← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(لَو مُتَّ) بضَمِّ الميم، مِنْ ماتَ يَموتُ، وبكَسْرها، مِن مات يَمَاتُ. (سُنَّةِ)؛ أي: طَريقة، شاملةٌ للفَرْض والنَّفْل، وقال (ط): أي: ما صلَّيتَ كاملًا، كما يُقال لصانعٍ لم يَأْتِ بالكمال في شيءٍ: ما صنَعْتَ شيئًا، أي: من الكمال، فهو يدلُّ على أَنَّ الطُّمأنينة سُنَّةٌ، ولا يَخفَى بُعْدُ ذلك. * * * ٢٧ - باب يُبْدِي ضبْعَيْهِ ويُجَافِي في السجُودِ (باب يُبدِي ضَبْعَيه)؛ أي: يُظهر، والضَّبْع بسكون المُوحَّدة: وسَطُ العَضُد، وقيل: ما تَحت الإِبِط، أي: لا يُلصِق عضُدَيه بجنبَيه. (ويُجَافي)؛ أي: يَرفَعُ، ويُباعِد. ٣٩٠ - أَخْبَرَناَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ: أَن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، نَحْوَهُ. (مُضَرَ) بضَمِّ الميم وفتح المُعجَمَة، ورُوي غيرَ مُنصَرِفٍ؛ للعلَمية والعَدْل كعمر، وللعُجْمة.

стр. 1122

(ابْنِ هُرْمُزٍ)؛ أي: عبد الرَّحمن الأَعْرَج. (ابْنِ بُحَيْنَة) صفةٌ لـ (عبد الله)، فمالكٌ مُنَوَّن، ويُكتب ابن بالأَلِف. (فَرَّجَ)؛ أي: بتخفيفِ الرَّاءِ، أي: فَتَحَ. قال السَّفَاقُسِي: رويناه بالتَّشديد، والمعروف في اللُّغة التَّخفيف. (بَيْنَ يَدَيْه)، أي: وبينَ جَنْبَيهِ، لأَنَّ ذاك أَشبَهُ بالتَّواضع، وأَبلَغ في تَمكين الجَبْهة من الأرض؛ قاله (ن). قال (ك): يحتمل أَنَّ بين يَديه على ظاهرِه؛ يعني: قُدَّامه. (إِبْطِه) بإسكان المُوحَّدة لا بكَسْرها، يُذكَّر ويُؤنَّث، وفي بعضها: (إِبطَيهِ)، والمُراد إِما رُؤية بياضه حقيقةً، لعدَم السَّاتِر، أو على إِضمارٍ، أي: بياض ثَوب إبطه. (وقَالَ اللَّيْثُ) عطفٌ على (بَكْر). (حدَّثني جَعْفَرٌ)؛ أي: بخلاف ما سبَق من بَكْر؛ فإنَّه بالعَنْعَنة. ووجْهُ دلالته على التَّرجَمة: أنَّه أَراد [أن] يُصلِّي، أي: سجَد، من إطلاق الكُلِّ على الجُزء، وإذا فَرَّج بين يدَيه لا بُدَّ من إِبداءِ ضَبْعَيه والمُجافاة. * * * ٢٨ - بابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ يَسْتَقْبِلُ بأَطْرَاف رِجْلَيْهِ قَالَ أبو حُمَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 1123

(باب فضْل استِقبال القِبْلة) (بأَطْرَافِ)؛ أي: برُؤوس أصابعهما. (أبو حُمَيْد) بضَمِّ المُهمَلَة اسمه عبد الرَّحمن، وقيل: المُنْذِر، وقيل: اسمُه كُنيتُه. وهذا التَّعليق وصلَه البُخاري مُطوَّلًا في (باب الجلوس في التشهُّد). * * * ٣٩١ - حَدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنا ابنُ المَهْدِي قَالَ: حَدَّثَنا مَنْصُورٌ بنُ سَعْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بنِ سِياهٍ، عَن أَنس بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صلَّى صَلَاتنا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأكلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولهِ، فَلَا تُخْفِرُوا الله في ذِمَّتِهِ". الحديث الأَوَّل: (عبَّاس) بتشديد المُوحَّدة. (ابن مَهْدي)؛ أي: عبد الرَّحمن. (سِيَاه) بكسر المُهمَلَة وبالمُثنَّاة تحت، وآخرُه هاءٌ، مصروف، وقيل: ممنوعٌ؛ لفظٌ فارسيٌّ، أي: أَسْوَد. (فذَلِكَ) بفتح الكاف، وهو مبتدأٌ خبرُه: (المُسلم)، أو المَوصول. (ذِمَّةُ)؛ أي: أَمان، أو عَهْد، أو الذِّمام، وهو الحُرمة.

стр. 1124

(تُخْفِرُوا) بضَمِّ التَّاء وسُكون المُعجَمَة وكَسر الفاء، أي: لا تَخونوا الله في تَضييعِ مَنْ هذا سبيلُه، وهذا أصوبُ مِنْ فَتح التَّاء وكَسْر الفاء؛ لأَنَّ (خَفَرَ) إنَّما هو بمعنى حَمَى، وأَخفَرَ: غَدَرَ به، ونقَضَ عَهْدَه، واكتفَى هنا بذِكْر الله دُونَ ذِكْر الرَّسول ﷺ ؛ لأنَّه لازِمُه، وإنَّما ذُكِرَ أَوَّلا للتَّأكْيد. قال (خ): فيه أَنَّ أُمورَ النَّاس في مُعاملة بعضِهم لبعض تَجري على ظاهرِ أَحوالهم دُون باطنها، وأَنَّ مَنْ أظهر شِعار الدِّين وتَشكَّل بشَمائل أهلِه أُجري عليه أَحكامُهم، ولم يُكشَف عن باطِن أَمْره، كغَريبٍ عليه زَيُّ المُسلمين يُحمَل على أنَّه مسلم حتَّى يَظهَر خِلافُه. قال (ط): وفيه تَعظيمُ شأن القِبْلة، وهي من فرائضْ الصَّلاة التي هي أعظمُ القُرَب، ومَنْ ترَكَها فلا صلاةَ له، فلا دينَ له. * * * ٣٩٢ - حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاتنا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ". الحديث الثَّاني: (حدثنا نُعَيْم)؛ أي: ابن حَمَّاد، وهذا رواية أبي ذَرٍّ الهَرَوي،

стр. 1125

وزعَم أبو نُعَيْمٍ في "المُستخرج" أنَّه ذكَره عن ابن المُبارَك تَعليقًا، نعَمْ، وصلَه الدَّارَقُطْني من طريق نعيْم. (النَّاسَ) خُصَّ من عُمومه أهلُ الجِزْية ونحوِهم بدليلٍ، كما سبَق بيانُه في (باب فإِنْ تابوا وأقاموا الصَّلاةَ)، في (كتاب الإيمان)، وسبق هناك مَباحث الحديث. (لا إلَهَ إِلَّا الله) اكتَفَى بها عن: محمَّدٌ رسولُ الله، لاستِلزامها إِيَّاها عند التَّحقيق، أو هو شِعارٌ له، كما يُقال: قَرأتُ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢] , والمُرادُ كلُّ السُّورة، لا يُقال: فإِذَنْ لا يحتاج لما ذَكَر بعدُ؛ لأَنَّا نقول: ذُكِرَ للتَّصريح به وتأكيد أَمره، أو كَنَّى عنها بما ذَكَر من الصَّلاة والاستِقبال والذَّبْح؛ لأنَّها من خَواصِّ دينه، فإنَّ من يقول: لا إله إلا الله كاليَهود وبعضِ النَّصارى لا يُصلُّون برُكوعٍ، وقِبْلتُهم غيرُ الكعبة. (وصَلَّوا) إلى آخره، خُصَّت بالذِّكر من بين سائرِ الأركان، وواجباتِ الدِّين؛ لأنَّها أظهرُ وأعظمُ وأسرعُ عِلْمًا، لأَنَّ في اليوم تُعرف صلاةُ الشَّخص وطعامُه غالبًا، والصَّوم إنَّما يُعلَم في السَّنة، وكذا الحَجُّ يتأخر سنين، وقد لا يَجبُ أصلًا. (ذَبِيْحَتَنَا) السِّيَاق وإِنِ اقتضَى أَنْ يُقال: أكلوا ذبيحتَنا، لكنَّ المُراد ذَبَحوا مثلَ ذَبيحتِنا، أي: مذْبوحَنا، فلحقتْه التَّاء، فإِنْ كان فَعِيْل بمعنى مَفعول يَستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث؛ لغلَبة الاسميَّة عليه، وإنَّما يَستوي الأَمران فيه عندَ ذِكْر المَوصوف.

стр. 1126

(حُرِّمَتْ) بضَمِّ أوَّله وتَشديد ثانيه، أو بفَتح الأَوَّل وضَمِّ الثَّاني. * * * ٣٩٣ - قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَناَ يَحْيَى، حَدَّثَنَا حُمَيْد، حَدَّثَنَا أَنسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ أَنس بْنَ مَالِكٍ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ! مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتنا، وَأكلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِم، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِم. الحديث الثَّالث: (عَلِيُّ)؛ أي: ابن المَدِيْني. (وما) استِفهامٌ. (صَلاتنا) مفعولٌ به، أو مفعولٌ مطلقٌ. (له)، أي: من النَّفْع. (عليه)؛ أي: من المَضَرَّة، والتَّقديم للحَصْر، أي: له ذلكَ لا لغَيره، ووجْهُ مُطابَقة جواب أنَس للسُّؤال عن سبَب التَّحريم أنَّه يَتضمَّنُه، فهو مطابقٌ له وزِيادةٌ. (وقال ابنُ أَبيِ مَرْيَم) هو سَعيد بن الحكَم. (يَحيَى) هو الغَافِقِيُّ، بمعجمة وبفاء ثم قاف، ذكَره البُخاريُّ استِشهادًا وتَقويةً، وإلا فقد قال أحمد: إنَّه سيِّءُ الحِفْظ.

стр. 1127

وفائدة هذا الإِسناد: أَنَّ ما رواه ابن المَدِيْني مَوقوفًا هو مَرفوع من هذه الطَّريق، وفي بعضها ذكَره قَبلَ المَوقوف، نعمْ، وصلَه محمَّد بن نَصْر المَروَزي في كتابه "تعظيم الصَّلاة"، والبيهقي، وابن مَنْدَه في "الإيمان". قال (خ): اختِلاف الرِّوايات: في بعضها: (حتى يَقولوا: لا إله إلا الله)، وفي بعضها: (ويُقيموا الصَّلاة، ويُؤتوا الزَّكاة)، وفي بعضٍ ما ذُكِرَ هنا؛ لاختِلاف الأَحوال والأَوقات، وكانت أُمور الدِّين تُشرَع شيئًا فشيئًا، فخرج كلُّ قولٍ على شرطٍ للمَفروض في حينه بحقْن الدَّم، وبعصمة المال، فلا مُنافاةَ ولا اختلافَ. * * * ٢٩ - بابُ قِبْلَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشام وَالْمَشْرِقِ لَيْسَ في الْمَشْرِقِ وَلَا في الْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا). (باب قِبْلة أَهل المَدينة وأَهلِ الشَّام)؛ أي: باب حكم قِبْلَة أهل المدينة والشَّام في استقبالها واستدبارها المَنهيِّ عنه. (والمَشْرِقِ) ظاهر كلام (ط): أنَّه بالخفْض عطفٌ على المَجرور قَبلَه؛ إذ قال: إنَّ المراد بالمَشرق مَشرق الأَرض كلِّها المَدينةِ والشَّامِ

стр. 1128

وغيرهما، ومثلُه مَغربهما، وهو مغرب الأَرض كلِّها إلا أَنَّ البُخاريَّ اكتفى بذِكْر المَشرق؛ لأَنَّ حكم المَغرب مثلُه، ولأَنَّ المَشرق أكثرُ الأَرض المَعمورة، وبلادُ الإِسلام في جِهة المَغرب قليلة، ومُراده بالمَشرق والمَغرب: أي: الذين من ناحية المَدينة والشَّام، بخلاف مَشرق مكَّة ومَغربها، وكلُّ البلاد التي تحتَ الخط المارِّ عليها من مَشرقها إلى مَغربها، فإنها مخالفة للمَشرق والمَغرب للمدينة والشَام، وما كان في جهتهما في حكم اجتِناب الاستِقبال والاستِدبار بالتَّشريق والتَّغريب؛ فإِنَّ أولئك إذا شرَّقوا أو غرَّبوا لا يكونون مُستقبلي الكعبة ولا مُستدبريها، ومَشرق مكَّة ومَغربها وما بينهما متى شرَّقوا استدبَروا، أو غرَّبوا استقبلوها، فيَنحرفون حينئذٍ للجنوب أو الشَّمال، وهو معنى قول البُخاري. (لَيْسَ في المَشْرِقِ ولا في المَغْرِبِ قِبْلَةٌ)؛ أي: ليس في التَّشريق والتغريب في المدينة والشَّام -والمَشرق والمَغرب لهما ولناحيتهما- مُواجَهةُ قِبْلَةٍ، فأطلَقَ المَشرق والمَغرب على التَّشريق والتَّغريب، هذا حاصل نَقْل (ك) عنه. وقال (ش): قال (ع): ضبَط أكثرُهم المَشرق بضَمِّ القاف، وهو الصَّواب لمَا في الكسْر من إشكالٍ، وهو إثباتُ قِبْلةٍ لهم، وإنَّما الرَّفعْ بالعطف على (باب) على حَذْف مُضافَين، والأصل: وبابٌ: حكمُ المَشرقِ، ثم أُقيم المُضاف إليه مُقام المَحذوف فرُفِعَ، وذكَر السُّهَيْلي نحوَه؛ لأن حكم المَشرق يخالف حكم المدينة والشَّام، ألا تَرى كيف

стр. 1129

خصَّه بالذِّكْر فقال: ليس في المَشرق ولا في المَغرب قِبْلَةٌ؛ يعني: ليس في التَّوَجُّه إليهما مُواجهةُ قِبْلَةٍ باستقبالٍ واستدبارٍ؛ إذ هو جَنوبٌ أو شِمالٌ. قال (ش): ومَنْ خفَضَ جعَل البابَ للكُلِّ، لكنْ تقديرُه كما سبق، فجُملة (ليس) استئنافٌ خارجٌ عمَّا أُضَيف إليه (بابُ)، نعمْ، في بعض النُّسَخ إسقاط لفظ: (قِبْلَةٌ) بعد: (والمَغرب)، فيتعيَّنُ تنوين (بابٌ)، فيكون (قبلةٌ) مرفوعًا على الابتداء، خبرُه (ليس ...) إلى آخره، بتأويلِ قِبْلَةٍ بـ (مُستقبَل) لسُقوط التَّاء من (ليس). (لِقَوْلِ) هو تَعليقٌ وصلَه في الباب وغيره، وسبق بيان شَرحه في (كتاب الوضوء). * * * ٣٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أتيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا"، قَالَ أبُو أيوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ الله تَعَالَى. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَهُ.

стр. 1130

(وعن الزُّهري) راجعٌ إلى حديث سُفيان، إلا أَنَّ هذا بعَنْعَنْةٍ في غير أبي أيُّوب؛ فإنَّه بلفظ: سمعتُ، والأَوَّل بـ (حدثنا)، إلا في عَطاء وأبي أيوب فبـ (عن)، فهو فائدةُ إعادةِ السَّنَد بعينه. * * * ٣٠ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (باب قول الله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) على قراءة: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ [البقرة: ١٢٥] بالأَمر، أي: وقُلنا لهم: اتَّخِذُوا، أو قراءته فعلًا ماضيًا عطْفًا على (جَعَلْنا). ومقام إبراهيمِ: هو الحَجَر الذي فيه أثَر قدَمَيه، ومَوضع الحجَر الذي كان حين وضع قدَميه عليه، وعن عطاء: هو عرَفة ومُزدلفَة، وعن النَّخَعِي: الحرَم كلُّه. ومُصَلَّى: مَوضع صلاةٍ، وقيل: مُدَّعًا، وقال الحسن: قِبْلَة. ٣٩٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ الْعُمْرَةَ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأتهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ ركعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنةٌ، وسأَلْنَا جابرَ بنَ عَبْدِ اللهِ فقال: لا يَقْرَبَنَّهَا حتَّى يطوفَ بين الصَّفَا والمَرْوَةِ.

стр. 1131

الحديث الأَوَّل: (للعُمْرَةِ) في بعضها بدون لام الجر، لكنْ بتقديرها. قلتُ: فيكون مفعولًا لأجله بالتَّعريف، وتأويل العُمرة بالاعتمار. (ولَمْ يَطُفْ)؛ أي: لم يَسْعَ، فأَطلق عليه ذلك؛ لأَنَّ فيه طَوافًا، قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وفيه أيضًا مُشاكَلةٌ لقوله: (فطَاف بالبَيت). (أيَأْتِي)؛ أي: لكَون التَّحلُّل بالطَّواف؛ إِذْ لا تحلُّل إلا بالسَّعي. (أُسْوةٌ) بالضمِّ والكَسْر، أي: قُدوةٌ، لا سِيَّما وقد قال ﷺ : "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". ففيه وجوبُ السَّعي للعُمرة، وأَنَّ الطَّواف سبعةُ أشواطٍ؛ نعمْ، قيل في الصَّلاة: إنَّها سُنَّة، وقيل: واجبة، وقيل: إن كان الطَّواف واجبًا فواجبة، أو سنةً فسنة. * * * ٣٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ دخَلَ الْكَعْبَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا فَقُلْتُ: أَصلَّى النَّبِيٌّ ﷺ في الْكَعْبةِ؟ قَالَ: نعمْ، ركعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيتيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِه إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى في وَجْهِ الْكَعْبةِ ركعَتَيْنِ.

стр. 1132

الحديث الثَّاني: (يحيى)؛ أي: القَطَّان. (سَيْفٍ) بفتح المُهمَلَة وسُكون المُثنَّاة تحت ثم فاء: ابن سُليمان. (وأَجِدُ) أتى به مضارعًا، والمُناسب لمَا سبَق: وجدتُ؛ لحكاية الحال، أو استِحضار لتلك الصُّورة. (بَينَ البَابَينِ)؛ أي: مِصْرَاعَي الباب؛ إذ لم يكنْ للكعبة حينئذٍ إلا بابٌ واحدٌ، أو باعتبار أن في زمن إبراهيم ﵇ كان لها بابان؛ لأَنَّ ابن الزُّبَيْر جعَل لها بابَين، وفي بعضها بدل البابين: النَّاس. (السَّارِيتينِ)؛ أي: الأُسطُوانتَينِ. (يَسَارِه)؛ أي: يَسَارِ الدَّاخل، أو يَسار البيت، أو هو من الالتِفات، وإلا فكان الوجْه: يسَارِكَ؛ لتُناسب: دخلتَ الذي أُريد به العُموم مثل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]. وفيه جواز الصَّلاة داخل الكعبة. (في وَجْهِ) ظاهره: عند مقام إبراهيم، وبه تحصل مُطابَقة التَّرجَمة، ويحتمل جِهَة الباب عُمومًا. * * * ٣٩٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَناَ

стр. 1133

ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ دَعَا في نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ ركعَ ركعَتَيْنِ في قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقالَ: "هَذِهِ الْقِبْلَةُ". الحديث الثَّالث: (ابن جُرَيْجٍ) هو عبد المَلِك بن عبد العَزيز بن جُرَيْج. (ولَمْ يُصَلِّ) حديث بِلال أنَّه صلَّى أَرجحُ منه؛ لأنَّه لم يثبت أَنَّ ابن عبَّاس دخَل مع النبي ﷺ ، فهو مُرسل صحابي. قال (ن): أجمع أهل الحديث على الأَخذ برواية بلال؛ لأنَّه مثبِتٌ، ومعه زيادةُ عِلْم، وأما نَفيُ من نفَى كأُسامة فلاشتِغاله بالدُّعاء في ناحية حين رأَى النبيَّ ﷺ يَدعو، وبلالٌ كان قَريبًا منه، فلم يحفظ أُسامة ذلك لبُعده، وإغلاقِ الباب، وخفَّةِ الصَّلاة، وشغلِه بالدُّعاء، فنفَى لظنِّه. قيل: ويحتمل أنَّه ﷺ دخلَ مرَّتين، مرَّة صلَّى، ومرَّة دعا ولم يُصلِّ. (ركعَ)؛ أي: صلَّى، من إِطلاق الجُزء على الكُلِّ، وفيه أَنَّ تطوُّع النَّهار يُستحبُّ مَثْنى. (قُبل) بضَمِّ القاف والمُوحَّدة ويجوز إسكانها؛ أي: مقابلها الذي يستقبلك منها، والظَّاهر أنَّه مقام إبراهيم، كما سبق. قال (خ): المعنى في ذلك أنَّه استقرَّ استِقباله، فلا يُنسخ أبدًا، أو

стр. 1134

علَّمهم بذلك سُنَّةَ مَوقِف الإِمام في وجْهها دون أَركانها وجوانبها الثَّلاثة، وإنْ كان الكُلُّ جائزًا، أو أنَّ حُكم الشَّاهد مُخالفٌ لحُكم الغائب؛ لأنَّه بالاجتِهاد، وهذا فائدة قوله: (هذهِ القِبْلةُ) وإنْ كانوا عرَفوها قديمًا. قال (ن): أو المعنى: هذه الكعبةُ هي المسجد الحرام الذي أُمرتم باستقباله، لا كلُّ الحرَم، ولا مكَّةُ، ولا مَحلُّ المَسجد الذي حَول الكعبة بل كلُّ الكعبة نفسِها. * * * ٣١ - بابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ وَقَالَ أَبو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ". (باب التَّوجُّه نحو القِبْلة)؛ أي: ناحيتَها. (حيثُ كانَ) هي تامَّة، كما قال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]. (وقالَ أَبو هُرَيْرة) هذا التَّعليق وصلَه في باب الاستِئذان من جُملة حديث المسيء صلاته. * * *

стр. 1135

٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ستَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، فتوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ -وَهُمُ الْيَهُود- ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُل ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ في صلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فتحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ. الحديث الأَوَّل: (استَقْبِلْ)؛ أي: تَوجَّهْ إليها حيثُ كنتَ. (المَقْدِسِ) بفتحٍ ثم كسر الدَّال، أو بضَمِّ ثم فتحها مشدَّدةً. (نَحوَ ستَّةَ عشَرَ)؛ أي: من الهجرة، أما في مكَّة فكان يَستقبلُه أيضًا على الأصحِّ. (أو سَبْعةَ عشَرَ) شكٌّ من الرَّاوي، وسبق بيانه. (أَنْ يُوَجَّهَ) بالبناء للمفعول، أي: يُؤمَر بالتَّوجُّه. (المَسْحد الحَرَام)؛ أي: الكَعْبة، كما سبَق. (فتَوَجَّه)؛ أي: بعد نُزول الآية وفيها: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤].

стр. 1136

(رجُلٌ) سبق في (كتاب الإيمان) أنَّه عَبَّاد بن بِشْر، وفي بعضها: (رجالٌ)، بإفراد قوله: (ثم خَرَجَ) باعتبار واحدٍ منهم، أو المُراد خرَج خارجٌ. (ما صَلَّى) يحتمل أنَّ (ما) مصدريةٌ، أو موصولة. (العَصْرِ) لا يُنافي ثبوتَ الرِّواية في الصُّبح بقُبَاء؛ لأنَّ العَصْر ليومٍ بالمدينة، والصُّبح لأهل قُبَاء في اليوم الثَّاني؛ لأنَّهم خارجون عن المدينة من سَوادها. (فَقَالَ)؛ أي: الرَّجل، يعني نفسَه، فالتَّعبير عن النَّفس بلفظ الغَيبة جائزٌ مُطَّرِد، إما بالتَّجريد من نفسه شخصًا، وإما بطَريق الالتِفات أو باعتِبار القائل، أو الرَّجل، أو نحوه، كما تقول لشخصٍ: العبدُ يُحبُّك، تريد: أنا أحبُّك، أو أنَّ الرَّاوي نقَل بالمعنى، وإنَّما لفظه: أنا أَشهدُ. قال (خ): فيه قَبول خبَر الواحد، وصحَّة صلاتِهم قبل النَّسخ، وكذا العمل بكلِّ منسوخٍ قبل أن يجيءَ ناسخُه، ويُستدَلُّ به في تصرُّف الوكيل إلى أَنْ يأتيَه خبرُ عزلِ المُوكِّل له. قلتُ: الرَّاجح انعِزالُه بالعَزْل قبلَ أَنْ يَبلُغَه. قال: وفيه حُجَّةٌ لتأخير البيان عن وقت مورده. قال (ن): وعلى جواز النَّسخ ووُقوعه، وأنَّ النَّسخ لا يثبُت في حقِّ المُكلَّف حتى يبلغه، وجوازُ الصَّلاة إلى جهتين، وسبق كونه نُسِخَ

стр. 1137

بالقَطْع لا بالظَّنِّ، وأنَّ استقبال بيت المَقدِس هل كان بالقرآن، أو بالسُّنَّة في (باب الصلاة من الإيمان)، وفوائدُ أُخرى. * * * ٤٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ أَبِي كثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. الحديث الثَّاني: (تَوَجَّهَتْ)؛ أي: الرَّاحلة، والمُراد تَوجُّه صاحبها؛ لأنَّها متابعةٌ لقَصْد توجُّهه. ووجْه مُطابقة هذه للتَّرجمة: أنَّ المُراد بالتَّرجَمة التَّوجُّه للقِبْلة في الفريضة. * * * ٤٠١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ -قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ- فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَحَدَثَ في الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا

стр. 1138

بِوَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ في الصَّلَاةِ شَيْءٌ لَنبَّأتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَناَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كمَا تنسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني، وَإِذَا شَكَّ أَحدُكُمْ في صَلَاتِهِ فَلْيتحَرَّى الصَّوَابَ، فَلْيتمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ ليُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". الثَّالث: (إِبراهِيْمَ)، أي: ابن يزَيْد النَّخَعِي، وقيل: المُراد بإبراهيم: ابنُ سُوَيْد النَّخَعِي. (قالَ إِبْراهِيْمُ: لا أَدْرِي زَادَ أَو نَقَصَ) هو إدراجٌ من منصور، والضمير في زاد ونقص عائدٌ للنبي ﷺ ، والفِعلان هما هنا مُتعدِّيان، وإن كانا يَرِدان ناقصَين. (أَحَدَثَ؟) استِفهامٌ عن حُدوث شيء من الوحي، فوجَبَ تغيير الصَّلاة بزيادةٍ أو نقْصٍ. (كَذَا وَكَذَا) كِنايةٌ عمَّا وقَعَ من زيادةٍ أو نقْصٍ. (فثَنَى) بالتَّخفيف مُشتَقٌّ من الثَّنْي أو التَّثنية، وهو العَطْف، أي: جلَس كهيئة قُعود التَّشهد. (لَنبّأتُكُم)؛ أي: أَخبَرتُكم به، ففيه أنَّه كان يجب عليه تَبليغُ الأَحكام إلى الأُمَّة، وحَذَف مفعولا نبّأ الثَّاني والثَّالث، فهما لا يَتفارقانِ حذْفًا وإِثباتًا. (أَنْسَى) بهمزةٍ مفتوحةٍ وسينٍ مُخَفَّفة، ومَنْ قيَّده بضَمِّ أوَّله

стр. 1139

وتَشديد ثالثه لم يُناسب التَّشبيه. (فَذَكِّرُوني)؛ أي: في الصَّلاة بالتَّسبيح، ونحوه. (فلْيتحَرَّ)؛ أي: فلْيَجتهِد، وقال الشافعي: فليقصد الصَّواب، أي: يَأخذ باليقين، وهو البِناء على الأَقلِّ، وقال أبو حنيفة: معناه البناء على غالب الظَّنِّ، ولا يَلزم بالاقتِصار على الأَقلِّ، والتَّحرِّي على قَول الشَّافعي غير جارٍ على ظاهره؛ لأنَّه إذا عمل باليَقين؛ فأين مَحلُّ الاجتِهاد؟ (عَلَيهِ)؛ أي: بانيًا عليه، فضمَّنَ الإِتمامَ معنى البِناء. (ثم يُسَلِّمُ ثُمَّ يَسْجُدُ) أتَى بهما بلفظ الخبَر دُون الأَمر من قَبْلهما؛ إما لأنَّهما كانا فائتَين يَومئذٍ بخلافِ التَّحرِّي والإِتمام، فإِنَّهما ثبَتا بهذا الأَمر، أو للإِشعار بأنَّهما ليسا بواجبَين، والمُراد بعدم وُجوب السَّلام، أي: كونه قبلَ السَّجدتين، أما هو في نفسه فواجبٌ قطعًا، على أنَّه أوجَزُ ما لم يَمتنع، وكان الكلُّ أوامرَ، بل في بعضِها: ثم ليُسلِّم، بزيادة اللام. (سَجْدَتَيْنِ) فيه أنَّهما سجودُ السَّهو لا واحدةٌ كالتِّلاوة. فإنْ قيل: اقتصاره دليلٌ على أنَّ سهوَه كان بزيادة، إِذْ لو كان بنقصٍ لتَداركَه قبلَ أَنْ يسجُد، فكيف قال إبراهيم: لا أَدري؟ قيل: ليس كلُّ نقصٍ يجب أن يُتدارَك، بل ذلك الواجبُ، أمَّا الأبعاض فلا، وإنَّما رجَع إلى الصَّلاة بعد تكلُّمه بقوله: وما ذاك؛

стр. 1140

لأنَّه: إما قَبل تحريم الكلام في الصَّلاة، وإما كلامُ غيرِه معَه، فيحتمل ذلك، وأَنْ يكون الخِطَاب للنبيِّ ﷺ ، وهو لا يُبطل، أو أنَّه قليلٌ، وهو في حكم السَّاهي أو النَّاسي؛ لظنِّه أنَّه ليس في صلاةٍ. ثم إِنَّ سُؤالَه إيَّاهم ليتذكَّر لا أنَّه عَمِلَ بقولهم؛ لأَنَّ المُصلِّي لا يَرجع إلى قولِ غيره، أو أَنَّ قولَ السَّائل أحدثَ شكًّا، فسجَد بسبب حُصول شَكٍّ، فلا يكون رُجوعًا إلا إلى حالِ نفَسِه. واعلم أنَّ آخر الحديث يَدلُّ على أَنَّ سُجود السَّهو بعد السَّلام، وأوَّله على عكسه، فنَشأَ الخِلاف، فقال الشَّافعي: هو بعد السَّلام مطلقًا تَرجيحًا للقول على الفِعل؛ لأنَّه أَدلُّ على المَقصود، أو أنَّه أُمر بالسُّجود بعد السَّلام بَيانًا لجَوازه، وهو فِعْل الأَفضل. قال (ن): الخلاف في الأفضل، ولا خلافَ في أنَّ كلًّا يُجزئ، ولا تفسد صلاتُه، فقيل: يُخيَّر بين قَبله وبعده مطلقًا، وقال الشَّافعي: قَبْلُ مطلقًا، وقال أبو حنيفة: الأَفضل بعد مطلقًا، وقال مالك: إِنْ كان بزيادةٍ فبعد السَّلام، أو بنقصٍ فقَبل. وقال (ن): وفيه جَواز النِّسيان في الأَفعال على الأَنبياء، ولكن لا يُقَرُّون عليه، فقال أكثر: يُشترط تنبُّهه على الفَور، وجوَّز طائفةٌ تأخيرَه مدَّةَ حياته، ومنَع قومٌ السَّهو عليه في الأفعال البلاغية كما أجمعوا على الأَقوال البلاغية. وفيه أنَّ سجود السَّهو على هيئة سجود الصَّلاة المُعتاد، وأنَّه

стр. 1141

لا يَتشهَّد له، وأَنَّ كلام من ظَنَّ أنَّه فيها لا يُبطلها، وأمرُ التَّابع بتذكير المتبوع، وأنَّه لا يؤخَّر البيان عن وقت الحاجة. قال (ك): وأنَّ من تَحوَّل عن القِبْلة ساهيًا لا يُعيد، وإِقبالُ الإمام على الجماعة بعد الصَّلاة. * * * ٣٢ - بابُ مَا جَاء في الْقِبْلَة، وَمَنْ لَا يَرَى الإِعَادةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ في ركعَتَيِ الظُّهْرِ، وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ أتمَّ مَا بَقِيَ. (باب ما جاءَ في القِبْلة) (فصَلَّى) الفاء تفسيرية؛ لأنَّه تفسيرٌ لـ (سَها). (وقَدْ سَلَّمَ) هذا التَّعليق وصلَه البُخاري في "الصَّحيح" من طرُقٍ إلا قولَه: (وأَقبَلَ على النَّاسِ بوَجْهه)، فإنَّها في "المُوطَّأ" عن داود بن الحُصَيْن، عن ابن أبي سُفيان، عن أبي هُريرة. (مَا بَقِيَ)؛ أي: الرَّكعتَين الأَخيرتَين، ووجْهُ ذكْرِه في التَّرجَمة أنَّه بالإقبال بوَجْهه يُصلِّي لغير القِبْلة سَهوًا؛ لأنه يظن أنَّه في غير الصَّلاة. * * *

стр. 1142

٤٠٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي في ثَلَاثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَوِ اتَّخَذْناَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وَآيَةُ الْحِجَابِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجبْنَ، فَإنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ في الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ٤٠٢ / -م - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا بِهَذَا. الحديث الأَوَّل: (هُشَيْم)؛ أي: ابن بَشِيْر. (حُمَيْد)؛ أي: الطَّويل. (وَافَقْتُ رَبِّي)؛ أي: وَافقَني ربِّي فيما أردتُ أَنْ يكون شَرعًا، لكنْ راعَى الأدَبَ في إسناد المُوافقَة لنَفْسه. قلتُ: لا يَحتاج؛ فإنَّ مَن وافقَك فقَد وافَقتَه، وهذه المَوافقَة غيرُ معنى مُوافقَة امتِثالِ أَو أمر الرَّبِّ تعالى؛ فإنَّ ذلك على الإِطلاق، وهذا في نُزول الآية على وَفْق قوله. (في ثَلاثٍ)؛ أي: قَضايا، وقال (ك): أُمورٍ، ثم اعتَذر عن إسقاط التَّاء بأنَّه إِذا لم يكُن المَعدود مذكورًا يجوز التَّذكير والتَّأنيث، وقد جاءتْ

стр. 1143

له مُوافقاتٌ غير ذلك، كمَنعْ الصَّلاة على المُنافقين، وعدَمِ الفِداء في أُسارى بَدْرٍ، وتحريمِ الخَمْر، وغيرِ ذلك، فإِمَّا لأَنَّ العدَد لا يَنفي الزَّائد، أو أنَّ قولَه ذلك قَبْلَ المُوافقة في غير الثَّلاث. (لَو) جوابُها محذوفٌ، أو هي للتَّمنِّي، فلا جوابَ لها. (وآيَةِ الحِجَاب)؛ أي: قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] وعطفُه على مُقدَّرٍ؛ أي: اتخاذِ مصلًّى من مقام إبراهيم، وهو بدلٌ من قوله: (ثَلاثٍ)، فتكون (آية) هنا بالجرِّ، ويحتمل رفعُه بالابتِداء، ونصبُه على الاختِصاص، فتُرفع (آية)، أو تُنصب. (البَرُّ) بفتح المُوحَّدة، صفةٌ مُشبَّهةٌ. (الغَيْرَةِ) بفتح المُعجَمَة، وستَأتي القِصَّة في سورة التَّحريم. ووجه مطابقة الحديث التَّرجَمة: رجوعُه للجزء الأَوَّل فيها كما دلَّ الحديث بعدَه على الجزء الآخر، فكلاهما وفَّيَا بهما، لكن هذا على تَفسير مَقام إبراهيم بالكَعْبة وما يتعلَّق بها، وهو أظهر، لأَنَّ المُتبادر من مقام إبراهيم الحَجَر الذي وقَف عليه، وموضعه مشهورٌ، وهو معنى قول (ح): إنَّه سأَل أَنْ يكون مَقام الحَجَر مُصلى بين يدَي القِبْلة يقوم عنده، فنزلت الآية. (وقالَ ابنُ أَبِي مَرْيَم) ابن سعيد، هذه رواية أبي ذَرٍّ، ورواية غيره: (حدَّثنا)، وسيَأتي الحديث في تفسير البقرة، وإنَّما استشهد بذلك دفعًا لمَا في الإسناد السَّابق من ضعفِ عَنْعَنة هُشَيْم؛ إذ قيل: إنَّه مُدَلِّسٌ؛ على أنَّ معَنعَن "الصَّحيحين" كلَّه مقبولٌ؛ لثُبوت اتصاله من

стр. 1144

طُرُفي أُخرى، سواءٌ استشهد له، أو ذُكر متابعة، أو لا، وإنَّما لم يجعل هذا الإسنادَ أصلًا لمَا في يَحيَى من سُوءِ حفْظه. قال (ط): ولأنَّ ابن أبي مَرْيَم ذكَره مُذاكرةً، أي: على روايةِ (قال)، لا روايةِ (حدَّثنا). * * * ٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ في صَلَاةِ الصُّبْح إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآن، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبةِ. الحديث الثَّاني: (قُبَاء) بالمَدِّ، والتَّذكير، والصَّرف، على الأشهر، سبَق بيانه. (الصُّبْح) سبَق أنَّ هذا غير الجماعة في العصر، وأَنَّ ذلك بالمدينة، وهذا خارجٌ عنها. (آتٍ) قيل: عَبَّاد بن بِشْر، وقيل: ابن نهيْك، وقيل: ابن وَهْب. (قُرآنٌ) نُكِّر؛ لأنَّ القَصْد البعض. (فاستَقْبَلُوها) بفتح الباء عند أكثر رواة البُخاري، خبَرٌ، أو كسرها كما رواه الأَصِيْلي على أنَّه أمرٌ.

стр. 1145

(وكَانَتْ) إلى آخره، هو كلامُ ابن عمر لا الرَّجل الآتي لهم. ووجْه مطابقته للتَّرجمة: أنَّهم استقبلوا في أوَّل الصَّلاة القبلةَ المَنسوخة جاهلين بالنَّسخ، فهو كالنِّسيان، فصدَق أنَّهم سَهَوا، فصلَّوا لغير القِبْلة، ولم يُؤمَروا بإعادةٍ، وقد سبَق أنَّه على الشِقِّ الثَّاني من التَّرجَمة، أو مطلقًا. * * * ٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قالَ: صلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ في الصَّلَاةِ؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالُوا: صلَّيْتَ خَمْسًا، فَثنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. الحديث الثَّالث: (ومَا ذَاكَ؟)؛ أي: ما سببُ هذا السُّؤال؟ وهذا وجه التَّرجَمة؛ لأنَّه زمانَ المُكالَمة كان غير مُستقبلٍ؛ لرواية: (أَقبَل على النَّاس)، وأيضًا فالعادة ذلك في المَكالَمة، وهو في صلاةٍ بدليل أنَّه لو أحدَثَ بطلَت، وهو يظُنُّ سَهوًا أنَّه ليس في صلاةٍ، ولم يُعِدِ الصَّلاة. قال (ط): في وجوب الإعادة على مَنِ اجتهد في القِبْلة وأَخطَأ خِلافٌ، فقال أبو حنيفة: لا يُعيد، وعليه جَرَى البُخاري تعلُّقًا بأنَّه لم يُعِد، ولم يأمُر بالإعادة في هذه الأحاديث، مع أنَّهم كالمُجتهد في القِبْلة.

стр. 1146

قال النَّخَعِي: إنْ عَرَف الخطأَ قَبْل الفَراغ لا يُعيد ذلك البَعضَ بل يَبني عليه كأهل قُبَاء، وقال مالكٌ: يُعيد استِحسانًا، وقال الشَّافعي: يُعيد إنْ تيقَّن الخطأ، لا إنْ بانَ باجتهادٍ، وقال ابن القَصَّار: إنَّما أمر اللهُ بإصابة العَين من نظَر إليها، وأما مَن غَاب فإنَّما يستدلُّ بمَهَبِّ الرِّياح، ومَسير النُّجوم، فلم يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد كالحاكم يحكم ثم يتبين له اجتهاد آخر فلا ينسخ الأَوَّل. قال: وليس للشَّافعي أنْ يقول: رجَع إلى يقينٍ؛ لأنَّه لا يتيقَّن أصلًا. قال (ك): قد يرجع إلى يقينٍ في بعضٍ، وقياسه على الحاكم لا يصحُّ؛ لأَنَّ مَحلَّ الاجتهاد في الحكم واحدٌ، وفي الصَّلاة مُتغاير؛ لأَنَّ ما صُلِّيَ بالاجتهاد الأَوَّل غيرُ ما صُلِّي بالاجتهاد الثَّاني. * * * ٣٣ - بابُ حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ (باب حَكِّ البُزاق باليَد) في البُزاق لغةٌ بالصَّاد، ولغةٌ بالسِّين. ٤٠٥ - حَدَّثَنا قتيبةُ قَالَ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عَن حُمَيدٍ، عَن أَنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ رَأى نُخَامَةً في القبلةِ فَشقَّ ذلكَ عليهِ حتَّى رُوِيَ في وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: "إِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا قَامَ في

стр. 1147

صَلَاتِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ -أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ- فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدكمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِه، أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ"، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: "أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا". الحديث الأَوَّل: (في القِبْلَة)؛ أي: في حائط جهتها، ورُوي: أنَّه شُوهِد أثَرُ المَشَقَّة في وجهه من ذلك. (فإِنَّه) هو جوابُ (إذا). (قَامَ في صَلاتهِ)؛ أي: شَرَع فيها، بخلاف: قامَ إلى الصَّلاة، فإنَّه قَبلَ الشُّروع، والجُملة الشَّرطيَّة خبرُ (إن). (يُنَاجِيْ رَبَّهُ) المُناجاة والنَّجوى: السِّرُّ بين اثنين، فهو هنا مجاز، فالعبد من جهة المُسَارَّة بالكلام كأنَّه يُناجيه، والرَّبُّ تعالى من جهةِ لازمِ ذلك، وهو إرادةُ الخَيْر. وقال (ن): هو إشارةٌ لإخلاص القَلْب وحضوره وتَفريغه لذكر الله تعالى. (وإنَّ رَبَّه)، في بعضها: (أو إنَّ رَبَّه). (بَيْنَه) ظاهره مُحالٌ؛ لتنَزُّه الرَّبِّ تعالى عن المَكان، فمعناه اطِّلاع الرَّبِّ على ما بينه وبين القِبْلة. وقال (خ): معناه أنَّ توجُّهه إلى القِبْلة مُفضٍ بالقَصْد به إلى ربِّه، فكأنَّ مقصوده بينه وبين قِبْلته، فأَمَرَ أن تُصان تلك الجهةُ عن البُزاق.

стр. 1148

(قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهةَ، وفيه المجاز السَّابق، وقال (ن): المعنى قِبَل الجهة التي عظَّمَها، أو أنَّ المراد: قِبْلَةُ الله، وقِبْلَةُ ثوابه، ونحو ذلك، فلا مقابل بالبُزاق الذي يقتضي الاستِخفاف والاحتِقار. ووجه كونه باليد ليُطابق التَّرجَمة؛ إذ المُتبادر إلى الفهم من الحَكِّ، والمعهود من جِدار القِبْلة جِدار قِبْلة مسجد رسول الله ﷺ . (أو يَفْعَل) عطفٌ على المُقدَّر بعد حرف الاستدراك، أي: ولكنْ يبزق عن يساره، أو يفعل هكذا. * * * ٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا في جِدَارِ الْقِبْلةِ فَحَكَّهُ، ثُمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وجْهِهِ، فَإِنَّ الله قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى". ٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى في جِدَارِ الْقِبْلَةِ مُخَاطًا أَوْ بُصَاقًا أَوْ نُخَامَةً فَحَكَّهُ. الحديث الثَّاني، والثَّالث مثله لكن في الثَّالث: (مُخَاطًا) وهو بضَمِّ الميم وبخفَّة المُعجَمَة وإهمال الطَّاء: ما يَسِيْل

стр. 1149

من الأَنْف، والبُصاق من الفَم، والنُّخامة بضَمِّ النُّون: النُّخاعة، ما يَخرُج من الصَّدر، وقيل: النُّخاعة بالعين من الصَّدر، والنُّخامة بالميم من الرَّأس. * * * ٣٤ - بابُ حَكِّ الْمُخَاطِ بِالْحَصَى مِنَ الْمَسْجِدِ (باب حَكِّ المُخاط والقَذَر) بفتح المُعجَمَة، والقَذَارة ضِدُّ النَّظَافة، وفي نسخةِ: (حَكِّ المُخاط بالحصَا من المَسجِد). ٤٠٨ - و ٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً في جِدَارِ الْمَسْجدِ، فتنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا فَقَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِه أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى". (تنخَّمَ)؛ أي: رمَى النُّخامة، ووجْه مُطابقته للتَّرجمة: أنَّ النُّخامة والمُخاط حكمُهما واحدٌ؛ لأنَّ كُلًّا فضْلةٌ طاهرة. * * *

стр. 1150

٣٥ - بابٌ لَا يَبْصُقْ عَنْ يَمِينِهِ في الصَّلَاةِ (باب لا يَبصُق عن يَمينه في الصَّلاة) ٤١٠ - و ٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً في حَائِطِ الْمَسْجدِ، فتنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَصَاةً فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدكمْ فَلَا يتنخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِيْنهِ، ولْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِه أو تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى". الحديث الأَوَّل: (فحَتَّهَا) بالمُثنَّاة فوق، أي: حَكَّها وفَرَكَها. (لا يتنخَّم)؛ أي: والبُصاق مثلُه، فهو وجْهُ التَّرجَمة، ولهذا قال ﷺ في مقابله: (وليَبْصُقْ عَنْ يَسَاره). * * * ٤١٢ - حَدَّثنا حَفْصُ بنُ عَمْرٍ قَالَ: حَدَّثَنا شُعْبةُ قَالَ: أَخْبَرني قتادَة قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : "لَا يتفِلَنَّ أَحَدكمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِه أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ".

стр. 1151

الثَّاني: (لا يتفِلَنَّ) بمثنَّاةٍ فوق وبضَمِّ الفاء وكسرها، وهو شبيهٌ بالبَصْق، وسبق أَنَّ أوَّله البَزْق، ثم التَّفْل، ثم النَّفْث، ثم النَّفْخ. * * * ٣٦ - بابٌ لِيَبْزُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى (باب ليَبْزُق عن يَساره) بضَمِّ الزَّاي، أي: في الصَّلاة؛ لأَنَّ الحديث مُقيَّدٌ به، كما سبَق عكسه في الباب قبلَه، والتَّقييد في التَّرجَمة، والإطلاق في الحديث، فيُحمل كلُّ مطلَقٍ منهما على مقيَّده. ٤١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتَادَة قَالَ: سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كانَ في الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِه أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ". ٤١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبْصَرَ نُخَامَةً في قِبْلَةِ الْمَسْجدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ عَنْ يَمِينهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِه أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعَ حُمَيْدًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، نَحْوَهُ.

стр. 1152

(قَدَمِه) لا يُطابق تقييده في التَّرجَمة باليُسرى إلا أنَّه محمولٌ على رواية التَّقييد صار مقيَّدًا باليُسرى. فإنْ قيل: من المُناسب ذِكْر هذا الحديث في ذلك الباب، والحديث الذي هناك هنا. قيل: لكنْ غرَضُه بيان استخراج الأحكام، وطريق استنباطها تكثيرًا للفائدة، أو أنَّ شيوخه استدلُّوا كذلك، فرَواه عنهم على ذلك الوجه، فلعلَّ يحيى استدلَّ بحديثه على أنَّه لا يَبصُق عن يَمينه في الصَّلاة، وآدم بحديثه على أنَّه يبصق (عن يساره)، أو تحت قدَمه اليُسرى. (قَدَمِهِ اليُسْرى) ذكَره بعد قوله: (عن يَساره)؛ لأنَّه لا يَلزم من ناحية اليَسار أن تكون تحت القدَم اليُسرى، وفي بعضها بدون لفظ: (أو). (وعن الزُّهريِّ) غرَضه من هذا التَّعليق: أنَّ الزُّهريَّ رواه بطَريق السَّماع، وإن رواه في الأَول بالعَنْعَنة. (حُمَيد) وابن عبد الرحمن لا الطَّويل. * * * ٣٧ - بابُ كفَّارَةِ الْبُزَاقِ في الْمَسْجِدِ (باب كفَّارة البُزاق) ٤١٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتادَةُ قَالَ:

стр. 1153

سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبُزَاقُ في الْمَسْجدِ خَطِيئةٌ، وَكفَّارتهَا دَفْنُهَا". التَّكْفِيْر؛ أي: السَّتْر والدَّفْن، ومنه كفَّارة اليَمين. (خَطِيْئة) فَعِيْلَة، وربَّما أُسقطت الهمزة وشُدّدت الياء، أي: الإثْم. (وكفَّارتُها)؛ أي: الذي يُكفِّرها، كما أنَّ قَتْل الصَّيْد في الإِحرام خطيئةٌ، وعلى مُرتكِبها الكفَّارة. (دَفْنُها)؛ أي: في تُراب المَسجد إِنْ كان، وإلَّا فيُخرجها من المَسجد، قاله الجمهور، وحكَى الرُّوْيَاني قولًا: أنَّ المُراد إخراجها مطلقا. * * * ٣٨ - بابُ دَفْنِ النُّخَامَة في الْمَسْجِدِ (باب دَفْن النُّخامة) ٤١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَامَ أَحَدكمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي الله مَا دامَ في مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِه أَوْ

стр. 1154

تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنُهَا". (أمَامَهُ) بفتْح الهمزة، أي: قُدَّامه. (مَلَكًا) في بعضها: (ملك) على أنْ يكون اسمُ (إنَّ) ضمير الشَّأْن، واعلم أنَّه على يَساره ملَك كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، لكنَّه في حال الصَّلاة التي هي أُمُّ الحسَنات البدَنيَّة لا دَخْلَ لكاتب السَّيِّئة فيها، أو أنَّ المُراد بهذا الملَك غير الكِرام الكاتبين. (فيَدْفِنَها) بالنَّصْب جَوابًا للأمر، أو بالرَّفعْ استِئنافًا، أو بالجَزْم عطْفًا على الأَمْر. ووجْه مُطابقة الحديث، وهو دفن البُزاق على التَّرجَمة في النُّخامة: أنَّهما سواء كما سبق. قال (ن): ليَبْصُق عن يساره أو تحت قدَمه في غير المَسجد، أما في المَسجد ففي ثَوبه؛ لأنَّه قد قال: (إنَّه خطيئةٌ)، فلا يَأْذن فيه، وإنَّما نهَى عنه في اليَمين تَشريفًا له. قال: ومَحلُّه في اليسار إذا أَمكَن، فإِنْ تعذَّر بأنْ كان على يساره مُصلٍّ فله البُزاق عن اليمين. قال (خ): إنَّما يبصُق عند التَّعذُّر تحت قدَمه، أو في ثَوبه. * * *

стр. 1155

٣٩ - بابٌ إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثوبه (باب إِذا بدَرَه البُزاق) في بعضها: (البُصاق) وهما سواءٌ، وأنكَر القاضي شمس الدين السُّروجي أنَّه يُقال في اللُّغة: بدَرتُه، بل بدَرتُ إليه، أو بادرتُ، لكنْ هذا سائغٌ في المُغالَبة، فيُقال: بادرتُ البُصاقَ فبدَرني، أي: سبَقَني وغلَبَني. ٤١٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً في الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُوِيَ مِنْهُ كرَاهِيَةٌ -أَوْ رُوِيَ كَرَاهِيتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ- وَقَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ في صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ -أَوْ ربُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ- فَلَا يَبْزُقَنَّ في قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِه أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ"، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ، وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: "أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا". (أو رُئِيَ كراهَتُه)؛ أي: بإضافته للهاء، والأَوَّل بالتَّنكير، فهو وجه الشَّكِّ، و (رُئِيَ) إمَّا بضَمِّ الرَّاء وكسر الهمزة، وإما بكسر الرَّاء والمَدِّ. (وشِدَّتُهُ) مرفوعٌ، أو مجرورٌ؛ عطفًا على الكَراهة، أو على ذلك. (أو ربُّهُ) إلى آخره، عطفُ جملةٍ اسميَّة على فعليَّةٍ. وفيه: طهارة البُزاق، وهو اتِّفاق إلا ما حُكِيَ من قول النَّخَعِي بنَجاسته.

стр. 1156

وفيه: أنَّه لا يُبطِل الصَّلاة. قال (ط): وإكرامُ القِبْلة وتَنْزيهها؛ لأنَّ المُصلِّي يُناجي ربَّه، فيجب عليه إكرامُ قِبْلته بما يُكرم به مَنْ يُناجيه من المَخلوقين عند استِقبالهم بوجهه، ومن أَعظم الجَفاء وسُوء الأدَب أن تَتنخَّم في توجُّهك إلى ربِّ الأرباب، وقد أعلَمَنا الله بإقباله على مَنْ توجَّه إليه. وفيه: فَضْل المَيمَنة على المَيْسرة، وإنَّما عرَّفَهم كفَّارةَ تلك الخطيئة التي نهَى عنها؛ لأنَّ ذلك لا يَكادُ يَسلَمُ منه أحدٌ. * * * ٤٠ - بابُ عِظَةِ الإِمَامِ النَّاسَ في إتمام الصَّلاةِ وَذِكْرِ الْقِبْلَةِ (باب عِظَةِ الإمام النَّاسَ)، (وذِكْر) عطفٌ على (عِظَة). ٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا، فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا ركوعُكُمْ، إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءَ ظَهْرِي". الحديث الأَوَّل: (هَلْ تَرَونَ) استفهامُ إنكارٍ على مَنْ يَرى؛ أي: يحسَبُ أنَّه لا يَرى

стр. 1157

إلا ما في جِهَةِ قِبْلته، فأقسَم بالله أنَّه يَرى من غير جِهَة قِبْلته كما يَرى منها. (ما يَخْفَى) هو جوابُ القسَم. (وخُشُوعُكُم)؛ أي: سُجودكم؛ لأنَّه الغاية في الخُشوع، أو الأَعمُّ من ذلك. (إِنِّي لأَراكُم) بدلٌ من جَواب القسَم، أو بيانٌ له، وهو بفتح الهمزة. قال (ط): فيه أنَّ الإمامَ يَنهَى مَن يَراه مُقصِّرًا، أو يَحضُّه على ما فيه الحَظُّ؛ لأنَّه ﷺ وبَّخَ من نقَص كمالَ الرُّكوع والسُّجود، ووعظَه بأنَّه يَراه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الحج: ٤١]، وأما رُؤيته مَنْ خَلْفه، فإنَّه [ربما] يوحى إليه ما يَفعلونَه، فعبَّر عن العِلْم بالرُّؤية، أو أنَّ من خَصائصه أنَّه زيدَ في بصَره حتَّى يَرى مِن ورائه، وبه جزَم أحمد، وهو دليلٌ للأشاعرة في أنَّ الرُّؤية لا يُشترط فيها مُواجهة ولا مُقابلةٌ، وجوَّزوا إبصارَ أَعمى الصِّين بقبة أَندلس. * * * ٤١٩ - حدثنا يَحْيَى بْنُ صَالحٍ، قَالَ: حدثنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ صلَاةً ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ في الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكوعِ: "إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كمَا أراكُمْ".

стр. 1158

الحديث الثَّاني: (رَقِيَ) بكسر القاف، وطَيِّءٌ تفتحها. (في الصَّلاة) متعلِّقٌ بـ (أَراكم) مقدَّر؛ لأنَّ ما في خبَر إِنَّ لا يتقدَّم عليها، أو أنَّ المعنى: قال في شأن الصَّلاة والرُّكوع ذلك، نعم، ذكَر الرُّكوع مع كونه من الصَّلاة للاهتِمام بشأنه؛ لأنَّه أَعظمُ أركانها، ولذلك تُدرَك الرَّكعة به، أو أنَّه عَلِمَ تقصيرَهم فيه فذكَره. (مِنْ وَرائِي) في بعضها: (مِنْ وَراء)، بحذف الياء من الأخير بالكسرة، وإطلاقُ الرُّؤية من ورائه يقتضي عُمومه في الصَّلاة وغيرها، وإِنْ كان السِّيَاق يقتضي أنَّ ذلك في الصَّلاة فقط، والتَّشبيه في: (كَمَا أَراكُمْ أَمَامِي)، من حيثُ هذا القَيْد لا بالرُّؤية المُطلَقة، وهو دليلٌ على أنَّ المُراد بالرُّؤية الإبصارُ لا العِلمُ. * * * ٤١ - بابٌ هَلْ يُقَال: مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ ؟ (باب: هل يُقال مَسجدُ بَنِي فُلانٍ) ٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَداعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي

стр. 1159

لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابقَ بِهَا. (أضمرت)؛ أي: ضُمِّرتْ، وتَضميرها: أنْ تُشَدَّ عليها سُروجُها وتُجلَّل بالأَجِلَّة، حتَّى تَعْرَق، فيَذهبَ رَهَلُها، ويَشتَدَّ لحمها، ومنهم من يقول: تُعْلَف حتَّى تَسْمَن، ثم تُرَدُّ للقُوت، وذلك في أربعين يومًا، وقال (ن): أنْ يُقلَّل علَفُها مدَّةً، وتُجلَّل فيه لتَعرَق ويَجِفَّ عَرَقُها ليَخِفَّ لحمُها، وتَقوَى على الجَرْي، والكلُّ متقاربٌ. (الحفياء) بفتح المُهمَلَة وسُكون الفاء، ثم مُثنَّاةٌ تحتُ، وتُمَدُّ وتُقصَر. (وأمدها)؛ أي: غايتُها. (ثنية الوداع) موضعٌ بقُرب المدينة، بينهما خمسة أميالٍ، أو ستةٌ أو سبعةٌ، سُمِّيت بذلك لأنَّ الخارج من المدينة يُودِّعونه هناك، والثَّنيَّة لغةً: الطَّريقة إلى العَقَبة. (من الثنية) اللَّام للعهد. (مسجد بني زُريق) بزايٍ مضمومةٍ وراءٍ، أُضيفَ إلى الباني، وإنْ كان حقيقةُ إضافتِها لله تعالى، فهي إضافةُ تمييزٍ ببني زُريق لا ملكٍ، وكَرِهَ النَّخَعِيُّ أَنْ يُقال: مسجد بني فلانٍ، وهذا الحديث يَرُدُّه، وإنَّما نقَصَ في التي لم تُضَمَّر لقُصورها عن شَأْو المضمَّرة ليكون عدلًا بين النَّوعين، وذلك كلُّه إعدادٌ للقُوَّة في إعزاز كلمة الله ونُصرةِ دينه، قال

стр. 1160

تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]. (وأن عبد الله) إمَّا من مَقوله كما تقول عن نفسك: فُلان فعَل كذا، أو من مَقول نافع. (بها)؛ أي: بالخيل، أو بهذه المُسابقة. * * * ٤٢ - بابُ الْقِسْمَةِ وَتَعْلِيقِ الْقِنْوِ في الْمَسْجِدِ (باب القِسْمة وتَعليقِ القِنْو في المَسجد) الجارُّ متعلِّقٌ بـ (القِسمةِ) و (تعليقِ)، والقِنْو بكسر القاف. (العذق) بكسر المُهمَلَة وسكون المُعجَمَة، وهي الكباسة بشَماريخه وبُسْره، كالعُنْقود للعِنَب، أمَّا بفتح العَين فالنَّخلة. (والجماعة قنوان)؛ أي: بالتَّنوين، وبه يُفارِق المُثنَّى، ولذا تَبقى نُونه للإضافة، والمُثنَّى تُحذف نونُه، وجَمْع القِنْو في القِلَّة أَقْنَاء. (كصنو)؛ أي: في كلِّ ما سبَق، وهو بكسر الصَّاد: أَنْ تخرج نخلتان أو ثلاثٌ من أَصْلٍ واحدٍ، كلٌّ منهما صِنْوٌ. ٤٢١ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ: "انْثُرُوهُ في الْمَسْجدِ"،
следующие страницы →