← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قال (ط): غرَض البُخاري أَنَّ ذِكْر الخَمْر ونحوها من أكَبَر الفواحش يُنَزَّه عنه المَساجِد إلا إنْ كانَ على وجه النَّهي والمَنْع منها. * * * ٧٤ - بابُ الْخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾: لِلْمَسْجدِ يَخْدُمُهُا. (باب الخَدَم للمَسْجد) جمع خادِم. ﴿بَطْنِي﴾ أي: أُمُّ مَرْيَم، وهي جنَّة. (تخدمه)؛ أي: المَسجِد، وفي بعضها: (تَخدمُها)، أي: المَساجِد، أو الصَّخْرة، أو البُقْعة، أو الأَرض المُقدَّسة أو المُبارَكة. ﴿مُحَرَّرًا﴾، قال في "الكَشَّاف": أي: مُعتَقًا لخِدْمة بيت المَقدِس. * * * ٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأةً -أَوْ رَجُلًا- كَانَتْ تَقُمُّ المسْجدَ -وَلَا أُرَاهُ إلَّا امْرَأةً- فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أنه صَلَّى عَلَى قَبْرِه. (واقد) بالقاف والمُهمَلة، وهو أحمد بن عبد المَلِك بن واقِد، فنُسب إلى جَدِّه.

стр. 1227

(حَمَّاد)؛ أي: ابن زَيْد. (أُراه) بضَمِّ الهمزة، أي: أَظنُّه وهو من كلام أبي هُريرة، أو أبي رافع. (أنَّه)؛ أي: الحديث، أو إنَّ النبيَّ ﷺ ، فالمَذكور إما الصَّلاة المُشتمِل عليها الحديث، أو الحديث بتمامه السَّابق في الباب قَبلَه. * * * ٧٥ - بابُ الأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ في الْمَسْجِدِ (باب الأَسِيْر أو الغَرِيْم) قال الجَوْهَري: أسره: شدَّه بالإسار، وهو القَيد، ومنه سُمِّي الأسير؛ لأنَّهم كانوا يَشدُّونه بذلك، ثم سُمِّي كل أَخِيْذٍ بذلك، وإن لم يُشَدَّ به. والغَرِيْم: مَن عليه الدَّين، وربَّما أُطلِق على مَن له الدَّين. ٤٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- لِيقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتنظُرُوا إِلَيْهِ كلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ "، قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا.

стр. 1228

(عفريتًا) بكَسْر العَين: هو المبالغ في كلِّ شيء. (الجن) خِلاف الإِنس، سُمِّيت بذلك لاجتِنانها، أي: استِتارها. (تفلت)؛ أي: تعرَّض فَلتةً، أي: فجاءةً. (البارحة) هي أقْرب ليلةٍ مضَتْ. (نحوها) الضَّمير للبارحة، أو لجملة (تَفلَّت). (السارية)؛ أي: الأُسطُوانة. (تصبحوا)؛ أي: تدخُلوا في الصَّباح، فهي تامَّةٌ لا تحتاج لخبَرٍ. (كلكم) بالرَّفْع، توكيدٌ للضَّمير المرفوع. (رب هب لي) التِّلاوة: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص: ٣٥] , ولعلَّ هذا قياسٌ لا على قصْد أنَّه قُرآنٌ. (أخي)؛ أي: لمَا بينَهما من الاتفاق في أُصول الدّين، أو في النُّبوَّة. (قال روح) الظَّاهر أنَّه داخلٌ تحت الإسناد، ويحتمل أنَّه تَعليقٌ. (خاسئًا)؛ أي: مَطرودًا مُبعدًا. ووجه دلالة الحديث على ربط الغريم: القياس على الأسير. قال (خ): فيه أنَّ رُؤية البشَر للجِنِّ غيرُ مُستحيلةٍ؛ لأَنَّ جسمَهم وإنْ لَطُف فدُروكُه غير ممتنع، فأمَّا قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] , فهو باعتبار الغالبِ ابتلاءً من الله تعالى ليَفزَع

стр. 1229

البشَرُ إليه، وَيستعيذوا من شَرِّهم، ويَطلُبوا الأَمانَ من غائلتهم. قال (ك): أو المَنفيُّ رُؤيتنا لهم حالَ رؤيتهم لنا فقط، ولا يَلزم منه نفيُ رُؤيتنا إيَّاهم مطلقًا. قال (خ): وإن أصحاب سُليمان كانوا يَرونهم، وهو من دلائل نبُوَّته، ولولا مُشاهدتهم إيَّاهم لم تَقُم له الحجَّةُ عليهم. قال (ط): ورُؤيته ﷺ العِفْريتَ خُصَّ به كما خُصَّ برُؤية الملائكة، فقد رأَى جِبْريلَ له سِتُّ مئة جناحٍ، وأما قدرتُه عليه، فإنه تجسيمٌ، لكنْ أُلقي في رُوعه ما وُهِبَ لسُليمان، فلم يتَعدَّ ما قَوِيَ عليه من حَبْسه حِرْصًا على إجابة الله دعوةَ سُليمان، وأما غير النبي ﷺ من النَّاس، فلا يُمكن منه، ولا يَرى أحدٌ الشَّيطان على صُورته غير النبيّ ﷺ للآية، لكنْ يَراه إذا تَشكَّلَ بغير أَصله كما تَشكَّل الذي طعَنه الأنصاريُّ في بيته في صُورة حَيَّةٍ، ومات الرَّجلُ به، وبيَّن النبيُّ ﷺ ذلك بقوله: "إِنَّ بالمَدينَةِ جِنًّا قَدْ أَسلَمُوا". * * * ٧٦ - بابُ الاِغْتِسَالِ إِذَا أَسلَمَ، وَرَبْطِ الأَسِير أَيْضًا في الْمَسْجِدِ وَكَانَ شُرَيْحٌ يَأمُرُ الغَريْمَ أَنْ يُحْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ المَسْجدِ.

стр. 1230

(باب الاغتِسال إِذا أَسلَم) (يأمر بالغريم أن يحبس)؛ أي: بالغَرِيْم، فحُذفت الباءُ، كما في: أمَرتُكَ الخَيْر أي: بالخَيْر، و (أَنْ يُحبَس) بدلٌ اشتمالٍ من الغَريم، أو أَنْ يحبس بمعنى يَنْحبِس إقامة للمُطاوع مُقام المُطاوَع؛ لاستلزامه إيَّاه، جوَّز الوجهَين ابنُ مالك. * * * ٤٦٢ - حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أثالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. (إلى) بمعنى: مَعَ. (خيلًا)؛ أي: فُرْسانًا. (قِبَل) بكسر القافِ وفتْح المُوحَّدة: جِهَةَ مُقابله. (نجد): ما ارتَفع من تِهَامة إلى العِراق. (ثُمامة) بضَمِّ المُثلَّثة وخِفَّة الميم.

стр. 1231

(أُثال) بضَمِّ الهمزة وخِفَّة المُثلَّثة، وباللَّام. (إلى نجدٍ) بفتح النُّون وسكون الجيم، أي: ما يَظهرُ من الأَرض، وفي بعضها بالخاء المُعجَمَة. قال (ش): هي الرِّواية المَشْهورة، وأنكَرها بعضُهم وصوَّب الجيم، وهو الماءُ القليل المُنبعِث، وقيل: الماء الجاري. وفي الحديث: أَسْرُ الكافر، وأنَّ للإمام إطلاقَه منًّا عليه، أو بالفِداء، ويحتمل أنَّه أَطلَق هذا لما عَلِمَ من إيمان قَلْبه، وأنَّه سيُظهره. قال (ط): أوجبَ أحمد الغُسل على مَن أَسلَم، وقال الشَّافعي: أُحبُّ أن يَغتسل إنْ لم يكن جُنبًا، وقال مالك: عليه الغُسل؛ لأنَّهم لا يطَّهَّرون، أي: من النَّجاسة في أبدانهم، إذْ طهارتُهم من الجنَابة مُستحيلة. فإنْ قيل: فيكون غير مُحدِثٍ أيضًا، فيُصلِّي بلا وُضوءٍ؟ قلت: إذا أسلَم وهو غيرُ جنُبٍ، فلا بُدَّ من وُضوئه للصَّلاة. قال: وليس في الحديث أنَّه ﷺ أمره بالغُسل. قال مالك: ولم يبلغنا أنَّه أمر أحدًا أسلَم بالغُسل، انتهى. قلت: لأنَّه مشهورٌ في الشَّرع فلم يُحتَجْ لنَقْله. * * *

стр. 1232

٧٧ - بابُ الْخَيْمَةِ في الْمَسْجِدِ لِلْمَرْضى وَغَيْرِهِمْ (باب الخَيْمَة في المَسجد) ٤٦٣ - حَدَّثَنَا زكرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ في الأكحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِي ﷺ خَيْمَةً في الْمَسْجدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ -وَفِي الْمَسْجدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ- إِلَّا الدمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ! مَا هَذَا الَّذِي يَأتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا، فَمَاتَ فِيهَا. (زكريا) بالمَدِّ والقَصْر. (الأكحل) عِرْقٌ في اليَدِ يُفْصَد، ولا يُقال: عِرْقُ الأكحُل. (فلم يرعهم) بجزم العين المُهمَلة: من الرَّوع، وهو الفَزَع، يقال: روَّعتُه فارتاعَ، أي: فَزعتُه ففَزِعَ. (إلا الدم) هو الفاعل؛ لأنَّه استثناء مُفرَّغٌ، وما بينهما جملةٌ معترِضةٌ. (غفار) بكسر المُعجَمَة وخِفَّة الفاء، وهم من كِنَانة، رهطُ أبي ذرٍّ. (قِبَلَكُم) بكَسْر القاف، أي: جِهتَكم.

стр. 1233

(يغذو) بمُعجمتين؛ أي: يَسِيْلُ، (جُرحه) فاعلٌ، (دمًا) تمييز. (فيها)؛ أي: في الخَيْمة، أو في الجِرَاحة؛ لأنَّها معنى الجُرْح، وفي بعضها: (مِنْها)، قال (خ): المعنى أنَّهم أفزَعَهم رُؤيةُ الدَّمِ، وقد كانوا في طُمَأْنينةٍ، وقال (ش): يَعنُون بذلك السُّرعة لا نَفْس الفَزَع. قال (ط): فيه جوازُ سُكنى المَسجِد للعُذْر، وفيه أنَّ السُّلطان أو العالِمَ إذا شَقَّ عليه النُّهوض إلى عيادة مريضٍ يُنقَل إلى موضعٍ بقُربه تَخِفُّ عليه عيادتُه فيه، وأنَّ النَّجاسة لا تجبُ إزالتُها؛ لأنَّه أَباحَ للجَريح سُكنى المَسجِد. * * * ٧٨ - بابُ إِدْخَالِ الْبَعِيرِ في الْمَسْجِدِ لِلْعِلةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ. (باب إِدْخالِ البَعِيْر في المَسجد) البعير في الإبل كالإِنْسان في النَّاس، يشمَل الذَّكَرَ والأُنثى. (قال ابن عبَّاس) وصلَه في الحَجِّ في (باب مَنْ أَشارَ إلى الرُّكن). * * * ٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي

стр. 1234

سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أنِّي أَشْتَكِي، قَالَ: "طُوفي مِنْ وَرَاءَ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبةٌ". فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بِـ (الطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ). (شكوت)، أي: أَخبَرتُ بالأَلَم. (أني أشتكي)؛ أي: أتَوَجَّعُ، وهو مفعول شَكَوتُ. (فطفت)؛ أي: راكبةً على البَعيْر، وهو وجْهُ دلالتِه على التَّرجَمة. (إلى جنب)؛ أي: مُنتهيًا إلى جَنْب، وفائدة ذكر هذا أنَّه قريبٌ من البَيت لا بَعِيْدٌ. (بالطور)؛ أي: بسُورة الطُّور، ولهذا لم يَقُل: (والطُّور) بالواو؛ لأنَّه صارَ علَمًا. قال (ط): ففيه أنَّ الدَّوابَّ المَأكولة ليس بَولُها نَجِسًا، وهو قول مالك، وأنَّ راكب الدَّابَّة ينبغي أن يتجنَّب مَمرَّ النَّاس ما استطَاع، ولا يُخالِطَ الرَّجَّالة، وكذا يَنبغي طَواف النِّساء في الحواشي ليَكُنَّ وراء الرِّجال كما في الصَّلاة. * * * ٧٩ - بابٌ (باب) ٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ،

стр. 1235

قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنسٌ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أتى أَهْلَهُ. (أن رجلين) هما عَبَّاد -بفتح المُهمَلة وتشديد المُوحَّدة- بن بِشْر، بكسر المُوحَّدة، وأُسيد بن حُضير بالتَّصغير فيهما. (مظلمة) بكسر اللَّام مِن أظلَم اللَّيل، وقال الفَرَّاء: ظَلُم الليل وأظلَم بِمعنًى، وضاءَت النَّار وأضاءَتْ مثله، وأضاءتْه النَّارُ يتَعدَّى ولا يَتعدَّى، وقال الزَّمَخْشَريُّ: بمعنى نَوَّرَ مُتعدٍّ، وبمعنى لَمَعَ غير مُتعدٍّ، وأمَّا أظلَم فيحتمل التَّعدِّي وعدمَه. (بين أيديهما)؛ أي: قُدَّامَهُما، وهو مفعولٌ فيه إنْ كان فعلُ الإضاءة لازمًا، ومفعولًا به إن كان متعدِّيًا. قال (ط): إنَّما ذكَر هذا الحديث البُخاري في أحكام المَساجِد؛ لأنَّ الرَّجلين كانا معه في المَسجِد فأكرمهما الله بالنُّور في الدُّنْيا ببركته وفَضْل مسجدِه ﷺ ، وذلك آيةٌ للنبيِّ ﷺ إذْ خُصَّ أِصحابُه بمثْل هذه الكرامة عند حاجتهم للنُّور، وكأنَّه أراد أن يُترجِم ذلك بباب: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] , يُشير إلى أنَّ الآية عامَّةٌ في معناها، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، ويُستدلُّ به على أنَّ الله تعالى يجعل لمَنْ يُسبَح في تلك المَساجِد نُورًا

стр. 1236

في قُلوبهم، وفي جميع أعضائهم، وبين أيديهم، ومِنْ خَلْفهم في الدُّنْيا والآخِرة، فهما ممن جُعِلَ النُّورُ بين أيديهم، وقد قال ﷺ : "بَشِّرِ المَشَّائِيْنَ في الظُّلَمِ إلى المَساجِدِ بالنُّورِ التَّام يَومَ القِيَامةِ"، فجعل لهذَين منه في الدُّنْيا ليَزدادوا إيمانًا بالنبي ﷺ ". * * * ٨٠ - بابُ الْخَوْخَةِ وَالْمَمَرِّ في الْمَسْجِدِ (باب الخَوْخَة) بفتح المُعجَمَة، أي: الباب الصَّغيرة، وقال الجَوْهَري: هو كوَّةٌ في الجِدار تؤدي الضَّوءَ. ٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ الله خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ"، فَبَكَى أَبو بَكْرٍ ﵁، فَقُلْتُ في نفسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ؟ فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْعَبْدَ، وَكَانَ أبو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ! لَا تبكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أبو بَكْرٍ، وَلَوْ كنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ في الْمَسْجدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا

стр. 1237

بَابُ أَبِي بَكْرٍ". (النضر) بالمُعجَمَة، وفي بعضها: (أبو النَّضْر، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد)، وفي بعضها: (أبو النَّضْر، عن عُبيد، وعن بُسر، عن أبي سعيد) بواو العطف، وفي بعضها: (أبو النَّضْر، عن عُبيد، عن بِشْر، عن أبي سعيد) بلا واوٍ، أو بينهما أو، وهذه الرَّابعة خطأٌ كما نقلَه الغَسَّاني، عن الفَرَبْري، عن البُخاري؛ لأَنَّ عُبيدًا لم يَروِه عن بُسْر، قال: ولكنْ لعلَّ فُلَيحًا كان يُحدِّث به مرَّة عن عُبيد، ومرَّةً عن بُسْرٍ، ومرَّة عنهما، وكلٌّ صوابٌ، وسيأتي في (باب مناقب أبي بكر) بيانُه. الحديث الأَوَّل: (ما عنده)؛ أي: عند الله، وهو الآخرة. (ما يُبكي) بضَمِّ أوَّله. (إن يكن) جواب هذا الشَّرط محذوفٌ، يدلُّ عليه السِّيَاق، أو (إنْ) بمعنى: إذ، وفي بعضها: (أَن) بالفَتح، وجعلَه (ش): من تَجويز السَّفَاقُسِي، أي: لأَجْل أَنْ، لكن يُشكل الجَزْم حينئذٍ، فقال ابن مالك: يُقال فيه كما قِيْل في حديث: (لَنْ تُرَعْ)، فإنَّه سكَّن مع أَنَّ (لَنْ) ناصبةٌ، وأن عينَ تُراع سُكِّنتْ للوَقْف، فأشبَه المَجزوم، فحُذفت الأَلف كما تُحذَف في المَجزوم، ثم أَجرَى الوَصْل مَجرَى الوَقْف. (هو العبد)؛ أي: المُخيَّر. (أعلمنا)؛ أي: حيثُ فَهِمَ أن النبيَّ ﷺ يُفارِق الدُّنْيا، فبكَى حُزْنًا

стр. 1238

على فِراقه، ولهذا قال ﷺ : (عَبْدًا) بالتنكير؛ ليُظهِرَ نبَاهة أهل العِرفان في تَفسير هذا المُبهَم. (أَمَنَّ)؛ أي: أكثَر جُودًا بنفسهِ ومالهِ، أي: بلا استِثابةٍ على ذلك، كما في: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تُعْطِ لتَأخُذَ أكثر مِمَّا أَعطَيتَ، لا من المَنِّ الذي يُفسِد الصَّنِيْعة؛ فإنَّه لا مِنَّةَ عليه ﷺ ، بل مِنَّتُه على جميع الخلْق، وفي بعضها: (من أمَنُّ)، فيُشكِل قولَه: أبو بكر، فيُؤَوَّل على أنَّ (مِن أمَنِّ) صفةٌ لمَحذوفٍ، أي: أنَّ رجلًا مِنْ أمَنِّ. قلتُ: أو يُضمَر الشَّأنُ في (أنَّ)، كما قيل به في حديث: "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ". (خليلًا) فَعِيْلًا بمعنى مَفعول، قال الزَّمَخْشَري: هو المُخَالُّ الذي يُخالُّكَ، أي: يُوافقُك في خِلالِكَ، ويُسَامرُك في طريقتِك، من الخِلِّ وهو الطَّريق في الرَّمْل، أو يَسُدُّ خلَلَكَ كما تَسُدُّ خلَلَه، أو يُداخلُك خِلالَ مَنازلِك وحجَبك، وقيل: من الانقِطاع، فخليلُ الله المُنقطِع إليه، والمعنى هنا: لو كنتُ مُنقطِعًا إلى غير الله لانقطَعتُ إلى أبي بكر، أو لو اتَّسَعَ قلبي لغير الله لاتَّسَعَ له، أو نحو ذلك، أي: لَم يُبْقِ فيه مَوضعًا لغيره، فأمَّا قولَ بعض الصَّحابة: سمعتُ خَليلي ﷺ فانقِطاعٌ إلى النبيِّ ﷺ ، وذلك انقِطاع إلى الله، أي: فهو اتَّخَذَ النبيَّ - صلى الله عليه ٧ وسلم - خليلًا، لا أَنَّ النبيَّ ﷺ اتَّخَذَه خَليلًا. (ولكن أخوة الإِسلام) مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه، أي: أَفضَلُ كما صرَّح

стр. 1239

بذلك في الحديث الذي بعدَه، وللأَصِيْلي بحذْف الهمزة (خوة)، قال (ط): كذا وقَع، ولا أَعرِف معناه. قال ابن مالك: مع ضَمِّ النُّون من (لكن)، وسُكونها، فصارتْ ثلاثة أوجهٍ: الأُولى: السُّكون مع ثبوت الهمزة، وهي الأصل. والثَّانية: نُقلت ضمَّة الهمزة للسَّاكن قبلَها، وهو النُّون. والثَّالثة: كذلك، لكن استُثقلتْ ضمةٌ بين كسرةٍ وضمَّةٍ، فسُكِّنت النُّون تَخفيفًا، فهذه فرعُ الفَرعِ. (ومودته) هي بمعنى الخُلَّة، ففي "الصِّحاح": الخَلِيْل: الصَّديق، أي: الوَدود، ويدلُّ على ذلك أيضًا ما في الحديث الثَّاني: (ولكِنْ خُلَّةُ الإِسلامِ أَفْضَلُ)، وعلى هذا فنَفي الخُلَّة أوَّلًا، وإثباتُ المَوَدَّة ثانيًا، إمَّا لاختلاف متعلَّقهما، فالمُثبَتة ما كانت بحسَب الإِسلام، والمَنفيَّة بجهةٍ أُخرى، يدلُّ عليه: (ولكِنْ خلَّةُ الإِسلام أَفْضَلُ)، وإما لأَنَّ الخُلَّة أخصُّ وأعلا مرتبةً، فاكتفَى من حيث خصوصُها، والإِثبات من حيث العُموم. قلت: وهو يَرجع إلى الأَوَّل، فإن قيل: الصَّحابة كلُّهم مشتركون معه في أُخوَّة الإِسلام، والسِّيَاق لبيان أَفضلية أبي بكر، قيل: المَودَّة الإِسلاميَّة متفاوتةٌ بحسب التَّفاوت في إعلاء كلمة الله، وتحصيل كَثْرة الثَّواب، فكان أفضلَ من هذه الحيثيَّة، ومما ذُكر من خصوصيَّاته، أو

стр. 1240

أَنَّ مَودَّة الإِسلام معه أفضلُ من مودَّته مع غيره. (لا يُبقين) روي بالبناء للمفعول، وللفاعل، ونونُه مشدَّدةٌ للتَّوكيد، والنَّهي راجعٌ للمُكلَّفين لا إلى الباب، فكنَّى بعدَم البقاء عن عدم الإِبقاء؛ لأنَّه لازِمٌ له كأنَّه قال: لا تُبقُوه، فلا يبقَى كما في: لا رأيتُك هنا، أي: لا تقعُدْ هنا، فلا أَراكَ. (إلا سُدَّ)؛ أي: إلا بابًا سُدَّ، فالمحذوف هو المُستثنَى، والفعل صفتُه، ثم استثنَى ثانيًا من هذا، أو يُقال: الاستِثناء مُفرَّغٌ، أي: لا يبقَى بابٌ بوجهٍ من الوُجوه إلا بوَجْه السَّدِّ إلا بابُه. وفي الحديث خصوصيَّةٌ شديدةٌ لأبي بكر حيث تُسَدُّ الأبواب إلا بابه، وأنَّه مُفرَدٌ بأمرٍ لا يُشارَك فيه، وأَولى ما يُصرف ذلك للخلافة بعدَه، ويُؤكِّده أمره بالإمامة في الصَّلاة التي بُني لها المَسجِد، ولأجلها يَدخل إليه من أبوابه، قاله (خ)، قال: ولا أَعلَم في إثباتِ القِياس أَقوَى من إجماع الصَّحابة على استِخلاف أبي بكر مُستدلِّين في ذلك باستخلافه ﷺ إيَّاه في أعظم أُمور الدِّين، وهو الصَّلاة، فقاسُوا عليها سائر الأُمور. قال (ن): وأَنَّ المَساجِد تُمنعَ من التَّطرُّق إليها من خَوْخَةٍ ونحوِها إلا لحاجةٍ مهمةٍ إنْ حُمل الحكم على سائر المَساجِد لفظًا، أو كان المُراد مسجدَه ﷺ ، لكنْ يُقاس غيرُه عليه. قال (خ): وفيه التَّعرُّض بالعِلم للنَّاس، وإنْ قَلَّ فُهماؤُهم خشيةَ أن يدخل عليهم مَساءةٌ أو حُزْن، وأنَّه لا يستحقُّ أحدٌ العلم حقيقةً إلا

стр. 1241

مَن فَهِمَ، والحافظ لا يَبلغُ درجةَ الفَهْم، وإنَّما يُقال: عالمٌ بالنَّصِّ لا بالمَعنى، وأنَّ أبا بكر أَعلَمُ الصَّحابة، والحَضُّ على اختيار ما عند الله، والزُّهد في الدُّنْيا، والإعلام بمن اختار ذلك من الصَّالحين، وأنَّ على السُّلطان شُكرُ مَن أحسَن صحبتَه ومعونتَه بنفسه وماله، واختصاصه بما لم يُشارَك فيه، وأنَّ الخليل فَوق الصَّديق والأَخ. * * * ٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرج رَسُولُ اللهِ ﷺ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ الله وَأثنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ في نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ في هَذَا الْمَسْجدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ". الحديث الثَّاني: (عاصبًا) قيل: المَعروف: عَصَبَ تَعصيبًا. (فحمد الله)؛ أي: على وُجودِ الكَمالِ. (وأثنى)؛ أي: على عدَم النُّقصان.

стр. 1242

(أبي قُحافة) بضَمِّ القاف، وبحاءٍ مُهمَلةٍ، وفاءٍ، اسمه: عُثمان. (ليس أحد) إلى آخره، قال (ك): إنَّ قولَه في الحديث السَّابق: (إنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عليَّ) أبلغُ، وهذا لاحتِمال أنَّ له مَن يُساويه؛ إِذِ المَنفيُّ الأفضليَّةُ. (أفضل)؛ أي: فاضلُه؛ إذ المَقصود أنَّ الخُلَّة بالمعنى الأَوَّل أَعلا مَرتبةً، وأفضل من كلِّ خلَّةٍ، وفيه جواز الخُطبة قاعدًا. * * * ٨١ - بابُ الأبْوَابِ وَالْغَلَقِ لِلْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ! لَوْ رَأَيْتَ مَسَاجِدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبْوَابَهَا. (باب الأَبوابِ والغَلَق) بتحريك اللَّام: ما يُغلَق به. * * * ٤٦٨ - حَدَّثَنَا أبُو النُّعْمَانِ، وَقتيْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ ابْنَ طَلْحَةَ، فَفتحَ الْبَابَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَبِلَالٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، ثُمَّ أغلِقَ الْبَابُ، فَلَبِثَ فِيهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجُوا، قَالَ

стр. 1243

ابْنُ عُمَرَ: فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بلالًا فقالَ: صلّى فيهِ، فقَلتُ: في أَيٍّ؟ قَالَ: بينَ الأُسطُوَانتَينِ، قالَ ابنُ عمرَ، فَذهبَ علَيَّ أَنْ أَسألَهُ: كَمْ صلَّى. (قال لي) هو أحطُّ رتبةً من حدَّثني وأخبرَني؛ لأنَّه قد يكون على وجه المُذاكرة لا التَّحميل. (لو رأيت) جوابُه محذوفٌ، أي: لو رأَيتَها كذا وكذا، أو لَرَأَيْتَ عجَبًا، أو (لو) للتَّمنّي فلا جوابَ لها. (فسألت بلالًا)؛ أي: عن صَلاته ﷺ في الكَعبة. (في أي)؛ أي: في أيِّ نَواحيه، ورُبَّما صُرِّح بذلك في بعضها. (الأسطوانتين) بضَمِّ الهمزة، والأُسْطُوانة أُفْعُوالةٌ، وقيل: أُفْعُلوانة، وقيل: أُفْعُلانَة. (فذهب)؛ أي: فاتَ. (كم) سؤالٌ عن الكَمِّيَّة. قال (ط): اتخاذ الأَبواب للمَساجِد واجبٌ صَونًا عن دُخول الرِّيَبِ وما لا يَصلُح، ووجه خصوصيَّة الثَّلاثة الدَّاخلين معه ﷺ أنَّه لمعانٍ تَخصُّهم، وعُثمان لئَلَّا يتوهم أنَّه عزَله، وأيضًا فيقوم بالفَتْح والغَلْق، وبلال لكونهِ مُؤذِّنَه وخادمَ أمر الصَّلاة، وأُسامة لأنَّه متولِّي خدمة ما يَحتاج. قلت: وفي الثَّاني أنَّه كان معهم الفَضْل بن عبَّاس، وكأنَّه لصِغَره.

стр. 1244

قال: وفيه أنَّ الإِمام يَخُصُّ خاصته ببعض ما يَستَترُ به عن النَّاس، وأما غَلْق الأبواب فلئلا يظُنَّ النَّاس أنَّ الصَّلاةَ فيه سنةٌ. قلت: هي سنة. قال (ك): أو لئَلَّا يَزدحم عليه النَّاس. * * * ٨٢ - بابُ دُخُولِ الْمُشْرِكِ الْمَسْجِدَ (باب دُخول المُشْرِك) ٤٦٩ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّهُ سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نجدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أثالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجدِ. سبَق الكلام على الحديث فيه في (باب الاغتسال إذا أسلَم)، نعمْ، يُمنع عند الشَّافعي من دُخول المَسجِد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]؛ بخلاف سائر المَساجِد لهذا الحديث، ومنعَ مالكٌ من دُخوله كلَّ مسجدٍ تعظيمًا لشعائر الله، وقال أبو حنيفة: يَدخلُ المَسجِد الحرام وغيرَه. * * *

стр. 1245

٨٣ - بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ في الْمَسَاجِدِ (باب رَفْعِ الصَّوت في المَسجد) ٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا في الْمَسْجدِ فَحَصَبَنِي رَجلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأتِنِي بِهَذَيْنِ، فَجئتهُ بِهِمَا, قَالَ: مَنْ أنتمَا -أَوْ مِنْ أَيْنَ أنتمَا؟ - قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْ كنتمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا في مَسْجدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (الجُعَيد) بضَمِّ الجيم، وفتح العين المُهمَلة، ويقال: جَعْد أيضًا، بفتح الجيم، وسُكون المُهمَلة. (ابن خُصَيفة) بضَمِّ الخاء المُعجَمَة، وفتح المُهمَلة، وبالفاء، نُسِبَ لجَدِّه، وإنَّما هو ابن عبد الله بن خُصَيفة. (فحصَبني)؛ أي: رَماني بالحَصْباء، ومُضارعُه يَحصِبُ بالكسر. (فإذا عمر) حاضِرٌ، أو واقِفٌ. (من أهل الطائف)؛ أي: مِن بلادِ ثَقِيْفٍ. (ترفعان) استئنافٌ، كأنهما قالا: لِمَ توجعنا؟ قال: لأنكما ترفعان.

стр. 1246

(أصواتكما) قال ابن مالك: المُثنَّى معنًى إذا كان جُزءَ ما أُضيف له يَجوزُ إفرادُه كـ: أكلتُ رأْسَ شاتَينِ، وجمعُه أجوَدُ نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] , والتَّثنية معَ أَصالتها قليلةٌ في الاستِعمال، وإنْ لم يكُن جزءَه فالأكثَرُ تثنيتُه، كـ: سَلَّ الزَيْدان سَيفَيهما، وإنْ أَمِنَ اللَّبْس جاز الجمْعُ كما في: "يُعذَّبانِ في قُبورِهِمَا". * * * ٤٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونسٌ بنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالكٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دينًا لَهُ عَلَيْهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الْمَسْجدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ في بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَناَدَى: "يَا كعْبُ بْنَ مَالِكٍ! يَا كعْبُ! "، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ: أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ نصيبكَ، قَالَ كعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُمْ فَاقْضِهِ". (أحمد) قال الغَسَّاني: قال البُخاري في موضعَين من (الصَّلاة): حدَّثنا أحمد، ثنا ابن وَهْب، فقال ابن السَّكَن: هو أحمد بن صالح المِصْري، وكذا قال الحاكم في "المَدخَل"، وقيل: إنَّه أحمد بن عِيْسَى التُّسْتَري، ولا يَخلُوا أن يكون واحدًا منهما، وقال الكَلابَاذِي: قال ابن مَنْدَه: كلُّ ما في "جامع البُخاري" أَحمَد، عن ابن وَهْب،

стр. 1247

فهو ابن صالح. وقد سبَق الكلام في الحديث في (باب التَّقاضي والمُلازَمة في المَسجِد). قال (ط): إنكار عُمر؛ لأنَّهما رفعَا أصواتهما باللَّغَط من غير حاجةٍ، وإنَّما سأَلَهما من أين أنتما؟ , لأنَّ أَهلَ البَلَد يعرفون المَنْع في ذلك، فلمَّا أخبَراه ببلدهما عذَرهُما بالجهل، وأما ارتفاع صَوت كعْب ورفيقه فإنَّه في طلَب حقٍّ واجبٍ، فلذلك لم يُنكَر عليهما. قال مالكٌ: لا يُرفَع الصَّوتُ في المَسجِد لا بالعِلْم ولا بغَيره، وأجازَه أبو حنيفة، ومرَّ به ابنُ عُيينة وقد ارتفعتْ أصواتُهما في المَسجِد. قال: فقلتُ له: الصَّوت لا يُرفع في المَسجِد، فقال: دَعْهم فإنَّهم لا يفقَهون إلا كذا. قال (خ): فيه جوازُ ما يدور بين المُتخاصمين من كلامٍ غليظٍ في طلَب الحقِّ، فهو مُتجاوَزٌ عنه، وأنَّ للحاكم مُراودتَهما على الصُّلح، والأَمْرُ بتعجيل ما يُوقَع عليه الصُّلح، وهو صلحُ حَطٍّ لا يَفسُد بالتَّأخير بخلاف ما وقَع معاوضةً؛ لأنَّه بيعُ الكالئ بالكالئ. * * * ٨٤ - بابُ الْحِلَقِ وَالْجُلُوسِ في الْمَسْجِدِ (باب الحِلَقِ) بفتح اللَّام مع كسر الحاء وفتحها: جمع حَلْقةٍ

стр. 1248

بسكون اللَّام، وحكى يونسُ الفتح. قال الجَوْهَري: فتح الحاء في الجَمْع على غير قياسٍ، بخلاف الكسر فإنَّه كبَدْرَة وبِدَر. * * * ٤٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجلٌ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: مَا تَرَى في صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى". وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ به. الحديث الأَوَّل: (ما ترى) يحتمل أَنْ يكون من الرَّأْي، أو من رَأَى بمعنى عَلِمَ، والمُراد لازمُه؛ إذِ العالم يحكُم بما عَلِمَ شَرعًا. (مثنى) غير مُنصَرِفٍ، أي: اثنَيْنِ اثنَيْنِ، وهو خبرُ مبتدأ محذوفٌ، أي: هي مَثْنَى، وتَكريره للتَّأكيد. (فأوترت)؛ أي: تلك الرَّكعةُ. (وإنَّه)؛ أي: ابن عُمر. (أمر به)؛ أي: بالجَعْل، أو بالوِتْر. * * *

стр. 1249

٤٧٣ - حَدَّثَنَا أبو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأوتِرْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صلَّيْتَ". قَالَ الْوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَجُلًا ناَدَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ في الْمَسْجدِ. الحديث الثَّاني: (توتر)؛ أي: الواحدةُ، وهو مجزومٌ جوابًا للأَمْر، وفي بعضها مرفوعٌ استئنافًا، وإسنادُ الإيتار للصَّلاة مجازٌ. * * * ٤٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في الْمَسْجدِ فَأَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فَجَلَسَ، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ، فآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاستَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ". الحديث الثَّالث: سبَق في (باب مَن قَعدَ حيثُ انتهَى به المَجلس) مباحثُه وفوائدُه.

стр. 1250

ووجه دلالة هذه الأحاديث على التَّرجَمة: الثَّالث ظاهرةٌ لا سِيَّما ما في رواية: (فَرأَى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ)، وأمَّا الأَوَّلان فيَدُلَّان على بعض التَّرجَمة، وهو الجلوس في المَسجِد، ولا يُشترط أن كلَّ حديثٍ يدلُّ على التَّرجَمة. قال (ط): شبَّهَ البُخاريُّ جلوسَهم حول النبي ﷺ في المَسجِد وهو يخطُب بالتَّحلُّق والجلوس لأَخْذ العلم، وفيه أنَّ إجابة سائلٍ في الدِّين لا تَضُرُّ الخُطبةَ، وفضْلُ حِلَق الذِّكْر، وسَدُّ الفُرَج في حِلَق العلم كما في الصَّلاة وصَفِّ القتال، وأنَّ التَّزاحُم بين يدَي العالم من أَعمال البِرِّ، وأن الأدبَ الجُلوس حيث انتهَى به مَجلسُه، ولا يُقِمْ أحدًا، وابتداءُ العالم بالعِلم قبل أن يُسأَلَ عنه، ومدْحُ الحياء والثَّناء على صاحبه، وذَمّ من زَهِد في العِلْم. * * * ٨٥ - بابُ الاِسْتِلْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَدِّ الرجْلِ (باب الاستِلقاء في المَسجد) ٤٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا في الْمَسْجدِ، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى.

стр. 1251

وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. (مستلقيًا) نصبٌ على الحال. (واضعًا) حالٌ مترادفةٌ، أو متداخلةٌ من ضمير (مُستلقيًا). (وعن ابن شِهَاب) يحتمل أنَّه تعليقٌ، وأن يكون متصلًا من رواية مالك أيضًا. (ذلك)؛ أي: المَذكور، وهو الاستِلقاء والوَضْع، فيه أَنّ هذا الفعل جائزٌ، وخبَرُ النَّهي عنه إما مَنسوخٌ، وهو حديث جابِر: نهى أَنْ يَضُمَّ الرَّجُلُ إِحدَى رِجْلَيهِ على الأُخرى وهُوَ مُستَلْقٍ على ظَهْرِه، ولذلك استدلَّ البُخاري على نسخه بعمَل الخليفتَين بعدَه؛ إذ لا يجوز أن يَخفى عليهما النَّاسِخُ. قال (ط): أو مقيَّدٌ بما إذا بدَا بذلك عورتُه كأَنْ يكون الإِزَار ضيِّقًا، فإِذا وَضَع رِجْلا فَوقَ الأُخرى وهناك فُرجةٌ ظهَرَ منها العَورة، وجوازُ أنواع الاستراحة غير الانبِطاح على الوَجْه، فقد رُوي النَّهي عنه وأنَّها ضَجْعةٌ يُبغِضُها الله تعالى. * * * ٨٦ - بابُ الْمَسْجِدِ يَكُونُ في الطرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضرَرِ بِالنَّاسِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَأيوبُ وَمَالِكٌ.

стр. 1252

(باب المَسجد يكون في الطَّريق) ٤٧٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجدًا بِفِنَاءَ دارِه، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْاَنَ، فَتقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ ويَنْظُرونَ إليِهِ، وكَانَ أبو بكرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لا يَملِكُ عَينَيهِ إِذَا قَرأ القُرآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافُ قُرِيشٍ مِنَ المشْرِكينَ. (أخبرني) وفي بعضها: (فأخبَرني) بالعطف بالفاء على مُقدَّر، أي: أخبرني عُروة بكذا، فأخبرني عَقِب ذلك بهذا، ومثله ما سبَق في (كتاب الوحي) عن ابن شِهَابٍ أيضًا إذ قال: أخبَرني أبو سلَمة. (لم أعقل)؛ أي: لم أَعْرِف. (أبوي) من التَّغليب في التَّثنية كالقَمَرَين، وفي بعضها: (أبواي) على لُغة بني الحارِث في لُزوم المُثنَّى الألف كعَصا. (يدينان)؛ أي: يتديَّنان بدين الإِسلام. (الدين) نصب بنَزْع الخافض، أي: بالدِّين، فإنَّه يُقال: دانَ بكذا دِيانةً يَدينُ به تَديُّنًا، ويحتمل أنَّه مفعولٌ به على أَنَّ معنى يَدينُ يُطيع، لكن فيه مجازٌ حيث جعَل الدِّين كالشَّخص المُطاع.

стр. 1253

(بدا)؛ أي: ظهَر له رأْيٌ، ومصدرُه بُدُوٌّ كقُعودٌ. (فِناء) بالمَدِّ: ما امتَدَّ من جوانب الدَّار. (لا يملك عينيه)؛ أي: لا يُطيق إمساكهما عن البُكاء، وفي بعضها: (عَيْنَه)، أي: الجِنْس. (إذا) ظَرْفيَّةٌ عاملها (يَملك)، أو شَرطيَّة والجزاءُ مقدَّرٌ دلَّ عليه (لا يَملِك). (فأفزع)؛ أي: أَخافَ، أي: من مَيلِ الأبناء والنِّساء إلى دين الإِسلام. قال (ط): وفيه من فضل أبي بكر ما لا يُشاركُه فيه أحدٌ، وهو تبليغُ كتاب الله وإظهارُه مع الخَوف. قال (ك): وقِدَمُ إسلامه، وتَردُّد النبي ﷺ إليه طرَفَي النَّهار، وبكاؤُه ورِقَّةُ قلبه، ﵁. * * * ٨٧ - بابُ الصلاةِ في مَسْجدِ السُّوقِ وصلَّى ابنُ عَوْنٍ في مَسْجدٍ في دارٍ يُغْلَقُ عَلِيهِم البَابُ. (باب الصَّلاة في مَسجد السُّوق) لعلَّ مُراده الرَّدُّ على الحنفيَّة في منعهم اتخاذ المَسجِد في الدَّار المَحجوب عن أعين النَّاس. * * *

стр. 1254

٤٧٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنا أبو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن أَبِي صالحٍ، عَن أَبِي هُرِيرَةَ، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: "صَلاةُ الجميعِ تَزِيْدُ عَلَى صَلَاتِهِ في بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ في سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فإنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأتى الْمَسْجدَ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِها دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجدَ كَانَ في صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي -يَعْنِي عَلَيْهِ- الْمَلَائِكَةُ مَا دامَ في مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ". (أبو صالح)؛ أي: ذَكْوان. (صلاة الجميع)؛ أي: الصَّلاة جماعةً. (في بيته) وكَذا في سُوقه، مقابلٌ به الجماعة، فالمُراد الانفِراد، باعتبار أَنَّ الغالبَ ذلك. (خمسًا وعشرين) السِّرُّ في الأَعداد خَفِيٌّ لا يَعلمُ حقيقتَها إلا الله، نَعَمْ، يحتمل أنْ يُقال في مناسبة الخمْس والعِشْرين: أنَّ صلَوات اليومِ واللَّيلة خَمْسٌ، فإذا ضُرِبَتْ في نفسها بلَغتْ ذلك، فأُريد تضعيفُ ثوابها على الانفِراد بذلك؛ لمناسبته من جِنْس الأصل، ويحتمل أَنَّ الأربعة لمَّا كانت تُؤلَّف منها العشرة، فيُقال: واحدٌ، واثنان، وثلاثةٌ، وأربعةٌ، ومن العشَرات المئات، ومن المئات الأُلوف، فكانتْ أصلَ جميع مراتب العدَد، ومع ذلك زِيْد عليها واحدٌ مبالغةً، ثم ضُعِّفتْ

стр. 1255

بعدد الصَّلوات الخمس مبالغةً أخرى، ولا مُنافاةَ بين هذا الحديث وبين حديث: (سَبْعًا وعِشْرينَ دَرَجةً)، إمَّا لأَنَّ العدَد القليل لا يَنفي الكثير، أو أنَّه أَعلَم بالقليل، ثم أَعلم بالكثير، فأخبَر به، أو أنَّ ذلك مختلفٌ باختلاف المُصلِّين بحسب كمالِ الصَّلاة، ومحافظةِ هيئتها، وخُشوعها، وكثْرةِ جماعتها، وشرَفِ البُقعة، ونحو ذلك، وحينئذٍ يظهَر في مناسبةِ ذلك أَنَّ ركَعات فَرائض اليوم واللَّيلة سبعةَ عشَر، والرَّواتب المُؤكَّدة المُداوَم عليها عشرةٌ، فضُعِّف أجر الجماعة بهذا الاعتبار، وأمَّا الوِتْر فلا مَدخَل له؛ لأنَّه شُرِعَ بعد ذلك. (فإن أحدكم) في بعضها بالمُوحَّدة (١) للمُصاحبة، أي: تزَيْد بخمسٍ وعشرين درجةً مع فضائل أُخرَى كذا وكذا. (فأحسن)، أي: أَسبَغ مع الوَفاء بالسُّنن والآداب. (إلا الصَّلاة)؛ أي: وما في معناها من العبادات من اعتكافٍ ونحوِه، فذكر الصَّلاة فقط؛ لأنَّها الأغلب. (خطوة) بضَمِّ الخاء وفتحها. قال الجَوْهَري: هي بالضَمِّ: ما بين القدَمين، وبالفتح: المَرَّة الواحدة. (ما كانت)، أي: مُدَّة دَوام ذلك. (تصلي الملائكة)، أي: تَستغفرُ وتطلبُ الرَّحمة له.

стр. 1256

(اللهم)؛ أي: قائلين: اللَّهُمَّ، أو هو بيانٌ للصلاة. (ما لم يؤذ)؛ أي: المَلائكة بالحدَث. (يُحدث) مضارعُ أَحدَثَ مجزومٌ بدلًا مِن يُؤْذِ، أو مرفوعٌ استئنافًا، وفي بعضها: (بحدَثٍ)، جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بـ (يُؤْذِ)، وفي بعضها: (مَا لَمْ يُحْدِثْ)، من غير ذكْر: (يُؤذ)، أي: ما لم يَنقُضِ الوُضوء، أو المُراد: ما لم يتكلَّم بكلام الدُّنْيا. وتقدَّم مباحثُ الحديث في (باب الحدَث في المَسجِد). ووجه مُطابَقة الحديث للتَّرجمة: أَنَّ المُراد فيها بالمَساجِد مواضعَ الصَّلاة لا الأَبنية المَوضوعة لها. قال (ط): رُوي أنَّ الأَسواق شَرُّ البِقاع، فخشي البُخاريُّ أن يُتوهَّم منه منع الصَّلاة في الأسواق فأتَى بما يدلُّ على جَواز ذلك، وأنَّها إذا جازت في السُّوق، فأَولى أن يُتخذ فيه مَسجِدٌ للجماعة. قال: وفيه أنَّ للمنفرد درجةً من خمسٍ وعشرينٍ. قال (ك): الخمسة والعِشرون إنَّما هي زائدةٌ على المنفرد. * * *

стр. 1257

٨٨ - بابُ تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ في الْمَسْجِدِ وَغَيْره (باب تَشبِيْك الأَصابِع في المَسجد)، في بعضها: (وغيرِه). ٤٨١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي بُرْدة، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا"، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. الحديث الأَوَّل: (كالبنيان) بضَمِّ المُوحَّدة. (يشد) في بعضها: (شَدَّ) بلفظ الماضي. (أصابعه) في الإِصبع عشرُ لُغاتٍ مشهورةٌ، عاشرها أُصبُوع، وأفصحها: كسر الهمزة وفتح الباء. ووجه مناسبته للتَّرجمة: إنْ كان فيها زيادة: (وغيره) ظاهرةٌ، وعلى إسقاطها يحتمل أنَّ الرَّاوي اختصَر من الحديث التَّقييد بالمَسجِد، واكتفى البُخاريُّ بدلالة الحديث الآتي على ذلك، وقيل: لعلَّ مُراد البُخاري الجوازُ مطلقًا؛ لأنَّه إذا جاز في المَسجِد فغيرُه أَولى، وضُعِّف بأنَّه كان

стр. 1258

لحكمةِ تَمثيلِ تَعاضُدِ المُؤمنين وتَناصُرهم، فمَثَّلَ المَعنى بالصُّورة لزيادة التَّبيين، وتَشبيكُه في الحديث الآخَر كان لإراحة الأَصابع كما هو المُعتاد لا على وجه العَبَث، فيُقيَّد أنَّه إذا كان لغرَضٍ صحيحٍ يجوز بخلاف العبَث، وقال (ط): في النَّهي عنه آثارٌ مُرسلةٌ. قال مالك: لا بأْسَ به في المَسجِد، وإنَّما يُكره في الصَّلاة. * * * ٤٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَناَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ -قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أبو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نسَيتُ أَناَ-، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا ركْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبةٍ مَعْرُوضَةٍ في الْمَسْجدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ووَضَعَ خَدَّهُ الأَيمَنَ عَلى ظَهْرِ كفِّهِ اليُسْرَى، وخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجدِ فَقَالُوا: قَصُرتِ الصَّلاةِ وفِي القَومِ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ في يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنسَيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: "لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ"، فَقَالَ: "أكمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَقَالُوا: نعمْ، فتقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكبَّرَ، ثُمَّ كبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ

стр. 1259

سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَألوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. الحديث الثَّاني: (صلاتي) في بعضها: (صَلاةَ)، بالإِفراد على إرادة الجِنْس. (العشي) بفتح المُهمَلة وتَشديد الياء، وفي بعضها: (العِشَاء) بالكَسر والمَدِّ. قال الجَوْهَري: هو مِثْل العَشِيِّ من صلاة المَغرِب إلى العَتَمَة، وقال الأَزْهريُّ: من الزوال للفَجْر، والعِشاءان المَغرب والعِشاء. قال (ن): صلاة العَشِيِّ الظُّهر أو العصر. (معروضة)؛ أي: موضوعةٍ بالعَرْض، أو في ناحية المَسجِد. (وضع خده) يحتمل أنَّه مع التَّشبيك، أو بعدَه. (السَّرعان)؛ أي: الأَوائل، بفتح الرَّاء والسِّين، وضبطه الأَصِيْلي بضَمِّ السِّين وإسكان الرَّاء، جمع سَرِيْع، وهو المُسرِع للخُروج نحو كَثيب وكُثْبان، أو المُراد العَوامُّ الذين لا يَلْبَثون للذّكْر. قال أبو الفَرَج: مُثلَّث السِّين، والنُّونُ ساكنةٌ، وقال (ش): والنُّون تُنصب أبدًا، وهو وَهمٌ؛ فإنَّه فاعلُ خرَج. (قصرت) بفتح أوَّله، على البِناء للفاعل، مِنْ قَصُر يقصُر، بضَمِّ الصَّاد فيهما، وبالضمِّ على البناء للمفعول.

стр. 1260

(ذو اليدين) لُقِّب به لأنَّه كان في يدَيه طُولٌ، واسمه: الخِرْباق كما صُرِّح به في رواية "مسلم" وغيرِه، بكسر المُعجَمَة وبراءٍ ومُوحَّدةٍ وقافٍ. (أكما يقول)؛ أي: الأَمْرُ كما يَقول. (فربما) أصل (رُبَّ) للتَّقليل، وكَثُر استعماله للتَّكثير، وباتصالِ (ما) دخلَتْ على الجُمل. (سألوه)؛ أي: ابن سِيْرِين؛ أَسَلَّمَ النبيُّ ﷺ بعد السُّجود مرَّةً أُخرى أو اكتفَى بالأَوَّل. (نبُئت)؛ أي: أُخبرت، وسبق بيان الحديث في (باب التَّوجُّه نحو القِبْلة). وفيه: أنَّ قول: لم أفعل كذا ناسيًا؛ ليس بكَذِبٍ، أما قوله: لم تُقصَر، فهو خبرٌ عن الذي عصَمَه الله من الغلَطِ فيه، وأنَّه ﷺ يَعتريه ما يَعتري البشَرَ من الخطَأ والنِّسيان؛ إذْ لا حَرَج فيه. وفيه أنَّ مَن تكلَّم ناسيًا في صلاته لا تَفسُد؛ أمَّا في النبيِّ ﷺ فظاهرٌ، وأما في ذي اليدَين وغيرِه فلإِمكان النَّسْخ، فتَجويزُهم ذلك يصيرون كالنَّاسي لظَنِّ أنَّهم خارجَ الصَّلاة، وأيضًا فكان واجبًا عليهم أنْ يُجيبوه إذا دَعاهُم للآية، وقيل: بل ذلك كان قبلَ نسخ الكلام في الصَّلاة، وغُلِّط بأنَّ نَسْخه كان بيسير بعد الهجرة، وإسلامُ أبي هُريرة سنة سَبْعٍ، وفيه التَّلْقيب للتَّعريف لا للتَّهجين، والاجتِزاء بسجدتَين في السَّهو مع تعدُّد المُقتضي.

стр. 1261

قال (ن): وأنَّ الكثير من العمَل كخُطُواتٍ إذا كان سَهْوًا لا يُبطِل، وإنْ كان المَشهور من المَذهب خلافُه، نعَمْ، تأويل الحديث ضعيفٌ. قلتُ: ولذلك رجَّحَ في "التَّحقيق" أنَّها لا تبطُل بذلك. * * * ٨٩ - بابُ الْمَسَاجِدِ التِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضعِ التِي صلَّى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ - (باب المَساجِد التي على طُرُق المَدينة)، أي: مدينة النبيِّ ﷺ . ٤٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يتحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا، وَيُحَدِّثُ: أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا، وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي في تِلْكَ الأَمْكِنَةِ، وَحَدَّثَنِي ناَفِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي في تِلْكَ الأَمْكِنَةِ، وَسَأَلْتُ سَالِمًا، فَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا وَافَقَ ناَفِعًا في الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا، إِلَّا أَنهمَا اخْتَلَفَا في مَسْجدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ. الحديث الأَوَّل: (المقدمي) بفتح الدَّال وتَشديدِها.

стр. 1262

(يتحرى)؛ أي: يَقصِد، ويَختار، ويَجتهد. (أباه)؛ أي: عبد الله بن عُمر. (وأنّه رأى) إنْ كان الضَّمير لسَالمٍ فمُرسلٌ. (وحدثني) عطفٌ على (رأَيتُ)، فيكون من كلامِ ابن عُقبة. (وسألت) عطفٌ عليه أيضًا. (شرَف) بفتح المُعجَمَة والرَّاء، وبالفاء: المَكان العالي. (للروحاء) بفتح الرَّاء وسُكون الواو، ثم حاءٌ مُهمَلةٌ ممدودةٌ: بينَه وبين المدينة سِتَّةٌ وثلاثون مِيْلًا، ذكَره مسلم في (باب الأذان). * * * ٤٨٤ - حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ المُنذِر، قَالَ: حَدَّثنا أَنسُ بنُ عِياضٍ، قَالَ: حَدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ، عَن ناَفِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ، وَفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ، تَحْتَ سَمُرَةٍ في مَوْضعِ الْمَسْجدِ الَّذِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ كَانَ في تِلْكَ الطَّرِيقِ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ، فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أَناَخَ بِالْبَطْحَاءَ الَّتِي عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي الشَّرْقِيَّةِ، فَعَرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبحَ، لَيْسَ عِنْدَ الْمَسْجدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ، وَلَا عَلَى الأكمَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمَسْجدُ كَانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللهِ عِنْدَهُ، في بَطْنِهِ كُثُبٌ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَمَّ يُصَلِّي فَدَحَا السَّيلَ فِيهِ بِالبَطْحَاءَ حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ

стр. 1263

المكَانَ الّذي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُصلِّي فِيهِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى حَيْثُ المَسْجدُ الصَّغيرُ الَّذِي دُونَ المَسْجدِ الَّذِي بِشَرفِ الرَّوحاءَ، وقَدْ كَانَ عَبْدُ اللهِ يَعْلَمُ المَكَانَ الَّذِي كَانَ صلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ثَمَّ عَنْ يَمِينكَ حِينَ تَقُومُ في الْمَسْجدِ تُصَلِّي، وَذَلِكَ الْمَسْجدُ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ الْيُمْنَى، وَأنتَ ذَاهِب إِلَى مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الأكبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. (المنذر) بإعجام الذَّال. (الحزامي) بكسر المُهمَلة وبالزَّاي. (الحُليفة) بضَمِّ المُهمَلة: المِيْقات المَشهور. (يقول) ذكَره بالمُضارع؛ لأن عُمَرهُ متعددةٌ بخلاف قوله: (وفي حجَّتِه حين حَجَّ) لأنَّ ذلك مرَّةً واحدةً. (سَمُرة) واحد السَّمُر بفتح السِّين وضَمِّ الميم: شجَرُ الطَّلْح، كِبَارٌ لها شوك. (كان) صفةٌ لغَزْوٍ، وفي بعضها: (غَزْوَةٍ) بالتَّاء، فتذكير الضمير باعتبار تأويلها بسَفَر، أو راجعٌ للنبيِّ ﷺ ، وفي بعضها: (وكاَنَ)، فالجُملة حاليَّةٌ، وإنَّما لم تُؤخَّر (كان) عن الحجِّ والعُمرة: لأنَّهما لم يَكوناَ إلا مِنْ تلك. (البطحاء) مَسِيْلٌ واسعٌ فيه دِقَاق الحصَا، وكذا الأَبْطَح. (شفير الوادي) بفتح المُعجَمَة، أي: حَرْفه وطَرَفه.

стр. 1264

(الشرقية) صفة البَطْحاء. (فعرس) هو نُزول المُسافِر آخر اللَّيل يَقَعون فيه وَقْعةَ الاستِراحة، ثم يرتَحلون. (يقول: ثم) بفتح المُثلَّثة، أي: هناك. (عن يمينك)، قال (ع): كذا في جميع النُّسَخ، وهو تصحيفٌ، وصوابه: (بعَواسِج عن يَمينكَ)، فصُحِّف بقوله: (يقول: ثم). قلتُ: ونحو ذلك قولُه في "المَطالع": وقال الحُمَيْديُّ: إنَّ أصلَه: (ينزل ثم)، فصَحَّفه بـ: (يقول: ثم)، والإِشكالُ باقٍ، والأَوَّل أَبْيَنُ، انتهى. (يصبح) تامَّة، أي: يدخلُ في الصَّباحِ. (أكمَة) بفتح الكاف والهمزة والميم: واحدُ آكَام بالفتح، وجمعه إِكَامٌ كجِبَال، وجمعُه أُكُم ككُتُب، وجمعُه آكَام كأَعْنَاق، وهو من الغَرائِب. (الخليج) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسْر اللَّام: النَّهْر. (كُثُب) بكافٍ ومثلَّثةٍ مضمومتَين: جمعُ كَثيْب، وهي تِلال الرَّمْل. (كان رسول الله ﷺ ) هو مُرسَلٌ من نافِع. (فدحا) هو فعلٌ ماضٍ من الدَّحْو، وهو البَسْط أو الدَّفعْ، وفي بعضها: (قَدْ جَاءَ) بلفظ: (قد فَعَلَ) من المَجيء، وهو مَقول نافعٍ. (حيث) بمُثلَّثةٍ، وفي بعضها: (جُنُب) بجيمٍ فنونٍ فمُوحَّدةٍ.

стр. 1265

(المَسجد) على رواية الحاء بالرَّفْع؛ إِذْ لا تُضاف (حيث) إلا إلى جُملةٍ، والتَّقدير: حيثُ هو المَسجِد، وأما على نُسخةِ الجيم فمَجرورٌ بالإضافة. (ثم) خبَرُ مبتدأ محذوفٌ، أي: المَكان المَوصوف ثَمَّةَ. (حافة) بتَخفيف الفاء، أي: جانب. * * * ٤٨٦ - وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يُصَلِّي إِلَى الْعِرْقِ الَّذِي عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءَ، وَذَلِكَ الْعِرْقُ انْتِهَاءُ طَرَفهِ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ، دُونَ الْمَسْجدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْصَرَفِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، وَقَدِ ابْتُنِيَ ثَمَّ مَسْجدٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللهِ يصلِّي في ذَلِكَ الْمَسْجدِ، كانَ يتركُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ، ويصلي أَمَامَهُ إِلَى الْعِرْقِ نَفْسِهِ، وَكانَ عَبْدُ اللهِ يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحَاءَ، فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ، وإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْح بِسَاعَةٍ أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ. (العرق) بكسر المُهمَلة وسُكون الرَّاء: جُبَيلٌ صغيرٌ، ويُقال: الأَرض المَالِحة التي لا تُنْبِت. (المنصرف) بفتح الرَّاء. (ووراءه) بالجرِّ عطفًا على يَساره، وبالنَّصْب بتقديرِ (في) ظَرفًا. (أمامه)؛ أي: قُدَّامَ المَسجِد.
следующие страницы →