مَا صَلَّيْتُهَا"، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فتوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْناَ لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.
(الخندق) بفتح المُعجَمَة: أعجميٌّ تكلمتْ به العرَب، أي: يوم حَفْر الخندق، وذلك في السَّنة الرَّابعة، وتُسمَّى غَزوة الأحزاب.
(يسب كفار)؛ أي: لتَسبُّبهم في اشتِغال المُؤمنين بالحفر عن الصَّلاة حتَّى فاتَتْه.
(كِدت) بكسر الكاف، وحُكي ضمُّها، وكان هذا التَّأخير قبل صلاة الخَوف، ثم نُسِخَ، ويحتمل أنَّ التَّأخير ليس عمْدًا بل كان نِسيانًا؛ لاشتغاله بأمْر العَدُوِّ.
(العصر) كذا رواه "مسلم" أيضًا، ووقع في "الموطأ": أنَّه الظُّهر والعَصْر معًا.
(حتَّى كادت) ظَاهرُه أنَّه صلَّى قبلَ الغُروب، وقد يُمنع ذلك بأنَّه إنَّما يقتضي أن كيدودتَه كانت عند كيدودتها، ولا يلزم منه وقوعُ الصَّلاة فيها، بل يلزم أن لا تقَع الصَّلاة فيها؛ إذ حاصله عُرفًا: ما صلَّيتُ حتَّى غربت الشَّمس.
(بطحان) سبَق في (باب فضل العِشاء).
ووجه مُطابقة الحديث للتَّرجمة بأنَّه صلَّى جماعة: أنَّ هذا من حديثٍ طويلٍ دلَّ على ذلك، أو أنَّه لمَّا صلَّى المَغرب جماعةً أجرى الرَّاوي مَجراها الفائتةَ.
وفي الحديث: جوازُ سبِّ الكفَّار، والقسَمُ بدون استحلافٍ.
стр. 1402
قال (ن): هو مستحبٌّ لمصلحة توكيد الأمر، أو زيادة طمأنينةٍ، أو نفي توهُّم نسيانٍ، أو غير ذلك من المَصالح، فحَلِفُه هنا تطييبًا لقلب عمر لمَّا شقَّ عليه تأخيرها.
قال: وظاهر الحديث أنَّه صلاها جماعةً فيدلُّ على أنَّ الثَّانية تُصلَّى جماعةً، وأنَّه ينبغي أن يبدأ بالفائتة ثم المحاضرة، وهو إجماعٌ، لكن عند الشَّافعي استحبابٌ، وأبي حنيفة إيجابٌ حتَّى لو بدأَ بالحاضرة لم تصحَّ.
* * *
٣٧ - بابُ مَنْ نَسِي صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَاَ يُعِيدُ إلا تِلْكَ الصَّلَاةَ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ.
(باب مَن نَسِيَ صلاةً فليُصلِّ)؛ أي: نسيَها حتَّى خرجت عن وقتها.
(إلا تلك الصَّلاة) تعريضٌ بالرَّدِّ على مَن قال: أنَّه لو لم يُعِد الفائتةَ حتَّى أدَّى خمس صلواتٍ بعدها يجب عليه إعادتُها مع إعادة الخضر بعدَها كما يقولُه الحنفيَّة استِدلالًا بحديث: "لا صَلاةَ لمَنْ عَليهِ فَائِتَةٌ"، لكن حجَّةٌ عليهم فيما لو زادت الفوائتُ على خمسٍ؛ إذ
стр. 1403
له الصَّلاةُ وعليه الفائتة.
* * *
٥٩٧ - حَدَّثَنَا أبو نعيْمِ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّام، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ"، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
قَالَ مُوسَى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
(من نسي ...) إلى آخره، مفهومه: أنَّ العَمْد لا يُقضَى فيه إذا ذُكِر، لكنْ قضاؤه واجبٌ خلافًا لقول الظَّاهرية تعلُّقًا بأنها أعظم من أن يُخرج من وَبالِ معصيتها بالقَضاء، فإمَّا أنَّه لا يُعمل بالمفهوم لخُروجه مَخرَج الغالب، أو أنَّه وردَ على سببِ سُؤالٍ عن قَضاء النَّائم والنَّاسي، والعِبْرة بعُموم اللَّفظ، وأنَّ غير المَعذور يقضي من بابٍ أَولى، فهو من فَحوى الخِطاب، وإطلاقُ صلاة في الحديث يشمل النَّوافل المُؤقَّتة فتُقضى أيضًا ندبًا، أما ذاتُ السَّبب كالكُسوف فلا يُتصوَّر فيها فَواتٌ فلا تدخل.
واعلم أنَّ وجوب القَضاء بهذا الأمر على المُرجَّح عند الأُصوليِّين أنَّه بأَمرٍ جديد، وقيل: بالأمر الأَوَّل، نعم، هذا الأمر لا يَقتضي الفَور، والفَور في الفائت بغير عُذْرٍ إنَّما هو من حيث التَّعدِّي، فغُلِّظ عليه، ولا يقال: إنَّ قوله هنا: (إِذا ذَكَرَها) يُشعِر بالفَور؛ لأنَّ التَّذكر مستدامٌ،
стр. 1404
فأيُّ وقتٍ صلَّاها كانتْ في زمن التَّذكُّر، وإنْ لم تكن في أَوَّل أزمنته، أو أنَّ (إذا) لمُجرَّد الشَّرط، فحيثما قضَى صدَق أنَّه صلَّى بالتَّذكُّر؛ لأنَّ المَشروط لا يَلزم ترتُّبه على الشَّرط في الحال.
(لا كفَّارة)؛ أي: لا خَصلةَ تُكفِّر، أي: تستُر، أي: من شأنها تكفِّر الخطيئة، وأصلُها فَعَّال للمُبالغة زِيدتْ فيها تاءُ التَّأنيث، وهي من الصِّفات التي غلِّبتْ عليها الاسميَّة.
قال (خ): يحتمل وجهين: أن لا يُكفِّرها غيرُ قضائها، أو لا يلزمه غُرمُ صدقةٍ ولا شيءٍ ولا زيادةٍ بضِعْفٍ لها.
قال (ك): كأنَّ الأَوَّل قصْر قَلْبٍ، والثَّاني قَصْر إفرادٍ.
وقال (خ): ليس هذا على العُموم، حتَّى يلزمه إنْ كان في صلاةٍ أن يقطَعَها، ولكن المعنى: لا يُغفل أمرَها، ولا يشتغلُ بغيرها.
وفيه دليلٌ على أنَّه يُصلِّي ولو كان في وقت النَّهي، وأنه لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، وليس كالحجِّ تَدخلُه النِّيابة بشرطه، ولا كالصَّوم يُجبَر بالمال، وكذا بالصَّوم على المُختار بشروطِ ذلك.
(أقم الصَّلاة لذكري) قال التُّوْرِبِشْتي: يحتمل وجوهًا كثيرة من التأويل، فالواجب أن يُصار لوجهٍ يُوافق الحديث، والمعنى: أقِمِ الصَّلاةَ لذِكْرها؛ لأنَّه إذا ذكَرها فقد ذكَر الله، أو يُقدَّر المُضاف، أي: لذكر صلاتي، أو وقَع ضميرُ الله موضعَ ضمير الصَّلاة، لشرَفها وخُصوصيتها، قيل: وفيه دليلٌ على أنَّ شَرْعَ مَن قبلَنا شَرعٌ لنا ما لم يَرِدْ ناسخٌ.
стр. 1405
(بعد)؛ أي: بعد زمان رواية الحديث، أي: لم يكن نقْلُ الحديث، وتلاوةُ الآية معًا.
* * *
٥٩٧ / -م - وَقَالَ حَبَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نَحْوَهُ.
(وقال حَبَّان) بفتح المُهمَلة، وشدَّة المُوحَّدة.
وقد وصلَ هذا التَّعليق أبو عَوانة في "صحيحه" عن عمَّار بن رَجاء، عن حَبَّان.
وفائدة ذكرِ البُخاريِّ ذلك أنَّ في قَول قَتَادة فيه: (حدَّثنا)، وفي الأَوَّل كان بلفظ: (عن)، وقَتَادة مدلِّسٌ، فيزول الوَهْم بالتَّصريح.
ووجه دلالة الحديث على آخر التَّرجَمة: أنَّ الحَصْر في: (لا كَفَّارةَ) يدلُّ على أن لا يجب إلا تلكَ الصَّلاةُ خلافًا للحنفيَّة كما سبَق.
* * *
٣٨ - بابُ قَضَاء الصَّلَوَاتِ الأُولَى فَالأُولَى
(باب قَضاء الصَّلاة الأُولى فالأُولى)
٥٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ أَبِي كثِيرٍ -، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ
стр. 1406
عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَسُبُّ كفَّارَهُمْ وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ، قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ.
(وهو ابن أبي كثير) تفسيرٌ منه لابن هشام، وذلك غايةُ الاحتِياط في رعايةِ لَفظِ الشُّيوخ.
(كفارهم)؛ أي: كُفَّار قُرَيش، وإنْ لم يَسبِق له ذِكْرٌ، لكنْ من المَعلوم.
(حتَّى غربت) صَريحٌ في أنَّها العَصْر.
وتقدَّم شَرح الحديث قَريبًا، وعند الشَّافعية تَقديم الفائتة أَولى إِنْ أَمِنَ فَوات الحاضرة.
* * *
٣٩ - بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاء
(باب ما يُكْرهُ من السَّمَر بعدَ العِشَاء) السَّمَر بفتح الميم.
قال (ع): كذا الرِّواية، وقال أبو مَروان بن فراج: الإسكان أَولى؛ لأنَّه الفعل، وأما بالفتح فهو الحديث، وأصلُه لَون ضَوء القمَر؛ لأنَّهم كانوا يتَحدَّثون إليه، ومنه سُمِّيَ الأسْمر؛ لأنَّه يُشبِهُ ذلك اللَّون.
(ذات ليلة)؛ أي: في لَيلةٍ، وسبق في (باب العِلْم والعِظَة باللَّيل).
(شطر) بالرَّفع على أنَّ (كان) تامةٌ، أو ناقصةٌ وخبرها (يبلغه)، وفي بعضها بالنَّصْب، أي: كان الوقْت الشَّطر، و (يبلغه) استئنافٌ، أو الجُملة مؤكِّدةٌ، ومعناها: يُصلِّي اللَّيل، أو الانتِظار إلى الشَّطر، يُقال: بلَغه بُلوغًا: وصل إليه، أو شارفَه وقاربَه.
(في خير) في بعضها: (بِخَيْرٍ)، أي: عمَّم الحسَن الحُكم في كلِّ الخيرات.
(وهو)؛ أي: يقول الحسَن ذلك، وهو (إن القومَ لا يَزالون) هو من جملة مَرْوَّيات أنَس، ومعنى كون المُنتظِر في صلاةٍ في حُصول الثَّواب لا بقيَّة أحكام الصَّلاة.
* * *
٦٠١ - حَدَّثَنا أبو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وَأبو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: "أَرَأَيْتكُمْ لَيْلَتكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﵇ إِلَى مَا تتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وإنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ"؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ: أنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ.
стр. 1410
الحدث الثَّاني:
سبَق في (باب السَّمَر في العِلْم) شرحُه وفوائدُه.
(أرايتكم) سبَق أيضًا أنَّه بمعنى أخبِرُوني، والكاف للخِطاب لا محلَّ لها، والميم للجماعة.
(هذه) في محلِّ نصبٍ، والجواب محذوف، أي: فاحفَظوها واحفَظوا تاريخها.
(فوهل) بفتح الهاء، وكسرِها، وهو من مَقول ابن عمر، أي: ذهَب وهمُهم إليه.
قال الجَوْهَري: وَهَل في الشَّيء، وعن الشَّيء: إذا غَلِط فيه، ووَهَلَ إليه -بالفتح-: ذَهَب وهمُه إليه، وهو يُريد غيره مثل وَهِمَ.
قال (خ)؛ أي: تَوهَّموا، وغَلِطوا في التَّأويل.
قال إن): يُقال: وهَل -بالفتح- يَهِل وَهْلًا كضرب يضرب ضربًا غلَطٌ، وذهب وهمُه إلى خلاف الصَّواب، ووهِل -بالكسر- يَوهَل وهَلًا كحَذِر يحذَر حذَرًا، أي: فَزِعَ.
(في مقالة النبي ﷺ )، أي: في هذا الحديث، أي: تأويلاتهم التي كانت مشهورةً عندهم في المُراد بمئةِ سنةٍ مثل أنَّ المُراد انقِراض العالم بالكلِّية ونحو ذلك، فقال ابن عمر: إنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما أراد انخرام القَرْن الذي هو فيه بأنَّه ينقضي أهلُه في مئة سنةٍ، ولا يبقَى منهم أحادٌ، والقَرْن كلُّ طبقةٍ من النَّاس اقترنَتْ في وقتٍ، ومنه قيل لأهل كلِّ مدَّةٍ
رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أكثَرُ مِنْهَا، قَالَ: يَعْنِي: حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أكثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أبو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أكثَرَ مِنْهَا، فَقَالَ لامْرِأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ! مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لا وقرَّةِ عَيْني لَهِيَ الآنَ أكثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَأكلَ مِنْهَا أبو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ -يَعْنِي يَمِينَهُ- ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُنم أُناَسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كم مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأكلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ.
(أصحاب الصُّفَّة) غُرباءُ فُقراءُ زُهَّاد كانوا يَأوُون في صُفَّةٍ آخرَ مسجده ﷺ مُظلَّلة يَبيتون فيها يَكثُرون بمن يَقدم، حتَّى كانوا سبعين، ويَقتلُّون بمن يموت، أو يسافر، أو يتزوَّج.
(أناسًا) ويُقال أيضًا فيه: ناسٌ.
(بثالث)؛ أي: من أهل الصُّفَّة، وكذا فيما بعده.
(وإن أربع فخامس) قيَّده بعضهم بالجَرِّ، والكلُّ على حَذْف مضافٍ، أي: وإن كان عنده طعامُ أربعٍ، فحُذِفَ المُضاف وبقيَ عملُه، كما حكى يونسُ عن العرَب: مرَرْتُ برجل صالح، وإن لا صالحٍ فطالحٍ، أي: وإن لا أمرُّ بصالحٍ فقد مرَرتُ بطالحٍ، وكذا يُقدَّر في جرِّ خامسٍ: فليَذهبْ معه بخامسٍ، ولكن الرَّفع أحسنُ على حَذْف المُضاف، وإقامةِ المُضاف إليه مُقامَه، ويُضمَر مبتدأٌ للفظ خامس،
стр. 1413
أي: فالمُذهَب به خامسٌ، أو نحو ذلك.
(أو سادس) ليس متعلِّقًا بمن عنده أربعٌ، فإنَّ السَّادس إنَّما هو لمن عنده خمسةٌ، وإنَّما التَّقدير: فليَذهب معه بخامسٍ، أو بسادسٍ مع الخامس، أي: يذهب معه بواحدٍ أو باثنين، وقرينتُه أنَّ السَّادس لا بُدَّ له من خامس؛ إذ التَّقدير: وإن كان عنده طعامُ خمسٍ، فليَذهب بسادسٍ، فهو من عطف جملةٍ على جملةٍ.
قال ابن مالك: هو ما حُذف فيه بعد الفاء، وإن فعلان وحرفا جرٍّ باقٍ عملُهما، أي: وإن قام بأربعةٍ فليَذهب بخامسٍ أو بسادسٍ، وإنَّما جعل لمن له طعام اثنين ثالثًا، والثَّلاثة والأربعة وهكذا، أو واحدًا واحدًا، ولم يَزد بحسب الزَّائد؛ لأنَّ الذي عنده زيادةُ عيالٍ ينبغي التَّخفيف عنه.
(وانطلق النبي ﷺ ) لم يُعبِّر فيه كالذي قبلَه بلفظ: (جاءَ)؛ لأنَّ المَجيء المشيُ المُقرب للمُتكلم، والانطلاقُ المشي المُبعِد عنه.
(قال)؛ أي: عبد الرَّحمن.
(فهو) الضَّمير للشَّأْن.
(أنا) مبتدأ خبره محذوف دلَّ عليه السِّيَاق، أي: في الدَّار، أو أهله.
(وأُمي)؛ أي: كذلك، وفي بعضها: (أَبِي) بالباء، والصَّحيح الأَوَّل.
стр. 1414
(ولا أدري) هو كلام أبي عُثمان.
(وامرأتي) اسمها: آمنة بنت عَدِيِّ بن قَيْس السَّهْمي.
(وخادم) يحتمل عطفُه على أُمِّي، وعلي امرأتي، والثَّاني أقرب لفظًا.
(بين) ظرفٌ لـ (خادم).
(تعشى)، أي: أكلَ العَشاء بفتح العين، وهو طعامُ آخِر النَّهار.
(ثم لبث)؛ أي: في داره.
(حتَّى) في بعضها: (حَيْثُ).
(صليت) بالبناء للمَفعول.
(رجع)؛ أي: النبيُّ ﷺ .
(فلبث) عنده.
(حتَّى تعشى النبي ﷺ ) هذا يُشعر أنَّ التَّعشِّي عنده بعد الرُّجوع إليه، وما سبَق يُشعر بأنَّه كان قبلُ، وجوابه: أنَّ الأول بيان حال أبي بكر في (١) عدم الاحتياج إلى طعامٍ عند أهله، والثَّاني هو سَوق القِصَّة على التَّرتيب كالبيان للسَّابق، أو أنَّ الأَوَّل تعشِّي أبي بكر، والثَّاني تعشِّي النبيِّ ﷺ ، وفي بعض نُسَخ "مسلم": (حتَّى نعَسَ) من النُّعاس.
قال (ع): وهو الصَّواب.
стр. 1415
(ضيفك) أُفرِدَ مع كونهم ثلاثةً؛ لأنَّ المُراد به الجنس، أو مصدرٌ يُوصَف به الجمع ودونه.
(أو ما عشيتهم) الهمزة للاستفهام، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة كما عادةُ (ك) يُكرِّر ذلك، وسبق بيانه، وفي بعضها: (عشَّيْتِيْهِم)، بإشباع كسرةِ التَّاء ياءً.
(عرضوا) قال (ك): بفتح العَين، أي: الأهل من الابن، والمرأة، والخادم. (فأبوا)؛ أي: الأضيافُ، قال: وفي بعضها بضمِّ العين، أي: عُرِض الطَّعامُ على الأضياف، فحُذف الجارُّ وأُوصِل الفعل، أو هو من باب القَلْب نحو: عَرضتُ النَّاقةَ على الحوض.
وقال (ش): قيل بضمِّ العين، وبتشديد الرَّاء المكسورة، أي: أُطعِموا من العُراضة، وهي المَبَرَّة؛ قاله الجَوْهَري، وقال في "المَطالِع": هو بتخفيف الرَّاء، والقياس تثقيلُها.
(قال)؛ أي: عبد الرَّحمن.
(فاختبأت)؛ أي: خوفًا من خِصام أبيه وشَتْمه.
(يا غُنْثَر) بمعجمةٍ مضمومةٍ، ثم نونٍ ساكنةٍ، ثم مُثلَّثةٍ مفتوحةٍ ومضمومةٍ: هو الثَّقِيْل الوَخِم، وقيل: الجاهل، وقيل: السَّفيه، وقيل: اللَّئيم، وقيل: ذبابٌ أزرق يكون في الصَّحراء، شبَّهه به تَحقيرًا.
قال (ن): هذه الرِّاوية المشهورة، وحكاه (ع) بفتح المُعجَمَة،
стр. 1416
وبالمُثنَّاة الفَوقانيَّة، ورواه (خ) بالمُهمَلة والفَوقانيَّة المَفتوحتَين، أي يا لَئيمُ.
ونقل (ك)، عن (خ) أنَّه قال: حدَّثناه خلَفٌ الخَيَّام بالعَين الغير المُعجَمَة، وبالتَّاء التي أُخت الطَّاء مضمومتَين، قال (خ): فإنْ كان ذلك محفوظًا فهو بفتح العين والتَّاء، وهو الذُّباب، وشُبِّه به تحقيرًا.
(فجدع) بجيمٍ، ودالٍ مُهمَلةٍ مشدَّدةٍ، أي: دَعا بالجَدْع، وهو قطع الأَنْف، والأُذُن، والشَّفَة، أو نحو ذلك، أو أنَّ المُراد السَّبُّ.
(لا هنيئًا) قال ذلك غَيظًا، وقيل: بل هو خبَرٌ، أي: إنَّكم لم تَتهنَّوا بالطَّعام في وقته.
قلتُ: وهذا الذي يَنبغي الحمل عليه.
(وايم الله) همزةُ وَايْمُ وصلٌ عند الأكثر، وسبق في (باب الصَّعيد الطَّيِّب وَضوء المُسلم) بيانُه، وأنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: قسَمي.
(ربا)؛ أي: زَادَ.
(وصارت)؛ أي: الأطعِمة، أو البَقيَّة.
(أكثر) بالمُثلَّثة، وفي بعضها: بالمُوحَّدة.
(لامرأته)؛ أي: أُمِّ عبد الرَّحمن، وهي أُمُّ رُومان، بضَمِّ الرَّاء، اسمها: زينَب.
(يا أخت بني فِراس) بكسر الفاء، وخفة الرَّاء، وبالمُهمَلة.
قال (ن): معناه: يا مَن هي مِن بني فِراس، أي: ذلك لأنَّها بنتُ
стр. 1417
الحارث بن غنم الفِراسية.
وقال (ك): هي بنت عبد دُهْمان بضَمِّ المُهمَلة وسكون الهاء أحد بني فِراس بن غنم بن مالك بن كنانة.
(لا وقرة عيني) بجرِّ (قُرَّةِ) على القسَم.
قال الدَّاوُدي: يُريد به النبي ﷺ ، ولفظة (لا) زائدةٌ، ويحتمل أنْ تكون نافيةً لمحذوف، أي: لا شيءَ غيرُ ما أَقول، وهو قُرَّة عيني، هي أكثر منها، وقُرَّةُ العين يُعبَّر به عن المسَرَّة ورُؤيةِ ما يُحبُّه الإنسان؛ لأنَّ العين تقَرُّ ببُلوغ الأُمنية.
قال الأَصْمعي: أَقرَّ اللهُ عينَهُ، أي: أبرَدَ دمْعَه؛ لأنَّ دَمْع الفرَح باردٌ، ودمع الحُزْن حارٌّ.
(ثم أكل) فائدتُه مع قوله فيما سبَق: أكَلَ، وليس إلا أكْلٌ واحدٌ؛ لرفع الإبهام؛ فإنَّه إنَّما أكلَ لُقْمةً واحدةً، وإنَّما خالَف بينه؛ لأنَّ إثبات الخير والتَّكفير أَولى؛ لقوله قيس: "فلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمينهِ، ولْيَأتِ الذي هُوَ خَيْرٌ"، أو كان مرادُه: لا أَطعَمُه معكم، أو في هذه السَّاعة، أو عند الغَضَب، لكنَّ هذا مبنيٌّ على جواز تخصيص العُموم في اليمين بالنيَّة، أو الاعتِبار بخُصوص السَّبب لا بعُموم اللَّفظ الوارد عليه.
(فأصبحت)؛ أي: الأَطعمةُ.
(عنده)؛ أي: عند النبيِّ ﷺ .
(عقد)؛ أي: مُهادَنةٌ.
стр. 1418
(فعرفنا) الفاء فيه هي الفَصيحة، أي: فجاؤوا إلى المَدينة فعَرفنا منهم، أي: ميَّزنا، أو جعلنا كلَّ رجلٍ من اثني عشَر فِرْقةً، وفي بعضها: (فَعَرَّفْنَا) بالمُهمَلة وشدة الرَّاء، أي: جعلناهم عُرَفاء، وفي بعضها: (فقَرَيْنا) من القِرَى، أي: الضِّيافة.
(الله أعلم) جملةٌ معترضةٌ، أي: أُناسٌ اللهُ يعلَمُ عددَهم، ومميِّزُ (كم) محذوفٌ، أي: كم رجلٍ.
(أو كما قال)؛ أي: عبد الرَّحمن، والشَّكُّ من أبي عُثمان، وما في التَّرجَمة من السَّمَر مع الأهل والضَّيف ظاهرٌ في الحديث.
وفيه: أنَّ السُّلطان في المَسغَبة يُفرِّق الفُقراء على أهل السَّعَة بقَدْر ما لا يُجحِف بهم، وقال كثيرٌ من أهل العلم: إنَّ في المال حُقوقًا سِوى الزَّكاة.
وفيه الأكل عند الرَّئيس وإنْ كان عنده ضيفٌ إذا كان في داره مَن يَقومُ بخدمتهم.
وفيه أنَّ الأهل والولد يَلزمُهم من خِدْمة الضَّيف ما يَلزمُ صاحبَ المَنزل، وأنَّ الضَّيف ينبغي أنْ يتأدَّب وينتَظِرُ صاحب الدَّار ولا يَتهافَتَ على الطعام، والأكل من طعامٍ ظهَرتْ بركتُه، وإهداءُ ما تُرجَى بركتُه لأهل الفضْل، وأنَّ آياتِ النبيِّ ﷺ قد تظهَر على يَدِ غيره، وفَضيلةُ الإيثار والمُواساة، وتَوزُّع الجماعة الأضيافَ إذا كثُروا.
وفيه أنَّه ﷺ كان آخذًا بأفضل الأُمور وسابقًا إلى السَّخاء والجُود،
стр. 1419
فإنَّ عيالَه ﷺ كانوا قَريبًا من عدَد ضِيْفانه تلك، فواسَى بنصف طعامه أو أكثر، وواسَى أبو بكر بالثُّلُث أو أكثرُ، والباقون بدُون ذلك.
وفيه ما كان أبو بكر من الحُبِّ للنبي ﷺ ، والانقطاعُ إليه وإيثارُه في ليلهِ ونهاره على الأَهْل والأَضياف.
وفيه كرامةٌ ظاهرةٌ، للصِّدِّيق، وإثباتُ كرامات الأَولياء، وهو مذهب أهل السُّنَّة، وجوازُ تعريف العُرَفاء للعَساكر.
قال (ك): وفيه جواز الاختفاء عن الوالِد عند الخَوف من تقصيرٍ، والدُّعاء والتَّجْديع للأولاد، وتَرْكُ الجماعة لعُذْرٍ، وجوازُ الخِطاب للزَّوجة بغير اسمها، والقسَم بغير الله، وحَمْلُ المُضيف المَشَقَّة على نفسه لكَرامة الضَّيف، والاجتهاد في دَفْع الوَحْشة، وتَطييبُ القُلوب، وجوازُ ادِّخار الطَّعام للغَدِ، وأنَّ الرَّاوي إذا شكَّ بيَّنَه كما قال: لا أَدري هل قال: (وامْرَأَتِي)، ومثلُ لفظة: أو كما قال، ونحوها، والله أعلم.
* * *
فيها معنى الانتِهاء، فأتَى بـ (إلى).
* * *
٦٠٣ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُؤتِرَ الإقَامَةَ.
الحديث الأَوَّل:
(أبو قِلابة) عبد الله، ورجال السَّنَد بصْريُّون.
(والناقوس) هو ما يُضرَب به النَّصارى لصلاتهم، أي: خشَبةٌ طويلةٌ تُضرَب بأصغرَ منها.
(أمُر) بالضَّمِّ، أي: أمرَه النبيُّ ﷺ ؛ لأنَّه الآمِر النَّاهي، هذا الصَّواب الذي عليه أكثَر خلافًا لمَنْ قال: إنَّ مثلَه موقوفٌ لاحتمال أنَّ الآمر له غير الرَّسول ﷺ ، ورُدَّ بأنَّ الخبَر عن الشَّرع لا يحتمل إلا على أمر الرَّسول ﷺ .
(يشفع) -بفتح الياء والفاء-: يَأتي بأَلفاظه مثنَّاةً.
(ويوتر بالإقامة) وهي إعلامٌ بالشُّروع في الصَّلاة بألفاظٍ مخصوصةٍ، فإيتارُها أن يأتي بها فُرادى، وهذا حُجَّةٌ على الحنفيَّة في تَثنيتِها.
стр. 1423
قال (خ): الإفراد هو ما جرَى به العمل في الحرَمين والحِجاز والشَّام واليمَن ومصر والمَغرب إلى أَقصى بلاد الإسلام، ومَذْهب العامَّة تثنيةُ لفْظِ الإقامة إلا مالِكًا، فإنَّه قال بإفرادها في الأشْهَر عنه.
واعلم أنَّ ظاهر أمْرِه الوُجوب، والجمهورُ أنَّه سُنَّةٌ، فيُجاب: الذي للوجوب صيغةُ افعَلْ، لا لفظ: أمَرَ بكذا، لكنَّ الصِّيغة الشَّرعية واجبة في الشَّيء ولو كان نفلًا كالطهارة لصلاة النفْل، أو يُقال: بأنَّه فَرْض كفايةٍ كما هو وجْهٌ عندنا، أو الإجماعُ منَع حَمْله على ظاهره.
قال (ك): واختيار الدُّعاء بالقَول أنَّه كيفيَّة تَعرِض للنَّفَس الضَّروري، والإعلامُ به أسهَل، وعدم الحاجة إلى آية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والحِكْمة في تَثنية الأذان أنّه إعلامٌ للغائبين، وإفرادُ الإقامة؛ لأنَّها إعلامُ الحاضرين، ولئلَّا يَلتبس الإِعلامان على السَّامعين، وإنَّما كرَّر لفظ الإقامة، لأنَّها هي المقصودُ فيها، وأما تكرير: الله أكبر، فهو تثنيةٌ صورةً، ولكنَّه مفردٌ حُكمًا، ولذلك يُستحبُّ أنْ يُقالا بنفَسٍ واحدٍ، ويُقالا في الأذان كذلك مرَّةً ثم مرَّةً.
قال (ع): الأذان كلمةٌ جامعةٌ لعقيدة الإيمان بجمعِ نَوعَيه العقليِّ والنَّقليِّ، وإثباتِ الذَّات وما تستحقُّه من الكمال من الوصف الوجوديِّ والتَّنزيهي، ولفظ: الله أكبر مع اختصارها دالَّةٌ على ما ذكرناه، ثم إثباتُ الوَحدانيَّة، ونَفي الشِّركة، وذلك عُمدة الإيمان، والشَّهادة بالرِّسالة التي هي قاعدة جميع العبادات، وموضعها بعد التَّوحيد؛
стр. 1424
لأنَّها من الجائز الوقوع، والسَّابق من الواجب الوقوع، وبعد تمام العقيدة الدُّعاء للصَّلاة، ثم إلى كلِّ فَلاح، وهو الفَوز والبقاء في النَّعيْم المُقيم، وهو إشعار بأمور الآخرة من البَعْث والجزاء، وقد كمُل بذلك العقائد الإسلاميَّة، ثم كرَّر ذلك بإقامة الصَّلاة للإعلام بالشُّروع مضمَّنٍ لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكْرِه عند الشُّروع في العبادة بالقلب واللِّسان ليدخل المُصلِّي على بيِّنةٍ من أمره وبَصيْرةٍ من إيمانه، ويَستشعرَ عظيمَ ما دخَل فيه، وعظمةَ حقِّ مَن يَعبُده، وجزيل ثَوابه.
* * *
٦٠٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرني ناَفِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقولُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا ناَقُوسًا مِثْلَ ناَقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا بِلَالُ! قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ".
الحديث الثَّاني:
(فيتحينون) بحاء مُهمَلة ومُثنَّاة تحتُ، ثم نونٍ: من الحِيْن، وهو الوقت، أي: يُقدِّرون أحيانها ليَأتوا إليها في أوقاتها.
(ليس ينادى لها) قال ابن مالك: هو شاهدٌ على جَواز استعمالِ
стр. 1425
(ليس) حَرْفًا لا اسمَ لها ولا خبَرَ، أشار إليه سِيْبَوَيْهِ، ويحتمل أنَّ اسمها ضميرُ الشَّأْن، والجملة بعدها خبرٌ.
(البوق) بضَمِّ المُوحَّدة: الذي يُنفَخ فيه.
(القرن) بفتح القاف، ولا يُنافي ذلك ما سبَق من كَون النَّار لليَهود على وجه اللَّفِّ والنَّشْر هناك؛ لجواز أنَّ لهم الأمرَين.
(أو لا تبعثون) الهمزة للاستفهام، والعطف على مقدَّرٍ، أي: تَقولون بموافقتهم، ولا تَبعثون.
وفيه مَنْقبةٌ عظيمةٌ لعُمر في إصابته الصَّوابَ، وفيه التَّشاور في الأمور المهمة، وأن كلًّا يقول ما عنده، ثم يَفعل صاحب الأمر ما فيه المَصلحةُ، وهذه المُشاورة حين قدم ﷺ وبنَى مسجدَه، فشاورَهم فيما يَدعون به للصَّلاة في أَوَّل الوقْت للجماعة، فقال بعضٌ: نَاقُوسٌ، وقال بعضٌ: نارٌ، أو بُوقٌ، على الرِّوايتين.
قلتُ: وفي بعض طُرُق الحديث: (ناَرٌ كنَارِ المَجُوسِ)، وقال بعض: تَلتبسُ أوقاتنا بأوقاتهم، أو يكون تشبيهًا بهم، فرأَى تلك الليلة عبدُ الله بن زيد بن عبدِ رَبّهِ الأَذانَ، فقال النبيّ ﷺ : (قُمْ فَأَلْقِهِ على بِلالٍ؛ فإنَّه أَنْدَى صَوتًا مِنْكَ)، ورآه عُمر، قيل: وغيرُهما أيضًا.
قال (ع): في قوله: (يَا بِلالُ، قُمْ فَنَادِ بالصَّلاةِ) حُجَّةٌ للأذان قائِمًا، وأنَّه لا يجوز قاعدًا.
قال (ن): الاستدلال به ضعيفٌ؛ لأنَّ المُراد تأكيدُ الإعلام،
стр. 1426
لا الأذان المعروف، ولأَنَّ المُراد: قُم فاذهبْ إلى مَوضعٍ بارزٍ فنادِ فيه ليَسمع النَّاس من بُعدٍ، ولا تَعرُّض فيه لقِيامٍ في الأذان، وأيضًا ففي التِّرْمِذي وغيره قولُه لعبد الله بن زيد: "ألقِهِ على بِلالٍ؛ فإِنَّه أَنْدَى صَوتًا مِنْكَ"، فيُؤخَذ منه كونُ المُؤذِّن رفيعَ الصَّوت حسَنَهُ.
* * *
٢ - بابٌ الأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى
(باب الأَذان مَثْنى)، هو بلا تَنوينٍ، وفي بعضها: (مَثْنَى) مكرَّرًا، إما تأكيدًا، أو لأنَّ (مثنى) يدلُّ على تثنية اللَّفظ، لأنَّه معدولٌ عن: اثنين اثنين، والثَّاني لإفادة أنَّه لا يختصُّ بأذانٍ بل كل أذانٍ مثنى، الأَوَّل للأجزاء، والثَّاني للجُزئيَّات، أو بناءً على القَول بأنَّ (مثنى): اثنانِ غيرَ مُكرَّر.
٦٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أنَسٍ، قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإقَامَةَ إِلَّا الإقَامَةَ.
الحديث الأَوَّل:
(أُمر) بالبناء للمفعول، ورواه النَّسائي: (أمر النبيُّ ﷺ ).
(إلا الإقامة)؛ أي: إلا لفظَ الإقامة، فإنها تُشفَع، فالحديث
стр. 1427
حجَّةٌ على مالك كما هو على أبي حنفية.
* * *
٦٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابة، عَنْ أنس بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ -قَالَ- ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونه، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا ناَرًا، أَوْ يَضْرِبُوا ناَقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوترَ الإقَامَة.
الثَّاني:
(لمَّا) بالتَّشديد، والعامل فيه ذكَروا، و (قال) المذكورُ قبله مقحمةٌ تأكيدٌ لـ (قال) أولًا.
(يُعْلموا) بضَمِّ الياء، وسكون العين، أي: يجعلون علامةً.
(يوروا)؛ أي: يُوقدوا ويُشعلوا، من أَورَيتُ النَّار: أشعلتُها، وليس في هذا الحديث حُجَّةٌ لمالك في إفراد لفظ الإقامة حيث لم يَستثنِها؛ لأنَّ المُطلَق يُحمل على المُقيَّد، وهو باقي الأحاديث.
* * *
٣ - بابٌ الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ إلا قَوْلَهُ: "قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ "
(باب الإقامةِ بواحدةٍ)
٦٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا
стр. 1428
خَالِد، عَنْ أَبِي قِلَابة، عَنْ أنَسٍ، قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يوتِرَ الإقَامَةَ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُ لأَيُّوبَ فَقَالَ: إِلَّا الإقَامَةَ.
(أيوب) السَّخْتِيَاني.
(فقال: إلا الإقامة)؛ أي: زاد في آخر الحديث هذا الاستثناء، قال المالكية: عملُ المدينة سلَفًا وخلَفًا على إفرادها، فلو صحَّتْ زيادةُ أَيُّوب وما رواه الكوفيُّون ما خالَفوه، وأيضًا فيَجوز أنَّ ذلك في وقتٍ ثم تُرِكَ، وأُجيب بأنَّ زيادة الثِّقة يجب العمل بها، وعملُ أهل المدينة ليس حُجَّة، وأيضًا فمُعارَض بعمل أهل مكَّة، وهي تجمع الكثير في المَواسِم وغيرها.
* * *
٤ - بابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ
(باب فَضْل التَّأذين)
٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِك، عَنْ أبي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ
стр. 1429
أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنفسِهِ، يَقُولُ: اذْكرْ كَذَا، اذْكرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كلمْ صَلَّى".
(له ضراط) جملةٌ اسميةٌ حاليةٌ، وإنْ لم تكن بواوٍ اكتفاءً بالضَّمائر كما في: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وقال الطِّيْبي: سبَبُه شَغْل الشَّيطان نفسَه، وإغفالَه بالصَّوت الذي يملأ السَّمعَ، ويمنع من سَماع غيره، ثم سَمَّاه ضُراطًا تَقبيحًا له.
(قضى)؛ أي: فَرغ وانتَهى، وفي بعضها بالبناء للمَفعول.
(ثوب) المُراد به هنا الإقامة، لا الذي في الصُّبح، وهو: (الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّومِ)؛ لأنَّه من ثَابَ: إذا رجَع، فكما رجَع هناك بعد الفَصْل بحيَّ على الفَلاح، أي: الدُّعاء للصَّلاة، رجَع هنا إلى الدُّعاء للصَّلاة، وقيل: أَصْل التَّثويب أَنْ يُلَوِّحَ الرَّجلُ بثَوبه عند الفَزَع ليُعلِمَ بذلك أصحابه.
(يَخْطِرَ) قال (ع): ضبطناه عن المُحقِّقين بكسر الطَّاء، وسمعناه من أكثَرِ الرُّواة بالضَّمِّ، لكن الكسر أَوْجَه، أي: يُوَسْوِسُ، وأما بالضَّمِّ فمن المُرور.
قال (ن): بالكَسْر: الوَسْوَسة، من قولهم: خطَر الفَحْل بذنبَه: إذا حرَّكَه فضَرب به فَخذَيه، وبالضَّمِّ: يَدنُو فيمرُّ بين المَرء وقَلْبه، انتهى.
وإنَّما هرَب الشَّيطان عند الأذان للاتِّفاق على إِعلان كلمة
стр. 1430
التَّوحيد وغيرها من العقائد، وإقامة الشِّعار، وإنَّما جاء عند الصَّلاة مع أَنَّ منها قِراءةَ القُرآن وغيرها، والصَّلاة غالبًا سِرٌّ ومُناجاةٌ، فله تطرُّق إلى إفسادها على فاعلها، أو إفساد خُشوعه، وقيل: هرَبُه عند الأذان لئلا يُضطَرَّ إلى الشَّهادة لابن آدم بذلك يوم القيامة، كما في حديث: "لا يَسمَعُ نداءَ صَوتِ المُؤذِّن جِنٌّ ولا إِنْسٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَومَ القِيَامةِ".
(بين المرء ونفسه) يقتضي أنَّ المُراد غير نَفْسه، فيُحمل على أنَّ المُراد بينه وبين قَلْبه كما في: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].
(لما)؛ أي: لشيءٍ لم يكُن يَذكُره في غير الصَّلاة.
(يظَل) بفتح الظاء المُشَالَة: يَصيرُ، أو يكُون؛ ليَتناول صلاةَ اللَّيل أيضًا، والقَصْد أنَّه يُسهيهِ، ولهذا حكَى الدَّاوُديُّ فيه: (يَضِلَّ) بالضَّاد بمعنى: نسِيَ، ويذهب وهْمُه.
قال (ش): (إن يدري) هي بالكسر نافيةٌ بمعنى (ما)؛ موافَقةً لرواية: (لا يَدْرِي).
قال الطِّيْبِي: كرَّر لَفظ (حتَّى) خَمس مرَّاتٍ، الأُولى والرَّابعة والخامِسة بمعنى: كَيْ، والثَّانية والثَّالثة دخلَتا على الجُملَتين الشَّرْطيتَين، وليستَا للتَّعليل.
* * *
(للصلاة)؛ أي: لأَجْلها، وفي بعضها: (بالصَّلاةِ).
(مدًّا)؛ أي: غايتَه.
قال التُّورِبِشْتي: وفي زيادة: (مَدًّا) مع الغُنية عنها تنبيهٌ على أنَّ آخرَ من يَنتهي إليه الصَّوت يَشهد له كما يشهد الأَوَّل.
وفيه الحثُّ على استفراغ الجُهد في رفع الصوت بالأذان، وقال البَيْضَاويُّ: إذا شَهد من يسمع آخرَ الصَّوت مع كونه أخفى لا محالةَ لبُعده؛ فلأنْ يشهدَ مَن هو أدنى وسَمع مبادئه أَولى.
(شيء) قيل: ممن تصحُّ منه الشَّهادة كالملائكة، وقيل: عام في الجماد وغيره بأنْ يخلُقَ الله له إدراكًا، فهو تعميمٌ بعد تخصيص، وفائدة هذه الشَّهادة، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، اشتهارُه بالفضل يومئذٍ، وعلوُّ الدَّرَجة كما يُفضَح من يُفضَح بالشَّهادة عليه.
(سمعته)؛ أي: الكلام الأخير، وهو أنَّه لا يسمع ... إلى آخره.
وفيه استحبابُ الأذان للمُنفرِد دون أن يؤذِّن على مكانٍ مرتفعٍ؛ ليكون أبعدَ لذهاب الصَّوت، وكان بلالٌ يؤذِّن على بيت امرأةٍ من بني النَّجَّار بيتُها أطولُ بيتٍ حَوْلَ المَسجِد.
وفيه العُزلةُ عن النَّاس، واتخاذُ الغنَم، والمُقامُ بالبادية من فعل السَّلَف، وفضْلُ الإعلان بالسُّنَن، وكثْرةُ الشُّهداء عليه يوم القيامة.
* * *
(لمكاتلهم) جمعُ مِكْتَل، بكسر الميم، أي: قُفَّة.
(ومساحيهم) جمع مِسْحاةٍ، وهي مَجرَفةٌ من حديدٍ.
(والخميس) عطفٌ على الفاعل، ويُروى بالنَّصْب مفعولًا معه، سُمِّي بذلك، لأنَّه خمسةٌ: قَلْبٌ، ومَيمَنةٌ، ومَيْسرةٌ، ومُقدَّمةٌ، وسَاقةٌ.
(خربت)؛ أي: لأَن في أيديهم المَسَاحي، ونحوَها، فهو تَفاؤلٌ بذلك، وقيل: أخذَه من اسمها، والأصحُّ أنَّه قالَه بوحْيٍ.
(بساحة)؛ أي: فِنَاءِ، وأصلُه الفَضاء بين المَنازل.
قال (خ): فيه أنَّ الأذان شِعار الإسلام، وأنَّه واجبٌ لا يجوز تَرْكه، وإذا اجتَمع أهلُ بلَدٍ على تَرْكه قاتلَهم السُّلطان عليه.
قال التَّيْمي: وإنَّما يُحقن الدَّمُ بالأذان؛ لأنَّ فيه الشَّهادتَين، وذلك لمَن بلَغتْه الدَّعوة، فكان يمسكُ ليَعلم أكانوا مُجيبين للدَّعوة أم لا؟ لأنَّ الله تعالى وعدَه بإظهار دينه على الدِّين كلِّه، فكان يطمعُ في إسلامهم، قال: وأما اليوم فلا يَكُفُّ الأئمةُ عمَّن بلغتْهم الدَّعوة لكي يَسمعوا أذانًا لمَا عُلم من غائلتهم للمُسلمين، بل يَنتهزوا الفُرْصة فيهم.
قال (ك): وفيه جواز الإِرْدَافِ على الدَّابّة المُطيقة، والتَّكبير عند اللِّقاء، والاستِشهادُ بالقُرآن لا في نحو ضَرْب الأمثال تَعظيمًا للقُرآن، وأنَّ الإغارة على العدوِّ تُستحبُّ أن تكون أوَّلَ النَّهار؛ لأنَّه وقتُ غَفْلتهم بخلاف مُلاقاة الجُيوش، وأنَّ النُّطق بالشَّهادتين إسلامٌ.
* * *
ضرورةَ أنَّ الذَّاتَ لا تُسمع، فلا بُدَّ من تَقدير: قول، كما في: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣]، ونحو ذلك.
(مثله)؛ أي: مثل ما يقول المُؤذِّن، وفي بعضها: (بمثْلِهِ).
(إلى قوله) قضيَّةُ أنَّ الغايَةَ تُخالف ما قبلَها أن لا يُقال في: (أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله) مثلَها، فيُجاب إما أنَّ (إلى) بمعنى (معَ)، كما في: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].
قال (ك): سلَّمنا، ولكنَّ الحكمَ مُتفاوِتٌ، ففي "الحاوي": إذا قال في إِقراره: عليَّ مِنْ واحدٍ إلى عشَرةَ يَلزمُه تسعةٌ، وفي "المُحَرَّر": إقرارٌ بعشَرة، وعليه الجُمهور.
قلتُ: الذي في "المُحرَّر": إنَّما هو في ضمانِ من واحدٍ إلى عشَرة، والمَذهب خلافُه كما في "الشَّرحين"، و"الرَّوضة"، وغيرهما، نعمْ، قوَّى الشَّيخ تَقيُّ الدِّين السُّبْكي ما في "المُحَرَّر".
قال (ك): ويُقال: سلَّمْنا، ولكن المُراد الذي قبلَ المَذكور بـ (إلى) لا يدخُل، والذي بعدَه هنا الحَيْعَلَة.
قلتُ: ليس ذاكَ من مَسألةِ الغَايَةِ، هل تَدخل؟ كما قرَّرتُ ذلك في "شرَح ألفيَّة الأُصول" مَبْسوطًا.
* * *
٦١٢ / -م - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَويهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، نَحْوَهُ.
стр. 1437
الحديث الثَّالث:
(إسحاق) قال الغَسَّاني: كلُّ ما في البُخاريِّ غيرَ منسوبٍ، فهو ابن راهوَيْهِ.
(نحوه)؛ أي: نحو الحديث السَّابق بإسناده، واعلم أنَّ هذا مختصرٌ، وأوردَه الإسماعيليُّ بتمامه، وفيه: (فقال: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، فقالَ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ)، وكذا إلى آخِر الأَذان.
* * *
٦١٣ - قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ، وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نبَيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ.
(بعض إخواننا) كذا أبْهمَه.
قال (ك): قيل: المُراد به الأَوْزاعيُّ، وقال غيرهُ: هو عَلْقمة بن وقَّاص، كما في "النَّسائي".
(لما قال)؛ أي: المؤذِّن.
(قال لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ أي: قال مُعاوية، وفي التَّركيب الخمسةُ الأوْجُه المَعروفة.
قال الجَوْهَريُّ: معنى حَيَّ: هَلُمَّ، وأَقْبِلْ، وفُتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلَها كـ: لَيت ولَعلَّ، وإنَّما لم يذكر في الحديث: حيَّ على الفلاح اكتفاءً بحيَّ على الصَّلاة، لأنَّهما في الحكم سواءٌ، والفلاح:
стр. 1438
الفَوز، والنَّجاة، والبقاء، قالوا: ليس في كلام العرَب كلمةٌ أجمع للخير من لفظة الفلاح، أي: أقبِلُوا على سبَب الفوز في الآخرة، والنَّجاة من النَّار، والبقاء في الجنَّة، والحَوْل: الحرَكة، أي: لا حركةَ إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: لا حَوْلَ في دفعْ شر، ولا قُوَّةَ في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حولَ عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قُوَّةَ على طاعته إلا بمعونته، ويقال في التَّعبير عن ذلك: الحَوْلقة، والحَوْقلة.
قال (ن): يُستحبُّ إجابة المؤذن لكلِّ مَن سمعه، من متطهر، ومحدثٍ، وجنُبٍ، وحائضٍ إلا لمن له مانعٌ ككونه في صلاة، أو خلاءٍ أو جماعٍ، ونحوه، وهل هي في غير أوقات المانع واجبةٌ أو مندوبةٌ؟ فيه خلاف، وكذا يجيب كلَّ مؤذِّنِ، أو أوَّلُهم؟ قالوا: ويُتابعه في الإقامة إلا أنَّه يقول في: (قدْ قامت الصَّلاة): أقامَها الله وأَدامها.
قال التَّيْمي: الحَيْعلة دعاءٌ للصلاة لا معنى لقول السَّامع فيه ذلك؛ لأنَّ دعاء الناس إلى الصَّلاة سرًّا لا فائدةَ له، بل يُقال فيها: الحولقة؛ لأنَّها كنزٌ من كنوز الجنَّة.
* * *
٨ - بابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاء
(باب الدُّعاء عند النِّداء)
٦١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ،
стр. 1439
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(عَيَّاش) بفتح المُهمَلة، وشدة التَّحتانيَّة، وإعجام الشِّين.
(حمزة) بالمُهمَلة، والزَّاي.
(يسمع)؛ أي: يفرغ من السَّماع، وإلا فالقياس أن يقول: سمع بالماضي، أو المراد من النِّداء تمامه؛ إذ المُطلق محمول على الكلِّ، ويَسمعُ حالٌ لا استقبالٌ.
(رب)؛ أي: يستحقُّ أنْ يُوصف بهذه.
(الدعوة)؛ أي: ألفاظ الأذان.
(التامة) لمَا سبَق من جمعها العقائدَ بتمامها، أو لأنَّها المُستحقَّة للوصف بالكمال والتمام، وغيرُها من الدُّنْيا عُرضة النَّقص والفساد، أو لأنَّها محميَّةٌ من التَّغيير والتَّبديل، باقيةٌ إلى يوم النُّشور.
(القائمة)؛ أي: الباقية، لا تُغيَّر ولا تُنسَخ.
(الوسيلة) أصلُها ما يُتوسَّل به ويُتقرَّب، والمراد هنا ما فسَّرها به النبيُّ ﷺ بقوله كما في "مسلم": "فقُولُوا كَما يَقُولُ المُؤذِّن، ثم صَلُّوا عليَّ، فإنَّه مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عَشْرًا، ثم سَلُوا اللهَ ليَ الوسيلةَ؛ فإنَّها منزلةٌ في الجنَّة لا تَنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله،
стр. 1440
وأَرجُو أنْ أكونَ أنا هو".
(والفضيلة)؛ أي: المَرتَبة الزَّائدة على الخَلْق.
(مقامًا) مفعولٌ به على تضمين (بعثَ) معنى (أعطَى)، أو مفعولٌ فيه إن كان مكانًا غيرْ مبهم، لكنَّه نُزِّل منزلة المُبهم، أو هو تشبيه: رميتُ مَرمَى زَيدٍ.
قال الزَّمَخْشَريّ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، أنَّه نُصبَ على الظَّرف؛ أي: فيُقيمك مقامًا، أو ضمَّن (يبعثك) معنى (يقيمك)، أو حالٌ، أي: يبعثك ذا مقامٍ محمودٍ، وإنَّما نُكِّر للتَّفخيم، أي: وأيُّ مقامٍ.
(محمودًا) يحمده الأَوَّلون والآخِرون، وليس أحدٌ إلا تحت لِوائه، وله الشَّفاعة العُظمى حين يعترف الكلُّ بالعَجْز، ويُقال له: اشْفَعْ تُشفَّعْ، فيَشفَع للجميع في إراحة هَوْل الموقِف، وكشفِ كُرْبَة العَرَصات ﷺ .
(الذي) صفةٌ لـ (مَقامًا) إنْ قُلنا: صارَ علَمًا له، أو بدل، أو نصبٌ على المَدْح، أو رفعٌ بتقدير هو.
(وعدته)؛ أي: بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩].
(حلت)؛ أي: استحقَّتْ؛ لأنَّ الحلال ما كان مُستحَقًّا.
(له)؛ أي: عليه.