← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

سَيَّارٌ -هُوَ أَبُو الْحَكَم- قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا، وَأيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْركَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ". (كافة)؛ أي: جميعًا، نصبُه على الحاليَّة لازمٌ له، واستُهجِنَ كافَّتهم بالإضافة. قال (ط): فيه أنَّ ما سبَق في الأَبواب من كراهة الصَّلاة ليس على التَّحريم، فتدخُل المَقابر والمَعاطِن والكنائِس وغيرها. * * * ٥٧ - بابُ نَوْمِ الْمَرْأَةِ في الْمَسْجِدِ (باب نَومِ المَرأَة في المَسجد) ٤٣٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبُو أسُامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ وَليدَةً كَانَتْ سَوْداءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ

стр. 1192

وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُوني بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ! إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُوني بِهِ -زَعَمْتُمْ- وَأَناَ مِنْهُ بَرِيئةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ في الْمَسْجدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تأتِيني فتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا إِلَّا قَالَتْ: وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا ... أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هَذَا؟! قَالَتْ: فَحَدَّثتنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ. (عبيد) بالتَّصغير، وفي بعضها: (عُبيد الله). (أبو أُسامة) اسمه: حَمَّاد بن زيد. (وليدة) بفَتح الواو، أي: أَمَة. (صبية)؛ أي: صَغيرة. (وشاح) يُنسَج من أَديم عَريضًا، ويُرصَّع بالجَواهر تَشدُّه المَرأة بين عاتقها وكَشْحها، ويُقال فيه: إِشاحٌ بالكسر فيهما، وبالضَّمِّ فيهما. قال (ط): خِيْطان من لُؤلُؤ يُخالَف بينهما -أي: بحمرة السُّيور- حتَّى يَغلِب لَون الحُمْرة.

стр. 1193

(سيور) جمع سَيْر بالفتح: ما يُقَدُّ من الجِلْد، والسّيراء من الثِّياب: ما فيه خطوط كالسيور. (حدياة) بتشديد الياء والألف، قيل: إنَّه إشباع من فتحه، وقيل: الكلمة موضوعة بصيغة التصغير مرادفة لحدأة، وآخره همز. (فخطفته) بكسر الطَّاء. (ففتشوني)، وفي بعضها: (يُفتِّشوني). (قبلها) أتَى به بضَمير الغَيبة؛ لأنَّه من كلام عائشة، أو مِن كلام الوَليْدَة من الالتِفات، أو من باب التَّجريد. (زعمتم) مَفعولاهُ مَحذوفان، أي: زعمتُموني آخذةً له، أي: ما يسدُّ مسَدَّها؛ أي: أنِّي أخذتُه. (وهو ذا هو) فيه أَعاريب: (هو) مبتدأٌ، و (ذا) خبرُه، وهو الثَّاني خبرٌ بعدَ خبر، أو تأكيدٌ للأول، أو لـ (ذا)، أو بيان له، أو (ذا) مبتدأٌ ثانٍ، و (هو) خبرُه، والجُملة خبرُ الأَوَّل، أو هو ضميرُ الشَّأْن، وما بعدَه جُملةٌ مُفسِّرةٌ له، أو خبَر (هو) الثَّاني محذوفٌ، والجملةُ تأكيدٌ للجُملة قبلَها، أو (ذا) نصبٌ على الاختصاص. (خباء) بكسرِ المُعجَمَة، وخفَّةِ المُوحَّدة، والمَدِّ: خيمةٌ من وبَرٍ، أو صُوفٍ على عَمودَين، أو ثلاثةٍ، وما فَوقَ ذلك يُسمَّى بيتًا. قال (ك): إن في بعضها: (وكانَتْ لَها خِبَاءٌ)، إنَّ التَّاء باعتبار تأويل الخِبَاء بالخَيْمة، وفيه نظَرٌ؛ إذ يحتمل أنَّ (كان) ناقصةٌ، والضَّميرُ للوَليْدَة، أو: (لَها خِبَاءٌ) خبرُ (كان).

стр. 1194

(حِفش) بمُهمَلةٍ مكسورةٍ وفاءٍ ساكنةٍ وشينٍ مُعجَمة، أي: بيتٌ صغيرٌ، وإنْ كان يُطلق -كما قال الجَوْهَري- على وِعَاء المَغازِل. (فتحدث) أَصلُه تتَحَدَّثُ، فحُذفت إحدى التَّاءَين تَخفيفًا، قيل: هو تاء المُضارَعة؛ لأَنَّ حَذْف الثَّانية يُخِلُّ بالمَعنى، ومذهب سِيْبَوَيْهِ الثَّانية؛ لأَنَّ الثِّقَل نشأَ منها, ولا يَختَلُّ بها المعنى. (تعاجيب) لا واحِدَ له من لَفظه، ومعناه عُجاب. قلتُ: لا يَمتنع أنَّ واحدَه تَعجيب؛ لأنَّه يُقال: تَعجبُ به، أي: تَرى العجَب منه. (إلا قلت هذا)؛ أي: البيتَ، وهو من الطَّويل. قال (ط): فيه مَبيتُ مَن لا مَسكَنَ له في المَسجِد، وفي نحو الخَيْمة، ولو كان السَّاكن امرأةً، والخُروجُ من بلدة جرَتْ فيها فتنةٌ تَشاؤُمًا بها، ورُبَّما كان خُروجه سببًا لخيرٍ أرادهُ الله له في غيرها. * * * ٥٨ - بابُ نَوْمِ الرِّجَالِ في الْمَسْجِدِ وَقَالَ أبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِي ﷺ فَكَانُوا في الصُّفَّةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ الْفُقَرَاءَ.

стр. 1195

(باب نَوم الرَّجل في المَسجد) (وقال أبو قلابة): وصلَه بهذا اللَّفظ في (باب المُحاربين). (وقال عبد الرَّحمن) وصلَه في (باب السَّمَر مع الضَّيْف). (أصحاب الصفة) سيأتي قَريبًا عن أبي هريرة: أنَّهم كانُوا سَبعين، وسرَدَهم أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي الصُّوفي الحافظ، وأبو نُعَيْم في "الحلية"، والحاكم في "الإكليل". والصُّفَّة: موضعٌ مُظَلَّلٌ من المَسجِد سَقائِفُ في أُخرَياته يَأوي إليه المَساكين، وقيل: سُمُّوا أصحاب الصُّفَّة؛ لأنَّهم كانوا يصفُّون على باب المَسجِد؛ لأنَّهم غُرَباء لا مَأْوى لهم. (الفقراء) نصبٌ خبرُ (كان)، أو رفعٌ على أنَّه اسمها، و (أصحاب) خبَرٌ مُقدَّمٌ؛ لأنَّهما معرفتان، نَعَمْ، في بعضها: (فُقَراء)، بالتَّنكير، فتعيَّن أنَّه الخبَر. * * * ٤٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، قَالَ: أَخْبَرَني عَبْدُ اللهِ: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهْوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ في مَسْجدِ النَّبِيِّ ﷺ . (أعزب)؛ أي: لا زَوْجَ له، كذا لأكثرهم، [و] لأبي زَيْد: عَزِب بلا ألِف بكسر الزَّاي، وهي اللُّغة الفَصيحة.

стр. 1196

(لا أهل له) هذا وإِنْ فُهِم من أَعْزَب، لكنَّه ذُكر تأكيدًا، أو المُراد بالأهل ما هو أَعَمُّ من الزَّوجة والقَريب. (في المَسجِد) متعلِّقٌ بـ (ينام)، ففيه جواز ذلك لغَير العَزب، ومُستمرًّا؛ لأنَّ (كان) تُشعر بالتَّكرار. * * * ٤٤١ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ بنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجدْ عَلِيًّا في الْبَيْتِ فَقَالَ: "أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ " قَالَت: كَانَ بَيْني وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لإنْسَانٍ: "انْظُرْ أَينَ هُوَ؟ ". فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هُوَ في الْمَسجدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ مُضْطَجعٌ، قَدْ سَقَطَ رِداؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: "قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ". الحديث الأَوَّل: (ابن عمك) لم يَقُل زَوجُك، أو عليٌّ؛ كأنَّه يُشير بأنَّه جرى بينهما شيءٌ، فأراد استعطافَها عليه بذِكْر القَرابة، ولهذا لم يقل: ابن عَمِّ أبيك. (لم يقل) بكسر القاف، من القَيلُولَة. (لإنسان) هو سَهْلٌ راوي الحديث.

стр. 1197

(أبا تراب)؛ أي: يا أَبا، فحُذف منه حرف النِّداء. وفي الحديث: نَوم غير العَزب في المَسجِد، ودُخول الوالد بيتَ ابنته بغير إِذْن زَوْجها، وذِكْرُ الشَّخص بما بينهما من النَّسَب، والكُنية بما يُلابَسُ من الأحوال، وكان أحبَّ الكُنى إلى عليٍّ. قال (ط): ونوم غير الفُقراء في المَسجِد، وغير ذلك من الانتفاع من أكلٍ، وشُربٍ، وممازحةُ الغَضْبان بغير كُنيته حيث لم يَغضَب منه وَيأْنس به، والتَّكنية بغير الولَد، ومُداراةُ الصِّهْر، وتَسليةُ أَمره في عتابه، وأنَّ المَلابس يحاول بها سَتْرُ العَورة. * * * ٤٤٢ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِداءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا في أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيةَ أَنْ تُرَى عَوْرتهُ. الحديث الثَّاني: (ابن فُضيل) بضَمِّ الفاء، هو محمَّد أبو عبد الرَّحمن. و (أبو حازم) اثنان، سلَمة بن دِيْنَار هذا، وسلمان مَولى عَزَّة، يرويان عن الصَّحابة، والمميِّز بينهما: إن كان عن أبي هريرة فهو سلمان الأَشجَعي، أو عن سَهْل فهو سلَمة بن دِيْنَار، والأَوَّل يَروي عنه

стр. 1198

الأعمش، والثَّاني يروي عنه مالك. (رداء) هو ما يَكسُو النِّصفَ الأَعلى. (إزار): هو ما يَكسُو النِّصفَ الأَسفل. (قد ربطوا) صفةٌ للكِساء، أي: رَبَطُوه، فحذف منه الضَّمير العائد، والجمعيَّة فيما عاد إلى رجل باعتبار إرادةِ الجِنْس، ولم يبين لفظ النِّصف للعلم بأنَّ المُراد منه التَّثنية حيث أُضيف إلى السَّاقَين. * * * ٥٩ - بابُ الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَالَ كعْبُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجدِ فَصَلَّى فِيهِ. (باب إِذا قَدِمَ مِن سَفَر) (قال كعب) وقد وصَل هذا التَّعليق في (الجهاد) مختصرًا، وفي (المغازي) في توبة كعب مُطوَّلًا. * * * ٤٤٣ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَر، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ في الْمَسْجدِ -قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ قَالَ: ضُحًى- فَقَالَ: "صَلِّ ركعَتَيْنِ"،

стр. 1199

وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دينٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي. (قال مسعر) إدراجٌ من الرَّاوي. (أُراه) بضَمِّ الهمزة، أي: أَظُنُّ. (ضحى)؛ أي: أظنُّه قال زيادةً هذه اللَّفظة. (فقال)؛ أي: النبيُّ ﷺ . ووجه مطابقته للتَّرجمة: أنَّ معناها: ما يَفعَل إِذا قَدِمَ، والحديث مُختصرٌ من طويلٍ يأتي في (كتاب البيع) وغيرِه في شراء الجمَل، وأنَّه جاء يَتقاضَى منه الثَّمَن. قال (ن): هذه الصَّلاة مقصودةٌ للقُدوم من السَّفَر لا تحيَّة المَسجِد، وفيه استحبابُ قَضاء الدَّينِ زائِدًا. * * * ٦٠ - بابٌ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكعْ رَكْعَتَيْنِ (باب: إِذا دخَلَ أحدُكُم المَسجِد فليَرْكعْ) ٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقيِّ، عَنْ أَبِي قتادة السَّلَمِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدكمُ الْمَسْجدَ فَلْيَرْكعْ ركعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ".

стр. 1200

(سليم) بضَمِّ السِّين، (السَّلَمي) بفتح السِّين واللَّام. قال صاحب "الأصول": وأكثرُ أصحاب الحديث يَكسِرون اللَّامَ نِسبَةً إلى سلِمة بكَسر اللَّام. (فليركع)؛ أي: يُصلِّ، من إطلاقِ الجُزء على الكُلِّ، وجَزاء الشَّرط إِنْ أُريد بالأمر تعلُّق الأمر فهو الأمر، وإلا فالجَزاء لازمُ الأمر، وهو الرُّكوع، والأَمر للنَّدْب. قال (ط): باتفاقِ أئمَّة الفتوى؛ لما رُوي أَنَّ كبار أصحاب النبيِّ ﷺ كانوا يدخُلون المَسجِد، ثم يَخرُجون، ولا يُصلُّون، وقالت الظَّاهرية: إنَّه فرْضٌ على كلِّ داخلٍ في وقتٍ تجوزُ فيه الصَّلاة، وقيل: مطلقًا، وقال الطَّحَاوي: مَنْ دخَل في أوقات النَّهي لا يَدخل في الأمر بتحية المَسجِد. * * * ٦١ - بابُ الْحَدَثِ في الْمَسْجِدِ (باب الحَدَث في المَسجد) ٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دامَ في مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ ارْحَمْهُ".

стр. 1201

(الملائكة) عامٌّ بأل. (تصلي) صلاتُهم استِغفارٌ ودُعاءٌ. (مصلى)؛ أي: مكان الصَّلاة. (تقول) بيان لصلاة المَلائكة، والفَرْق بين المَغفرة والرَّحمة أَنَّ المَغفرة سَتْر الذُّنوب، والرَّحمة إفاضة الإِحسان. قال (ط): الحدَث في المَسجِد خطيئةٌ يُحرَم بها المُحدِث استغفارَ الملائكة ودعاءَهم المَرجُوَّ بركتُه، وهو عقاب له بما آذاهم به من الرَّائحة الخبيثة، بخلاف ما سبَق من النُّخامة، فإنَّ لها كفَّارة وهي دفنُها، ومَن أَراد أنْ تُحَطَّ عنه الذُّنوب بغير تَعَبٍ، فليَغتَنم مُلازَمةَ مُصلَّاهُ بعد الصَّلاة ليَغتنم دُعاء المَلائكة واستغفارَهم المَرجُوَّ إجابتُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] , وقد شبَّه ﷺ انتظارَ الصَّلاة بعد الصَّلاة بالرِّباط، وأكَّدَه بتكرير: (فذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)، فينبغي الأَخْذ بهذه الفضَائل الشَّريفة. * * * ٦٢ - بابُ بُنْيَانِ الْمَسجِدِ (باب بُنيان المَسجد) وَقَالَ أبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ الْمَسْجدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ.

стр. 1202

وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ الْمَسْجدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فتفْتِنَ النَّاسَ. وَقَالَ أَنسٌ: يَتباهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونها إِلَّا قَلِيلًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لتُزَخْرِفُنَّهَا كمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. تحتمل اللَّامُ العَهْدَ، أي: مسجد النبيّ ﷺ ، والجِنْسَ في المَساجِد. (جريد)؛ أي: جُرِّدَ عنه الخُوص، فإِنْ لم يُجرَّد سَعَفٌ. (أكن) بفتح الهمزة وكَسر الكاف: أَمْرٌ من أكنَّ الرُّباعي، كذا للأَصِيْلي، أي: اصنع لهم كِنًّا بالكسر، وهو ما يَستُر من الشَّمس ونحوها، وضبَطه غيرُه: كِنَّ؛ مِنْ كنَنْتُ الشَّيء: ستَرتُه، فهو أمرٌ من الثُّلاثي. قال (ع): هما صحيحان؛ لأنَّه يُقال: كِنَّ وأَكِنَّ. قال ابن مالك: فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أَكِنَّ بالهمزة المَفتوحة من الرُّباعي، وهو الأَجوَد، وحذْفِ الهمزة وكَسْر الكاف على أَنَّ أصلَه أَكِنَّ، فحُذفت الهمزة تخفيفًا، وحذْفِ الهمزة وضَمِّ الكاف على أنَّه من كَنَّه فهو مَكنونٌ، أي: صانَه. قال (ك): وفي بعضها: (أُكِنُّ) بضَمِّ الهمزة، أي: مُضارِعًا مَرفوعًا، أي: قال للبِناء: غرَضي الإِكنان لا التَّحميرُ ونحوُه. (وإياك أن تحمر) فيه شاهدٌ على أنَّ الواوَ في: (إيَّاك وأنْ تفعلَ) لا تَلزم كما تَلزم في (إِيَّاك والشَّرَّ)، فإذا لم تثبُت فالتَّقدير: من أَنْ تَفعل، فحُذف الجارُّ قبلَ أَنْ تَطَّرد.

стр. 1203

(فتفتن) بضَمِّ التَّاء، من أَفْتَنَ الرُّباعي، لكن أنكَره الأَصْمَعيُّ. قال (ك): إنَّ ذلك في بعضها بعد أن جزَم بأنَّه من الفِتْنة، أي: فتُفتح فيه التَّاء. (يتباهون) بفتح الهاء، أي: يَتفاخَرون. (بها)؛ أي: بالمَساجِد، فدَلَّ عليه السِّيَاق. (إلا قليلًا) سُوِّغ فيه في النَّحو: (قليل) بالرَّفْع بدلًا من ضمير الفاعل. قال في "شرح السُّنَّة": قال أنس: إِنَّ النبيَّ ﷺ قال: "سيَأتِي علَى أُمَّتي زَمانٌ يتبَاهَونَ في المَساجِد، ولا يَعمُرونَها إلَّا قَليلًا". (لتزخرفنها) بضَمِّ الفاء دلالةً على واوِ الضَّمير المَحذوفة عند اتِّصال نُون التَّوكيد من الزَّخرفة، وهو الزِّينة. (كما زخرفت) قال (خ): لمَّا حرَّفوا الكتُبَ، وضيَّعوا الدِّين وعرجوا على زَخرفة الكَنائس والبِيَعِ، وتَزيينها. قال البَغَويُّ: فستَصيرون إلى مِثْل حالهم في المُراءَاة بالمَساجِد، والمُباهاة بتزيينها. * * * ٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صالحِ بْنِ كيْسَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ناَفِعٌ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ الْمَسْجدَ كَانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَبْنِيًّا

стр. 1204

بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ. (وعمده) بفتح العين والميم وضمِّها، وبهما قُرِئ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩] , ويُجمع العمود أيضًا -لكن في القِلَّة- على أَعمِدة. (بنيانه)؛ أي: حيطانه. (في عهده) صفةٌ لـ (بُنيانه)، أو حالٌ، والمُراد بالزِّيادة مع كونه على بُنيانه إما أنَّ المُراد ببُنيانه بعضُه، أو الآلة، أو الزِّيادة برفع السَّمْك، وأنَّه على هيئة بنيانه ووضعه. (القَصَّة) بفتح القاف والمُهمَلة المشدَّدة: الجِصُّ، لغةٌ حجازيَّةٌ. (سَقَّفه) بتشديد القاف، فعلٌ ماضٍ، وفي بعضها: (سَقْفُه) اسمٌ معطوفٌ على (عُمُده). (بالساج) هو ضَرْبٌ من الشَّجَر. قال (ط): ما ذكَره البُخاري في الباب يَدلُّ على أنَّ السُّنَّة في بنيان المَساجِد القَصْر، وترك الغُلُوِّ في تَشييدها خشيةَ الفِتْنة، والمُباهاة، فإنَّ فعل عمر وعُثمان ذلك مع الفُتوح، وكثرةِ المال في زمانهما, ولم يبلغا

стр. 1205

بالمَسجِد أبلغ الغايات، إنَّما هو لعِلْمهما بكَراهة النبيِّ ﷺ ذلك، وليُقتَدَى بهما في الأَخْذ من الدُّنْيا بالقَصْد والكِفاية والزُّهد. * * * ٦٣ - بابُ التَّعَاوُنِ في بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. (باب التَّعاوُن في بِنَاء المَسجد) ٤٤٧ - حَدَّثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلاِبنهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ في حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِداءَهُ فَاحْتبَى، ثُمَّ أنشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أتَى ذِكْرُ بِنَاءَ الْمَسْجدِ فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنتَيْنِ لَبِنتَيْنِ، فَرآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَينفُضُ التُّرابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: "وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئةُ الْبَاغِيةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونه إِلَى النَّارِ"، قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ. (ولابنه) الضَّمير لابن عبَّاس.

стр. 1206

(حائط)؛ أي: بُستان، سُمِّي بذلك لأنَّه لا سقفَ له. (فاحتبى) هو أَنْ يَجمَع ظَهْرَه وساقَيه بعِمامته، وقد يَحتبي بيَديه. (وأنشأ)؛ أي: شَرعَ في التَّحديث. (فينفض) في بعضها: (فجعَلَ يَنفِضُ)، وفي بعضها: (فنَفَضَ). (ويح) كلمةُ رحمةٍ كما أنَّ ويل كلمةُ عذابٍ، وهما منصوبان إذا أُضيفا كما هنا بإِضمارِ فِعْلٍ، وكذا إذا نُكِّرا نحو: ويحًا لزَيْدٍ، وويلًا له، ويجوز فيه: ويحٌ له، وويلٌ له بالرَّفْع على الابتداء. (الفئة الباغية) هي في الاصطِلاح الفِقْهيِّ: فِرْقةٌ خالفتِ الإمامَ بتَأويلٍ باطلٍ ظنًّا، وبمتبُوع مُطاعٍ وشَوكةٍ يُمكنُها مقاومتُه، وهذا ساقطٌ في بعض النُّسَخ. قال القاضي: إن هذه الزِّيادة في رواية ابن السَّكَن، والأكَثَر على الحَذْف. (إلى الجنة)؛ أي: إلى سبَبِها، وهو الطَّاعة كما أنَّ النَّار سببُ المَعصية. فإن قيل: قتلَه أهلُ الشَّام بصِفِّيْن، وفيهم صحابةٌ، فكيف جاز أنَّهم يَدعونَه إلى النَّار؟ قيل: هم يظنُّون أنَّهم يدعونَه إلى الجنَّة باجتهادهم، ولا يُحمل على بعثة عليٍّ عمَّارًا للخوارج يَدعوهم إلى الجماعة؛ لأنَّهم ما قَتَلوه، نعَمْ، يُمكن حَمْلُه عليه على نُسخَة تَرك: (تَقتُله الفِئة البَاغيَةُ)، وقد قال

стр. 1207

(ط): إنَّ هذا إنَّما يصحُّ في الخوارج الذين بعثَه عليٌّ إليهم لا في أَحدٍ من الصَّحابة؛ لأنَّه لا يُتأَوَّلُ بهم إلا أَفضَل التَّأويل. وفيه أَنَّ التَّعاون في المَسجِد من أفضل الأَعمال؛ لأَنَّ أَجْره يَبقى بعد مماته، ومثلُه حَفْر الآبار، وتَحبيسُ الأموال، وأنَّ العالم يتَهيَّأُ للحديث ويَجلِسُ له جِلْسته، وأنَّ العالم يَبعث ابنه إلى عالمٍ آخر؛ لأَنَّ العلمَ لا يَحوي جميعَه أحدٌ، وأَنَّ فِعْل البِرِّ له أن يأخُذ بالأَشقِّ فيه كحمله لَبِنَتَينِ. وفيه علامةُ النُّبوَّة بإخباره ﷺ بما يكون، وكان كما قال، وفي استِعاذةِ عمَّار من الفِتْنة دليلٌ أنَّه لا يدري أَمأجورٌ فيها أو مأزورٌ؟ قال (ك): وإصلاحُ البساتين، وعمارتُها، وإكرامُ الرَّئيس المرؤوسَ عند إظهار جِدِّه في فعل الخير. * * * ٦٤ - بابُ الاِسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ في أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ (باب الاستِعانة بالنَّجَّار والصُّنَّاع) جَمْع صانعٍ. (والمَسجد) عطفٌ على المِنْبَر، أو على أَعْواد، ففيه ذِكْر عُمومٍ بعد خُصوصٍ. ٤٤٨ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأةٍ: "مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ

стр. 1208

يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ". الحديث الأَوَّل: (مُري) أفصحُ من اُؤمُرِي كما سبَق في (باب القسمة)، وتعليق القِنْو في المَسجِد، والخِلاف في اسم النَّجَّار. (يعمل) بالجَزْم جوابُ الأمر. (أعوادًا)؛ أي: مِنْبَرًا مُركَّبًا منها. (أجلس) مرفوعٌ؛ لأَنَّ الجُملة صفةٌ لأَعوادٍ، أو هذا من قاعدة: الأَمْرُ بالأَمْرِ بالشَّيء، هل هو أَمْرٌ به؟، والمُصحَّح في الأُصول المَنْع، فلا يَكونُ النَّجَّار مأمورًا من جهة النبيِّ ﷺ . * * * ٤٤٩ - حَدَّثَنَا خَلَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ الْوَاحِدِ بنُ أَيمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتِ". فَعَمِلَتِ الْمِنْبَرَ. الحديث الثَّاني: (عن أبيه)؛ أي: أَيْمَن الحبَشيِّ المَكِّيِّ القُرشيِّ المَخْزُوميِّ. (ألا): مركبٌ من همزة الاستفهام، ولا النَّافية التي هي حرفُ تَنبيهٍ أو تخصيصٍ.

стр. 1209

(إن شئت) جوابُه محذوفٌ، ويُوجَد في بعضها: (فَعَلت)، فلا حَذْفَ. (فعملت)؛ أي: المِنْبَر، على معنى التَّشبيه بأَمرها لمن عَمِلَه. قلتُ: أو المُراد: فأمَرتْ بعَمَلِه فعُمِلَ، فلا مجازَ، لكن هذا الحديث لا يدلُّ على استعانةٍ؛ لأنَّها ابتدأَتْ بذلك إلا أن يقال: المَرأة استعانتْ بالنَّجَّار، نعم ليس فيه الشِّقُّ الآخر من التَّرجَمة، وهو ذِكْر الصُّنَّاع بالمَسجِد، إما اكتفاءً بالنَّجَّار في المِنْبَر؛ لأنَّ الباقي مثلُه، أو أنَّه أَراد [أن] يذكر فيه حديثًا فما اتفَقَ ذلك له، أو لم يثبُت عنده بشَرطه ما يدلُّ عليه. ثم وجْهُ الجَمْع بين الحديثَين إِذْ ظاهرُهما التَّعارُض، لأَنَّ في أحدهما أنَّه سأَل المَرأةَ، وفي الآخر أنَّها سأَلتْه: أنه يحتمل أنَّها بدَأتْ بالسُّؤال، فلمَّا أَبطأَ الغُلام استَنجَزها إتمامَه لمَّا عَلِمَ طيبَ نفسها بما بذَلتْ من صَنعة غُلامها، أو أرسلَ إليها ليُعرِّفَها صفة ما يصنَع الغُلام في الأَعواد لتَصير مِنْبَرًا؛ قاله (ط)، قال: وفيه استِنْجازُ الوَعْد، والاستعانةُ بأهل الصَّنْعة فيما يَعمُّ نفعه المسلمين. قال (ك): والتقرُّب إلى أهل الفَضْل بعمل الخير. * * * ٦٥ - بابُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا (باب مَنْ بنَى مَسجِدًا) ٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي

стр. 1210

عَمْروٌ: أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قتَادَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمعَ عُبَيْدَ اللهِ الْخَوْلَانِيَّ: أنَّهُ سَمعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجدَ الرَّسُولِ ﷺ : إِنَكمْ أكثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا -قَالَ بُكَيْرٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ- يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ في الْجَنَّةِ". (ابن وهب)؛ هو عبد الله. (عمرو)، أي: ابن الحارث الملقب بدُرَّة الغَوَّاص. (بكير)؛ أي: ابن عبد الله الأَشجَّ. (عبيد الله)؛ أي: ابن الأَسْوَد. (الخولاني) -بفتح المُعجَمَة-: ربيبُ مَيْمونة. (قول النَّاس)؛ أي: إنكارِهم على عُثمان تغيير المَسجِد وبناءه بالحجارة المنقوشة والقِصَّة. (أكثرتم)، أي: الكلامَ في الإِنكار على فِعْلي. (قال بكير) إدراجٌ معترِضٌ بين الشَّرطِ وجوابهِ، وهو: (بنى الله) وقوله: (يَبتَغِي)، إِنْ كان من لفظ النبيِّ ﷺ ، فهو حالٌ من ضمير (بنَى). (وجه)؛ أي: ذاتَ، والحديث عامٌّ فيمَن باشَرَ البِناءَ، ومن أَمَر به، ففيه جمعٌ بين الحقيقة والمجاز، وهو شائعٌ عند الشَّافعي، وعلى

стр. 1211

المنعْ يُحمل على معنًى مجازيٍّ يَتَناولُهما، ويُسمَّى عُمومَ المَجاز، أما إسناد البِناء إلى الله، فمجازٌ قطعًا. (مثله) وجْه المُماثلة مع أنَّ الحسنَة بعشْر أمثالها أَنَّ ذلك إمَّا قبل نُزول آية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [الأنعام: ١٦٠] , أو المِثْليَّة بحسَب الكَمِّيَّة، والزِّيادة تحصلُ بحسب الكيفيَّة، أو أنَّ التَّقييد به لا يدلُّ [على] نَفي الزِّيادة، أو إِنَّ المُماثلة باعتِبار أَنَّ الجَزاء من جِنْس العمَل. قال (ن): أو مثلُه في مُسمَّى البيت، وأما الصِّفة من سَعةٍ وغيرِها، فمعلومٌ فضْلُها بما لا عينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطَر على قَلْب بشَرٍ، أو أنَّ فضْلَه على بُيوت الجنَّة كفضْل المَسجِد على بُيوت الدُّنْيا. قال (ط): يَكفي في شرَفها إضافتُها إليه بقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، وأجْر المَسجِد جارٍ بعد مَوت الباني ما دَام يُذكَر الله فيه. * * * ٦٦ - بابٌ يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ في الْمَسْجِدِ (باب يَأخُذُ بنُصُول النَّبْل) نُصُول: جمع نَصْلٍ من سَهْمٍ، وسيْفٍ، ورُمْحٍ، ويُجمع أيضًا على نِصَالٍ، والنَّبْل بفتح النُّون: السِّهام العربيَّة، مؤنثَّةٌ لا واحدَ لها مِن لفظها.

стр. 1212

٤٥١ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجل في الْمَسْجدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا". (أسمعت) تَقريرُه دليلُ ثُبوته، فهو وجْه التَّرجَمة، أو هو مختصرٌ من الحديث الذي فيه التَّصريحُ به، وسيَأتي في غير (كتاب الصَّلاة) من البُخاري أنَّه قال له: نعمْ، بل راوه الأَصِيْلي هنا أيضًا. قال (ط): وفيه تأكيدُ حُرمة المُسلمين؛ لأَنَّ المَساجِد مَوارِدُ الخَلْق لا سيَّما في أوقات الصَّلاة، فخَشِيَ النبيُّ ﷺ أَنْ يُؤذَى بها أحدٌ، وهذا من كريم رأْفته وخلُقه، وجوازُ إدخال السِّلاح المَساجِدَ، وتعظيمُ قَليل اللَّوم وكَثيره. * * * ٦٧ - بابُ الْمُرُورِ في الْمَسْجِدِ (باب المُرور في المَسجد) ٤٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ مَرَّ في شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِناَ أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ،

стр. 1213

فَلْيَأخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لَا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا". (أبو بُردة) بضَمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء، اسمه: بُرَيد. (أبا بردة)؛ اسمه: عامر. (عن أبيه) أي: أبي موسى الأَشْعري. (أو) هي هنا من تَنويعه ﷺ ، لا شَكٌّ من الرَّاوي. (بنبل) الباء قيس للمُصاحبة بخلاف: مرَرتُ بزَيْدٍ، فإنَّها فيه للإلصاق. (على نصالها) تَعدَّى الأَخْذ بـ (علَى)؛ لأنَّه ضُمِّن معنى الاستِعلاء للمُبالغة. (يعقر)؛ أي: يَجْرَح، وهو بالرَّفْع، أو بالجَزْم جوابًا للأمر. (بكفه) يحتمل أنَّه متعلِّقٌ بـ (يأخُذ)، لهذا في بعضها مقدَّمًا على لفظ: (لا يَعْقِر)، ويحتمل أَنَّ المُراد بيده، أي: باختياره، أو المُراد بكَفِّه: نفسَه، أي: لا يُجرح بسبَب تَرْك أَخْذ النِّصال. وذكر هذا الحديث في هذه التَّرجَمة، وهو يَليقُ بالتي قبلَها أيضًا، والحديث هناك يَليقُ بهذه أيضًا: إما نظَرًا إلى لَفظ الرَّسول حيث لم يكن في الأَوَّل ذِكْر المُرور، وهنا جعل المُرور شَرطًا مُرتَّبًا يأتي الكلام عليه، أو أَنَّ كُلًّا من شيخيه إنَّما ذكَر ما رواه في مَعرِض بيان حُكم ذلك، وإما لغيرِ هذا. * * *

стр. 1214

٦٨ - بابُ الشِّعْرِ في الْمَسْجِدِ (باب الشِّعْر في المَسجد)، وفي بعضها: (إِنْشَادِ الشِّعْر). ٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبو اليَمَانِ الحَكَمُ بنُ ناَفع، قَالَ: أَخْبَرناَ شُعَيبٌ، عَن الزُّهرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرني أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ الله هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَا حَسَّانُ! أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، اللهُمَّ أيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ"؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نعمْ. (حسان) يُصرَف ويُمنعَ بناءً على أنَّه من الحُسْنِ أو الحِسِّ. (أنشدك الله) بضَمِّ الشِّين، ونشدَ نشدًا: إِذا قلتَ له: نشدتُكَ الله، أي: سأَلتُك بالله، والجلالة الشَّريفة نصبٌ، وفي رواية: (بالله). (أجب عن رسول الله) عُدِّيَ بـ (عن)؛ لأنَّه ضُمِّن معنى ادفع، أو أَنَّ التَّقدير: دافعًا عن، وليس من إجابة السُّؤال، أو المعنى: أَجِبِ الكُفَّارَ عن رسول الله، ثم يحتمل أَنَّ حسَّان نقلَه بالمعنى، وإنَّما قال ﷺ : أجبْ عنِّي، فعبَّر عنه بذلك تَعظيمًا". أو أنه ﷺ نطَق به كذلك تَربيةً للمَهابة، وتَقويةً لداعي المَأمور، كما في: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل: ٧٩] , ونحو: الخَليفةُ رَسَمَ بكَذا، مكان: أنا رسمت. (أيده) التَّأييد: التَّقوية.

стр. 1215

(القدس) بضَمِّ الدَّال وسُكونها اسمًا ومصدرًا: الطُّهْر. قال (ط): هذا الحديث وإِنْ لم يكُن فيه أنَّه أَنشَد شِعْرًا في المَسجِد، لكنْ في (باب بَدْء الخَلْق)، وبه تتمُّ التَّرجَمة: (مَرَّ عُمَرُ بالمَسجِد وحسَّانٌ يُنشِدُ، فزَجَرهُ، فقال: أَنشَدتُه وفيه مَنْ هو خيرٌ منك، ثم التَفتَ إلى أبي هُريرة، فقال: أَنشُدكَ الله ...) إلى آخره، وهو يَدلُّ على أَنَّ قولَه ﷺ : (أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ)، كان في المَسجِد، وقد اختُلف في ذلك، فقيل: يَجوزُ ما لا بَأْسَ به، وقيل: يَمتَنع، وقيل: المَنهيُّ عنه الشِّعْر الذي فيه الخنَا والزُّور، أو يَغلِبُ على المَسجِد حتَّى يكون كلُّ مَنْ فيه يَتشاغَلُ به، وقال (ن): هو مُستحبٌّ إذا كان في تَمادح الإِسلام وأهله، أو هِجَاء المُشركين، أو التَّحريض كما كان شِعْر حسَّان، وفي الحديث الدُّعاء لمَنْ يقولُ مثلَ ذلك، والانتِصار من الكُفَّار به. قال الطَّحَاوي: لكنْ لا يَبدؤُهم بسَبٍّ ولا هِجَاءٍ مخافةَ سَبِّهم الإِسلامَ وأهلَه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا﴾ [الأنعام: ١٠٨] , ولتنْزيه ألسنة المُسلمين إلا أَنْ تَدعُوَ إليه ضرورةٌ كابتِدائهم به، يدلُّ عليه لفظ: (أَجِبْ)، وإنَّما اكتفَى بأبي هُريرة وَحْدَه؛ لأنَّها روايةٌ لا شهادةٌ، وإنْ سُمِّيت بذلك مجازًا. * * *

стр. 1216

٦٩ - بابُ أَصحابِ الْحِرَابِ في الْمَسْجِدِ (باب أَصحاب الحِرَاب في المَسجد) جمع حَرْبَة. ٤٥٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عنْ صالحٍ، عَنْ ابنِ شِهابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبيرِ: أَنَّ عَائِشَةْ قَالتْ: لقدْ رَأَيتُ رسُولَ الله ﷺ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ في الْمَسْجدِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدائِهِ، أنظُرُ إِلَى لَعِبِهِم. (رأيت)؛ أي: أَبصَرتُ. (الحبشة) جِنْسٌ من السُّودان. (لَعِب) بفتحٍ ثم كسرٍ، أو كسرٍ ثم سكونٍ، وهذه الجُمَل كلُّها أحوالٌ. * * * ٤٥٥ - زَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونسٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ. (زاد) يحتمل أنَّه تعليق، والذي زادَه إنَّما هو لفظ: (بِحِرَابهم)،

стр. 1217

وفي بعض الرِّوايات: (وزادَني). (ابن وهب) هو عبد الله، وإنَّما جازَ اللَّعِب في المَسجِد؛ لأنَّه يُنتفع به في الجهاد، فهو طاعةٌ، وإنْ كانت لَعِبًا صُورةً. قال (ط): يجوز فيه كُلُّ ما يجمع فيه منفعةُ الدِّين وأهلِه، واللَّعِب بالحِرَاب من ذلك، وفيه جوازُ النَّظَر للَّعِب المُباح. قلتُ: الذي يكون في الحقيقة طاعةً، ويُمكن أَنَّ النبيَّ ﷺ مكَّن عائشة من النَّظَر لتَضبِطَ السُّنَّةَ في ذلك، وتَنقُل تلك الحركات المُحكَمة إلى بعضِ مَن يَأتي من أَبناء المسلمين فتُعرِّفهم، وفيه مِن حُسْن خلُقه، وكريمِ مُعاشرته لأهله ما هو ظاهرٌ. قال (ك): وجوازُ نظَر النِّساء الرِّجالَ، ووُجوب استِتارهنَّ عنهم، وفَضْلُ عائشة، وعِظَمُ مَحلِّها. قلتُ: المُرجَّح منْعُ نظَر الأجنبيَّة إلى أجنبيٍّ، والحديث محمولٌ على أنَّها كانت تنظُر اللَّعِب والآلاتِ لا لذَواتهم، أو أنَّها كانت صغيرةً، أو غير ذلك. * * * ٧٠ - بابُ ذِكْرِ الْبَيع وَالشِّرَاء عَلَى الْمِنْبَرِ في الْمَسجِدِ (باب ذِكْر البَيع والشِّراء على المِنْبَر في المَسجد)، في بعضها:

стр. 1218

(والمَسجِد)، وحينئذٍ يصير التَّقدير: وعلى المَسجِد، والأصل أَنْ يُقال: وفي، فإمَّا ضُمِّن على معنى (في) عَكْس: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] , أو هو من باب: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا * * * ٤٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أتتهَا بَرِيرَةُ تَسْألهَا في كتَابَتِهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي، وَقَالَ أَهْلُهَا: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا وَيكُونُ الْوَلَاءُ لَنَا- فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ- فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ". قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ يَحْيَى وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ: أَنَّ بَرِيرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: صَعِدَ الْمِنْبَرَ.

стр. 1219

(في كتابتها) لم يَقُل (عن)؛ لأنَّ السُّؤال سؤالُ استِعطاءٍ لا استِنجازٍ، أي: جاءتْ تستعطيها في شأْن كتابتها، وهي عقْدُ عتْقٍ على الرَّقيق بمالٍ يُؤَدِّيهِ في نَجمَين فأكثَر. (أعطيت) مفعولُه الثَّاني محذوفٌ، أي: ثَمَنَكِ. (الولاء) بفتح الواو. (إن شئت) خطابٌ لعائشة. (ما بقي)؛ أي: على بَرِيْرَةَ من نجوم الكتابة. (ذكرته) إما بضَمِّ التَّاء، فيكون من لَفْظ عائشة، وإما بالسُّكون من كلامِ الرَّاوي معنى ما وقَع، أو من كلام عائشةَ على تَجريدِها من نَفْسها بإعادة ضمير الغَيبة عليه. (فصعد)؛ أي: روى سُفيان عِوَضَ قامَ: صَعَدَ. (ما بال)؛ أي: ما شَأْن. (ليست) وفي بعضها: (لَيْسَ) باعتِبار الاشتِراط، أو جِنْس الشَّرط. (فليس له)؛ أي: ليس ذلك الشَّرط له، أي: لا يَستحقُّه. (مئة) للمُبالَغة، لا لقصْد عينِ هذا العدَد. (أن بريرة)؛ أي: لم يُسنِدْه في هذه الرِّواية لعائشة، ولا ذَكَر: صعدَ المِنْبَر. (قال علي)؛ أي: ابن المَدِيْني.

стр. 1220

(يحيى)؛ أي: القَطَّان. (عبد الوهاب)؛ أي: الثَّقَفي. (عن يحيى)؛ أي: ابن سعيد الأَنْصاري السَّابق في الإسناد الأَوَّل، والفَرْق بين الطَّريقين أنَّ الأُولى بعَنعنةِ، وليس فيها ذكْر عائشة، والثَّانية ذكرتْ بلفظ السَّماع، والفَرْق بينهما ويين رواية مالك أنَّها تعليقٌ، وهذان مُسنَدان؛ لأنَّه عطفٌ على رواية عليٍّ، عن ابن عُيينة، على أنَّ الإسماعيلي وصَلَها من رواية بُنْدَار، عن يحيى، وعبد الوهاب، ووصَلَ أحمد، والنَّسائي، روايةَ جعفر؛ نعَمْ، وصَلَ البُخاريُّ رواية مالك في (باب الكِتَابة). قال (خ): فيه دليلٌ على جَواز بيع المُكاتَب وإن لم يَرْضَ، ولم يَعْجَز، ولو عن بَعض النُّجوم إذا اشتُرِطَ العِتْق، ولا خِلافَ في منع البيع على إِبْطالِ كتابته إذا كان مُؤَدِّيًا للنُّجوم في أوقاتها، وأَنَّ البيع بشَرْط العِتْق جائزٌ؛ لأَنَّ التَّنازع إنَّما وقَع في الوَلاء، وهو يَقتضي العِتْقَ، فدلَّ على أنَّه كان مشروطًا في البيع، وأنَّه ليس كلُّ شرطٍ في بيع يُفسدُه، فيُخَصُّ به ما رُوي من النَّهي عن بيعٍ وشَرْطٍ، ولا يُستدلُّ بقوله: (لَيسَ في كِتَابِ الله)، على أنَّ ما ليسَ في القُرآن يبطُل؛ لأَنَّ: (إنَّما الوَلاءُ لمَنْ أَعتَقَ)، ليس في كتاب الله، بل من لَفْظ الرَّسول ﷺ إلا أَنْ يُقال: لمَّا قال تعالى: وَ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] , كان ما قالَه كالمَذكور في كتاب الله. قال (ك): أو يكون المُراد بـ (كتاب الله) المَكتوبَ في اللَّوح المَحفوظ، أو الأَحكامَ ولو كانتْ من السُّنَّة.

стр. 1221

ووجْهُ مُطابقة الحديث للتَّرجمة: أنَّ المُراد شُروط البيع والشِّراء، وتَمام القِصَّة يدلُّ عليه. قال (ن): احتجَّ به جَمعٌ كأحمد على بَيع المُكاتَب، وبعضهم على البيع للعِتْق لا للاستِخدام، وأجاب المانِع بأنَّها عجَّزتْ نفسَها، وفسَخوا الكتابة. قال: وفيه دليلٌ على أنَّه لا وَلاءَ لمَنْ أَسلَم على يدَيه أو حالَفَه خلافًا لأبي حنيفة، ولا للمُلْتقِط على اللَّقِيْط خلافًا وإسحاق، وأنَّ الأَمَةَ في الكتابة كالعبد، وكتابة المُزَوَّجة، وأنَّ المُكاتَب لا يعتِق بمجرَّدها، بل هو عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ، وجوازُ تصرُّف المرأة الرَّشيدة في مالها بالشِّراء، أو الإِعتاق، وغيرها، واكتسابُ المُكاتَب بالسُّؤال، واستحبابُ الخُطْبة لوقوع بِدْعةٍ للإنكارِ، وبيانِ الحُكم، وحسنُ العِشْرة حيث لم يُواجِه صاحبَ الواقعة، بل قال: (مَا بَالُ أَقْوام)، والمُبالغةُ في إزالة المُنكَر، وغيرُ ذلك. * * * ٧١ - بابُ التَّقَاضِي وَالْمُلَازَمَةِ في الْمَسْجِدِ (باب التَّقاضي والمُلازمة في المَسجد) ٤٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ،

стр. 1222

قَالَ: أَخْبَرَناَ يُونسٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ: أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ في الْمَسْجدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ في بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرتهِ فَنَادَى: "يَا كعْبُ! "، قَالَ: لَبّيكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا"، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ؛ أَي الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ, , قَالَ: "قُمْ فاقْضِهِ". (ابن عمر) بضَمِّ العين. (ابن أبي حدرد) بمهملاتٍ، مَفتوحِ الأَوَّل والثَّالث، ساكن الثَّاني، هو عبد الله بن سَلامة. (تقاضى)؛ أي: طالَبَ. (دينًا) نَصْبُه بنَزْع الخافض، أي: بدَيْنٍ؛ لأَنَّ الفِعْل السَّابق مُتعدٍّ لواحدٍ، وذلك (ابن). (في) مُتعلِّقٌ بـ (تَقاضَى). (أصواتهما) هو مثل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، أو أنه جُمع باعتبار أنواع الصَّوت. (سِجْف) بكسر السِّين وفتحها، والجيمُ ساكنةٌ: هو السِّتْر. (لبيك) تثنيةٌ للتَّكرار، أي: إقامةً على طاعتك بعد إقامةٍ. (الشطر)؛ أي: النِّصْف، وهو منصوبٌ تفسيرًا لقوله: هذا، أي: حُطَّ عنه نِصْفَه.

стр. 1223

(قم) خِطابٌ لابن أَبِي حَدْرَد. قال (ط): فيه المُخاصَمة في المَسجِد في الحُقوق، والمُطالَبة بالدُّيون، والحَضُّ على الحَطِّ عن المُعسِر، والقَضاءُ بالصُّلح إذا رآه السُّلطان إصلاحًا، والحُكْم بما صُولِح عليه إذا كان فيه رُشْده، وأنَّ الإِشارةَ تَقومُ مقام النُّطق إذا فُهمت، والمُلازمةُ في الاقتِضاء، وإنكارُ رَفْع الصَّوت في المَسجِد بغير القِراءة، وإنَّما لم يُعنِّفهما لأنَّه لا بُدَّ لهما منه. قال (ن): والشَّفاعةُ إلى صاحب الحقِّ، والإصلاحُ بين الخَصْمين، وحُسن التَّوسُّط، وقبولُ الشَّفاعة في غير معصيةٍ. قال (ك): وإسبالُ السُّتور عند الحُجْرة. * * * ٧٢ - بابُ كَنْسِ الْمَسْجِدِ، وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ (باب كَنْس المَسجد)، (الخرق) بكسر أوَّله: جمع خِرْقَة. (القذى) بفتح القاف والمُعجَمَة: ما يَسقُط في العَين والشَّراب. (العيدان) الأَخشاب، جمع عُوْد. ٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ -أَوِ امْرَأةً سَوْداءَ- كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا:

стр. 1224

مَاتَ، قَالَ: "أفلَا كنتمْ آذَنتمُوني بِهِ، دُلُّوني عَلَى قَبْرِه"، -أَوْ قَالَ: قَبْرِهَا- فَأَتَى قَبْرَهُ فصلى عَلَيْهاِ. (أبو رافع)؛ أي: نُفَيع. (رجل أو امرأة) شكٌّ من أبي هريرة، أو من أبي رافع، وفي الرِّواية الأُخرى الآتية: (لا أُراهُ إلَّا امرأةً)، وبه جزَم أبو الشَّيخ في "كتاب الصَّلاة" له بسندٍ مُرسَلٍ، وسَمَّاها أم مِحْجَن، ورُوي في اسمها أيضًا: مِحْجنة. (تقم) بضَمِّ القاف والمُعجَمَة، أي: تَكْنُس القُمامة، وهي الزِّبَالة. (عنه)؛ أي: عن حاله، ومفعولُ سأل محذوفٌ، أي: النَّاسَ. ووجْهُ دلالة الحديث على التِقاطِ ما ذكَر في التَّرجَمة القياسُ على الكَنْس، والجامع بينهما التَّنظيف. قال (ط): فيه الحَضُّ على كَنْس المَساجِد؛ لأنَّه ﷺ حضَّ على الصَّلاة عليه بعد دفنه لمَا كان يَفعَل، وقد روي أنَّه ﷺ كنَسَ المَسجِدَ، وفيه خدمة الصَّالحين، والسُّؤال عن الخادم والصَّديق، وافتقادُه إِذا غابَ، والمُكافأة بالدُّعاء والتَّرحُم والرَّغبةُ في شُهود جنائز الصَّالحين، والصَّلاة في المَقْبُرة. قال (ك): ونَدْبُ الصَّلاة على المَدفون خلافًا للمالكيَّة، وتنبيه الرَّاوي على شكِّ ما يشكُّ فيه، والإعلامُ بالموت، وأنَّه لا يُصلَّى على المَدفون إلا عند القبر. * * *

стр. 1225

٧٣ - بابُ تَحْرِيمِ تِجَارة الْخمْرِ في الْمَسْجِدِ (باب تحريم تجارة الخَمْر في المَسجد)؛ أي: باب ذِكْر تحريم ذلك في المَسجِد. (في) متعلِّقةٌ بـ (تحريم)، لا بـ (تجارة). ٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ الْبقَرَةِ في الرِّبَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَسْجدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الْخَمْرِ. (أبي حمزة) بالمُهمَلة والزَّاي: محمَّد بن مَيْمُون. (الآيات) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] إلى آخر العَشْر، والرِّبا مقصورٌ، من رَبَا يَربُو: زَادَ، فيُكتب بالألف، وأجازَ الكوفيُّون بالياء. (ثم حرم تجارة)؛ أي: البَيع والشِّراء. قال الشَّافعيُّ: المَنْع للنَّجاسة. قال (ع): تحريم الخَمْر سابقٌ؛ لأنَّ المائدة قبلَ آيات الرِّبا بطَويلٍ، فيحتمل أنَّ هذا النَّهي تأخَّر عن تَحريمها، أو أنَّه أخبَر بتحريم تِجارتها مرَّتين؛ عند تحريمها، وعند نُزول آياتِ الرِّبا؛ توكيدًا ومُبالغةً في إشاعته، فرُبَّما حضَر ثانيًا مَن لم يَحضُر أوَّلًا.

стр. 1226

قال (ط): غرَض البُخاري أَنَّ ذِكْر الخَمْر ونحوها من أكَبَر الفواحش يُنَزَّه عنه المَساجِد إلا إنْ كانَ على وجه النَّهي والمَنْع منها. * * * ٧٤ - بابُ الْخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾: لِلْمَسْجدِ يَخْدُمُهُا. (باب الخَدَم للمَسْجد) جمع خادِم. ﴿بَطْنِي﴾ أي: أُمُّ مَرْيَم، وهي جنَّة. (تخدمه)؛ أي: المَسجِد، وفي بعضها: (تَخدمُها)، أي: المَساجِد، أو الصَّخْرة، أو البُقْعة، أو الأَرض المُقدَّسة أو المُبارَكة. ﴿مُحَرَّرًا﴾، قال في "الكَشَّاف": أي: مُعتَقًا لخِدْمة بيت المَقدِس. * * * ٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأةً -أَوْ رَجُلًا- كَانَتْ تَقُمُّ المسْجدَ -وَلَا أُرَاهُ إلَّا امْرَأةً- فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أنه صَلَّى عَلَى قَبْرِه. (واقد) بالقاف والمُهمَلة، وهو أحمد بن عبد المَلِك بن واقِد، فنُسب إلى جَدِّه.

стр. 1227

(حَمَّاد)؛ أي: ابن زَيْد. (أُراه) بضَمِّ الهمزة، أي: أَظنُّه وهو من كلام أبي هُريرة، أو أبي رافع. (أنَّه)؛ أي: الحديث، أو إنَّ النبيَّ ﷺ ، فالمَذكور إما الصَّلاة المُشتمِل عليها الحديث، أو الحديث بتمامه السَّابق في الباب قَبلَه. * * * ٧٥ - بابُ الأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ في الْمَسْجِدِ (باب الأَسِيْر أو الغَرِيْم) قال الجَوْهَري: أسره: شدَّه بالإسار، وهو القَيد، ومنه سُمِّي الأسير؛ لأنَّهم كانوا يَشدُّونه بذلك، ثم سُمِّي كل أَخِيْذٍ بذلك، وإن لم يُشَدَّ به. والغَرِيْم: مَن عليه الدَّين، وربَّما أُطلِق على مَن له الدَّين. ٤٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- لِيقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتنظُرُوا إِلَيْهِ كلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ "، قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا.

стр. 1228

(عفريتًا) بكَسْر العَين: هو المبالغ في كلِّ شيء. (الجن) خِلاف الإِنس، سُمِّيت بذلك لاجتِنانها، أي: استِتارها. (تفلت)؛ أي: تعرَّض فَلتةً، أي: فجاءةً. (البارحة) هي أقْرب ليلةٍ مضَتْ. (نحوها) الضَّمير للبارحة، أو لجملة (تَفلَّت). (السارية)؛ أي: الأُسطُوانة. (تصبحوا)؛ أي: تدخُلوا في الصَّباح، فهي تامَّةٌ لا تحتاج لخبَرٍ. (كلكم) بالرَّفْع، توكيدٌ للضَّمير المرفوع. (رب هب لي) التِّلاوة: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص: ٣٥] , ولعلَّ هذا قياسٌ لا على قصْد أنَّه قُرآنٌ. (أخي)؛ أي: لمَا بينَهما من الاتفاق في أُصول الدّين، أو في النُّبوَّة. (قال روح) الظَّاهر أنَّه داخلٌ تحت الإسناد، ويحتمل أنَّه تَعليقٌ. (خاسئًا)؛ أي: مَطرودًا مُبعدًا. ووجه دلالة الحديث على ربط الغريم: القياس على الأسير. قال (خ): فيه أنَّ رُؤية البشَر للجِنِّ غيرُ مُستحيلةٍ؛ لأَنَّ جسمَهم وإنْ لَطُف فدُروكُه غير ممتنع، فأمَّا قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] , فهو باعتبار الغالبِ ابتلاءً من الله تعالى ليَفزَع

стр. 1229

البشَرُ إليه، وَيستعيذوا من شَرِّهم، ويَطلُبوا الأَمانَ من غائلتهم. قال (ك): أو المَنفيُّ رُؤيتنا لهم حالَ رؤيتهم لنا فقط، ولا يَلزم منه نفيُ رُؤيتنا إيَّاهم مطلقًا. قال (خ): وإن أصحاب سُليمان كانوا يَرونهم، وهو من دلائل نبُوَّته، ولولا مُشاهدتهم إيَّاهم لم تَقُم له الحجَّةُ عليهم. قال (ط): ورُؤيته ﷺ العِفْريتَ خُصَّ به كما خُصَّ برُؤية الملائكة، فقد رأَى جِبْريلَ له سِتُّ مئة جناحٍ، وأما قدرتُه عليه، فإنه تجسيمٌ، لكنْ أُلقي في رُوعه ما وُهِبَ لسُليمان، فلم يتَعدَّ ما قَوِيَ عليه من حَبْسه حِرْصًا على إجابة الله دعوةَ سُليمان، وأما غير النبي ﷺ من النَّاس، فلا يُمكن منه، ولا يَرى أحدٌ الشَّيطان على صُورته غير النبيّ ﷺ للآية، لكنْ يَراه إذا تَشكَّلَ بغير أَصله كما تَشكَّل الذي طعَنه الأنصاريُّ في بيته في صُورة حَيَّةٍ، ومات الرَّجلُ به، وبيَّن النبيُّ ﷺ ذلك بقوله: "إِنَّ بالمَدينَةِ جِنًّا قَدْ أَسلَمُوا". * * * ٧٦ - بابُ الاِغْتِسَالِ إِذَا أَسلَمَ، وَرَبْطِ الأَسِير أَيْضًا في الْمَسْجِدِ وَكَانَ شُرَيْحٌ يَأمُرُ الغَريْمَ أَنْ يُحْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ المَسْجدِ.

стр. 1230

(باب الاغتِسال إِذا أَسلَم) (يأمر بالغريم أن يحبس)؛ أي: بالغَرِيْم، فحُذفت الباءُ، كما في: أمَرتُكَ الخَيْر أي: بالخَيْر، و (أَنْ يُحبَس) بدلٌ اشتمالٍ من الغَريم، أو أَنْ يحبس بمعنى يَنْحبِس إقامة للمُطاوع مُقام المُطاوَع؛ لاستلزامه إيَّاه، جوَّز الوجهَين ابنُ مالك. * * * ٤٦٢ - حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أثالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. (إلى) بمعنى: مَعَ. (خيلًا)؛ أي: فُرْسانًا. (قِبَل) بكسر القافِ وفتْح المُوحَّدة: جِهَةَ مُقابله. (نجد): ما ارتَفع من تِهَامة إلى العِراق. (ثُمامة) بضَمِّ المُثلَّثة وخِفَّة الميم.
следующие страницы →