← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ووجْه مُطابقة الحديث للتَّرجمة على نُسخة تكريرِ رَجُل: أَنَّ المَرأة كالرَّجل في أحكام الشَّرع سِوى ما خرَج بدليلٍ. (عن الأعمش) يحتمل التَّعليق، وكونَه من كلام ابن مُسْهِر. (نحوه) بالنَّصْب؛ أي: أخبَرنا ابن مُسْهِرٍ نَحوَ المَذكور، وهي لا تقتضي المُماثلة من كل وجهٍ، بل في أصْل المعنى المَقصود. قال (ط): قال طائفةٌ: يستر الرَّجلُ الرَّجل إذا صلَّى إلا أَنَّ أكثرَهم كَرِهَ أن يَستقبلَه بوجْهه، وقال نافعٌ: كان ابن عمر إذا لم يجد ساريةً قال لي: وَلِّنِي ظَهْرَكَ، وهو قول مالكٍ، وقال قَتادة: يستر إذا كان جالسًا، وقال الحسن: يستُر ولم يُقيِّد بقعودٍ ولا بتوليةِ ظَهرٍ، وجوَّز الكوفيُّون الصَّلاة خَلْف المُتحدِّثِيْن، وحُجَّة مَن أجاز: اعتِراضُ عائشة، والرَّجل أَولى من المرأة بذلك، ومن مَنَعَ: أنَّ النبيَّ ﷺ مأمونٌ فيه أن يَشغلَه النَّظَر عن صلاته، وغيرُه ليس كذلك. * * * ١٠٣ - بابُ الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّائِمِ (باب الصَّلاة خَلْفَ النَّائِم) بالهمز. ٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَناَ رَاقِدَةٌ

стр. 1297

مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ. (كان) يُشعِر بالتَّكرار. (يوتر)؛ أي: يُصلِّي الوِتْر. (فأوترت) بتاءِ المُتَكلِّم. ومُراده بالتَّرجَمة (١): أنَّه إذا جازَ خلْف [غير] النَّائم فالنَّائم أَولى، أو أَنَّ المُراد بالشَّخص النَّائم أعمُّ من الذَّكَر والأُنثى، وكَرِهها بعضُهم خوفَ ما يحدث من النَّائم، فيشغلُ المُصلِّي، أو يُضحكُه، فتَفسدُ صلاتُه. وفي الحديث: نَدْبُ إيقاظ النَّائم للطَّاعة، وأنَّ الوِتْر يكون بعد النَّوم. * * * ١٠٤ - بابُ التَّطَوُّعِ خَلْفَ الْمَرْأَةِ (باب التَّطوُّعِ خلْفَ المَرَأَة) ٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ

стр. 1298

عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أنَهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَناَمُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلَايَ في قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. (سجد)؛ أي: أَراد السُّجود، ووجْهُ مطابقته للتَّطوُّع في التَّرجَمة: أنَّه ﷺ إنَّما كان يُصلِّي الفَرْض في المَسجِد بالجماعة، وكذا لفظ: (خلْف) في التَّرجَمة لا يتقيَّد بالظُّهر، ولو تقيَّد فلا يُظَنُّ بعائشة إلا أنَّها تنام مستقبلةَ القِبْلة، فيكون ظهرُها للمُصلِّي، وسبَق مباحث الحديث في (باب الصَّلاة على الفِراش). * * * ١٠٥ - بابُ مَنْ قَالَ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ (باب مَنْ قال: لا يَقْطَعُ الصَّلاة شَيءٌ) ٥١٤ - حَدَّثَنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنا أَبِي، قَالَ: حَدَّثنا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثنا إِبراهيمُ، عَن الأَسودِ، عَن عَائِشَةَ. قَالَ الأَعْمَشُ: وحَدَّثَنِي مُسلمٌ، عَن مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ: ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُوناَ بِالْحُمُرِ وَالْكِلَابِ، وَاللهِ! لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ -بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ- مُضْطَجعَةً فتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ، فَأَكرَهُ أَنْ

стр. 1299

أَجْلِسَ فَأُوذِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ. الحديث الأَوَّل: (قال الأعمش) يحتمل أنَّه تعليقٌ، أو أنَّه داخلٌ تحت الإسناد الأَوَّل، ولهذا في بعض النُّسَخ قبله: (ح) للتَّحويل. (ما يقطع) موصولٌ مبتدأٌ خبرُه (الكلب)، والجُملة مفعولُ ما لم يُسمَّ فاعلُه، أو (ما) هو النَّائب، و (الكلبُ) بدلُه. (على السرير) هو وما بعدَه ثلاثةُ أخبارٍ، أو خبَران وحالٌ، أو حالانِ وخبَر، وفي بعضها: (مُضطَجِعةً) بالنَّصْب، فالأَوَّلان خبَران، أو أحدهما خبرٌ والآخَر حالٌ، ثم الحالان إما متداخِلتان، أو مترادِفتان. (فيبدو)؛ أي: يَظهَر. (أجلس)؛ أي: مُستقبلةً رسولَ الله ﷺ ، والقصد من هذا ومن رواية: (أستَقبِلُه وأسنَحُهُ) السَّابقَين واحدٌ، لكن اختلفتِ العِبارة لاختِلاف المَقامات. (فأؤذي) منصوبٌ عطفًا على (أجلسَ). (فأنسل) مرفوعٌ عطفًا على (فأَكرَهُ). ووجْه مطابقة الحديث لعُموم (شيءٍ) في التَّرجَمة: أنَّ المَرأة إذا لم تَقطَع مع أنَّ النُّفوس جُبلت على الاشتِغال بها، فغيرُها من الكَلْب

стр. 1300

والحِمار وغيرِهما كذلك، بل أَولى. ثم يحتمل أنَّ نَفْي عائشة للمُساواة، أي: فيما يضرُّ إما ما لا يُؤثِّر، فالاستواء حاصلٌ، ويحتمل أنَّها تَرى بقَطع الكلب والحمار، والذين قالوا بقطْع الصَّلاة بمرور الثَّلاثة، إما أنَّه باجتهادهم، ولفظ: (شَبَّهتُمونا) يدلُّ عليه، أو (١) أنَّ ذلك سَمعوه من لَفْظ النبيِّ ﷺ ، لكنَّ عائشة قدَّمتْ خبرَها على خبرهم؛ لأنَّها صاحبةُ الواقعة، أو لدليلٍ آخر، أو أنَّها أَوَّلَتِ القَطْع بقطع الخُشوع ونحوه، لا قطْعَ الصَّلاة، أو أنَّ حديثها وحديث ابن عبَّاس السَّابق في (باب سُتْرة الإِمام سترةٌ لمن خلْفه) في الحمار والأَتان ناسخٌ لخبر القَطْع، وكذا حديث المُرور؛ إذ قال: (فلْيَدفَعْه؛ فليُقَاتِلْهُ)، ولم يحكُمْ بانقطاع الصَّلاة، وإنَّما لم يجعل هذه الأحاديث الثَّلاثة منسوخةً يحدث القطع؛ لأَنَّ نَسْخ حديثٍ أَولى من نسخ ثلاثةٍ، أو أنَّها عَمِلتْ بآخر الأحاديث الثَّلاثة عن ذلك. * * * ٥١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ

стр. 1301

النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ. الحديث الثَّاني: (إسحاق)؛ أي: ابن راهوَيْهِ إبراهيم، كما نقله الغَسَّاني، عن ابن السَّكَن، وأنَّه المُراد في كل ما في البُخاري إسحاق غيرَ مَنسوبٍ، وقال الكَلابَاذِي: إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور، وكلاهما يَروي عن يَعقُوب. (ابن أخي) هو محمَّد بن عبد الله بن مُسلم. (عمه)؛ أي: محمَّد بن شِهَاب الزُّهري. (لا يقطعها شيء) عامٌّ مخصوصٌ، فإنَّ الفِعْل الكثيرَ وغيرَه يَقطَع، أو أنَّ المُراد لا يقطَعُها شيءٌ من الثَّلاثة التي وقَع النِّزاع فيها. (أخبرني) هو من تتمَّة مقولِ ابن شِهَاب. (على فراش) متعلِّق بـ (يقوم)، أو بـ (يُصلِّي)، وفي بعضها: (عَنْ فِرَاش)، فيتعلَّق بـ (يقوم). قال (ط): الجمهور على أنَّ الصَّلاة لا يقطعُها شيءٌ، وقيل: يقطع مُرورُ الحائض والكلب الأَسوَد والحِمَار، وقال عَطاء: الأَوَّلان يَقطعان، وقال أحمد: لا يقطَع إلا الكلْب الأَسوَد.

стр. 1302

١٠٦ - بابٌ إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ في الصَّلَاةِ (باب إِذَا حَمَل جارِيَةً صغيرةً) ٥١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْم الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قتادَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. (سُليم) بضَمِّ السِّين. (الزُرَقي) بضَمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء، والسَّنَد كلُّه مدنيٌّ. (حامل أُمامة) بالإضافة، وفي بعضها بالتَّنوين، ونصب أُمامة باسمِ الفاعل؛ لأنَّه حكايةُ حالٍ ماضيةٍ نحو: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]، ويظهر أثر الوجْهَين في: (بنت زَيْنَب)، فتُفتح أو تُكسر بالاعتِبارين. (أُمامة) بضَمِّ الهمزة، وقد تَزوَّجها عليٌّ بعد فاطمة ﵂. (ولأبي العاص) اللام فيه التي تضمَّنتْها الإضافة في (بنت زيْنَب)، صرَّح بها في المعطوف، واسمه على الأَصحِّ: مِقْسَم، بكسر الميم وسكون القاف وفتح المُهمَلة، أُسِرَ يوم بدْرٍ كافرًا، ثم أسلَم وهاجَر، فصار مُؤاخيًا للنبي ﷺ مصافيًا له.

стр. 1303

(ابن ربيعة) خالفَ البُخاريُّ في ذلك قولَ الجماعة: الرَّبيع بلا هاءٍ، وخالَف أيضًا في قوله: (ابن عبد شمس) وإنَّما هو ابن عبْد العُزَّى بن عبد شَمْس. ووجْه مطابقتِه للتَّرجمة بحملها على العُنُق مع احتمال حَمْلها على الكَتِف، أو على اليدَين، أو نحو ذلك: أنَّ الرُّكوع يَتعذَّر أو يَتعسَّر عند ذلك. قال (خ): فيه أنَّ الحَمْل على الظَّهر أو العاتِق ونحو ذلك لا يُبطل إلا حيثُ كان فيه عمَلٌ كثير، وأَنَّ لَمْس المَحرَم لا يَنقض الوضوء، والظَّاهر أنَّه ﷺ لم يكن متعمِّدًا حملَها، وأما وضعُها في كل خَفْضٍ ورفعٍ فلا يَشغلُه عن صلاته، وعن خُشوعها، وإِنَّما كانتْ أَلِفَتْه وأَنِسَتْ بقُربه، فقد كان أرحمَ النَّاس بالذُّرِّية، فإِذا تعلقَتْ بأطرافه والتزمتْه، فيَنهض من سُجوده ويُخلِّيها وشأنَها، فتبقى محمولةً كذلك إلى أنْ يَركَع فيُرسلها إلى الأرض، فإذا سجَد وأراد النُّهوض عادت إلى مِثْل ذلك. قال (ط): احتمل أَنَّ هذا الحمل كان في نافلةٍ أو فريضةٍ. قال: وإنَّما أُدخل الحديث هنا ليدلَّ على أنَّ الحمل إذا لم يَضُرَّ، وحَمْلُها أشدُّ من مُرورها بين يدَيه لم يضُرَّ المُرور، وفيه جواز العمَل الخفيف، وهو إجماعٌ. * * *

стр. 1304

١٠٧ - بابٌ إِذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ (باب إِذا صلَّى إلى فِرَاشٍ فيه حائِضٌ)، جواب الشَّرط محذوفٌ، أي: صحَّتْ صلاتُه، أو التَّقدير: هذا بابُ حكمِ هذه المسألة، كأنَّ هذا صارَ عند الفُقهاء اسمًا لها. ٥١٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ هُشَيْمٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَناَ عَلَى فِرَاشِي. الحديث الأَوَّل: (حِيال) بكسر المُهمَلة وخِفَّة التَّحتانيَّة، أصله: حِوَال، فقُلبت الواو ياءً لوقوعها بعد كسرةٍ كما في قِيَام، ومعناها حِذَاءَ. ووجْه دلالة الحديث على التَّرجَمة المُشعِرة بأَنَّ المُصلِّي انتهى إلى الفِراش: أنَّه لا يلزمُ من الانتهاء من جهة القِبْلة. * * * ٥١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونة تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَناَ إِلَى جَنْبِهِ ناَئِمَةٌ، فَإِذَا سَجَدَ

стр. 1305

أَصَابَنِي ثَوْبُهُ، وَأَناَ حَائِضٌ. وَزَادَ مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ: وَأَنَا حَائِضٌ. الثَّاني: (حائض) كان الظَّاهر أن يقول: حائضة؛ لأنَّه إذا أُريد الحُدوث كان بالتَّاء، أو الثُّبوت حَذفَها، وإنَّما المُراد هنا كونُها في حالة حيضٍ، وجوابُه: أنَّ المُراد الحكمُ بذلك على الحائض من حيثُ هي. قال (ط): هذه الأحاديث التي فيها اعتِراضُ المرأة بين المُصلِّي وقِبْلتِه دليلُ جواز القُعود، ويُقاس به المُرور، وقيل: النَّهي إنَّما هو عن المُرور لا القُعود. * * * ١٠٨ - بابٌ هَلْ يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عِنْدَ السُّجُودِ لِكَي يَسْجُدَ (باب: هل يَغمِزُ الرَّجُلُ) ٥١٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، وَأناَ مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا.

стр. 1306

(بئسما) نكرةٌ منصوبةٌ مميِّزةٌ لفاعلِ بئْس، والمَخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: عدلكم. (رأيتني) بضَمِّ التَّاء، وسبَق أنَّ مثلَه من أفعال القُلوب يكون مدلولا ضميرِ الفاعل والمفعول واحدًا، لكنْ يُشكل من حيث إنَّه لا يجوز حذْفُ أحدِ مفعولَيه، ولا يجوز أَنَّ (رأَى) هنا بمعنى أبصَر؛ فإنَّه لا يجوز فيها اتحاد الضَّميرين، وجوابه ما قاله الزَّمَخْشَري في: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]، أنَّ حذْف أحد المَفعولَين حذْفٌ؛ لأنَّه مبتدأٌ في الأصل، لكنَّه مخالفٌ لسائر المواضع في "الكشَّاف"، ولمَا في "المُفصَّل" من المنْع، نَعَم، نُقِل عنه أنَّه إذا كان الفاعل والمَفعولان عبارةً عن شيءٍ واحدٍ يجوز الحَذْف، فيُجمع بين كلامَيه بهذا التَّفصيل، وهو من دَقائق النَّحْو، أو يُجاب بأنَّ الرُّؤية التي بمعنى الإبصار أُعطيتْ حكمَ الرُّؤية التي من أَفعال القُلوب. * * * ١٠٩ - بابٌ الْمَرْأَةِ تَطْرَحُ عَنِ الْمُصَلِّي شَيْئًا مِنَ الأَذَى (باب المرأَة تَطرَحُ عن المُصلِّي الأَذَى) ٥٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّورَمَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي

стр. 1307

عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تنظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي؟ أيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا فَيَجيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ ﵍ وَهْيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَأقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ: "اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ -ثُمَّ سَمَّى- اللهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ". قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَأُتْبعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً". (بينما) العامل فيها معنى المُفاجَأة التي في (إِذْ)، لا الفعل الذي هو يُصلِّي؛ لأنَّه حالٌ من رسول الله ﷺ المضاف إليه (بَيْن). (جزور) يَقعُ من الإبِل على الذَّكَر والأُنثى، ولكنَّ لفظه مؤنَّثٌ، ومعناه المَنحُور. (فيعمد) بكسر الميم، أي: يَقصد، وهو مرفوعٌ، وفي بعضها بالنَّصْب جوابًا للاستفهام.

стр. 1308

(سَلا) بفتح السِّين والقصر: وِعَاءُ الجَنِيْن. (جويرية)؛ أي: صغيرةُ السِّنِّ. (عليك بقريش)؛ أي: أَهلِكْهُم، والمُراد كفَّارُهم. (بعمرو بن هشام) هو أبو جَهْل، فِرْعَونُ زمانِه. (قليب) هي البِئْر قَبْلَ أَنْ تُطوَى، وهو بالجَرِّ بدَلٌ من القَلِيْب، ويجوز نصبه بتقدير: أعني. (وأُتبع) بضَمِّ الهمزة إخبارٌ من النبيِّ ﷺ بأَنَّ الله أَتبعَهم اللَّعنةَ كما أنَّهم مُقتَّلون في الدُّنْيا مَطرودون عن رحمة الله في الآخرة، وفي بعضها: (وأَتبع) بفتح الهمزة، وفي بعضها بلفظ الأَمْر، فهو عطفٌ على: (عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ)؛ أي: قال: في حياتِهم أهلِكْهم، وفي هَلاكِهم أَتبِعْهم لعنةً، وسبق ما في الحديث من مباحث في (باب إذا أُلقي على ظَهْر المُصلِّي قذَرٌ)، وأنَّ ذكْر عُمارة بن الوَلِيْد وَهْمٌ؛ لأنَّه لم يَحضُر ببدرٍ، بل تُوفِّي بجزيرةٍ في الحبَشة سَحَرَهُ النَّجاشيُّ لتُهمةٍ لحقتْهُ عنده، فهامَ على وجْهه مع الوَحْش، نَعَمْ، ذكَر هنا اسمَ السَّابع الذي قال هناك: إِنَّ الرَّاوي لم يَحفظْه، فإما نَسِيَهُ أوَّلًا فذكَره، أو نسِيَه آخِرًا. قال (ط): هذه التَّرجَمة قريبةٌ من الأبواب السَّابقة؛ لأَنَّ المرأة إذا تناولتْ طَرْح ما على المُصلِّي من الأَذى لم تقصد أخْذَه مِن وَرائه بل تَتناولُه من أيِّ جهةٍ أمكنَها أَخْذه وطَرْحه، فإِنْ لم يكن أَشدَّ من مُرورها

стр. 1309

بين يدَيه فليس دونَه، وقال الكوفيُّون: مَن صلَّى في ثوبٍ نجسٍ وأمكنَه طَرْحُه في الصَّلاة طَرَحه وتَمادَى، ولا يَقطع. وفيه الدُّعاء على أهل الكُفْر إذا آذَوا المُؤمنين، ولم يُرْجَ إسلامُهم، ونزَل فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، أمَّا من رَجَا إسلامَه، فإنَّما دعا له بالهُدى.

стр. 1310

٩ - كِتاب مواقيتِ الصَّلاة

стр. 1311

٩ - كِتاب مواقيتِ الصَّلاة ١ - بابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا وَقَوْلهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ. (كتاب مَواقِيْت الصَّلاة) (موقوتًا موقتًا وقته)؛ أي: بالتَّشديد، أي: حدَّده بأوقاتٍ، فهو تفسيرٌ للثُّلاثيِّ بالرُّباعي كما نقله (ش)، عن السَّفَاقُسِي من قوله: رويناه بالتَّشديد، وهو في اللُّغة بالتَّخفيف بدليل: مَوقوتًا، ولم يقل: مُوَقَّتًا؛ [و] فيه نظَرٌ؛ لأَنَّ التَّشديد لا يُنافي اللُّغة، ولهذا فسَّر به البُخاريُّ الآيةَ. * * * ٥٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأخْبَرَهُ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهْوَ بِالْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟!

стр. 1312

أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ ﷺ نزلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "بِهَذَا أُمِرْتُ"؟ فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. (العراق)؛ أي: عِراق العرَب من عَبَّادان للمَوصل طُولًا، ومن القادسيَّة لحُلْوان عَرْضًا. (أبو مسعود) عُقْبة بن عمْرو. (الصَّلاة) هي العَصْر كما سيَأتي في (باب بَدْء الخَلْق). (ما هذا)؛ أي: التَّأخير. (أليس) كذا الرِّواية، والأَفصح: أَلسْتَ، ورواه البُخاريُّ في غزوة بدر: (لقَدْ عَلِمْتَ). (ثم صلى فصلى) عطَفَ في صلاة جبريل بـ (ثُمَّ)؛ لأنَّها مُتراخيةٌ عمَّا قبلَها، وفي النبيِّ ﷺ بالفاء؛ لأنَّها مُتعقِّبةٌ لصلاة جبريل. واعلم أنَّ هذا السِّيَاق يقتضي عدَمَ اتصال الإسناد؛ لأَنَّ أبا مَسعود لم يقُلْ شاهدتُ، ولا أن النبيَّ ﷺ قال ذلك. قال (ن): في (صَلَّى فَصَلَّى): إنَّ معناه: كلَّما فَعَل جُزءًا فعلَه

стр. 1313

النبيُّ ﷺ ، حتَّى تكاملت صلاتُه. قال (ش): كذا ثبَتَ من خارجٍ أنَّه صلَّى معَه، وجِبْريل هو الإِمام إن، ويحتمل أن صلاة النبيِّ ﷺ بعدَ فَراغ جِبْريل. (بهذا)؛ أي: بأَداء الصَّلاة في هذه الأَوقات. (أُمرت) رُوي بضَمِّ التَّاء، أي: أن أُصلِّيَ بك، وبفتحها، أي: شُرِع لك. (اعلم) بلفظ الأَمر، تَنبيهٌ من عُمر على إِنكاره إيَّاه. (أَوَإنَّ) بفتح الواو للعطف، والهمزةُ للاستفهام، وإنَّ بالكسر الأَجْود، وتُفتح على تقدير: أَوَعَلِمتَ، أو حديث: (إِنَّ جِبْريلَ نزَلَ) قد بيَّن ذلك في رواية أبي داود، وابن حِبَّان. (بشير) بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجَمَة: وُلِدَ في حياة النبيِّ ﷺ . * * * ٥٢٢ - قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثتنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ في حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. (قال عروة) إمَّا مَقول ابن شِهَاب، أو تعليقٌ من البُخاري. (تظهر)؛ أي: تَعْلُو مِن قاعة الدَّار إلى سَقْف الجِدار، وقيل: أرادتْ تَعلُو على البُيوت، فكُنِّي بالشَّمس عن الفَيء؛ لأنَّه عنها يكُون، ومن الظُّهور بمعنى العُلُوِّ قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف:٣٣].

стр. 1314

قال (ط): إِنكار عُروة على عُمر تأخيرَ الصَّلاة عن الوقْت الأَفضل لا التَّأخير حتَّى خرَج الوقت؛ لأنَّ ذلك مُمتنِعٌ، ولفظة: (يَوْمًا)، يدلُّ على أنَّه كان نادرًا مِن فِعْلِه، وهذه الصَّلاة كانت العصر، يدلُّ عليه: (ولَقَدْ حدَّثتْني عائِشَةُ ...) إلى آخِرهِ. وفيه المُبادرة بالصَّلاة أولَ الوقْت، ودُخول العُلماء على الأمراء، وإنكارُهم عليهم ما يُخالف السُّنَّة، ومُراجَعة العالِم لطلَب البَيان، والرُّجوعُ عند التَّنازع إلى السُّنَّة، وأنَّ الحُجَّة في الحديث المُسنَد دون المَقطوع؛ فإنَّه لمَّا أسندَه إلى بشير قَنِعَ به. قال: وهذا الحديث يُعارِض ما رَوَتْ من إمامة جِبْريل له في يَومَين كلَّ صلاةٍ في وقتين؛ لأنَّ من المُحال أن يحتجَّ عليه بذلك مع أنَّ جبريل صلَّى تلك الصَّلاةَ آخرَ وقتها مرَّةً ثانيةً، وإلا لقال له عُمر لا معنى لإنكارك عليَّ، فدلَّ أَنَّ صلاةَ جِبْريل كانتْ في يومٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ، فلا يُقال صلَّى جِبْريل آخرَ الوقْت إلا بسنَدٍ صحيحٍ، وأما حديث: أنَّه ﷺ قال للذي سألَه عن الصُّبح: (مَا بَيْنَ هذَينِ وَقْتٌ)، فذاك على طريق التَّعليم له أنَّ الصَّلاة تَجوزُ آخرَ الوقْت لمَنْ نسِيَ، أو كان له عُذرٌ، ولو كان جبريل صلَّى في الوقتَين وأعلَمَه أنَّهما في الفَضْل سواءٌ لَمَا التزَم النبيُّ ﷺ المُداومةَ على أَوَّل الوقْت، فدلَّ مدوامتُه على أوَّل الوقت أنَّه الوقتُ الذي أقامَه جِبْريلُ له. قال (ن): أما تأخير المُغيرة، وعمر بن عبد العزيز، فلأنَّهما رأَيَا ما قالَه الجمهور من جواز التَّاخير ما لم يَخرج الوقت، أو لم يبلغهما

стр. 1315

الحديث، وأما الجَواب عمَّا ثبتَ من صلاة جِبْريل في يومَين، فيحتمل أنَّهما أخَّرا العصر عن الوقْت الثَّاني، وهو مَصِيرُ ظِلِّ كلِّ شيءٍ مثلَيه. * * * ٢ - بابُ ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (باب قَوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾) ٥٢٣ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ -هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ-، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إلَيْكَ إِلَّا في الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَناَ، فَقَالَ: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ؛ الإِيمَانِ بِاللهِ -ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ". (عَبَّاد) بفتح المُهمَلة وتشديد المُوحَّدة، وقد سبَق الحديثُ ومباحثُه في (باب أَداء الخمس من الإِيمان). (هذا الحي) بالنَّصْب على الاختِصاص. (من ربيعة) خبر (إِنَّ).

стр. 1316

(نأخذه) بالرَّفْع على الاستِئناف، لا بالجزم جَوابًا للأَمْر؛ لقَوله بعده: (ونَدْعُو)، بالواو. (فسرها)؛ أي: كلمةَ الإيمان، وهي الشَّهادة، أو خَصْلة الإيمان؛ إذ التَّقدير: آمرُكم بأَرْبعِ خِصَالٍ. واعلم أنَّه لم يُذكر هنا الصَّوم مع أنَّه فُرض في الثَّانية، ووِفَادةُ هؤلاء كانت عامَ الفَتْح إنَّما هو إغفالٌ من الرُّواة، لا أنَّ النبيَّ ﷺ لم يقُلْه في موضعٍ وقالَه في موضعٍ آخر، قاله ابن الصَّلاح. قال (ط): قَرَنَ إقامة الصَّلاة بنَفي الإِشراك به؛ لأَنَّ الصَّلاةَ أعظَمُ دعائم الإِسلام بعد التَّوحيد، وأقربُ الوَسائل إليه تعالى. قال: وأَمْرُه إيَّاهم بما أَمَر، ونهَيُه عن الظُّروف المَذكررة؛ لأنَّه يُعلِّم كلَّ قومٍ ما يَحتاجون إليه، ويُخاف عليهم من قِبَله، وكان يَخاف على هذا الوَفْد الغُلول في الفَيء، وكانوا يُكثرون الانتِباذَ في هذه الأَوعية. * * * ٣ - بابُ الْبَيعَةِ عَلَى إِقامَةِ الصَّلَاةِ (باب البَيْعة على إِقامة الصَّلاة)، في بعضها: (إِقَامَةِ)، وهو الأَصل، وشرح الحديث فيه سبَق في آخرَ الإيمان.

стр. 1317

٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم. قال (ط): فيه أنَّ إقامةَ الصَّلاة وإيتاءَ الزَّكاة من دعائم الإِسلام، وهما أَوَّل الفرائض بعد التَّوحيد، وذِكْر النُّصح يدلُّ على أَنَّ قومَ جَرِيْر كانوا أهل غَدْرٍ، وفَد عليه فبايعَه على هذا، ورجَع لهم مُعلِّمًا، فذكَر له ما يَهمُّهم كما ذكَر لوفد عبد القَيس النَّهي عن الظُّروف، ولم يذكُر لهم النُّصْحَ. * * * ٤ - بابٌ الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ (باب: الصَّلاةُ كفَّارةٌ) ٥٢٥ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنا يَحيَى، عَنْ الأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنا شَقِيقٌ، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيفةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ ﵁ فَقَال: أَيُّكُمُ يَحْفَظُ قَولَ رسولِ اللهِ ﷺ في الْفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَناَ، كَمَا قَالَهُ، قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ -أَوْ عَلَيْهَا- لَجَرِيءٌ، قُلْتُ: "فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ"، قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ

стр. 1318

الْبَحْرُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا، قُلْنَا: "أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نعمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ، إنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ، فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْناَ مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: الْبَابُ عُمَرُ. الحديث الأَوَّل: (الأعمش) سُليمان. (كما قاله)؛ أي: أنا أَحفَظُ ذلك كما قالَه رسول الله ﷺ ، وأَتَى بالكاف مع أنَّ ذلك عينُ قوله؛ إمَّا لأنَّه نقلَه بالمعنى، أو الكاف زائدة. قلتُ: بل فيه الإشارة إلى أنَّه قالَه بلفظه؛ إِذْ تكلُّم الحاكي ليس عينَ تكلُّم المَحكِيِّ عنه بل مثلُه. (عليه)؛ أي: على القَول. (أو عليها)؛ أي: على المَقالة، والشَّكُّ من حُذَيْفة. (يُجزئ) بجيمٍ مفتوحةٍ، وهمزةٍ في آخره. (تكفرها)؛ أي: الفِتْنة المُفصَّلة بما سبق، ثم يحتمل أنَّ المَجموعَ يُكفِّرُ المَجموعَ، أو أنَّ كُلًّا يُكفِّر المَجموعَ، أو المَجموع يُكفِّر كُلًّا مما سبَق، وهو من اللَّفِّ والنَّشْر، فالصَّلاة مُكفِّرةٌ للفِتْنة في الأهل، والصَّوم للفِتْنة في المال، وكذا الباقي. (الأمر)؛ أي: بالمَعروف، (والنَّهي)؛ أي: عن المُنكَر.

стр. 1319

قال (ط): معنى الفِتْنة في الأهل: أَنْ يَأتيَ من أَجلِهم ما لا يَحلُّ من القَول والعَمل ما لم يَبلغْ كبيرةً، وقال المُهلَّب: ما يَعرِضُ له ولهم من شَرٍّ، أو حُزْنٍ، أو نحوه. قال (ن): أَصْل الفِتْنة الابتِلاءُ والامتِحانُ، ثُمَّ صارتْ في العُرف لكلِّ ما كشَفه الامتِحان عن سُوءٍ، ففِتْنة الأهل ونحوه ما يَحصل لإفراط المَحبَّة من الشُّغْل عن كثيرٍ من الخير، أو التَّفريط فيما يَلزَم من القِيام بحُقوقهم وتَأْديبهم، فإنَّ كُلَّ راعٍ مَسؤولٌ عن رعيِّته، وهذه كلُّها فِتَنٌ تقتضي المُحاسَبة، ومنها ذُنوبٌ يُرجَى تكفيرها بالحسَنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. (تموج)؛ أي: تَضطَرِبُ، ويَدفَعُ بعضُها بعضًا، وشُبِّهت بموج البَحْر لشِدَّة عِظَمها وكَثْرة شُنوعها. (مُغلقًا) القَصْد به أنْ لايَخرُج منها شيءٌ في حياتك. (إذن) جوابٌ وجزاءٌ، أي: يُكسَر لا يُغلَق أبدًا، وذلك لأنَّ المَكسور لا يُعاد بخلاف المَفتوح، ولأَنَّ الكسْر لا يكون غالبا إلا عَنْ إكراهٍ وغلَبةٍ على خِلاف العَادة. (لا يُغلق) بالنَّصْبِ؛ لوُجود شَرائط النَّصْب بـ (إِذَنْ)، وهي: تَصدُّرها، واستِقبال الفِعل، واتِّصالُه؛ لأنَّ الفَصْل بـ (لا) النَّافيةِ لا يضُرُّ، وبالرَّفْع على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو لا يُغلَق. قال (ط): الغَلْق إنَّما يكون في الصَّحيح، وأما الكَسْر فهتْكٌ

стр. 1320

لا يُجبَر، ولذلك انْخرَق عليهم بقَتْل عُثمان بعدَه من الفتن ما لا يُغلَق إلى يوم القِيامة، وهي الدَّعوة التي لم تُجَبْ منه ﷺ في أُمته. (قلنا) هو مَقولُ شَقِيْق. (أكان عمر يعلم) إلى آخره، قيل: إنَّما عَلِمَ ذلك عُمر لحديثِ: كان هو، وأبو بكْرٍ، وعمر، وعُثمان على حِرَاءٍ، وقال: "إنَّما عَلَيْكَ نبِيٌّ، وصِدِّيقٌ، وشَهِيْدانِ". (وكما أن)؛ أي: وكما نَعلَمُ أنَّ الغَدَ أَبعَدُ منَّا من اللَّيلة، قال الجَوْهَري: يُقال: هو دُون ذلك، أي: أَقْربُ منه. (الأغاليط) جمع أُغلُوطة، بضَمِّ الهمزة، وهو ما يُغالَط به. قال (ن): معناه حدَّثَه حديثًا صِدْقًا عن النبيِّ ﷺ لا من اجتِهاد رأْيٍ ونحوه، وغرَضه أَنَّ ذلك الباب رجُلٌ يُقتَل أو يَموتُ كما جاء في بعض الرِّوايات، ويحتمل أنَّ حُذَيْفة عَلِمَ أَنَّ عمر يُقتل، ولكن كَرِهَ أن يُواجهَه بذلك، فإنَّ عمر كان يَعلَم أنَّه الباب، فأتَى بعبارةٍ محتملةٍ، والغرَض منها يَحصُل، وحاصلُه أنَّ عمر كان هو الحائلَ بين الفِتْنةِ والإِسلامِ، فإذا ماتَ دخلَتْ، وكذا كان. (فهبنا) من المَهابَة، وهي الخَوف، فإن قيل: كان عمر هو الباب، وقد قال أَوَّلًا: (إنَّ البابَ بَيْنَ عُمر وبَيْن الفِتْنة)، قيل: إما أَنَّ المُراد بقوله: بينَك، أي: بين زَمانكَ، أو بين نَفْسك؛ إذ البدَنُ غير الرُّوح، أو بين الإِسلام والفِتْنة، ولكنْ خاطَب عُمرَ؛ لأنَّه إمام

стр. 1321

المُسلمين وأمير المؤمنين، وَعِلْمُ حُذَيْفة بذلك مُستندٌ إلى النبيِّ ﷺ بقَرينة السِّيَاقِ والسُّؤالِ والجوابِ، ولأَنَّ لفْظ (حديث) إنَّما يُطلَق في الحديث عنه ﷺ . * * * ٥٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِي هَذَا؟ قَالَ: "لِجَمِيعِ أُمَّتِي كلِّهِمْ". الحديث الثَّاني: (النهدي) بفتح النُّون، وسُكون الهاء، وبالمُهمَلة: عبد الرَّحمن ابن ملٍّ، بكسر الميم، وضمِّها، وتشديد اللَّام. (أن رجلًا) هو أبو اليَسَر، كَعْب بن عمْرو، كما في "النَّسائي" وغيره: كان يَبيع التَّمْر، فأتته امرأةً فأعجبَتْه، فقال: إنَّ في البَيت أَجْودُ من هذا التَّمْر، فجاءتْ بيتَه فضَمَّها وقبَّلَها، فقالت: اتقِ اللهَ، فتركَها ونَدِم، فاتَى النبيَّ ﷺ ، فأخبَرَه، فقال: "أَنتظِرُ أَمْرَ رَبِّي"، فلمَّا صلَّى العصْرَ نزَلتْ، فقال له: "اِذْهَبْ؛ فإِنَّها كفَّارةٌ لمَا عَمِلْتَ"، ورُوي أنَّ عمرَ قال: له خاصَّةً؟ فقال: "بل للنَّاس عَامَّةً". (أَلِي هذا) الهمْز للاستِفهام، و (لي): خبرٌ مُقدَّمٌ، و (هذا): مبتدأُ

стр. 1322

مؤخَّرٌ؛ لإفادة الاختِصاص. (إن الحسنات) قال في "الكشَّاف": فيه وجْهان: أحدهما: أنَّه يكفِّر الصَّغائر بالطَّاعات، وفي الحديث: "الصَّلاةُ إلى الصَّلاةِ كفَّارةٌ لمَا بينَهما ما اجتُنِبَتِ الكبَائِرُ". والثَّاني: أنَّ الحسناتِ يَكُنَّ لُطفًا في ترْك السيِّئات لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥]، وسبَق بيانُ نُزولها. * * * ٥ - بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا (باب فضْل الصَّلاة لوَقْتها) ٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجهَادُ في سَبِيلِ اللهِ"، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتهُ لَزَادَنِي. (قال الوليد بن العيزار) بفتح المُهمَلة، والزَّاي، بينهما تَحتانيَّةٌ ساكنةٌ، وآخرُه راءٌ، فاعلُ (قالَ) ضميرُ (شُعبة)، و (الوليد) مبتدأٌ خبرُه: (أخبَرَني)، وقولُه (قال: سمعتُ) بدَلٌ منه.

стр. 1323

(أبو عمرو) هو سعد بن إياس. (على وقتها) إنْ قيل بمذهب الكُوفيِّين -أنَّ بعضَ حُروف الجَرِّ تَقوم مَقامَ بعضٍ- فظاهرٌ في مُطابقة قوله في التَّرجَمة: (لوَقْتِها)، باللَّام، وإلا فمُتغايران؛ لأَنَّ (على) للاستِعلاء على الوقْت والتَّمكُّن من أدائها في أيِّ جُزْءٍ كان، واللَّام لاستِقبال الوقْت كما في: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: مُستقبِلاتٍ لعدتهن، وكذا لقِيتُه لثَلاثٍ بقين من الشَّهْر، وتُسمَّى لام التَّأقيت، والتَّاريخ. (ثُمَّ أيٌّ) بالتَّشديد، والتَّنوين، قال أبو الفَرَج: كذا سمعتُه من ابن الخَشَّاب، وقال: لا يجوز إلا تَنوينُه؛ لأنَّه اسم مُعربٌ غير مضافٍ، أشار بـ (ثُمَّ) إلى تَراخي السُّؤال الثَّاني، لكنْ في المَرتبة لا في الزَّمان. (وقال)؛ أي: عبدُ الله حدَّثني بهنَّ النبيُّ ﷺ ، والجمْعُ بين هذا الحديث وأحاديث أنَّ إِطعامَ الطَّعام خيرُ أعمالِ الإِسلام، وأنَّ خيرَ أعماله أَنْ يَسلَم المُسلمون مِنْ لِسانِه ويَدِه، وأنَّ أحَبَّ العمل إلى الله أَدومُه، وغيرِ ذلك، = أنَّه ﷺ يُجيب كُلًّا بما يُوافقه ويَليق به، أو بالوقت، أو بالحَالِ، وقد تعاضَدت النُّصوص على فَضْل الصَّلاة على الصَّدَقة، فإنْ تجدَّدتْ حالةٌ تقتضي المُواساةَ لمُضطرٍّ كانت الصَّدَقة أفضلَ من الصَّلاة، وهلُمَّ جَرًّا. وفي الحديث: أنَّ أعمالَ البِرِّ تفضُل بعضُها على بعضٍ عند الله، وفَضْلُ بِرِّ الوالدَينِ. * * *

стр. 1324

٦ - بابٌ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ (باب الصَّلواتِ الخَمْس) ٥٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَرَأَيتُمْ لَوْ أَنَّ نهرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ "، قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: "فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا". (حمزة) بالمُهمَلة والزَّاي، وابن أبي (حازم) -كذلك- عبد العَزيز (والدَّرَاوَرْدِي) هو عبد العزيز بن محمَّد. (أرأيتكم)؛ أي: أَخبِرُوني، والهمزة للاستِفهام، والتَّاء للخِطَاب، و (كُم) حرْفٌ لا مَحلَّ له، وسبَق في (باب السَّمَر في العِلْم) مباحثُ في الحديث. (لو أن)؛ أي: لَو ثبَتَ أَنَّ؛ لأَنَّ (لَو) لا تدخُل إلا على فِعْلٍ، وجوابُها محذوفٌ، أي: لمَا بَقِيَ. (يقول) قال ابن مالك: فيه شاهدٌ على إجراء القَول مَجرى الظَّنِّ، فالشُّروط موجودةٌ فيه؛ فإنَّه مضارِعٌ مُخاطَبٌ مُتصِلٌ باستِفهامٍ، وذلك مفعولٌ أوَّلٌ، و (يُبقِي) مفعولٌ ثانٍ، وسُلَيم لا تَشتَرط شيئًا من ذلك،

стр. 1325

و (ما) الاستفهاميَّة في موضعِ نصبٍ بـ (يُبْقي)، قُدِّمَ لأَنَّ الاستفهام له صَدْر الكلام. (نهرًا) بفتح الهاء، وسكونِها: واحدُ الأنهار. (يُبقي) بضَمِّ أوَّله، وكسر ثالثه: من الإِبْقاء. (درنه) بفتح الرَّاء: الوَسَخ. (فذلك) جوابُ شَرطٍ محذوفٍ، أي: إذا قُلتُم ذلك فهو مثَلُ الصَّلوات، وفائدة التَّمثيل التَّأكيدُ، وجعْلُ المَعقول كالمَحسوس. (بها)؛ أي: بالصَّلواتِ، وفي بعضها: (بهِ)؛ أي: بأَدائها. (الخطايا)؛ أي: الصَّغائر؛ لأنَّها شبَّهَها بالدَّرَن، وهو لا يبلُغ مَبلَغَ الجُذام ونَحوِه. * * * ٧ - بابُ تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا (باب: في تَضْييعِ الصَّلاة عن وقْتها) ٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، قِيلَ الصَّلَاةُ؟، قَالَ: أليْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا. (الصَّلاة) نَقْضٌ للسَّالبة العامَّةِ بمُفرَد.

стр. 1326

(أليس) اسمها ضميرُ الشَّأْن. (ضيعتم) بالمُعجَمَة من التَّضيِيعِ، وفي بعضِها بمُهمَلةٍ من الصُّنعْ، والمُراد أنَّهم أخَّروها عن الوقْت المُستحبِّ لا عن وَقْتها بالكُلِّيَّة. * * * ٥٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ أَخِي عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَنسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ. وَقَالَ بَكْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ: أَخْبَرَناَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، نَحْوَهُ. (ابن رَوَّادٍ) بفتح الرَّاء، وتَشديد الواوِ، اسمه مَيْمُون. (أخي) بدَلٌ من (عُثمان)، وفي بعضها: (أَخُو) أي: هو أَخُو. (بدمشق) بكسر الدَّال، وفتح الميم. (أدركت)؛ أي: في عَهْد رسول الله ﷺ . (هذه الصَّلاة) بالنَّصْب سواءٌ جعلتَه استِئنافًا، أو بدَلًا. (خلف) بمُعجمةٍ ولامٍ مفتوحتَين، ثم فاءٍ.

стр. 1327

(البُرْساني) بضَمِّ المُوحَّدة، وسكون الرَّاء، ثم مُهمَلةٍ، وقد وصلَ ذلك عن بكْر بن خلَف يَحيى في "مُستخرَجه"، وأحمد بن علي الأَبَّار في "جَمْع حديث الزُّهري". * * * ٨ - بابٌ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ (باب المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ) ٥٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى". وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَقَالَ شُعْبَةُ: لَا يَبْزُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. وَقَالَ حُمَيْدٌ، عَنْ أَنسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَبْزُقْ في الْقِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ". الحديث الأَوَّل: (يَتْفُلن) بضَمِّ الفاء، وبكَسْرها، وإنْ أنكَر ابن مالك الضَّمَّ، من

стр. 1328

التَّفْل بالمُثنَّاة، أقلُّ من البَزْق، وأقلُّ منه النَّفْثُ، ثم النَّفْخ. (وقال سعيد) إلى آخره، هي تعليقاتُ أحاديثَ عن النبيِّ ﷺ ، لا مَوقوفاتٌ. فحديث سعيد، عن قَتَادة، أي: عن أنس، وصلَه أحمد من طرُقٍ، وابن حِبَّان، وحديث شُعبة -أي: عن قَتَادة، عن أنسٍ-، وصلَه البُخاريُّ، عن آدم، عنه، وحديث حُميدٍ وصلَه البُخاري أيضًا عن إسماعيل بن جعفر، عنه. قال (ك): يحتمل دُخولها تحتَ الإسناد السَّابق بأنْ يكون مثلًا: عن مسلم، عن شُعبة. (أو بين يديه)؛ أي: قُدَّامَه، وهو شَكٌّ من الرَّاوي. * * * ٥٣٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالْكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ". الحديث الثَّاني: (اعتدلوا)؛ أي: بأنْ يضَع كفَّيه على الأرض، ويَرفَعَ مِرْفقَيه عنها وعن جنبيه، ويَرفَع البَطْنَ عن الفَخِذ؛ لأَنَّ ذلك أَشبَهُ بالتَّواضع، وأَبلَغُ

стр. 1329

في تَمكين الجبهة من الأرض، وأَبعَدُ من هيئات الكُسَالى؛ فإنَّ المُنبَسِطَ يُشبه الكلب، ويُشعر حالُه بالتَّهاون بالصَّلاة. (ولا يبسط): بالجَزْم، أي: المُصلِّي، وفي بعضها: (لا يَبسُطْ أَحَدُكُمْ). (يناجي): سبَق في (باب حَكِّ البُزاق باليَد)، وفيما بعده من الأبواب معنَى المُناجاة، والجمع بين الرِّوايات، نعمْ، جعَل المُناجاة هنا علَّةً للبُزاق بين يدَيه وعن يَمينه، وهناك إنَّما جعلَه علَّةً للأول، وعلَّل الثَّاني بأنَّ عن يَمينه ملَكًا، ولا مُنافاةَ؛ لأَنَّ الشَّيء قد يُعلَّل بعلَّتَين؛ لأَنَّ العِلَل الشَّرعيَّة معرِّفاتٌ، فإن قيل: عادةُ المُناجى أن يكون قُدَّام؟ قيل: المُناجى الشَّريف قد يكون أيضًا يَمينًا. ووجه تعلُّق الباب بالمَواقيت: أنَّ أوقات الصَّلاة أوقاتُ مناجاةٍ، وأنَّ الصَّلاة أفضلُ الأعمال لحصول المُناجاة فيها، فينبغي فيها إحضارُ النيَّة، والإخلاصُ، والخُشوعُ. * * * ٩ - بابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ في شِدَّةِ الْحَرِّ (باب الإِبْرادِ بالظُّهْر) قال الزَّمَخْشَريُّ في "الفائِق": حقيقة الإبراد الدُّخول في البَرْد، والباء للتَّعدية، والمعنى إدخال الصَّلاة في البَرْد.

стр. 1330

٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ٥٣٤ - وَناَفِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أنَّهُ قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ". الحديث الأَوَّل: (أبو بكر) هو عبد الحَمِيْد بن أبي أُوَيْس الأَصبَحي. (ونافع) بالرَّفْع عطفٌ على الأَعْرَج. (أنهما)؛ أي: أنَّ أبا هُريرة وابن عُمر. (أبردوا) بفتح الهمزة، أي: أخِّرُوها إلى حينِ يَبْرُد النَّهار، مِن أَبرَد: دَخَلَ في وقت البَرْد، والصَّارف عن الوُجوب إلى النَّدب الإجماعُ. (بالصَّلاة)؛ أي: بالظُّهر كما في الرِّواية الأُخرى، والمُطلَق يُحمَل على المُقيَّد. * * * ٥٣٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، سَمِعَ زيدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ:

стр. 1331

أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فَقَالَ: "أَبْرِدْ أَبْرِدْ -أَوْ قَالَ- انْتَظِرِ انْتَظِرْ"، وَقَالَ: "شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ"، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ. الثَّاني: (غُنْدَر) بضَمِّ المُعجَمَة، وفتح الدَّال. (الظُّهر) كذا وقَع في هذه الرِّواية، فيُحمل على نَزْع الخافض، أي: بالظُّهر، أو للظُّهر كما في بقيَّة الأحاديث، وكذا في "مسلم". (عن الصَّلاة) (عن) بمعنى الباء، كـ: رمَيْتُ عن القَوس، أو ضُمِّن أَبرَدَ معنى التَّأَخُّر فعُدِّي بـ (عن)، أو (عن) زائدةٌ؛ لأنَّه يُقال: أَبرَد كذا: إذا فعلَه في البَرْد، كما يُقال: أَبرَدْتُه. قال (خ): الإِبراد انكِسَار شِدَّةِ حَرِّ الظَّهيرة، فسُمِّي فُتور الحَرِّ بالنِّسبة إلى وَهْج الحرِّ بَرْدًا، فالتَّأخير إليه لا إلى آخِر بَرْدَي النَّهار، وهو بَرْدُ العَشِيِّ؛ لأنَّه إخراجٌ عن الوقت. (حتَّى رأيناها) الغاية فيه، إمَّا مُتعلِّقةٌ بـ (قال)، أي: كان يَقول ذلك إلى أَنْ رأَيناهُ، أو بالإِبراد؛ أي: أَبرَد إلى أن يَرَى الفَيءَ، أو بقَدْر، أي: أخَّرنا. (الفيء) هو ما بعد الزَّوال من الظِّلِّ؛ لأنَّه يَرجع من جانبٍ إلى جانبٍ، قال ابن السِّكِّيت: الظِلُّ ما نَسختْه الشَّمسُ، والفَيءُ ما نسَخَ الشَّمس، وقيل: الفَيءُ بعد الزَّوال، والظِّلُّ أعَمُّ.

стр. 1332

وفي بعضها: (فَيُّ) بالياء المُشدَّدة للإدغام، نَعَم، دُخول وقت الظُّهر لا بُدَّ فيه من فَيءٍ، فالمُؤذِّن لا يُؤذِّن إلا عند وُجوده، فيُحمل الفَيء هنا على الزَّائد على هذا القَدْر، أو أنَّ ذلك في مِثْل مكَّة ونواحيها إذا استوتْ فَوق الكعبة في أَطوَل يومٍ من السَّنة؛ فإنَّه لا يُرى لشيءٍ من جوانبها ظِلٌّ، فإذا زالتْ ظهَرَ الفَيءُ قَدْر الشِّراك من جانب الشَّرق، قاله (خ). قال (ك): لكن التُّلول لانبِساطها لا يَظْهر فيها عَقِبَ الزَّوال، بل لا فَيءَ لها عادةً إلا بعد الزَّوال بكثيرٍ، بخلاف الشَّاخص المُرتَفِع كالمَنارة. * * * ٥٣٧ - : "وَاشْتكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَارَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ؛ نَفَسٍ في الشِّتَاءَ، وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ". الحديث الثَّالث: (اشتكت) إلى آخره، قيل: إسنادُ ذلك كلِّه إلى النَّار حقيقةً؛ لأَنَّ الله تعالى جعَل لَها إِدْراكًا، وتَمييزًا، ونُطْقًا. وقيل: مجازًا على جِهَة التَّشبيه، والصَّواب الأَوَّل؛ إذ لا مانِعَ من الحقيقة، وقرَّر البَيْضاويُّ الثَّاني، بأنَّها لكثْرتها وغلَيانها وازْدِحام أجزائها بحيثُ يَضيقُ عنها مكانُها، فيَسعَى كلُّ جُزءٍ في فَناءِ الآخَرِ والاستِيلاء على مكانه، ونَفَسُها

стр. 1333

لَهَبُها، وخُروج ما يَبرُز منها، فأحوالُ هذا العالَم عَكْس ذاكَ العالَم، فكما جُعل مُستطابُ الأشياء شِبْهَ نَعِيْم الجِنَان ليَكونوا أَميَلَ إليها جُعل للشَّدائد أُنْموذجًا لأحوال الجحيم ليزيْدَ خوفُهم بما يخرُج من حَرِّها ومن بَردها. (أشد) بالجرِّ بدَلٌ أو بيانٌ، وفي بعضها بالرَّفع خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو أشدُّ كما صرِّح به في روايةٍ، أو (أشدُّ) مبتدأٌ والخبر محذوفٌ، أي: منه، وسيَأتي في (بَدء الخلق) في (باب صفة النَّار): (فأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ)، فيكون الخبر محذوفًا، وصَرَّح به النَّسائي في روايةٍ في (التَّفسير)، وهي: (فأَشَدُّ ما تَجدُونَ من البَرْدِ مِنْ بَردِ جهنَّمَ، وأَشَدُّ ما تَجدُون مِنَ الحَرِّ، من حَرِّ جَهنَّم)، وفيه لَفٌّ ونَشْرٌ غير مُرتَّبٍ. (من الزمهرير)؛ أي: من طبقةٍ من جهنم زَمْهريريَّةٍ، فجهنَّم هي المُراد بالنَّار؛ لأَنَّ الزَّمهرير يكون من نفس حقيقة النَّار، وتَشهدُ له رواية النَّسائي السَّابقة. قال (ن): والجمْع بين هذا الحديث وبين حديث خَبَّاب: (شَكَوناَ إليهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فلَمْ يُشْكِنَا)؛ أي: لم يُزِلْ شَكْوانا، قيل: لأَنَّ الإبراد رُخصةٌ، والتَّقديم أَفضَل، وقيل: الإبراد مُستحبٌّ لكثرة أحاديث فعلِه والأَمرِ به، ويُحمل حديث خَبَّاب على أنَّهم طلبوا زائدًا على قَدْر الإبراد؛ لأنَّه بحيث يحصُل للحيطان ظِلٌّ يَمشُون فيه، وكذا قال (خ): في الجمع بينهما.

стр. 1334

وفي الحديث: أن النَّار مخلوقةٌ، وفيه التَّسهيلُ على النَّاس. * * * ٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ". تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. (تابعه سُفيان)؛ أي: الثَّوري، ووصلَ ذلك البُخاريُّ في (باب صِفَة النَّار)، عن الفِرْيابي، عنه. (ويحيى) وصلَ ذلك أحمد. (وأبو عوانة) قيل: الذي في ابن ماجه إنَّما هو رواية أبي مُعاوية، فلتُطلَب متابعة أبي عَوَانة. * * * ١٠ - بابُ الإِبْرَادِ بالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ (باب الإبراد بالظهر في السفر) ٥٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ مَوْلًى لِبَنِي تَيْمِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ

стр. 1335

وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "أَبْرِدْ"، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ"، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأبْرَدُوْا بِالصلاةِ". وقال ابنُ عَبَّاسٍ: (تتفيأُ): تتميَّلُ. (يؤذن)؛ أي: على ما كان من عادتهم من تعقيب الأذان بالصَّلاة، وإلا فالإبراد إنَّما هو في الصَّلاة لا في الأَذان، أو أنَّ المُراد بالأذان الإقامةُ. قال التِّرْمِذي: حديث أبي ذَرٍّ دليلٌ على الشَّافعي في جَعْله رُخصةَ الإبراد لمَن يأتي مِن بُعْدٍ؛ لأنَّ اجتماعهم في السَّفَر لا يحتاجون فيه أنْ يَتناوبُوا من بُعد. قال (ك): لا نُسلِّم ذلك؛ لأنَّ القوافل الكبار ينزلون مُتباعدين للمَرْعى ونحوِه، خصوصًا إذا كان فيهم سلطانٌ، فإنَّهم يتباعدون عنه احترامًا وتعظيمًا، والمُراد بالإبراد التَّسهيل ورفع المَشَقَّة، فالحضَرُ والسَّفَرُ سواءٌ. (يتفيأ)؛ أي: في الآية، كأنَّه أراد أنَّ الفَيء ظِلٌّ مالَ من جهةٍ إلى جهةٍ، وقال الجَوْهَري: تَفيَّأَتِ الظِّلالُ، أي: تَقلَّبَتْ. * * *
следующие страницы →