Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وفيه: أنَّه لا يُبطِل الصَّلاة.
قال (ط): وإكرامُ القِبْلة وتَنْزيهها؛ لأنَّ المُصلِّي يُناجي ربَّه، فيجب عليه إكرامُ قِبْلته بما يُكرم به مَنْ يُناجيه من المَخلوقين عند استِقبالهم بوجهه، ومن أَعظم الجَفاء وسُوء الأدَب أن تَتنخَّم في توجُّهك إلى ربِّ الأرباب، وقد أعلَمَنا الله بإقباله على مَنْ توجَّه إليه.
وفيه: فَضْل المَيمَنة على المَيْسرة، وإنَّما عرَّفَهم كفَّارةَ تلك الخطيئة التي نهَى عنها؛ لأنَّ ذلك لا يَكادُ يَسلَمُ منه أحدٌ.
* * *
٤٠ - بابُ عِظَةِ الإِمَامِ النَّاسَ في إتمام الصَّلاةِ وَذِكْرِ الْقِبْلَةِ
(باب عِظَةِ الإمام النَّاسَ)، (وذِكْر) عطفٌ على (عِظَة).
٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا، فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا ركوعُكُمْ، إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءَ ظَهْرِي".
الحديث الأَوَّل:
(هَلْ تَرَونَ) استفهامُ إنكارٍ على مَنْ يَرى؛ أي: يحسَبُ أنَّه لا يَرى
стр. 1157
إلا ما في جِهَةِ قِبْلته، فأقسَم بالله أنَّه يَرى من غير جِهَة قِبْلته كما يَرى منها.
(ما يَخْفَى) هو جوابُ القسَم.
(وخُشُوعُكُم)؛ أي: سُجودكم؛ لأنَّه الغاية في الخُشوع، أو الأَعمُّ من ذلك.
(إِنِّي لأَراكُم) بدلٌ من جَواب القسَم، أو بيانٌ له، وهو بفتح الهمزة.
قال (ط): فيه أنَّ الإمامَ يَنهَى مَن يَراه مُقصِّرًا، أو يَحضُّه على ما فيه الحَظُّ؛ لأنَّه ﷺ وبَّخَ من نقَص كمالَ الرُّكوع والسُّجود، ووعظَه بأنَّه يَراه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الحج: ٤١]، وأما رُؤيته مَنْ خَلْفه، فإنَّه [ربما] يوحى إليه ما يَفعلونَه، فعبَّر عن العِلْم بالرُّؤية، أو أنَّ من خَصائصه أنَّه زيدَ في بصَره حتَّى يَرى مِن ورائه، وبه جزَم أحمد، وهو دليلٌ للأشاعرة في أنَّ الرُّؤية لا يُشترط فيها مُواجهة ولا مُقابلةٌ، وجوَّزوا إبصارَ أَعمى الصِّين بقبة أَندلس.
* * *
٤١٩ - حدثنا يَحْيَى بْنُ صَالحٍ، قَالَ: حدثنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ صلَاةً ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ في الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكوعِ: "إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كمَا أراكُمْ".
стр. 1158
الحديث الثَّاني:
(رَقِيَ) بكسر القاف، وطَيِّءٌ تفتحها.
(في الصَّلاة) متعلِّقٌ بـ (أَراكم) مقدَّر؛ لأنَّ ما في خبَر إِنَّ لا يتقدَّم عليها، أو أنَّ المعنى: قال في شأن الصَّلاة والرُّكوع ذلك، نعم، ذكَر الرُّكوع مع كونه من الصَّلاة للاهتِمام بشأنه؛ لأنَّه أَعظمُ أركانها، ولذلك تُدرَك الرَّكعة به، أو أنَّه عَلِمَ تقصيرَهم فيه فذكَره.
(مِنْ وَرائِي) في بعضها: (مِنْ وَراء)، بحذف الياء من الأخير بالكسرة، وإطلاقُ الرُّؤية من ورائه يقتضي عُمومه في الصَّلاة وغيرها، وإِنْ كان السِّيَاق يقتضي أنَّ ذلك في الصَّلاة فقط، والتَّشبيه في: (كَمَا أَراكُمْ أَمَامِي)، من حيثُ هذا القَيْد لا بالرُّؤية المُطلَقة، وهو دليلٌ على أنَّ المُراد بالرُّؤية الإبصارُ لا العِلمُ.
* * *
٤١ - بابٌ هَلْ يُقَال: مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ ؟
(باب: هل يُقال مَسجدُ بَنِي فُلانٍ)
٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَداعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي
стр. 1159
لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابقَ بِهَا.
(أضمرت)؛ أي: ضُمِّرتْ، وتَضميرها: أنْ تُشَدَّ عليها سُروجُها وتُجلَّل بالأَجِلَّة، حتَّى تَعْرَق، فيَذهبَ رَهَلُها، ويَشتَدَّ لحمها، ومنهم من يقول: تُعْلَف حتَّى تَسْمَن، ثم تُرَدُّ للقُوت، وذلك في أربعين يومًا، وقال (ن): أنْ يُقلَّل علَفُها مدَّةً، وتُجلَّل فيه لتَعرَق ويَجِفَّ عَرَقُها ليَخِفَّ لحمُها، وتَقوَى على الجَرْي، والكلُّ متقاربٌ.
(الحفياء) بفتح المُهمَلَة وسُكون الفاء، ثم مُثنَّاةٌ تحتُ، وتُمَدُّ وتُقصَر.
(وأمدها)؛ أي: غايتُها.
(ثنية الوداع) موضعٌ بقُرب المدينة، بينهما خمسة أميالٍ، أو ستةٌ أو سبعةٌ، سُمِّيت بذلك لأنَّ الخارج من المدينة يُودِّعونه هناك، والثَّنيَّة لغةً: الطَّريقة إلى العَقَبة.
(من الثنية) اللَّام للعهد.
(مسجد بني زُريق) بزايٍ مضمومةٍ وراءٍ، أُضيفَ إلى الباني، وإنْ كان حقيقةُ إضافتِها لله تعالى، فهي إضافةُ تمييزٍ ببني زُريق لا ملكٍ، وكَرِهَ النَّخَعِيُّ أَنْ يُقال: مسجد بني فلانٍ، وهذا الحديث يَرُدُّه، وإنَّما نقَصَ في التي لم تُضَمَّر لقُصورها عن شَأْو المضمَّرة ليكون عدلًا بين النَّوعين، وذلك كلُّه إعدادٌ للقُوَّة في إعزاز كلمة الله ونُصرةِ دينه، قال
стр. 1160
تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠].
(وأن عبد الله) إمَّا من مَقوله كما تقول عن نفسك: فُلان فعَل كذا، أو من مَقول نافع.
(بها)؛ أي: بالخيل، أو بهذه المُسابقة.
* * *
٤٢ - بابُ الْقِسْمَةِ وَتَعْلِيقِ الْقِنْوِ في الْمَسْجِدِ
(باب القِسْمة وتَعليقِ القِنْو في المَسجد) الجارُّ متعلِّقٌ بـ (القِسمةِ) و (تعليقِ)، والقِنْو بكسر القاف.
(العذق) بكسر المُهمَلَة وسكون المُعجَمَة، وهي الكباسة بشَماريخه وبُسْره، كالعُنْقود للعِنَب، أمَّا بفتح العَين فالنَّخلة.
(والجماعة قنوان)؛ أي: بالتَّنوين، وبه يُفارِق المُثنَّى، ولذا تَبقى نُونه للإضافة، والمُثنَّى تُحذف نونُه، وجَمْع القِنْو في القِلَّة أَقْنَاء.
(كصنو)؛ أي: في كلِّ ما سبَق، وهو بكسر الصَّاد: أَنْ تخرج نخلتان أو ثلاثٌ من أَصْلٍ واحدٍ، كلٌّ منهما صِنْوٌ.
٤٢١ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ: "انْثُرُوهُ في الْمَسْجدِ"،
стр. 1161
وَكَانَ أكثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ فَجَلَسَ إلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَعْطِنِي فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذْ"، فَحَثَا في ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُ إِلَيَّ، قَالَ: "لَا"، قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا"، فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا"، قَالَ فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا"، فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِي عَلَيْنَا، عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ.
(وقال إبراهيم يعني) الضَّمير في (يعني) للبُخاري، فيكون ذلك من مَقول الرَّاوي عن البُخاري، وهذا التَّعليق وصلَه الحاكم في "المُستدرك"، وابن مَنْدَه في "أماليه"، وعُمر بن عبد العَزيز بن بُجَيْر البُجَيْري في "صحيحه"، وأبو نُعَيْم في "المُستخرَج".
(البحرين) بلفظ التَّثنية: موضعٌ قَريبٌ من بحر عُمَان، وقال الجَوْهَري: بلدٌ.
(انثروه) بمُثلَّثةٍ مَضمومةٍ، وهذا المال -في "مسند ابن أبي شَيبة" بسندٍ جيِّدٍ مع إرساله- كان مئةَ ألفٍ، والمُرسِل به العَلاء بن الحَضْرَميِّ
стр. 1162
من الخَراج، وفي (الرِّدَّة) للوَاقِدي: أنَّ الرَّسولَ العَلاء ابن حارثة الثَّقَفي.
(فَاديتُ)؛ أي: في بَدْرٍ حيث كان هو وعَقِيْلٌ ابنُ أخيه أَسيرَينِ.
(فحثا)؛ أي: العبَّاس، وهو بمهملة ومثلَّثةٍ، من الحَثْيَة، وهي مِلْءُ اليَدِ.
(يقله) بضَمِّ أوَّله، من الإِقلال، وهو الرَّفْع والحَمْل.
(أومر) فعل أَمْرٍ من أَمَرَ، أصلُه أُأْمُرْ بهمزتين مضمومتين ثم ساكنةٍ، فقُلبت الثَّانية واوًا، فإذا وصلَ حُذفتْ همزة الوَصْل وتبقى الأخرى ساكنةً، وهذا جاء على الأَصل، والأفصح ما في الرِّواية الأُخرى منْ حذف الهمزة، أي: على غير قياسٍ، نَعَمْ، فَأْمُرْ أفصحُ من وَمُرْ.
(يرفعه) بالرَّفعْ استئنافًا، وبالجزم جوابًا للأمر.
(فنثر)؛ أي: العبَّاس.
(كاهله) هو ما بين الكتفَين.
(سبعه) بضَمِّ أوَّله.
(عجبًا) مفعولٌ مطلقٌ.
قال (ك): مما يجب حذفُ عامله، أو مفعوله.
قلت: فيه نظَرٌ.
стр. 1163
(وثم) بفتح المُثلَّثة؛ أي: هنالك، والمقصود نفيه أنْ يكون هناك درهم، فالحال قيدٌ للمَنفيِّ لا للنَّفْي، فالمجموع مُنتفٍ بانتِفاء القَيد لا بانتفاء المُقيَّد، وإنْ كان ظاهرُه نفيَ القيام حالةَ ثبوت الدِّرهم، ولم يذكر البُخاري حديثًا فيما تَرجمه من تَعليق القِنْو، إما لأَنَّ وضْع الدِّرهم في المَسجِد للصَّدَقة يُؤخَذ منه وضْع القِنْو للصَّدقة، أو لشُهرة ذلك.
قال (ط): وأغفله البُخاري، وهو أمرٌ مشهورٌ، فيُذكره أنَّه ﷺ أَمَر من كلِّ حائطٍ بقِنْوٍ في المَسجِد؛ لأَنَّ ناسًا كانوا يَقدمون على النبي ﷺ لا شيءَ لهم، فقالت الأنصار: لو جعلْنا قِنْوًا من كل حائطٍ لهؤلاء، قال: (أَجَلْ)، ففعلوا، والأَقْناء تُعلَّق في المَسجِد اليوم للمَساكين، وكان عليها معاذ.
قال (ش): أشار البُخاري إلى ما رواه النَّسائي عن عَوْف بن مالك: خرج النبيُّ ﷺ وبيَده عَصا، وقد علَّق رجلٌ قِنْوَ حشَفٍ، فجعلَ يَطعُن في ذلك القَنْو، فقال: (لَو شَاءَ رَبُّ هذهِ الصَّدَقة لتَصَدَّقَ بأَطيَبَ مِنْ هذه الصَّدَقة، إِنَّ رَبَّ هذهِ الصَّدَقة يَأْكُلُ حَشَفًا يَوْمَ القِيَامَةِ).
قال: وفي الحديث قَسْمُ الإِمام باجتِهاده، وإِعطاءُ الصَّدَقة لأَحدِ الأَصناف الثَّمانية؛ إذ لو قسَم بين الثَّمانية لَمَا أَعطَى العبَّاس بغير مكيالٍ ولا ميزانٍ.
قال (ك): هذا ليس بزكاةٍ؛ لأنَّها حرامٌ على العبَّاس، بل هذا المال من فَيءٍ أو غَنيمةٍ.
стр. 1164
قال (ط): وفيه أَنَّ الإِمام إذا عَلِم حاجةَ النَّاس لا يَدَّخِر شيئًا، وفيه كرمه ﷺ ، وزهدُه في الدُّنْيا، وأنَّه لم يَمنع شيئًا سُئِلَه إذا كان عنده، وأنَّ للسُّلطان أن يترفَّع عمَّا يكون يُهينه من العمل بيده، وإنَّما لم يَأْمُر برفع المال على العبَّاس، أي: ولا إعانتِه؛ زجرًا له عن الاستكثار، وأنْ لا يَأخذ إلا قَدْرَ حاجته، وفيه وضْع ما النَّاس مُشتركون فيه من صَدَقةٍ ونَحوِها في المَسجِد؛ لأنه لا يُحجَب أحدٌ من ذَوي الحاجاتِ من دُخوله.
* * *
٤٣ - بابُ مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ في الْمَسْجِدِ، وَمَنْ أَجَابَ فِيهِ
(باب من دُعِيَ لطعامٍ في المَسجِد) في متعلَّقةٌ بـ (دُعي)، وعَدَّى (دعا) باللَّام لقَصْد الاختِصاص، وقد يُعدَّى (دعا) بـ (إلى) نحو: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] , لقَصْد بيان الغاية، وبالباء نحو: دعَا هِرَقْلُ بكتاب رسول الله ﷺ ؛ فاختلَف بحسب المَعاني المَقصودة حَرْف التَّعدية.
٤٢٢ - حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، سَمعَ أَنسًا قَالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ في الْمَسْجدِ مَعَهُ ناَسٌ فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: "آرْسَلَكَ أبو طَلْحَةَ؟ " قُلْتُ: نعمْ، فَقَالَ: "لِطَعَامٍ"، قُلْتُ: نعمْ، فَقَالَ لِمَنْ معه: "قُومُوا". فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.
стр. 1165
(أأرسلك) في بعضها بدون همزة الاستفهام.
(حوله) نُصِبَ بالظَّرفيَّة، أي: لمَنْ كان حولَه.
(فانطلق) في بعضها: (فانطَلَقُوا).
(وانطلقت) فيه جوازُ تقدُّم بعض الخدَم بين يدَي الإِمام ونحوه للحِجَابة.
قال (ط): والدُّعاء للطَّعام وإِنْ لم يكُنْ وليمةً، وأنَّه من المَسجِد وغيره سواءٌ؛ لأنَّ الطَّعام بِرٌّ فَوقَ ثَواب الجلوس في المَسجِد، ودعاءُ السُّلطان للطَّعام القَليل، وأَنَّ المَدعُوَّ إذا عَلِمَ من حال الدَّاعي أنَّه لا يَكْره أَنْ يَجلِبَ معه غيرُه إذا كان الطَّعام يَكفي يَأخذُه؛ لأنَّه ﷺ علم أنَّه يَكفي جميعَهم لبَرَكته وما خصَّه الله به، فكان من علاماتِ النُّبوَّة.
* * *
٤٤ - بابُ الْقَضَاء وَاللّعانِ في الْمَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء
(باب القَضاء واللِّعان في المَسجد)
٤٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ الرَّزَاقِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ، فتلَاعَنَا في
стр. 1166
الْمَسْجدِ وَأَناَ شَاهِدٌ.
(يحيى) قال الغَسَّاني: قال ابن السَّكَن: هو الخَتِّي، وقال غير ابن السَّكَن: إنَّه البِيْكَنْدي، وقال (ك): يحتمل أنَّه ابن مَعِيْن؛ لأنَّه سمع من عبد الرَّزَّاق.
قلتُ: إذا كانت الرِّواية: (يحيى بن مُوسى) انتفى أنَّه ابن مَعِيْن.
(أن رجلًا) سيَأتي في (النِّكاح): أنَّه عُوَيْمِر العَجْلاني، أو هِلال بن أُمَيَّة، أو عاصِم بن عَدِيّ.
(أرأيت)؛ أي: أَخْبِرْني: هل يجوز قتلُه أم لا؟
(فتلاعنا)؛ أي: اللِّعان المُبيَّن في الفقه، سُمِّي بذلك لقول الرَّجل: وعليهِ لعنَةُ الله إِن كان من الكاذبين، أو من اللَّعن، وهو الإِبْعاد؛ لأَنَّ كلًّا بذلك يَبعُد عن الآخَر، فحُرِّم عليه أبدًا.
قال (ط): فيه جوازُ القَضاء في المَسجِد. قال مالك: هو أمرٌ قديمٌ معمولٌ به، وعن ابن المُسيَّب كراهيته.
وفيه اللِّعان في المَسجِد بحضْرة الخُلَفاء.
* * *
٤٥ - بابٌ إِذَا دَخَلَ بَيْتًا يُصَلِّي حَيْثُ شَاء, أَوْ حَيْثُ أُمِرَ، وَلَا يَتَجَسَّس
(باب إذا دخَل بيتًا يُصلِّي حيثُ شاءَ أو حيثُ أُمِرَ)؛ أي: حيثُ
стр. 1167
شاءَ المُصلِّي، أو لا يُصلِّي إلا حيثُ أَمَرَهُ صاحبُ البَيت، فسَاقَ الحديثَ جَوابًا بالثَّاني لا حيثُ يشاء، فسقَط بذلك مَنِ استبعَده بأَنَّ الحديث فيه الصَّلاةُ حيثُ أُمِرَ لا حيثُ شاء.
(ولا يتجسس) بجيمٍ أو بحاءٍ مُهمَلةٍ.
* * *
٤٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتاهُ في مَنْزِلهِ فَقَالَ: "أَيْنَ تُحِبّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟ ", قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيّ ﷺ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى ركعَتَيْنِ.
(عتبان) بكسر المُهمَلة وضمِّها.
(لك) الصَّلاة وإن كانتْ لله، لكنْ كونها في هذا المكان لعِتْبان، أي: ومع قصْد ذلك هو لله أيضًا.
(وصفَّنا)، أي: جَعلَنا صفًّا، وفي بعضها: (صفَفْنا) بفاءَين.
قال (ك): في الحديث تَعيين مُصلًّى في البيت إذا عجَز عن المَسجِد، وفيه جوازُ الجماعة في البُيوت، وفي نافلةٍ، وتسويةُ الصَّفّ خلف الإِمام، وإتيانُ الرَّئيس بيت المَرؤُوس.
* * *
стр. 1168
٤٦ - بابُ الْمَسَاجِدِ فِي الْبُيُوتِ
وَصَلَّى الْبَراءُ بْنُ عَازِب في مَسْجدِهِ في دارِه جَمَاعَةً.
(باب المَساجِد في البُيوت)
٤٢٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَني مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِك -وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ- أَنَّهُ أتى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْني وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تأتيني فَتُصَلِّيَ في بَيْتِي، فَأتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَقَالَ لَه رسُولُ اللهِ ﷺ : "سَأفعلْ إِنْ شَاءَ اللهُ"، قَالَ عَتْبَانُ: فَغَدَا رسولُ اللهِ ﷺ وَأَبو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: (أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ "، قال: فأشرتُ لَهُ إِلَى ناحيةٍ مِنَ البيتِ، فقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَبَرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنا فَصَلَّى ركعَتينِ ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، قَالَ: فَثَابَ في الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ، أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُم: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 1169
(لَا تَقُلْ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ"، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ -وَهْوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ-، عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِك.
(ممن شهد بدرًا) ذكَر ذلك لتقويةِ الرِّواية وتَعظيمِه والافتخارِ، وإلَّا فهو مشهورٌ بذلك.
(أنكرت) أَراد به العَمَى، أو ضَعْف البصَر.
(كانت) تامَّةٌ بمعنى الوجود.
(وسال الوادي) من إطلاق المَحلِّ على الحالِّ، وهو الماء.
(فأصلي بهم) بالنَّصْب عطفًا على (آتِيَ)، أو جوابًا للنَّفي.
(فتصلي) بالنَّصْب جوابًا للتَّمنِّي.
(فاتخذه) عطفٌ على الفعل المَنصوب، وفي بعضها بالرَّفْع استئنافٌ.
(إن شاء الله تعالى) تعليقٌ بالمَشيئة للآية لا لمُجرَّد التَّبرُّك؛ لأَنَّ ذلك حيث كان الشَّيء مَجزومًا به.
(حين) في بعضها: (حتَّى).
стр. 1170
قال (ن) في "شرح مسلم": زعَم بعضُهم أَنَّ (حتَّى) غلَطٌ، وليس بغلطٍ؛ إذ معناه: لم يَجلِس في الدَّار ولا في غيرها، حتَّى دخَل البَيتَ مُبادِرًا لقَضاء حاجتي وهي الصَّلاة في بيتي.
(وحبسناه على خزيرة)؛ أي: بعد الصَّلاة؛ لأَنَّ القصْد كان الصَّلاة، بخلاف إتيانه إلى بيتِ مُلَيْكَة السَّابق في (باب: الصَّلاة على الحَصِير)؛ فإِنَّه بدأَ بالأكل، ثم صلَّى؛ لأنَّها دعَتْه للطَّعام فبدأَ بالأَهمِّ في المَوضعَين، والخَزِيْرَة -بمعجمةٍ مفتوحةٍ ثم زاي مكسورةٍ ثم راءٍ-: لحمٌ يُقطَع صغيرًا يُطبَخ بماءٍ، فإِذا نضَج ذُرَّ عليه دقيقٌ، ويُروى: (حَرِيْرَة) بمُهمَلة ثم راءٍ مكرَّرةٍ، وسيَأتي في (باب الأطعمة) عن النَّضْر: أنَّها من اللَّبَن، وأنَّ الأُولى من النُّخالة.
(فثاب) بمُثلَّثةٍ وآخرُه موحَّدةٌ، أي: جاءَ واجتمع، أي: جاء الرِّجال بعضُهم إِثْرَ بعضٍ.
(أهل الدَّار) المُراد بهم أهل تلك المَحَلَّة.
(الدخيشن) بضَمِّ المُهمَلة وبخاءٍ وشينٍ مُعجمتَين، وآخرُه نونٌ في التَّصغير والتَّكبير، ويُروى بالميم فيهما.
قال (ك): ويُقال فيها: الدِّخْشِن بكسر الدَّال والشِّين، وإنَّه بالميم مُصغَّرًا أو مُكبَّرًا روايةُ مسلم، عَقَبيٌّ بَدْريٌّ، وإنَّما كَرِهَت الصَّحابة منه مُجالسةَ المُنافقين ومودَّتَهم، لكنْ شَهِد له النبيُّ ﷺ بقولِ: (لا إِلَهَ إِلَّا الله).
стр. 1171
(يريد بذلك وجه الله)؛ أي: ذاتَ الله ، فانتفَتْ عنه الظِّنَّة، وأنَّه لا شكَّ في إيمانه باطنًا وظاهرًا.
(ونصيحته إلى) إنَّما عُدّي هنا بـ (إلى) وإنْ كان تعديتُه باللَّام؛ لتضمُّنه معنى الانتهاء.
(حرم على النَّار)؛ أي: الدُّخول مُؤبَّدًا، أما العُصاة فإذا شاءَ أدخلَهم، ولكن يخرجون.
(يبتغي)، أي: يَطلُب، وإنَّما لم يَذكُر معها: محمَّدٌ رسولُ الله، إمَّا لتلازمهما فهي شعارُ الإيمان, أي: بتمامها.
(الحُصين) بمهملتين مضمومةٍ ثم مفتوحةٍ، ثم مُثنَّاةٍ تحتُ ساكنةٍ، ثم نون.
قال الغَسَّاني: كان أبو الحسن القابِسي يَهِمُ في هذا الاسم فيقوله بإعجام الضَّاد.
(سراتهم) بفتح المُهمَلة جمع سَرِيٍّ، وهو السَّيِّد، وجمعُ فَعِيْل على فَعَلة من المجموع العزيزة، وجمع السَّراة سَرَوات.
(بذلك)؛ أي بالحديث المَذكور.
فإن قيل: محمود صحابيٌّ عَدْلٌ، فلِمَ سأَل الزهريُّ غيرَه؟
فالجواب: إمَّا للتَّقْوية واطمئنانِ القَلْب، وإما لتحمُّله في الصِّبَا، وفي مثله خلافٌ، وإما لكونه رواه مُرسلًا، وإن كان مُرسَل صحابيٍّ؛ لأنَّه كان صغيرًا في الواقعة، نعَمْ، يحتمل أنَّه سمعه من عِتْبَان؛ فإنَّه قال: إنَّ عِتْبَان، وهو عند الجمهور كـ (عَنْ) محمولٌ على السَّماع
стр. 1172
بشَرط أَنْ لا يكون مُدلِّسا، وثُبوت اللِّقاء على الأَصحِّ، وإنْ قال أحمد وجماعةٌ في: أنَّ فلانًا قال كذا، منقطعٌ حتَّى يتبيَّن السَّماع.
قال صاحب "جامع الأصول": إنَّ محمودًا من بني سالم كعِتْبَان.
قال (ط): في الحديث التَّخلُّف عن الجماعة لعُذْرٍ، والتَّبرُّكُ بمُصلَّى الصَّالحين، ومساجد الفاضلِيْن، ومَنْ دُعيَ منهم إلى شيءٍ للتَّبرُّك يُجيب إذا أَمِنَ العُجْب، والوفاءُ بالوَعْد، وصلاةُ النَّفْل في جماعةٍ بالنَّهار، وإكرامُ العلماء بالطَّعام وشبهه، والتَّنبيه على أهل الفِسْق عند السُّلطان، وأَنَّ السُّلطان يَتثبَّت في مثل ذلك، ويُوجِّه له أجملَ الوُجوه، وأنَّ الجماعة في الصَّلاة إذا غابَ واحدٌ منهم يَسألون عنه.
قال (ن): وأنَّه لا يكفي في الإيمان النُّطقُ بلا اعتقاد، واستدعاءُ المَفضول للفاضِل، وإمامةُ الزَّائر المَزُورَ برضاه، وأنَّ نَفْل النَّهار ركعتان، واستِتباعُ الإِمام والعالم أصحابَه، والاستئذانُ على صاحب المَنْزل ولو تقدَّم استدعاؤُه، وأنَّ أهل المَحَلَّة إذا ورَد صالحٌ لمنزلِ بعضِهم يجتمعون لزيارته إكرامًا له واستفادةً منه، وأنه لا بأْسَ بملازمة الصَّلاة في موضعٍ معيَّنٍ من البيت، وإنَّما جاء النَّهي عن إِيطانِ موضعٍ من المَسجِد للخوف من الرِّياءِ ونحوِه، وأنَّه لا يُخلَّد في النَّار مَنْ مات على التَّوحيد.
قال (ك): وإمامةُ الأَعمَى، وإسنادُ المَسجِد للقَوم.
стр. 1173
قلتُ: قد سبَق كثيرٌ من ذلك.
* * *
٤٧ - بابُ التَّيَمُّنِ في دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى.
(باب التَّيمُّن في دُخول المَسجد وغيرِه) وهو عطفٌ على دُخول، لا على المَسجِد، ولا على التَّيمُّن.
(يبدأ)؛ أي: في دُخول المَسجِد بقرينة مقابلة يخرج.
* * *
٤٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ في شَأنِهِ كُلِّهِ في طُهُورِه وَتَرَجُّلِهِ وَتنعُّلِه.
(ما استطاع)؛ أي: ما دامَ مُستطيعًا بخلاف ما لا يُستطاع فيه التَّيمُّن، ويحتمل أنَّ (ما) موصولةٌ بدلًا من (التَّيمُّن).
(في شأنه) متعلِّق بـ (التَّيمُّن)، أو بالمَحَبَّة، أو بهما من باب التَّنازع.
(يحب) هو وإِنْ كان أَمرًا باطنًا، لكنْ فهمتْه عائشة بالقَرائن، أو
стр. 1174
بإِخبار الرَّسول ﷺ .
(في طهوره) بضَمِّ الطَّاء، أي: التَّطهُّر.
(وترجله)؛ أي: تَمشيطِه الشَّعر.
(وتنعله)؛ أي: لُبْسِه النَّعل، فقوله: (في طُهوره) هو وما بعدَه بدلٌ من (شَأْن) بدلَ بعض؛ لأَنَّ الشَّأْن أَعمُّ لا سيَّمَا وأكُّد بـ (كُلٍّ)، لكنْ يقتضي حينئذٍ قَصْر الَّحَكم على البدَل، فيُجاب إما بأَنَّ ذكْر الثَّلاثة لشرَفِها، وبيانِ الاهتمام بها, لا لنفْي غيرِها، أو أنَّه بدَلُ كلٍّ من كلٍّ على أَنْ يكون الطُّهور مفتاح العبادات، والتَّرجُّل يتعلَّق بالرَّأس، والتَّنعُّل يتعلَّق بالرِّجل، وأحوال الإنسان مُنحَصرةٌ في الأَعلى والتَّحْت والأَطراف، فنبَّهَ على كل منها بمثالٍ.
* * *
٤٨ - بابٌ هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكي الْجَاهِلِيةِ، ويُتَّخَذُ مَكانُهَا مَسَاجِدَ ؟
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ في الْقُبُورِ.
وَرَأَى عُمَرُ أَنس بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ، وَلَمْ يَأمُرْه بِالإعَادَةِ.
(باب: هل تُنبش قُبور مُشركي الجاهلية) إلى آخره.
стр. 1175
(مكانها) بالنَّصْب.
(مساجد) بالرَّفْع نائبُ الفاعل في (يُتَّخَذ)، ثم إنْ قُلنا: إنَّه مُتعدٍّ لواحدٍ فنَصْب مكانها على الظَّرفيَّة، أو لاثنين، فيكون مكانها هو المفعول الثَّاني بعد نيابة مساجد عن الفاعل، ويجوز العكس، فيُجعل النَّائبُ مكانها، ويُنصب مساجد؛ لأنَّهما معرفتان، كما يجوز مثل ذلك في مفعولَي أعطى؛ لأنَّه بمعناه.
(لقول النبي ﷺ ) وجْهُ الاستدلال أنَّ اللَّعنة لهم لاتخاذهم قُبور الأنبياء، فجاز أن يُتخذ قبورُ غيرهم، أي: تُبنى المَساجِدُ عليها بعد ذَهاب أثَرها.
(وما يكره) عطفٌ على (هل تُنبَشُ)؛ أي: باب الحكم في الأمرَين: اتخاذ المَساجِد مكان القُبور، أو اتخاذها بين القُبور، وهو وإن كان عطفَ خبريَّةٍ على طلبيَّةٍ، لكن جاز؛ لأنَّ الاستفهام التَّقريريَّ في حكم الخبَريَّة.
(القبر) منصوبٌ على التَّحذير، محذوفُ العامل وجوبًا، وفي بعضها قرنه بهمزة الاستفهام للإنكار، أي: أتصلِّي عند القَبْر؟، فيُكره؛ لأَنَّ عدَمَ الأمر بالإعادة دليل الجواز، وهذا الأثر عن عمر شاهدٌ لصدر التَّرجَمة، والحديث الآتي في بناء مسجده ﷺ شاهدٌ لآخرها.
* * *
стр. 1176
٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرتا لِلنَّبِي ﷺ فَقَالَ: "إنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالح فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
الحديث الأَوَّل:
(كنيسة) بفتح الكاف: مَعبَدُ النَّصارى.
(رأتاها) بالتَّثنية، وفي بعضها: (رأَيْنَها)، بنون الجمع، إما لأَنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو معهما غيرهما من النِّسوة.
(فمات) عطفٌ على (كان).
(بنوا) جواب (إذا).
(أولئك) -بكسر الكاف- (شرار) جمع شَرٍّ، كخِيَار جمع خَيْر.
ووجْه تعلُّق التَّرجَمة بهذا الحديث مع أنَّه ما دلَّ إلا على مَذَمَّةِ مَنِ اتَّخذ القَبر مَسجِدًا، ولا يُناسب صدرَها؛ لأنَّه عكسه، ولا آخرَها، لأنَّها كراهةٌ، وهذا تحريمٌ، [إلا] أن يُقال: المَذَمَّة على التَّصوير، وهو حرامٌ لا على الاتخاذ، ولئِنْ سُلِّم فمُراد التَّرجَمة اتخاذ قُبور غَير الأَنبياء، ومَنْ في حُكمهم من الصَّالحين، فقد تعلَّق بأوَّل التَّرجَمة؛ لأنَّه موافقٌ لحديث: "لَعَنَ اللهُ اليَهود"، وبآخرها من حيث إنَّ بناء المَسجِد على القبر مُشعِرٌ بالصَّلاة فيها، وحينئذ إمَّا أن يُريد بالكراهة
стр. 1177
التَّحريم، فهو المُراد بالمَذَمَّة، أو التَّنزيه، فتُعاد المَذَمَّة للتَّصوير لا للاتخاذ، نعَمْ، قوله: (شِرار الخَلْق)، يقتضي الكُفر، والمُصَوِّر عاصٍ لا كافِرٌ؟ فيُجاب عنه بأنَّهم إذا صَوَّروها عبَدُوها فهم كفَّارٌ.
قال (ط): نُهوا عن اتخاذهم القُبورَ، وجعلها آلهة.
* * *
٤٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ، في حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، كأنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى ألقَى بِفِنَاءَ أَبِي أيُّوب، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْركَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي في مَرَابِضِ الْغَنَم، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءَ الْمَسْجدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ! ثَامِنُوني بِحَائِطِكُمْ هَذَا"، قَالُوا: لَا وَاللهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ، فَقَالَ أَنسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أقولُ لَكُمْ، قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجزُونَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 1178
"اللهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"
الحديث الثَّاني:
(أبو التياح) بفتح المُثنَّاة فوقُ، وتشديد المُثنَّاة تحتُ، وآخره حاءٌ مُهمَلةٌ: يزَيْد الضَّبْعي.
(حي)؛ أي: قَبِيْلة.
(عمرو) بالواو.
(عَوْف) بالفاء.
(أربع عشر) ولبعضهم روايتُها: (أربعًا وعشرين).
(النجار) بتشديد الجيم، أبو قبيلةٍ من الأنصار.
(متقلدين) نصبٌ على الحال.
(السيوف) منصوبٌ به، ويُروى: (مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) بالإضافة، والتَّقليد: جَعْلُ نِجاد السَّيف على المَنْكِب، وحكمةُ مجيئهم كذلك خَوف اليهود، وليُروا ما أَعدُّوه لنُصرته.
(راحلته) هي المَركِب من الإبِل ذكرًا كان أو أُنثى.
(رِدفه) هو المُرتَدِف، أي: يَركب خلْفَ الرَّاكب.
(ملأ) بفتح الميم واللَّام وبالهمز، أي: جماعةٌ أشرافٌ.
(ألقى)؛ أي: رحلَه.
(بفناء) بكسر الفاء: هو ما امتدَّ من جوانب الدَّار.
(أبي أيوب) خالد.
стр. 1179
(ويُصلِّي) عطفٌ على يُحبُّ، لا على يُصلِّي.
(مرابض) جمع مَرْبِض، وهو مَأوى الغنَم، ورُبوض الغنَم مثل بُروك الإبل.
(أمر) بالبناء للفاعل، وفي بعضها مبنيٌّ للمفعول، أي: من عند الله.
(ثامنوني)؛ أي: اذكُروا لي ثَمنَه، وبِيْعوني بالثَّمَن.
(إلا إلى الله لم يقولوا: من الله؛ لأنَّه ضُمِّن معنى يُصرَف ثَمنُه في المُستقبل إلى الله، فلا نطلبُه من أحدٍ.
(قبور) بالرَّفْع بدلٌ من (ما أقول)، أو بيانٌ.
(خرب) بمعجمةٍ مفتوحةٍ وراءٍ مكسورة، واحدُه خَرِبَة كنَبِقٍ ونبِقَة، ورُوي بكسر الخاء وفتح الرَّاء جمع خِرْبة كنِقْمَةٍ ونِقَمٍ.
وقال (خ): لعلَّ الصَّواب خُرب جمع خُربة بضَمِّ الخاء فيهما، وهو الخُروق التي في الأرض، أو جِرَف بكسر الجيم وفتح الرَّاء جمع جِرْفة التي هي جمعُ جَرَف بفتح الجيم والرَّاء كقُرْطَة جمع قَرَط، وهو ما تَجرَّفتْه السُّيول وأكلَتْه من الأَرض.
قال: ومَنْ رواه بالحاء المُهمَلة والمُثلَّثة أراد المَحرُوث للزَّرع.
قال: وأحسنُ منه لو ساعدَتِ الرِّوايةُ حَدَب بالحاء والدَّال المُهمَلَتين جمع حَدْبة لقوله: (فسُوِّيَتْ)، وإنَّما يُسوَّى المكان المُحدَودِب، وأما الخَرِبة -بالخاء المُعجَمَة والرَّاء- فتُبنَى وتُعمَّر، انتهى.
стр. 1180
وهذا فيه تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه مع صِحَّة الرِّواية، والمعنى مع المُعجَمَة والرَّاء، ومعنى التَّسوية فيها أنْ يكون فيها بناءٌ تَهدَّم، فتُسوَّى الأرضُ بإزالته.
قال (ط): اختُلف في نبش القُبور طلَبًا للمال، فمنعَه الأَوْزاعيُّ؛ لأنَّه ﷺ لمَّا مَرَّ بالحِجْر قال: "لا تَدخُلُوا بُيوتَ الذين ظَلَمُوا إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكينَ؛ مَخافَةَ أَنْ يُصيبَكُم ما أَصَابَهُمْ"، فقُبورُهم بالنَّهي أَولى.
قال الطَّحَاويُّ: قد أباح دُخولَها على وجه البُكاء، وأيضًا فلمَّا خرَج ﷺ إلى الطَّائِف، قال: هذا قَبْرُ أَبي رِغَالٍ، أي: بكسر الرَّاء وتخفيف المُعجَمَة، وهو أَبو ثَقِيْف، وكان من ثَمود، وكان بهذا الحرَم يَدْفَعُ عنه، فلمَّا خرَجَ أصابتْه النِّقْمة بهذا المكان، وآيةُ ذلك أنَّه دُفِنَ معه غُصْنٌ من ذهَب فابتَدَره النَّاس ونبشُوه واستَخرجُوا منه الغُصْنَ، فجوَّزَ نبشَها لطلَب المَال.
* * *
٤٩ - بابُ الصَّلَاةِ في مَرَابِضِ الْغَنَمِ
(باب الصَّلاة في مَرابِض الغنَم) جمع مَربِض بكسر الباء: مَأوَاها.
٤٢٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي في مَرَابِضِ الْغَنَم، ثمَّ
стр. 1181
سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ: كَانَ يُصَلِّي في مَرَابِضِ الْغَنَم قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجدُ.
(ثم سمعته)؛ أي: قال أبو التَّيَّاح: أنَّه سَمع أنسًا بعد ذلك يُطلِق ولا يَقُول.
(قبل أن يبنى المَسجد)؛ أي: مسجدُه ﷺ ، فيُحمل المُطلَق على المُقيَّد ولو تأَخَّر المُطلَقُ؛ عملًا بالدَّليلَين.
قال (ط): في الحديث دلالةٌ على قول الشَّافعي: لا أَكرَهُ الصَّلاة في مَرابِض الغنَم إذا كانت سَليمة من أبوالها وأبعارها؛ لأنَّه إذا كان من المَعلوم أنَّها لا تَسلَم من ذلك، ولم يخصَّ بالصَّلاة مكانا دون مكان دلَّ على طَهارة بَولها وبَعْرها.
وردَّه (ك): بأن الأصلَ عدَمُ ذلك، فيُقدَّم على الظَّاهر عند تعارُضهما، والسَّلامة منه، وأيضًا فيُحمل على أنَّه صلَّى بحائل، أو أنَّ التَّحرُّز في الصَّلاة عن النجَس معلومٌ بدليلٍ آخر.
* * *
٥٠ - بابُ الصلَاةِ في مَوَاضِعِ الإِبِلِ
(باب الصَّلاة في مَواضع الإبِل)
٤٣٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ،
стр. 1182
قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
(حيان) بمُثنَّاة.
(عبيد الله) بضَمِّ العين.
(يفعله)؛ أي: يُصلِّي، والبَعيْر في قِبْلَته.
قال (ط): كَرِهَ مالك، والشَّافعي الصَّلاةَ في أَعْطَان الإبل، قيل: لأَنَّ أصحابَها عادتُهم يتغوَّطون قُربَها، فينجِّسون أعطانَها بخلاف أصحاب الغنَم، وقيل: خوفَ وُثوبِها، فتُعطبُ مَنْ تُلاقِيْهِ.
قال (ك): أو يَذهبُ خُشوع المُصلِّي، أو لأَنَّ الجِنَّ تأوي ذلك؛ لما رُوي: أنَّها جِنٌّ خُلِقت من جِنٍّ، لا أَنَّ العِلَّة نجاسةُ بَولها ورَوثها؛ لأنَّ من قال به فيها يَقول به في الغنَم؛ إذ لا فَرْقَ بينهما في ذلك، ولذلك أجاز أبو حنيفة الصَّلاةَ فيها بلا تَفاوتٍ لطَهارة الأَمرَين عنده.
* * *
٥١ - بابُ مَنْ صلَّى وَقُدَّامَه تَنُّورٌ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَا يُعْبَدُ فأَرَادَ بِهِ الله
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَني أَنَسٌ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عُرِضَت عَلَيَّ النَّارُ وَأَناَ أُصَلِّي".
стр. 1183
(باب مَن صلَّى وقُدَّامَهُ تنُورٌ) بتشديد النُّون: حُفرة النَّار، قيل: تَوافَق فيه جميعُ اللُّغات، وهو مبتدأٌ خبره الظَّرفُ قبله، وهو قُدَّامَ بالنَّصْب.
(وقال الزُّهري) وصَلَ هذا التَّعليق في (باب وقت الظُّهر).
(النَّار) اللَّام للعهد، أي: نار جهنَّم.
* * *
٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "أُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ".
(أُريت) بضَمِّ الهمزة من رُؤية البصَر.
(كاليوم) صفةٌ لمَصْدرٍ محذوفٍ، أي: رؤيةً مثل رؤية اليوم، أو لَم أَرَ منظَرًا، أي: زمان نظَرٍ كمَنظر اليوم، أي: فيه.
(قط) بتشديد الطَّاء وتخفيفها: ظرفٌ للماضي المَنْفيِّ، ويُقال فيه: قُطُ بضَمِّتين، أما قَطْ بمعنى حَسْبُ: فبالسُّكون.
(أفظع)؛ أي: أَشْنعَ المُجاوِز من ذلك الحَدَّ، وصِلَة أفعل التَّفضيل محذوفةٌ، أي: منه، ويحتمل أنَّه بمعنى فَظيع، كأكبَر بمعنى كَبِيْر.
قال السَّفَاقُسِي: لا حُجَّةَ فيه لِمَا بَوَّبَ له؛ لأنَّه لم يفعل ذلك
стр. 1184
مُختارًا، بل عرَض عليه ذلك بغير اختيارٍ لمعنًى أرادَه الله تنبيهًا لعباده.
قال (ط): الصَّلاة جائزةٌ إلى كلِّ شيءٍ إذا قصَد الله تعالى، والسُّجود لوجهه خالصا.
قال (ك): وفي الحديث استحباب صلاة الكُسوف، وأنَّ النَّار مخلوقةٌ اليومَ، وكذا الجنَّة؛ إذْ لا فَرْقَ، والحديثُ مُطوَّلٌ، سيأتي بتمامه في (باب الكسوف).
* * *
٥٢ - بابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ في الْمَقَابِرِ
(باب كَراهة الصَّلاة في المَقابِر)
٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَني ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْعَلُوا في بُيُوتكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تتَّخِذُوهَا قُبُورًا".
(من صلاتكم)؛ أي: بعض، وهو مفعولُ الجَعْل؛ لأنَّه مُتعدٍّ لواحِدٍ كما في: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] , بخلاف ما إِذا كان بمعنى التَّصْيِير، فإنَّه يَتعدَّى لاثنين، نحو: ﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
(قبورًا)؛ أي: مثلَ القُبور.
стр. 1185
قال (ط): فيه دليلٌ على منع الصَّلاة في القُبور، ويحتمل: لا تَجعلوا بُيوتَكم أَوطَانًا للنَّوم لا تُصلُّون فيها، فإنَّ النَّومَ أَخو المَوت، وأما مَنْ أوَّله على النَّهي عن دَفْن المَوتَى في البُيوت فليس بشيءٍ، فقد دُفِنَ ﷺ في بيته الذي يسكُن في حياته.
قال (ك): هو نبيٌّ، ولعلَّ ذلك من خصائصه، فقد رُوي: "الأَنبياءُ يُدفَنُونَ حيثُ يَمُوتُونَ"، ونازَعَ بعضُهم البُخاريَّ في فَهْمه أَنَّ المَقابر لا يُصلَّى فيها لتشبيه البُيوت التي لا يُصلِّي فيها بها، فاقتضَى أَنَّ المَقابر ليست مَحلًّا للصَّلاة، وقال: فيه نظَر؛ لأَنَّ الظَّاهر منه أن لا يجعل بيتَه كالقبر في عدَم صلاته فيه بدليل (قُبورًا)، ولو أُريد ما فهم البُخاري لقال: مَقابِر.
* * *
٥٣ - بابُ الصَّلَاةِ في مَوَاضعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ
ويُذْكَرُ: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ.
(باب الصَّلاة في مَواضع الخَسْف)
(بخسف) هو المكان الذَّاهب في الأرض، (بابل) مَوضِعٌ بالعِراق قريبٌ من الكُوفة، لا يَنصرف، كما قال تعالى: ﴿عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ويُنسَب إليه السِّحْر.
* * *
стр. 1186
٤٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيهِم، لَا يُصِيبُكُم مَا أَصَابَهُم".
(المعذبين) بفتح الذَّال، أي: ثَمود، وأصحاب الحِجْر، ونَحوُهم.
(يصيبكم) بالرَّفْع استئنافٌ.
قال (ش): كان الوجه الجزم، فجاء الرَّفع على لغةٍ، مرادُه: لا تَدْنُ مِنَ الأَسَدِ تَسْلَمُ، وهي مشهورةٌ في العَربية، واعلم أن خوفَ إصابةِ العذاب لا يُنافي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأَنَّ ذلك يوم القيامة، وقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] , على أَنَّ مَن دخَل موضعَهم ولم يتضرَّع حيثُ يجب تضرُّعه ظالمٌ.
ووجه مطابقته للتَّرجمة: أنَّه إذا أُمِر بالبُكاء دوامًا، فإنْ يكن في الصَّلاة كُرِهَ له ذلك بل تبطُل إن ظَهَر حَرفانِ أو حَرفٌ مفهِمٌ أو مَمدودٌ.
قال (خ): معناه أنَّ الدَّاخل في مَواضع الخَسْف بالظَّالمين وهلاكِهم إذا لم يُر عليه من رُؤية آثارِ مَن نَزل بهم حُزْنٌ وبكاءٌ شفقةً أو خَوفًا من حُلول مثله، فهو قاسي القَلْب قليلُ الخُشوع، فلا يَأْمنُ أَن يُصيبه ما أصابَهم، وفيه دلالةٌ على أنَّ دِيارَهم لا تُسكَن؛ لأنَّه لا يُمكن أن يكون باكيًا دهرَه.
стр. 1187
قال (ط): هذا إنَّما من جهة التَّشاؤُم لقوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] , فوبَّخهم على السُّكون فيها، وقد تَشاءَم ﷺ بالبُقعة التي نَام فيها عن الصَّلاة، فرحَلَ عنها وصلَّى، فصلاتُه في موضع الخَسْف أَولى؛ لأَنَّ إباحة الدُّخول فيها إنَّما هو على وجه الاعتِبار والبكاء، فمَنْ صلَّى هناك لا تَفسدُ صلاتُه؛ لأنَّ الصَّلاة موضعُ البُكاء والاعتبار، وزعمت الظَّاهريَّة أنَّ الصَّلاة هناك باطلة إن تعمَّد، فإن سها سجَد للسَّهو، وهذا خُلْفٌ من القَول.
* * *
٥٤ - بابُ الصَّلَاةِ في الْبِيعَةِ
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّا لا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُم مِنْ أجلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرِ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي في الْبِيعَةِ إِلَّا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ.
(باب الصَّلاة في البِيْعة) بكسر الباء المُوحَّدة، أي: مَعبَد النَّصارى.
(التي فيها الصور) وفي نسخة: (الصُّورة) بالهاء، وعلى كلِّ حالٍ فهو صفةٌ لكنائسهم لا للتَّماثيل؛ لأَنَّ التِّمثال هو الصُّورة، أو هو منصوبٌ على الاختصاص.
قال ابن مالك: يجوز في (الصُّوَر) الجرُّ على البدَل من التَّماثيل،
стр. 1188
أو بيان، والنَّصْبُ بـ (أعني)، والرَّفْعُ بإضمار مبتدأ.
قال: ويجوز جعل المجرور معطوفًا بواو محذوفةٍ.
* * *
٤٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَة رَأتهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالح -أَوِ الرَّجُلُ الصَّالح- بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجدًا، وَصوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ".
(كنيسة) هي مَعبَد اليهود، وعلى هذا فلا تُطابِق التَّرجَمة بالبِيْعة، لكن في اللُّغة أن الكَنيسة أيضًا للنَّصارى كالبِيْعة، كما قاله الجَوْهَري.
(مارية) بتخفيف الياء.
(أولئك) بكسر الكاف، وكذلك (تلكِ) وقيل: يجوز الفتح في الكُلِّ.
(أو) الشَّكُّ من الرَّاوي.
(الصالح) يعم النبيَّ وغيرَه، وسبق مباحثُ الحديث في (باب هل تُنبش قُبور مُشركي الجاهليَّة)، وإنَّما كُرهت الصَّلاة هنا تحريمًا أو تنزيهًا، وجُوِّزت كما سبَق إلى ما قد يُعبد من النَّار؛ لأنَّ نفْس التَّصوير
стр. 1189
هنا حرام بخلاف ذات النَّار، فإنَّ التَّحريم إنَّما هو في عبادتها، أو لأَنَّ التَّماثيل تَشغَلُ كالأَعلام في الثَّوب.
قال (ط): أو لأَنَّ وجودَ النَّار عرَض بلا اختيارٍ، وهنا دُخول الكنيسة بالاختيار بلا ضرورةٍ.
* * *
٥٥ - بابٌ
(بابٌ) يوجد كذا في بعض النُّسَخ، وفي بعضٍ مفقودٌ.
٤٣٥ - و ٤٣٦ - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا نزَلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وهُوَ كَذَلِكَ: "لعنةُ اللهِ عَلَى اليهودِ والنَّصارَى اتَّخذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ"؛ يُحَذِّرُ مَا صنَعُوا.
(نُزِل) بضَمِّ النُّون وكسر الزاي المُخَفَّفة. قال الجَوْهَري: النَّزْلة كالزُّكام، ويُقال: به نَزْلةٌ.
قال (ش): بضَمٍّ فكسرٍ، وبفتحهما.
(طفق) بكسر الفاء، وفتحها.
(خَمِيْصَة) كِسَاءٌ أسود مربَّع له علَمان.
стр. 1190
(اغتم)؛ أي: تَسَخَّن وأخذ بنفسه من شِدَّة الحَرّ.
(وهو كذلك)؛ أي: في حالة الطَّرْح والكَشْف، هو من مَقولُ الرَّاوي، وكذا (يحذر ما صنعوا)؛ أي: لئَلَّا يُفعل بقبره مثلُ ذلك، ولعلَّ ذلك لأنَّه قد يَصير بالتَّدريج كعبادة الأصنام.
* * *
٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أبِيَ هُرَيْرَةَ: أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
وحديث أبي هريرة: (قاتل الله اليهود) سبَقَ شرحُه، وقاتل بمعنى أَبعَدَ، فهو كحديث: (لَعَنَ)، واقتصَر على اليهود هنا؛ لأنَّهم الذين سَنُّوا هذا الاتخاذ وابتدؤوه، فهُم أظلَم، أو لأنَّهم أشدُّ غُلُوًّا فيه.
* * *
٥٦ - بابُ قولِ النَّبِي ﷺ : "جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا "
(باب قول النبي ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسجدًا وطَهُورًا")
بفتح الطَّاء، وفيه حديث جابرٍ سبَق أوَّل التَّيمُّم.
٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 1191
سَيَّارٌ -هُوَ أَبُو الْحَكَم- قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا، وَأيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْركَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ".
(كافة)؛ أي: جميعًا، نصبُه على الحاليَّة لازمٌ له، واستُهجِنَ كافَّتهم بالإضافة.
قال (ط): فيه أنَّ ما سبَق في الأَبواب من كراهة الصَّلاة ليس على التَّحريم، فتدخُل المَقابر والمَعاطِن والكنائِس وغيرها.
* * *
٥٧ - بابُ نَوْمِ الْمَرْأَةِ في الْمَسْجِدِ
(باب نَومِ المَرأَة في المَسجد)
٤٣٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبُو أسُامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ وَليدَةً كَانَتْ سَوْداءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ
стр. 1192
وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُوني بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ! إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُوني بِهِ -زَعَمْتُمْ- وَأَناَ مِنْهُ بَرِيئةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ في الْمَسْجدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تأتِيني فتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا إِلَّا قَالَتْ:
وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا ... أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هَذَا؟! قَالَتْ: فَحَدَّثتنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ.
(عبيد) بالتَّصغير، وفي بعضها: (عُبيد الله).
(أبو أُسامة) اسمه: حَمَّاد بن زيد.
(وليدة) بفَتح الواو، أي: أَمَة.
(صبية)؛ أي: صَغيرة.
(وشاح) يُنسَج من أَديم عَريضًا، ويُرصَّع بالجَواهر تَشدُّه المَرأة بين عاتقها وكَشْحها، ويُقال فيه: إِشاحٌ بالكسر فيهما، وبالضَّمِّ فيهما.
قال (ط): خِيْطان من لُؤلُؤ يُخالَف بينهما -أي: بحمرة السُّيور- حتَّى يَغلِب لَون الحُمْرة.
стр. 1193
(سيور) جمع سَيْر بالفتح: ما يُقَدُّ من الجِلْد، والسّيراء من الثِّياب: ما فيه خطوط كالسيور.
(حدياة) بتشديد الياء والألف، قيل: إنَّه إشباع من فتحه، وقيل: الكلمة موضوعة بصيغة التصغير مرادفة لحدأة، وآخره همز.
(فخطفته) بكسر الطَّاء.
(ففتشوني)، وفي بعضها: (يُفتِّشوني).
(قبلها) أتَى به بضَمير الغَيبة؛ لأنَّه من كلام عائشة، أو مِن كلام الوَليْدَة من الالتِفات، أو من باب التَّجريد.
(زعمتم) مَفعولاهُ مَحذوفان، أي: زعمتُموني آخذةً له، أي: ما يسدُّ مسَدَّها؛ أي: أنِّي أخذتُه.
(وهو ذا هو) فيه أَعاريب: (هو) مبتدأٌ، و (ذا) خبرُه، وهو الثَّاني خبرٌ بعدَ خبر، أو تأكيدٌ للأول، أو لـ (ذا)، أو بيان له، أو (ذا) مبتدأٌ ثانٍ، و (هو) خبرُه، والجُملة خبرُ الأَوَّل، أو هو ضميرُ الشَّأْن، وما بعدَه جُملةٌ مُفسِّرةٌ له، أو خبَر (هو) الثَّاني محذوفٌ، والجملةُ تأكيدٌ للجُملة قبلَها، أو (ذا) نصبٌ على الاختصاص.
(خباء) بكسرِ المُعجَمَة، وخفَّةِ المُوحَّدة، والمَدِّ: خيمةٌ من وبَرٍ، أو صُوفٍ على عَمودَين، أو ثلاثةٍ، وما فَوقَ ذلك يُسمَّى بيتًا.
قال (ك): إن في بعضها: (وكانَتْ لَها خِبَاءٌ)، إنَّ التَّاء باعتبار تأويل الخِبَاء بالخَيْمة، وفيه نظَرٌ؛ إذ يحتمل أنَّ (كان) ناقصةٌ، والضَّميرُ للوَليْدَة، أو: (لَها خِبَاءٌ) خبرُ (كان).
стр. 1194
(حِفش) بمُهمَلةٍ مكسورةٍ وفاءٍ ساكنةٍ وشينٍ مُعجَمة، أي: بيتٌ صغيرٌ، وإنْ كان يُطلق -كما قال الجَوْهَري- على وِعَاء المَغازِل.
(فتحدث) أَصلُه تتَحَدَّثُ، فحُذفت إحدى التَّاءَين تَخفيفًا، قيل: هو تاء المُضارَعة؛ لأَنَّ حَذْف الثَّانية يُخِلُّ بالمَعنى، ومذهب سِيْبَوَيْهِ الثَّانية؛ لأَنَّ الثِّقَل نشأَ منها, ولا يَختَلُّ بها المعنى.
(تعاجيب) لا واحِدَ له من لَفظه، ومعناه عُجاب.
قلتُ: لا يَمتنع أنَّ واحدَه تَعجيب؛ لأنَّه يُقال: تَعجبُ به، أي: تَرى العجَب منه.
(إلا قلت هذا)؛ أي: البيتَ، وهو من الطَّويل.
قال (ط): فيه مَبيتُ مَن لا مَسكَنَ له في المَسجِد، وفي نحو الخَيْمة، ولو كان السَّاكن امرأةً، والخُروجُ من بلدة جرَتْ فيها فتنةٌ تَشاؤُمًا بها، ورُبَّما كان خُروجه سببًا لخيرٍ أرادهُ الله له في غيرها.
* * *
٥٨ - بابُ نَوْمِ الرِّجَالِ في الْمَسْجِدِ
وَقَالَ أبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِي ﷺ فَكَانُوا في الصُّفَّةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ الْفُقَرَاءَ.
стр. 1195
(باب نَوم الرَّجل في المَسجد)
(وقال أبو قلابة): وصلَه بهذا اللَّفظ في (باب المُحاربين).
(وقال عبد الرَّحمن) وصلَه في (باب السَّمَر مع الضَّيْف).
(أصحاب الصفة) سيأتي قَريبًا عن أبي هريرة: أنَّهم كانُوا سَبعين، وسرَدَهم أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي الصُّوفي الحافظ، وأبو نُعَيْم في "الحلية"، والحاكم في "الإكليل".
والصُّفَّة: موضعٌ مُظَلَّلٌ من المَسجِد سَقائِفُ في أُخرَياته يَأوي إليه المَساكين، وقيل: سُمُّوا أصحاب الصُّفَّة؛ لأنَّهم كانوا يصفُّون على باب المَسجِد؛ لأنَّهم غُرَباء لا مَأْوى لهم.
(الفقراء) نصبٌ خبرُ (كان)، أو رفعٌ على أنَّه اسمها، و (أصحاب) خبَرٌ مُقدَّمٌ؛ لأنَّهما معرفتان، نَعَمْ، في بعضها: (فُقَراء)، بالتَّنكير، فتعيَّن أنَّه الخبَر.
* * *
٤٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، قَالَ: أَخْبَرَني عَبْدُ اللهِ: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهْوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ في مَسْجدِ النَّبِيِّ ﷺ .
(أعزب)؛ أي: لا زَوْجَ له، كذا لأكثرهم، [و] لأبي زَيْد: عَزِب بلا ألِف بكسر الزَّاي، وهي اللُّغة الفَصيحة.
следующие страницы →