Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
وتعليق البُخاري عن أبي هريرة هو حديثان، وصَلَ الأَوَّل منهما في (باب فضْل العشاء جماعةً)، والثَّاني في (الأذان).
(والاختيار) اقتبسَه البُخاريُّ من قوله ﷺ : (لا تغلبنَّكم الأَعرابُ) الحديثَ، أو من قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
(ويذكر عن أبي موسى) وصلَه بعدُ في (باب فضل العشاء)، وإنَّما ذكَره بالتَّمريض؛ لأنَّه ساقَه بالمعنى.
قال (ش): وهذا أحدُ ما يُرَدُّ به على ابن الصَّلاح في قوله: إنَّ تَعليقَه بصيغة التَّمريض غيرُ صحيحٍ.
قلت: إنَّما قال: لا يدلُّ على الصِّحَّة، ولم يَقُل: إنَّها تدلُّ على الضَّعف، وبينهما فَرْقٌ.
(فأعتم)؛ أي: أخَّر حتَّى اشتدَّتْ عتَمة اللَّيل، وهي ظُلْمتُه.
(وقال ابن عبَّاس) وصلَه في (باب النَّوم قبلَ العِشاء).
(وعائشة) وصلَه في (باب فضل العشاء) عن عَقِيْل، عن الزُّهري، عن عروة، عنها.
(وقال بعضهم: عن عائشة) وصلَها هناك من طريق صالح بن كَيْسَان، عن الزُّهري.
(وقال جابر) وصلَه في (باب وقت العِشاء).
(وقال أبو برزة) سبَق وَصْلُه في (باب: وقت الظُّهر).
(وقال أنس) وصلَه في (باب وقت العِشاء إلى نِصْف اللَّيل).
стр. 1367
(وقال ابن عمر، وأبو أيوب) وصلَهما في (الحجِّ).
(وابن عبَّاس) وصلَه في (باب تقصير الصَّلاة)، وغرَضُه من ذلك كلِّه إطلاقُ العَتَمَة والعِشاء.
* * *
٥٦٤ - حَدَّثَنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءَ -وَهْيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ- ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ".
(أرأيتكم)؛ أي: أَخبِرُوني، وسبق بيان الحديث في (باب السَّمَر في العِلْم).
(منها)؛ أي: من اللَّيلة.
(لا يبقى) هو خبرُ (إِنَّ)، والتَّقدير: لا يبقى عنده، أو فيه.
* * *
٢١ - بابُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا
(باب وقْت العِشاء إذا اجتمَع النَّاسُ)
٥٦٥ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
стр. 1368
سَعْدِ بن إِبْراهيمَ، عَنْ مُحَّمَدٍ بنُ عَمرٍو -هُوَ ابنُ الحَسَنِ بنِ عَليٍّ-، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ عَنْ صلاةِ النبيِّ ﷺ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ.
سبَق في (باب وقت المَغرب) مَباحِث الحديث المَذكور هنا، وفيه نَدبيَّةُ انتِظار حُضور النَّاس للجماعة، وكراهيةُ طُول انتظارِهم إذا اجتمعوا: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
قال التَّيْمي: كان تَعجيلُه بعد غَيْبة الشَّفَق -أي: الحُمرة- عند الشَّافعي، والبَياض بعدَها عند الحنَفي.
* * *
٢٢ - بابُ فَضْلِ الْعِشَاءِ
(باب فَضْل العِشاء)
٥٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: ناَمَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ".
стр. 1369
الحديث الأَوَّل:
(ينتظرها)؛ أي: الصَّلاة في هذه السَّاعة، إما لأنَّه لا يُصلَّى حينئذٍ إلا بالمدينة، أو أنَّ سائر الأَقوام ليس في دينهم صلاةٌ في هذا الوقت.
(غيركم) بالرَّفعْ صفةٌ لـ (أحد)، وإنْ كان نكرةً؛ لأنَّ غير لا تَتَعرَّف بالإضافةِ لمعرفةٍ؛ لتَوَغُّلها في الإبهام إلا إن أُضيفتْ لما اشتُهر بالمُغايرة، أو بدلٌ منه، ويجوز النَّصْب على الاستثناء.
* * *
٥٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَناَ وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي في السَّفِينَةِ نُزُولًا في بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءَ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﵇ - أَناَ وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ في بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ"، أَوْ قَالَ: "مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ"، لَا يَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ؟، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
стр. 1370
الثَّاني:
(نزولًا) جمعُ نازِل، كشُهود وشاهد.
(البقيع) بفتح المُوحَّدة وكسر القاف، قال الجَوْهَري: موضعٌ فيه أُرومُ الشَّجَر من ضُروب شتَّى.
(بطحان) بضَمِّ المُوحَّدة، وسُكون المُهمَلة: وادٍ بالمدينة لا يَنصرِف، قال (ع): هذه رواية المُحدِّثين، وأهلُ اللُّغة بفتح المُوحَّدة، وكسر الطَّاء.
(نفر)؛ أي: عِدَّةٌ رجالٍ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ.
(ابهار) بسكون المُوحَّدة، وشدَّة الرَّاء: انتَصَفَ، والمَصدر إبْهرارٌ، وقيل: ذهَب بمعظمه، وبُهرة الليل -بالضَّمِّ-: وسَطُه.
قال أبو سعيد الضَّرِير: قد يَبهَارُّ قبل أن يَنتصفَ، أي: تطلُع نجومُه، فإنَّه إذا أقبلَ أقبلَت، فإذا اشتَبكتْ ذهَب العَتَمَةُ، والباهِرُ المُمتلئ نُورًا.
(رسلكم) بفتح الرَّاء وكسرها، أي: هِيْنَتِكم، أي: التَّأَنِّي.
(أبشروا) يُقال: مِن أبشَرَ الرُّباعي، ومِن بَشَر، والهمزة قَطعٌ على الأَوَّل، وصلٌ على الثَّاني.
(أن من) بفتح الهمزة، وكسرها.
(أنَّه) بفتح الهمزة؛ لأنَّه اسم (إنَّ)، والجارُّ والمجرور خبرُها، قُدِّم للاختصاص.
стр. 1371
(فَرْحى) إما جمعُ فَرِيْح على غير قياسٍ، وإما مُؤنَّثُ أَفْرَح، وُصِفَ به جماعة المُخاطبين كما تقول الرجال: فَعَلَتْ، وفي بعضها: (فَرَحًا) بفتح الرَّاء، مصدرٌ وُصِفَ به، وفي بعضها: (فَرِحْنَا)، وسبب الفَرَح خُصوصيَّتُهم بهذه العبادة التي هي نعمةٌ عظيمةٌ.
وفي الحديث: جواز الحديث بعد العِشاء، وإباحةُ تأخير العشاء إذا عَلِمَ بالقَوم قوَّةَ الانتظار؛ لأنَّ المُنتظِر للصَّلاة كالذي في صلاةٍ، وأما إلى النِّصْف، فقيل: منَعه شُغلٌ، ولم يكن ذلك عادةً له.
* * *
٢٣ - بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ
(باب ما يُكره من النَّوم قَبلَ العِشاء)
٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِي، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءَ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا.
(محمَّد) قال الغَسَّاني: قال ابن السَّكَن: هو ابن سلام.
(قبل العشاء)؛ أي: قَبْل صلاتِها؛ لأنَّه يُعرِّضُها للفَوات باستِغراق النَّوم، أو لتَفويت الجماعة تَكاسُلًا.
(والحديث بعدها)؛ أي: فيما لا مصلحةَ فيه في الدِّين كعِلْم،
стр. 1372
وحكايات الصَّالحين، ومُؤانسة الضَّيف، والعَرُوس، والأمر بالمَعروف، وإنَّما كُرِه في غير ذلك خَوفَ السَّهرِ، وغلبةِ النَّوم بعده، فيفوتُ قيام اللَّيل، أو الذِّكرُ فيه، أو عن الصُّبح، أو الكسَل عن العمل بالنَّهار في مصالح الدُّنْيا، وحُقوق الدِّين.
* * *
٢٤ - بابُ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ
(باب النَّوم قَبْل العِشاء لمَن غُلِبَ) بالبناء للمَفعول.
٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ صَالِحُ بْنُ كيْسَانَ: أَخْبَرَني ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْعِشَاءَ حَتَّى ناَدَاهُ عُمَرُ: الصَّلَاةَ، ناَمَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ: "مَا يَنتظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ"، قَالَ: وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ.
الحديث الأَوَّل:
(الصَّلاة) نُصِبَ على الإغراء.
(نام) من بقيَّة كلام عمر.
(قال)؛ أي: الرَّاوي، وإلا فالضَّمير لعائشةَ، فكيف يذكر؟!
стр. 1373
(ولا يُصلى) مبنيٌّ للمفعول، أي: ما بلَغ الإِسلامُ بعدُ إلى سائر البلاد.
(الشفق): الحُمرة عندنا كما هو في اللُّغة، وعند الحنفيَّة: البَيَاض.
(إلى ثلث) فيه حذْف لأَجْلِ (بين) كما سبَق.
وفي الحديث تَذكيرُ الإِمام، وفيه اعتذارُه لهم عند تأخيره، أو نحوِ ذلك مما يشقُّ عليهم.
* * *
٥٧٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرني نَافِعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْناَ في الْمَسْجدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْناَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غيْرُكُمْ".
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أخَّرَهَا إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا.
قَالَ ابْنُ جُرَيْحٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ.
الثَّاني:
(محمود) بن غيلان بالمُعجَمَة.
(شُغِلَ) مبنيٌّ للمفعول.
стр. 1374
(عنها)؛ أي: عن العِشاء.
(لعطاء) الظَّاهر أنَّه ابن يَسَار، ويحتمل ابن أبي رَبَاح.
(ماء) تَمييزٌ مُحوَّلٌ من الفاعل، أي: ماءُ رأسِه.
* * *
٥٧١ - وقَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالِعشاء حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ واسْتَيْقَظُوا ورَقَدُوا واسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: الصَّلَاةَ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نبَيُّ اللهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا"، فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءٌ: كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ؟ فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ ثُمَّ ضَمَّهَا، يُمِرُّهَا كَذَلِكَ، عَلَى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ، وَناَحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطُشُ إِلَّا كَذَلِكَ، وَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا".
(فاستثبت) بلفظ المُتَكلِّم.
(أنبأه)؛ أي: أخبَره.
(فبدد)؛ أي: فَرَّقَ.
(قرن)؛ أي: جانِب.
стр. 1375
(ثم ضمها) رواه مسلم: (صَبَّها)، بالصَّاد المُهمَلة، والباء الموحَّدة، قال (ع): وهو الصَّواب؛ فإنَّه يصف عَصْر الماءِ من الشَّعْر باليَدِ.
(يعصر)؛ أي: النبيُّ ﷺ ، وفي بعضها: (يَقصِرُ) بالقاف، وهي رواية مسلم، أي: عن فِعْله ذلك من إِجراءِ أَصابعه عليه مُتمهِّلًا دون بَطْشٍ.
(لأمرتهم) قال (ك): فيه دليلٌ لقول الأصوليين: الأَمْر للإيجاب.
قلت: الخلاف في صِيغتِه، وأما لفْظُ الأمر فينطلِق على النَّدب على الأصحِّ، فالمَنفيُّ هنا أمرُ الإيجاب.
(هكذا)؛ أي: في هذا الوقْت، أو بعدَ الغُسل.
واعلم أنَّ النوم هنا محمولٌ على نَوم القاعِد؛ إذْ لم يَذكُر أحدٌ من الرُّواة أنَّهم توضَّؤوا منه، ولفظُ (استَيقظوا) في العُرف للأعمِّ من النَّوم، ومن السِّنَةِ، والغَفْلةِ، ففيه دليلٌ على المُزَنِيِّ في قوله: إنَّ قليلَ النَّوم وكثيرَه يَنقُض؛ لأنَّه محالٌ أن يعلَم الصَّحابة أنَّ النَّوم حدَثٌ، ويُصلُّون بعده.
* * *
٢٥ - بابُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ
وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا.
стр. 1376
(باب وقْت العِشَاء) التَّعليق عن أبي بَرْزَة سبَق أنَّه وصلَه.
* * *
٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيم الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: "قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَناَمُوا، أَمَا إِنَّكُمْ في صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا".
وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَناَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ.
قوله: (عبد الرحيم) كذا في بعض الرِّوايات، وفي رواية أبي ذَرٍّ: (ثنا عبد الرَّحيمِ).
(النَّاس) اللام فيه للعَهْد.
(أما) بالتَّخفيف، تَنبيهٌ.
(إنكم) بكسر الهمزة.
(ما انتظرتموها)؛ أي: مدَّةَ انتظاركم.
(وزاد ابن أبي مريم)؛ أي: سَعيد، هو موصولٌ في حديث المُخَلِّص.
(وبيص) بفتح الواو، وكسر المُوحَّدة، وآخره مُهمَلة: البَرِيْق واللَّمَعان.
(خاتم) فيه لُغاتٌ: كسر التَّاء، وفتحها، وخاتَام، وخَيْتام.
стр. 1377
قلت: وخِتام وخَتم، سبَق مرَّاتٍ.
(ليلتئذٍ)؛ أي: ليلة إذ أَخرَ الصَّلاة، فالتَّنوين عوضٌ عن المُضاف إليه.
وظاهر إيراد البُخاري أنَّ وقْت العِشاء يَخرُج بالنِّصْف، فهو نظيرُ قَول الإصْطَخري من أصحابنا: يَخرُج بالثُّلُث، وأما الجمهور فعلى أنَّ هذا وقْتُ الاختيار، وأما الجَواز فإلى الفَجْر كحديث أبي قَتَادة: "لَيْسَ في النَّومِ تَفريطٌ، إنمَّا التَّفريطُ على مَنْ لم يُصَلِّ حتَّى يَجيءَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى"، أخرجه مسلم، وسبَق الخِلاف في أنَّ وقْت الاختيار يخرج بالثُّلُث، أو النِّصْف؛ فإنَّ المُختار عند (ن) في "شرح مسلم": النِّصف، قال: وقال ابن سُرَيج: لا اختِلاف بين روايتَي الثُّلُث والنِّصف؛ إذ المراد بالثُّلُث أنَّه أوَّل ابتدائه، والنِّصف آخرُ انتهائه، أي: شَرعَ من الثُّلُث وامتَدَّ إلى قُرب النِّصف، وحديث أبي قَتَادة مستمرٌّ على عُمومه في الصَّلوات إلا الصُّبح؛ فإنَّ وقْتَها يخرج بطُلوع الشَّمس لمَفهوم حديث: "مَنْ أَدرَكَ ركْعةً من الصُّبْح قَبلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمْسُ فقَدْ أَدْرَكَ الصُّبحَ"، وأما المَغرِب فالأصحُّ امتدادُها إلى وقْت العشاء، انتهى.
قال التَّيْمي: قال مالك، والشَّافعي: آخِرُ وقت العشاء الثُّلُث، وأبو حنيفة: النِّصف، والنَّخَعِي: الرُّبُع.
قلتُ: فإنْ أرادَ في أحد قولَي الشَّافعي الاختِيار فمُسلَّمٌ.
* * *
стр. 1378
٢٦ - بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ
(باب فضْلِ صَلاةِ الفَجْر) في بعضها: (باب صَلاةِ الفَجْرِ)، أي: فأورد فيها، وفي فَضْلها.
٥٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ: قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ -أَوْ لَا تُضَاهُونَ- في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا"، ثُمَّ قَالَ: "فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا".
الأَوَّل:
سبَق فيه مباحث في (باب فضل صلاة العَصْر).
(تضُاهون) بضَمِّ الهاء من المُضاهاة، وهي المُشابَهة، أي: لا تَشتبِهُ عليكم، ولا تَرتابُون.
(فسبح) في بعضها: (قَرَأَ فسَبِّحْ)، ولفظ القُرآن: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [ق: ٣٩]، بالواو.
* * *
٥٧٤ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنِي أَبُو
стр. 1379
جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، وَقَالَ ابْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا.
٥٧٤ / -م - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ حَبَّانَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَهُ.
الثَّاني:
(البَرْدين) بفتح المُوحَّدة، وسكون الرَّاء: صلاةُ الفَجْر والعَصْر؛ لأنَّهما في بَرْدَي النَّهار، وهو طَرَفاه حين يَطيب الهواء، وتَذهب سَورة الحَرِّ.
(دخل الجنة) مفهومُه: مَن لم يُصلِّهما لا يَدخلُ، فيُحمل على المُستَحِلِّ، أو المُراد: يدخل الجنَّة ابتداءً من غير أن يكون دخل النَّار قبلَها؛ إذ المُداوم بالإخلاص لا يقَعُ منه فِسْقٌ غالبًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، نعَمْ، الصَّلواتُ كلُّها وإن كانت كذلك، لكنْ ذِكْر هاتَين لزيادة شَرفهما، وتَرغيبًا لحفظهما، وسبَق السِّرُّ في ذلك، فأتَى بـ (دَخَل)، دون (يَدخُل)؛ لأنَّ متحقِّقَ الوُقوع كالواقع، مثل: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٤٤]، أو لأنَّ (مَنْ) مُضمَّنةٌ معنى الشَّرط، فتَجعَلُ الماضي مستقبَلًا.
(بهذا)، أي: بالحديث وبقيَّة الإسناد حتَّى لا يكون مُرسَلًا.
(إسحاق) قال الغَسَّاني في كتاب "التَّقييد": لعلَّه ابن منصور
стр. 1380
الكَوْسَج، وقال في موضعٍ آخر: قال ابن السَّكَن: كلُّ ما في البُخاري إسحاق غيرَ منسوبٍ هو ابن راهَوَيْهِ.
(حَبَّان) بفتح المُهمَلة، وشدة المُوحَّدة: هو ابن هِلال.
* * *
٢٧ - بابُ وَقْتِ الْفَجْرِ
(باب وقْتِ الفَجْر)
٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ؛ يَعْنِي آيَةً.
الحديث الأَوَّل:
(تسحروا)؛ أي: أكلُوا السَّحور.
(الصَّلاة)؛ أي: صلاةِ الصُّبح.
(كم بينهما)؛ أي: كم كان؟ بدليل الرِّواية التي بعدَها، ويَجوز حينئذٍ في (قَدْر) الرَّفْعُ والنَّصْب.
стр. 1381
٥٧٦ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، سَمعَ رَوْحًا، حَدَّثَنَا سَعيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نبِيَّ اللهِ ﷺ وَزيدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نبَيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى، قُلْنَا لأَنسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا في الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً.
الثَّاني:
(سحورهما) بفتح السِّين: ما يُتسحَّر به، وبالضَّمِّ نَفْسُ فِعْل التَّسحُّر، أي: الأكل.
(فصلَّيا) في بعضها: (فصَلِّي)، وفي بعضها: (فصَلَّيْنَا)، بلفظ التَّكلُّم، والفَرْق بين هذا الطَّريق والذي قبله: أنَّ الأَوَّل من مُسنَد زَيْد، والثَّاني من مُسنَد أنَس.
* * *
٥٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
الثَّالث:
(أبو حازم)؛ أي: سلَمة.
(سرعة) بالنَّصْب خبرُ (كان)، والاسم ضميرٌ يعود لمَا يدلُّ عليه لَفظُ السُّرعة، سرعةً حاصلةً بي لإدراك الصَّلاة، أي: أو تكون حالتي،
стр. 1382
أو صفتي، ونحو ذلك، أو النَّصْب على الاختصاص، وبالرَّفْع على أنَّ (كان) تامةٌ، و (بي) متعلِّقٌ بـ (سرَعة)، أو ناقصةٌ وخبرُها (بي)، و (أنْ أُدركَ)؛ أي: لأَنْ أُدرِكَ.
* * *
٥٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ.
الرابع:
(كن نساء) إما على لُغة أكَلُوني البَراغيث، أو النُّون ضميرٌ، (ونساءُ) بدلٌ منه، أو بَيانٌ، وإضافة نساء للمُؤمنات مُؤوَّلٌ بنساء الأَنفُس المُؤمنات، أو الجماعة المُؤمنات؛ لئلا يَلزم إضافةُ الشَّيء لنفسه، وقال ابن مالك: فيه شاهدٌ على إضافة المَوصوف للصِّفَة عند أَمْن اللَّبْس، فهو نظيرُ مَسْجِدُ الجامع، وقيل: نساءُ هنا بمعنى الفاضِلات، أي: فاضلات المُؤمنات، كما يُقال: رجالُ القَومِ، أي: فُضَلاؤُهم ومُقدَّموهم.
(صلاة الفجر) إما مفعولٌ به، أو مفعولٌ فيه؛ لأنَّه يصحُّ أن تكون مشهودةً، أو مشهودًا فيها.
стр. 1383
(متلفعات)؛ أي: مُلْتحِفَاتٍ، واللِّفاع: ما يُغطِّي الوجْهَ ويُلتحَف به.
(بمروطهن) جمع مِرْط بكسر الميم: كِسَاءٌ لا من صُوفٍ أو خَزٍّ يُؤتَزَر به.
(من الغلس)، (من) ابتدائيَّة، أي: لأجل، أي: ما يُعرف أنِساءٌ هُنَّ أم رجالٌ، ولا يُنافي هذا ما سبَق أنَّه ينفتِلُ عن صلاة الغَداة حين يَعرِفُ الرَّجل جليسَه؛ لأنَّ ذلك إخبارٌ عن رُؤية جليسِه، وهذا عن رُؤية النِّساء من بُعد.
وفي الحديث: نَدْب التَّبكير بالصُّبح، وهو قول الثَّلاثة، وقال أبو حنيفة: الإسفارُ أفضَلُ؛ لحديث رافِع: "أَسْفِرُوا بالفَجْرِ؛ فإِنَّهُ أَعظَمُ للأَجْرِ"، وأوَّله أحمد بأنَّ الإسفار أن يتَّضحَ الفَجْرُ ولا يُشكَّ في طُلوعه، أي: لا تُغلِّسوا شاكِّين حِرْصًا على فَضْل التَّغليس، ففي حديث ابن مَسعود: أيُّ الأَعمالِ أفضلُ؟ قال: "الصَّلاةُ لأَوَّلِ وَقْتِهَا".
وفيه: حضورُ النِّساء الجماعةَ في المَسجِد، أي: حيثُ لم يُخشَ فِتنةٌ عليهنَّ أو بهنَّ.
* * *
٢٨ - بابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً
(باب مَنْ أَدركَ من الفَجْر رَكْعةً)
٥٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ،
стр. 1384
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الأَعْرَجِ يُحَدِّثُونَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ".
(من الصُّبح)؛ أي: من وقْت الصُّبح قَدْرَ رَكعةٍ، أي: حتَّى لو أَدركَ ذلك الصبيُّ يَبلُغ، والحائضُ تَطهُرُ، والكافر يُسلِمُ لَزِمَتْهم تلك الصَّلاة، وأما بدُون ركعةٍ كتكبيرةٍ فما فوقَ فللشَّافعي قولان، أصحُّهما يَلزمُه أيضًا؛ لأنَّه أدرك جُزءًا، وحينئذٍ فالجواب عن الحديث أنَّه خرَجَ مَخرَج الغالِب، فإنَّ الغالب الإدراكُ بركعةٍ ونحوِها، فأما التَّكبيرة فلا تَكاد تُحَسُّ.
قلتُ: أو المعنى: مَن أَدركَ فِعْلَ ركعةٍ قَبْلَ خُروج الوقت فقد أدرَكَ تلك الصَّلاةَ أداءً لا أنَّها تكون قَضاءً.
قال (ن): فيه دلالةٌ على صحَّة صلاة مَن أدرك ركعةً من الوقت، ثم خرَج قبلَ سَلامهِ.
قال: وهذا مجمعٌ عليه في العصر، وأما الصُّبح فخالف أبو حنيفة، وقال: تَبطُل بطُلوع الشَّمس لدُخول وقت النَّهي عن الصَّلاة بخلاف غُروب الشَّمس.
قال: والحديث حُجَّةٌ عليه.
* * *
стр. 1385
٢٩ - بابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً
(باب مَنْ أَدرَك مِنَ الصَّلاةِ رَكْعةً)
قال (ك): الفَرْق بين هذه التَّرجَمة والتي قبلَها: أنَّ الأُولى فيمَن أدركَ من الوقْت، والثَّانية فيمن أدركَ من فِعْل الصَّلاة، أي: بناءً على ما سبَق من تقريره، وأما على ما قُلناه، فالأُولى لخُصوص الصُّبح والعصر لمَا يقعُ من فواتِهما غالبًا، والثَّاني للأعمِّ.
٥٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ".
(فقد أدرك الصَّلاة) ليس المُراد أنَّه فعلَها بتمامها؛ لأنَّه محالٌ، بل على حَذْف مضافٍ، أي: أدركَ حُكمَ الصَّلاة، أو نحوَه، فيُؤخذ منه: أن الكلَّ بذلك يكون أداءً، وقد سبَقت المَسألةُ والخلافُ فيها، وقال التَّيمي: المُراد: مَن أَدرَك مع الإِمام ركعةً فقد أَدركَ الجماعة، وقيل: المُدرِك لركعةٍ كمُدرِك جميعها، حتَّى لو أَدرك مسافرٌ ركْعةً لَزِمَه الإتمامُ.
قلتُ: إدراك فضل الجماعة يحصُل بدونِ ركْعةٍ ما لم يُسلِّم، وفِعْل بعضٍ في الحضَر يجب به الإتمام سَواءٌ الرَّكعةُ ودُونهَا، أما إدراك دُون الرَّكعة، فقال الشَّافعي، وأحمد: مَن أَدركَ ركعةً من الجمُعة
стр. 1386
أضافَ إليها أُخرى بخلاف ما دُونهَا، وقال أبو حنيفة: تُدرَك الجمعةُ مُطلقًا لقوله ﷺ : "فمَا أَدْرَكتُمْ فصَلُّوا، وما فَاتَكُمْ فاقْضُوا"، فيدخُل مَن فاتَه الرَّكعتان لا إتمامُها ظُهْرًا أربعًا، وحُجَّة الشَّافعي: أنَّه إذا لم يُدرك ركعةً فكأنَّه لم يُصَلِّ شيئًا، فيَجب عليه إتمام الظُّهر أربعًا، ولا يُنقَض عليه ذلك بقوله: إنَّ الجَماعة تُدرَك بجزءٍ وإنْ قَلَّ؛ لأنَّ ذاك إدراكُ فضيلةٍ وثوابٍ، وهذا إدراكُ حكمٍ واجبٍ في الحضَر وما شابَههما مما سبق.
* * *
٣٠ - بابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ
(باب الصَّلاة بعدَ الفَجْر)
٥٨١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْح حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.
٥٨١ / -م - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ناَسٌ بِهَذَا.
الحديث الأَوَّل:
(شهد)؛ أي: أَعلَم لكنَّه قصَد المُبالغة والتَّأكيد.
стр. 1387
(بعد الصُّبح)؛ أي: بعد صلاة الصُّبح.
(تشرق) بفتح التَّاء، وضَمِّ الرَّاء؛ لأَجل رواية: (حَتَّى تَطْلُعَ)؛ لأَنَّ شرَقَتْ بمعنى طلَعتْ، وبضَمِّ التَّاء، وكسْر الرَّاء؛ لأنَّ أشرقَتْ بمعنى: أَضاءَتْ، وانبسَطتْ.
* * *
٥٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا".
٥٨٣ - وَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ".
تَابَعَهُ عَبْدَةُ.
الثَّاني:
(تحروا) أصلُه بتاءَين، أي: تَقصِدوا، قيل: إنَّ قَومًا كانوا يَتحرَّون طُلوعَ الشَّمس وغروبَها، فيسجدون لها عبادةً من دون الله، فنَهى ﷺ أنْ يُتشبَّه بهم.
(قال: حدثني ابن عمر) الضَّمير في (قال) لعُروةَ، ففيه المُحافظة على لفظ: حدَّثني، وأَخبَرني بناءً على الفَرق، أو المُبالغة في التَّحفُّظ.
стр. 1388
(حاجب)؛ أي: طَرَف الشَّمس الذي يَبدو عند الطُّلوع ولا يَغيب عند الغُروب، وقيل: النَّيازِك التي تَبدو إذا حانَ طُلوعُها، وقال الجَوْهَري: حَواجِبُ الشَّمس: نَواحيها.
(تابعه عبدة)؛ أي: ابن أبي سُليمان، والضَّمير لـ (يحيى)، أي: تابعه عن هشام، وقد وصلَها البُخاريُّ في (باب صِفَة إبليس وجُنوده).
* * *
٥٨٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ صَلَاتَيْنِ؛ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنْ الاِحْتِبَاءَ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ.
الحديث الثَّالث:
(خُبَيب) بضَمِّ المُعجَمَة وفتح المُوحَّدة الأُولى.
(بيعتين ولبستين) بكسر أوَّلهما؛ لأنَّ المُراد الهيئة، وسبَق تفسيرهما في (باب ما يُستَر من العَورة).
(يفضي) من الإِفْضاء.
(فرجه) في بعضها: (بفَرْجِهِ)، أي: يَظهَر فَرجُه، فجمَع البُخاريُّ
стр. 1389
الأَوقاتَ المَكروهة ما يتعلَّق بـ (بَعْدَ)، وهو اثنان الصُّبح والعَصْر، وما يتعلَّق بنفْس الوَقْت، وهو الطُّلوع والغُروب، وجوَّزَ داود الصَّلاةَ في الأربعة كأنَّه حمل النَّهي على التَّنْزيه، وقال الشَّافعيُّ: لا تجوز الصَّلاة فيها إلا ما لَهُ سبَب، ومنعَ أبو حنيفة مُطلقًا إلا عَصْرَ يومه عند الاصفِرار، فتَحرُم عنده المَنذورة والنَّوافل مطلقًا، وقال مالك: تحرم فيها النَّوافل دون الفرائض، ووافقَه أحمد إلا أنَّه جوَّز ركعتَي الطَّواف، كذا قال البَيْضاوي.
وقال (ن): أجمعوا على كراهةِ صلاةٍ لا سبَبَ لها، وعلي جواز الفَرائض المُؤدَّاة فيها، وقال الشَّافعي: لا يُكره نَوافلُ لها سبب محتجًّا بصلاتهِ ﷺ بعد العَصْر سُنَّةَ الظُّهر التي فاتَتْه في قصَّة ناسٍ من عبد القَيْس أتَوه بالإسلام، فالسُّنَّة المحاضرة أَولى، والفَريضة المَقضيَّة أَولى.
* * *
٣١ - باب لَا يتحرى الصلَاةَ قَبْلَ غرُوبِ الشَّمْسِ
(باب: لا تُتَحَرَّى) بمُثنَّاةٍ فوقُ مضمومةٍ، (الصَّلاة) هو نائب فاعلٍ، في بعضها: (لا تتَحرَّوا).
٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِك، عَنْ ناَفع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يتحَرَّى أَحَدكمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ
стр. 1390
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا".
الحديث الأَوَّل:
(لا يتحرى) خبَرٌ عن الشَّرع كما قاله السُّهَيْلي.
(فيُصلِّي) بالنَّصْب جوابًا للنَّهي المتضمِّن لـ: (لا يَتحَرَّى)، نحو: (ما تأتِيْنَا فتُحدِّثُنا) في أنَّ النَّهي عن التَّحرِّي والصَّلاة كليهما، أي: لا يتحرَّى مصليًا، أو عن الصَّلاة فقط كما أنَّه واقع على التَّحديث فقط، أو بالرَّفْع على نفَيهما جميعًا كقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١] قال ابن خَرُوف: على القَطْع، قال: ويجوزُ وجهٌ ثالثٌ: وهو الجزْم، أي: لا تتَحرَّ ولا تُصَلِّ.
قال الطِّيْبي: (لا يتحرَّى) نفيٌ بمعنى النَّهي، و (يصلِّي) نُصِبَ لأنَّه جوابٌ، ويجوز أن يتعلَّق بالفعل المنهيِّ أيضًا، فالفعل المنهيُّ معلَّلٌ في الأَوَّل، والفعل المعلّل منهي في الثَّاني، والمعنى على الثَّاني: لا يتحرى أحدكم فعلًا يكون سببًا لوقوع الصَّلاة في زمان الكراهة، وعلي الأَوَّل كأنَّه قيل: لا يتحرى، وكأنَّه قيل: لِمَ ينهانا؟ فأُجيب: خيفة أن تصلوا أو أن الكراهة.
(لا عند غروبها) هذا معنى ما في التَّرجَمة قبل الغروب.
* * *
٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالح، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ
стр. 1391
الْجُنْدَعِيُّ: أَنَّهُ سَمعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْح حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ".
الحديث الثَّاني:
(الجُنْدَعي) بضَمِّ الجيم، وإسكان النُّون، وفتح المُهمَلة، وإهمال العَين، قال الغَسَّاني: ويُقال بضَمِّ الدَّال أيضًا.
ووجه مطابقته للتَّرجمة: أنَّ معنى (لا صلاةَ): لا صِحَّةَ للصَّلاة، فيلزمُ منه أن لا يَتحرَّاه المُكلَّف.
* * *
٥٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَر، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: إِنَّكمْ لتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نهَى عَنْهُمَا؛ يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
الثَّالث:
(محمَّد بن أبان) بفتح الهمزة، وخِفَّة الباء المُوحَّدة: هو أَبو بَكْر حَمْدَويهِ، وقيل: هو الواسِطيُّ.
(يُصلِّيهما)؛ أي: الرَّكعتَين، و (يُصلِّيها)؛ أي: تلك الصَّلاة.
* * *
стр. 1392
٥٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
(بعد الفجر)؛ أي: بعد صلاة الفَجْر.
(حتَّى تطلع)؛ أي: تَرتفعَ، فقد دلتْ أحاديث أُخَرُ على اعتبار الارتفاع في غاية الكَراهة.
* * *
٣٢ - بابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ إلا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ
رَوَاهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وأبو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ.
(باب مَنْ لم يَكْره الصَّلاةَ إلا بعد العَصْر)
(رواه عمر) وصله البُخاريُّ من طريق ابن عبَّاس، عنه.
(وابن عمر) وصلَه في الباب.
(وأبو سعيد) وصلَه في (الصَّلاة)، (والحجِّ).
(وأبو هريرة) وصلَه في الباب قبلَه.
* * *
стр. 1393
٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أيوب، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لَا أنهَى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نهارٍ مَا شَاءَ، غيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا.
(كما رأيت أصحابي)؛ أي: وأَقرَّهم النبيُّ ﷺ وأَراد إجماعَهم بعد وفاةِ النبي ﷺ ؛ لأنَّ الإجماعَ لا ينعقدُ في حياته؛ لأنَّ قولَه هو الحُجَّة.
(غير أن لا تتحروا)؛ أي: غيرَ هذا للنَّهي، وهذا دليلٌ على أنَّه لا بأْسَ بالصَّلاة عند الاستواء، وهو قول مالك، ومنعَه الشَّافعي إلا يومَ الجمُعة لمَا ثبتَ من كراهتِه ﷺ الصَّلاةَ نِصْفَ النَّهار إلا يومَ الجمُعة.
* * *
٣٣ - بابُ مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ مِنَ الْفَوَائِتِ وَنَحوِهَا
وَقَالَ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: صلَّى النَّبِيّ ﷺ بَعْدَ الْعَصْرِ ركعَتَيْنِ وَقَالَ: "شَغَلَنِي ناَس مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ".
(باب ما يُصلَّى بعدَ العَصْر من الفَوائت ونَحوِها)
(وقال كريب ...) إلى آخره، وصلَه البُخاري في (باب السَّهو).
стр. 1394
(بعد الظُّهر) الظَّرْف صفةٌ للرَّكعتين، أي: المَندوبتَين بعد الظُّهر، وهذا دليلُ الشَّافعي على نَفي كراهةِ ما لَه سبب.
* * *
٥٩٠ - حَدَّثَنَا أبو نعيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّهُ سَمعَ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكهُمَا حَتَّى لَقِيَ الله، وَمَا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا منْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا -تَعْنِي: الرَّكعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ-، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجدِ مَخَافَةَ أَنْ يثقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ.
الحديث الأَوَّل:
(أبي) بفتح الهمزة.
(والذي ذهب به)؛ أي: النبيُّ ﷺ ، أي: واللهِ الذي تَوفَّاه.
(أن يثقل) بضَمِّ القاف، أي: يُشدِّد، وفي بعضها بكسرها مشدَّدةً، وفي بعضها مُخَفَّفة.
* * *
٥٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي: قَالَتْ عَائِشَةُ: ابْنَ أُخْتي! مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ السَّجْدَتينِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ.
стр. 1395
الثَّاني:
(ابن أخي)؛ أي: يابن أَخِي، فحذفَ حرفَ النِّداء.
(السجدتين)؛ أي: الرَّكعتَين، وإلا فهي أربعُ سجَداتٍ، وكذا الأمرَين من إطلاقِ الجُزء على الكلّ مجازٌ صارَ حقيقةً عرفيَّةً.
* * *
٥٩٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ركْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً؛ ركعَتَانِ قَبْلَ صلَاةِ الصُّبْح، وَركعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
الثَّالث:
(عبد الواحد)؛ أي: ابن أبي قِلاد.
(الشيباني) بفتح المُعجَمَة، أي: أبو إسحاق سُليمان.
(ركعتان)؛ أي: جنس الصَّلاة التي هي ركعتانِ؛ لأنَّ المَذكور أربعُ ركَعات، أو من إطلاق الجُزء على الكلِّ، وفيه إضمارٌ، أي: وكَذا رَكْعتانِ بعد العَصْر.
* * *
٥٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
стр. 1396
إِسْحَاقَ قَالَ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ وَمَسْرُوقًا شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِيني فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا صَلَّى ركعَتَيْنِ.
الرابع:
(إلا صلى) استثناءٌ مفرَّغٌ، أي: ما كان يَأتيني بوَجْه أو بحالةٍ إلا هذا الوَجْهُ أو الحالةُ.
والجمع بين هذا وبين حديث: نهَى عن الصَّلاةِ بعدَ العَصْر: أنَّ ذاك فيما لا سبَبَ له، وهذا له سببٌ، وهو قضاءُ فائتةِ الظُّهر، أو أن النَّهي فيما يتحرَّى فيه، وهذا فيما لا يَتحرَّى فيه، أو أنَّ هذا كان من خصائصه، أو أَراد أنَّ ذلك النَّهي للكراهة لا للتَّحريم، أو أن النَّهي للتَّشبُّه بعبَدة الشَّمس، وهو ﷺ مُنزَّهٌ عن ذلك، أو أنَّه رأَى أنَّ في فَواتِها نوعَ تَقصيرٍ، فواظَب عليها جَبْرًا.
ورُدَّ الأَوَّل: بأنَّ الفَوات والقَضاء في يومٍ واحدٍ، وصلاتُه بعد العصر كانت مُستمرَّةً.
قلتُ: لكن حِكْمة ذلك أنَّه كان إذا فعل شيئًا أَثبتَه كما في "مسلم"، وأشار إليه (خ)، فالجمع بهذا صحيحٌ.
ورُدَّ الثَّاني: بأنَّ مواظبتَه عليها كلَّ يومٍ دليلُ القَصْد، وهذا معنى التَّحرِّي.
والثَّالث: بأنَّ الأصل عدَم الاختِصاص.
والرَّابع: بأنَّ بيان الجَواز يحصُل بمرَّةٍ واحدةٍ.
стр. 1397
والخامس: بأنَّ علَّة التَّشبُّه إنَّما هي في الصَّلاة عند الغُروب لا بعد العصر.
[و] السادس: بأنَّه كان مشغولًا بهم، وهو في إرشادهم للحقِّ، فلا تَقصيرَ؛ إذِ الفَواتُ كان بالنِّسيان، والجبر يحصل بالقَضاءِ مرَّةً، بل الجواب الصَّحيح أنَّ النَّهي قَول، وصلاتُه فعل، وإذا تَعارضا قُدِّم القَول، لا يُقال ذلك عند جَهْل التَّاريخ، وهنا عُلم لأَنَّ صلاتَه مستمرَّة إلى آخِر العمُر؛ لأنَّا نقول: النَّهي لا يُعلَم تاريخُه.
* * *
٣٤ - بابُ التَّبْكير بالصَّلَاةِ فِي يَوْم غَيْمِ
(باب التَّبكير بالصَّلاة)
٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ يَحْيَى -هُوَ ابنُ أَبِي كثِيرٍ-، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّ أَبَا الْمَلِيح حَدَّثَهُ قَالَ: كنَّا مَعَ بُرَيدَةَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمِ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ".
سبق معاني الحديث المَذكور فيه في (باب مَن ترَك العَصْر).
* * *
стр. 1398
٣٥ - بابُ الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ
(باب الأَذان بعدَ ذَهاب الوَقْت)
٥٩٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سِرْناَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أخَافُ أَنْ تنامُوا عَنِ الصَّلَاةِ"، قَالَ بِلَالٌ: أَناَ أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَالَ: "يَا بِلَالُ! أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ "، قَالَ: مَا ألقِيَتْ عَلَيَّ نومَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَالَ: "إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ! قُمْ فَأذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ، فتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى.
(سرنا) كان ذلكَ في رُجوعه مِن خَيْبَر.
(بعض القوم) قيل: عُمر.
(لو عرست) بمُهمَلاتٍ، من التَّعريس، وهو نُزول المُسافِر بغير إقامةٍ، وقيل: آخِر اللَّيل، وجوابُ (لَو) محذوفٌ، أي: لكان أَسهَلَ، أو هي للتَّمنِّي.
(فاضطجعوا) بلفظ الأمر، أو المَاضي.
(راحلته)؛ أي: مَركُوبه.
стр. 1399
(فغلبت) وفي رواية: (فغَلَبَتْهُ).
(أين ما قلت)؛ أي: أين الوَفاءُ بما قُلتَ: أَنا أُوقظُكم؟
(مثلها)؛ أي: النَّومة، و (مثل) لا يتعرَّف بالإضافة، ولذلك وُصِفَ بها النَّكرةُ.
(قبض أرواحكم)؛ أي: كقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقبض النَّوم أن يَنقطع تعلُّق الرُّوح عن ظاهر البدَن فقط، وقبضُ الموت أن ينقطع عن الظَّاهر والباطن.
وفي الحديث: جواز الالتماس من السَّادات بما يتعلَّق بمصالحهم، وأنَّ للإمام أنْ يُراعي المَصلحة الدِّينية، والاحتراز عمَّا يحتمل فوات العبادة عن وقْتها بسببه، وجوازُ إلزام الخادم القيامَ بمراقبته ذلك.
(فأذن) احتجَّ به أحمد على التَّأذين بعد خُروج الوقت، وقال الثَّوري: ليس في الفائتة أذانٌ ولا إقامةٌ.
قلتُ: وهو قولٌ للشَّافعي في الأذان مرجَّحٌ عندهم، ولكن المختار عند (ن): القول بالتَّأذين لثُبوت الأحاديث فيه، والجواب عنها بالحمل على الأذان اللُّغوي ضعيفٌ، نعم، يُروى هنا: (فأَذَّنَ)، من الإفعال، وهو صريحٌ بالإعلام، لكن في غير هذا الحديث التَّصريح.
فإن قيل: النبيُّ ﷺ لا يَنامُ قَلبُه، فكيف فاتَه الوقْت؟ وجوابه كما قال (ن): إنَّ القَلْب إنَّما يُدرِكُ الحسِّيَّاتِ المُتعلِّقةَ به
стр. 1400
كالحدَث والألَم لا ما يتعلَّق بالعَين كالفجْر ونحوِه، أو أنَّ عدَمَ نوم القَلب كان غالبَ أحوالهِ، انتهى.
وقال التَّيْمي: كان في النَّادر يَنام كنَوم الآدميِّين.
(ابياضت) بالتَّشديد ابْيِضَاضًا: صَفاءُ لَونها.
قال التَّيْمي: قال الكوفيُّون: إنَّما أخَّرها لنهيه ﷺ عن الصَّلاة عند طُلوع الشَّمس، وقال الشَّافعي: أخَّرها مقدارَ ما توضَّأ النَّاسُ وتأَهَّبوا للصَّلاة كما جاء ذلك في بعض الطُّرُق، ورُوي عن عطاء: أنَّه إنَّما أمرَهم بالخُروج عن ذلك الوادي تشاؤُمًا به؛ لأنَّه موضعٌ أصابَهم فيه غَفلةٌ، وفي رواية زيد بن أَسلَم: (إنَّ هَذا وَادٍ بهِ شَيْطانٌ)، فكَرِه الصَّلاةَ فيه.
* * *
٣٦ - بابُ مَنْ صلى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ
(باب مَنْ صلَّى بالنَّاسِ جَماعةً بعدَ ذَهابِ الوَقْت)
٥٩٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللهِ
стр. 1401
مَا صَلَّيْتُهَا"، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فتوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْناَ لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.
(الخندق) بفتح المُعجَمَة: أعجميٌّ تكلمتْ به العرَب، أي: يوم حَفْر الخندق، وذلك في السَّنة الرَّابعة، وتُسمَّى غَزوة الأحزاب.
(يسب كفار)؛ أي: لتَسبُّبهم في اشتِغال المُؤمنين بالحفر عن الصَّلاة حتَّى فاتَتْه.
(كِدت) بكسر الكاف، وحُكي ضمُّها، وكان هذا التَّأخير قبل صلاة الخَوف، ثم نُسِخَ، ويحتمل أنَّ التَّأخير ليس عمْدًا بل كان نِسيانًا؛ لاشتغاله بأمْر العَدُوِّ.
(العصر) كذا رواه "مسلم" أيضًا، ووقع في "الموطأ": أنَّه الظُّهر والعَصْر معًا.
(حتَّى كادت) ظَاهرُه أنَّه صلَّى قبلَ الغُروب، وقد يُمنع ذلك بأنَّه إنَّما يقتضي أن كيدودتَه كانت عند كيدودتها، ولا يلزم منه وقوعُ الصَّلاة فيها، بل يلزم أن لا تقَع الصَّلاة فيها؛ إذ حاصله عُرفًا: ما صلَّيتُ حتَّى غربت الشَّمس.
(بطحان) سبَق في (باب فضل العِشاء).
ووجه مُطابقة الحديث للتَّرجمة بأنَّه صلَّى جماعة: أنَّ هذا من حديثٍ طويلٍ دلَّ على ذلك، أو أنَّه لمَّا صلَّى المَغرب جماعةً أجرى الرَّاوي مَجراها الفائتةَ.
وفي الحديث: جوازُ سبِّ الكفَّار، والقسَمُ بدون استحلافٍ.
стр. 1402
قال (ن): هو مستحبٌّ لمصلحة توكيد الأمر، أو زيادة طمأنينةٍ، أو نفي توهُّم نسيانٍ، أو غير ذلك من المَصالح، فحَلِفُه هنا تطييبًا لقلب عمر لمَّا شقَّ عليه تأخيرها.
قال: وظاهر الحديث أنَّه صلاها جماعةً فيدلُّ على أنَّ الثَّانية تُصلَّى جماعةً، وأنَّه ينبغي أن يبدأ بالفائتة ثم المحاضرة، وهو إجماعٌ، لكن عند الشَّافعي استحبابٌ، وأبي حنيفة إيجابٌ حتَّى لو بدأَ بالحاضرة لم تصحَّ.
* * *
٣٧ - بابُ مَنْ نَسِي صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَاَ يُعِيدُ إلا تِلْكَ الصَّلَاةَ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ.
(باب مَن نَسِيَ صلاةً فليُصلِّ)؛ أي: نسيَها حتَّى خرجت عن وقتها.
(إلا تلك الصَّلاة) تعريضٌ بالرَّدِّ على مَن قال: أنَّه لو لم يُعِد الفائتةَ حتَّى أدَّى خمس صلواتٍ بعدها يجب عليه إعادتُها مع إعادة الخضر بعدَها كما يقولُه الحنفيَّة استِدلالًا بحديث: "لا صَلاةَ لمَنْ عَليهِ فَائِتَةٌ"، لكن حجَّةٌ عليهم فيما لو زادت الفوائتُ على خمسٍ؛ إذ
стр. 1403
له الصَّلاةُ وعليه الفائتة.
* * *
٥٩٧ - حَدَّثَنَا أبو نعيْمِ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّام، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ"، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
قَالَ مُوسَى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
(من نسي ...) إلى آخره، مفهومه: أنَّ العَمْد لا يُقضَى فيه إذا ذُكِر، لكنْ قضاؤه واجبٌ خلافًا لقول الظَّاهرية تعلُّقًا بأنها أعظم من أن يُخرج من وَبالِ معصيتها بالقَضاء، فإمَّا أنَّه لا يُعمل بالمفهوم لخُروجه مَخرَج الغالب، أو أنَّه وردَ على سببِ سُؤالٍ عن قَضاء النَّائم والنَّاسي، والعِبْرة بعُموم اللَّفظ، وأنَّ غير المَعذور يقضي من بابٍ أَولى، فهو من فَحوى الخِطاب، وإطلاقُ صلاة في الحديث يشمل النَّوافل المُؤقَّتة فتُقضى أيضًا ندبًا، أما ذاتُ السَّبب كالكُسوف فلا يُتصوَّر فيها فَواتٌ فلا تدخل.
واعلم أنَّ وجوب القَضاء بهذا الأمر على المُرجَّح عند الأُصوليِّين أنَّه بأَمرٍ جديد، وقيل: بالأمر الأَوَّل، نعم، هذا الأمر لا يَقتضي الفَور، والفَور في الفائت بغير عُذْرٍ إنَّما هو من حيث التَّعدِّي، فغُلِّظ عليه، ولا يقال: إنَّ قوله هنا: (إِذا ذَكَرَها) يُشعِر بالفَور؛ لأنَّ التَّذكر مستدامٌ،
стр. 1404
فأيُّ وقتٍ صلَّاها كانتْ في زمن التَّذكُّر، وإنْ لم تكن في أَوَّل أزمنته، أو أنَّ (إذا) لمُجرَّد الشَّرط، فحيثما قضَى صدَق أنَّه صلَّى بالتَّذكُّر؛ لأنَّ المَشروط لا يَلزم ترتُّبه على الشَّرط في الحال.
(لا كفَّارة)؛ أي: لا خَصلةَ تُكفِّر، أي: تستُر، أي: من شأنها تكفِّر الخطيئة، وأصلُها فَعَّال للمُبالغة زِيدتْ فيها تاءُ التَّأنيث، وهي من الصِّفات التي غلِّبتْ عليها الاسميَّة.
قال (خ): يحتمل وجهين: أن لا يُكفِّرها غيرُ قضائها، أو لا يلزمه غُرمُ صدقةٍ ولا شيءٍ ولا زيادةٍ بضِعْفٍ لها.
قال (ك): كأنَّ الأَوَّل قصْر قَلْبٍ، والثَّاني قَصْر إفرادٍ.
وقال (خ): ليس هذا على العُموم، حتَّى يلزمه إنْ كان في صلاةٍ أن يقطَعَها، ولكن المعنى: لا يُغفل أمرَها، ولا يشتغلُ بغيرها.
وفيه دليلٌ على أنَّه يُصلِّي ولو كان في وقت النَّهي، وأنه لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، وليس كالحجِّ تَدخلُه النِّيابة بشرطه، ولا كالصَّوم يُجبَر بالمال، وكذا بالصَّوم على المُختار بشروطِ ذلك.
(أقم الصَّلاة لذكري) قال التُّوْرِبِشْتي: يحتمل وجوهًا كثيرة من التأويل، فالواجب أن يُصار لوجهٍ يُوافق الحديث، والمعنى: أقِمِ الصَّلاةَ لذِكْرها؛ لأنَّه إذا ذكَرها فقد ذكَر الله، أو يُقدَّر المُضاف، أي: لذكر صلاتي، أو وقَع ضميرُ الله موضعَ ضمير الصَّلاة، لشرَفها وخُصوصيتها، قيل: وفيه دليلٌ على أنَّ شَرْعَ مَن قبلَنا شَرعٌ لنا ما لم يَرِدْ ناسخٌ.
стр. 1405
(بعد)؛ أي: بعد زمان رواية الحديث، أي: لم يكن نقْلُ الحديث، وتلاوةُ الآية معًا.
* * *
٥٩٧ / -م - وَقَالَ حَبَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نَحْوَهُ.
(وقال حَبَّان) بفتح المُهمَلة، وشدَّة المُوحَّدة.
وقد وصلَ هذا التَّعليق أبو عَوانة في "صحيحه" عن عمَّار بن رَجاء، عن حَبَّان.
وفائدة ذكرِ البُخاريِّ ذلك أنَّ في قَول قَتَادة فيه: (حدَّثنا)، وفي الأَوَّل كان بلفظ: (عن)، وقَتَادة مدلِّسٌ، فيزول الوَهْم بالتَّصريح.
ووجه دلالة الحديث على آخر التَّرجَمة: أنَّ الحَصْر في: (لا كَفَّارةَ) يدلُّ على أن لا يجب إلا تلكَ الصَّلاةُ خلافًا للحنفيَّة كما سبَق.
* * *
٣٨ - بابُ قَضَاء الصَّلَوَاتِ الأُولَى فَالأُولَى
(باب قَضاء الصَّلاة الأُولى فالأُولى)
٥٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ أَبِي كثِيرٍ -، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ
следующие страницы →