطلَب الأَنْبَجَانيَّة من الإِدلال على أبي جَهْمٍ؛ لعلمه بأنَّه يَفرَح بذلك.

стр. 1097

قال (ط): النَّظَر في الصَّلاة فيما يُلهي مكروهٌ؛ لأنَّه يُضيع الخُشوع، ثم ليس المُراد أنَّ أبا جَهْم يُصلِّي في الخَمِيْصَة؛ لأنَّه لم يكنْ ﷺ يَبعثُ إلى غيره بما يَكرهُه لنفسه، كما قال لعائشة في الضَبِّ: "إِنَّا لا نتَصَدَّقُ بِمَا لا نأْكُلُ"، فيَجب على أبي جَهْم أن يَجتنبَ ما اجتَنب النبيُّ ﷺ ؛ لأنَّه أَولى بالشُّغل بها منه، فهي كإِهداء الحُلَّة لعمر مع تحريم لِبَاسها عليه، بل يَنتفع بها ببَيعٍ أو غيرِه. وفيه: أنَّ الواهبَ إِذا رُدَّت عليه عطيَّتُه من غير أن يكون هو الرَّاجِعَ لا عارَ عليه في قَبولها. وفيه جَبْر قَلْبه بسُؤال ثَوبٍ مكانها؛ ليَعلم أنَّه لم يَرُدَّها عليه استِخفافًا ولا كراهةً لكسبه. وفيه تَكنية العالِم لمَنْ هو دُونه. * * * ١٥ - بابٌ إِنْ صلَّى في ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ تَصَاويرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؟ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ (باب: إِذا صلَّى في ثَوبٍ مُصَلَّبٍ) بفتح اللَّام مشدَّدة، أي: نُقِشَ [عليه] صُلبان (أو تَصَاوْيرَ) بفتح الرَّاء، جمع تَصْوير، من الصُّورة، وهو مَجرورٌ عطفًا على مُصَلَّب، أو ثَوبٍ على حَذْف مُضافٍ، أي: ذِي تَصَاوير، أي: غَيرِ الصَّلِيْب، وفي بعضها: (أو فيهِ تَصَاوِيْر)، وهو ظاهرٌ. * * *

стр. 1098

٣٧٤ - حَدَّثَنَا أبو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنسٍ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ في صَلَاتِي". (قِرَامٌ) بكسر القاف وخِفَّة الرَّاء: سِتْرٌ رَقِيْقٌ، فيه رَقْمٌ ونُقُوشٌ، وقال (ط): ثَوبُ صُوفٍ ملوَّنٌ، فهو -وإنْ كُرِهَ- لكنَّ الصَّلاة فيه تُجزِيء؛ لأنَّه ﷺ لَم يُعِدْ، ووجه إِدخاله حديثَ القِرَام؛ لأنَّه إذا نَهى عنه في التَّجمُّل كان النَّهي عن لباسه أَولى، ففيه أنَّ الصُّوَر مَنهيٌّ عنها، سواء المُتشخِّص المَاثِل وغَيره، في سَتْرٍ أو بِسَاطٍ أو جدارٍ أو غيرِ ذلك. (تَصَاويرُ) في بعضها: (تَصَاوِيرُه)، وعلى الأَوَّل فالضَّمير في (أنَّه) للشَّأْن. * * * ١٦ - بابُ مَنْ صلَّى في فَرُّوجِ حَرِيرِ ثُمَّ نَزَعَهُ (باب مَنْ صلَّى في فَرُّوجِ الحَرير) فَرُّوج بفتح الفاءِ وتَشديد الرَّاء المَضمومة وتخفيفها وبالجيم: قُبَاء فُرِجَ، أي: شُقَّ مِن خَلْفه من لِبَاس الأَعاجم. * * *

стр. 1099

٣٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَاره لَهُ، وَقَالَ: "لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ". (أُهْدِيَ) بالضَّمِّ، مضارع مبني للمَفعول. (للمُتَّقِيْنَ)؛ أي: عن الكُفر، وهم المُؤمنون، أو عن المَعاصي كلِّها، أي: الصَّالحين، ولا يَدخل في هذا الجَمْع المُذكَّر النسوةُ؛ لأنَّه حَلال لهنَّ، وعلى قَول مَن قال يَدخُلْنَ تَغليبًا، فخرجْنَ بدليلٍ. ولبسُه ﷺ كانَ قَبْلَ التَّحريم، وليس ذلك من قَبيل النَّسْخ؛ لأَنَّ حِلَّه كان بالأَصل، وشَرطُ المَنسوخ أن يكون حُكما شَرعيًّا، ولئِنْ سُلِّمَ أنَّه رفَعَ حُكمًا، فهو تَخصيصٌ. قال (ط): اختُلف فيمَن صلَّى في ثَوب حَرير، فقال الشَّافعي: يُجزيه؛ لأنَّه ﷺ لم يُعِدْ، لكن قد سبَق أَنَّ هذا قَبْلَ تَحريمه، وقال مالك: يُعيدُ في الوَقْت إِنْ وجَد ثَوبًا غيرَه، أي: لعُموم نَهيه للرِّجال، واستَحبَّ ابن المَاجِشُون لُبسَه في غير الصَّلوات للمُباهاة به (١). * * *

стр. 1100

١٧ - بابُ الصلاةِ في الثَّوْبِ الأَحْمَرِ (باب الصَّلاة في الثَّوب الأَحْمَر) ٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِي ﷺ في حُلَّةٍ حَمْراءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ ركعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْعَنَزَة. (مِنْ أَدَمٍ)، بفتح الهمزة والدَّال، جَمْع أَدِيْم. (وَضُوءَ) بفتح الواو على الأَشهر، أي: ماءَه. (عَنَزَةً) بفتح العين والنُّون، وبالزَّاي، أَطْوَلُ من العَصَا وأَقصَر مِنَ الرُّمْح. (حُلَّةٍ) هي ثَوبان، إِزارٌ ورِدَاءٌ لا يُسمَّى حُلَّةً إلا ثَوبان، والحُلَل بُرُودٌ اليَمَن. (مُشَمِّرًا) بكَسْر الميم الثَّانية، والتَّشمير: الرَّفْع.

стр. 1101

ففيه جَوازُ ضَرْب الخِيَام والقِبَاب، والتَّبرُّكُ بآثار الصَّالحين، وطَهارةُ المُستعمَل، ونَصْبُ علامة بين يَدَي المُصلِّي، وخدمةُ السَّادات، وقَصْرُ الصَّلاة في السَّفَر لمَا ثبَتَ أنَّها الظُّهر، والمُرورُ وَراءَ علامة المُصلّي. قال (ط): وجواز لِبَاس الثِّياب المُلوَّنة، وللسَّيِّد الكَبير والزَّاهد في الدُّنيا، والحُمْرة أَشهر المُلوَّنات، وأَجملُ الزّينة في الدُّنيا. * * * ١٨ - بابُ الصَّلَاةِ في السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسأ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْجَمْدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا، إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ. وصَلَّى أبو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقْفِ الْمَسْجدِ بِصَلَاةِ الإمَامِ، وَصلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الثَّلْج. (باب الصَّلاة في المِنْبَر) بكَسْر المِيْم، مِنْ نَبَر، أي: رَفَع. (والخَشَبِ) بفتح الخاء والشِّين، وبضَمِّهما. (الجَمْدِ) بفتح الجيم وسُكون الميم، ما جَمَد من المَاء من شدَّة البَرْد، سُمِّيَ بالمَصدر، ورواه الأَصِيْلي وأَبو ذَرٍّ بفَتْح الميم، والصَّواب

стр. 1102

الأَوَّل، وفي رواية: (الخندق). (والقَنَاطِرِ)؛ أي: الجُسُور، وفي بعضها: (القَناطِيْر). (تَحتَهَا)؛ أي: تَحتَ القَناطِر. (بَينَهُما)؛ أي: بين المُصلِّي والبَولِ، وهو قيدٌ في (أَمامَها) فقط. (ظَهْرِ)، في بعضها: (سَقْفِ). * * * ٣٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبَو حَازِمٍ قَالَ: سَألوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي، هُوَ مِنْ أثلِ الغَابِة، عَمِلَهُ فُلانٌ مَولَى فُلانة لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وقَامَ عَليهِ رسولُ اللهِ ﷺ حِينَ عُمِلَ، وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَركعَ وَركعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ ركعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ، فَهَذَا شَأنه. قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: سَألَنِي أحمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ، فَلَا بَأسَ أَنْ يَكُونَ الإمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا كثِيرًا، فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ قَالَ: لَا.

стр. 1103

الحديث الأَوَّل: (عليُّ)؛ أي: ابن المَدِيْني. (سُفيان)؛ أي: ابن عُيَيْنة. (أبو (١) حَازِم) بمُهملة وزاي، أي: سلَمة بن دِيْنَار. (المِنْبَرِ) اللام فيه للعهد، أي: مِنْبَرِه ﷺ . (في النَّاسِ) في بعضها: (بالنَّاس)، فالباء تأتي بمعنى (في). (أثلِ) بفَتح الهمزة وسُكون المُثلَّثة: نَوع من الطَّرْفَاء. (الغَابَةِ) بخِفَّة المُوحَّدة وإِعْجام الغَين: مَوضع قُربَ المَدينة من العَوَالي. (فُلانٌ) مُنصرِفٌ. قال الصَّاغَاني: هو بَاقُومٌ -بالمُوحَّدة والقَاف- الرُّوميُّ، مَولَى سعيد بن العَاص؛ هذا هو الأَشهر، وقال السَّفَاقُسِي عن مالك: هو غُلامٌ لسَعْد بن عَبَّادة، ويقال: لامرأةٍ من الأَنصار، ويقال: غلام العبَّاس. قلت: وفيه أقوالٌ أُخرى: بَاقُول باللام؛ رواه عبد الرَّزَّاق، وقَبِيْصَة، ومَيْمُون، وكلاب، وصُباح، وإبراهيم. (فُلانه) غير مُنصرفٌ؛ لأنَّها كنايةٌ عن علَم أُنثى، فكان كعلَمها، هي أنصاريَّةٌ.

стр. 1104

قال (ك): اسمها عائشة، وقيل: مِيْنا، بميم مكسورة والتَّحتانية السَّاكنة والنون، وصَحَّفَها بعضُهم: عُلاثَة، وعدَّها من الصَّحابيَّات في حرف العَين. قال أبو محمَّد الأَصِيلي: وكان اتخاذُه سنةَ سَبعٍ، ويقال: ثَمانٍ. قلتُ: وفيه إِشكالٌ من حديث الإِفْكِ يأتي. (وقَامَ عَلَيهِ)، في بعضها: (رَقَى عليه). (كَبَّرَ) جوابُ سُؤال، كأنَّه قيل: ما عَمِلَ بعد الاستِقبال؟ قال: كَبَّرَ؛ نعَمْ، في بعضها بواو، وفي بعضها بفاءٍ، وذلك ظاهرٌ. (القَهْقَرَى) منصوبٌ على أنَّه مفعول مطلقٌ بمعنى الرُّجوع إلى خَلْف، أي رجَعَ الرُّجوع الذي يُعرَف بذلك. (عَلَى الأَرْضِ) ثم قالَ في الثَّانية: (بالأَرْضِ) لأنه لاحَظَ أَوَّلا الاستِعلاءَ، وثانيا الإِلصاقَ. (قَالَ)؛ أي: السَّابق، وهو ابن المَدِيْني. (بهَذَا الحَدِيْثِ)؛ أي: بدَلالة هذا الحديث، وجوَّزَ العُلُوَّ بقَدْر دَرَجات المِنْبَر، وقال بعضُ الشَّافعية: يَصحُّ ائتِمامُ مَن على رأْس مَنارةٍ المَسجد بمَنْ في قَعْر البِئْر. (يُسْأَلُ) بالبِناء للمَفعول. (فلَمْ تَسمَعْهُ)؛ أي: أَفلَم، بدليلِ قَوله في الجَواب: (لا).

стр. 1105

قال (ح): فيه أنَّ العملَ اليَسير لا يُفسد الصَّلاة، وأَنَّ المِنْبَر وإِنْ كان ثَلاثَ مَراقِيَ، فلعلَّه قامَ على الثَّانية، فليس في نُزوله وكذا صُعوده إِلَّا خُطوتَانِ، وأَنَّ تَرفُّع الإِمام لغرَض التَّعليم لا كَراهةَ فيه، بخلافِ غير ذلك، وإنَّما رجَعَ القَهْقَرى لِئَلَّا يُوَلِّيَ ظَهرَه القِبْلة. قال (ن): وفيه استِحبابُ اتخاذ المِنْبَر، وارتفاعُ الخطيب عليه أو نحوِه من العالي، وأَنَّ تفرُّق [العمل] الكثير إذا لم يَبلغ كلَّ مرَّة ثلاثًا لا تَبطُل، وأنَّ اقتِران الصَّلاة بإِرادة التَّعليم ليس تَشريكًا في العبادة بل هو كرَفْع صَوته بالتَّكبير ليُسمعَهم. * * * ٣٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَجُحِشَتْ سَاقُهُ أَوْ كتِفُهُ، وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونه، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا، وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيؤتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا ركعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا". وَنزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا؟! فَقَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ تِسْع وَعِشْرُونَ".

стр. 1106

الحديث الثاني: (فجُحِشَتْ) بضَمِّ الجيم وكسر المُهمَلَة، أي: خُدِشَتْ، والجَحْش: شَقُّ الجِلْد. (وكَتِفُهُ) فيه تَسكين التَّاء مع فتح الكاف وكَسرها، وفي بعضها: (أو كَتِفُه). (آلى)؛ أي: حلَفَ، لا الإِيلاء الذي في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. (مِنْ) عُدِّيَ بها وإِنْ كانت تعديتُه بـ (عن)؛ لتضمُّنه معنى التَّعدِّي، ويجوز أنَّها للابتِداء، أو للسَّبب، أي: من أجل نسائه. (مَشْرُبَةٍ) بفتح الميم وسُكون المُعجَمَة وفتح الرَّاء وضَمِّها: الغُرفة المُعلَّقة. (وهم قِيَامٌ) جمع قائم، أو مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل. (ليؤتَمَّ)؛ أي: يُقتَدى وتُتَّبع أَفعالُه. (إنْ صَلَّى قَائِمًا) مفهومه: وإن صلَّى قاعدًا فصلُّوا قُعودا، وهو محمول على أنَّه إذا كانوا عاجزين عن القِيام كالإمام، أو أنَّه نُسِخَ بصلاتهم في آخِر عمُره خلْفَه قِياما وهو قاعدٌ، هذا قول الأكَثر خِلافًا لقول أحمد، فإنَّه قال: يُصلَّى خلْف القاعد قُعودًا؛ لأَنَّ إمامته في آخر عُمره اختُلف فيها، هل كان الإمامُ أبو بكر. قال (خ): فالنَّسخ أَصحُّ، والأُصول تشهد بأَنَّ كلَّ مَنْ أَطاق عبادةً

стр. 1107

بالصِّفة التي وجبتْ عليه في الأَصل لم يَجُزْ له تَركُها إلا أن يَعجَز. (إِنَّ الشَّهْرَ) اللام للعهد، أي: ذلك الشَّهر، حتى لَو نَذَر شخصٌ صومَ أو اعتِكافَ شَهْرٍ مُعيَّن فجاءَ تسعًا وعشرين لم يَلْزمْه أكثرُ، بخلاف ما لو قال: شهرًا فعليه ثَلاثون، أي: إِنْ قصَد عدَديًّا، وإلا فشهرٌ بالهلال. قال (ط): وجه التَّرجمة في المَشْرُبَة أنَّه ﷺ صلَّى على أَلواحها وخَشَبها، فهو دليلٌ على مَنْ كَرِهَ السُّجود على العُود. قال (ك): لا يَلزم أنَّه صلَّى على الخشَب؛ لأَنَّ الجُذوع إنَّما هي درَجُها لا نَفسُها، فيحتمل لغرض الصَّلاة على السَّطح؛ لأنَّه يُطلق على أَرْض الغُرفة. وفيه: جوازُ الحَلِف على البَعيد من النِّساء، وعيادةُ نحو من خُدِش، والصَّلاةُ جالِسًا عند العَجْز، ووجوب مُتابعة الإِمام، وأَنْ لا يتَراخَى عنه بدليلِ الفاءِ، وما قالَه الفُقهاء من جواز التَّخلُّف بركنٍ، فلأنَّه تعقيب عُرفيٌّ، أو ثبَتَ بدليلٍ من خارجٍ. * * * ١٩ - بابٌ إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ الْمُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ (باب: إِذا أَصاب ثَوبُ المُصلِّي امرأتَه إذا سجَد) ٣٧٩ - حَدَّثنا مُسَدَّدٌ، عَن خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ الشَّيْبَانِيُّ،

стр. 1108

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنُ شَدَّادٍ، عَن مَيْمُونة قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَناَ حِذَاءَهُ وَأَناَ حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوبُهُ إِذَا سَجَدَ، قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ. (حِذَاءَهُ) بكسر الحاء، أي: إزاءه، وهو منصوبٌ على الظَّرفية، وفي بعضها: (حذاؤه)؛ بالرَّفعْ، أي: محاذيه. (وأَناَ حَائِضُ) حالٌ من فاعلِ (يُصلِّي)، كالجُملة قبلَها، فهي مرادفة، أو متداخلتان. (ورُبَّمَا) يحتمل التَّقليلَ حقيقةً، والتَّكثير جوازًا. (الخُمْرَةَ) بضَمِّ المُعجَمَة: سَجَّادةٌ صغيرةٌ من سَعَف النَّخل، تُزَمَّل بخُيوطِ، سُمِّيت خُمْرَة؛ لأنَّها تستُر وجه المُصلِّي عن الأرض، كتسمية الخِمَار لسَتْره الرَّأسَ، والجمع خُمُر. قال (ط): فإنْ كانت قَدْرَ طُول الرَّجل أو أكثر سُمِّيت حَصِيْرًا، ولا خلافَ في جواز الصَّلاة على الخُمْرة، وأما كون عُمر بن عبد العَزيز كان لا يُصلِّي عليها، ويُؤتَى له بتُرابٍ في موضع سُجوده ليَسجُد عليه، فلعلَّه مبالغةٌ في الخُشوع، انتهى. وفيه: أن بَدَن الحائض وثوبَها طاهران، وأَن الصَّلاة لا تَبطُل بمحاذاة المَرأة. * * *

стр. 1109

٢٠ - بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ وَصَلَّى جَابِرٌ وَأبَو سَعِيدٍ في السَّفِينَةِ قَائِمًا، وَقَالَ الْحَسَنُ: قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ، تَدُورُ مَعَهَا وَإِلَّا فَقَاعِدًا. (باب الصَّلاة على الحَصِير) (في السَّفِيْنةِ قَائِمًا) متعلِّقان بكل من جابر وأبي سعيد، وفي بعضها: (قياما). (تَشُقُّ) بضَمِّ الشّين. (تَدُورُ مَعَهَا) جملةٌ حاليَّةٌ من أَصحابك، والضَّمير في (معها) راجعٌ إليها. قال (ط): أجازَ قومٌ من السَّلَف أَنْ يُصلُّوا في السَّفينة جُلوسًا، وهو قول أبي حنيفة. ووجْهُ مُطابقة الصَّلاة في السَّفينة للتَّرجمة: أَنَّ الصلاةَ لمَّا لم يُشترطْ فيها مُباشَرة الأرض، وجازَتْ على السَّفينة، فكذا الحَصِيْر، حتى لا يُتخيَّل غيرُ ذلك من قوله ﷺ : "عَفِّرْ وَجْهَكَ بالأَرْضِ". (وإِلَّا فقَاعِدًا)؛ أي: فَصَلِّ قَاعِدًا، فنصبَه بالفعل. * * * ٣٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ

стр. 1110

عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأكلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا فَلأُصلِّ لَكُمْ"، قَالَ أَنسٌ: فَقمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَفَفْتُ وَالْيتيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ركعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. (جَدَّته)؛ أي: جَدَّة إسحاق، فالضَّمير عائدٌ إليه لا إلى أنس؛ لأنَّها أُم أنَس. (مُلَيْكَة) بضَمِّ الميم: هي أُمُّ سُلَيم، وقيل: ليس اسم أُمِّ سُلَيم مُلَيْكَة، وإنَّ الضَّمير في جَدَّته عائدٌ إلى أنس، لكنَّ الأَوَّل أَشهَر، فقد رُوي: أَن أنسًا كان إذا قال: إِنَّ جَدَّتَه يُشير بيده إلى إسحاق. (فَلأُصلِّ) رواية الكُشْمِيْهَني: (فأُصَلِّي) بغير لامٍ ساكنةِ الياء، وهي واضحةٌ، ورَواها غيرُه بوجوهٍ: الأَوَّل: (فَلأُصَلِّي) بلامٍ مكسورةٍ وفَتح الياء، على أنَّها لامُ (كي)، والفِعل بعدَها منصوبٌ بأَنْ مُضمرةً، إما على زيادة الفاء على رأْي الأَخْفَش، واللَّام مُتعلِّقةٌ بـ (قُومُوا)، أو أَنَّ المَصدر المُؤَوَّل خبرُ مبتدأ محذوفٌ، أي: فقِيامكم لصَلاتي لكم. الثَّاني: (فَلأُصلِّي) بكسر اللَّام وسُكون الياء، فيحتمل أنَّها لامُ كي، وسُكِّنت الياءُ تخفيفًا، وهي لغةٌ مشهورةٌ، خُرِّج عليها قراءةُ الحسَن: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، أو لامُ أمرٍ وتَثبتُ

стр. 1111

الياء في الجَزْم إجراءً للمُعتلِّ مجرى الصَّحيح، كقراءة قُنبُل: ﴿من يتقي ويصبر﴾ [يوسف: ٩٠]. الثَّالث: بفَتح اللَّام مع تَسكين الباء، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [الفرقان: ٤٢] فاللَّام للابتِداء، وهي لامُ الأَمْر، فُتِحت على لُغة سُلَيم، وتُسكَّن الباءُ حينئذ كما سبق. قال (ك): أو جَواب قَسَمٍ محذوفٍ، والفاء جوابُ شَرطٍ محذوفٍ، أي: إِنْ قُمتُم فواللهِ لأُصَلّ لكم. قال (ش): غلَّط ابن السِّيْد مَنْ تَوهَّم أنَّه قسَمٌ؛ لأنَّه لا وَجْهَ للقسَم، ولو أُريدَ ذلك لقال: فلأُصليَنَّ بالنُّون، ولهذا قال صاحب "المُفْهِم": إِنَّ فتح اللَّام وتَسكينَ الياء أَشبَهُ الرِّوايات. الرَّابع: قال ابن السِّيْد: إنَّ الرِّواية الصَّحيحة: (فلأُصَلِّ) بكسر اللَّام وحَذْف الياء؛ لأَنَّ الأَمرَ إذا كان للمُتَكلِّم أو غائبٍ كان باللَّام أبدًا، أو لمُخاطَبٍ كان باللَّام وبغير اللَّام. قال ابن مالك: وأَمْر المُتَكلِّم نفسَه بفعلٍ مَقرونٍ باللَّام، فصيحٌ قليلٌ في الاستِعمال، ومنه: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، نعمْ، سُلَيم تَفتح لام الأَمر، كما سبَق، وقُرَيش تُسَكِّنُ بعد الواو والفاء وثم. (لَكُمْ)؛ أي: لأَجلكم، وإِنْ كان الظَّاهر أن يقول: بكُم. (واليتيْمُ) بالرَّفْع؛ نَعَمْ، في روايةٍ إسقاطُ (أنا)، فيَكون عطْفًا

стр. 1112

على الضمير المَرفوع المُتصِل بلا فَصْلٍ، والغالِب إنَّما هو مع التَّأكيد نحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥] وجوز نَصْبُ (اليتيم) على المَفعول معَه، وهو ضُمَيرة -بضَمِّ المُعجَمَة وسُكون المُثنَّاة تحت وبالرَّاء- ابن سَعيد الحِمْيَري، وهو جَدُّ حُسين بن عبد الله بن ضُمَيْرة. (والعَجُوزُ)؛ أي: أُمُّ سُلَيم السَّابقة. (مِنْ وَرَائِنَا) بالكَسْر على المَشْهور، وجُوِّز فيه الفَتح على أَنَّ (مَنْ) مَوصولةٌ. (انْصَرَفَ)؛ أي: من الصَّلاة، أو مِنْ دارهم، ففي الحديث إجابةُ الدَّاعي في غَيرِ وليمةِ عُرسٍ، والأكَلُ من طَعامها، وصلاةُ الجماعة في النَّفْل، وفي البُيوت، وفي دار الدَّاعي، وتَبرُّكُه بها، قيل: ولعلَّه أَرادَ تعليمَهم الصَّلاةَ مُشاهدة؛ فإِنَّ المرأة قَلَّ ما تُشاهد ذلك في المَسجِد، وتَنظيفُ مكان المُصلِّي، وتَبريدُه، وقيامُ الطِّفل مع الرَّجل في صَفٍّ، وصحَّةُ صلاة المُمَيِّز، وتأخيرُ النِّساء، وأنَّها تَقف وَحْدَها إذا لم تَكُن امرأةٌ أُخرى، وأَنَّ الأَفضَل في نافِلَة النَّهار رَكعتان كاللَّيل، وأَخَذَ منه المَالكيَّة أنَّه لو حَلَف لا يَلبَس ثَوبًا فافتَرشَه حَنِثَ. قال (ن): أجابَ أصحابُنا: بأنَّه لا يُسمَّى لُبْسًا عُرفًا، والأَيمانُ مَنُوطةٌ بالعُرف، وحُمِلَ في الحديث اللُّبْسُ على الفِراش إنَّما هو للقَرينة، ولأنَّه المَفهوم منه، ثم نَضْحُه إنَّما كان ليَلينَ؛ لأنَّه كان من جَرِيْد، ولذَهابِ الغُبار ونحوِه، وقال (ع): إنَّه للشَّكِّ في نَجاستِه،

стр. 1113

أي: على مَذهبهم أنَّ المَشكوك تَطهيرُه بالنَّضْح من غير غَسْلٍ، لكنْ مذهبُنا لا يَطهُر إلا بالغَسْل. * * * ٢١ - بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُمْرة (باب الصَّلاة على الخُمْرة) ٣٨١ - حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونة قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ. الحديث فيه -وإنْ سَبق في (باب: إذا أصابَ ثَوبُ المُصلِّي امرأته إذا سَجَد) - بعضُ الإِسناد، ويُخالف ما سبَق، وأيضًا فغَرَض البُخاري في مثله بيانُ مقاصدِ شُيوخه في نَقْلهم الحديثَ، واختلافِ استِخراجاتهم الأَحكامَ. * * * ٢٢ - بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْفِرَاشِ وَصَلَّى أَنسٌ عَلَى فِرَاشِهِ، وَقَالَ أَنسٌ: كنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 1114

فَيَسْجُدُ أَحَدُناَ عَلَى ثَوْبِهِ. (باب الصَّلاة على الفِرَاش) (وقَالَ أَنسٌ) وصلَه في الباب بعدَه. (ثَوْبِهِ)؛ أي: الذي لا يَتحرَّك بحركَته؛ لأن ذاكَ كالجُزء من المُصلِّي. * * * ٣٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهَا قَالَتْ: كنْتُ أَناَمُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلَايَ في قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزني، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. الحديث الأَوَّل: (فقَبَضْتُ رِجْليَّ) بتشديد الياء، ولا دليلَ في ذلك على عدَم نَقض الوضوء بلَمْس المرأة؛ لاحتمال أنَّ ذلك بحائلٍ، ثَوبٍ ونحوِه، بل الظَّاهر من حال النَّائِم. وفيه: أنَّ صلاة الرَّجل إلى المرأة صحيحة لا يَقطعُها ذلك، نعم كرهه جمعٌ لغيره ﷺ لمَا فيه من خَوف الفِتْنة، واشتِغال القَلب، أمَّا هو ﷺ فمُنَزَّه، وأَيضًا فالبُيوت يومئذٍ ليس فيها مَصابِيْحٌ، وفيه إِيقاظُ

стр. 1115

النَّائم للصَّلاة وغيرها. (والبُيوتُ) إلى آخره، اعتِذارٌ بأَنَّها لَو كان فيها مَصابيحُ لقَبضتُ رجلي عند إِرادته السُّجود ولمَا أَحوجْتُه لغَمْزٍ. (يَومَئِذٍ)؛ أي: وَقْتَئِذٍ؛ لأَنَّ اليومَ يُطلَق بمعنى الوَقْت، وإِلَّا لقَالَ: ليلتَئِذٍ، أي: ثُمَّ وسَّع اللهُ واتخذُوا المَصابيح، ووجْهُ مُطابقته للتَّرجمة قَرينة (أيام)، وسِيَاق الحديث يدلُّ على أنَّ الصَّلاةَ على الفِراش. * * * ٣٨٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرتهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي وَهْيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ. الحديث الثَّاني: (اعتِرَاضَ)؛ أي: مثلَ اعتِراضِ، وهو مفعولٌ مطلقٌ، عاملُه محذوفٌ، أي: معترِضةٌ اعتِراضَ، وفيه نوعُ لَفٍّ ونشرٍ؛ إِذْ (على الفِراش) متعلقٌ بـ (يُصلِّي)، و (اعتراضَ) متعلِّقٌ بعاملٍ بيَّنتُه. (الجنَازَةِ) بالفَتح والكَسر، وهو أَفصحُ، ويقال: بالفَتح: الميِّت، وبالكَسر: النَّعش عليه ميِّتٌ، وقيل: عكسُه. * * *

стр. 1116

٣٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهُ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنا اللَّيثُ، عَن يَزِيدَ، عَن عِراكٍ، عَن عُروَةَ: أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى الْفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ. الحديث الثَّالث: (عِرَاكٍ) بكَسْر العين المُهمَلَة. (عُرْوَةَ) تابعيٌّ، فالحديث مُرسلٌ صورةً، لكنْ سيَأتي ما يَقتضي أنَّه سَمعه من عائشة. (عَلَى الفِرَاشِ) يحتملُ تعلُّقه بـ (يُصلِّي) و (معترِضة). * * * ٢٣ - بابُ السجُودِ عَلَى الثَّوْبِ في شِدَةِ الْحر وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَيَدَاهُ في كُمِّهِ. (باب السُّجود على الثَّوْب في شِدَّة الحَرِّ) (يَدَاهُ في كُمِّهِ)؛ أي: يدا كلِّ واحدٍ، وإلَّا فكان الوجه: وأيديهم في أكمامهم، ولعلَّه عدَل عنه؛ لأنَّ كلًّا ما كان يَسجد على العِمَامة والقَلَنْسوة كليهما، وكأَنَّ يَدَ الجميعِ في الكُمِّ. * * *

стр. 1117

٣٨٥ - حَدَّثنَا أو الوَليدِ هِشامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ: حَدَّثنا بِشْرُ ابنُ المُفَضَّل قَالَ: حَدَّثَنِي غالِبٌ القَطَّانُ، عَن بَكرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَن أَنسِ بنِ مَالكٍ قَالَ: كنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَضَعُ أَحَدُناَ طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ في مَكَانِ السُّجُودِ. (فيَضَعُ) لا دليلَ فيه على مَنْعِ الشَّافعيِّ ذلكَ؛ لاحتِمال أنَّ الطَّرَف الذي يضعُه لا يتحرَّك بحركته، إما بأنَّه غيرُ محمولٍ للمُصلِّي، أو محمولٌ طويلٌ، وأيضًا فالأَصْل أَنْ يسجُد على الأَرض لحديث: "تَربْ وَجْهَكَ"، فجاز في المحمولِ بدليلٍ، فبقيَ الباقي على الأَصل إذ كان للتضرر، فأُبيحَ. قال (ط): جوَّز السُّجود على ثَوبه لشِدَّة حَرٍّ أو بَرْدٍ مالكٌ والكوفيون؛ لهذا الحديث، أي: وجوابه ما سبق، ومنع الشَّافعي إجزاءَه إلا إِنْ كان جَريحًا. وجوَّز أبو حنيفة السُّجود على كَوْرِ العِمامة، وكَرهه مالكٌ، قال ابن حَبِيْب: فيما خفَّ من طاقاتها، ومنعه الشَّافعية احتِجاجًا بأنَّه كما لم يقُم المسحُ عليه مَقامَ مسح الرَّأس وجبَ أن يكون السُّجود كذلك. قال (ك): فإِنْ قاسَ الخصْمُ على سائر الأَعضاء المَأمور بالسُّجود عليها حيث لم يجب سَتْرُها؛ قلنا: جازَ فيها للإجماع، أو معارَضٌ بحديث: "تَرِّبْ وَجْهَكَ"، فيفسد، أو أنَّه ﷺ كان يُباشِرُ بجبهته في

стр. 1118

السُّجود، ويَسترُ في الباقي، أو أَنَّ القَصْدَ بالسُّجود التذلُّل، وكشْفُ الجبهة فيما ظهَر، وغيرُها ليس كذلك، بل الخُشوع بسَتْرها أظهرُ، ولا قياسَ مع الفَارِق. * * * ٢٤ - بابُ الصلَاةِ في النِّعَالِ (باب الصَّلاة في النِّعال) ٣٨٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الأَزْدِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ: "كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي في نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نعمْ. (في نَعْلَيْهِ)؛ أي: علَى نعليهِ أو بنَعلَيه؟ لتعذُّر الظَّرفيَّة. قال (ط): معنى الحديث: أنَّه لا بَأْسَ بالصَّلاة إذا لم يكُن في النَّعلَيْن نَجَسٌ، فإِنْ كان فيُجزِئُ مَسْحُمها بالتُّراب عند طائفةٍ إذا كان رَطْبًا، وقال مالكٌ، وأبو حنيفة: لا يُطهِّره رَطْبًا إلا الماء، فإنْ كان يابِسا أَجزأَ حَكُّهُ، وقال الشَّافعيُّ: لا يُطهِّرُه إلا الماءُ مطلقًا. * * *

стр. 1119

٢٥ - بابُ الصلَاةِ في الْخِفَاف (باب الصَّلاة في الخِفَاف) ٣٨٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجبُهُمْ، لأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ. (فسُئِلَ) بضَمِّ السِّين، أي: عن المَسْح على الخُفَّين. (قَالَ إِبْراهِيْمُ)؛ أي: المَذكور، وهو النَّخَعِي. (فكَانَ)، أي: الحديثُ. (يُعجِبُهم)؛ أي: القَومَ. (مِنْ آخِرِ)؛ أي: سنَة تُوفِّي ﷺ ، ووجْهُ الإِعجاب بَقاءُ الحُكْم، فلا نَسْخَ بآيةِ المَائدة كما زعَمَه بعضُهم، وهذا كالذي قبلَه في أنَّ الخُفَّ إِذا كان به قَذَرٌ كان كالنَّعل، قاله (ط). * * * ٣٨٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَنِ

стр. 1120

الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبةَ قَالَ: وَضَّأتُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى. الحديث الثَّاني: (مُسْلِمٌ) يحتمل أنَّه البَطِيْن، وهو الظَّاهر، أو ابن صُبَيْح كما سبق في (باب الصَّلاة في الجُبّة الشَّاميَّة). * * * ٢٦ - بابٌ إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ (باب: إذا لم يتمَّ السُّجود) ٣٨٩ - أَخْبَرَناَ الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَناَ مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ: رَأَى رَجُلًا لَا يتمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ -قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ-: لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . (قَضَى)؛ أي: فعَلَ القَضاءَ بالمعنى الاصطِلاحي. (مَا صَلَّيْتَ)؛ أي: لأَنَّ الكُلَّ يَنتَفِي بانتِفاء جُزءٍ، فانتِفاءُ إتمام الرُّكوع يَلزمُ منه أنْ لا رُكوعَ، فلا صَلاةَ، وكذا السُّجود. (وأَحْسِبُهُ)؛ أي: قال أَبو وائِل: وأَحسِبُ حُذَيْفة قال.

стр. 1121

(لَو مُتَّ) بضَمِّ الميم، مِنْ ماتَ يَموتُ، وبكَسْرها، مِن مات يَمَاتُ. (سُنَّةِ)؛ أي: طَريقة، شاملةٌ للفَرْض والنَّفْل، وقال (ط): أي: ما صلَّيتَ كاملًا، كما يُقال لصانعٍ لم يَأْتِ بالكمال في شيءٍ: ما صنَعْتَ شيئًا، أي: من الكمال، فهو يدلُّ على أَنَّ الطُّمأنينة سُنَّةٌ، ولا يَخفَى بُعْدُ ذلك. * * * ٢٧ - باب يُبْدِي ضبْعَيْهِ ويُجَافِي في السجُودِ (باب يُبدِي ضَبْعَيه)؛ أي: يُظهر، والضَّبْع بسكون المُوحَّدة: وسَطُ العَضُد، وقيل: ما تَحت الإِبِط، أي: لا يُلصِق عضُدَيه بجنبَيه. (ويُجَافي)؛ أي: يَرفَعُ، ويُباعِد. ٣٩٠ - أَخْبَرَناَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ: أَن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، نَحْوَهُ. (مُضَرَ) بضَمِّ الميم وفتح المُعجَمَة، ورُوي غيرَ مُنصَرِفٍ؛ للعلَمية والعَدْل كعمر، وللعُجْمة.

стр. 1122

(ابْنِ هُرْمُزٍ)؛ أي: عبد الرَّحمن الأَعْرَج. (ابْنِ بُحَيْنَة) صفةٌ لـ (عبد الله)، فمالكٌ مُنَوَّن، ويُكتب ابن بالأَلِف. (فَرَّجَ)؛ أي: بتخفيفِ الرَّاءِ، أي: فَتَحَ. قال السَّفَاقُسِي: رويناه بالتَّشديد، والمعروف في اللُّغة التَّخفيف. (بَيْنَ يَدَيْه)، أي: وبينَ جَنْبَيهِ، لأَنَّ ذاك أَشبَهُ بالتَّواضع، وأَبلَغ في تَمكين الجَبْهة من الأرض؛ قاله (ن). قال (ك): يحتمل أَنَّ بين يَديه على ظاهرِه؛ يعني: قُدَّامه. (إِبْطِه) بإسكان المُوحَّدة لا بكَسْرها، يُذكَّر ويُؤنَّث، وفي بعضها: (إِبطَيهِ)، والمُراد إِما رُؤية بياضه حقيقةً، لعدَم السَّاتِر، أو على إِضمارٍ، أي: بياض ثَوب إبطه. (وقَالَ اللَّيْثُ) عطفٌ على (بَكْر). (حدَّثني جَعْفَرٌ)؛ أي: بخلاف ما سبَق من بَكْر؛ فإنَّه بالعَنْعَنة. ووجْهُ دلالته على التَّرجَمة: أنَّه أَراد [أن] يُصلِّي، أي: سجَد، من إطلاق الكُلِّ على الجُزء، وإذا فَرَّج بين يدَيه لا بُدَّ من إِبداءِ ضَبْعَيه والمُجافاة. * * * ٢٨ - بابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ يَسْتَقْبِلُ بأَطْرَاف رِجْلَيْهِ قَالَ أبو حُمَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 1123

(باب فضْل استِقبال القِبْلة) (بأَطْرَافِ)؛ أي: برُؤوس أصابعهما. (أبو حُمَيْد) بضَمِّ المُهمَلَة اسمه عبد الرَّحمن، وقيل: المُنْذِر، وقيل: اسمُه كُنيتُه. وهذا التَّعليق وصلَه البُخاري مُطوَّلًا في (باب الجلوس في التشهُّد). * * * ٣٩١ - حَدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنا ابنُ المَهْدِي قَالَ: حَدَّثَنا مَنْصُورٌ بنُ سَعْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بنِ سِياهٍ، عَن أَنس بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صلَّى صَلَاتنا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأكلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولهِ، فَلَا تُخْفِرُوا الله في ذِمَّتِهِ". الحديث الأَوَّل: (عبَّاس) بتشديد المُوحَّدة. (ابن مَهْدي)؛ أي: عبد الرَّحمن. (سِيَاه) بكسر المُهمَلَة وبالمُثنَّاة تحت، وآخرُه هاءٌ، مصروف، وقيل: ممنوعٌ؛ لفظٌ فارسيٌّ، أي: أَسْوَد. (فذَلِكَ) بفتح الكاف، وهو مبتدأٌ خبرُه: (المُسلم)، أو المَوصول. (ذِمَّةُ)؛ أي: أَمان، أو عَهْد، أو الذِّمام، وهو الحُرمة.

стр. 1124

(تُخْفِرُوا) بضَمِّ التَّاء وسُكون المُعجَمَة وكَسر الفاء، أي: لا تَخونوا الله في تَضييعِ مَنْ هذا سبيلُه، وهذا أصوبُ مِنْ فَتح التَّاء وكَسْر الفاء؛ لأَنَّ (خَفَرَ) إنَّما هو بمعنى حَمَى، وأَخفَرَ: غَدَرَ به، ونقَضَ عَهْدَه، واكتفَى هنا بذِكْر الله دُونَ ذِكْر الرَّسول ﷺ ؛ لأنَّه لازِمُه، وإنَّما ذُكِرَ أَوَّلا للتَّأكْيد. قال (خ): فيه أَنَّ أُمورَ النَّاس في مُعاملة بعضِهم لبعض تَجري على ظاهرِ أَحوالهم دُون باطنها، وأَنَّ مَنْ أظهر شِعار الدِّين وتَشكَّل بشَمائل أهلِه أُجري عليه أَحكامُهم، ولم يُكشَف عن باطِن أَمْره، كغَريبٍ عليه زَيُّ المُسلمين يُحمَل على أنَّه مسلم حتَّى يَظهَر خِلافُه. قال (ط): وفيه تَعظيمُ شأن القِبْلة، وهي من فرائضْ الصَّلاة التي هي أعظمُ القُرَب، ومَنْ ترَكَها فلا صلاةَ له، فلا دينَ له. * * * ٣٩٢ - حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاتنا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ". الحديث الثَّاني: (حدثنا نُعَيْم)؛ أي: ابن حَمَّاد، وهذا رواية أبي ذَرٍّ الهَرَوي،

стр. 1125

وزعَم أبو نُعَيْمٍ في "المُستخرج" أنَّه ذكَره عن ابن المُبارَك تَعليقًا، نعَمْ، وصلَه الدَّارَقُطْني من طريق نعيْم. (النَّاسَ) خُصَّ من عُمومه أهلُ الجِزْية ونحوِهم بدليلٍ، كما سبَق بيانُه في (باب فإِنْ تابوا وأقاموا الصَّلاةَ)، في (كتاب الإيمان)، وسبق هناك مَباحث الحديث. (لا إلَهَ إِلَّا الله) اكتَفَى بها عن: محمَّدٌ رسولُ الله، لاستِلزامها إِيَّاها عند التَّحقيق، أو هو شِعارٌ له، كما يُقال: قَرأتُ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢] , والمُرادُ كلُّ السُّورة، لا يُقال: فإِذَنْ لا يحتاج لما ذَكَر بعدُ؛ لأَنَّا نقول: ذُكِرَ للتَّصريح به وتأكيد أَمره، أو كَنَّى عنها بما ذَكَر من الصَّلاة والاستِقبال والذَّبْح؛ لأنَّها من خَواصِّ دينه، فإنَّ من يقول: لا إله إلا الله كاليَهود وبعضِ النَّصارى لا يُصلُّون برُكوعٍ، وقِبْلتُهم غيرُ الكعبة. (وصَلَّوا) إلى آخره، خُصَّت بالذِّكر من بين سائرِ الأركان، وواجباتِ الدِّين؛ لأنَّها أظهرُ وأعظمُ وأسرعُ عِلْمًا، لأَنَّ في اليوم تُعرف صلاةُ الشَّخص وطعامُه غالبًا، والصَّوم إنَّما يُعلَم في السَّنة، وكذا الحَجُّ يتأخر سنين، وقد لا يَجبُ أصلًا. (ذَبِيْحَتَنَا) السِّيَاق وإِنِ اقتضَى أَنْ يُقال: أكلوا ذبيحتَنا، لكنَّ المُراد ذَبَحوا مثلَ ذَبيحتِنا، أي: مذْبوحَنا، فلحقتْه التَّاء، فإِنْ كان فَعِيْل بمعنى مَفعول يَستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث؛ لغلَبة الاسميَّة عليه، وإنَّما يَستوي الأَمران فيه عندَ ذِكْر المَوصوف.
следующие страницы →