Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فَقَالَ: "أَبْرِدْ أَبْرِدْ -أَوْ قَالَ- انْتَظِرِ انْتَظِرْ"، وَقَالَ: "شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ"، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ.
الثَّاني:
(غُنْدَر) بضَمِّ المُعجَمَة، وفتح الدَّال.
(الظُّهر) كذا وقَع في هذه الرِّواية، فيُحمل على نَزْع الخافض، أي: بالظُّهر، أو للظُّهر كما في بقيَّة الأحاديث، وكذا في "مسلم".
(عن الصَّلاة) (عن) بمعنى الباء، كـ: رمَيْتُ عن القَوس، أو ضُمِّن أَبرَدَ معنى التَّأَخُّر فعُدِّي بـ (عن)، أو (عن) زائدةٌ؛ لأنَّه يُقال: أَبرَد كذا: إذا فعلَه في البَرْد، كما يُقال: أَبرَدْتُه.
قال (خ): الإِبراد انكِسَار شِدَّةِ حَرِّ الظَّهيرة، فسُمِّي فُتور الحَرِّ بالنِّسبة إلى وَهْج الحرِّ بَرْدًا، فالتَّأخير إليه لا إلى آخِر بَرْدَي النَّهار، وهو بَرْدُ العَشِيِّ؛ لأنَّه إخراجٌ عن الوقت.
(حتَّى رأيناها) الغاية فيه، إمَّا مُتعلِّقةٌ بـ (قال)، أي: كان يَقول ذلك إلى أَنْ رأَيناهُ، أو بالإِبراد؛ أي: أَبرَد إلى أن يَرَى الفَيءَ، أو بقَدْر، أي: أخَّرنا.
(الفيء) هو ما بعد الزَّوال من الظِّلِّ؛ لأنَّه يَرجع من جانبٍ إلى جانبٍ، قال ابن السِّكِّيت: الظِلُّ ما نَسختْه الشَّمسُ، والفَيءُ ما نسَخَ الشَّمس، وقيل: الفَيءُ بعد الزَّوال، والظِّلُّ أعَمُّ.
стр. 1332
وفي بعضها: (فَيُّ) بالياء المُشدَّدة للإدغام، نَعَم، دُخول وقت الظُّهر لا بُدَّ فيه من فَيءٍ، فالمُؤذِّن لا يُؤذِّن إلا عند وُجوده، فيُحمل الفَيء هنا على الزَّائد على هذا القَدْر، أو أنَّ ذلك في مِثْل مكَّة ونواحيها إذا استوتْ فَوق الكعبة في أَطوَل يومٍ من السَّنة؛ فإنَّه لا يُرى لشيءٍ من جوانبها ظِلٌّ، فإذا زالتْ ظهَرَ الفَيءُ قَدْر الشِّراك من جانب الشَّرق، قاله (خ).
قال (ك): لكن التُّلول لانبِساطها لا يَظْهر فيها عَقِبَ الزَّوال، بل لا فَيءَ لها عادةً إلا بعد الزَّوال بكثيرٍ، بخلاف الشَّاخص المُرتَفِع كالمَنارة.
* * *
٥٣٧ - : "وَاشْتكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَارَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ؛ نَفَسٍ في الشِّتَاءَ، وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ".
الحديث الثَّالث:
(اشتكت) إلى آخره، قيل: إسنادُ ذلك كلِّه إلى النَّار حقيقةً؛ لأَنَّ الله تعالى جعَل لَها إِدْراكًا، وتَمييزًا، ونُطْقًا. وقيل: مجازًا على جِهَة التَّشبيه، والصَّواب الأَوَّل؛ إذ لا مانِعَ من الحقيقة، وقرَّر البَيْضاويُّ الثَّاني، بأنَّها لكثْرتها وغلَيانها وازْدِحام أجزائها بحيثُ يَضيقُ عنها مكانُها، فيَسعَى كلُّ جُزءٍ في فَناءِ الآخَرِ والاستِيلاء على مكانه، ونَفَسُها
стр. 1333
لَهَبُها، وخُروج ما يَبرُز منها، فأحوالُ هذا العالَم عَكْس ذاكَ العالَم، فكما جُعل مُستطابُ الأشياء شِبْهَ نَعِيْم الجِنَان ليَكونوا أَميَلَ إليها جُعل للشَّدائد أُنْموذجًا لأحوال الجحيم ليزيْدَ خوفُهم بما يخرُج من حَرِّها ومن بَردها.
(أشد) بالجرِّ بدَلٌ أو بيانٌ، وفي بعضها بالرَّفع خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو أشدُّ كما صرِّح به في روايةٍ، أو (أشدُّ) مبتدأٌ والخبر محذوفٌ، أي: منه، وسيَأتي في (بَدء الخلق) في (باب صفة النَّار): (فأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ)، فيكون الخبر محذوفًا، وصَرَّح به النَّسائي في روايةٍ في (التَّفسير)، وهي: (فأَشَدُّ ما تَجدُونَ من البَرْدِ مِنْ بَردِ جهنَّمَ، وأَشَدُّ ما تَجدُون مِنَ الحَرِّ، من حَرِّ جَهنَّم)، وفيه لَفٌّ ونَشْرٌ غير مُرتَّبٍ.
(من الزمهرير)؛ أي: من طبقةٍ من جهنم زَمْهريريَّةٍ، فجهنَّم هي المُراد بالنَّار؛ لأَنَّ الزَّمهرير يكون من نفس حقيقة النَّار، وتَشهدُ له رواية النَّسائي السَّابقة.
قال (ن): والجمْع بين هذا الحديث وبين حديث خَبَّاب: (شَكَوناَ إليهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فلَمْ يُشْكِنَا)؛ أي: لم يُزِلْ شَكْوانا، قيل: لأَنَّ الإبراد رُخصةٌ، والتَّقديم أَفضَل، وقيل: الإبراد مُستحبٌّ لكثرة أحاديث فعلِه والأَمرِ به، ويُحمل حديث خَبَّاب على أنَّهم طلبوا زائدًا على قَدْر الإبراد؛ لأنَّه بحيث يحصُل للحيطان ظِلٌّ يَمشُون فيه، وكذا قال (خ): في الجمع بينهما.
стр. 1334
وفي الحديث: أن النَّار مخلوقةٌ، وفيه التَّسهيلُ على النَّاس.
* * *
٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ".
تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ.
(تابعه سُفيان)؛ أي: الثَّوري، ووصلَ ذلك البُخاريُّ في (باب صِفَة النَّار)، عن الفِرْيابي، عنه.
(ويحيى) وصلَ ذلك أحمد.
(وأبو عوانة) قيل: الذي في ابن ماجه إنَّما هو رواية أبي مُعاوية، فلتُطلَب متابعة أبي عَوَانة.
* * *
١٠ - بابُ الإِبْرَادِ بالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ
(باب الإبراد بالظهر في السفر)
٥٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ مَوْلًى لِبَنِي تَيْمِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ
стр. 1335
وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "أَبْرِدْ"، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ"، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأبْرَدُوْا بِالصلاةِ".
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: (تتفيأُ): تتميَّلُ.
(يؤذن)؛ أي: على ما كان من عادتهم من تعقيب الأذان بالصَّلاة، وإلا فالإبراد إنَّما هو في الصَّلاة لا في الأَذان، أو أنَّ المُراد بالأذان الإقامةُ.
قال التِّرْمِذي: حديث أبي ذَرٍّ دليلٌ على الشَّافعي في جَعْله رُخصةَ الإبراد لمَن يأتي مِن بُعْدٍ؛ لأنَّ اجتماعهم في السَّفَر لا يحتاجون فيه أنْ يَتناوبُوا من بُعد.
قال (ك): لا نُسلِّم ذلك؛ لأنَّ القوافل الكبار ينزلون مُتباعدين للمَرْعى ونحوِه، خصوصًا إذا كان فيهم سلطانٌ، فإنَّهم يتباعدون عنه احترامًا وتعظيمًا، والمُراد بالإبراد التَّسهيل ورفع المَشَقَّة، فالحضَرُ والسَّفَرُ سواءٌ.
(يتفيأ)؛ أي: في الآية، كأنَّه أراد أنَّ الفَيء ظِلٌّ مالَ من جهةٍ إلى جهةٍ، وقال الجَوْهَري: تَفيَّأَتِ الظِّلالُ، أي: تَقلَّبَتْ.
* * *
стр. 1336
١١ - بابٌ وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوالِ
وَقَالَ جَابِرٌ: كانَ النبيُّ ﷺ يُصلِّي بِالهَاجِرةِ.
(باب: وقْتُ الظُّهْر عند الزَّوال)
(وقال جابر) وصلَه البُخاريُّ في (باب وقت المَغرِب).
* * *
٥٤٠ - حَدَّثَنا أَبُو اليَمانِ، قَالَ: أَخْبَرناَ شُعَيبٌ، عَن الزُّهريِّ، قَالَ: أَخْبَرنِي أَنْسُ بنُ مَالِكٍ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَرجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمسُ فَصَلّى الظُّهْرَ فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ في مَقَامِي هَذَا، فَأَكثَرَ النَّاسُ في الْبُكَاءَ، وَأَكثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي"، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ"، ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي"، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ".
الحديث الأَوَّل:
(حيث زاغت فصلى) قد يُقال: فيه معارَضةٌ بحديث الإبراد،
стр. 1337
فإِمَّا أَنَّ الإبرادَ ثبتَ بالقول والفعل فقُدِّم على هذا؛ لأنَّ فيه فعلُه فقط، وقيل: الإبراد متأَخِّرٌ فهو ناسخٌ، وقيل: الإبراد رُخصةٌ عند المَشَقَّة، وفي غيرها التَّعجيل الذي هو الأصل أَولى، وقال البَيْضاويُّ: الإبراد: تأخير الظُّهر أَدنى تأخيرٍ بحيث لا يَخرج عن حدِّ التَّهجير، فإنَّ الهاجرة إلى أن يَقرُب العصر.
(زاغت)؛ أي: مالَتْ.
(تسألوني) خبرٌ، ونُون الوِقَاية محذوفٌ.
(أخبرتكم)؛ أي: أخبرُكم، فاستعمل الماضي موضعَ المُستقبَل إشارةً إلى أنَّه كالواقع؛ لتحقُّقه قبلَ سبَب خُطبته، وقولُه ذلك لأَنَّ بعض المُنافقين سأَلَه ليُعجزه عن بعضِ ما يَسألُه فتغيَّظَ عليه.
(من البكاء) بالمَدِّ والقَصْر، باعتِبار إرادة مَدِّ الصَّوت في البُكاء، أو خُروجِ الدُّموع، وسبب البُكاء سَماعُهم أهوالَ القيامة، والأُمورَ العظام، أو خوفُهم نُزول العَذاب كمَن مضَى من الأُمم عند إيذائهم رُسُلَهم، ولذا قال عمر: (رَضِيْنَا باللهِ رَبًّا) إلى آخره.
(حُذافة) بضَمِّ المُهمَلة وبالمُعجَمَة، وسبَق في الحديث مباحث في (كتاب العلم) في (باب مَن برَك على رُكبتَيه).
(عُرض) بضَمِّ المُهمَلة، أي: النَّاحية.
(كالخير والشر)؛ أي: الجنَّة والنَّار، أي: ما أبصرتُ شيئًا مثل الطَّاعة والمعصية في سبب دُخولهما.
* * *
стр. 1338
٥٤١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُناَ يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ، ويُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُناَ يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنسَيتُ مَا قَالَ في الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ.
وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
الحديث الثَّاني:
(أبو المنهال) سَيَّار بن سَلامة.
(أبو برزة) نَضْلَة بن عُبيد.
(جليسه)؛ أي: مُجالسه.
(إلي المئة)؛ أي: ما بين الستِّينَ والمئة من آيات القُرآن، وإنَّما أتَى بـ (إلى) التي للانتهاء ولم يقل: وبين؛ لأنَّ التَّقدير: و (فوقَها) بالعطف على الستِّين إلى المئة، فهو غايةُ الفوقيَّة؛ لدلالة الكلام على ذلك.
(والعصر)؛ أي: ويُصلِّي العَصْر.
(أقصى)، أي: آخِر.
(يذهب) جملةٌ حاليَّةٌ.
(رجع) هو خبر المُبتدأ الذي هو: أحدنا، أو بالعكس، أو هما
стр. 1339
خبران، أو هو عطفٌ على (يَذهب)، والواو مقدَّرةٌ، ورجَع بمعنى يَرجِعُ، والمراد بالرُّجوع إلى أَقصَى المدينة لمَا يأتي في الباب بعده لا الرُّجوع للمَسجِد، وفي بعضها: (ورَجَعَ) بالواو، فقولُه: يَذهَبُ خبرُ المُبتدأ.
(حية)؛ أي: باقٍ حَرُّها لم يَفتُر، وكونُها لم تَتغيَّر؛ لأَنَّ التغيُّر إنَّما يكون إذا دنَتْ للمَغيب الذي هو كالمَوت لها، وفيه دليلٌ أنَّ وقْتَ العصر مثلُه، لا مثلَيه؛ ليُمكن مثلُ هذا الذَّهاب.
(ونسيت) من قول أبي المِنْهَال، نسِيَ ما قالَه أبو هُريرة.
(ولا يُبالي) عطفٌ على (يُصلِّي)، أي: كان ﷺ لا يُبالي.
(شطر)؛ أي: نِصْف، والمُراد وقْتُ الاختيار؛ لدلالة غيره من الأحاديث على بَقاء وقت الجَواز إلى الصُّبح؛ لحديث: "لَيْسَ في النَّوم تَفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ على مَنْ لَم يُصَلِّ الصَّلاة حتَّى يَجيءَ وقْتُ الصَّلاةِ الأُخرَى"، وأما مفهومُ لا يُبالي أنَّه يُبالي بعد النِّصف؛ لأنَّ مبالاتَه ﷺ تكون بتَرْك الأفضل؛ نعم، الصَّحيح أنَّ المُختار إلى الثُّلُث = فهو حُجَّة لقول النِّصْف.
قلتُ: واختاره (ن).
(وقال مُعاذ) تعليقٌ قَطْعًا؛ لأن البُخاريَّ لم يُدركه، وقد وصَلَه مسلمٌ.
* * *
٥٤٢ - حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ؛ يَعْنِي: ابنَ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أخبَرنَا عَبْدُ اللهِ،
стр. 1340
قَالَ: أَخْبَرناَ خَالِدُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ، حدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزنِيِّ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْناَ عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ.
الحديث الثَّالث:
(خالد بن عبد الرَّحمن) لم يُذكر في "الجامع" إلا في هذا المَوضع.
(غالب) بالإعجام.
(بالظهائر) جمعُ الظَّهيرة؛ أي: الهاجرة، أراد بها الظُّهر، وجَمَع نظرًا إلى تعدُّد الأيام.
(فسجدنا) عطفٌ على مقدَّر، أي: فَرشْنا الثِّياب فسجَدنا.
(اتقاء) من الوِقَاية، أي: لأَنْفسِنا من الحَرِّ، وهذا محمولٌ عند الشَّافعي على ثَوبٍ غير مُتصِلٍ بالمُصلِّي، أو متصلٍ لكنْ لا يتحرَّك ما يَسجُد عليه بحركته، فلا يكونُ حُجَّةً عليه لمَكان الاحتمال.
* * *
١٢ - بابُ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ
(باب تأخير الظُّهر)
٥٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 1341
صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَقَالَ أَيَّوبُ: لَعَلَّهُ في لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ، قَالَ: عَسَى.
(سبعًا)؛ أي: سبْع ركَعاتٍ للمَغرِب والعِشاء، وثَمانيًا للظُّهر والعَصْر، فقوله بعده: (الظُّهر) إلى آخره، بالنَّصْب بدَلٌ، أو بيانٌ، أو نصْبٌ على الاختِصاص، أو على نَزْع الخافِض، والأصل للظُّهر.
قيل: ليس هذا صَريحًا في الجَمْع، فقد يكون أخَّر الظُّهرَ إلى آخر وقْتها، وعجَّل العصْرَ من أَوَّلِ وقْتها كما قاله عَمْرو بن دِيْنَار لجابرٍ: أَظنُّه كذلك، قال جابر: وأَنا أَظُنُّه أيضًا، وأُجيب: بأنَّه لا يبقى للإخبار به حينئذ فائدة، وأيضًا، فقد رواه ابن عبَّاس كما سيأتي بلفظ: (جميعًا)، ولكن لا دلالةَ حينئذٍ على ما تَرجمهُ البُخاريُّ من التَّأخير؛ لاحتمال جمع التَّقديم إلا أَنْ يكون فَهِمَ ذلك من الحديث، ولكنَّه اختصر، أو من السِّيَاق.
(أيوب)؛ أي: السَّخْتِيَاني.
(في ليلة)؛ أي: معَ يَومها بقَرينة: الظُّهر والعَصْر، فالعَرَب كثيرًا ما تُطلق اللَّيلة وتُريد يَومها.
(مطيرة)؛ أي: كثيرةِ المطَر، ويومُها كذلك.
(قال: عسى)؛ أي: قال جابر: عسَى ذلكَ في المطَر، فحَذَف اسمَ عسَى وخبَرَها.
قال (خ): لمَّا وقَع الجمْعُ وليس عُذْرَ سفَر: كان الجمْع للمطَر للمشقَّة في حُضور المَسجِد مرَّةً بعد أُخرى.
стр. 1342
قال (ك): الجمْع بالمطَر لا يكون إلا بالتَّقديم، فكيف يُوافق التَّرجَمة بالتَّأخير؟، وقال التُّوْرِبِشْتي: قال التِّرْمِذي آخر كتابه: ليس في كتابي حديثٌ أَجمعَتِ الأُمَّةُ على تَرْك العمل به إلا حديث ابن عبَّاس في الجمع بالمَدينة من غير خَوفٍ ولا سفَرٍ، وحديثَ قَتْل شارب الخمْر في المرَّة الرَّابعة، لكنْ حديث ابن عبَّاس لم يُجمعوا على تَركه، بل أُوِّلَ إما بأنَّه في غَيمٍ، فصلَّى الظُّهر، فلمَّا انكشَفت بانَ أَنَّ وقْت العصر دخلَ فصلَّاها، ورُدَّ ببُطلان ذلك في المَغربَين، وإما لأنَّه فرَغَ من الأُولى فدخَل وقْتُ الثَّانية فصلَّاها عَقِبَها، وَضُعِّفَ بمخالفته الظَّاهر، وإمَّا أنَّ الجمْعَ بعُذْر المَطَر، وَرُدَّ بالرِّواية الأُخرى: (مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ)، وإما بعُذْر المرَض، وهو المُختار؛ لأنَّ المَشَقَّة فيه أَشدُّ من المطَر على أنَّ بعضهم اختارَ الجمْع في الحضَر للحاجة لمَن لا يتخذُه عادةً، وبه قال أَشهَب، والقَفَّال الشَّاشي.
* * *
١٣ - بابُ وَقْتِ الْعَصْرِ
وَقَالَ أَبو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مِنْ قَعْرِ حُجْرتِهَا.
(باب وقْت العَصْر)
(من قعر حجرتها) دليلٌ أَنَّ أوَّل وقْت العصر مصيرُ ظِلِّ الشَّيء مثلَه، لأَنَّ الشَّمس لا تكون في قَعْر حُجرتها إلا ذلك الوقْت، لا سِيَّما
стр. 1343
في الحُجْرة الصَّغيرة.
* * *
٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا.
٥٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا.
٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ في حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَشُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ: وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.
الحديث الأَوَّل، والثَّاني:
(بعد) مبنيٌّ على الضَّمِّ لتضمُّنه معنى الإضافة.
(وقال مالك) إلى آخره، روايةُ الأربعة عن الزُّهري، فرواية مالكٍ وصلَها البُخاريُّ، عن القَعْنَبِي، عنه.
(ويحيى)؛ أي: ابن سَعيد الأنصاري، وصلَها الذُّهْلِي في "الزُّهريات".
стр. 1344
(وشعيب) بن أبي حَمزة بالمُهمَلة، وصلَها الطَّبَراني في "مُسند الشَّاميِّين".
(وابن أبي حفصة)؛ أي: محمد بن مَيْسرة، وصلَها الذُّهْلِي.
* * *
٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَوْفٌ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَناَ وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كيفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونها الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُناَ إِلَى رَحْلِهِ في أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ في الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ.
الحديث الثَّالث:
(عبد الله)؛ أي: ابن المُبارَك.
(سيار)؛ أي: أبو المِنْهَال.
(الأسلمي) بفتح الهمْزة.
(المكتوبة)؛ أي: المَفروضة التي كتَبَها الله على عباده.
стр. 1345
(الهجير)؛ أي: الهاجِرَة، وفي بعضها: (الهَجِيْرة).
(تدعونها) أَنَّثَ باعتبار الصَّلاة، أو الهاجِرة، أو الهَجِيْرة.
(الأُولى) لأنَّها أوَّل صلاةٍ في إمامة جِبْريل، وقال البَيْضاويُّ: أوَّل صلاة النَّهار.
قلتُ: لكنَّ الصَّحيح أنَّ الصُّبح نهَاريَّةٌ، فهي أُولى.
(تدحض)؛ أي: تَزُول عن وَسَط السَّماء إلى جِهَة المَغرب.
(رحله)؛ أي: مَسكنِه ومَوضعِ أثَاثه.
(في أقصى) صفةٌ لـ (رَحْلٍ)، لا ظَرْفٌ للفعل.
(وكان)؛ أي: النبيُّ ﷺ .
(العَتَمَة) بفتح الفَوقانيَّة من عَتَم، أي: أَظلَم، وهي من اللَّيل بعدَ غَيبة الشَّفَق.
قال الطِّيْبيُّ: لعل تقييد الظُّهر بالأُولى، والعِشاء بالعَتَمَة للإشعار بعلَّة تقديم الظُّهر، وتأخير العِشاء، ولم يُقيِّد غيرَهما اهتمامًا بالأَولويَّة فيهما.
(والحديث)؛ أي: التَّحديث في الأُمور الدُّنيويَّة، فهو المَكروه لا ما يتعلَّق بالدِّين، فقد سبَق في (باب السَّمَر في العِلْم) حديثُه ﷺ .
(ينفتل)؛ أي: يَنصَرِف، يُقال: فتَلَه فانفَتَلَ كصَرَفَه فانصَرَف، وهو مَقلوبُ لَفَت.
* * *
стр. 1346
٥٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ.
الحديث الرابع:
(إلى بني عمرو)؛ أي: مَنازلِهم على مِيْلَين من المَدينة.
قال (ن): كان ﷺ يُعجِّل أوَّلَ الوقْت، وتأخير أهل بني عَمرو لكونِهم أهلَ أعمالٍ في زُروعهم وحَوائطهم، فإذا فَرَغوا تأَهَّبوا للصَّلاة بالطَّهارة وغيرِها، ثم اجتمعوا فتَتأخَّر صلاتُهم إلى وسَط الوَقْت.
قال: والحديثُ حُجَّةٌ عل الحنفيَّة في قولهم: لا يَدخُل العَصْر إلا بمصير ظِلِّ الشَّيء مثلَيه.
* * *
٥٤٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْناَهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ يَا عَمِّ! مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي كنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.
٥٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ
стр. 1347
وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ.
٥٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
الخامس:
(حُنيف) بضَمِّ المُهمَلة.
(أبا أُمامة) هو أَسعَد بن سَهْل، وهو صحابيٌّ على الأصحِّ.
(دخلنا على أنس)؛ أي: في داره بجنب المَسجِد.
(يا عم)؛ أي: يا عَمِّي، فحذف الياء.
(الصَّلاة)؛ أي: نوعُ الصَّلاة لا أن السُّؤال عن شَخْصها.
قلتُ: فيه نظَرٌ.
قال (ن): الحديث صريحٌ في التَّبكير بالعَصْر أوَّلَ وقْتها، وإنَّما أخَّر عمر الظُّهرَ إلى آخر وقتها حتَّى كانت صلاةُ أنَس العَصْر تعقبُها إما على عادةِ الأُمَراء قبلَه قبل أَنْ تَبلغَه السُّنَّةُ في التَّعجيل، أو أَخَّر لعُذْرٍ، وكان قد وَلِي نيابةَ المدينة قبْل خلافته، فإن خلافتَه إنَّما كانتْ بعد وفاة أنَس بنحو تسع سنين.
(العوالي) الذين حولَ المدينة، جمع عاليَة.
(فيأتيهم)؛ أي: يَأتي أهلهم.
стр. 1348
(وبعض العوالي) إلى آخره إما من كلام البُخاري، أو مُدرَجٌ من كلام أنَس، أو الزُّهري.
(أميال) جمعُ مِيْل، أي: ثلُث فَرْسَخ، ضمَّنه المُبادرة بالعصر؛ لأنَّه لا يَذهب أميالًا والشَّمس لم تتغيَّر إلا إذا صلَّى حين صار ظِلُّ الشَّيء مثلَه، ولا يكاد يحصُل ذلك إلا في الأيَّام الطَّويلة.
وقُبَاء على نحوِ ثلاثةِ أميالٍ من المدينة، والأفصحُ فيها الصَّرفُ والتَّذكيرُ والمَدُّ، ويجوز مقابلُها.
قال التَّيْمي: الصَّحيح بدل قُبَاء: العَوَالي، كذا رواه أصحاب ابن شِهَاب كلُّهم غيرَ مالك، حتَّى عُدَّ من أوهام "المَوطَّأ".
* * *
١٤ - بابُ إِثمِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ
(باب إِثْم مَن فاتَه العَصْر)
٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".
(تفوته العصر) في بعضها: (صَلاةُ العَصْرِ).
(كأنَّما) في بعضها: (فكأنَّما) لتَضمُّن المَوصول الذي هو مبتدأٌ
стр. 1349
معنى الشَّرط، فلذلك يَجوز الفاءُ وتركُها.
(وُتِرَ) بضَمِّ أوَّله مبنيًّا للمَفعول.
(أهله وماله) بالنَّصْب مفعولٌ ثانٍ لـ (وُترَ) بمعنى نُقِصَ، فيتعدَّى لاثنين، وأوَّلُهما هو النَّائب عن الفاعل، وهو ضميرٌ يعود على (الذي)، وإلى ذلك أشار البُخاريُّ بقوله: (يَتِرَكُم)، يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، أي: لن يَنقُصَكم أعمالَكم.
قال (خ): وقيل معناه: سُلِبَ أهلَه ومالَه، فبقيَ وِتْرًا ليس له أهلٌ ولا مالٌ، أي: يَحذَر فواتَ العصر، ويَكره ذلك كما يكره أن يُسلبَ مالَه وأهلَه.
(قتلت له قتيلًا) يُوافقه قول الجَوْهَري: المَوتُور الذي قُتِلَ فلم يُدرَك بدَمهِ، تقول منه: وتَرهُ تِرَةً، ووتَرَهُ حقَّه، أي: نَقَصَه، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، أي: في أعمالكم، كدخلتُ البيتَ، أي: في البيت.
قال (ن): ورُوي برفع اللَّامَين على أنَّه النَّائب عن الفاعل، أي: انتُزِعَ منه الأهلُ والمالُ، وهو ما قال ابن مالك؛ لأنَّهم المُصابون المَأخوذون.
قال (ن): والنَّصْب عليه الجمهور، وقال ابن عبد البَرِّ: إنَّه كالذي يُصاب بالأَهل والمال إصابةً يطلبُ بها الوَتْرَ بفتح الواو، أي: الجنايَة التي يُطلَب ثَأْرُها، فيجتمع عليه غَمَّان: غَمُّ المُصيبة، وغَمُّ طلَب الثَّأْر، قال: والأظهر أنَّه للتَّارك عامدًا لا ناسيًا، وقيل: ويحتمل
стр. 1350
أنَّه يُلحَق بالعصر سائرُ الصَّلوات، وإنَّما خُصَّت العصر بالذِّكر لأنَّها وقت تعبِ النَّاس مِن أشغالهم وتَتميم وظائفهم.
* * *
١٥ - بابُ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ
(بابُ مَنْ ترَكَ العَصْر)
٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيح، قَالَ: كنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ في غَزْوَةٍ في يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ".
(بكروا)؛ أي: أَسرِعُوا، فكلُّ مَن سارعَ إلى شيءٍ أيَّ وقتٍ كان يُقال: بكَّرَ، وأَبكَرَ، أي: صلُّوا المَغْربَ عند سُقوط القُرص.
(حبط) بكسر الباء، أي: بطَل وفسَد، والمُراد بُطلان الثَّواب، فليس في الحديث حُجَّةٌ لقول بعض المُعتزلة: إنَّ المَعصيةَ تُحبِطُ الطَّاعة لمَا ذكرناه، أو المراد تَركها مُستَحِلًّا لذلك، [أو] على قول أحمد: إنَّ تارك الصَّلاة عَمْدًا يكفُر، فيَحبَطُ عملُه بسبب كُفره، أو يقال: المُراد بالعمَل عمَل الدُّنْيا الذي شغلَه عن الصَّلاة، أي: لا يَنتفِع به ولا يَتمتَّع، أو المُراد بالحُبوط نُقصان عمله في يَومه، أو الأَعمال
стр. 1351
بالخَواتيم لا سِيَّما في الوقت الذي يَقرُب أنْ تُرفع فيه الأعمال، وهو واردٌ على سبيل التَّغليظ، أي: فكأنَّما حَبِط عملُه.
* * *
١٦ - بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ
(باب فَضْل صلاةِ العَصْر)
٥٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي: الْبَدْرَ- فَقَالَ: "إِنَّكمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا، لَا تَفُوتَنَّكُم.
الحديث الأَوَّل:
(إسماعيل) بن أبي خالد.
(ليلة) الظَّاهر أنَّها تنازعَها فِعْلان: كانَ، ونظَرَ.
(تُضامون) يُروى بوجهَين:
أحدهما: بالمُعجَمَة وخفَّة الميم، أي: لا يَنالُكم ضَيْمٌ في رُؤيته،
стр. 1352
أي: تعَبٌ، أو ظُلْمٌ فيَراه بعضُكم دون بعضٍ بأن يَدفعَه عن الرُّؤية ويَستأثِرَ بها.
قال ابن الأَنْباري: أي: لا يقعُ لكم في الرُّؤية ضَيْمٌ، وهو الذُّلُّ، وأصله: تُضْيَمُون، نُقلت فتحةُ الياء على السَّاكن قبلَها، وهو الضَّاد، فانقلبتْ ألفًا لانفِتاح ما قبلَها.
الثَّاني: بفتح التَّاء، وتشديد الميم، قال (خ): أصلُه: تَتضامُّون، حُذفت إحدى التَّاءَين، أي: لا تَتزاحَمون كما يفعلُه النَّاس في رُؤية الشَّيء الخَفيِّ.
قال التَّيمي: أو المعنى: لا تجتمعوا للنَّظَر، ويُضمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، فيقولُ واحدٌ: هو ذاك، وآخَرُ: ليس بذاكَ، كما يقَع مثلُه في رُؤْية الهِلال، أي: بخلاف رُؤية القمَر وهو بَدْرٌ.
(فإن استطعتم) إلى آخره، دليلٌ أنَّ الرُّؤية يُرجَى مثلُها بالمُحافظة على هاتَين الصَّلاتَين.
(لا تغلبوا) بالبِناء للمَفعول.
(فافعلوا)؛ أي: تَرْكَ المَغلوبيَّة التي لازِمُها الإتيان بالصَّلاة، كأنَّه قال: فصلُّوا.
(ثم قرأ: فسبح) التِّلاوة: ﴿وَسَبِّحْ﴾ بالواو.
(لا يفوتنكم) بنونِ التَّوكيد، والفاعل ضميرُ الصَّلاة، وهذا من كلام إسماعيل تفسير لـ (افعلُوا).
стр. 1353
وفي الحديث: أَنَّ رُؤيةَ الله مُمكنةٌ يَراه المُؤمنون في الآخرة، كما هو مذهب أهل السُّنَة، ومعنى التَّشبيه أنَّ ذلك محقَّقٌ بلا مشقَّةٍ ولا خفاءٍ كرُؤية القمَر، فهو تَشبيهٌ للرُّؤية بالرُّؤية، لا المَرئيِّ بالمَرئيِّ.
وفيه زيادةُ شرَف المُصلِّين والصَّلاتَين لتَعاقُب المَلائكة فيهما، ولمَا في وقت الصُّبح من لَذاذة النَّوم كما قال (ع):
ألذُّ الكَرَى عِنْدَ الصَّبَاحِ يَطِيْبُ
والقِيامُ فيه أشقُّ على النَّفس، ووقْت العصر وقْتُ الفَراغ، والصِّناعات، وإتمام الوظائف، فإذا واظَب عليهما كانت مُواظبتُه على غيرهما أَولى.
* * *
٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يتعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ".
الحديث الثَّاني:
(يتعاقبون)؛ أي: تعقُب طائفةٌ طائفةً بالإتيان، وقيل: معناه يَذهبونَ ويَرجِعون.
стр. 1354
(ملائكة)؛ نكرةٌ لإفادة أنَّ الثَّانية غيرُ الأُولى كما في: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢]، ورفعُه على أنَّه بدلٌ من الضَّمير في (يتعاقبون)، أو بيانٌ، لا أنَّه فاعلٌ، والواو علامةٌ؛ لأَنَّ ذلك لغةُ بني الحارث، وتُعرَف بأكلُوني البَراغيث، على أنَّ ابن مالك وغيرَه ذهبوا إلى حَمله على هذه اللُّغة، وجعلُوه شاهدًا لها، وقال السُّهَيْلي: لا شاهدَ فيه؛ لأنَّه مختصرٌ من حديث مُطوَّلٍ رواه البَزَّار بلفظ: (إِنَّ للهِ مَلائِكَةً يَتعاقَبُونَ).
قلتُ: بل يأتي الحديثُ أواخرَ البُخاري، وبمثله رَدَّ أبو حَيَّان على ابن مالك.
(في صلاة)؛ أي: في وقتِ صلاةٍ.
(أعلم بهم)؛ أي: بالمُؤمنين من المَلائكة، فحُذفت صلَةُ التَّفضيل.
قلتُ: إلا أن يُراد: عالِمٌ؛ فلا حاجة لصِلَةٍ.
(وأتيناهم) هو زيادةٌ في الجواب عن سُؤال: كيف تَركتُم؟ لإظهارِ فضْل المُؤمنين، والحرصِ على ما يُوجب مغفرتَهم، فإنَّها وظيفتُهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، واجتِماعُ المَلائكة في الوَقْتين لُطفٌ بالمؤمنين لمُشاهدتهم ما شَهِدوه من خيرهم، وسُؤال الرب تعالى يحتمل أنَّه لطلَب اعتِراف المَلائكة بذلك ردًّا على ما كانوا قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، أو أنَّه تَعَبَّدَ الملائكة بالشَّهادة للمؤمنين كما تَعَبَّدَهُم بكَتْب
стр. 1355
أعمالهم، وهو عالمٌ بها، والمَلائكة هم الحفَظة على قول الأكثر، ويحتمل أنَّهم غيرهم، وفيه أنَّ ملائكة اللَّيل لا يَزالون حافظين العباد إلى الصُّبح، وذكْرُ الذين باتُوا دون الذين ظلُّوا إما للاكتِفاء نحو: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١]، وإما لأَنَّ اللَّيل مَظِنَّةُ المعصية ومَظِنَّة الرَّاحة، فلمَّا لم يعصُوا أو اشتَغلوا بالطَّاعة، فالنَّهار أَولى بذلك، وإما لأَنَّ طرَفَي النَّهار يُعلم من طرَفي اللَّيل.
واعلم أنَّ القَضاء على مُصلِّي العصر بذلك يَصدُق بفعلها في أيِّ وقتٍ كان من أوقاتها الخمْسة المَذكورة في الفقه: وقت الفَضِيْلة، والاختِيار، والجَواز، والكَراهة، والعُذْر بالتَّقديم في الجمْع.
* * *
١٧ - بابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ
(باب مَنْ أَدرَك ركْعةً من العَصْر)
٥٥٦ - حَدَّثنَا أَبُو نَعِيمٍ، قَالَ: حَدَّثنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ".
стр. 1356
الحديث الأَوَّل:
(سجدة)؛ أي: ركعةً برُكوعها وسُجودها، فأطلَق البعضَ على الكُلِّ.
فيه دليلٌ على أبي حنيفة في قوله: إذا طلَعت الشَّمسُ وهو في صلاة الصُّبح تبطُل؛ لأنَّه دخَل وقتُ النَّهي عن الصَّلاة بخلاف الغُروب، فالنَّصُّ مقدَّمٌ على القِياس، أما [ما] دونَ الرَّكعة، فلا يُدرك به الوقت؛ لأنَّ قَدْر الصَّلاة يُدرَك به اتفاقًا، وقَدْرُ الرَّكعة بالنَّصِّ فدُونَه لا دليلَ فيه كالتَّكبيرة وما يَقرُب منها، أو لا يكاد يُحَسُّ.
(فليتم)؛ أي: يُتمُّها أداءً كما هو الصَّحيح من الأَوجُه في المَسألة، ثالثها تلك الرَّكعة أداءٌ وما بعدها قَضاءٌ، وفائدة الخلاف: في مسافرٍ نَوى القَصْر وصلَّى ركعةً في الوَقْت، فإنْ قُلنا: الجميعُ أداءٌ فله قَصْرها، أو قضاءٌ أو بعضُها وجَبَ إتمامُها بناءً على أنَّ فائتة السَّفَر تَتِمُّ في القَضاء.
قلتُ: لكن الأَصحُّ جوازُها قصْرًا، أمَّا دُون الرَّكعة فالكلُّ قضاءٌ عند الجمهور.
* * *
٥٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ
стр. 1357
صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيراطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا! أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيراطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟ قَالَ: قَالَ اللهُ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ".
(بقاؤكم فيما سلف) ليس المُراد في الزَّمنِ السَّالِف؛ لأنَّه محالٌ، إنَّما المراد في جُملة من سلَف، أي: في نِسْبتكم إليهم كنِسْبة وقْت العصْر إلى تَمام النَّهار.
(إلى غروب) كان القياس: (ومِنْ)، لكنْ فيه حذْفٌ، أي: من أَجزاء وقت صلاة العصر المُنتهية إلى غُروب.
(عجزوا)؛ أي: انقطَعوا، وماتوا.
(قيراطًا) أصلُه: نِصْفُ دانقٍ، والمُراد به هنا النَّصيب، وسبَق أنَّ أصلَه قِرَّاط بالتشديد؛ بدليل جمعه على قَرارِيْط، وسبَق البحث فيه في (باب اتباع الجنائز من الإيمان)، وكرَّر قيراطًا؛ لأجل القسمة على متعدِّد.
(أي) من حُروف النِّداء، أي: يا.
(أكثر عملًا) هو في اليهود ظاهرٌ، وفي النَّصارى كذلك إذا قُلنا:
стр. 1358
أوَّل وقْتِ العصْر مصيرُ ظِلِّ الشَّيء مثلَيه كما يقوله الحنفيَّة، أمَّا من يقول: يدخل بمصير ظِلِّ الشَّيء مثلَه كالشَّافعية، فمُشكِلٌ، فلذلك جعلَه الحنفية من أدلة مذهبهم، وجوابُه: مَنْعُ أن لا يكون من الزَّوال، ومصير الظِّل مثلَه أكثر مما بينه وبين الغُروب، ولئنْ سُلِّم، فمجموعُ عمل الفَريقين أكثرُ، وإنْ لم يكُ عمل أحدهما أكثرُ، وأنَّه لا يَلزم من أنَّهم أكثر عملًا أنَّ زمان عملهم أكثر؛ لجواز أن يكون عملٌ أكثرُ في زمانٍ أقلَّ، وسيأتي في آخِر الصَّحيح في (كتاب السُّنَّة): أنَّ أهل التَّوارة قالوا ذلك، لكنْ قال ابن الجَوْزِي: بين عيسى ومحمَّد ﷺ ستُّ مئةٍ، وهذه الأُمة قاربتْ ستَّ مئةٍ، فكيف يكون زمانُها أقلَّ؟ قال: وجوابه: أنَّ عملَها أسهَل، وأَعمارُ المُكلَّفين أقصَر، والسَّاعة إليهم أَقْرب، فجاز أَنْ يكون زمانُ عمَلهم أقصَر، انتهى.
أما باعتبار قَول هؤلاءِ في ذلك، فإنَّما هو لتَقرير الله لهم لا أنَّ قولَهم حُجَّةٌ.
(ظَلَمْتُكم)؛ أي: نَقَصْتُكم، فإنَّ الظُّلم تارةً بالزِّيادة، وتارةً بالنَّقص.
(فهو فضلي)؛ أي: كلُّ ما أعطيتُه من الثَّواب؛ فلا عُلْقة للمُعتزلة في قولهم: ثَوابُ قَدر العمَل مُستحَقٌّ، والزَّائد هو الفضل.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة من قوله: (إِلَى غُرُوبِ)، فدل أنَّ الغُروب آخِرُ الوقْت، وأن العمل قَبلَه معتبرٌ في الإدراك، ويحتمل أنَّهم
стр. 1359
لمَّا عملوا أقلَّ من عملهم وأُثيبوا بقَدْر ما أخَذ أولئك وأكثَرَ كان تَنبيهًا على أنَّ حُكم البعض في الإدراك حكمُ الكلِّ فيه.
* * *
٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاستَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فَاستَأْجَرَ قَوْمًا فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ".
الحديث الثَّاني:
(أبو كُريب) محمَّد بن العلاء.
(أبو أُسامة) حَمَّاد.
(كمثل رجل) إنَّما لم يقُل: أقوامٍ، لأَنَّ المُراد تشبيهُ مركَّبٍ بمركَّبٍ، لا مفردٍ بمفردٍ، حتَّى تدخل الكاف على المُشبَّه.
(لا حاجة)؛ أي: فنَتركُ العملَ، فالمُراد اللَّازم لنَفي الحاجة.
(حين) منصوبٌ خبرُ (كان)، أي: كان الزَّمان زمان الصَّلاة، أو
стр. 1360
مرفوعٌ على أنَّ (كان) تامَّةٌ.
(الفريقين)؛ أي: الأَوَّلين، واعلم أنَّ في الحديث السَّابق أنهم أخذوا قيراطًا قيراطًا، وهذا فيه أنَّهم لم يأْخُذوا شيئًا، فيُجمع بينهما: بأنَّ ذاك فيمَن ماتُوا قَبل النَّسْخ، وهذا فيمن حرَّف، أو كفَر بالنبيِّ الذي بعدَ نبيِّه.
قال (خ): دلَّ فَحْوَى وجوه الحديث المُختلفة أنَّ المَشرُوط لكلٍّ من الفَريقَين قِيْراطان، فلو أتَمُّوا العملَ إلى آخر النَّهار استحقُّوهما، فلمَّا اعتزلوا عن العمل لم يُصيبوا إلا ما خصَّ كلًّا من ذلك وهو قِيْراطٌ، والمُسلمون استَوفَوا العمل فاستحقُّوا، فحسَدَهم الفريقان، وفي طريق أبي موسى زيادةُ بيانٍ بقولهم: (لا حَاجَةَ)، إشارةٌ إلى تَحريفهم وتَبديلهم، فحُرِموا لجنايتهم على أنفسهم بامتناعهم من تَمام العمل.
* * *
١٨ - بابُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
(باب وقْتِ المَغرِب)
٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ
стр. 1361
خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُناَ وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
الحديث الأَوَّل:
(الوليد)؛ أي: ابن مُسلم، عالم الشَّام.
(أبو النجاشي) بفتح النُّون، وخِفَّة الجيم: عطاء بن صُهَيب، بضَمِّ الصَّاد المُهمَلة.
(ليبصر) بضَمِّ الياء (نبلَه) هي السِّهام العرَبية، مؤنَّثٌ لا واحدَ لها من لفظها، أي: يُبكِّر بالمغرب أوَّلَ الوقت حيث إذا رمَى نبْلًا أبصرَ موضع نبَلِه؛ لبقاء الضوء.
وأما الأحاديث الدَّالة على تأخيرها إلى قُرب سُقوط الشَّفَق، فلبيان الجواز.
* * *
٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَدِمَ الْحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا، أَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.
стр. 1362
الحديث الثَّاني:
(سعد)؛ أي: ابن إبراهيم.
(الحُجاج) بضَمِّ الحاء جمع حاجٍّ، وفي بعضها بالفتح، أي: ابن يوسف الثَّقَفي والي العراق، وهذا أصحُّ، فهو كذا في "مسلم".
(بالهاجرة)؛ أي: وقت شدَّة الحَرِّ، يَهجُر فيها النَّاس تصرُّفهم ويَقِيْلون.
(نقية)؛ أي: صافيةٌ بلا تغيُّر.
(وجبت)؛ أي: غابتْ، وأصل الوجوب السُّقوط.
(أبطأوا) بوَزْن أحسَنُوا، والجملتان الشَّرطيَّتان في محلِّ نصبٍ حالٌ من الفاعل، أي: مُعجِّلًا ومُؤخِّرًا، ويحتمل من المفعول، ورابطُه محذوفٌ، أي: عجَّلها وأخَّرها.
(أو كان) الشكُّ من الرَّاوي عن جابر، والمُراد بهما واحدٌ؛ لأنَّهم كانوا يصلُّون معه، فإما يعود الضَّمير للكلِّ، أو له ﷺ ، وهم تَبَعٌ له، والمُراد: أنَّ شأْنَه التَّعجيل فيها أبدًا كالعشاء.
قال (ط): معناه كانوا مُجتمِعين أو لا كأنْ يُصلِّيها ﷺ بغَلَسٍ، ففيه حذْفُ خبر (كانوا)، وحَذْف الجملة التي بعدها، أي: أو لم يَكونُوا مُجتمِعين.
قال الحافظ رَشيد الدِّين العَطَّار: في "مسلم": كانُوا، أو قال: كان النبيُّ ﷺ يُصلِّيها بغَلَس، فظاهرٌ أنَّ الشَّكَّ من الرَّاوي، فإنْ كان
стр. 1363
كذلك فيقدَّر غير ما ذكره (ط).
* * *
٥٦١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ.
الحديث الثَّالث:
(حدثنا المكي) هو رابعُ ثلاثيَّات البُخاري.
(توارت)؛ أي: الشَّمس، ولفظُ: المغرب يدلُّ عليها.
* * *
٥٦٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ سَبْعًا جَمِيعًا، وَثَمَانِيًا جَمِيعًا.
الرابع:
(سبعًا)؛ أي: سبعَ ركَعاتٍ، والمُراد الجمع بين الظُّهرين وبين المَغربَين، وينبغي حملُه على جمع التَّأخير ليدلَّ على التَّرجَمة، وسبَق مباحث الحديث في (باب تأخير الظُّهر).
* * *
стр. 1364
١٩ - بابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ: الْعِشَاءُ
(باب مَنْ كَرِه أنْ يُقال للمَغرب العِشَاء)
٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ -هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو-، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ الْمُزَنِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ". قَالَ: الأَعْرَابُ وَتَقُولُ: هِيَ الْعِشَاءُ.
(الأعراب) سكَّان البَوادي، أما العرَب فجيلٌ من النَّاس.
(العشاء) بكسر العين والمَدِّ: من المَغرب للعتَمة، وقيل: من الزَّوال إلى طُلوع الفجر، قاله الجَوْهَري، أي: كانت الأَعراب يُطلقونها ويُريدون المَغرب، فيَشتَبِهُ ذلك على غيرهم من المسلمين، والنَّهي في الظَّاهر لهم، وفي الحقيقة للعُموم؛ لأَنَّ الأعراب لم يَتبعوا القرآنَ في تسميتِها العشاء، ولا السُّنَّة في تسميتها المَغرب.
* * *
٢٠ - باب ذِكْرِ العِشَاءِ والعَتَمةِ
قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أثقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ
стр. 1365
الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ"، وَقَالَ: "لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالاِخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ: الْعِشَاءُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾.
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كنَّا نتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَأَعْتَمَ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِشَاءَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَتَمَةِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْعِشَاءَ.
وَقالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ.
وَقَالَ أَنسٌ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو أَيُّوبَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.
(باب ذِكر العِشاء والعَتَمَة)
بفتح المُهمَلة والمُثنَّاة فوقُ: هي بعد غَيْبة الشَّفَق، والعَتَم: الإبطاء.
(واسعًا)؛ أي: وأَنَّ إطلاق العَتَمَة والعِشاء جائزٌ.
(أثقل) لأنَّه وقت راحة البدَن.
(وقال)؛ أي: النبيُّ ﷺ ، أو أبو هريرة، عنه.
(لو) جوابُها محذوفٌ، أي: لأَتوهما ولَو حَبْوًا، كما في "مسلم"،
стр. 1366
وتعليق البُخاري عن أبي هريرة هو حديثان، وصَلَ الأَوَّل منهما في (باب فضْل العشاء جماعةً)، والثَّاني في (الأذان).
(والاختيار) اقتبسَه البُخاريُّ من قوله ﷺ : (لا تغلبنَّكم الأَعرابُ) الحديثَ، أو من قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
(ويذكر عن أبي موسى) وصلَه بعدُ في (باب فضل العشاء)، وإنَّما ذكَره بالتَّمريض؛ لأنَّه ساقَه بالمعنى.
قال (ش): وهذا أحدُ ما يُرَدُّ به على ابن الصَّلاح في قوله: إنَّ تَعليقَه بصيغة التَّمريض غيرُ صحيحٍ.
قلت: إنَّما قال: لا يدلُّ على الصِّحَّة، ولم يَقُل: إنَّها تدلُّ على الضَّعف، وبينهما فَرْقٌ.
(فأعتم)؛ أي: أخَّر حتَّى اشتدَّتْ عتَمة اللَّيل، وهي ظُلْمتُه.
(وقال ابن عبَّاس) وصلَه في (باب النَّوم قبلَ العِشاء).
(وعائشة) وصلَه في (باب فضل العشاء) عن عَقِيْل، عن الزُّهري، عن عروة، عنها.
(وقال بعضهم: عن عائشة) وصلَها هناك من طريق صالح بن كَيْسَان، عن الزُّهري.
(وقال جابر) وصلَه في (باب وقت العِشاء).
(وقال أبو برزة) سبَق وَصْلُه في (باب: وقت الظُّهر).
(وقال أنس) وصلَه في (باب وقت العِشاء إلى نِصْف اللَّيل).
стр. 1367
(وقال ابن عمر، وأبو أيوب) وصلَهما في (الحجِّ).
(وابن عبَّاس) وصلَه في (باب تقصير الصَّلاة)، وغرَضُه من ذلك كلِّه إطلاقُ العَتَمَة والعِشاء.
* * *
٥٦٤ - حَدَّثَنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءَ -وَهْيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ- ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ".
(أرأيتكم)؛ أي: أَخبِرُوني، وسبق بيان الحديث في (باب السَّمَر في العِلْم).
(منها)؛ أي: من اللَّيلة.
(لا يبقى) هو خبرُ (إِنَّ)، والتَّقدير: لا يبقى عنده، أو فيه.
* * *
٢١ - بابُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا
(باب وقْت العِشاء إذا اجتمَع النَّاسُ)
٥٦٥ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
стр. 1368
سَعْدِ بن إِبْراهيمَ، عَنْ مُحَّمَدٍ بنُ عَمرٍو -هُوَ ابنُ الحَسَنِ بنِ عَليٍّ-، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ عَنْ صلاةِ النبيِّ ﷺ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ.
سبَق في (باب وقت المَغرب) مَباحِث الحديث المَذكور هنا، وفيه نَدبيَّةُ انتِظار حُضور النَّاس للجماعة، وكراهيةُ طُول انتظارِهم إذا اجتمعوا: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
قال التَّيْمي: كان تَعجيلُه بعد غَيْبة الشَّفَق -أي: الحُمرة- عند الشَّافعي، والبَياض بعدَها عند الحنَفي.
* * *
٢٢ - بابُ فَضْلِ الْعِشَاءِ
(باب فَضْل العِشاء)
٥٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: ناَمَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ".
стр. 1369
الحديث الأَوَّل:
(ينتظرها)؛ أي: الصَّلاة في هذه السَّاعة، إما لأنَّه لا يُصلَّى حينئذٍ إلا بالمدينة، أو أنَّ سائر الأَقوام ليس في دينهم صلاةٌ في هذا الوقت.
(غيركم) بالرَّفعْ صفةٌ لـ (أحد)، وإنْ كان نكرةً؛ لأنَّ غير لا تَتَعرَّف بالإضافةِ لمعرفةٍ؛ لتَوَغُّلها في الإبهام إلا إن أُضيفتْ لما اشتُهر بالمُغايرة، أو بدلٌ منه، ويجوز النَّصْب على الاستثناء.
* * *
٥٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَناَ وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي في السَّفِينَةِ نُزُولًا في بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءَ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﵇ - أَناَ وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ في بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ"، أَوْ قَالَ: "مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ"، لَا يَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ؟، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
стр. 1370
الثَّاني:
(نزولًا) جمعُ نازِل، كشُهود وشاهد.
(البقيع) بفتح المُوحَّدة وكسر القاف، قال الجَوْهَري: موضعٌ فيه أُرومُ الشَّجَر من ضُروب شتَّى.
(بطحان) بضَمِّ المُوحَّدة، وسُكون المُهمَلة: وادٍ بالمدينة لا يَنصرِف، قال (ع): هذه رواية المُحدِّثين، وأهلُ اللُّغة بفتح المُوحَّدة، وكسر الطَّاء.
(نفر)؛ أي: عِدَّةٌ رجالٍ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ.
(ابهار) بسكون المُوحَّدة، وشدَّة الرَّاء: انتَصَفَ، والمَصدر إبْهرارٌ، وقيل: ذهَب بمعظمه، وبُهرة الليل -بالضَّمِّ-: وسَطُه.
قال أبو سعيد الضَّرِير: قد يَبهَارُّ قبل أن يَنتصفَ، أي: تطلُع نجومُه، فإنَّه إذا أقبلَ أقبلَت، فإذا اشتَبكتْ ذهَب العَتَمَةُ، والباهِرُ المُمتلئ نُورًا.
(رسلكم) بفتح الرَّاء وكسرها، أي: هِيْنَتِكم، أي: التَّأَنِّي.
(أبشروا) يُقال: مِن أبشَرَ الرُّباعي، ومِن بَشَر، والهمزة قَطعٌ على الأَوَّل، وصلٌ على الثَّاني.
(أن من) بفتح الهمزة، وكسرها.
(أنَّه) بفتح الهمزة؛ لأنَّه اسم (إنَّ)، والجارُّ والمجرور خبرُها، قُدِّم للاختصاص.
следующие страницы →