← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

له، ومُعدِمٌ لا مالَ له. (وتقرئ) بفتح أوَّله، يُقال: قَرَيتُ الضَّيفَ أَقْرِيْهِ قِرًى بكسر القاف، والقصر، وقَراءً بفتحها والمدِّ. (نَوَائِبِ الْحَقِّ) النَّائبَة: الحادِثَة من خيرٍ وشرٍّ، فبالإضافة إلى الحقِّ تخرُج نَوائبُ الباطِل، قال لَبِيْد: نَوائِبُ مِنْ خيرٍ وشَرٍّ كِلاهُما ... فَلا الخَيْرُ مَمدُودٌ ولا الشَّرُّ لازبُ وبالجُملة فمعنى قول خَديجة: إنَّك لا يُصيبُك مَكروهٌ؛ لمَا جعَلَ اللهُ فيكَ مِن مَكارِم الأَخْلاق، وجَميل الصِّفَات، وذَكرتْ شيئًا من ذلك، وهذه الأُمور سَبيلٌ للسَّلامة مِن السُّوء والمَكارِه. ففيه مَدْح الإنْسانِ في وَجْهه لمصلحةٍ، وأمَّا حديث: "احثُوا في وُجُوهِ المدَّاحِيْنَ"، فذاكَ في المَدْح في الباطِل. أو المؤدِّي إلى باطلٍ. وفيه التَّأْنيس لمَنْ حصَل له مَخافةُ شيءٍ، وذِكْر أَسباب السَّلامة له، وذلك أَبلَغ دليلٍ على كَمال خَديجة، وجَزَالةِ رأْيها، وقُوَّة نفْسها، وعَظيْم فِقْهها؛ إذْ جَمعتْ أَنواعَ أُصول المَكارِم؛ لأنَّ الإحسان إمّا للأَقارب، وإما للأَجانب، وإما بالبَدَن، وإما بالمالِ، وإما على ما يستقلُّ بأَمره، وإما على غيره. (فَانْطَلَقَتْ بِهِ) عَدَّاه بالباء؛ لأنَّها انطلقتْ معه، بخلاف ما لو عُدِّي اللَّازم بالهمز نحو: أَذهبْتُه، فإنَّه لا يَلزم مِن ذلك.

стр. 107

(وَرَقَةَ) بفتْح أَحرُفه. (نوفَلِ) بفتح النون والفاء. (الْعُزَّى) بضم العين: تأْنيث أَعَزَّ، والعُزَّى صنَمٌ. (ابْنَ عَمِّ) بنصْب (ابن) بدَلًا من (وَرَقَة)، فيُكتب بالأَلف، فخَديجة بنت خُوَيلِد بْن أَسَد بْن عبد العُزَّى، فجدُّهما واحدٌ. قال (ن): ولا يُجرُّ (ابن)، ولا يُكتَب بغير أَلفٍ؛ لأنَّه يَصير صِفةً لعبد العُزَّى، فيكون عبد العُزَّى هو ابن عَمِّ خَديجة، وهو باطلٌ. قال (ك): ليستْ عِلَّة كتْبه بالألف ما ذكَره، بل لأنَّه ليس بينَ علَمَين؛ لأن الّذي بعدَه (عمِّ) وليس بعَلَمٍ، وأيضًا فلا يتعيَّن البدَليَّة بل يجوز أن يكون صِفةً، أو بَيانًا، انتهى. (تَنَصَّرَ)؛ أي: صار نَصرانيًّا، وترَك عِبادة الأَوثان. (الْجَاهِلِيَّةِ) هي ما قَبْل نبُوَّة محمدٍ ﷺ ؛ لِمَا كانُوا عليه من الجَهْل، وقيل: هي زمَن الفَتْرة مُطلَقًا. قلتُ: ويَظهَر أنَّه بمعنى ما قبلَه. وقيل: إنّما هو (تبَصَّر) -بالمُوحَّدة- مِن البَصيرة؛ لكَونه في زمَن الجاهليَّة كان مُتبَصِّرًا. (الْعِبْرَانِيَّ) رواية مسلم، وهي في "البخاريّ" في (التفسير): (العَرَبِيَّ)، فرجحَتْ لاتفاقهما عليها. (بِالْعِبْرَانِيَّةِ) هي على الرِّواية الأُولى، وأمّا على الثّانية فـ: (بالعَرَبيَّة).

стр. 108

قال (ن): حاصلُه أنَّه تمكَّن مِن دِين النَّصارى وكتابهم، وتصرَّف حتّى صار يكتُب الإِنْجيل إنْ شاء بالعرَبيَّة، وإنْ شاء بالعِبْرانيَّة على الرِّوايتين. قال (ك): ويُفهم منه أنَّ الإنْجيل ليس عِبْرانيًّا، لكنْ قال التَّيْمِي: إن العِبْرانيَّ أُنزل به جميعُ الكتُب مِن التَّوراة، والإِنْجيل، ونحوهما، فيكون الإنْجيل على هذا عِبرانيًّا. قلتُ: لا تَنافيَ بينهما، بل معنى كلام (ن): أنَّه عرَف العِبْرانيَّ حتّى صار يكتُب به الإنْجيلَ كما يكتُبه النَّصارى، نعَمْ، في "الصحاح": العِبْرانيُّ لُغة اليَهود. (الإنجيل) قلتُ: هو إِفْعِيْلٌ مِن النَّجْل؛ لأن الأَحكام مَنْجُولةٌ، أي: مُستخرَجةٌ، ومنه: أَنجَلَ فُلانٌ ذكَرًا، فسُمِّي بذلك لأنَّ الله أظهَره للنَّاس، وقيل: مِن التَّناجُل، وهو التَّنازُع؛ لأنَّهم اختلَفُوا فيه، وقرأَه الحسَن بفتح الهمزة، فيكون أَعجميًّا؛ إذْ ليس في العرَبية: أَفْعِيْل بالفتح، قالَه ابن الأَنْبارِي في "الزاهر". (يَا ابْنَ عَمِّ) يجوز فيه الأَوجُه المَشهورة في (ابنٍ) المُضافِ لأُمٍّ أو عَمٍّ المضافَين لياء المتكلِّم، وذلك حقيقةٌ، ورواه مسلمٌ: (أَيْ عَمِّ)، وهو مجازٌ، جعَلَتْه عَمًّا تَعظيمًا وتَوقيرًا كعادة العرَب في خِطَاب الصَّغير للكبير. (ابْنِ أَخِيكَ) هو أَيضًا مَجازٌ مِن تعظيمِ وَرَقَة واستِعطافه، أو

стр. 109

التَّقدير: ابنِ أَخِي جَدِّكَ؛ لأن جدَّ وَرَقَة الثّالث أَخو جَدِّ النبيِّ ﷺ الرَّابع، ويكون تعبيرًا عن ابن الابن بالابن. (النَّامُوس) هو جِبْريل؛ لأنَّ الله -تعالى- خَصَّه بالغَيب، وأَصل النَّامُوس صاحِب سِرِّ الخَيْر، ضِدُّ الجَاسُوس، فإنَّه في الشَّرِّ، يُقال: نَمَسْتُ -بفتح الميم- أَنمِسُ -بكسرها- نَمْسًا: كتَمتُ، ونَامَستُه: سَارَرتُه. (عَلَى مُوسَى) إنّما لم يقُل: (على عِيْسى) مع أنَّ وَرَقَة تَنصَّر وكتَب الإنْجيل؛ لأن مُوسَى متفَقٌ عليه بين اليَهود والنَّصارى، وبعضُ اليَهود يُنكرون نبوَّة عِيْسَى، أو لأنَّ النَّصارى تَتْبع أَحكامَ التَّوراة وتَرجع إليها، على أنَّه قد رَواه الزُّبَير بْن بَكَّار: (نَامُوسُ عِيْسَى)، فيَزول الإشكال. (يَا لَيْتَنِي) إدخالُ (يا) على (ليت) إمّا على حذْف المُنادَى، أو على أنَّ (يا) حَرفُ تنْبيبهٍ كـ (أَلا) في نحو: أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيْتنَّ لَيلةً ورجَّح ابن مالك الثَّاني، قال: لأنَّه قد لا يكُون ثَمَّ مُخاطَبٌ نحو: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣]، ولأنَّه إنّما يُحذَف في موضعٍ يُعتاد ذِكْره كما خُرِّج عليه قِراءة الكِسَائيِّ: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥]؛ لوُرود: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]، فجاءَ بعدَه الأَمر، قال الشاعر: أَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ علَى البِلَى

стр. 110

لوُرود ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، فوقَع قبْل الدُّعاء. قلتُ: لم يقَع هنا أيضًا إلا قبْل الأَمر كالذي قبلَه، فلا يُمثَّل به للدُّعاء. (فِيهَا) أي: في الدولة، أو النُّبوَّة، أي: في زمَن النُّبوَّة. (جَذَعًا) بفتح الذال المعجمة، أي: قَويًّا للشَّباب، فاستَعمل فيه الجَذَع وإنْ كان أَصله في البَهائم استعارةً، أو أنَّ المُراد: فكَونَ أوَّل مَنْ يُجيبُكَ ويُؤمِنُ بكَ، كما أنَّ الجَذَعَ أوَّل الأَسنان. ونصب (جَذَعًا) إما بـ (لَيْتَ) على نصْبها الجُزْأَين نحو: يا لَيتْ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا وهو قَول الكِسائيِّ، وإما على أنَّه حالٌ، وفيها خبر (لَيْتَ)، قاله (ع)، وكذا قالَه السُّهَيْلي، وإنَّ العامِل في الحال ما يتعلَّق به الحال مِن معنى الاستِقرار. وقيل: الخبَر محذوفٌ، أي: يا لَيتَني فيها حَيٌّ أو موجودٌ في حال نُبوَّته، وهو كالذي قبلَه في أنَّ العامِل متعلَّق الحالِ (١)، إلا أنَّ هذا فُسِّر بكونِ خاصٍّ أو مُطلَقِ، وذاك اقتَصر على التَّفسير بكونٍ مُطلَقٍ. وقال الفَرَّاء: (ليتَ) بمعنى: أَتمنَّى، فنَصب الجُزْأَين، وهو راجعٌ للأول.

стр. 111

وقال (خ): نُصب على أنَّه خبر (كان) مقدَّرة، أي: يا لَيتَني أكُون فيها جَذَعًا، يُؤيِّده قولُه بعدَه: (يا لَيتني أكَونُ حيًّا)، وهو راجع للكَون المُطلَق إنْ كان المقدَّر (كان) التامَّة، والنَّصب على الحال إنْ كانت ناقصةً، فحذْفها إنّما يَطَّرِدُ بعدَ: (أن)، و (لَوْ). ويُروى: (جَذَعٌ) بالرفع، وهو ظاهرٌ، والجارُّ حينئذٍ متعلِّقٌ بما فيه من معنى الفِعْل، كأنَّه قال: يا لَيتَني شابٌّ أو قَويٌّ. نعم، قال (ع): إنَّ الرَّفع روايةُ الأَصِيْلِي، وإنَّها خِلاف المَشهور. وقال ابن بَرِّي: المَشهور عند أهل اللُّغة والحديث كأبي عُبَيد وغيره: جَذَعْ بسُكون العين، قال: ومنهم مَنْ يرفعُه خبرًا لـ (لَيتَ)، ومنهم مَنْ يَنصبُه بفِعْلٍ محذوفٍ، أي: جُعلتُ فيها جَذَعًا، انتهى. فَيُضَمُّ هذا الأَخير لأَقوال المنصوب. (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) استُعملت (إذْ) هنا موضعَ (إذا) للاستِقبال كعكسه في نحو: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١]، ونُكتةُ الأَوَّل -كما قال أَهل البَيان- تَنْزيلُ المُستقبَل المَقطُوع بوُقوعه مَنْزِلة الماضي الواقِع، أو استِحضارُه في مُشاهدة السَّامع تعجُّبًا، أو تَعجيبًا، فلذلك قال: (أوَمُخْرِجِيَّ هم) تعجُّبًا واستِبْعادًا. (أوَمُخْرِجِيَّ) بفتح الواو، لأنَّها عاطفة، نعَمْ، قال ابن مالك: كانَ الأَصل تقديمها على الهمْز كسائر أَدوات الاستِفهام، لأنَّه جُزء الكلام المعطوف، نحو: ﴿وَكَيْفَ تَكفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠١]، و ﴿فَأَيْنَ

стр. 112

تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥]، لكنْ اختُصَّت الهمزة بذلك لأنَّها أَصْل أَدواته، فنُبِّه بذلك على أَصالتها حيثُ رُجع بها إلى الأَصل في الاستِفهام، وهو التَّصوُّر. وزعَم الزَّمَخْشَريُّ أنَّ العطْف إنّما هو على جُملةٍ مقدَّرةٍ بعد الهمْزة، فيُقدَّر في نحو: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]: أَمَكَثُوا، لكنْ تقديم بعض المَعطوف مُراعاةً لاستِحقاق تصدُّره أَولى من تقدير جُملةٍ قبْل العاطِف. قال (ك): إنَّ تقديم العاطِف في الحديث مُمتنِعٌ؛ لأنَّه جوابٌ واردٌ على قوله: (إِذْ يُخرِجُكَ)، استِبْعادًا وتعجُّبًا، فكيف يَستقيم العطْف؟، ولأنَّه إنشاءٌ وما سبَق خبرٌ، والحقُّ أنَّه لما أُريد الاستِبْعاد أُتي بالواو عطْفًا على مقدَّرٍ، تقديره: أَمُعَادِيَّ هم؟، ومُخْرِجِيَّ هُم؟، وإذا دعَت الحاجةُ لمثْل هذا التَّقدير فلا يُستَنكَر، لا سيَّما وقَرينة ذلك وُجود الواو العاطِفة مع تعذُّر العطْف على ما سبَق، انتهى بمعناه. قلتُ: وحاصلُه مُوافقة الزَّمَخْشَريِّ على العطْف على مقدَّرٍ وإنْ كان المقدَّر هنا على ما قدَّره مُفرَدًا، لكنْ ما قاله ابن مالِك هو قَول سِيْبَوَيْهِ والجُمهور، ولا تقديرَ فيه، فهو أَجْوَد من ادِّعاء تقديرٍ يصحُّ الكلام بدُونه؛ لأنَّ مِن لازِم: (إذْ يُخرِجُكَ قَومُكَ) أنَّه يَخرُج، فكأنَّ وَرَقَةَ قال: تَخرُجُ بإِخْراجِ قَومِكَ، فعُطف عليه: ومُخْرِجِيَّ هم، أي: أَأَخرُجُ، ومُخْرِجِيَّ قَومي. ومُخْرِجِيَّ جمع: مُخْرِجٍ جمعَ سلامةٍ بالواو والنُّون؛ فلمَّا أُضيف

стр. 113

إلى ياءِ المتكلِّم سقَطتْ نونُ الجمْع، واجتَمعت الواو الّتي هي عَلامة الرَّفعْ مع ياء المتكلِّم، والسابِقُ منْهما ساكنٌ، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمتْ في الياء الثَّانية، وجواز حينئذٍ الفتْح في الياء المُشدَّدة تخفيفًا لئلَّا تجتمع كسرتان وياءَان، وجاز الكَسْر على أَصْل التِقاء الساكنَين؛ لأن ياء المتكلم أصلُها السُّكون، وقد قُرئ بهما في قوله تعالى: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. ثمّ قال ابن مالك: هو خبرٌ مقدَّمٌ، و (هم) مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، ويمتَنِع العكْس؛ لأنَّه لا يخبر عن نكرة بمعرفة، لأن إضافة (مُخْرِجِيَّ) غير محضةٍ. ويجوز أن تكُون فاعلًا سدَّ مَسدَّ الخبَر، و (مُخْرِجِيَّ) مبتدأٌ، أي: لاعتِماده على استفهامٍ، لكنْ على جَواز تخريج الفَصِيح على لُغة: أَكَلُوني البَراغِيْث، وإنْ كانت قليلةً، كما خرَّجوا عليها قولَه تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، وحديثَ: "يَتعاقَبُون فيكُم مَلائِكَةٌ" كما هو مُختار ابن مالك، أما على المَنعْ فتُؤوَّل كما أُوِّلت الآيةُ والحديثُ. ثمّ قال ابن مالك: ولو رُوي بتخفيف الياءِ على أنَّه مفردٌ غيرُ مضافٍ لجازَ، ويكون (هم) فاعلًا به، ولا يَصحُّ جعْل (مُخْرِجِيَّ) خبرًا مقدَّمًا، و (هم) مبتدأً مؤخَّرًا؛ لئلا يكُون إخبارًا عن الجمْع بالمفرَد. قال السُّهَيْلي: ولا يصحُّ جعْل (هم) فاعلًا لـ (مُخْرِجِيَّ)؛ لأنَّه

стр. 114

ضميرٌ منفصلٌ كما لا تقول في قمتُ: قامَ أَنا. قلتُ: وفيه نظَرٌ؛ لأن ذاك في الأَفعال الّتي يتصِل بها الضَّمير المرفوع لفْظًا، واتصافُهم هنا مفصولٌ بضمير المَفعول، وهو ياء المتكلِّم. (عُودِيَ) مبنيٌّ للمفعول مِن المُعاداة. (يَوْمُكَ)؛ أي: يومُ انتِشار نبُوَّتكَ، أو: يوم يُخرجُك قَومُك، وهذه الرِّواية هي الوجْه بخلاف ما سبَق في "السِّيْرة": (إنْ أُدْرِكْ يَومَكَ)؛ لأنَّ المُدرِك -بالكسر- دائمًا بعدَ المُدرَك، ووَرَقَة سابقٌ، فـ (اليَوم) هو المدرِك له، لا أنَّه مُدرِكٌ لليَوم. (يَنْشَبْ) بفتْح الشِّين المعجَمة، أي: يَلبَث. (أَنْ تُوُفِي) بدَل اشتِمالٍ من (وَرَقَة)؛ أي: لم تَلبَثْ وَفاتُه. (وَفترَ الوَحْيُ)؛ أي: احتَبَسَ بعد تَتابُعه في النُّزول سنَتين ونِصْفًا، وقال ابن إسْحاق: ثلاثًا. وقال وَرَقَة في ذلك: فَإِنْ يَكُ حَقًّا يا خَديجَةُ فاعْلَمِيْ ... حَديثُكِ إِيَّانَا فأَحمَدُ مُرسَلُ وجِبْريلُ يَأْتِيهِ ومِيْكَالُ مَعْهُمَا ... مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَح الصَّدْرَ مُنزَلُ

стр. 115

قلتُ: عُلِم مِن هذا أنَّ وَرَقَة آمَنَ؛ لتَصديقه رِسالةَ نبيِّنا ﷺ . قال شيخ الإسلام البُلْقِيْني: بل يكون بذلكَ أوَّل مَنْ أَسلَمَ مِن الرِّجال، انتهى. ومَن يمنعَ يَدَّعي أنَّه أَدرك نُبُوَّتَه ﷺ لا رِسالتَه، لكنْ في السِّيَر: أنَّه قال له: أَبْشِرْ، فأَنَا أَشهَدُ أنَّك الّذي بَشَّرَ به ابنُ مَرْيَم، وإنَّكَ على مِثْل نامُوسِ مُوسَى، وإنَّك نبَيٌّ مُرسَلٌ، وإنَّك سَتُؤمَرُ بالجِهَادِ، وإنْ أَدركْتُ ذلك لأُجاهِدَنَّ معَكَ. فدلَّ على إيمانهِ به بعد رِسالته. وفي "مستدرك الحاكم": "لا تَسبُّوا وَرقَةَ؛ فإِنِّي رَأَيْتُ له جنَّةً أو جنَّتينِ". * * * ٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ-: "بَيْنَا أَنًا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءَ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتتَابَعَ". تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونسٌ وَمَعْمَرٌ: "بَوَادِرُهُ".

стр. 116

(قَالَ ابْنُ شِهَاب) هذا صُورة تعليقٍ، ولكنَّه متصِلٌ كما سنُبيِّنه. وقاعدة البخاريّ فيما سقَط أوَّل الإسناد فيه سُمِّي تعليقًا: إنْ كان صحيحًا عنده أن يأْتيَ به بصِيغة الجزْم كـ (قالَ)، أو ضعيفًا: أن يأْتي به بصِيغة المبنيِّ للمفعول كـ (قالَ) و (رُوي)، وذلك دليلُ زيادةِ جلالته وتحقيقه، فإنْ قامتْ قرينةٌ على بِنايةٍ على سنَدٍ متقدِّمٍ -كما هنا- فهو من المتصِل صَريحًا، فإنَّ التَّقدير هنا: حدَّثنا يحيى بْن بُكَير، حدّثنا اللَّيْث، عن عَقيل، عن ابن شِهَاب: أنَّه قال: (أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ)، فيكون الأَوَّل ممّا حدَّث به ابن شِهَاب عن عُروة، والثّاني ما حدَّث به عن أَبي سَلَمة، وإنْ لم تقُم قرينةٌ على البِناء على السَّابق؛ فهو ممّا حذَف البُخاريُّ سنَده فيه لغَرَضٍ؛ لكونه مَعروفًا عن الثِّقات، أو نحو ذلك، وربَّما وصلَه البخاريّ في مَواضع أُخَر. وسيأْتي بَيانُ ذلك في مَواضِعه. والواو في قول ابن شِهَاب: و (أَخبَرني) عاطفة له على ما رَواه أَولًا عن عروة، كأنَّه قال: أَخبَرني عُروة بكذا، وأخبرني أبو سَلَمة بكذا. (وَهُوَ يُحَدِّثُ) جملةٌ حاليةٌ من ضمير جابر، أي: قال جابر في حالةِ تحديثه عن فَتْرة الوَحْي. (بَيْنَا) أصلُه: بَيْنَ، فأُشبعت الفتْحة ألفًا، وهو ظرفُ زمانٍ لازمٍ للإضافة، أُضيف هنا للجُملة الاسمية، وهو يتضمَّن معنى الشَّرطية، فلذلك احتاج لجوابٍ، فإنْ لم يكنْ في جوابه مفاجأَةٌ، ويحتاج

стр. 117

للجَواب ليتمَّ فهو العامِل فيه، وإنْ كان فيه ذلك كما هُنا -وهو الأفْصح خلافًا للأَصمَعي- فالعامِل معنى المُفاجأة، ويَحتاج الجواب ليتمَّ به المعنى حينئذٍ. (إِذْ قلت) هي هنا للمُفاجَأَة تقَع بعد (بيَّنَّا) كما سبَق، وبعد (بَينما) كقوله: فَبَينَما العُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيْرُ وهل هي ظرف زمانِ، أو مكانٍ، أو حرفٌ للمُفاجأة، أو حرفٌ زائدٌ مُؤكِّدٌ؟ أقوالٌ، وعلى الظَّرفيَّة قال ابن جِنِّي: عاملُها الفِعل الّذي بعدَها؛ لأنَّها غير مضافةٍ، وعامل بَينَما وبَينا محذوفٌ يُفسِّره الفِعل المذكُور. وقال السِّيْرافي: (إذْ) مضافةٌ للجُملة، فلا يَعمل فيها الفِعل بعدَها؛ لأنَّ المضاف إليه لا يَعمل في المُضاف، ولا في (بَينما) و (بَينا)؛ لأنَّ المضاف إليه لا يعمل فيما قبْل المُضاف بل عاملُها محذوفٌ يدلُّ عليه الكَلام، و (إذْ): بدَلٌ مِن (بَينما) و (بَينا). (جَالِسٌ) مرفوع خبرًا، ويجوز نصْبه حالًا، والخبر محذوفٌ، أي: حاضرٌ، أو نفْس (إذْ) إذا قُلنا في (إذا) الفُجائية ظرفُ مكانٍ، فقد أجازوا في (خَرجتُ فإذا زيدٌ جالسٌ) الرَّفعْ والنَّصب. (كُرْسِيٍّ) بضم الكاف، وقد يُكسَر، وجمعه: كَرَاسِي بتشديد الياء وتخفيفها، كما في نَظيره من عَوَارِي وسَرَارِي ممّا واحدُه مشدَّد الياء كما قاله ابن السِّكِّيت.

стр. 118

(فرعبتُ) قيَّده الأَصِيْلِي بفتْح الراء وضمّ العَين بمعنى: فَزِعتُ، وغيرُه بضمِّ الراء وكسر العَين على البِناء للمفعول. (زَمِّلُوني) في أكَثر الأُصول مُكرَّرٌ، وفي بعضها مرَّةً، ورواية مسلم: (دَثِّرُونِي)، وهو مُناسِبٌ لقَوله: (فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾)، وقد سبَق تفسيرُه، والجُمهور: أنَّ معناه: المُتَدَثِّر بثيابه، وعن عِكْرمة: المُدثِّر بالنُّبوَّة وأَعبائِها. (﴿فَأَنْذِرْ﴾)؛ أي: حذِّرْ بالعَذاب مَنْ لم يُؤمن. (﴿فَكَبِّرْ﴾)؛ أي: عظِّم ربَّك، ونزِّههُ عمَّا لا يَليقُ به. (﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾)؛ أي: مِن النَّجاسة، وقيل: قَصِّر، وقيل: المُراد بالثّياب النَّفْس؛ أي: طَهِّرْها مِن كلِّ نقْصٍ. (﴿وَالرُّجْزَ﴾) بكسر أوَّله، وقَرأَ عاصمٌ بضمِّه، وفُسِّر هنا بالأَوثان؛ لأنَّ الرِّجْز لُغةً: العَذاب؛ فعِبادتُها سبَب العَذاب، وقيل: الرِّجْز الشِّرْك، وقيل: الذَّنْب، وقيل: الظُّلْم. (فَحَمِيَ) بكسر الميم، أي: كثُر نُزولُه، وازدادَ، كحَمِيَت الشَّمسُ: كثُرت حرارتُها. (وَتتابَعَ) تأْكيدٌ؛ لأنَّه بمعنى: حَمِيَ. قال (ن): قيل: أوَّل ما نَزل من القُرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، وقيل: الفاتحة، والصَّواب ما عليه الجُمهور: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، والقَولان الأَوَّلان باطِلان، ولا يُغترُّ بجلالَة مَنْ نُقلا عنه، ومع كَون الصَّحيح قَول الجُمهور دلائلُه ظاهرةٌ، وأَصرحُها حديث عائشة: (أَوَّلُ ما بُدِئَ

стр. 119

بهِ) إلى: (فقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾)، و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إنّما نَزلتْ بعدَ فتْرة الوَحْي كما في مَواضع من هذا الحديث، وهي قوله: (وهو يُحدِّثُ عَنْ فتْرة الوَحْي) إلى: (فَأنزَلَ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، وقوله: (فَإِذَا الملَكُ الذِيْ جَاءَنِي بحِرَاء)، وقوله: (فَحَمِيَ الوَحْيُ)؛ أي: بعدَ فَتْرةٍ. (تَابَعَهُ عَبْدُ الله)؛ أي: تابعَ يحيَى بنَ بُكَير، ويحيى وعبد الله كلاهما شيخُ البُخاريِّ، وكثيرًا ما يذكُر البُخاريُّ في هذا "الجامع" المُتابَعات، وهذا أوَّل مَوضعٍ منها، والمراد أنَّه ثبَت عنده أنَّ عبد الله تابَع يحيَى في رواية هذا الحديث عن اللَّيْث، ولكنْ لم يَذكُر سنَد المتابع هنا، وقد وصَل ذلك عنه في (المُدَّثِّر) في (التفسير). وتُسمَّى هذه المُتابعة تامةً؛ لأنَّها من أوَّل الإسناد إلى آخِره، فإنْ وقعت المُتابَعة من الأوّل سُميت ناقصةً كما سيأتي أيضًا في هذا الحديث. وأيضًا فالمتابعة إمّا بدُون ذِكْر المتابَع عنه على الرِّواية كما هنا، فإنَّه لم يذكُر أنَّه تابعَه عن اللَّيْث، وتارةً يُذكر كما سيأتي أيضًا، فوقعت الأنواعُ كلُّها في هذا الحديث. (وَأبَو صَالِح) وهو عبد الله بن صالح كاتِب اللَّيْث، ومَن زعَم أنَّه عبد الغَفَّار الحَرَّاني فقولُه ليس بجيِّدٍ، فقد وصَل هذه المتابعةَ يَعقوبُ ابن سُفْيان (١) في "تاريخه"، وغيرُه من طريق عبد الله بن صالح.

стр. 120

(وَتَابَعَهُ هِلَال)؛ أي: تابَع الرَّاويَ عن الزُّهري، وهو بالضَّرورة عَقِيْل الرَّاوي عنه بقرينة قوله: (عن الزُّهري)، فهذه المُتابعة سُمِّي فيها مَنْ تُوبع عنه، وهي أوَّل نوعَي المُتابَعة إلا أنَّها في بعض السَّنَد، فهي ناقصةٌ كما قرَّرناه. وقد قرَّره (ن) هنا كذلك، ولكنه لمَّا ذكر في مقدِّمة الكتاب أنه تارةً يقول: تابعَه مالكٌ عن أَيُّوب، وتارةً: تابعَه مالك ولا يَزيد، فلا يَعرف الثّانيةَ إلا مَنْ يعرف الطَّبَقات، وربما يُوهم المُخالفة من كلامه، لكنْ جوابه أنَّه هنا عُرفت الطَّبَقات بقَرينة المتابع عنده، وهو الزُّهري فلا تَنافيَ بينها. وبالجُملة فمُتابعة هلالٍ وصلَها محمّد بن يحيَى الذُّهْلِي في "الزُّهريات". (وقال يونس) وصلَه البخاريّ في (التفسير). (ومعمر) وصلَه في (تعبير الرُّؤيا)، وفي (التفسير)، ومسلم في (الإيمان). (بَوَادِرُهُ)؛ أي: روَياه عن الزُّهري بهذا اللَّفْظ، وهو جمع: بادِرَة، وهي اللَّحمة الّتي بين المنكِبَين والعُنُق، تَضطَرِب عند فَزَع الإنسان، أي: وهاتان -يعني: الرِّوايتين المتقدِّمتَين عن الزُّهري- متوافقتان إلا في هذه اللَّفْظة. نعَمْ، هذا يصلُح أن يكون متابعةً وأن يكون شاهدًا؛ لاختلاف

стр. 121

لفْظ الرِّوايتين، وتوافُقهما في المعنى، وهو الخَشْية على نفْسه. واعلم أنَّ فائدة المُتابَعة التَّقْوية، ولهذا تقَع بروايةِ مَنْ لا يُحتجُّ بحديثه مُنفرِدًا، والمُتابعة الثّانية إنّما لم تُجعل أصلًا؛ لأنَّ شَرْط البخاريّ كما قال الحاكم -وإنْ لم يُوافِقْه غيره على ذلك-: أنْ يكون عن الصَّحابي راويان، والمُتابَعة النَّاقصة تُشبه التَّعليق. * * * ٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفتيْهِ -فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أحُرِّكهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكهُمَا -فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ- فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]. قَالَ: جَمْعُهُ لَهُ فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]. قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصتْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِي ﷺ كَمَا قَرَأَهُ.

стр. 122

الحديث الرّابع: (يُعَالِجُ)؛ أي: لعِظَم ما يَلقاهُ من الملَك، وهو القَول الثَّقيل كما سبق من قوله: (وهو أَشَدُّهُ عَليَّ)، فإنَّه يقتضي الشِّدَّةَ في الحالَين، وأَحدُهما أَشدُّ. (شِدَّةً) إمّا مفعولٌ به لـ: (يُعالِجُ)، أو مفعولٌ مُطلَقٌ، أي: مُعالَجةً شديدةً. (وَكَانَ مِمَّا يُحَرّكُ)؛ أي: وكان العِلاج ناشِئًا مِن تَحريك الشَّفَتين، أي: مَبدأ العِلاج منه، أو (ما) بمعنى (مَنْ) في كونها للعاقِل، أي: مِمَّنْ يُحرِّك. واعلم أنَّ لفْظ (كان) في مثْل هذا يُفيد التَّكرار والاستِمرار. وقال (ع): معناه الكثْرة، وقيل المَعنى: مِن شأْنه، ودَأْبه ذلك. (فَقَالَ ابْنُ عبَّاس): هو وما بعدَه اعتراضٌ إلى قوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ)، عطْفًا على: (كان يُعالِجُ)، ونحوه في الجُملة المُعترضة قول الشَّاعر: فاعلَمْ وعِلْمُ المَرءِ يَنفَعُهُ ... أَنْ سَوفَ يَأْتِيْ كُلُّ مَا قُدِرَا (فَأَنا أُحَرِّكهُمَا) تقديمُ (أنا) على الفِعل يُشعِر بتقْوية الفِعْل، ووُقوعه لا مَحالةَ. (لك) في بعض النُّسَخ: (لكُم). (كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) لم يقُل فيه كما قال في الّذي بعدَه كما رأَيتَ؛ لأنَّ ابن عبَّاس لم يُدرِك ذلك، بل صحَّ عنده أنَّه ﷺ فعَل ذلكَ؛

стр. 123

لأنَّه في أوَّل البِعْثة لم يكُن وُلد. (يُحَرِّكهُمَا) لا يُنافي هذا ما في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]؛ لتَلازُم التَّحريكَين غالبًا، أو لأَنَّ تحريك الفَمِ وهو مشتمِلٌ على اللِّسان يصدُق على تحريك الشَّفَتين وتَحريك اللِّسان. وفيه أنَّه يُستحبُّ للمُعلِّم أن يُرِيَ المتعلِّمَ صُورةَ الفِعْل إذا كان فيه (١) زيادة بيانٍ على ذكْره بالقَول. وفيه ما يقُوله المُحدِّثون من التَّسلسُل، وهو هنا مُسَلْسَلٌ بالتَّحريك، لكن في طبقَات الصَّحابة والتابعِين لا فيمَن بعدَهم. (فَأَنْزَلَ اللهُ) عطْفٌ على (كانَ يُعالِجُ). (قال)؛ أي: ابن عبَّاس في تفسير جَمْعه الواقع في الآية: أنَّ المعنيَّ بذلك: (جَمْعُهُ لَك فِي صَدْرِكَ)، وهذه رواية أبي ذَرٍّ، بسُكون الميم في (جَمْع)، أي: إنَّ علَينا أن نجمَعَه لكَ. (ويقرأه)؛ أي: قالَه ابن عبَّاس أيضًا في تفسير: (وقُرآنَه)، فيكون المُراد بالقُرآن القِراءة لا المَقروء؛ فإنَّ القُرآن هو القَول المُنزَّل على محمد ﷺ للإِعجاز، ورواه الأَصِيْلِي: (جَمْعَه لكَ في صَدْرِكَ) بسُكون (جمْع) أيضًا مَصْدرًا، و (صَدرك) فاعلٌ به، ورواه غيره: (جَمَعَه) بفتح الجيم، والميم على أنَّه فِعْلٌ أيضًا، وصَدْرك فاعِلٌ به أَيضًا، ونِسْبة الجَمْع للصَّدر في هاتين الرِّوايتَين مَجازٌ عَلاقتُه الظَّرفيَّة؛

стр. 124

إِذ الصَّدْر ظَرفُ الجَمْع، فيكون مثلَ: أَنبَتَ الرَّبيعُ البَقْلَ. قال أبو الفُتوح: والمعنى: أنَّه ﷺ كان يُحرِّك شفَتَيه بما يَسمعُه من جِبْريل قبْل إتمامه استِعجالًا لحِفْظه، واعتِناءً بتلْقينه، فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾، أي: بالقُرآن ﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧] في صَدْرِك، وبنحو ذلك فسَّره في "الكشاف"، وفي معناه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]. (فإذا قرأناه)؛ أي: فإذا فَرغ جِبْريل مِن قِراءته فاتَّبعْ قُرآنَه. (فاستمع) هو تفسيرُ (اتَّبعْ)؛ أي: لا يكُون قِراءتُك مع قراءته بل متَّاخِّرةً عنها، والاستِماع افْتِعالٌ يقتضي تصرُّفًا بخِلاف السَّماع نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ لأن الشَّرَّ لمَّا كان فيه سَعْيٌ أتَى بالافتِعال. قال (ك): ولذلك قال الفُقهاء: يُسنُّ سَجدةُ التِّلاوة للمُستمع لا للسَّامع. قلتُ: هذا وَجْهٌ جرَى عليه الرَّافعيُّ في "المُحرَّر"، وصاحِب "الحاوي الصَّغير"، لكنَّ الأَصحَّ المنصوص عليه في "البُوَيْطِي": يُسَنُّ للسَّامع أيضًا وإنْ كان للمُستَمع آكَدُ؛ لعُموم: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، وفي بعض الأَحاديث ما يَدلُّ للعُموم أيضًا. (وَأنصِتْ) بهمزةِ قطْعٍ مفتوحةٍ؛ مِن أَنصَتَ، وهو الأَكَثَر، وبهمزةِ

стр. 125

وصلٍ إذا ابتُدِئَ به، ويُحذَف في الدَّرْج، فإنَّ (نَصَتَ) لُغةٌ فيه أيضًا. (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نقرَأَهُ)؛ أي: مرةً بعد أُخرى، وقيل المُراد: عَلينا بَيانُ مُجمَله، وشَرْح مُشكِلِه. ففيه دليلٌ على الرَّاجِح في الأُصول في تَأْخير البَيان عن وَقْت الخِطاب لكنْ لا عنْ وقْت الحاجَة؛ لأن (ثُمَّ) للتَّراخي. (كَمَا قَرَأَهُ) الهاء للقُرآن، وضمير الفاعِل عائدٌ إلى جِبْريل، وفي بعض النُّسَخ: (قَرَأَ) بحذْف المفعول. ومُناسبة هذا الحديث للتَّرجمة ما فيه مِن بَيان حالهِ في ابتِداء الوَحْي. * * * ٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونسٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونسٌ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيح الْمُرْسَلَةِ. الحديث الخامس (م، س): وفي سنَده تحديثُ ابن المُبارَك عن اثنَين كلاهما عن الزُّهري بخِلاف تحديث عَبْدَان، فإنَّ فيه ابن المُبارَك عن واحدٍ عن الزُّهري.

стр. 126

ويُوجَد في بعض النُّسَخ قبْل هذا صُورة (ح) -أَي: مُهملةٍ- إشارةً إلى ابتِداءِ إسناد آخَر، إمّا لأنَّها حاءُ التَّحويل، ويَنطِق بها القارئُّ حذَرًا مِن تَوهُّم تركيب الإسنادَين واحدًا، وإما لأنَّها حاءُ الإحالَة بين السَّنَدَين، وإما رَمْزٌ للحديث؛ فإنَّ أَهل المَغرِب إذا وَصَلُوا إليها يقُولون: الحديث، وإما لأنَّها حاء: صَحَّ، وكثيرٌ يُثبتون مَوضِعَها صَحَّ. قال (ن): وهذه الحاء كثيرةٌ في "مسلم"، وقَليلةٌ في البُخاري. (أَجْوَدَ النَّاس)؛ أي: أَسخَاهُم، فهو أكَمَل النَّاس شَرَفًا، ومِزَاجًا، وشَكْلًا، وخُلُقًا، وغير ذلك، فيكُون أحسنَهم فِعْلًا لا سِيَّما وهو مُستغْنٍ عن الفَانِيَات بالباقيات الصَّالحات. (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) الأَشهَر رفْع (أَجْوَد)، قال (ن): وأَصَحُّ، ويجوز النَّصب، فأَما الرَّفع فمِن وُجوهٍ: أحدها: أنَّ في اسم (كان) ضميرَ [النبيِّ ﷺ ، و (أَجوَد) مبتدأٌ مضافٌ للمَصدر المُؤوَّل المَسبُوك مِن (ما) المَصدريَّة والفِعْل، أي:] أَجوَدُ أكوانِه، و (في رمضان) خبَره، أي: حاصلٌ له، والجُملة: خبر (كانَ). ثانيها: كذلك إلا أنَّ خبَر المبتدأ محذوفٌ سدَّ الحالُ مَسدَّه، وهي: (في رمَضان)، أي: حاصِلٌ فيه، فهو على حدِّ: ["أَقْرَبُ ما يكُون العَبْد مِنْ ربِّه وهُو ساجِدٌ"] (١)، وأَخْطَبُ ما يكُون الأَميرُ قائِمًا.

стр. 127

ثالثها، ورابعها: كالوجهَين السَّابقَين إلا أنَّ اسم (كانَ) ضميرُ الشَّأْن. خامسها: إنَّ الضَّمير للنبيِّ ﷺ ، وهو اسمُ (كان)، و (أَجوَد): بدَلُ اشتِمالٍ منه. سادسها: تُقدر في الكَلام (وقْت)، كما في نحو: جاءَكَ مَقدَمَ الحاجِّ، أي: وقْتَ قُدومه، والتَّقدير هنا: كانَ أَجوَدُ أَوقَاتِ أكوانه وقْتُ كَونهِ في رمَضان، وإسناد الجُوْد إلى أَوقاته على سَبيل المَجَاز للمُبالغة، كما في إِسنَاد نحو: نَهارُه صَائِمٌ. وأمّا النَّصب فعلى أنَّه خبَر (كانَ)، لكنْ لا بإِضافتها لمَا بعدَها بل تكُون: (ما) مَصدريَّةً وقْتيَّةً، أي: كانَ أَجوَدَ مُدَّةَ كَونه في رمَضان، أي: أَجود ممّا هو في غيره، وإنْ كان جُودُه دائمًا؛ لأنَّ رمضان مَوسِمُ الخَير، واللهُ تعالى يتفضَّل فيه على عِباده، فهو مُتابعٌ سُنَّةَ اللهِ في ذلك، أو لأنَّه يُلاقي البشَر بملاقاةِ أَمين الوَحْي، فيَشكُر الله بالإنْعام على عِباده، ويُحسِن إليهم كما أَحسَن إليه، ولأنَّه يُناجي ٧ الرَّسُول، وهو جِبْريل، فيُقدِّم بين يدَي نَجْواه صدَقة، وهذا وإنْ كان نُسِخ فالنَّسخ للوُجوب لا يَلزَم منه نسخ الجَواز ولا الاستِحباب. (حِينَ يَلْقَاهُ) في مَوضع حالٍ، فإنْ جُعل ما قبلَه حالًا؛ فهو من تَداخُل الحالِ؛ لأن الثّانية مِن شيءٍ في الأُولى، فهي حالٌ من حالٍ. ثمّ يحتمل أنَّ الضَّمير البارِز لجِبْريل ﵇، والمُستَتِر

стр. 128

-وهو الفاعل- للنبيِّ ﷺ ، ويحتمل العَكْس. (فَيُدَارِسُهُ) مُتعدٍّ لمفعولَين ثانيهما القُرآن؛ لأن المُفاعَلة في المتعدِّي لواحدٍ تُصيِّرُه متعدِّيًا لاثنَين كجَاذَبْتُه الثَّوبَ، والمعنى: أنَّهما يَتساوَيان قِراءةَ القُرآن كما في عادَة القُرَّاء، هذا يَقرأُ، وهذا يَقرأُ. ويحتمل أنَّهما يَقرآن معًا، فيكُون دليلًا على مِثْله في القِراءة، والدَّرْس القِراءة بسُرعةٍ. وفائدة ذلك تَعليم جِبْريل للرَّسول ﷺ تجويدَ اللَّفْظ، وتصحيحَ إخْراج الحُروف من مَخارجها، وتعليمهما للأُمة كيف يُقرِؤون التلامِذةَ. (فَلَرَسُولُ الله) بفتح اللام الأُولى؛ لأنَّها لام الابتِداء، تُزاد للتأْكيد، أو جَوابٌ لقسَمٍ مُقدَّرٍ. (بِالْخَيْرِ) عامٌّ في جميع أَنواعه، فقد كان يَجود على كلِّ حالٍ بما يحتاجه. (المرسلة) بفتح السين، لأنَّه أَجود منها في عُموم النَّفع، والإِسْراع فيها إمّا على الإِطْلاق، واللام فيها للجِنْس، أو بالرَّحمة فللعَهْد، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وكذا: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]، على بعض التَّفاسير، فالرِّيح مُنتشِرةٌ في سائر الأَقْطار لإحياء الأَرض، وجُودُه ﷺ مُنتَشِرٌ في الخلْق لإحياء القُلوب. ثمّ في الحديث تخصيصاتٌ بالتَّرقِّي، فهو أَجوَدُ النَّاس مُطلَقًا، ثمّ

стр. 129

أَجوَدُ في رمَضان، ثمّ أَجوَد عند لِقَاء جِبْريل. قال (ن): وفي الحديث من الفَوائد الحَثُّ على الجُود، وزيادتُه في رمَضان، وعند الاجتِماع بالصَّالحين، وزِيارةُ أُولي الفَضْل ومُجالسَتُهم، وتَكريرُ ذلك إذا لم يَكره المَزُور ذلك، وكَثْرةُ تلاوة القُرآن في رمَضان، وغيرِه من العُلوم الشَّرعية، وأنَّه يُقال: (في رمَضان) من غير ذِكْر: (شَهْر)، وأنَّ القِراءة أفضَل من التَّسبيح وسائر الأَذْكار؛ إذ لو كان ذلك أفضَل من القِراءة أو مُساوِيًا لها لفَعَلاه، ولا يُقال: إن ذلك كان لتَجْويد الحِفْظ؛ لأنَّ الحِفْظ كان حاصِلًا، والزِّيادة فيه تحصُل ببعض هذه المَجالِس. * * * ٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نافعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أخبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكبٍ مِنْ قُرَيْشٍ -وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّامِ- فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبَيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أُدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ

стр. 130

هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَوَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نعمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ، قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ، فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ

стр. 131

كُنْتُمْ تَتَّهِمُونهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ كُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ، وَ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ

стр. 132

اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] ". قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإسْلَامَ، وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأمِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمن يَختَتِن مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إلا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنهمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ، ثُمَّ كتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أتاهُ كتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ نبَيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءَ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ!

стр. 133

هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُم فتبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كيْسَانَ ويُونسٌ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. الحديث السادس (م د س ت): الإتْيان فيه أوَّلًا بلفْظ: (حدَّثنا)، وثانيًا: (أَخبَرنا)، وثالثًا: (عَنْ)، ورابعًا: (أخبَرني)؛ إمّا للفَرْق بينها، وإما لحكايةِ الواقع، وإما لأن الكلَّ جائزٌ إذا قُلنا: لا فَرْقَ. (هِرَقْل) بوَزْن (دِمَشْق) على المشهور، ويُقال: زِبْرِج، وهو غير منصرفٍ؛ لأنَّه علَمٌ أعجميٌّ اسمٌ لملِك الرُّوم يومئذٍ، ملَكَ إحدى وثلاثين سنةً، وفي زمَن مِلْكه مات النبيُّ ﷺ ، ولقَبه: قَيْصَر. قال الشَّافعي ﵁: كما يُقال على أَمِيْر المُؤمنين، فكلُّ مَنْ ملَك الرُّوم يُلقَّب بذلك، نحو: كِسْرَى لمن ملَكَ فارِس، والنَّجَاشيُّ لمَن ملَك الحبَشة، وخَاقَان لمَنْ ملَك التُّرْك (١)، وفِرعَون لمَنْ ملَك القِبْط، والعَزِيْز لمن ملَكَ مِصْرَ، وتُبَّع لمن ملَكَ حِمْيَر، كذا قال (ك). وقال غيرُه: فِرْعَون لمن ملَكَ مِصْر والشَّام، فإنْ أُضيف إليهما

стр. 134

إِسكَنْدرَّية سُمي العَزِيْز، ويُقال: المُقَوْقِس. قلت: وهذا بناءً على أنَّ العَزيز في قِصَّة يوسف ﵇ كان مَلِكَ مِصْر، أَمَّا إذا قُلنا: إنَّه كان الوزير، أو صاحب الخَزائن، واسمه: قطفير، وأنَّ الملِك الرَّيَّان بن الوَليْد مِن العَمالِقَة، أو أنَّ اسمه فِرْعَون، إمّا فِرْعَون مُوسَى، أو الّذي مِن نسله، فلا يُقال ذلك له. وبقِيَ عليه أيضًا بَطْلِيمُوس لمن ملَكَ اليُونان، والفِطيون لمن ملَكَ اليهود أو مَالِخ، والنُّمْرُود لمن ملَك الصَّابئة، والإِخْشِيْد لمن ملَك فَرْغانَة، والنُّعمان لمن ملَك العرَب مِن قِبَل العَجَم، وجَالُوت لمن ملَك البَربَر. (فِي رَكبٍ) جمع: راكِبٍ كتَجْر جمع: تَاجِر، وهم أَصحاب الإبِل العشَرة فما فوقَها، ومحلُّه النَّصب على الحال، أي: أَرسَل إليه كونَه في رَكْبٍ؛ لأنَّه أَميرُهم، وأرسلَ إليهم في شَأْن الرَّكْب وطلبَهم إليه. (قُرَيْشٍ) ولَد النَّضْر، وقيل: فِهْر، وقيل غير ذلك، سُمُّوا قُريشًا من القَرْش، وهو الكَسْب والجَمْع؛ لتكسُّبهم أو لتجمُّعهم بعد التَّفرُّق. وقيل: بدابَّة البحر تُسمَّى القِرْش تَأْكُل ولا تُؤكَل، وتَعلُو ولا تُعلى، والتَّصغير فيه للتَّعظيم، وهو منصرفٌ على الأصح الوارِد في القُرآن على إِرادة الحَيِّ، وقد يُمنَع على إرادة القَبيلة. (تُجَّارًا) بضمِّ أوله وتشديد ثانيه، وبكسْره وتَخفيفِ ثانيهِ: جمع: تاجِر، كعُذَّال وصُحَّاب جمع: عاذل وصاحِب.

стр. 135

(بِالشَّأمِ) متعلِّق بـ (تُجَّارًا)، أو بـ (كانوا)، أو هو صِفةٌ بعد صِفةٍ لـ (رَكْبٍ). والشَّأْم -بفتح الشِّين والهمْزة- كرَأْس، وتُخفَّف بتركها، ولغةٌ ثالثةٌ بفتح الشِّين والمدِّ، وهو مُذَكرٌ، وقال الجَوْهَري: يُذكَّر ويُؤنَّث، وهو اسْمٌ للإِقْليم المعروف مِن العَرِيْش إلى الفُرات، ومِن أَيْلَة إلى بحر الرُّوم، وهو دِيار الأَنْبياء، دخلَه نبيُّنا ﷺ قبْل النُّبوَّة مرَّتين: مرةً مع عمِّه أبي طالب وهو ابن اثنتَي عشْرة سنةً حتّى بلَغَ بُصرَى، ولَقِيَه الرَّاهب، فالتَمَسَ من عمِّه أن يردَّه إلى مكَّة، ومرةً في تِجارةِ لخديجة إلى سُوق بُصرَى، وهو ابن خمسٍ وعشرين سنةَ، وبعد النُّبوَّة مرةً ليلةَ الإِسراء، ومرةً في غزوة تَبُوك. (مَادَّ) بتشديد الدال: فعلٌ ماضٍ من المُفاعَلة، وهو الاتِّفاق على مُدَّةٍ، مأْخوذةٌ من المَدِّ، أو من المُدَّة، والمراد صُلْحه بالحُدَيْبِيَة في السّادسةِ عشْرَ سنينَ، ثمّ نقضَ أهلُ مكَّة الصُّلْح بقِتالهم خُزَاعَة حُلَفائه ﷺ ، وكان ذلك سبَبًا لفتْح مكّة. (وَكُفَّارَ) قال (ش): مفعولٌ معه، وفيه نظَرٌ؛ فالعطْف فيه ظاهرٌ من عطْف عامٍّ على خاصٍّ للتَّشارُك في العامِل. واعلم أنَّ مُناسَبة الحديث لترجمة (بَدْء الوَحْي): أنَّ أبا سُفْيان ذكَر مَنْ اتبعَه في بَدْء نُبُوَّته وهلُمَّ جَرًّا، وهذا كافٍ مع انضِمامه لمَا في الباب صَريحًا.

стр. 136

(فأتوه) الفاء فَصيحةٌ، وهي العاطفة على مقدَّرٍ، أي: أرسلَ إليه، فجاءَ الرَّسُول، فطَلَب أن يأْتُوه، فأَتَوه على حَدٍّ: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣] الآيةَ، أي: فضَرَبَ فانفَجَرتْ. (إِيلِيَاءَ) بوَزْن: كِبْرِياء، وحَكى البَكْريُّ القَصْر، وحكَى في "المطالع" ثالثةً بحذْف الياء الأُولى بوَزْن: إِعْطاء، ومعناه: بيْت الله، والمُراد: بيْت المَقدِس. قلتُ: وفي "جامع الأُصول" رابعةٌ: إِيْليَّاء بتشديد الياء الثّانية. (فِي مَجْلِسِهِ)، المُراد: دَعاهم وهو في مَجلسه، أي: محلِّ حُكمه، وإلا فـ (دعا) يتعدَّى بـ (إلى) نحو: ﴿يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، أي: لم يَدعُهم في خَلْوةٍ ولا في الحرم ونحوه، فحُكي أنَّه دَعاهُم وهو في مَجلِس مُلْكه وعليه التَّاج. (حَوْلَهُ) نصب على الظَّرفيَّة، ويُقال فيه: حَوَالَيهِ، وحَولَيهِ، وحَوالَه، الكُلُّ بمعنًى. (الرُّومِ) اسمٌ للجِيْل المعروف، قال الجَوْهَري: هم ولَدُ الرُّوم بن عيصو، أي: فغلَب عليهم اسمُ أبيهم. (تَرْجُمَانه) بفتح التاء، وضم الجيم، وقد تُضمُّ التاء إتْباعًا لها، والتَّرجُمان هو المفسِّرُ لُغةً بلغةٍ، قيل: فالتاء حينئذٍ أَصليَّةٌ، مُعرَّبٌ، وقيل: عرَبيٌّ، مأْخوذٌ من تَرجيم الظَّنِّ، فوَزْنه: تَفْعُلان، أو مِن الرَّجْم بالحِجارة؛ لأنَّ الخِطاب يُرمى، أي: كما يُسمَّي النُّطْق لَفْظًا.

стр. 137

وحكى الجَوْهَري فتْح الجيم بوَزْن: زَعْفَران، وفي نُسخةٍ: (دَعَا بالتَّرجُمان)، فالباء حينئذٍ زائدةٌ للتَّوكيد كما في: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وإلا فـ (دَعا) مُتعدٍّ بنفْسه. قلتُ: ويجوز أن يكون على تَضْمين (دَعَا) معنى: استَعانَ. (فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ) الفاء أيضًا فَصِيحةٌ، أي: فقال للتَّرجُمان: قُل: أَيُّكُمْ أَقْرب، فقال التَّرجُمان ذلك. وصِلَة أَفْعل التفضيل محذوفةٌ؛ لأنَّه بلا إضافةٍ، ولا ألفٍ ولامٍ، والتقدير: أَيُّكُمْ أَقْرب إليه ﷺ من غيره. ووَجْه سُؤاله ذلك أنَّ الأَقْرب أعلَمُ بحاله، وأَبعَدُ من الكَذِب في نسَبه (١)؛ لئلا يكون قد جاءَ في نسَب نفْسه. وأبو سُفْيان هو: ابن حَرْب بن أُميَّة بن عبْد شَمْس بن عبد مَنَاف جَدِّ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه ابن عبد الله بن عبد المطَّلِب بن هاشِم بن عبد مَنَاف. قال أبو سُفْيان: لم يكُن في الرَّكْب من بَني عبد مَناف غَيري. (عِنْدَ ظَهْرِهِ)؛ أي: ليَكُون أهوَنَ عليهم في تكْذيبه؛ لأنَّ مُقابلته بذلك في وجْهه صعبةٌ. (كَذَبَنِي) بتخفيف الذَّال، أي: نقَل إليَّ الكَذِب. قال التَّيْمِي: هو مُتعدٍّ لمفعولَين، تقول: كذَبتُه الحديثَ كما في

стр. 138

صَدَق، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ [الفتح: ٢٧]، وهو من الغَرائب أن يكون بالتخفيف مُتعدِّيًا لاثنين، وبالتَّشديد لواحدٍ. (يَأثِرُوا) بضم المُثلَّثة، وعليه اقتصَر (ع)، وبكسْرها، أي: يَرْوُوا. (عَلَيَّ)؛ أي: عنِّي؛ لأنَّ (أثَر) يتعدَّى بـ (عَنْ)، والمعنى: لولا الحياء من أنَّ رِفْقَتي يَروُون عني أني كذَبتُ -وهو قبيحٌ- فأُعابَ به، ولو كان على عَدُوٍّ؛ فإنَّه في الجاهلية قبيحٌ أيضًا، حتّى قيل بقُبحه عقلًا لكنْ لا دليلَ في هذا عليه؛ لاحتمال قُبْحه عُرفًا، أو من الشَّرع السَّابق. (لكذبت عنه)؛ أي: لأَخبرتُ عنه بكذِبٍ؛ لبُغضي إيَّاه ومحبَّتي نقْصَه، أو أنَّ (عن) بمعنى (على)، أي: لكذبتُ عليه، ويُروى بذلك. (أَوَّلَ) بالرفْع اسم (كان)، وخبره (أن قال)، ويجوز عكْسُه. (قَطُّ) بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومةً على الأَشهَر، وبضمِّهما، وبفتح القاف وتخفيف الطاء، وبضمِّ القاف مع التَّخفيف، ولا يُستعمَل إلا في ماضٍ منْفيٍّ، أو ما في معناه كالاستِفهام هنا. (قَبْلَهُ) في روايةٍ: (مِثْلَهُ)، فيكون نصبُه على البَدَل من هذا القَول. (مِنْ ملك) بفتح ميمِ (مَنْ) مَوصولًا، وصِلتُه جملة (ملَكَ) الّتي هي فعْلٌ ماضٍ، وفاعله مُستَتِرٌ، وبكسر (مِن) حرف جارٌّ لما بعدَها، و (مَلِكٌ) صفةٌ مشبَّهةٌ في الأصل.

стр. 139

(فَأَشْرَافُ النَّاسِ)؛ أي: كِبارُهم وأَهْل الأَحساب. (سَخْطَةً) بفتح السين، أي: كراهةً، ويُروى: (سُخْطًا) بضم السين، ونصبُه على أنَّه مفعولٌ لأَجْله. (إِيَّاهُ) فيه فَصْل الضَّمير مع إمكان وَصْله. (يَغْدِر) بكسر الدال، أي: يَنقُض العهدَ، ولا شكَّ أنَّ الغَدر مذمومٌ. (لَا نَدْرِي) إشارةٌ إلى عدَم الجزْم بغَدْره. (قَالَ)؛ أي: أبو سُفْيان. (ولم تمكني) بالتاء، أو الياء؛ لأنَّ تأنيث الكلمة مجازيٌّ. (كَلِمَةٌ) فيها ثلاث لُغاتٍ مشهورة، ثمّ هو من إِطْلاق الكلِمة على الجُملة، والمراد: لم تُمكِنِّي جُملةٌ أُدخل فيها شيئًا أنتقصُه به (غَيْرُ هَذ الْكَلِمَةِ)؛ أي: هذه الجُملة، فيجوز نصب (غير) صفةً لـ (شيئًا)، ورفعُه صفةً لـ (كلمة)، وإنّما جاز ذلك -وهما نكرتان، وغير مضافةٍ لمعرفةٍ- لأنَّها لا تتعرَّف بالإضافة إلا عند توسُّطها بين المتغايرَينِ. قلت: لكن هذا مذهب ابن السَّرَّاج، والجُمهور على خِلافه كنحو: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، تُعرَب بدلًا من (الذين)، أو صِفةً له تَنْزيلًا للمَوصول مَنْزلة النَّكرة، فجازَ وصفُه بالنَّكَرة. (قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ) هو أَفْصح مِن (قِتَالِكُمُوهُ) بالاتصال. (سِجَالٌ) بكسر السِّين: جمع سَجْل، وهو الدَّلْو الكَبير؛ لأن

стр. 140

المُتحارِبين كالمُستَقِين، يَستقي هذا دلوًا، وهذا دلوًا. وسُوِّغ الإخبارَ به عن مُفردٍ -وهو الحرب- لأنَّ اللام في الحرب للجِنْس، أي: الحُروب بيننا وبينه يُشبه السِّجال، نَوبةٌ لنا، ونَوبةٌ له، كما قال: فيَومٌ عَلَيْنا وَيومٌ لَنَا ... وَيومٌ نُسَاءُ وَيومٌ نُسَرّ (ونَنَالُ)؛ أي: نُصيبُ. قلتُ: كان شيخنا البُلْقِيْني يقول: هذه الكلمة أيضًا فيها دَسِيْسةٌ؛ لأنَّهم لم يَنالُوا من النّبيِّ ﷺ قطُّ، وغايةُ ما في أُحُد أنَّ بعض المقاتلين قُتل، وكانت العِزَّة والنُّصرة للمؤمنين. (يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ) إلى آخِر الأمور الثّلاثة، وهي بمعنًى لكنْ بالَغ فيها لأنَّها أَشدُّ الأشياء عليه، والإبْعاد منها أهمُّ عنده، أو أنَّه فَهِم أنَّ هِرَقْل من الذين يقُولون من النَّصارى بالإِشْراك، فَأَراد تَنْفيره من دِين التَّوحيد. (وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ)؛ أي: الّتي هي أُمُّ عِبادات البدَن مُفتَتحةٌ بالتَّكبير مُختَتمةٌ بالتَّسليم. (وَالصِّدْقِ) هو المُطابِق للواقِع. (وَالْعَفَافِ) بفتح العين: الكَفِّ عن المَحارِم، وخارِم المُروءَة. (وَالصِّلَةِ)؛ أي: صِلَة الرَّحِم، وكُلِّ ما أَمر الله به أن يُوصَل بالبِرِّ والإكرام والمُراعاة ولو بالسَّلام والترحم.

стр. 141

قيل: يَشمَل المَحرَم وغيره، وقيل: يختصُّ بالمَحرَم حتّى يَخرُج ولَد العَمِّ. وفيما ذكَر من الأَربعة: تمام مَكارم الأَخلاق؛ لأنَّ الفَضيلة إمّا قوليةٌ، وهي الصِّدْق، أو فِعْليَّةٌ مُتعلِّقةٌ بالله تعالى وهي الصّلاة، أو بنفْسه وهو العِفَّة، أو بغيره وهو الصِّلَة، وأيضًا ففي (لا تُشركوا)، و (اتركوا) التخلِّي من الرَّذائل، والأمر بالصلاة، وكذا التحلِّي بالفَضائل، فالحاصل أنَّه يَأْمر بالكَمالات، ويَنهى عن النَّقائص. (وكَذَلِكَ الرُّسُلُ)؛ أي: يكُونون أَفضَل القَوم وأشرفَهم؛ لأنَّ مَنْ شَرُف نسَبه كان أَبعَدَ من انتِحال الباطِل، وأقْربَ لانقياد النَّاس إليه. (يَأْتَسِي) بهمزةٍ بعد الياء، بوزْن: يَفْتَعِل، وفي روايةٍ: (يَتأَسَّى) يَتَفَعَّل، ومعنى كلٍّ منهما: يَقتدي، وَيتبَع. (أَتْبَاعُ الرُّسُلِ)؛ أي: لأنَّ الأَشراف يأْنَفون من تقدُّم مثْلهم عليهم، والضُّعَفاء لا يأْنَفُون، فيُسرعون إلى الانقِياد واتِّباع الحقِّ، وهذا بحسَب الغالب، وإلا فكان فيهم الأَشْراف كالصِّدِّيق ﵁ وغيره، أما في الأَواخِر فلا يأْنف الأَشراف بل يَفتخِرون. (أَيَرْتَدُّ) حِكْمة هذا السُّؤال أنَّ مَنْ دخَل على بَصيرةٍ في أَمْرٍ محقَّقٍ لا يَرجع بخلاف مَنْ دخَل في باطلٍ، لا يُقال: فقد ارتَدَّ بعضُ مَنْ آمَنَ؛ لأنَّ وُقوع ذلك لمن لم يكُن في أَوائل الأمر، أو ليس لبُغْض الدِّين بل لمعنًى آخَر كحُبِّ الرِّياسة.

стр. 142

(بَشَاشَه)؛ أي: الإسلام، وهو بفتح الباء، والمعجمة بمعنى: انشِراحه ووُضُوحه، مصدر: بَشَّ إذا انشَرحَ، وسُرَّ. (الْقُلُوبَ) مفعولٌ، ويُروى: (بَشَاشةَ القُلوبِ) بالإضافة، فـ (بَشاشَة) مفعولٌ، والفاعل ضمير الإيمان، أي: يُخالطُ الإيمانُ انشِراحَ الصُّدور. (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ) لطلَبهم الآخِرة، ومَن طلَبَها لا يَرتكب غَدْرًا ولا غيره من القَبائح بخلاف طالِب الدُّنيا، فإنَّه لا يُبالي بالغَدْر ونحوه ممّا يُتوصَّل به إليها. (بِمَا يَأْمُرُكُمْ) هو من القَليل في إِثْبات أَلِف (ما) الاستفهامية عند دُخول الجارِّ عليها. (فَذَكَرْتَ أنَّه يَأْمُرُكُمْ) لم يقُل هِرَقْل كما قال أبو سُفْيان، يقول: (اعبُدوا الله) إلى آخره؛ تعظيمًا للرَّسول وتأَدُّبًا، ولهذا قال أوَّلًا: (ماذا يأْمرُكم؟). (وَلَا تُشْرِكُوا) إنّما أَدخلَه في المَأْمُور وهو منْهيٌّ؛ لأنَّ ضِدَّه وهو التَّوحيد مأْمورٌ به في الشَّرع، والنهي عن الشيء أمرٌ بضِدِّه، والمَطلُوب في النَّهي الكَفُّ، وهو داخلٌ تحت القُدرة، فلا يُقال: كيف يُؤمَر بعَدَم الشِّرك، والعدَمُ غيرُ مقدورٍ؟ (وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ) إنّما تعرَّض له هِرَقْل لذلك، وإنْ لم يقَع في لفْظ أبي سُفْيان؛ لأنَّه من لازم قوله: (وَحْدَه)، ومِن (لا تشرِكوا

стр. 143

به)، ومِن: (واتركُوا ما يقُول آباؤكم)، والذي يقوله آباؤهم هو الأمر بعِبادة الأَوثان، وإنما ترَك الصِّلَة وهي موجودةٌ في كلام أبي سُفْيان؛ لدُخولها في العَفاف؛ لأنَّه الكَفُّ عن المَحارِم، وخَوارِم المُروءة. فإنْ قيل: لِمَ لم يراعِ هِرَقْلُ الترتيبَ السَّابقَ بل قدَّم سُؤال الاتهام على سُؤال الأَتْباع، والزِّيادة، والارتداد؛ قيل: لأنَّ الواو ليست للتَّرتيب، أو لشِدَّة اهتمامه بنَفْي الكَذِب على الله تعالى. فإنْ قيل: السُّؤال من أَحدَ عشَر وَجْهًا، والمُعاد في كلام هِرَقْل تسعةٌ، وأَسقط السُّؤال عن القِتال، وعن كيفيَّته. قيل: لأن مقصودَه بيانُ علامات النُّبوَّة، وأَمْر القِتال لا دَخلَ له فيها إلا بالنَّظَر للعاقِبَة، وهي إذْ ذاك مُغيَّبةٌ، أو أنَّ الرَّاوي اكتفَى بذلك هنا، وذكَره في حديثٍ آخَر كما رواه البخاريّ في (الجهاد)، في (باب دُعاء النّبيّ ﷺ للإسلام)، وفيه: (وسألتُكَ هل قاتَلتُموهُ وقاتلَكُم؟ فَزعمتَ أن قد فعَل، وأنَّ حَرْبكم وحَرْبه تكُون دُوَلًا، وكذلك الرُّسُل تُبتلَى، وتكون لها العاقِبَة)؛ أي: وحِكْمة هذا الابتِلاء عِظَم أَجْرهم بكثْرة صبرهم، وبذْلهم وسَعْيهم في طاعته تعالى. (كُنْتُ أعلم) مَأْخذه إمّا من القَرائن العقليَّة، وإما مِن الأحوال العاديَّة، وإما من الكتُب القديمة. (أَخْلُصُ)؛ أي: أَصِلُ. (لَتَجَشَّمْتُ) بجيمٍ، ثمّ معجَمةٍ (١)، أي: تكلَّفْتُ لمَا فيه من

стр. 144

مَشقَّةٍ، ورواه مسلم: (لأَحْبَبْتُ). قال (ع): والأوَّل أَوجَه؛ لأنَّ الحُبَّ للشيء لا يصُدُّ عنه؛ إذ لا يُطَّلع عليه، وإنّما يصُدُّ عن العمَل الّذي يظهَر، فلا يملك في كلِّ حينٍ، ومُراده: لو كُنتُ أتيقَّن الوُصولَ إليه لتكلَّفتُ ذلك لكني أَخافُ أن يَعُوقني عنه عائقٌ، فأَكونَ قد تركتُ مُلْكي، ولم أَصِلْ إلى خِدمته. واعلم أنَّه لا يُحكم بإيمان هِرَقْل بما ذُكر ولا بما يُذكر بعد ذلك؛ لأنَّه قد قال: (قلتُ مَقالتي آنفًا أختبرُ بها شِدَّتكم على دينكم)، فعُرف أنَّه لم يصدُر منه ذلك عن تصديقٍ قلبيٍّ، واعتقادٍ صحيحٍ بخلاف وَرَقَة. قال (ن): لا عُذْرَ له في قوله: (لتَجشَّمتُ)؛ لأنَّه عرَف صِدْق النبيِّ ﷺ ، وإنّما شَحَّ بالمُلْك، ورغِب في الرِّئاسة، فآثرَها على الإسلام، وقد جاء ذلك مُصرَّحًا به في البخاريّ، فلو أَراد اللهُ هِدايتَه لوفَّقه كما وفَّق النَّجاشيَّ، وما زالتْ عنه الرِّئاسة. وقال (خ): إذا تَأمَّلتَ معانيَ كلامه، وما استَخرجَه بيَّنتَ حُسن ما استَوصَف من أَمره ﷺ ، وجَوامع شأنه، وللهِ دَرُّه من رجلٍ، ما كان أَعقلَه لو ساعَد مَعقولَه مقدورُه. وأمّا ابن عبد البَرِّ فزعَم أنَّه آمَن، وآمنَتْ بَطارقتُه، فالله أعلَم. (ثُمَّ دَعَا) هو مِن تتمَّة حِكاية أبي سُفْيان عنه، أي: دَعا النَّاسَ. (بِكِتَاب) هو مَدعُوٌّ به، فلهذا عُدِّي بالباء؛ إذ الباء زائدةٌ، أي:

стр. 145

دَعا له الكتاب على سَبيل المَجاز، أو ضمَّن فدَعَا معنى: اشتَغَلَ ونحوه. (بَعَثَ بِهِ)؛ أي: أَرسلَه، وفي معنى ذلك: بَعثَه وابتَعثَه. (مع) بفتح العين في الأَفْصح، وبه جاء القُرآن، وقد تُسكَّن، ومعناها الصُّحبة، قيل: إلا أنَّها بالسُّكون حرفٌ لا غيرُ، وبالفتح تكون اسمًا وحرفًا. (دِحْيَةُ) بفتح الدال على الأشهر، وبكسرها، إمّا مَنْقولٌ من الهِبَة، أو المَرَّة من الدَّحْيِ أو الدَّحْو، وهو البَسْط، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، وقيل: هو بالكسر: رئيس الجُنْد، ولعلَّ هذا هو الحِكْمة في أنَّ جِبْريل ﵇ كان يَجيءُ على صُورته. ودِحْيَة: هو ابن خَلِيْفة بن فَرْوَة الكَلْبي، وكان من أَجمل النَّاسِ وَجْهًا، كان إذا قَدِم المدينةَ لم تَبْقَ مُخدَّرةٌ إلا خرجتْ تنظُر إليه، وكان جبريل يأتي على صُورته لجماله، أَسلَم قديمًا، وشَهِد المشاهِد بعد بَدْرٍ، وبقي إلى خلافة مُعاوية، وشَهِد اليرموك، وسكَن المِزَّةَ -بكسر الميم، وبالزاي: قَريةٌ بدمشق-، بعَث ﷺ الكتابَ إلى عَظيم بُصرَى ليَدفعَه إلى هِرَقْل، وذلك في آخِر سنة ستٍّ. (بُصْرَى) بضم المُوحَّدة: مدينةٌ بحَوْران -بفتح الحاء والراء المهملتين-، مشهورةٌ ذات قَلْعةٍ قريبةٌ من طرَف العمارة والبَرِّيَّة الّتي
следующие страницы →