Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
ضرورةَ أنَّ الذَّاتَ لا تُسمع، فلا بُدَّ من تَقدير: قول، كما في: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣]، ونحو ذلك.
(مثله)؛ أي: مثل ما يقول المُؤذِّن، وفي بعضها: (بمثْلِهِ).
(إلى قوله) قضيَّةُ أنَّ الغايَةَ تُخالف ما قبلَها أن لا يُقال في: (أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله) مثلَها، فيُجاب إما أنَّ (إلى) بمعنى (معَ)، كما في: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].
قال (ك): سلَّمنا، ولكنَّ الحكمَ مُتفاوِتٌ، ففي "الحاوي": إذا قال في إِقراره: عليَّ مِنْ واحدٍ إلى عشَرةَ يَلزمُه تسعةٌ، وفي "المُحَرَّر": إقرارٌ بعشَرة، وعليه الجُمهور.
قلتُ: الذي في "المُحرَّر": إنَّما هو في ضمانِ من واحدٍ إلى عشَرة، والمَذهب خلافُه كما في "الشَّرحين"، و"الرَّوضة"، وغيرهما، نعمْ، قوَّى الشَّيخ تَقيُّ الدِّين السُّبْكي ما في "المُحَرَّر".
قال (ك): ويُقال: سلَّمْنا، ولكن المُراد الذي قبلَ المَذكور بـ (إلى) لا يدخُل، والذي بعدَه هنا الحَيْعَلَة.
قلتُ: ليس ذاكَ من مَسألةِ الغَايَةِ، هل تَدخل؟ كما قرَّرتُ ذلك في "شرَح ألفيَّة الأُصول" مَبْسوطًا.
* * *
٦١٢ / -م - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَويهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، نَحْوَهُ.
стр. 1437
الحديث الثَّالث:
(إسحاق) قال الغَسَّاني: كلُّ ما في البُخاريِّ غيرَ منسوبٍ، فهو ابن راهوَيْهِ.
(نحوه)؛ أي: نحو الحديث السَّابق بإسناده، واعلم أنَّ هذا مختصرٌ، وأوردَه الإسماعيليُّ بتمامه، وفيه: (فقال: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، فقالَ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ)، وكذا إلى آخِر الأَذان.
* * *
٦١٣ - قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ، وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نبَيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ.
(بعض إخواننا) كذا أبْهمَه.
قال (ك): قيل: المُراد به الأَوْزاعيُّ، وقال غيرهُ: هو عَلْقمة بن وقَّاص، كما في "النَّسائي".
(لما قال)؛ أي: المؤذِّن.
(قال لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ أي: قال مُعاوية، وفي التَّركيب الخمسةُ الأوْجُه المَعروفة.
قال الجَوْهَريُّ: معنى حَيَّ: هَلُمَّ، وأَقْبِلْ، وفُتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلَها كـ: لَيت ولَعلَّ، وإنَّما لم يذكر في الحديث: حيَّ على الفلاح اكتفاءً بحيَّ على الصَّلاة، لأنَّهما في الحكم سواءٌ، والفلاح:
стр. 1438
الفَوز، والنَّجاة، والبقاء، قالوا: ليس في كلام العرَب كلمةٌ أجمع للخير من لفظة الفلاح، أي: أقبِلُوا على سبَب الفوز في الآخرة، والنَّجاة من النَّار، والبقاء في الجنَّة، والحَوْل: الحرَكة، أي: لا حركةَ إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: لا حَوْلَ في دفعْ شر، ولا قُوَّةَ في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حولَ عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قُوَّةَ على طاعته إلا بمعونته، ويقال في التَّعبير عن ذلك: الحَوْلقة، والحَوْقلة.
قال (ن): يُستحبُّ إجابة المؤذن لكلِّ مَن سمعه، من متطهر، ومحدثٍ، وجنُبٍ، وحائضٍ إلا لمن له مانعٌ ككونه في صلاة، أو خلاءٍ أو جماعٍ، ونحوه، وهل هي في غير أوقات المانع واجبةٌ أو مندوبةٌ؟ فيه خلاف، وكذا يجيب كلَّ مؤذِّنِ، أو أوَّلُهم؟ قالوا: ويُتابعه في الإقامة إلا أنَّه يقول في: (قدْ قامت الصَّلاة): أقامَها الله وأَدامها.
قال التَّيْمي: الحَيْعلة دعاءٌ للصلاة لا معنى لقول السَّامع فيه ذلك؛ لأنَّ دعاء الناس إلى الصَّلاة سرًّا لا فائدةَ له، بل يُقال فيها: الحولقة؛ لأنَّها كنزٌ من كنوز الجنَّة.
* * *
٨ - بابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاء
(باب الدُّعاء عند النِّداء)
٦١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ،
стр. 1439
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(عَيَّاش) بفتح المُهمَلة، وشدة التَّحتانيَّة، وإعجام الشِّين.
(حمزة) بالمُهمَلة، والزَّاي.
(يسمع)؛ أي: يفرغ من السَّماع، وإلا فالقياس أن يقول: سمع بالماضي، أو المراد من النِّداء تمامه؛ إذ المُطلق محمول على الكلِّ، ويَسمعُ حالٌ لا استقبالٌ.
(رب)؛ أي: يستحقُّ أنْ يُوصف بهذه.
(الدعوة)؛ أي: ألفاظ الأذان.
(التامة) لمَا سبَق من جمعها العقائدَ بتمامها، أو لأنَّها المُستحقَّة للوصف بالكمال والتمام، وغيرُها من الدُّنْيا عُرضة النَّقص والفساد، أو لأنَّها محميَّةٌ من التَّغيير والتَّبديل، باقيةٌ إلى يوم النُّشور.
(القائمة)؛ أي: الباقية، لا تُغيَّر ولا تُنسَخ.
(الوسيلة) أصلُها ما يُتوسَّل به ويُتقرَّب، والمراد هنا ما فسَّرها به النبيُّ ﷺ بقوله كما في "مسلم": "فقُولُوا كَما يَقُولُ المُؤذِّن، ثم صَلُّوا عليَّ، فإنَّه مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عَشْرًا، ثم سَلُوا اللهَ ليَ الوسيلةَ؛ فإنَّها منزلةٌ في الجنَّة لا تَنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله،
стр. 1440
وأَرجُو أنْ أكونَ أنا هو".
(والفضيلة)؛ أي: المَرتَبة الزَّائدة على الخَلْق.
(مقامًا) مفعولٌ به على تضمين (بعثَ) معنى (أعطَى)، أو مفعولٌ فيه إن كان مكانًا غيرْ مبهم، لكنَّه نُزِّل منزلة المُبهم، أو هو تشبيه: رميتُ مَرمَى زَيدٍ.
قال الزَّمَخْشَريّ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، أنَّه نُصبَ على الظَّرف؛ أي: فيُقيمك مقامًا، أو ضمَّن (يبعثك) معنى (يقيمك)، أو حالٌ، أي: يبعثك ذا مقامٍ محمودٍ، وإنَّما نُكِّر للتَّفخيم، أي: وأيُّ مقامٍ.
(محمودًا) يحمده الأَوَّلون والآخِرون، وليس أحدٌ إلا تحت لِوائه، وله الشَّفاعة العُظمى حين يعترف الكلُّ بالعَجْز، ويُقال له: اشْفَعْ تُشفَّعْ، فيَشفَع للجميع في إراحة هَوْل الموقِف، وكشفِ كُرْبَة العَرَصات ﷺ .
(الذي) صفةٌ لـ (مَقامًا) إنْ قُلنا: صارَ علَمًا له، أو بدل، أو نصبٌ على المَدْح، أو رفعٌ بتقدير هو.
(وعدته)؛ أي: بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩].
(حلت)؛ أي: استحقَّتْ؛ لأنَّ الحلال ما كان مُستحَقًّا.
(له)؛ أي: عليه.
стр. 1441
(شفاعتي)؛ أي: للعامِّ والخاصِّ، فيدخُل فيها الشَّفاعات كلُّها،
ففيها ردٌّ على من أَنكَر بعضَها كالمُعتزلة.
قال التَّيْمي: وفيه الحضُّ على الدُّعاء في أوقات الصَّلوات حين فتح أَبواب السَّماء للرَّحمة، وقد جاء: "سَاعَتَانِ لا يُرَدُّ فيهما الدُّعاءُ: حَضْرَةُ النِّداءِ بالصَّلاةِ، وحَضرَةُ الصَّفِّ في سَبيلِ اللهِ"، فدلَّهم على وقت الإجابة.
* * *
٩ - بابُ الاِسْتِهَام فِي الأَذَانِ
وَيُذْكَرُ: أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ.
(باب الاستِهامِ في الأَذان)؛ أي: الاقتِراع بالسِّهام التي يُكتَب عليها الأَسماءُ، فمَنْ خرَج له سهمٌ حازَ حظَّه.
(في الأذان)؛ أي: في مَنْصِبه، وذلك حين فتَحَ القادسيَّة صَدْرَ النَّهار، فاتَّبعَ النَّاس العدوَّ، فرجَعوا، وقد حانت صلاةُ الظُّهر، وأُصيب المؤذِّن، فتَشَاحَّ النَّاسُ في الأَذان، حتَّى كادُوا يَجتلِدُون بالسُّيوف، فأَقْرَعَ بينهم سعْدٌ، فأذَّن مَن خرَج سهمُه.
والقُرعة أصلٌ في الشَّريعة في تَعيين ذي الحقِّ في مَواضع.
* * *
стр. 1442
٦١٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرناَ مَالِك، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللهُ ﷺ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاء وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَليهِ لاسْتَهَمُوا، ولَو يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجيرِ لاسْتبَقُوا إلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا في العَتْمَةِ والصُّبح لأتوهُمَا ولَو حَبْوًا".
(سُمَي) بضَمِّ المُهمَلة، وفتح الميم، وشدَّة التَّحتانيَّة.
(لو يعلم) قال الطِّيْبِي: أي: لَو عَلِمَ، فأتَى بالمضارع إقامةً له مُقامَ ما يَستدعيه؛ إذ المُراد: ثم حاوَلوا الاستِباق إليه لوَجب عليهم ذلك، أو ليُفيد استمرارَ العلم، وأنَّه ينبغي أن يكونَ على بالٍ.
(ثم لم يجدوا) في بعضها: (لا يَجِدُوا)؛ لأَنَّ حذْف النُّون قد يُوجد بدُون ناصبٍ وجازمٍ تخفيفًا، قال ابن مالك: ثابت ذلك في كلام الفَصيح نظمِه، ونثْرِه.
وأتى بـ (ثُمَّ) لتَراخي مَرتبة الاستِباق عن العِلْم، ولهذا قدَّم الأذان؛ لأنَّه مقدِّمةٌ للمقصود الذي هو المُثول بين يدَي الرَّبِّ .
(التهجير)؛ أي: التَّبكير بصلاة الظُّهر، وسبق أنَّ هذا لا يُعارِض الإبراد بها؛ لأنَّه تأْخيرٌ قليلًا لا يُخرج إطلاقَ التَّهجير؛ لأنَّ الهاجرة إلى قُرب العصْر، ثم المُراد التَّبكير لكلِّ صلاةٍ، قاله الطيْبِي.
(ما في العَتَمَة)؛ أي: مِنْ صلاتِها جماعةً، وأبْهمَ ذلك ليُفيد
стр. 1443
المُبالغة؛ فإنَّه لا يدخُل تحت الوصف، ولذلك ذكَر الاستهام؛ لأنَّه لا يكون إلا فيما يَتنافس فيه المُتنافسون.
(حَبْوًا) بفتح المُهمَلة، وسُكون المُوحَّدة، أي: المَشْي على اليدَين والرُّكبتين، أو على المَقعَدة.
قال (ن): أي: لو عَلِموا فضْلَ الأَذان، وعظيمَ جَزائه، ثم لم يجدوا طَريقًا يحصِّلونه به لِضِيْق الوقْت، أو لكونه لا يؤذِّن للمكتوبة إلا واحدٌ لاقتَرعوا في تَحصيله.
وفيه الحثُّ على العَتَمَة والصُّبح لما فيهما من المَشَقَّة على النُّفوس، وتسميةُ العِشاء عتَمَةً، وإنْ ورَد النَّهي عنه، فهذا لبَيان أن النَّهي ليس للتَّحريم، فهو لبَيان الجواز، أو لرفْع تَوهُّم أَنْ يُراد بالعِشاء المَغرب؛ لأنَّهم كانوا يُسمُّونها عِشاءً، فيَفسد بذلك المعنى، ويفوت المطلوب، فاستَعمل العَتَمَة التي لا يشكُّون فيها دفْعًا لأعظم المفسدتَين بأخفِّهما.
قال التَّيْمي: فضل الصَّف الأَوَّل لاستماع القُرآن إذا جهَر الإمام، والتَّأمين لقراءته.
والتَّهجير السَّبْق للمسجد في الهاجرة؛ لأنَّ مُنتظِر الصَّلاة في صلاةٍ.
قال (ك): ومن فضْل الصَّفِّ الأَوَّل إذا احتاج الإمامُ لاستخلاف، فيكونُ خليفتَه، أو ينقُل صفة الصَّلاة، ويُعلمها النَّاس، والصَّفُّ الثَّاني أفضل من الثالث، وهَلُمَّ جَرًّا.
стр. 1444
ووجه مطابقته للتَّرجمة: أنَّ قوله: (لاستَهَمُوا علَيهِ) أي: لاقتَرَعُوا، أو تَنافَسوا حتَّى يُؤدِّي للاقتراع، والضَّمير في (عليه) على ما تقدَّم كلِّه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، أي: المَذكورَ، وقال ابن عبد البَرِّ في "التَّمهيد": إنَّ الضَّمير إنَّما يعودُ إلى الأَقْرب، وهو الصَّفُّ الأَوَّل، ونُوزِع بأن النِّداء يبقى ضائعًا لا فائدةَ له.
* * *
١٠ - بابُ الكَلَام في الأَذَانِ
وتَكَلَّمَ سُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ في أذَانِهِ، وقال الحَسَنُ: لا بَأْسَ أنْ يَضْحَكَ وهو يُؤَذِّنُ أو يُقِيمُ.
(باب الكَلام في الأَذان)
٦١٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُوبَ، وعَبْدِ الحَميدِ صَاحِبِ الزِّيادِيِّ، وعَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَأمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ: فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ.
(يوم رَدغٍ) يحتمل أنَّه مضاف لـ (رَدْغٍ)، وأنَّ (رَدْغًا) صفةٌ له على معنى؛ ذِي رَدْغٍ، والرَّدْغ بفتح الرَّاء، وسكون الدَّال المُهمَلة، أو
стр. 1445
فتحها، وإعجام الغَين، أي: وَحْلٌ شديدٌ، ورواه الأَصِيْلي: (رَزْعٌ)، براءٍ تفتح، وتسكَّن، ثم معجمة: الغَيْم البارد، وقيل: المطَر، وقال الجَوْهَري: الوَحْل، لكنَّه قال: الرَّزْغة بالهاء، وكذا قال في الأَوَّل: رَدْغَة، قال: والجمعُ رَدْغٌ.
(فأمره) هو تفسيرٌ لـ (أَمَرَ) محذوفةٍ هي العامل في (لمَّا) إنْ كانت ظرفيَّةً، وهو جوابٌ إنْ كانت شَرطيَّة.
(الصَّلاة) منصوبٌ بمحذوفٍ، أي: صلُّوا الصَّلاةَ، أو أَدُّوا الصَّلاة.
(الرِّحال) جمع رَحْل، مَنْزِل الشَّخْص، وموضع أَثاثِه.
(فنظر)؛ أي: نظَرَ إنكارٍ على تَغييرِ وضع الأذان، وتبديلِ الحَيْعَلة بذلك.
(من هو خير)؛ أي: النبي ﷺ ، فإنَّه خيرٌ من ابن عبَّاس، ومن الخَلْق كلِّهم، وفي "مسلم": (هُوَ خَيْرٌ مِنِّي).
(إنها)؛ أي: الجمُعة، وإنْ لم يَسبِق لها ذِكْرٌ.
(عزمة) بسُكون الزَّاي، أي: واجبةٌ مُتحتِّمةٌ، فلو قال المؤذِّن: حَيَّ على الصَّلاة لكلَّفتُكم المَجيءَ إليها، ولحقَتْكمُ المَشَقَّة.
قال التَّيْمي: رخَّصَ جمعٌ كأحمد الكلامَ في الأذان بدليل الصَّلاة في الرِّحال، وفيه إباحة التَّخلُّف عن الجمُعة مع أنَّها عَزْمة، أي: للعُذر.
стр. 1446
قال (ن): فيه تخفيفُ أَمْر الجماعة في المطَر، ونحوِه من الأعذار، وأنَّها والأذان مَشروعتان في السَّفَر، وقولُ هذه الكلمة في نفْس الأذان، وفي حديث ابن عمر: أنَّه قالَها آخرَ ندائه، والأمرانِ جائزان، نصَّ عليهما الشَّافعي في "الأم"، لكنْ بعدَه أحسنُ؛ ليبقَى الأذان على نظمه.
* * *
١١ - بابُ أَذَانِ الأَعْمَى إذَا كانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ
(باب أَذان الأَعمَى إذا كانَ معَهُ مَنْ يُخبِرُه)؛ أي: بدُخولِ الوقْت.
٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ.
(أصبحت)؛ أي: دخلَت في الصَّباح، فهي تامَّةٌ تكتَفي بمرفوعها، وقال (ش): معناهُ قاربَت الصَّبَاحَ؛ إِذْ ليس المُراد الإعلامَ بظُهور الصُّبح بل التَّحذير مِنْ طُلوعه، والتَّحضيض له على النِّداء خِيْفةَ ظُهوره، انتهى.
стр. 1447
وسيَأتي كلامُ التَّيْمي فيه، وتأويلُه.
وفي الحديث الوَصْف بالعَيب لتعريفٍ، أو مصلحةٍ، فهو أحدُ وُجوه الغِيْبة المُباحة، واتخاذُ مؤذِّنيَن للمَسجِد يؤذِّن أحدُهما قبلَ الفجْر، وآخرُ بعدَه، وأنَّ أذان الأَعمى لا يُكره إذا كان معَه بصيرٌ، ويُكرَه وحدَه، وجوازُ نِسْبة الرَّجل لأُمِّه إذا كان يُعرَف بها، وتكرارُ اللَّفظ للتَّأكيد، وتكنيةُ المرأة، والأَذانُ قبلَ الوقْت في الصُّبح، والأكلُ ونحوه إلى الفجْر، وجوازُ ذلك بعد النيَّة؛ إذْ معلومٌ أنَّها لا تتقدَّمُ الفجْرَ، واعتِمادُ صَوتِ المُؤذِّن، واستِحبابُ السُّحورِ، وتأخيرِه.
* * *
١٢ - بابُ الأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ
(باب الأَذانِ بعدَ الفَجْر)
٦١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْح وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى ركعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاة.
الحديث الأَوَّل:
(اعتكف) خالَف سائرُ الرُّواة مالكًا في ذلك، فرَووا: (سكَتَ)
стр. 1448
مكَان: (اعتَكَفَ)، ومعنى عُكوفِه: جلَسَ يَنتظِرُ الصَّلاةَ لكي يُؤذِّن، أو ارتقَبَ طُلوعَ الفجْر ليُؤذِّن في أوَّله، ورواية: (سَكَتَ) تقتضي اتصالَ الصَّلاة بأَذانهِ.
(بدا)؛ أي: ظهَر، وفي بعضها: (ندا)، بالنُّون، قال (ك): وهو الأصحُّ.
وفيه أنَّ سُنَّة الصُّبح ركعتانِ، وخَفيفتان.
* * *
٦٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْربُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ".
الثَّاني:
(ينادي)، وفي بعضها: (يُؤذِّنُ).
(بليل)؛ أي: في لَيلٍ.
قال التَّيْمي: لا يُطابق الحديثُ التَّرجَمةَ؛ إذ لَو كان أَذانُه بعد الفجْر لمَا جازَ الأكلُ إلى أذانه إلا أنْ يُقال: كان أذانُه علامةً على أنَّ الأكلَ صارَ حَرامًا، ولم تكُن الصَّحابة يَخفَى عليهم الأكلُ في غير وقْته بل كانوا أحوطَ لدينهم من ذلك.
* * *
стр. 1449
١٣ - بابُ الأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ
(باب الأَذانِ قبلَ الفَجْر)
٦٢١ - حَدَّثنَا أَحمَدُ بنُ يُوْنسَ، قَالَ: حَدَّثَنا زُهَير قال: حَدَّثنَا سُليمانُ التَّيميُّ، عَنْ أَبِيْ عُثْمَانَ النَّهدِيِّ، عَن عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، عَنْ النبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يمنَعَنَّ أَحَدكمْ -أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ- أَذَانُ بِلَالٍ مِن سَحُورِه، فَإِنَّهُ يَؤَذِّنُ، أَوْ يَنَادِي بِلَيلٍ، لَيْرَجِعَ قَائِمَكُم، وليُنَبِّهَ ناَئِمَكُم، ولَيْسَ أَنْ يَقُولَ: الفجرُ أَو الصَّبحُ"، وقَالَ بِأصابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأطَأَ إِلَى أَسْفَلُ "حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا"، وَتَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينهِ وَشِمَالِهِ.
الحديث الأَوَّل:
(أحمد بن يونس) فيه سِتُّ لُغاتٍ: التَّثليث مع الواو، ومع الهَمْزة، وكذا في يُونسُ، أي: المعروف بشَيْخ الإسلام.
(أحدكم) عامٌّ بإضافته لمعرفةٍ.
(أو أحدًا) عامٌّ؛ لأنَّه نكرةٌ في نَفْيٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي.
(سحوره) بفتح السِّين: ما يتسحر به، وبضَمِّها: الفعل كوَضُوء، ووُضُوء.
(ليرجع) إما من الرُّجوع، وفاعله: (قائمُكم)، أو من الرَّجْع، فـ (قائمُكم) نصبٌ على على المَفعول به، والمُراد رُجوع القائم في
стр. 1450
التَّهجُّد ليَنام لحظةً ليُصبح نشيطًا.
(ولينبه نائمكم) من التَّنبيه، أو من الإِنْباه، أي: يُوقِظُه، وفي بعضها: (يَنتَبِه) من الانتِباه.
والمُراد أن يقوم لمَا يُريد من سُحورٍ، أو تَهجُّدٍ، أو صلاة صُبحٍ، أو اغتسالٍ، أو نحو ذلك.
(أن يقول) خبَرُ (ليس)، وهو بالخِطاب، أو بالغَيبة.
(الفجر) بالرَّفع اسمُها.
(هكذا ...) إلى آخِره: إشارةٌ إلى اعتِبار الفجْر الصَّادق لا الكاذِب، فعبَّر عن الكاذب وهو الضَّوءُ المُستطيلُ من العُلُوِّ إلى السُّفْل بالإشارة.
(بأصبعيه) وفي بعضها: (بأُصْبَعِهِ) بالإفراد إلى استِطالته.
(طأطأ) بوزْن: دَحْرَجَ، أي: خَفَضَ.
(فوق) مبنيٌّ على الضَّمِّ، والإِصْبع فيه اللُّغات العشَرة المَشهورة.
(أسفل) مثلُه، أو نصبٌ بالفتحة؛ لأنَّه غير منصرفٍ، وقُرئ بهما في: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].
(حتَّى يقول هكذا) إشارةٌ إلى كيفيَّة الصادق، وهو المُعترِض المُستطيل في اليمين والشمال.
(وقال زهير)؛ أي: في تفسير معنى (هكذا)، أي: أَشارَ بالسَّبَّابتَين، وهما ما يَلي الإبهام، سُمِّيا بذلك لأنَّهما قد يُشار بهما عند
стр. 1451
الغضَب إلى الشَّتم.
(وشماله) بالكسر ضدُّ اليَمين، أما بالفتح فضِدُّ الجَنوب، وفي "مسلم" قال ﷺ : "صِفَةُ الفجْر ليس أن تَقولَ: هكذا وهكذا"، وصوَّبَ بيدهِ ورفَعَها "حتَّى تقول: هكذا"، وفرَّج بين أُصبَعَيهِ، وفي الرِّواية الأُخرى: "إنَّ الفَجْر ليس الذي يَقولُ: هكذا"، وجمَعَ أَصابعَه، ثم نكَّسَها إلى الأَرض، "ولكن الذي يقول: هكذا"، ووضَع المُسبِّحة على المُسبِّحة، ومدَّ يدَيهِ.
وفي الحديث التَّنبيه للقائم والنَّائم لمصلحتهما، وزيادةُ الإيضاح بالإشارة تأكيدًا للتَّعليم.
* * *
٦٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ.
٦٢٣ - وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ".
الحديث الثَّاني:
(إسحاق) هو كما قال الغَسَّاني: إذا قال: ثنا أبو أُسامة، أنا
стр. 1452
إسحاق الحَنْظَلي، أو ابن نَصْر السَّعْدي، أو الكَوْسَج، أي: والكُلُّ على شَرْط البُخاريِّ، فلا يَقدَح الإبهامُ.
(وعن نافع) عطفٌ على القاسم، ورُبَّما كُتِبَ فيه (ح) للتَّحويل.
(حتَّى يؤذَّن) في بعضها: (يُنادَى)، قال الطَّحَاوي: وهو دليلٌ أنَّه لا يؤذَّن قبل الصُّبح، أنَّه إنَّما كان لترجيعِ القائم، وتَنبيهِ النَّائم لا أذانًا للصَّلاة، وقال غيرُه: إنَّما كان نداءً لا أذانًا.
قال (ك): للشَّافعية أن يَقولوا: هو أذانٌ قبل الصُّبح أقرَّه الشَّارع، أمَّا كونه للصَّلاة أو لغرَضٍ آخر، فذاك بحثٌ آخر، فأمَّا رواية: (يُنادَى)، فمُعارَضةٌ برواية: (يُؤَذَّن)، والتَّرجيحُ معنا؛ لأنَّ كلَّ أذانٍ نداءٌ، ولا عكْسَ، والجمْعُ بين الدَّليلَين أَولى، ولا يُحمَل على الأَذان اللُّغَويِّ؛ لأنَّ الشَّرعي مُقدَّمٌ عليه، ولا يَقدَح في تفسير الأذان، فإنَّه للإعلام بالوقْت؛ لأنَّ المُراد أعمُّ من إعلامٍ بدُخوله أو مقارنتِه.
* * *
١٤ - بابٌ كمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإقَامَةِ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ الإقَامَةَ ؟
(باب: كمْ بينَ الأَذانِ والإقامة؟) مُميِّزُ (كَمْ) محذوفٌ، أي: كَمْ ساعةً، ونحوه.
(ومن ينتظر)؛ أي: وحُكم مَن يَنتظِر.
* * *
стр. 1453
٦٢٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانينِ صَلَاةٌ -ثَلَاثًا- لِمَنْ شَاءَ".
الحديث الأَوَّل:
(الجُرَيري) بضَمِّ الجيم، وفتح الرَّاء الأُولى: سَعيد بن إِيَاس.
(أذانين)؛ أي: الأَذان والإقامة، فهو من التَّغليب، كالأسوَدَينِ للتَّمْر والمَاء، ويحتمل أنَّ الإقامة أذانٌ؛ لأنَّها إعلامٌ بفعل الصَّلاة، فلا تَغليبَ.
قال (خ): ولا يُحمل على ظاهره؛ لأنَّ الصَّلاة واجِبة بين أذانيَ وقتَينِ، وهو يُنافيه لمَن شاء، قيل: حَرَّض النبيُّ ﷺ على النَّفْل بين الأَذانين؛ لأن الدُّعاء لا يُرَدُّ بينهما، فلمَّا كان ذلك الوقت أشرفَ كان ثواب العبادة فيه أكثرَ، وقيل: المُراد الرَّاتبة والإقامة.
(صلاة)؛ أي: وقت صلاةٍ.
(ثلاثًا)؛ أي: قال ذلك ثلاثًا، وليس المُراد قولَ الكُلِّ؛ لأَنَّ المَشهورَ ما سيَأتي أنَّ الثَّلاث في (بين كلِّ صلاتين)، ثم قال في الثَّالثة: (لمَنْ شَاءَ).
* * *
٦٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 1454
شُعْبَةُ قالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ، عنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ ناَسٌ مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإقَامَةِ شَيْءٌ.
قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ.
الحديث الثَّاني:
(السواري) جمع ساريَة، وهي الأُسطُوانة.
(وهم كذلك)، أي: في الابتِدار، والانتِظار، وفي بعضها:
(وهِيَ)؛ أي: كما يُقال: الرِّجالُ فعَلَتْ.
(شيء)؛ أي: زمانٌ، أو صلاةٌ، والمراد هنا بين المَغرب وأدائها، فهو مخصِّصٌ لعموم الحديث السَّابق.
(جَبَلة) بفتح الجيم، والمُوحَّدة.
(وأبو داود)؛ أي: أبو سُليمان الطَّيَالسيُّ.
قال (ك): والظَّاهر أنَّ هذا تعليقٌ، لأن البُخاريَّ كان ابن عشْرٍ عند وفاتِه سنةَ أربعٍ ومئتين.
(إلا قليل) هذا قاضٍ بالتَّقييد على ما سبَق من إِطلاق: (لم يَكُنْ بَينَهُما شيءٌ)، مع أنَّ الرَّاوي فيهما شُعبة، أو الشَّيءُ المَنفيُّ أولًا الكثير، والمُثبَت هنا القليلُ، أو أنَّ ذلك باعتبارِ زمانيَن.
стр. 1455
وقد اختُلف في الصَّلاة قبلَ المَغرب، فأجازه أحمد، وقال النَّخَعِي: بدعةٌ؛ لأنَّه يُؤدي إلى تأخير المَغرب عن أوَّل وقتها، ولأصحابنا وجهانِ، أشهرُهما: لا تُستحبُّ، وهو قول مالك، وأصحُّهما: تُستحبُّ.
* * *
١٥ - بابُ مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ
(باب مَن انتَظَر الإقامَةَ)
٦٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ ركعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإقَامَةِ.
(سكت) قال الصَّاغَاني: -بموحَّدة- أذَّن؛ استعارةٌ مِن سكْبِ الماءِ، وهو صَبُّه كإِفْراغ الحديث في الأُذُن، وكذا قال صاحب "النِّهاية"، وقال (ع): المَحفوظ المُثنَّاة، وأما بالمُوحَّدة فمَعناه أَذَّنَ.
(بالأولى)؛ أي: بالمُناداة الأُولى؛ فإنَّ الثَّانية هي الإقامة، أو في السَّاعة الأُولى، أو المَرَّة الأُولى من النِّداء، والباء متعلِّقة بـ (المُؤذِّن)، أو بـ (سكَت).
стр. 1456
(يستبين) في بعضها: (يَستَنير)، من النُّور، وفي بعضها: (يَستَيْقِن).
(شقه)؛ أي: جنْبِه الأيمن، أي: حتَّى لا يَستغرِق في النَّوم؛ لأنَّ القَلْب في جهة اليَسار، فبالنَّوم عليه يسكُن ويستريح، فيَستغرِق في النَّوم، وأيضًا يكون انْحِدار الثِّقَل إلى السُّفل أسهل وأكثر، فيَصيرُ سبَبًا لدغْدَغَةِ قَضاء الحاجة، فينتبهُ أسرعَ.
وفي الحديث استحبابُ تخفيف سُنَّة الفجْر، والاضطجاعُ على الأَيمن عند النَّوم، وإتيانُ المؤذِّن للإمام الرَّاتب وإعلامُه بحُضور الصَّلاة.
* * *
١٦ - بابٌ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صلَاةٌ لِمَنْ شاء
(باب: بَينَ كلِّ أذانيَن صَلاة)؛ أي: الأذانِ والإقامةِ كما سبق.
٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أَذَانينِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانينِ صَلَاةٌ -ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ- لِمَنْ شَاءَ".
وسبق معنى الحديث.
(كَهْمَس) بفتح الكاف، وسكون الهاء، وفتح الميم، وإهمال
стр. 1457
السِّين، منصرفٌ.
(لمن شاء) وهو مُقيِّدٌ للإطلاق هناك؛ لأَنَّ المُطلَق يُحمَل على المُقيَّد، وزيادةُ الثِّقة يُعمل بها.
* * *
١٧ - بابُ مَنْ قالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّن وَاحِدٌ
(باب مَن قال: لِيُؤَذِّنْ)
٦٢٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُويرِثِ: أتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ: "ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدكمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكبَرُكُمْ".
(معلى) بضَمِّ الميم، وفتح المُهمَلة، وشدَّة اللَّام.
(قومي) هم بَنُو لَيثٍ.
(رفيقًا) بفاءٍ، ثم قافٍ، وفي بعضها بقافَين، أي: رقيقَ القَلْب.
(أهلنا) الأهل من النَّوادِر جمعُه بالواو والنُّون، فيُقال: أَهْلُون، ويُكَسَّر: أَهالي، وبالألِف والتَّاء: أَهْلات.
(ارجعوا) من الرُّجوع.
стр. 1458
(الصَّلاة) أعمُّ من الحضَر والسَّفَر، وهو وجه التَّرجَمة.
(أكبركم) إنَّما قدَّم الأكبرَ مع أنَّه يُقدَّم على الأَسَنِّ الأَفقهُ، ثم الأَقْرأُ، ثم الأَوْرعُ؛ لأنَّهم مكَثُوا عنده ﷺ نحو عِشْرين ليلةً، فاستَووا في الأَخْذ عنه عادةً، فلم يَبق ما يُقدَّم به إلا السِّنُّ.
وفي الحديث: الحثُّ على الأَذان والجماعة، وتَقديم الأَسنِّ عند الاستِواء فيما سبَق، واستدلَّ به جماعة على تَفضيل الإمامة؛ لقوله في الأذان: (أَحَدُكُمْ)، ثم الصَّارِف للأمر عن الوجوب الإجماع.
* * *
١٨ - بابُ الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالإقَامَةِ، وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْع، وَقولِ الْمُؤَذِّنِ: "الصَّلَاة فِي الرِّحَالِ" فِي الليْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرة
(باب الأَذانِ للمُسافِر إِذا كانُوا جماعةً)
(بعرفة) هي على المَشهور الزَّمان، وهو تاسعُ ذي الحِجَّة، لكن المُراد مَكانُ الوُقوف، وسبَق نقْل الجَوْهَري، عن الفَرَّاء: أَنَّ عرَفات لا واحدَ له، وأنَّ قَول النَّاس نَزلْنا عرفةَ شَبيةٌ بالمولَّد لا عرَبيٌّ مَحْضٌ.
(بجَمْعٍ)؛ أي: بالمُزدلفة، سُمِّيتْ جَمْعًا؛ لاجتِماع النَّاس فيها ليلةَ العِيْد.
стр. 1459
(الصَّلاة) بالنَّصْب، أي: أَدُّوها، وفي بعضها بالرَّفع مبتدأٌ، وخبره (يُصلِّي).
(مَطِيْرة) فَعِيْلَةٌ من المَطَر، لا مَفعولةٌ، أي: فيها، فحُذفتْ صلتها؛ لامتِناع التَّأنيث فيها، والإسنادُ إلى اللَّيلة مجاز، وفيه أَربعةُ أقوالٍ: مجازٌ في الإسناد، أو في أَنبَتَ، أو الرَّبيع، أو المَجموع، وسَمَّاه السَّكَّاكيُّ: استِعارةٌ بالكنَاية، والإمامُ الرَّازي: مَجازًا عَقْليًّا.
* * *
٦٢٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أن يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ"، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ"، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ"، حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْح جَهَنَّمَ".
الحديث الأَوَّل:
سبق في باب الإِبراد معنى أكثرِه.
(ساوى)؛ أي: صار ظِلُّ الشَّيء مثلَه، لا يُقال: هذا وقت العصر، ولا يُؤخَّر الظُّهرُ إليه، فيُحمل على أنَّ آخرَ صلاتِها إليه.
وهذا الحديثُ لا يدلُّ على ظاهر التَّرجَمة، فيُؤخذ مما بعد ذلك، أو يُؤخذ من الأُولى باعتبار أَنَّ مَن لم يقُل بندب الأذان في السَّفَر يقُول: هو مَظِنَّةُ التَّخفيف، والإِقامةُ أخَفُّ من الأذان بلا شَكٍّ؛
стр. 1460
إذ لا قائلَ بالفَرْق بينهما استِحبابًا وعدمَه.
* * *
٦٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُويرِثِ، قَالَ: أتى رَجُلَانِ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَنتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّناَ، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أكبَرُكُمَا".
(فأذنا)؛ أي: يكونُ من جهتِكما لا أن كُلًّا يُؤذِّن، كما يُقال: [قالتْ] قَبِيْلةُ بنِي فُلانٍ، والقائلُ منهم واحدٌ، أو يُقال: قَتَلوا فُلانًا يصدُق بقَتْل الواحد منهم إيَّاه، وقال التَّيْمي: هو للاستِحباب، وإنْ كان الباقي يُجزئُ.
(ليؤمكما) يَجوز تَسكينُ لام الأمرِ بعد (ثُمَّ)، ويَجوز فَتْحُ ميمه للخِفَّة، وضمُّه للإتباع، والمُناسبة.
* * *
٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأخْبَرَناَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: "أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ"، فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ.
стр. 1461
الحديث الثَّاني:
(بِضَجْنَان) بفتح المُعجَمَة، وسُكون الجيم، ونُونيَن: جَبَلٌ على بَريدٍ من مكَّة.
(وأخبرنا) عطفٌ على (أَذَّنَ).
(ثم يقول) عطفٌ على (يُؤذِّن).
(إثْره) بكسر الهمزة، وسُكون المُثلَّثة، وبفتحها: ما بَقيَ من رَسْم الشَّيء.
(في الليلة) ظرَفٌ لـ (كان يَأمر)، نعمْ، سبَق أنَّه يقولُه في أثناء الأذان، وهنا بعد الفَراغ، وسبق الجواب بجواز الأمرَين، نصَّ عليه الشَّافعي في "الأُم"؛ لأمره ﷺ بكل منهما في وقتٍ آخر.
* * *
٦٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالأَبْطَح، فَجَاءَهُ بِلَالٌ فَآذَنهُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى ركزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالأَبْطَح وَأقامَ الصَّلَاةَ.
الحديث الثَّالث:
(إسحاق) قال الغَسَّاني: إذا قال: حدَّثنا جَعْفر بن عَوْن، فهو كما قال أبو نصر: إمَّا إسحاق بن راهَوَيْهِ، أو ابن منصور، وهو الأشبه
стр. 1462
عندي، كما صرَّح به مسلمٌ في روايته الحديثَ عنه، عن ابن عَوْن.
(أبي جُحَيفة)؛ أي: وهب بن عبد الله.
(الأبْطح)؛ أي: المَسِيْل الواسِع المشهور ببطحاء مكَّة.
(العَنَزة) بفتح النُّون: أَطْوَلُ من العصَا.
* * *
١٩ - بابٌ هَلْ يَتَتَبَّعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَهَلْ يَلْتَفِت فِي الأَذَانِ ؟
ويُذْكَرُ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنيهِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنيهِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: الْوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.
(بابٌ: هل يتبع المُؤذِّنَ فاهُ) بنصب (المؤذِّن)؛ ليطابق قوله في الحديث: (أَتبَعَ فاهُ)، ففاعل (يُتبع) الشَّخصُ، أو نحوُه، و (فاهُ) بدلٌ من المُؤذِّن، وفي بعضها بالرَّفْع.
(ها هنا وههنا)؛ أي: يَمينًا وشِمالًا.
стр. 1463
(في الأذان)؛ أي: في حَيْعلتَيه.
(وهل يلتفت) كالتَّفسير لمَا تقدَّمه، وفي الإِصْبَع عشرُ لُغاتٍ مشهورةٍ، وهو مجازٌ عن الأَنْمُلة، من إطلاق الكُلِّ على الجُزْء.
(ويذكر) وصلَ هذا التَّعليقَ ابنُ ماجه من حديث سَعْد القَرَظ، وصحَّحه الحاكم، ووصلَه سعيد بن مَنْصُور من حديث بِلال، وإسنادهما ضعيفٌ، نعمْ، رواه ابن خُزَيْمَة، وصحَّحه من طَريق أبي جُحَيْفة مع تَردُّدٍ وقَع في الرِّواية، والبُخاريُّ يَميل إلى عدَم الجَعْل؛ لأنَّه ذكَر الجَعْل بالتَّمريض، وعدمَه بالجزم.
(حق)؛ أي: ثابتٌ في الشَّرع مسنون فيه.
(كل أحيانه) يَتناول حالَ الحدَث، والأذانُ ذكْرٌ.
* * *
٦٣٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي جحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ رَأَى بِلالًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ.
(فجعلتُ) هو من قول أبي جُحَيْفة.
(بالأذان)؛ أي: في الأذان، وفي الحديث التِفاتُ المؤذِّن في الحَيْعلتَين، أي: برأْسه لا بصَدْره، وفي كيفيتهما ثلاثةُ أوجهٍ: الأَصحُّ: حَيَّ على الصَّلاة عن يَمينه مرَّتين، وحَيَّ على الفَلاح عن
стр. 1464
شِماله كَرَّتين، أو بعد كلٍّ من الاثنتَين الأوليين يَستقبل القِبْلة، وبعد كلٍّ من الأخيرتَين يستقبل، أو إحدى كلٍّ يَمينًا، والأُخرى شِمالًا.
وقال التَّيْمي: حِكْمة ذلك تَعميمُ النَّاس بالاستماع، وأما إدخالُ الأصبع فلِيتَقوَّى على زيادة رفْع الصَّوت، وكَرِه ابنُ سِيْرِين أنْ يَستدير في أذانه، وأنكَره مالك إنكارًا شديدًا.
قال الشَّافعي: ويُكره الأذان بغير وضوء، ويُجزئه إنْ فعَلَ.
* * *
٢٠ - بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ
وَذكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ: فَاتتنَا (الصَّلَاةُ)، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَمْ نُدْرِكْ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أصَحُّ.
(باب قَولِ الرَّجُل: فاتتنَا الصَّلاةُ)
(وكره ابن سِيْرِين) وصلَه ابن أبي شَيبة.
قولُ البُخاري: (وقَولُ النبي ﷺ ) رَدٌّ لقولِ ابن سِيْرِين.
* * *
٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَيْنَمَا نحنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: "مَا شَأنُكُمْ؟ "، قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أتيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا
стр. 1465
أَدْركتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا".
(جَلَبة) بفتَحاتٍ، أي: أصواتٌ بسبَب حركاتهم في الاستِعجال.
(شأنكم) بالهمز، أي: حالُكم.
(فلا تفعلوا)؛ أي: لا تَستعجلوا، وذكَره بلفظ: تَفعَلُوا، مبالغةً في النَّهي عنه.
(بالسكينة) بفتح السِّين، وكسر الكاف: التَّأَنِّي، والهَيْبَة، وفي دُخول الباءِ إشكالٌ؛ لأنَّه يتعدَّى بنفسه، قال تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وفي بعضها بلا باءٍ، منصوبٌ نحو: عليكَ زَيْدًا، أي: الْزَمْهُ. قال (ش): أو على الإِغراء، وكأنَّه يُريد ما سبق، ومرفوعًا، مبتدأٌ، و (عليكم) خبَرُه.
(ما أدركتم)؛ أي: مع الإمام من الصَّلاة.
(وما فاتكم)؛ أي: لم تُدركوهُ معه.
(فأتموا)؛ أي: وَحْدَكم، فهو دليلٌ للشَّافعيَّة أنَّ ما يَفعلُه مع الإمام أوَّلُ صلاته، وما يأتي به بعدُ آخرُها؛ لأنَّ الإتمام لا يكون إلا للآخِر؛ لأنَّه يَستدير سَبْق أوَّلٍ، وقال أبو حنيفة: ما أَدرك مع الإمام هو آخِرُ صلاته.
وفي الحديث التَّأَنِّي ولَو في الجمُعة، ولَو خاف فوتَ تكبيرة الإحرام؛ لأَنَّ الذَّاهب للصَّلاة متوصِّلٌ إليها، فيتَأَدَّب بآدابها، وأَراد الشَّارع بقوله: (فأَتِمُّوا) نفيَ تَوهُّمِ اختصاصِ ذلك بمن لا يَخافُ
стр. 1466
فَوتَ بعض الصَّلاة.
* * *
٢١ - بابٌ لَا يَسْعَى إلى الصَّلَاةِ، وَلْيَأْتِ بِالسَّكينَةِ وَالْوَقَارِ
وَقَالَ: "مَا أَدْركتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا"، قَالَهُ أَبُو قتادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ".
(باب: ما أَدركتُم فصَلُّوا)، قلتُ: في بعضها: (بابٌ لا يَسعى إلى الصَّلاة، وليَأْتِها بالسَّكينة والوَقار)، وفي بعضها: (باب فَلْيَأْتِها بالسَّكينةِ والوَقارِ).
(وقال أبو قتادة) سبَق في الباب قبلَه.
* * *
٦٣٦ - حَدَّثَنا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أَبي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنا الزُّهريُّ، عَنْ سَعيْدِ بنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنْ النبِّيِّ ﷺ ".
وعَنِ الزُّهريِّ، عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الإقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْركتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا".
(ابن أبي ذئب) محمَّد بن عبد الرَّحمن.
(وعن الزُّهري)؛ أي: طريقٌ أُخرى يَروي بها الزُّهري.
стр. 1467
(الإقامةَ)؛ أي: وإذا نُهيَ حالَ الإقامة مع خَوف الفَوت فما قبلَها أَولى.
(عليكم السكينة)؛ أي: في جميعِ الأُمور خُصوصًا في الصَّلاة.
قال التَّيْمي: روي بالرَّفْع، والنَّصْب على الإِغراء، وحِكْمة ذلك أن يتمكَّنَ من تَرتيل القُرآن والخُشوع.
(والوقار) بفتح الواو، والظَّاهر أنَّه غيرُ السَّكينة؛ فإنَّها التَّأَنِّي في الحرَكات، واجتنابُ العبَث ونحوه، والوَقَارُ: غَضُّ البصَر، وخفْضُ الصَّوت، والإقبالُ على طَريقهِ، وقيل: معناهما واحد، فجمَع بينهما تأكيدًا.
واعلم أنَّ الأمر بالسَّكينة لا يُعارِض قولَه تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ فإنَّ المُراد به: اذهبوا، أو بمعنى العمَل والقَصْد، كما تقول: سعَيْتُ في حاجتِك، لا أنَّ المُراد الإسراع.
(فما أدركتم) جوابُ شرطٍ محذوف، أي: إذا بيَّنْتُ لكم ما هو أَولى بكم، فما أَدركتُم فصَلُّوا.
* * *
٢٢ - بابٌ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الإِمَامَ عِنْدَ الإِقَامَة
(باب: متَى يَقومُ النَّاس؟)
٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام، قَالَ: كتَبَ إِلَيَّ
стр. 1468
يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قتادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْني".
(كتب) هي عندهم من طُرُق الوَصْل سواءٌ إلى غائبٍ أو حاضرٍ، قُرنت بإجازةٍ أَوْ لا.
(أُقيمت)؛ أي: ذُكِرَ لفظُ الإقامة.
(تروني)؛ أي: تُبصروني، وذلك لئلَّا يَطول عليهم القِيام، ولأنَّه قد يَعرِض له ما يُؤخِّره.
قال الشَّافعي: يُستحبُّ أن لا يقومَ أحدٌ حتَّى يفرُغ من الإقامة، وعند مالك: أوَّلَ الإقامة، وقال أحمد: يقومُ إذا قال: (قَدْ قامت الصَّلاةُ)، وأبو حنيفة: عند: (حَيَّ على الصَّلاة) يَقوم في الصَّفِّ، فإذا قال: (قَدْ قامتْ) كبَّر الإمام، وقال الجُمهور: لا يُكبِّر الإمامُ حتَّى يَفرُغ المؤذِّن من الإقامة.
* * *
٢٣ - بابٌ لَا يَسْعَى إلَى الصَّلَاةِ مُسْتَعْجِلًا، وَلْيَقُمْ بِالسَّكينَةِ وَالْوَقَارِ
٦٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نعيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قتادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتِ
стр. 1469
الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوني، وَعَلَيكُم بِالسَّكِينَةِ".
تابعَهُ عليُّ بنُ المُباركِ.
(باب: لا يَقومُ إليها مُستعجلًا)، في بعضها: (لا يَسعى إلى الصَّلاةِ)، وسبق أنَّه لا يُنافي: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ لأنَّه بمعنى الذَّهاب، والذي في الحديث الإسراع.
(بالسكينة) لأنَّ الصَّلاة وُقوفٌ بين يدَي الله تعالى، والقِيام إليها اشتِغالٌ بحال الوُقوف بين يدَيه.
(تابعه)، أي: شَيْبَانُ، عن يَحيى، وفائدةُ المُتابَعة التَّقوية، وقد وصلَها البُخاريِّ في (باب المَشْي إلى الجمُعة).
* * *
٢٤ - بابُ هَلْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِعِلَّةٍ ؟
(باب: هل يَخرج من المَسْجِد لِعلَّةٍ؟)
٦٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ بْنِ كيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ انْتَظَرْناَ أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ:
стр. 1470
"عَلَى مَكَانِكُمْ"، فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً وَقَدِ اغْتَسَلَ.
(وقد أقيمت)، أي: بإذْنه، لأنَّ الإقامة بنظَر الإمام، ولم يَصُفُّوا حتَّى قام في مُصلَّاه، أو (أَنَّ) قد تُقرِّبُ الماضي من الحال، أي: خرَج في حالة الإقامة، وحال التَّعديل، أو أنَّهم عَلِموا بالقرائن خروجَه، فأُقيمت، وصَفُّوا.
قلتُ: الأَوَّل أجود.
(انتظرنا) هو العامل في (إذا)، والجملة حاليَّة، وجوابُ الشَّرط: (انصرف)، أي: إلى الحُجْرة.
(وقال) استئنافٌ.
(على مكانكم)؛ أي: توقَّفوا على مكانكم، والزَموا مَواضعَكم.
(هيئتنا) أي: الصُّورة التي كُنَّا عليها، ويُروى: (على هِيْنَتِنَا) بكسر الهاء، وبالنُّون.
(ينطف) بكسر المُهمَلة وضمِّها، أي: يَقطُر منه، ففيه تَعديل الصُّفوف، وجوازُ النِّسيان على الأنبياء في العبادات، وطهارةُ الماء المُستعمل، وسبَق فوائد أُخرى في (باب: إذا ذكَر في المَسجِد أنَّه جنُبٌ) في (كتاب الغُسل).
قال التَّيْمي: وأنَّ بين الإقامة والصَّلاة مُهلة للضَّرورة بقدْرها من غُسله وانصِرافه، وجوازُ انتظارهم قيامًا، أي: في قُرب الزَّمان،
стр. 1471
وانتظارُ الإمام ما دام في الوقْت سَعَةٌ.
* * *
٢٥ - بابٌ إِذَا قَالَ الإِمَامُ: مَكَانَكُمْ حَتَّى رَجَعَ، انْتَظَرُوه
(باب: إذا قال الإمام: مَكَانكُم)
٦٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فتقَدَّمَ وَهْوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمْ"، فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ.
(يرجع) في بعضها: (أَرْجَعَ)، على حكاية قوله.
(إسحاق)، قال الغَسَّاني: لعلَّه إسحاق بن منصور، ففي "مسلم" روايتَه عن محمد بن يوسف، أي: الفِرْيَابي.
(فخرج)؛ أي: بعد الإقامة بإذْنه، والتَّسوية كما سبَق.
(فصلى) ظاهره أنَّه بلا إعادةِ الإقامة، وفي نُسخة بعده، قيل لأبي عبد الله: إنْ بَدَا لأحدنا فعلُ هذا، يفعل كما فعَل النبيُّ ﷺ ؟ قال: فأيُّ شيءٍ يَصنع؟ فقيل: يَنتظرونه قِيامًا، أو قعودًا؟ فقال: إنْ كان قبل
стр. 1472
التَّكبير فلا بأْسَ أن يَقعدوا، أو بعده فقيامًا.
* * *
٢٦ - بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا صَلَّيْنَا
(باب قول الرَّجلِ للنبيِّ ﷺ )
٦٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: أَخْبَرَناَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!، وَاللهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا"، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى بُطْحَانَ وَأَناَ مَعَهُ فتوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى -يَعْنِي الْعَصْرَ- بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.
(يوم الخندق)؛ أي: زمانَه لا خصوص النَّهار؛ لقوله: (بعدَ ما أفطَر الصَّائم)؛ أي: بعد الغُروب؛ إذ الغرَض بَيان التَّاريخ.
(ما كدت أن أصلي) فيه الإتيانُ بـ (أنْ) في خبَر (كاد) كما في (عسَى)، ولكنْ الأكثر التَّجريد، كقوله بعدُ: (كادت الشَّمس تغرب).
стр. 1473
(بطْحان) بضَمِّ المُوحَّدة، وسكون المُهمَلة: وادٍ بالمَدينة، غير مُنصرِف، وسبَق في (باب من صلَّى بالنَّاس جماعةً): أنَّ أهل اللُّغة يقولونه بفتحٍ ثم كسرٍ.
ووجْهُ مطابقة الحديث للتَّرجمة: أنَّ (ما كدتُ أُصلِّي) بمعنى: (ما صلَّيتُ) بحسَب عرف الاستعمال.
* * *
٢٧ - بابُ الإِمَامِ تَعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ
(باب الإمام تَعْرِض له الحاجةُ)، تَعْرِض بكسر الرَّاء، أي: تَظهَر.
٦٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ الْمَسْجدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى ناَمَ الْقَوْمُ.
(نام القوم)؛ أي: نَعَسَ بعضُ القوم، وفي بعض النُّسخ هنا ترجمة: (باب: الكلام إذا أُقيمت الصَّلاة)، ولم يتعرَّض لها (ك).
* * *
стр. 1474
٢٨ - بابُ الْكَلَامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ
٦٤٣ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سَأَلْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلَاةُ؟ فَحَدَّثَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ شَفَقَةً عَلَيهِ لَمْ يُطِعْهَا.
(عياش) بالمُثنَّاة والمُعجَمَة.
(سألت ثابتًا) كذا رَوى حُمَيد، عن أنس بواسطةٍ، وكتبوا ما يروي عنه بلا واسطةٍ.
(فحبسه)؛ أي: عن الصَّلاة بسبب التَّكلُّم معه.
قال التَّيْمي: ففيه ردٌّ على من قال: يُكبِّر الإمام تكبيرةَ الإحرام عند قول المؤذِّن: قد قامت الصَّلاة.
وفيه أنَّ اتصال الإقامة بالصَّلاة ليس من وَكِيْد السُّنن، بل مستحبٌّ.
وفيه الرَّدُّ على مَن كَره الكلام بعد الإقامة.
* * *
стр. 1475
٢٩ - بابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا.
(باب وُجوب صلاةِ الجَماعة)
اختُلف في وجوبها، فظاهرُ نصوص الشافعي: أنَّها فرض كفاية، وقال أحمد: عَيْن، وأبو حنيفة، ومالك: سُنَّةٌ.
(عن العشاء)؛ أي: صلاتها.
(فلا يطعها) لأنَّ طاعة الوالدين واجبة حيث لا يكون فيها معصيةُ الله، وتَرْك الجماعة معصيةٌ عنده.
* * *
٦٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ" لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ".
(هممت)؛ أي: قصَدتُ.
следующие страницы →