قيل: يَشمَل المَحرَم وغيره، وقيل: يختصُّ بالمَحرَم حتّى يَخرُج ولَد العَمِّ.
وفيما ذكَر من الأَربعة: تمام مَكارم الأَخلاق؛ لأنَّ الفَضيلة إمّا قوليةٌ، وهي الصِّدْق، أو فِعْليَّةٌ مُتعلِّقةٌ بالله تعالى وهي الصّلاة، أو بنفْسه وهو العِفَّة، أو بغيره وهو الصِّلَة، وأيضًا ففي (لا تُشركوا)، و (اتركوا) التخلِّي من الرَّذائل، والأمر بالصلاة، وكذا التحلِّي بالفَضائل، فالحاصل أنَّه يَأْمر بالكَمالات، ويَنهى عن النَّقائص.
(وكَذَلِكَ الرُّسُلُ)؛ أي: يكُونون أَفضَل القَوم وأشرفَهم؛ لأنَّ مَنْ شَرُف نسَبه كان أَبعَدَ من انتِحال الباطِل، وأقْربَ لانقياد النَّاس إليه.
(يَأْتَسِي) بهمزةٍ بعد الياء، بوزْن: يَفْتَعِل، وفي روايةٍ: (يَتأَسَّى) يَتَفَعَّل، ومعنى كلٍّ منهما: يَقتدي، وَيتبَع.
(أَتْبَاعُ الرُّسُلِ)؛ أي: لأنَّ الأَشراف يأْنَفون من تقدُّم مثْلهم عليهم، والضُّعَفاء لا يأْنَفُون، فيُسرعون إلى الانقِياد واتِّباع الحقِّ، وهذا بحسَب الغالب، وإلا فكان فيهم الأَشْراف كالصِّدِّيق ﵁ وغيره، أما في الأَواخِر فلا يأْنف الأَشراف بل يَفتخِرون.
(أَيَرْتَدُّ) حِكْمة هذا السُّؤال أنَّ مَنْ دخَل على بَصيرةٍ في أَمْرٍ محقَّقٍ لا يَرجع بخلاف مَنْ دخَل في باطلٍ، لا يُقال: فقد ارتَدَّ بعضُ مَنْ آمَنَ؛ لأنَّ وُقوع ذلك لمن لم يكُن في أَوائل الأمر، أو ليس لبُغْض الدِّين بل لمعنًى آخَر كحُبِّ الرِّياسة.
стр. 142
(بَشَاشَه)؛ أي: الإسلام، وهو بفتح الباء، والمعجمة بمعنى: انشِراحه ووُضُوحه، مصدر: بَشَّ إذا انشَرحَ، وسُرَّ.
(الْقُلُوبَ) مفعولٌ، ويُروى: (بَشَاشةَ القُلوبِ) بالإضافة، فـ (بَشاشَة) مفعولٌ، والفاعل ضمير الإيمان، أي: يُخالطُ الإيمانُ انشِراحَ الصُّدور.
(وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ) لطلَبهم الآخِرة، ومَن طلَبَها لا يَرتكب غَدْرًا ولا غيره من القَبائح بخلاف طالِب الدُّنيا، فإنَّه لا يُبالي بالغَدْر ونحوه ممّا يُتوصَّل به إليها.
(بِمَا يَأْمُرُكُمْ) هو من القَليل في إِثْبات أَلِف (ما) الاستفهامية عند دُخول الجارِّ عليها.
(فَذَكَرْتَ أنَّه يَأْمُرُكُمْ) لم يقُل هِرَقْل كما قال أبو سُفْيان، يقول: (اعبُدوا الله) إلى آخره؛ تعظيمًا للرَّسول وتأَدُّبًا، ولهذا قال أوَّلًا: (ماذا يأْمرُكم؟).
(وَلَا تُشْرِكُوا) إنّما أَدخلَه في المَأْمُور وهو منْهيٌّ؛ لأنَّ ضِدَّه وهو التَّوحيد مأْمورٌ به في الشَّرع، والنهي عن الشيء أمرٌ بضِدِّه، والمَطلُوب في النَّهي الكَفُّ، وهو داخلٌ تحت القُدرة، فلا يُقال: كيف يُؤمَر بعَدَم الشِّرك، والعدَمُ غيرُ مقدورٍ؟
(وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ) إنّما تعرَّض له هِرَقْل لذلك، وإنْ لم يقَع في لفْظ أبي سُفْيان؛ لأنَّه من لازم قوله: (وَحْدَه)، ومِن (لا تشرِكوا
стр. 143
به)، ومِن: (واتركُوا ما يقُول آباؤكم)، والذي يقوله آباؤهم هو الأمر بعِبادة الأَوثان، وإنما ترَك الصِّلَة وهي موجودةٌ في كلام أبي سُفْيان؛ لدُخولها في العَفاف؛ لأنَّه الكَفُّ عن المَحارِم، وخَوارِم المُروءة.
فإنْ قيل: لِمَ لم يراعِ هِرَقْلُ الترتيبَ السَّابقَ بل قدَّم سُؤال الاتهام على سُؤال الأَتْباع، والزِّيادة، والارتداد؛ قيل: لأنَّ الواو ليست للتَّرتيب، أو لشِدَّة اهتمامه بنَفْي الكَذِب على الله تعالى.
فإنْ قيل: السُّؤال من أَحدَ عشَر وَجْهًا، والمُعاد في كلام هِرَقْل تسعةٌ، وأَسقط السُّؤال عن القِتال، وعن كيفيَّته.
قيل: لأن مقصودَه بيانُ علامات النُّبوَّة، وأَمْر القِتال لا دَخلَ له فيها إلا بالنَّظَر للعاقِبَة، وهي إذْ ذاك مُغيَّبةٌ، أو أنَّ الرَّاوي اكتفَى بذلك هنا، وذكَره في حديثٍ آخَر كما رواه البخاريّ في (الجهاد)، في (باب دُعاء النّبيّ ﷺ للإسلام)، وفيه: (وسألتُكَ هل قاتَلتُموهُ وقاتلَكُم؟ فَزعمتَ أن قد فعَل، وأنَّ حَرْبكم وحَرْبه تكُون دُوَلًا، وكذلك الرُّسُل تُبتلَى، وتكون لها العاقِبَة)؛ أي: وحِكْمة هذا الابتِلاء عِظَم أَجْرهم بكثْرة صبرهم، وبذْلهم وسَعْيهم في طاعته تعالى.
(كُنْتُ أعلم) مَأْخذه إمّا من القَرائن العقليَّة، وإما مِن الأحوال العاديَّة، وإما من الكتُب القديمة.
(أَخْلُصُ)؛ أي: أَصِلُ.
(لَتَجَشَّمْتُ) بجيمٍ، ثمّ معجَمةٍ (١)، أي: تكلَّفْتُ لمَا فيه من
стр. 144
مَشقَّةٍ، ورواه مسلم: (لأَحْبَبْتُ).
قال (ع): والأوَّل أَوجَه؛ لأنَّ الحُبَّ للشيء لا يصُدُّ عنه؛ إذ لا يُطَّلع عليه، وإنّما يصُدُّ عن العمَل الّذي يظهَر، فلا يملك في كلِّ حينٍ، ومُراده: لو كُنتُ أتيقَّن الوُصولَ إليه لتكلَّفتُ ذلك لكني أَخافُ أن يَعُوقني عنه عائقٌ، فأَكونَ قد تركتُ مُلْكي، ولم أَصِلْ إلى خِدمته.
واعلم أنَّه لا يُحكم بإيمان هِرَقْل بما ذُكر ولا بما يُذكر بعد ذلك؛ لأنَّه قد قال: (قلتُ مَقالتي آنفًا أختبرُ بها شِدَّتكم على دينكم)، فعُرف أنَّه لم يصدُر منه ذلك عن تصديقٍ قلبيٍّ، واعتقادٍ صحيحٍ بخلاف وَرَقَة.
قال (ن): لا عُذْرَ له في قوله: (لتَجشَّمتُ)؛ لأنَّه عرَف صِدْق النبيِّ ﷺ ، وإنّما شَحَّ بالمُلْك، ورغِب في الرِّئاسة، فآثرَها على الإسلام، وقد جاء ذلك مُصرَّحًا به في البخاريّ، فلو أَراد اللهُ هِدايتَه لوفَّقه كما وفَّق النَّجاشيَّ، وما زالتْ عنه الرِّئاسة.
وقال (خ): إذا تَأمَّلتَ معانيَ كلامه، وما استَخرجَه بيَّنتَ حُسن ما استَوصَف من أَمره ﷺ ، وجَوامع شأنه، وللهِ دَرُّه من رجلٍ، ما كان أَعقلَه لو ساعَد مَعقولَه مقدورُه.
وأمّا ابن عبد البَرِّ فزعَم أنَّه آمَن، وآمنَتْ بَطارقتُه، فالله أعلَم.
(ثُمَّ دَعَا) هو مِن تتمَّة حِكاية أبي سُفْيان عنه، أي: دَعا النَّاسَ.
(بِكِتَاب) هو مَدعُوٌّ به، فلهذا عُدِّي بالباء؛ إذ الباء زائدةٌ، أي:
стр. 145
دَعا له الكتاب على سَبيل المَجاز، أو ضمَّن فدَعَا معنى: اشتَغَلَ ونحوه.
(بَعَثَ بِهِ)؛ أي: أَرسلَه، وفي معنى ذلك: بَعثَه وابتَعثَه.
(مع) بفتح العين في الأَفْصح، وبه جاء القُرآن، وقد تُسكَّن، ومعناها الصُّحبة، قيل: إلا أنَّها بالسُّكون حرفٌ لا غيرُ، وبالفتح تكون اسمًا وحرفًا.
(دِحْيَةُ) بفتح الدال على الأشهر، وبكسرها، إمّا مَنْقولٌ من الهِبَة، أو المَرَّة من الدَّحْيِ أو الدَّحْو، وهو البَسْط، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، وقيل: هو بالكسر: رئيس الجُنْد، ولعلَّ هذا هو الحِكْمة في أنَّ جِبْريل ﵇ كان يَجيءُ على صُورته.
ودِحْيَة: هو ابن خَلِيْفة بن فَرْوَة الكَلْبي، وكان من أَجمل النَّاسِ وَجْهًا، كان إذا قَدِم المدينةَ لم تَبْقَ مُخدَّرةٌ إلا خرجتْ تنظُر إليه، وكان جبريل يأتي على صُورته لجماله، أَسلَم قديمًا، وشَهِد المشاهِد بعد بَدْرٍ، وبقي إلى خلافة مُعاوية، وشَهِد اليرموك، وسكَن المِزَّةَ -بكسر الميم، وبالزاي: قَريةٌ بدمشق-، بعَث ﷺ الكتابَ إلى عَظيم بُصرَى ليَدفعَه إلى هِرَقْل، وذلك في آخِر سنة ستٍّ.
(بُصْرَى) بضم المُوحَّدة: مدينةٌ بحَوْران -بفتح الحاء والراء المهملتين-، مشهورةٌ ذات قَلْعةٍ قريبةٌ من طرَف العمارة والبَرِّيَّة الّتي
стр. 146
بين الشّام والحِجاز، ويُجاد فيها عمَل السُّيوف (١).
(عَبْدِ اللهِ) فيه تعريضٌ ببُطْلان قول النَّصارى في المَسِيْح أنَّه ابنُ الله؛ فإنَّ الرُّسُل مُستوُون في أنَّهم عِبادُ الله، تَعالى أن يكون له ولدٌ.
(وَرَسُولهِ) فيه التَّرقِّي من كونه عبدَ اللهِ إلى كونِه رسولَه، وفي رواية: (مِنْ محمَّد بن عبْدِ اللهِ رَسولِ اللهِ).
(عَظِيم الرُّومِ) بالجرِّ بدَلٌ ممّا قبلَه، وقد يُقطَع بالرفْع والنَّصب، والمعنى: الّذي تُعظِّمُه الرُّوم وتُقدِّمه للرِّئاسة عليها.
وإنّما لم يقل: ملِك الرُّوم؛ لأن في ذلك تسليمًا لملْكه واتصافه بما لا يَستحقُّ، وهو بحقِّ الدِّين مَعزولٌ، ومع ذلك لم يخْلُ من نَوع إكرامٍ في المُخاطَبة أَخْذًا بإِذْن الله تعالى في تَليين القَول لمن يَبتدئُه بالدَّعوة إلى الحق إذْ قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية، فلذلك لم يقُل: إلى هِرَقْل.
(سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) لم يقُل: عليكَ؛ لأن الكافِر لا يُسلَّم عليه بل هو مَخْزيٌّ في الدُّنيا بالحَرْب والقتْل والسَّبْي، وفي الآخِرة بالعَذاب الأَبَديِّ، فإنِ اتبَعَ الهُدى دخَل في السَّلام، وإلا فلا سلامةَ له.
ففيه: أنَّ الكافر لا يُبدأُ بالسَّلام.
(أَمَّا بَعْدُ) مَبنيٌّ على الضمِّ على نيَّة الإضافة، أي: بعد ما ذُكِرَ لك، وأَمَّا للتَّفصيل، فتقدِّر أنَّ ما قبلَه قَسيمُه، وتقديره: أَمَّا الابتداء
стр. 147
فـ: باسم الله، وأمّا المَكتُوب فـ: من محمَّدٍ أو نحو ذلك، وأَمَّا بعد ذلك فكَذا.
(بِدِعَايَةِ) أي: بدَعوته، وهي كلمة الشَّهادة الّتي يُدعى بها الأُمَم للدُّخول فيه، فهي شِعاره، وهي مِن دَعَا يَدعُو دِعايةً، كشَكَى يَشكُو شِكَايةً، وهو مصدرٌ بمعنى: مَدْعُوٍّ، ويحتمل أنَّ المراد بالدَّعوة الّتي هي الإسلام كشجَرة الأَراك.
والباء بمعنى: (إلى)؛ فإنَّ حُروف الجرِّ يقوم بعضُها مقام بعضٍ عند بعض النُّحاة.
قال (ن): معناه: آمُرك بكلمة التَّوحيد، وفي رواية لمسلمٍ: (بدِعَايَةِ الإِسْلامِ)، أي: الكلمة الدَّاعية.
ويحتمل أنَّها بمعنى: الدَّعوة نحو: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨]، أي: كَشْفٌ.
(أَسْلِمْ) بفتح الهمزة وكسر اللام، مِن الرُّباعي.
(تَسْلَمْ) بفتح اللَّام، مِن سَلِمَ الثُّلاثي، وجزمه لكونه جوابَ الأَمْر، أي: إنْ أَسلمتَ سَلِمتَ، وهذا مِن جَوامع الكَلِم.
(يُؤْتك) بالجزم إمّا جوابًا ثانيًا للأمر، أو بدَلًا ممّا قبلَه، أو بَيانًا للجواب الأوَّل.
وفي بعض الرِّوايات: (أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤتِيْكَ الله)، وإعرابه واضحٌ.
(مَرَّتَيْنِ)؛ أي: مرَّة للإيمان بنبيِّهم، ومرةً بالإيمان بنبيِّنا ﷺ .
стр. 148
(تَوَلَّيْتَ): أَعرضْتَ.
(الإَرِيسِيِّينَ) مَرويٌّ على أوجهٍ:
أحدها: بفتْح الهمزة، وكسر الراء، وسُكون المُثنَّاة تحت، ثمّ ياءٍ مشدَّدةٍ، ثمّ علامةِ جمع السَّلامة في المُذكَّر، وهي الياء والنُّون.
الثّاني: مِثْلها لكنْ بإبدال الهمزة ياءً، والواحد فيها: أَريسيٌّ، أو يَرِيْسيٌّ نِسبة إلى أَريْس، أو يَرِيْس.
الثّالث والرّابع: كالأوَّلَين بدُون ياء النَّسَب بل جمع: أَريْس، أو يَرِيْس على وَزْن فَعِيْل.
الخامس: بكسر الهمزة، والراء المُشدَّدة، وياءٍ واحدة بعد السِّين.
السّادس: بسُكون الراء، وفتح الياء الأُولى، وتشديد الثّانية.
السابع: بتشديد الراء، وياءٍ واحدة بعد السِّين.
والمعنى في الكُلِّ: المُزارِعين والأُجَراء، قاله ابن الخَشَّاب، وفسَّر ابن السَّكَن رواية: اليَرِيسيِّين باليهود والنَّصاري؛ أي: عليك إثْم رَعاياكَ وأَتباعِك ممّن صدَدتَه عن الإسلام، فاتَّبعَكَ على كُفركَ، فهو تنْبيهٌ على اتباع جميع الرَّعايا، فذكَر هؤلاء، وهو الأَغلَب.
وقيل: هم -على رواية الهمْز- أَتباع عبد الله بن أَرِيْس الّذي وحَّد اللهَ عندما تفرَّقت النَّصارى.
قلتُ: كذا نقَل (ش) تفسيرَ هذا القَول، والذي في "النِّهاية": وقيل: إنَّهم أتباع عبد الله بن أَرِيْس رجلٍ كان في الزَّمن الأوّل، قَتلُوا
стр. 149
نبيًّا بعثَه الله إليهم، انتهى.
ونحوُه قولُ (ن) في "شرح مسلم": والثّاني -أي: من الأقوال في ذلك-: أنَّهم اليهود والنَّصارى، وهم أتباع عبد الله بن أَريس الّذي يَنتسِب إليه الأَروسيَّة من النَّصارى، ولهم مقالة في كُتُب المَقالات، ويُقال لهم: الأَروسِيُّون.
وقال (ط) نقلًا عن الحَرْبي، عن بعض أهل اللُّغة: إن الأَرِيْس الأَمِيْر، والمُورس الّذي يستعمله الأَمير وقد أَرسَه، والأَصل رَأَسَه فقُلب، وغُيِّر في النَّسَب.
وقال (ط): والصَّواب على هذا القول أن يُقال: الإِرِّيسين -بكسر الهمزة، وتشديد الرَّاء-.
وقيل: الأَريسيُّون: الأكَّارون، والأَكَّار هو الزَّارع، ولهذا رُوي في غير الصَّحيح: (فإنَّ علَيكَ إِثْمَ الأَكَّارين).
وقال (ك): إنَّ المَشهور: أَنَّ اليَريسين -بالياء- أَصلٌ لما بالهمزة، خِلافًا لقول التَّيْمِي: إِنَّ الأرِّيسين أَصلٌ لليَريسيين.
وتقديم (عليك) يُفيد الحصْر، أي: ليس إثْمهم إلا عليك، ولا يُنافي ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأنَّ المراد هنا إثْم إِضْلاله، فهو مِن فعله، فليس وِزْر أُخرى، وكذلك قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، فما ذكرتُه هو الجمْع بين الآيتين.
стр. 150
وقال الجَوْهَري فيما نقله (ك): الأَريس على مِثال فعيل، والأَريس على مِثال فَسِيْق: الأكَّار، فالأول: جمعه أَريسُون، والثّاني: إِرسيُون، وأَرارِسة، وأَرارايس، والفعل منه: أَرَسَ يَأْرِس أَرْسًا، وقولهم للأَريْس أَريسيٌّ كقول العَجَّاج:
والدَّهْرُ بالإِنْسانِ دَوَّارِيُّ
أي: دَوَّار، وكان أَهل السَّواد ومَن هو على دِين كِسرى أَهلَ فِلاحةٍ، وكانت الرُّوم أهلَ أثاثٍ وضَيعةٍ، فأعلمَهم النبيُّ ﷺ أنَّهم وإنْ كانوا أَهلَ كتابٍ فإنَّ عليهم إِثْم أُولئك.
(ويا أهل الكتاب) عطْفٌ على (بسمِ الله)، أي: وفيهِ يا أَهلَ الكِتاب.
(تعالوا) أصله: تعالَوُوا -بواوَين-، فأُبدلت الأُولى ياءً؛ لوُقوعها رابعةً، فصار: تَعالَيُوا، فقُلبت الياء أَلِفًا، فاجتمع ساكنان، فحُذفت الألف، وهو وإنْ كان لطلَب المَجيء للعُلوِّ لكنْ استُعمل في أعمَّ من ذلك.
(سواء)؛ أي: مُستويةٌ.
﴿أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية، تفسير الكلِمة.
قال (ن): في هذه القِطْعة فوائدُ:
جواز مُكاتبة الكفَّار ودُعائهم للإسلام قبْل المقاتَلة، وهو واجبٌ إذا لم تَبْلغهم دعوةُ الإسلام، وإلا فمُستحبٌّ حتّى لو قُوتلوا قبْل
стр. 151
دُعائهم وإنذارهم جاز، إلا أنَّه تَفُوت السنَّة والفَضيلة بخلاف الضَّرب الأول.
ووُجوب العمَل بخبر الواحد، وإلا لمَا بعثَه مع دِحْيَة وحدَه، وذلك بإجماع مَنْ يُعتدُّ به.
واستحبابُ تصدير الكتُب بالبَسملة ولو كان المبعوثُ إليه كافرًا.
وبيانُ أنَّ المراد في حديث: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبدَأُ فيهِ بحمْدِ اللهِ": أنَّ معناه: بذِكْر الله، وقد رُوي: "بذِكْرِ اللهِ".
وجوازُ السَّفَر بآيةٍ من القُرآن ونحوها إلى بلاد العَدوِّ، فيُحمل النَّهي عن المُسافَرة بالقرآن على الكل، أو على كثيرٍ منه، أي: إذا خِيْف أن يقَع في يَدِ كافرٍ.
وجوازُ مسِّ الجنُب أو الكافر ما فيه قرآنٌ وغيره، ولكنْ غيرُ القرآن أكثَر.
وبَدْءُ الكتاب بنفْسه، فيقول: مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ.
قال الرَّبيع بن أنسَ: ما كان أحد أعظَم حُرمةً من النبيِّ ﷺ ، وكان الصَّحابة يَكتُبون إليه مُبتدئين بأنفُسهم، هذا على المذهب الصَّحيح، ورخَّص جمعٌ من العُلماء في الابتِداء بالمَكتُوب إليه، فكتَب زيدٌ إلى مُعاوية مُبتدِئًا باسم مُعاوية.
وأنَّه لا يَنبغي لا الإفْراط ولا التَّفريط بل التوسُّط في المُكاتَبة حيث قال: (عَظيْمُ الرُّومِ)، والبَلاغة كما في: (أَسلِمْ تَسلَمْ)، فإنَّه
стр. 152
جمَع المعاني مع الجِناس البَديع.
وأَنَّ مَن أدرك نبيَّين مُتبِعًا لهما فله أَجرهُ مرَّتين، وأنَّ مَن تسبَّب في ضلالةٍ أو منعَ هُدًى أَثِمَ.
واستعمالُ (أَمَّا بعدُ) في المُكاتَبة والخُطَب.
(فَلَمَّا قَالَ)؛ أي: هِرَقْل.
(ما قال) من السُّؤال والجَواب.
(الصَّخَبُ) بفتح الصاد والخاء المُعجَمة: اختِلاطُ الأَصوات، ويُقال: السَّخَب، ويُروي فيه: (النَّخَب) بمعناه أيضًا.
(وَأُخْرِجْنَا) بضم أوَّله، أي: مِن مَجلِسه.
(لَقَدْ أَمِرَ) جواب قسَمٍ محذوفٍ، أي: واللهِ لقد أَمِرَ، وأَمِرَ بفتح الهمزة، وكسر الميم: فعلٌ ماضٍ، أي: عَظُمَ، كأَمِرَ القَومُ، أي: كثُروا.
(أَمْرُ) بسُكون الميم، أي: الشَّأْن، والحال، وهو فاعلُ: أَمِرَ.
(ابْنِ أَبِي كَبْشَة) يُريد النبيَّ ﷺ ، وذلك أنَ أبا كَبْشَة رجل من خُزَاعَة عَبَدَ الشِّعْرَى مخالفًا لقومه في عبادة الأوثان، فشبهوه به من حيثُ خالفَهم في الأَوثان، ونبيُّنا عَبَدَ اللهَ الملِكَ الدَّيَّانَ، فجعلوه ابنا له تَشبيها به.
وقال (ط) نقلًا عن ابن قُتَيْبة: إنَّ هذا الذي عبَدَ الشِّعْرَى كان مِن بعض أَجداد أُمِّ النبيِّ ﷺ .
стр. 153
وقيل: أبو كَبْشَة جَدُّ النبي ﷺ مِن قِبَل أُمه من الرَّضاعة، وهو الحارِث بن عبد العُزَّى السَّعدي.
وقيل: لأنَّه عمُّ والِد حَلِيْمة السَّعدية.
وقيل: بل هو من قِبَل أُمِّه آمنة؛ لأنَّها بنت وَهْب، وأُمُّ وَهْب قَيْلَة بنت أبي كَبْشَة، واعتمَد الدّمْيَاطِي هذا.
وسمى (ط) هذا: جزء بن غَالِب، وزاد غيره: أنَّه من خُزَاعَة، وهو: عَمْرو بن زَيْد بن أسَد النَّجَّاري، أبو سَلْمى أُمِّ عبد المُطَّلِب.
وقيل: أبو كَبْشَة جَدُّ عبد المطَّلِب لأُمِّه.
قلت: وفي "الرَّوض" للسُّهَيْلي: أنَّها كُنية أبي أُمِّه وَهْب بن عبد مَنَاف.
واعلم أنَّ صاحب "المُحكَم" قال: إنَّ العرَب تُكنى بأَبي كَبْشَة.
قال ابن جِنِّي: وكَبْشَة مُرتَجلًا؛ لأنَّ كَبْشًا لا مؤنَّثَ له من لفْظه، وبالجُملة فذِكْره بذلك إما لمَا سبَق من التَّشبيه، أو لتغيير نسَبه بُغْضًا له وتَحقيرًا.
(أنَّه) بكسر الهمزة: استِئنافٌ بَيانيٌّ، وجُوِّز فتحها على أنَّها مفعولٌ لأَجله، أو بَدَلٌ، أو بَيانٌ، لكنْ يُضعِّفه دخول اللام في خبرها.
(بَنِي الأَصْفَرِ) سُمُّوا بذلك لأنَّ جَيْشًا من الحبَشة غلَب على بلادهم في وقْتٍ، فوَطِئَ نساءَهمِ، فولَدْنَ أولادًا صُفرًا لسَواد الحبَشة وبَياض الرُّوم، وقيل: نسبةً للأَصفر بن الرُّوم بن عيصو بن إسحاق ﵇.
стр. 154
قلت: وفي "تاريخ ابن خَلِّكان" في ترجمة ياقُوت الرُّومي: أنَّه بحثَ كثيرًا عن سبَب ذلك حتى رأَى في كتابٍ أنَّ ملِكهم انحرَق، فلم تبْقَ إلا امرأةٌ فاختلَفوا، ثم اتفَقوا على تزويج المرأَة بأوَّل قادِمٍ، فكان عبْدًا حبَشيًّا أبَقَ، فزوَّجها منه، فولَدتْ غُلامًا سَمَّوه الأَصْفَر، ثم جاء مَولى الغُلام فأَرضَوه.
(النَّاطُورِ) بطاءٍ مهملةٍ، ومعجمةٍ: حافِظٌ.
(صَاحِبُ) قال (ع): نصبٌ على الاختِصاص، أو الحال، لا خبرُ (كان)؛ لأنَّ خبَرها إما (أُسقفَّا) أو (يحدِّث).
وجوَّز غيره أنْ يكون خبرًا ثانيًا لـ (كانَ)، ومنعَ (ش) رفْعَه صفةً لـ (ابن النَّاطُور)؛ لأنَّه معرفةٌ و (صاحب) لم يتعرَّفْ بالإضافة؛ لأنَّها في تقْدير الانفِصال، وجوَّزه (ك) لأنَّ الإضافة معنويَّة.
قلتُ: وهو الظَّاهر.
(وَهِرَقْل) مجرورٌ بالفتْحة عطْفًا على (إِيْليَاء)، أي: أنَّه صاحِب إِيْليَاء بمعنى: حاكِمها، وصاحب هِرَقْل، أي: صَديقه، فأُطلق صاحِب بمعنيَين: حقيقةِ ومَجازٍ، وقد جوَّزه الشافعيّ، وقالت الحنَفيَّة بمعنَى شاملٍ لهما، فهو من عُموم المَجاز.
(سُقُفًّا) بضم السِّين، والقاف، وتشديد الفاء، منصوبٌ على الحال، أو مرفوعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، ومعناه: رئيس النَّصارى وقاضيهم، وفي بعض الأُصول: (أُسْقُفَّا) بوزْن: أُترُجٌّ، وجمعه أَساقِفَةٌ،
стр. 155
وأَساقيفٌ، وفي بعضها: (سُقْف) بوزْن: قُفْل، وفي بعضها: (سُقِّف) بضم السِّين، وتشديد القاف مكسورة، فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمَفعول.
قال: في "العُباب": سقَّفْتُه: جعلته أُسْقُفًّا.
(النصارى) واحدُهم نَصْرانيٌّ، سُمُّوا بذلك لنُصرةِ بعضِهم بعضًا، أو لأنَّهم نَزلوا نَصْرانة، اسم مَوضع، أو نصرة أو ناصرة كذلك، أو لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
(خَبِيثَ النَّفْسِ)؛ أي: مَهمُومًا غير نشَيطٍ ولا مُتنشِّطٍ.
(بَطَارِقَتِهِ) -بفتح الباء- جمع بِطْريق -بكسرها-، وهم قُوَّاد مُلْكه، وخواصُّ دَولته.
(اسْتَنْكَرْنَا): أَنكَرنا.
(هَيْئتَكَ) سَمْتَك وحالتَك، أي: رأَيناها مُخالفةً لسائر الأيام.
(حَزَّاءً) بفتح المُهملة، وتشديد الزاي، والمدِّ، أي: كَهَّانًا.
(يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ) تفسيرٌ له، ويحتمِل أنَّه ذكر النَّوع منه؛ لأنَّ الكَهانة أنواعٌ.
(سَأَلُوهُ)؛ أي: عمَّا استَنكروه منه.
(مَلِكَ) بضم الميم وسُكون اللام، وبفتحٍ ثم كسرٍ، والمراد: رُؤيته طائفةَ أهلِ الخِتَان، وهو قَطْع جِلْدة فَوق الحشَفة، وذلك لأنَّ النصارى لا يَختتِنون، فالمُلْك ينتقِل عنهم إلى أهل الخِتَان.
(هَذهِ الأُمَّةِ)؛ أي: هذا العَصْر.
стр. 156
(يُهِمَّنَّكَ) بضم أوَّله، مِن الرُّباعي، وهو أَهمَّ بمعنى: أَقلَقَ، وأَحزَنَ، أي: هؤلاء أَحقَر مِن أنْ تهتمَّ لهم، أو تُبالي بهم.
(المدائن) -بالهمز-: إنْ كان مُفرده مَدِيْنة فَعِيْلة مِن مَدَنَ، أي: أَقامَ، وبلا همزٍ: إنْ كان مَفْعَلَة مِن دَانَ، أي: ملَكَ، وكذا نقَلَه الجَوْهَري عن جَواب الفَسَوي له لمَّا سألَه عنه، والهمز أَفْصح، وهو الواقِع في القُرآن.
(أتى) مبنيٌّ للمَفعول وقَع جَوابًا لـ (بَيْنا) مُجرَّدًا مِن (إِذْ) و (إذا) نحو:
فبَيْنا نحنُ نرَقُبُه أَتانَا
وهو العامِل في (بينا)؛ لأنَّه جَوابه.
(غَسَّانَ) بفتح العين المعجَمة: مِن مُلوك اليمَن، سكَنُوا الشَّام.
(اذْهَبُوا به)؛ أي: بالرَّجُل المُختتِن.
(هَذَا مَلِكُ) قال (ع): عامة الرُّواة بضم الميم، وسُكون اللام، مصدرٌ، وعند القَابِسِي بفتحٍ ثم كسرٍ، صِفةٌ مشبَّهة، وعند أبي ذَرٍّ: (يَملِكُ) فِعلًا مُضارعًا، وأُراها بضم الميم اتصلَتْ بها فتصحَّفتْ.
وكذا قال في "المَطالِع" أَظنُّه بفتحها لكنَّ (ك) نسبَها لأكَثر أُصول الشَّام، وإنَّ (ن) قال: إنَّه صحيحٌ، ومعناه هذا المذكور يملِكُ هذه الأُمَّة، وكذا وجَّهه السُّهَيْلي في "أَماليهِ" بأنَّ (هذا) مبتدأٌ، و (يملِك) خبَره، ويجوز أَيضًا أنْ تكون نَعْتًا؛ أي: هذا الرجل يملِكُ، فحُذف
стр. 157
المَنْعوتُ كما في قوله:
لو قُلْتُ مَا في قَومِها لم تِيْثَمِ ... يفْضُلُها في حَسَبٍ ومَيْسَمِ
أي: أخذ يفضلُها، لكنْ هذا في المُضارِع لا الماضِي، قالَه ابن السَّرَّاج، وحكاه عن الأَخْفَش.
(قَدْ ظَهَرَ) جملة مُستأنفة لا صفةٌ ولا خبرٌ، قال السُّهَيْلي: لكنْ يجوز أَنْ تكون نَعْتًا بعد النَّعْت السابق.
(حِمْصَ) مدينةٌ بالشَّام لا تَنصرف، قال (ك): لأنَّها أَعجميةٌ.
قلتُ: فيه نظَرٌ، فإنَّ ساكِن الوسَط من ذلك يُصرَف حَتْمًا على الأَرجَح كنُوحٍ ولُوطٍ.
وقيل: فيه الوَجْهان في هِنْد، وإنما المَنعْ للتأْنيث والعَلَميَّة، نعَمْ، قال بعضهم: أنَّه كهِنْد في جواز الوَجهَين، والمنعْ أَولى، ولكنَّه مَردودٌ؛ لأنَّ الوجهَين حيث لا يكُون أَعجميًّا وإلا فالمَنعْ مُتحتِّمٌ كجُوْر ومَاه علَمَي بلَدَين، فإنْ أراد (ك) ذلك فحَقٌّ، إلا أنَّه لم يُفصِح بالمراد.
(فلم يَرِم) بفتح الياء، وكسر الراء، أي: لم يُفارِق، ولا يَكاد يُستعمل ذلك إلا في النَّفْي، يُقال: ما رامَ، ولا يَرِيمُ، ولم يَرِمْ.
(مِنْ صَاحِبِهِ)؛ أي: الذي برُوميَة.
(فِي دَسكَرَةٍ)؛ أي: في دُخولها، وهو بناءٌ كالقَصْر حولَه بُيوت للخَدَم والحشَم.
(اطَّلَعَ)؛ أي: خرَجَ مِن حرَمه، وظهَر للنَّاس.
стр. 158
(مَعْشَرَ) هم الجمْع الذي شأْنُهم واحدٌ، فالإنْس مَعشَر، والجِنُّ مَعشَر، والأَنْبياء معشَرٌ.
(الْفَلَاحِ): الفَوز والنَّجاة، يُقال: ليس شيءٌ أجمَع لخِصالِ الخَيْر من لفْظ الفَلاح.
(وَالرُّشْدِ) بضم أوَّله، وسُكون ثانيهِ، وبفتحها: خِلاف الغَيِّ، فهو إِصابة الخَيْر.
وقال الهَرَوي: هو الهُدَى، أي: الدَّلالة الموصِلة إلى البِغْية، والمراد: هل لكُم رغْبةٌ في ذلك.
(فتبَايِعُوا) مَجزومٌ جَوابًا للاستِفهام، نحو: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣]، وهو بضمِّ أوَّله، وبعدَه إما مُثنَّاةٌ من الإتْباع، أو موحَّدةٌ من البَيعة، روايتان بمعنًى، والذي في أكثَر الأُصول الثانية، وفي بعضها: (بايعُوا) بصيغة الأمر، و (نبُايع) بالنون.
(فَحَاصُوا) -بمهملتين-: ففَرُّوا، وفي معنى ذلك جاضَ بجيمٍ، وضادٍ معجمةٍ، وقيل معناه: عَدَل.
قال أبو زيد: معناه بالحاء: رجَع، وبالجيم: عَدَل، وقيل في حاصُوا: معناه: جالُوا.
(وَأَيِسَ) يُروى: (يَئِسِ)، وهو الأصل فقُلب.
(آنِفًا) بالمدِّ، وكسر النُّون، وقد تُقصر، ونَصْبه على الحال، أي: قَريبًا، أو هذه السَّاعة، والأُنُف: أول الشيء.
(أَخْتَبِرُ): أَمتحِنُ.
стр. 159
(شِدَّتَكُمْ)؛ أي: رُسوخَكم.
(آخِرَ) بالنَّصب على الأَرجح، أي: آخِر شأْنه في أَمر النبي ﷺ .
(رَوَاهُ)؛ أي: تابَع هؤلاء الثلاثةُ شُعَيبًا في رواية هذا الحديث عن الزُّهري.
وقد سبَق أنَّ مِثل هذا يُسمَّى متابعةً مقيَّدةً حيث ذكر فيها المتابَع عليه بخلاف المطلَقة، وأنَّ فائدتها التَّقويةُ والتأْكيدُ للترجيح بكثْرة الرِّواية.
قال (ك): ثم يحتمل -وهو الظاهر- أنَّ سنَد البخاريِّ للثَّلاثة هو سنَده إلى شُعَيب، وأن سنَد الزُّهري إلى النبي ﷺ في روايتهم هو سنَده في رواية شُعيب، ويحتمل أنَّ كلًّا من الأَمرَين بسنَدٍ آخَر، انتهى.
(رواه صَالِحُ) وصلَه البخاري في (الجهاد).
(وَيونسُ) وصلَه في (الجِزْية).
(وَمَعْمَرٌ) وصلَه في (التفسير).
* * *
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الإيمَانُ كُلُّهُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ [الشورى: ١٣]: أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإيَّاهُ دِينًا واحِدًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً ومِنهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]: سَبِيلًا وَسُنَّةً.
* * *
(كتاب الإيمان)
وهو لغةً: مِن الأَمْن، وأَمنَه صدَّقَه؛ لأنَّه أمنَه التَّكذيب، ويُعدَّى بالباء مُضمَّنًا معنى: أَعتَرِف؛ لقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ويُعدَّى باللام نحو: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧].
وهو في الشَّرع: تصديقٌ خاصٌّ، وهو تَصديق الرَّسول ﷺ بما جاءَ به عن اللهِ ﷺ ، وهل ذلك حقيقة شرعية اختَرعَها الشَّارع، أو مَجازٌ شرعيٌّ باعتِبار قَصْره على بعض مَعناه اللُّغَوي؟ فيه الخِلاف المَشهور.
وقال التَّيْمِي: سُمي إيمانًا؛ لأنَّ العبد يَأْمَن من القَتْل والعَذاب.
* * *
стр. 163
(بابُ الإيمَانِ، وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : بُنِيَ الإسلَامُ عَلَى خَمْسٍ)
(وقول) في رفْعه وجرِّه ما سبَق في (باب بَدْء الوَحْي)، وفي بعض النُّسَخ هنا: (بابُ قَولِ)، وهو واضحٌ.
(بُنِيَ الإسلَامُ)؛ أي: إلى آخِر الحديث الآتي بتَمامه، فذِكْر بعضِ الحديث لغَرَضٍ جائزٌ.
ومِن مَحاسِن ترتيب البخاري: أنَّه لمَّا ذكَر بَدْء الوَحْي فصَل ذلك الوَحْي بذِكْر أركان الإسلام على ترتيبِ حديث: (بُني الإسلام)، وقد سبَق بَيانُ ذلك في ترتيب الكِتاب، وسيأتي حِكْمة تَوسيط (كتاب العِلْم) بين (الإيمان) و (الصلاة).
ومن محاسنه: أنَّه يُميِّز بين الأَجْناس بالكتُب كما أشرنا إليه أيضًا في تَرتيبه، وأَنْواع كلِّ جِنْسٍ في الأَبواب، وَيبدأُ كلَّ كتابٍ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ لحديث: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبدأَ فيهِ ببِسْمِ اللهِ"؛ لأنَّ كلَّ جِنْسٍ الاهتمامُ به أَشَدُّ.
قلتُ: أي: على بعض الاحتِمالات المذكورة أوَّلَ الكتاب.
(وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيزِيدُ وَيَنْقُصُ) هو مِن كلام البخاري، والضَّمير للإيمان المبوَّب عليه لا للإِسْلام، فسيأْتي مُغايَرتُهما في حديثِ سُؤال جِبْريل ﵇ عنهما.
قال سُفْيان: الإِيمان يَزيدُ وَينقُص، فقال له أَخوه إبراهيم:
стр. 164
لا يَنقُص فغَضِبَ، وقال: اسكُت يا صبيُّ، بل ينقُص حتى لا يَبقَى منه شيءٌ.
وقال (ك): هو راجِعٌ للإيمان أو للإسلامْ إنْ قلنا: إنَّهما بمعنًى، وإليه مَيْل البخاري.
وإنما ذَكَر القَولَ والفِعلَ دُون الاعتقاد مع أنَّه الأَصل؛ لأنَّه مَحلُّ وِفاقٍ، والخِلاف في شُمول غيره، وأَيضًا فهو عمَل القَلْب، فدخَل في الفِعْل، لكنْ يُقال حينئذٍ: فالقَول أيضًا من الفِعْل، وقد صرَّح به.
قال (ط): التَّصديق أوَّل مَنازِل الإيمان، فوجَب التَّصديق للدُّخول فيه دُون استِكمالِ مَنازله، فلذلك بوَّبَ البُخاريُّ على أُمور الإيمان، وعلى الجهاد، وغير ذلك مما سيأْتي، وإنما أَرادَ بما قالَه هنا الرَّدَّ على المُرجِئة في قولهم: الإِيْمان قَولٌ بلا عمَل.
واعلم أنَّ زيادة الإيمان ونقْصه إما باعتِبار دُخول القَول والفِعل فيه، أو باعتِبار القُوَّة والضَّعف، أو باعتِبار الإجمال والتَّفْصيل، أو باعتِبار تفرُّد المُؤمِن به، أو غير ذلك مما سيأْتي.
والآياتُ التي أَوردَها البخاريُّ للدَّلالة على قَصْده على عادته في الاستِدلال بالقُرآن، وبالسنَّة، وأَقوالِ الصَّحابة، والعُلماء، إنما دلَّتْ على الزِّيادة، ومقصودُه الزيادة والنَّقص لكنْ لمَّا كان كلُّ ما قبِل أَحدَهما قَبِلَ الآخَر؛ كان في ذلك دلالةٌ على النَّقص أيضًا.
(هُدًى)؛ أي: دلالةً موصِلة للبِغْية، وهو مُتَعَدٍّ بخلاف الاهتداء، فإنَّه لازمٌ، وإسناد الزِّيادة إلى ما ذُكر في الآيات مجازٌ، والحقيقة نِسْبة
стр. 165
الزِّيادة إلى الله تعالى؛ لأنَّه المؤثِّر في الوُجود بالإرادة.
(وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ) الحديث رواه البَيهقي مرفوعًا بلفْظ: "أَوثَقُ عُرَى الإِيمانِ أَنْ تُحبَّهُ في اللهِ، وأَنْ تُبغضَهُ في اللهِ"، ورواه أبو داود في "سننه" من حديث أبي أُمامَة البَاهِلِيِّ بلفْظ: "مَنْ أَحبَّ للهِ، وأَبغَضَ للهِ، وأَعطَى للهِ، ومَنَعَ للهِ؛ فقد استَكمَلَ الإيمانَ"، قال المُنْذِري: في سنَده القاسِم بن عبد الرَّحمن الشَّامي، وقد تكلَّم فيه غيرُ واحدٍ، انتهى.
نعَمْ، في "الصحيحين" شاهدٌ للحديث، وهو حديث: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ وَجَدَ حَلاوةَ الإيمانِ: مَنْ كانَ اللهُ ورسولُه أَحبَّ إليه مما سِواهما، ومَنْ أَحبَّ عَبْدًا لا يُحبُّه إلا للهِ" الحديثَ.
وجوَّز (ك) أنْ لا يكون البُخاريُّ ذكَره حديثًا مُعلَّقًا بل مِن كلام نفْسه كما في قوله: (وهو قَولٌ وفِعلٌ)، وهو بعيد.
و (الحُبُّ) مبتدأٌ، و (مِن الإيمان) خبَره، والجُملة إما عطْفٌ على ما أُضيف إليه: (باب)، أي: وباب الحُبُّ في اللهِ مِن الإيمان، أو عطفٌ على ما استَدلَّ به لزِيادة الإيمان ونُقْصانه.
(وَكتَبَ)، أَورده البخاريُّ بصِيْغة الجَزْم، فهو حُكمٌ منه بصِحَّته.
وإنما أَورد البخاري ما كتَبَ به عُمر بن عبد العَزيز؛ لأنَّه مُجمَعٌ على جلالته وفَضْله، ووُفور عِلْمه وعَقْله، وأُمُّه أُمُّ عاصم بنت عاصِم ابن عُمر بن الخَطَّاب، وكان عُمر ﵁ يقول: مِن ولَدي رجلٌ بوَجْهه شَجَّةٌ، يَملأ الأُفُق عَدْلًا، وقال سُفْيان الثَّوري: الخُلَفاء خمسةٌ:
стр. 166
الأربعة، وعُمر بن عبد العَزيز.
(عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ) بفتح العين المهملة: السيِّد الجَليل أَبو فَرْوَة الكِنْدي، اختُلف في صُحبته، والصَّحيح أنَّه تابعيٌّ، وإنما يَروي عن النبيِّ ﷺ مُرسَلًا، فَظُنَّ صَحابيًّا، وكان عامِلَ عُمر بن عبد العَزيز على الجَزيرة والمَوصِل.
قال البخاري: عَدِيٌّ سيِّد أهل الحرَمين، وقال أحمد: عَدِيٌّ لا يُسأَل عن مِثْله، تُوفِّي سنة عشرين ومئةٍ.
(فَرَائِضَ)؛ أي: أَعمالًا مَفْروضة.
(وَشَرَائِعَ)؛ أي: عَقائد دِينيَّةٍ.
(وَحُدُودًا)؛ أي: مَنهيَّات.
(وَسُنَنًا)؛ أي: مَنْدُوبات، وإنما فسَّرناه بذلك حَذَرًا من التَّكرير، فيكونُ وِقاءً بالاعتقاد، وبالعمَل والترك واجبَين ومندوبَين.
(اسْتكْمَلَهَا) هو مَوضع الشَّاهد من قَول عُمر بن عبد العَزيز بزيادة الإيمان ونُقصانه.
لكنْ قد يُستَشكل كما قال (ك): بأنَّه قال: للإِيمان كذا وكذا، فالاستِشكال إنما هو لمَا للإيمان، لا للإيمان نفْسه الذي هو محلُّ الخِلاف.
وجوابُه: أنَّه قال: (فقد استكمل الإيمانَ)، وقال بعدَه: (لم يستكمل الإيمانَ)، فسبَب الاستِكمال لنفْس الإيمان إثباتًا ونفيًا.
стр. 167
(فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبيِّنُهَا)؛ أي: أُوضحُها ليَفهمَها كلُّ أَحدٍ، ومُراده: أنَّه أَعلمَهم بالمقاصِد، ووعدَهم بالتَّفاصيل التي هي مفهومةٌ لمَنْ تأَمَّلَ، فليس في ذلك تأْخيرُ البَيانِ عن وقْت الحاجة؛ للاشتِغال عن التَّفْصيل لها بما هو أَهمُّ من ذلك.
(﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾) [البقرة: ٢٦٠]، إنما لم يُورِد هذه الآيةَ مع الآيات؛ لأنَّ تلك بالتَّصريح، وهذه باللَّازِم؛ لأنَّ معناه: أنَّه إذا انضَمَّ عينُ اليَقين إلى عِلْم اليَقين كان أَقوى من انفِراد العِلْم.
(اجْلِسْ) همزته وصلٌ.
(نُؤْمِنْ) بالجزْم جوابًا للأَمر.
ووجْه الشاهد فيه: أنَّه كان مُؤمِنًا، فوجَب حملهُ على زيادة ذلك، أو تَقْويته بكثْرة الأدلَّة على ما يجب الإيمان به.
قال (ن): نتَذاكَرُ الخَيْرَ، وأَحكامَ الآخِرة، وأُمور الدّين؛ فإنَّ ذلك إيمانٌ.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) قال عبْد الحَقِّ في "الجمْع بين الصَّحيحين": أَسنَده محمد بن خالد المَخْزُومي، عن سُفْيان الثَّوري، عن زيد، عن أَبي وائِل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، ذكَره ابن صَخْر في "الفَوائد"، انتهى.
(الْيَقِينُ: الإيمَانُ كُلُّهُ)؛ أي: فلو لم يكُن فيه زيادةٌ ونقصٌ لمَا قال: (كلُّه) التي هي لما لَه أَجزاءٌ.
стр. 168
(حَقِيقَةَ التَّقْوَى)؛ أي: الإيمانِ؛ لأنَّ التَّقوى وِقايةُ النَّفْس عن الشِّرك، وفي بعض الرِّوايات بدل (التَّقوى): (الإِيْمان).
(حَتَّى يَدَع) منصوبٌ بـ (أَنْ) المقدَّرة.
(حَاكَ) بتخفيف الكاف، أي: أثَّر وعَمِل، يُقال: ما يَحيكُ فيه المَلام، أي: ما يُؤثِّر فيه، فالمراد اضطِرابُ الصَّدر به، فلم ينشَرِح.
وقال التَّيْمِي: حاكَ فيه: ثبَتَ فيه، وفي بعض نسُخ المَغارِبة: (حَكَّ) بتشديد الكاف، وفي بعض نسُخ العراق: (حاكَّ) -بالتشديد- أيضًا من المُحاكَّة.
وقال (ن): حَاكَ -بالتخفيف-: ما وقع في القَلْب ولم يَنشرح له الصَّدرُ، وخافَ الإثمَ، وعلى كلِّ حالٍ فهو دليل على أنَّ بعض المؤمنين بلَغ كثيرَ الإيمانِ، وبعضُهم لم يبلُغْه (١)، فهو يَزيد وَينقُص.
(أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ)؛ أي: نوحًا، أي: فهذا الذي تظاهرتْ عليه آياتُ الكتاب والسنَّة من زيادة الإيمان ونُقصانه هو شَرع الأنبياء كلِّهم؛ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣].
(سَبِيلًا وَسُنَّةً) هو تفسير ابن عبَّاس لقوله تعالى: ﴿شِرْعَةً وَمِنهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
قال الجَوْهَري: الشِّرْعة: الطَّريق الواضح، وكذا المِنْهاج، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
стр. 169
فدلَّت الآية الأُولى على اتحاد شِرْعة الأنبياء، وذلك في أُصول الدِّين، والآية الأُخرى على تفرُّق شرائعهم، وذلك في الفُروع.
* * *
٢ - بابٌ دُعَاؤكُمْ إِيمَانُكُمْ (باب: دعاؤكم إيمانكم)
قال (ن): كذا في بعض النُّسَخ بذكر (باب)، وهو غلَطٌ فاحشٌ، وصوابه: ودُعاؤكم إيمانُكم، أي: وفسَّر ابن عبَّاس قولَه تعالى: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] الدّعاء بالإيمان، أي: لولا إيمانُكم، فدلَّ على أنَّه يَزيد وينقُص، أو أنَّه سمى الدّعاء إيمانًا، والدُّعاء عمَلٌ.
وقال (ط): لولا دُعاؤكم الذي هو زيادةٌ في إيمانكم.
قال (ن): ولا يَصحُّ إِدخال (بابٌ) هنا لوجوهٍ: منها أنَّه ليس له تعلُّقٌ بما نحن فيه، وأيضًا فترجمته أوَّلًا على بُني الإسلام، ولم يذكُره إلا بعدُ، فعُلم أنَّ: (دُعاؤكم إيمانُكم) مِن بقيَّة الترجمة، ولو كان هنا: (بابٌ) لم يكُن حديث: "بُني الإِسلامُ" مُطابِقًا للتَّرجمة.
قال (ك): وعندنا نُسخةٌ مَسموعةٌ منْها على الفِرَبْرِي، وعليها خطُّه: (دُعاؤُكم إيمانُكم) بلا بابٍ، وبلا واوٍ.
* تنبيه: مقصود الباب -كما قال (ن) -: أنَّ الإيمان هل يُطلَق
стр. 170
على الأَعمال كالصلاة والصيام، فيَزيدُ وينقصُ، أَوْ لا؟
مذهب السَّلَف الأوَّل فيُطلق على تصديقِ القَلْب، ونُطقِ اللِّسان، وعمَل الجَوارِح، فيَزيد بزيادتها، وينقُص بنقصانها، وقال بالثاني أكثَرُ المُتكلِّمين، وأَنكَروا زِيادتَه ونُقْصانه؛ لأنَّه متى قَبِلَ ذلك كان شَكًّا وكُفْرًا.
وقال المُحقِّقون منهم: نفْس التَّصديق لا يَزيدُ ولا ينقُص، وإنما يَزيد بثَمَراته، وهي الأَعمال، وينقُص بنقْصها.
قال (ن): ولكنَّ المُختار خِلافُه، وهو أنَّ نفْس التَّصديق يَزيد بكثْرة النَّظَر، وتظاهُر الأَدلَّة حتى لا يَتزلزل بعارِضٍ، فلا يشُكُّ عاقلٌ أنَّ تصديق أبي بكرٍ لا يُساويه تصديقُ آحادِ النَّاس.
وأما إِطْلاق اسم الإيمان على الأَعمال فمُتفَقٌ عليه، وهذا المعنى أَراد البخاريُّ بتَبْويبه الآتي بجُزئيَّات أُمور الإيمان (باب: الصَّلاةُ من الإيمان)، (باب: الجِهاد من الإيمان)، والمراد الرَّدُّ على المُرجئَة في قولهم: الإِيمان قَولٌ بلا عمَلٍ.
قال: واتفَقَ أهلُ السنَّة من المُحدِّثين والفُقهاء والمتكلِّمين على أنَّ المؤمن الذي يُحكم بأنَّه من أهل الإيمان، ولا يُخلَّد في النَّار لا يكون إلا مَن اعتقَد بقَلْبه دينَ الإسلام، ونطَق مع ذلك بالشَّهادتين، فإنِ اقتصَر على أحدهما لم يكُن من أهل القِبْلة، بل يُخلَّد في النَّار، إلا أنْ يعجَز عن النُّطْق لِخَلَلٍ في لسانه، أو لعدَم التمكُّن لمعالجة (١)
стр. 171
المَنيَّة، أو لغيرها، فإنَّه حينئذٍ يكون مُؤمنًا، انتهى.
قال (ك): الاتفاق ممنوعٌ فيما لو اقتصَر على الاعتِقاد مع القُدرة على النُّطْق إذا لم يَظهَر مُنافٍ، فإنَّه مُؤمنٌ عند الله تعالى، وقد لا يخلد في النار، نعَمْ، يُحكَم بكُفره.
قلتُ: كلامُ (ن) في الذي يُحكَم بإيمانه، ولا يخلد في النار، ولا شك أنَّه بالاتفاق.
وقال (ط): مذهب جميع أَهل السنَّة سلَفِ الأُمة وخلَفِها: أنَ الإيمان قَولٌ وعمَلٌ، وَيزيد وَينقُص، والمعنى الذي يستحقُّ به العبد المَدْحَ والمُوالاة من المؤمنين هو الثَّلاثة: التَّصديق، والإِقْرار، والعمَل، ولا خلافَ أنَّه لو أقرَّ، وعمِل بلا اعتقادٍ، أو اعتقَدَ وعمِل وجَحَد بلسانه لا يكُون مُؤمنًا، وكذا إذا أَقرَّ واعتقَدَ، ولم يعمَل الفرائض لا يُسمَّى مؤمنًا بالإطلاق.
قال (ك): لعلَّ مُراده كمال الإيمان لا أَصل الإيمان؛ فإنَّ من أقَرَّ باللِّسان سَمَّاه رسولُ الله ﷺ مُؤمنًا على الإطلاق، فلا يخرج عن الإيمان بترْك الفرْض مع ذلك.
وتحقيق المسألة يتوقَّف على تفسير الإيمان ما هو؟ فقال المتأَخّرون [وبعض المُعتزلة: هو تصديق الرَّسول ﷺ بما عُلِم مجيئُه به ضرورةً، والحنفيّة: التَّصديقُ والإقرارُ، والكرَّاميَّة: الإِقْرار] (١)، وبعض المعتزلة:
стр. 172
الأَعمال، والسَّلَف: التَّصديق بالجَنان، والإِقْرار باللِّسان، والعمَل بالأركان، فالأقوال خمسةٌ: ثلاثةٌ بسيطةٌ، وواحدٌ مُركَّبٌ من اثنين، وواحدٌ مُركَّبٌ من ثلاثةٍ.
فالكلمة كافيةٌ في دُخول الإيمان اتفاقًا، والكمال لا بُدَّ فيه من الثَّلاث إجماعا، انتهى.
* * *
٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَناَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ".
(م ت س).
اعلم أنَّ مِن طُرَف إسناد الحديث هنا: أنَّ رُواته مَكيُّون قُرشيون إلا عُبيد الله فإنَّه كوفي.
وقولُ البخاري مرةً: (حدَّثنا)، ومرةً: (أخبرنا) إما على القول بالمُغايرة، وهو المشهور، بأنَّ الأول إذا قرأَ الشَّيخُ، والثاني إذا قُرئ على الشَّيخ، وإما لأنَّهما سواءٌ كما سيأتي، وأما (عن) فللأعمِّ، لكنْ لا بُدَّ في المُعَنعَن من السَّماع عند البخاري.
(بُنِيَ الإسْلَامُ) قال (ن): أَدخَل البخاريُّ هذا الحديثَ في هذا
стр. 173
الباب؛ ليُبيِّن أنَّ الإسلام يُطلَق على الأفعال، وأنَّ الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنًى واحدٍ.
(عَلَى خَمْسٍ)؛ أي: دَعائِم، أو قَوائِم، وفي بعض الرِّوايات: (خَمْسَةٍ)، أي: أشياءَ، أو أَركان، على أَنَّ وُجوب تذكير العدَد في المؤنَّث، وتأْنيثه في المذكَّر إنما هو إذا كان المعدُود مَذْكورًا، أما إذا لم يُذكر فيجوز الأَمران كما صرَّحَ به النُّحاة، ونقلَه (ن) في "شرح مسلم" في حديث: "مَنْ صامَ رَمَضانَ وسِتًّا مِنْ شَوَّال".
(شَهَادَةِ) هو وما عُطف عليه مجرورٌ على البدَل مِن (خَمْسٍ) بدَلَ كلٍّ من كلٍّ، أو مرفوعٌ خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هي شَهادةُ.
(أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، (أنْ) فيه مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة، ولهذا عُطف عليها.
(وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)؛ قلتُ: قال الإِسْمَاعِيْلي في "مُستخرَجه": فيه التَّنبيه على جميع ما أُمِر بالإيمان به كالإيمان برسُل الله، ومَلائكته، وكُتُبه، والبَعْث، وغير ذلك، فاستغنَى بمُفتَتح الإيمان، كما تقُول: قَرأْتُ الحمدُ للهِ، والمرادُ: إلى آخِر السُّورة.
(وَإِقَامِ) أصله: إِقْوام، فنُقلتْ فتحة الواو إلى السَّاكن قبْلَها، فحُذفت الواو، ويجب حينئذٍ أنْ يُعوَّض عنها، فيُقال: إِقامَةٌ، أو ذِكْر المُضاف إليه كما في قوله تعالى: ﴿وَإقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣].
(وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ)؛ أي: إعطاؤُها، والإيْتاء يتعدَّى لاثنَين، أُضيف
стр. 174
إلى أحدهما، وحُذف الآخَر، أي: مُستحِقَّها.
(وَصَوْمِ رَمَضَانَ) دليلٌ لمن جوَّز إطلاقَ رمَضان من غير إضافةِ (شَهْرٍ) إليه.
واعلم أنَّ الإسلام مُشبهٌ بشيءٍ له دَعائِمُ، فذُكر المشبَّه، وأُسند إليه ما هو من خَواصِّ المُشبَّه به، وهو البِناء، ويُسمَّى ذلك استعارةً بالكِنَاية، كـ: أَنْبَتَ الرَّبيعُ البَقْلَ.
ثم ظاهر الحديث أنَّ مَن تركَ شيئًا من الأَربعة الأَخيرة لا يكُون مُسلِمًا، ولكنْ صرَفَه عن ظاهره الإجماعُ على الدُّخول بالشَّهادة، فذِكْر الباقي معها تعظيمٌ لشأْنه.
قال (ن): ذِكْر الصلاة ونحوها؛ لأنَّها أَظهَر شعائر الإسلام يتمُّ بها استِسلامُ الآتي بها، وتَرْكُها يُشعر بانحلالِ قيْدِ انقِياده، انتهى.
فأجمعوا على أنَّه لا يَكْفُر بترك الصوم والصلاة، وأما قَول أحمد: يَكْفُر بترْك الصَّلاة؛ فلدليلٍ آخَر نحو: "مَنْ ترَكَ الصَّلاةَ مُتعمِّدًا فقد كَفَرَ".
ثم وجْه الحصْر في الخمْسة: أنَّ العبادة إما قوليَّةٌ وهي الشَّهادتان، وإما غير قولٍ، وهو ترْكٌ، وذلك الصَّوم، وإما فعْلٌ بدَنيٌّ وهو الصَّلاة، أو ماليٌّ وهو الزكاة، أو مركَّبٌ وهو الحجُّ.
ووجه الترتيب سبَق.
فإنْ قيل: إذا كان الإسلام هو الخمْسة، فالمبني لا بُدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه؟
стр. 175
قيل: لأنَّ المَجموع غيرُ كلِّ من أركانه.
فإنْ قيل: فالأَربعة لا تصحُّ إلا بالأول، فهي كالمبنيَّة، وهو المبنيُّ عليه؟
قيل: لا امتناعَ أن يكون شيءٌ مبنيًّا على شيءٍ، وغيرُ الشيئين يكون مبنيًّا عليهما من وجهٍ آخَر، وإنَّ معنى بِناء الأربعة من جهة صحَّتها، وذلك غيرُ معنى (بُني الإسلام على خمسٍ).
وقال التَّيْمِي ما حاصله: أنَّ الخمسة وإنْ كان مُقتضى الظاهر أنْ تُبنى على الإسلام لمَا سبق من توقُّفها على الإسلام، ولهذا مَن أنكَر منها شيئًا كفَر؛ لبُطلان إسلامه لا أنَّ الإسلام مبنيٌّ عليها، لكنْ المراد في الحديث أنَّ الإسلام الكاملَ مبنيٌّ على الخمْس لا حقيقة الإسلام.
قال (ك): وهو حسَنٌ، لكنْ قوله: إذا أنكر حُكمًا من هذه يُحكم ببُطلان إسلامه ليس من البَحْث؛ لأنَّ البَحْث في فِعْل هذه الأُمور وتركِها لا في إنكارها، وكيف وإنكار كلِّ حُكمٍ من أحكام الإِسلام مُوجِبٌ للكُفر، فلا معنى للتخصيص بهذه الأَربعة.
قلتُ: أي: إذا كان مِن المُجمَع عليه المعلُوم من الدِّين بالضَّرورة.
وقال الطَّيْبِي: ليس المراد هنا كأَعمِدة البَيت؛ فإنَّ تلْك أربعةٌ بل أَعمِدة الخِبَاء، ويُؤيِّده حديث مُعاذ: "وعَمُودُها الصَّلاة".
فحاصِل التَّشبيه: أنَّ الشهادتَين قُطبها الذي تَدُور عليه الأركان، وبقيَّة شُعب الإيمان كالأَوتاد للخِبَاء.
стр. 176
رُوي: أنَّ الفَرَزْدَق حضَر جنازةً، فسألَه بعضُ الأئمَّة: يا فَرَزْدَق! ما أعددْتَ لهذه الحالةِ؟، فقال: شهادةُ أنْ لا إلهَ إلا الله، فقال: هذا العَمُود، فأَين الأَطْناب؟
ثم ذكر (ك): التَّرديد حينئذٍ في وجْه الاستِعارة، وأنواعَها مما لا يتعلَّق به حكمٌ، فحذَفناهُ.
* * *
٣ - بابُ أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، الآية [المؤمنون: ١].
(باب: أمور الإيمان)
أي: الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ عنده الأَعمال والأَقوال هي الإيمان، فالإضافة بيانيَّةٌ، أو الأمور التي للإيمان في تحقيق حقيقته، وتكميلِ ذاتِه، فالإضافة بمعنى اللام.
(وَقَوْلِ الله) فيه الوَجْهان السَّابقان، والإشعارةُ بآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾
стр. 177
إلى قوله فيها: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آمَنَ، أو: ولكنَّ ذا البِرِّ مَن آمَنَ، وقُرئ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ بالنَّصب على أنَّه خبرُ (ليس) قُدِّمَ.
والشاهد في الآية: أنَّه حصَر المُتقِين في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، أي: للشِّرْك على أَصحاب هذه الصِّفات والأعمال، فهُم المُوقنُون، أو المؤمنُون الكاملُون.
وأما آية: ﴿قَدْ أَفلَحَ﴾، أي: دخَل في الفَلاح، فحصر الإيمان الذي به الفلاح والنَّجاة في هذا الأعمال المذكورة.
قال (ط): أوَّل منازِل الإيمان هو التَّصديق، والاستكمال إنما هو بهذه الأُمور، فبوَّب البخاري أبوابَه على الاستكمال بقوله: (باب أُمور الإيمان)، (باب الجهاد)، (باب الصلاة من الإيمان).
* * *
٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبَو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ".
(م عو هـ).
(بِضْعٌ) في أكثَر الأُصول: (بِضْعةٌ)، وأوَّلهما مكسورٌ، والفتح لغةٌ قليلةٌ، ومعناها: القِطْعة، ثم استُعملا في العدَد ما بين الثلاثة
стр. 178
والعشرة على الصحيح، وقيل: من ثلاثٍ لتسعٍ.
(وَسِتُّونَ) في "مسلم": (وسَبْعُون)، وكذا في أبي داود، والتِّرمِذي، والنَّسائي بالجزْم، وصوَّبها (ع)، وإنْ رجَّح بعضهم (السِّتين) لأنَّها المتيقَّن.
قال (ن): رواية: (سَبْعون) زيادةٌ من ثقةٍ، فتُقبَل.
وردَّه (ك) بأنَّ زيادة الثِّقة أنْ يُزاد لفْظٌ في الرِّواية، وإنما هو اختلافُ روايتَين لا مُنافاةَ بينهما في المعنى؛ إذ ذِكْر الستِّين لا يَنفي أكثَر، أو أنَّه أخبَر بالستِّين، ولمَّا زيد أَخبَر بالسَّبعين، فكلاهما صوابٌ، وفي مسلم روايةٌ: (وسِتُّون، أو وسَبْعُون) على الشكِّ.
(شُعْبَةً) هي غُصن الشَّجرة، وفرعُ كلِّ أصلٍ، فشُبِّه الإيمان بشجرةٍ ذات أغصانٍ وشُعبٍ كما شُبِّه في حديث: "بُنيَ الإسلامُ" بخِباءٍ ذاتِ عَمَدٍ.
قال (خ): الإيمان يتشعَّب إلى أُمورٍ جِماعُها الطَّاعة، فلذلك تفاضَلَ الناسُ في درج الإيمان وإنْ استَوَوا في الأصل، فكان بَدْء الإيمان الشَّهادةُ دعاهُمُ النبيُّ ﷺ إليها، وكان مَن أجابَه إليها مؤمنًا، ثم نزلت الفَرائضُ، فخاطبَهم عند طلَبها بنحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وهذا الحُكم في اسم كلِّ أمرٍ ذي شُعَبٍ كالصلاة، فلو أنَّ رجلًا مرَّ بمسجدٍ فيه مَن افتتَح الصلاةَ، ومَن ركَع، ومَن سجَد، فإنَّه يقول: رأَيتُهم يُصلُّون مع اختلاف أَحوالهم، وتفاضُل أعمالهم.
стр. 179
ولذا قال التَّيْمِي: المراد أنَّ مَن وُجدتْ فيه هذه الخِصال، فهو مُؤمنٌ على سبيل الكمال، فإيمانُ كلِّ واحدٍ بقدْر ما يُوجد فيه منها.
واعلم أنَّ تفاصيل هذه الشُّعَب وأسمائها لا تكليفَ فيه، ولا يَقدح في الإيمان الجهْلُ بذلك، فلذلك بيَّن النبيُّ ﷺ أعلاها وأَدونَها، فعُلم أنَّ ما بينهما من الطَّاعات هو الباقي كما كلَّفَنا بالإيمان بملائكته وإنْ لم نعلَم أسماءَ الأكثَر، ولا أَعيانَهم.
قال (ن): بيَّن أعلاها، وهو لا إله إلا الله، فتبيَّن أنَّ التوحيد واجبٌ على كل مكلَّفٍ، ولا يصحُّ شيءٌ من الشُّعب إلا بعد صِحَّتها، وبيَّن أَدناها، وهو ما يُدفع به ضررُ المسلمين، فما بينهما تمام العدَد نُؤمن به وإنْ لم نَعلم أَعيانَ أفراده، كما نُؤمن بالملائكة وإنْ لم نَعرف أعيانَهم وأَسماءَهم، انتهى.
وخاضَ قومٌ مرَّةً في تَفاصيلها، فقال ابن حِبَّان: تتبَّعتُ معنى هذا الحديث مدةً، وعدَدتُ الطَّاعات، فإذا هي تَزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعتُ إلى السنَّة فعددت كل طاعةٍ عدَّها رسول الله ﷺ من الإيمان، فإذا هي تنقُص، فضمَمتُ ما في الكتاب والسنَّة، فإذا هي تسعةٌ وسبعون، لا تَزيد ولا تَنقص، فعلمتُ أنَّه المراد.
نعَمْ، قال البَيْضاوي: يحتمل أنَّ المراد بهذا العدد، وهو سبعٌ وسبعون التكثيرُ على حدٍّ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وذلك أنَّ لفْظ (السبْع والسَّبعين) يكون للتَّكثير كثيرًا؛ لاشتمال السَّبعة
стр. 180
على تقاسيم المُتَعَدِّد، فإنَّه ينقسم إلى فردٍ وزوج، وكلٌّ منهما أوَّلٌ ومركبٌ، وينقَسم إلى مُنطِقٍ وأَصَمَّ، والكلُّ في السَّبعة، فإذا أُريد المُبالغة جُعلت آحادها أعشارًا.
لكنْ مدار الخصال على أصلٍ واحدٍ، وهو تكميل النَّفس على وجهٍ يُصلح مَعاشه، ويحسِّن مَعاده، وذلك بأن يعتقد الحقَّ، ويستقيم في العمَل، وإليه أَشار ﷺ بقوله لسُفْيان الثَّقَفي حين سأله قَولًا جامعا: "قُلْ آمنْتُ باللهِ، ثم استَقِمْ".
وقال علي بن عِيْسى النَّحْوي: السَّبعة أكمَل الأعداد؛ لأن الستَّة أوَّلُ عددٍ تامٍّ، وهي مع الواحد سبعةٌ، فكانت كاملةً؛ إذ ليس بعد التَّمام سِوى الكمال، فلذلك سُمي الأَسَد سبُعًا لكمال قُوَّته، ثم السَّبعون غاية الغاية؛ إذِ الآحادُ غايتها العشَرات، وأما الستَّة، فلأنَّ العدد إما زائدٌ، وهو ما أَجزاؤه أكثَر منه كاثني عشَر، فإنَّ لها نِصْفًا، وثلثًا، وربعًا، وسدسًا، ونصف سدسٍ، ومجموعُ هذه الأجزاء أكثَر من اثني عشر، وإما ناقصٌ، وهو ما أَجزاؤه أقلُّ كالأربعة، لها نصفٌ وربعٌ، وإما تمامٌ، وهو ما أَجزاءه مثلُه كالستَّة، فإنَّ أجزاءَها نصفٌ، وثلثٌ، وسدسٌ.
فذَكَر التَّمام بجعل آحاده عشراتٍ مبالغةً؛ إما لكون الإيمان هذا العدَد في الواقع، أو لقَصْد التكثير مبالغةً.
وقال الطِّيْبِي: الأظهر أنَّ المعنى فيه التَّكثير، وأنَّ ذِكْر البِضْع للترقِّي؛ لأنَّ الشُّعَب لا نهايةَ لها لكثْرتها، إذ لو أُريد التعديد لم يُبهِم.