(ليحتطب)؛ أي: يَجمَع، وفي بعضها: (ليَحْطِبَ)، بالنَّصْبِ ولامِ كي، وبالجزم، ولام الأمر، وحطَب واحتَطب بمعنًى.
(ثم أُخالف إلى رجال)؛ أي: أُخالف المُشتغلين بالصَّلاة قاصدًا إلى بُيوت الذين لم يخرجوا إليها فأُحرِّقها عليهم.
قال الجَوْهَري: هو يُخالفُ إلى فُلانٍ، أي: يَأتيه إذا غاب عنه، وقال في "الكشَّاف": ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، يُقال: خالفَني إلى كذا إذا قصَده، وأنت مولٍ عنه.
(عَرْقًا) بفتح المُهمَلة، وسُكون الرَّاء، وبقافٍ.
قال الجَوْهَري: العَظْم الذي أُخذ عنه اللَّحم، وقال (ع): الذي عليه بقيَّة اللَّحم، وهو بمعنى قول غيره: عَرَقَ عنه معظم اللَّحم، أي: قُشِرَ وبقي بعضُه.
(مِرْماتين) بكسر الميم على الصَّحيح، وقيل بفتحها، وسُكون الرَّاء: الظُّلْف من الشَّاة، وقيل: ما بين ظُلفَيها، وقيل: سَهمٌ يُتعلَّم عليه الرَّمي، وهو أحقَر السِّهام وأرذلُها.
(حسنتين) قال البَغَوي: الحسَن العظْم الذي في المِرفَق مما يَلي البَطْن، والقَبيح العظم الذي في المِرفَق مما يلي الكَتِف، وكلٌّ منهما عارٍ من اللَّحم، والمعنى توبيخ المُنافقين بأنَّ أحدهم يُجيب إلى ما هذه صفتُه في الحَقَارة، وعدَم النَّفْع، ولا يجيب إلى الصَّلاة، أو أنَّه يشهد الجماعة للحقير من الدُّنْيا لا لفَضْل الله، وقال الطِّيْبي: (حسَنتَين) بدلٌ من (مِرْماتَين)، إذا أُريد بهما العظم الذي لا لحمَ عليه، فإن أُريد السَّهمان
стр. 1477
الصَّغيران فحسنتان بمعنى جيِّدتان، صفةٌ لـ (مرماتين). قال: والمُضاف محذوفٌ؛ أي: ليَشهد صلاة العشاء، أي: لو علم أنَّه لو حضر الصَّلاة لوجَد نفْعًا دنيويًّا وإن كان حقيرًا لحضَرها لقُصور همَّته على الدُّنْيا.
قال (ن): استدلَّ به من قال: الجماعة فَرض عينٍ، وجوابُه: أنَّ ذلك للمنافقين لنِفاقهم، ولأنَّه هَمَّ ولم يُحرِّق، ولو كان فرض عينٍ لَمَا تركَهم.
قال البَيضَاوي: أو ذلك لاستِهانتهم لا لمُجرَّد التَّرْك، أو المُراد بها الجمعة.
قال (ك): أو لأُناسٍ تَركوا نفْس الصَّلاة لا الجماعة، وفيه أنَّ العُقوبة كانت بالمال، وأنَّ الإمام يَستخلف إذا عرَض له شُغْل، وجوازُ القَسَم وتكريره، وأما قوله: (بيده) فهو من المُتشابِه، فيه الطَّريقان المشهوران: التَّفويض، والتَّأويل بالقُدرة، ويعطفون في الآية: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] على الجلالة.
* * *
٣٠ - بابُ فَضْل صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
(باب فضْل صلاة الجَماعة)
وَكَانَ الأَسْوَدُ إِذَا فَاتتهُ الْجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَجَاءَ
(خَبَّاب) بفتح المُعجَمَة، وتشديد المُوحَّدة.
(تُضَعَّف)؛ أي: تُزاد على أصل الشَّيء، فتجعل مثلَين أو أكثر،
وسبق في (باب حسن إسلام المرء) مسألة الوصيَّة بضِعْف نصيب ابنه، وجوابها.
(خمسة وعشرين ضعفًا): في بعضها: (خَمْسًا) لأنَّ التزام التَّاء حيث ذُكر المُميِّز، وإلا فيستوي حذفُها وذكرُها.
وسبق سائر مباحث الحديث، والجمع بين هذا ورواية: (سَبعٍ وعِشْرينَ) في (باب: الصَّلاة في مسجد السُّوق).
وفي الأحاديث دليلٌ على أنَّ الجماعة سُنَّةٌ؛ لأنَّه أثبت صلاة الفَذِّ، وسَمَّاها صلاةً، وأن فضلها أنقص، نعم، المستفاد أنَّ ثواب الجماعة ستَّة وعشرون؛ لأنَّ الخمس وعشرين تُزاد على أصل ما للفَذِّ، وهو واحدٌ، وكذا سبع وعشرين تكون ثمانية وعشرين؛ لأنَّ السبع وعشرين هو الفاضِل.
* * *
٣١ - بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ
(باب فضْل [صلاة] الفَجْر في جماعةٍ)، الإضافة بمعنى (في) لا (اللام). قلت: لا يمتنع بمعنى اللام.
стр. 1480
٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ"، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَؤُا إِنْ شِئتمْ: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.
٦٤٩ - قَالَ شُعَيْبٌ: وَحَدَّثَنِي ناَفِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَفْضُلُهَا بِسَبعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً.
الحديث الأَوَّل:
(بخمس وعشرين جزءًا) حذف التَّاء من خمسٍ، إما بتأويل جُزء بمعنى دَرجَة، أو لأَنَّ المميِّز غير مذكورٍ، وفي بعضها: (بخمسة)، فلا إشكال.
قال (ش): ووقَع هنا (خمس وعشرين)، أي: بلا هاء بالخفض، أو بتقدير الباء يقول الشاعر:
أشارَتْ كُلَيْب بالأكُفِّ الأصابعُ
أي: إلى كُليب.
وحذف التَّاء على تأْويل الجُزء بدرجةٍ.
قال (ك): بين العبادات الثَّلاث تفاوتٌ، فالدَّرجة إشارةٌ للعُلوِّ،
راء: بنت أبي حَدْرَد، كذا فسَّرها (ك)، وقال غيره: هذا اسم أُمِّ الدَّرداء الكبرى، وهذا الحديث إنَّما المراد منه الصُّغرى، وهي: هُجَيْمة الأوْصابيَّة.
(فأبعدهم) الفاء للاستمرار نحو: الأَمثل فالأَمثل.
(ممشى)؛ أي: مكان يُمشَى منه.
(ثم ينام)؛ أي: للاستراحة في مُقابَلة ما حصَل من سُنَّة الانتظار؛ لأنَّ التَّفضيل المذكور، وإن كان معلومًا ضرورةً، لكن نبَّه به على أن الذي ينتظر أن يُصلِّي مع الإمام آخرَ الوقت أعظم أجرًا ممن يُصلِّي وقتَ الاختيار وحدَه، أو مَن يَنتظر حتَّى يُصلِّي مع الإمام أعظم ممن يُصلِّي مع الإمام بلا انتظارٍ، كما أن بُعد المكان مؤثِّر في زيادة الأجر، كذا طول الزَّمان للمشقَّة فيهما.
قيل: وحديث أبي الدَّرداء وأبي موسى لا يُطابقان ظاهر التَّرجَمة؛ لأنَّه لا يختصُّ بالفجر، وأُجيب: بأنَّ كثرة الثَّواب في الجماعة إنَّما هو للمشقَّة والمشي إلى الجماعة في الفجر أشقُّ من غيرها للظُّلمة، ومصادفَة المكروه، فيكون الفجر أكثرَ.
قال التَّيْمي: في حديث أبي بَرْزَة المعنى الذي فضِّل به الفجْر هو اجتماع الملائكة، ويمكن أنَّ الاجتماع هو سبَب الدَّرجتين الزَّائدتين على الخمسة والعشرين في الصَّلوات التي لا اجتماعَ فيها، وعطف: (يَجتمع) على (تَفْضُل) يدلُّ على المُغايرة.
قال: وفي حديث أبي الدَّرداء جوازُ الغضَب عند تغيُّر أحوال
стр. 1483
النَّاس في الدِّين؛ فإنَّ إنكار المنكر يكون كالغضَب إذا لم يستطع أكثر من ذلك قدْر الطَّاقة.
ومعنى: ما أعرف، أي: من الشرع لم يتغيَّر إلا الصَّلاة في جماعةٍ، فحذف المُضاف لدلالة الكلام عليه.
* * *
٣٢ - بابُ فَضْلِ التَّهْجِير إِلَى الظُّهْرِ
(باب فضْل التَّهجير إلى الظُّهر)، ذكَر إلى الظُّهر مع التَّهجير تأكيدًا، وإلا فهو يدلُّ عليه، وسبَق الجمع بين طلَب التَّهجير مع الإبراد.
٦٥٢ - حَدَّثَنا قُتَيْبةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَي مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَريقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغفَرَ لَهُ".
(بطريق)؛ أي: في طريقٍ.
(فأخره)؛ أي: عن الطريق، وفي بعضها: (فأخَذَهُ).
(فشكر الله له)؛ أي: تقبَّل منه وأثنى عليه، وشَكَره وشكر له
стр. 1484
بمعنًى واحدٍ، وإماطة الأذى عن الطَّريق هو أدنى شُعَب الإيمان.
* * *
٦٥٣ - ثُمَّ قَالَ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَة: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ". وَقَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاء وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ".
٦٥٤ - : "وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجيرِ لَاسْتبقوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْح لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا".
(الشهداء) قيل: للشَّهيد ذلك لحُضور رُوحه في دار السَّلام، وغيره يشهدها يوم القيامة، أو لأنَّ الله يشهد له بالجنَّة، أو يَشهده الملائكة فيَأخذون رُوحه، أو أنَّه شَهِد له بخاتمة الخير بظاهر حاله، أو لأنَّ دمه يَشهد له.
(خمسة) في "الموطأ": (سَبْعةٌ)، ونقَص: (الشَّهيد في سَبِيْلِ اللهِ)، وزاد: (صاحِبُ ذَاتِ الجَنْب، والحَرَق، والمَرأَة تَموتُ بجَمْعٍ)، أي: تموت وولدها في بطْنها، وروى غيره: (مَنْ قُتِلَ دون مالِهِ فهو شَهيدٌ)، والجمْعُ بين ذلك: أنَّ العددَ لا يدلُّ على نَفْي الزَّائد، وسببُ كَون هؤلاء شهداء: الشِّدَّةُ في موتهم، وكثرةُ الألَم، وفي بعضها: (خَمْسٌ)؛ لأنَّ المُميِّز غير مذكورٍ، فتجوز التَّاء وعدمها.
(المطعون)؛ أي: يموت في الطَّاعون، أي: الوَبَاء.
стр. 1485
(والمبطون) صاحب الإسهال، وقيل: الاستِسقاء، وقيل: من مات بداءِ بطْنه.
(والشهيد في سبيل الله) قال الطِّيْبِيُّ: هو من باب:
أَنَا أَبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْري
أي: حتَّى لا يكون من الإخبار عن الشَّيء بنفسه.
قال (ك): أو يكون معنى الشَّهيد القَتيل، وهذا الخامس هو الذي حكْمه أن لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه، والأربعة الأُخرى شهداء في الثَّواب كثواب الشهيد، ويقال لهم: شهداء الآخرة، والذي في سبيل الله شهيد الدُّنْيا والآخرة، وأما شهيد الدُّنْيا فقط فمَن قُتل مدبِرًا، أو من غَلَّ في الغنيمة، أو قاتلَ لغرَضٍ لا لإعلاء كلمة الله، وحينئذٍ فالحقيقةُ الأخيرةُ، [و] الأربعة الأخرى مجازٌ، فجمع في لفظ واحد بين حقيقةٍ ومجازٍ، والشَّافعي يجوِّزه، ومَنْ منعَ يحمله على معنى مجازيٍّ يشمل الأمرين.
(يستهموا): يَقترعوا، وسبَق شرحه في (باب الاستهام في الأذان).
* * *
٣٣ - بابُ احْتِسَابِ الآثَارِ
(باب احتِساب الآثار)
٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
стр. 1486
الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْد، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا بَنِي سَلِمَةَ! أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَاركمْ".
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلهِ: ﴿وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ قَالَ: خُطَاهُمْ.
الحديث الأَوَّل:
(يا بني سلمة) بفتح المُهمَلة، وكسر اللَّام: قَبيلة من الأنصار.
(يحتسبوا) مما جوَّز النُّحاة أنَّه تحذف نونُه بلا ناصبٍ وجازمٍ، نعم، في بعضها بالنُّون.
(آثاركم)؛ أي: خُطاكم، أي تعدُّونها؛ لأنَّ لكل خطوةٍ ثوابًا.
* * *
٦٥٦ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَناَ يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي أَنسٌ: أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُعْرُوا، فَقَالَ: "أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَاركمْ".
قَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُمْ: آثَارُهُمْ أَنْ يُمْشَى فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ.
الثَّاني:
وصلَه بقوله: (حدَّثنا ابنُ أَبِي مَرْيَم) هو من رواية أبي ذَرٍّ، وفي رواية غيره: (قالَ ابنُ أبي مَرْيَم).
(قريبًا)؛ أي: منزلًا قريبًا، أو تكونون قريبين، لكن فَعِيْل للمذكَّر
стр. 1487
والمُفرد وغيرِهما بلفظٍ واحدٍ.
(أن يعروا) بالمُهمَلة، والرَّاء، أي: يُخْلوا، وثبَّتهم على ثواب ما يحصل لهم من المَشَقَّة في الإتيان من بُعد، ورغَّبهم في أجر خُطواتهم.
* * *
٣٤ - بابُ فَضلِ الْعِشَاء فِي الْجَمَاعَةِ
(باب فضْلِ صلاةِ العِشَاء)
٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبو صالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ صَلَاةٌ أثقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأتوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ ناَرٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ".
(من صلاة الفجر والعشاء) لأنَّهما في وقتِ النَّوم والاستراحة.
(ولو حَبْوًا)؛ أي: يَحبوا إليهما، ولم يُفوِّتوا ما فيهما جماعةً من الفضل والخير.
стр. 1488
(يوم) بالرَّفْع، وبقية الأفعال نصبٌ.
(شعلًا) بفتح العين جمع شُعلةٍ من النَّار، وبضَمِّها جمع شَعيلة كصحيفة وصُحُف.
واستدلَّ به الظَّاهرية على وجوب الجماعة، وسبَق جوابه.
* * *
٣٥ - بابٌ اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ
(باب: الاثنَين فما فَوقَهما جماعة)
٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِد، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُويرِثِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّناَ وَأَقِيمَا، ثُمَّ لِيؤمَّكُمَا أكبَرُكمَا".
(أكبركما) هذا رواه ابن ماجه بسندٍ ضعيفٍ، ولمَّا لم يكن من شَرْط البُخاري تَرجَم به، واحتجَّ بغيره على معناه، أي: عِلْمًا، أو سِنًّا عند الاستواء في الفضائل، وفيه صحَّة الجماعة بإمامٍ ومأمومٍ واحدٍ، وتقديمُ الصَّلاة.
* * *
стр. 1489
٣٦ - بابُ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ
(باب مَن جلَس في المَسجد يَنتظر الصَّلاة)، في بعضها: (حُبِسَ) بالمُهمَلة المضمومة، والمُوحَّدة؛ لما في الحديث: (مَا دامَتِ الصَّلاةُ تَحبِسُه).
٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دامَ فِي مُصَلَّاهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، لَا يَزَالُ أَحَدكمْ فِي صَلَاةٍ مَا دامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ".
الحديث الأَوَّل:
(اللهم اغفر) إما بيانٌ لقوله: (يُصلِّي)، بتقدير: يقول، وإما حالٌ بتقدير: قائلين.
(ما دامت)؛ أي: مُدَّةَ دَوامِ حبس الصَّلاة له، أي: يَنتظرها كأنَّه في الصَّلاة ثوابًا، لا في سائر أحكام الصَّلاة، وسبق بيان ذلك وغيرِه في (باب الصَّلاة في مَسجِد السُّوق).
* * *
стр. 1490
٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَة يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيهِ وَتَفَرقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاه".
الثَّاني:
(في ظله) الظِلُّ كلُّه وإنْ كان مِلْكًا لله، لكن إضافته للتَّشريف لتنزُّهه تعالى عن أن يكون جسمًا، حتَّى يكون له ظِلٌّ، أو على حذْف مضافٍ، أي: ظِلِّ عَرْشه.
(يوم لا ظل) هو يوم القيامة، تدنو الشَّمس ويشتدُّ حرُّها، ويأخذهم العرَق، ولا ظِلَّ ثَمَّ إلا العرْش؛ إذ القصد من الظِّلِّ هنا الكرامة والكنَف من المكاره، كما يقال: هو في ظِلِّ فُلانٍ، أي: كنَفه وحمايته.
(العادل)؛ أي: واضع كلِّ شيءٍ موضعه، أو المُتوسِّط بين الإفراط والتَّفريط في العقيدة والعمَل والخلُق، أو جامع أُمهات الكمالات الثَّلاث للإنسان، وهي: الحكْمة والشَّجاعة والعِفَّة التي هي أوساط القُوى الثَّلاث العقليَّة والغضَبية والشَّهوانية، أو المُطيع لأحكام
стр. 1491
الله تعالى، أو المُراعي لحقوق الرعيَّة، وهي أقوالٌ متقاربةٌ، ثم المراد بالإمام: كلُّ مَن له نظرٌ في شيءٍ من أمور المسلمين من الولاة والحكَّام، وقُدِّم على ما بعده لعموم نفعه.
(وشاب) لأنَّ عبادته أشقُّ؛ لغلَبةِ شهوته، وكثرةِ الدَّواعي له على طاعة الهوى.
(في المَساجِد)؛ أي: بالمساجد لشدَّة حبِّه لها.
(تحابا) ليس التَّفاعل هنا لإظهار الشَّيء وهو منتفٍ، كتَجَاهَلَ، بل للتَّلبس به كتَباعَد.
(في الله)؛ أي: لا في غرَضٍ دنيويٍّ، و (في) إما سببيةٌ كما: "في النفس المؤمنة مئةٌ من الإبِل"؛ أي: بسبب قتْلها، وإما بمعنى (على)، أي: أنَّ سبب اجتماعهما ذلك، واستمرَّا عليه حتَّى تفرَّقا.
(طلبته)؛ أي: إلى الزِّنا بها.
(ذات منصب وجمال)؛ أي: نسَب شريفٍ؛ لأنَّ الرَّغبة في مثلها أشدُّ، فالصَّبر عنها لخَوف الله تعالى مع أنَّها طالبةٌ للزِّنا من أكمل المراتب في الطَّاعة.
(أخفى) جملةٌ حاليةٌ بتقدير (قد) إنْ قدِّر (أخفَى) فعلًا ماضيًا، وإن قدِّر أفعل التَّفضيل، فالمعنى مخفيًّا، وقد ضبطه الأَصِيْلي: إخفاءً بكسر الهمزة ممدودةً، مصدرًا، نعتًا لمحذوف، أي: صدقةً إخفاءً، أو مخفيًّا حالٌ.
قالوا: وذكْرُ اليمين والشِّمال مبالغةٌ في إخفاء الصَّدَقة، وضرْب
стр. 1492
المثَل بها لقُرب اليمين من الشِّمال، أو للازمهما، وقيل: المراد من: عن شماله لا يعلم بإنفاق يمينه، وهذا في صدقة التَّطوُّع، أما الواجبة فالأفضل إظهارها.
(خاليًا) لأن فيه الإخلاص والبُعد من الرِّياء.
(ففاضت عيناه)؛ أي: دمْعُ عينيه كما في: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣].
واعلم أنَّ كُلًّا من هذه الأقسام شاملٌ للذَّكَر والأُنثى، وإن عُبِّر عنه بلفظ الرَّجل لعموم الشَّرع، وذكر في مناسبة السَّبعة أنَّ الطَّاعة إما بين العبد وبين الله، أو بينه وبين الخَلْق، والأَوَّل إما باللِّسان، أو بالقلْب، أو بجميع البدَن، والثَّاني إما عامٌّ، وهو العدْل، أو خاصٌّ، إما من جهة النَّفس، وهو التَّحابُب، أو البدَن، أو المَال، وذكْر المُتحابَّين لا يصيِّر العدد ثمانية؛ لأنَّ المحبَّة أمرٌ نسبيٌّ، فافتقرَتْ لمتعدِّد، فالمُراد في الحقيقة واحدٌ يحبُّ غيره.
وفي الحديث الحثُّ على العدْل، والتَّحابب، وصدَقة السِّرِّ، والبكاء من خشية الله، والعفَّة، وغير ذلك.
* * *
٦٦١ - حَدَّثَنَا قتيبة، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنسٌ هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ الله ﷺ خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نعمْ، أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَقَالَ:
стр. 1493
"صلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انتظَرْتُمُوهَا"، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ.
الحديث الثالث:
(شطر)؛ أي: نِصْف.
(وبيص) بفتح الواو، وإهمال الصَّاد: بَرِيْق، وسبق مباحث الحديث في (باب وقْت العِشاء إلى نِصْف اللَّيل).
* * *
٣٧ - بابُ فَضْلِ مَن غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ
(باب فضْل مَن غَدا)، في بعضها: (مَن يَخْرُج)، والغُدُوُّ: هو السَّير أوَّل النَّهار إلى الزَّوال، والرَّواح من الزَّوال إلى آخر النَّهار.
٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، قَاْلَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجدِ وَرَاحَ أَعَدَّ الله لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ".
(النُّزْل) بضَمِّ النُّون، وسكون الزَّاي، أو ضمِّها: ما يُهَيَّأُ للقادِم.
تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَمُعَاذٌ، عَنْ شُعْبةَ فِي مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْص، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ، وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَناَ سَعْدٌ، عَنْ حَفْص، عَنْ مَالِكٍ.
(مالك) بالتَّنوين؛ لأنَّ ابن بُحَيْنَةَ صفةٌ لعبد الله لا لمالك (١).
(قال)؛ أي: البُخاري.
(عبد الرَّحمن)؛ أي: ابن بِشْر.
(الأزد) بسكون الزَّاي: هم الأَسْد -بالسِّين-، أي: أَزْد شَنُوءَة.
(مالك ابن بُحَيْنَةَ) قال الغَسَّاني: ما سبق عبد الله بن مالك، هو الأصح.
قال أبو مسعود الدِّمَشْقي: أهلُ العراق كشُعبة، وحَمَّاد بن زَيْد يقولـ[ـون]: عن مالك ابن بُحَيْنَةَ، وأهلُ الحجاز يقولون: عن عبد الله ابن مالكٍ، وهذا أصحُّ.
وقال مسلم: إن القَعْنَبيَّ قال: عن حفْص، عن عبد الله بن مالك، عن أبيه، ولفظةُ (عن أبيه) خطأ.
وقال البُخاري في "تاريخه": إن عبد الله بن مالك ابن بُحَيْنَةَ أصح من قول بعضهم: مالك أبن بُحَيْنَةَ.
قال ابن مَعِيْن: عبد الله هو الذي رَوى عن النبيِّ ﷺ ، ولم يَروِ أبوه عن النبيِّ ﷺ شيئًا، انتهى كلامُ الغَسَّاني.
стр. 1496
(وقد أُقيمت) هو مُلتَقَى الإسنادَين، التَّقدير: مَرَّ النبيُّ ﷺ برجلٍ، أو قال: رأَى رجلًا، وقد أُقيمتْ.
(لاث) بالمُثلَّثة أي: دَارَ، وفلانٌ يَلوث به، أي: يَلوذُ به، والقصْد أنَّ النَّاس أحاطوا به، والتَفُّوا حولَه.
(الصُّبح) بالنَّصْب، أي: أتُصلِّي الصُّبح، وبالرَّفْع؛ أي: الصُّبح تُصلَّى أربعًا؟ بهمزة الإنكار التَّوبيخي.
(أربعًا) بدلٌ مما قبلَه إن نُصبَ، أو مفعولٌ مطلقٌ إن رُفع، والمراد أنَّ الصُّبح بعد أن تُقام لا يصلَّى غيرُها لمن صلَّى ركعتَين قبلَها، فكأنَّه صلَّى الصُّبح أربعًا، والحِكْمة فيه أنْ يتفرَّغ للفريضة من أوَّلها، حتَّى لا تفوتَه فضيلةُ الإحرام مع الإمام.
(تابعه)؛ أي: تابعَ بهذا.
(غنْدَر، ومعاذ) وصلَهما الإسماعيلي.
(وقال ابن إسحاق) هو موصولٌ في "مغازيه الكُبرى"، وتابعَه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن أبيه.
(وقال حَمَّاد) وصلَها إسحاق بن راهَوَيْهِ في "مسنده"، والغرَض من ذكْر ذلك بيانُ أنهما اختلَفا أيضًا عن عبد الله، وعن والده مالك.
* * *
الحديث الأَوَّل:
(والتعظيم) منصوبٌ عطفٌ على المُواظبة.
(فأذِّن) مبنيٌّ للمفعول.
(فليصل) عطفٌ على (مُرُوا)، أي: فقولوا له ذلك، وقد خرَج بهذا الأمر أنْ يكون من قاعدة الأَمْر بالأَمْر بالفعل؛ فإنَّ الصَّحيح في ذلك أنه ليس أمرًا بالفعل.
(أَسِيف)؛ أي: شديدُ الحُزْن، رَقيق القلب، سَريع البكاء.
(لم يستطع)؛ أي لشِدَّة الحُزن، وغلَبة البكاء.
قال الزَّمَخْشَري في "الفائق": ويُقال فيه أيضًا: أَسِفٌ وأَسُوفٌ.
(وأعادوا)؛ أي: الحاضرون.
(صواحب)؛ أي: مثلُهنَّ في التَّظاهر على ما يُرِدْنَ، وكثْرةِ الإلحاح فيما يَمِلْنَ إليه؛ لأنَّ عائشة وحفصة بالَغتا في المُعاودة إليه في كونه أسِيفًا لا يستطيع ذلك.
(يُهادَى) بالضَّمِّ مبنيًّا للمفعول، أي: يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه متمايلًا إليهما.
(يخطان)؛ أي: لم يَقدر على رفعهما من الأرض.
(أَنْ مكانك) بفتح الهمزة، وسكون النُّون، ونَصْب مكان، أي: الْزَمْ مكانَك.
(به)؛ أي: بالنبيِّ ﷺ .
стр. 1499
(بصلاة أبي بكر)؛ أي: يُصلُّون بصلاته، وفي بعضها التَّصريح به، وليس ذلك من الاقتداء بمأمومٍ؛ لأنَّهم إنَّما يَقتدون بصَوته الدَّالِّ على فِعْل الإمام، وهو النبيُّ ﷺ ، فهو مُبلِّغ عنه.
(رواه أبو داود)؛ أي: سليمان الطَّيالِسي، وقد وصلَه البيهقيُّ.
(وزاد أبو مُعاوية)؛ أي: محمَّد بن خازم بالمُعجَمَة، والزَّاي: الضَّرير، وقد وصلَه البُخاري في (باب يأتَمُّ الرَّجل بالإمام).
وفي الحديث: جواز الأخْذ بالشِّدَّة دون الرُّخصة؛ لأنَّه ﷺ كان يُمكِنُه التخلُّف للمرَض، وأنه يجوز أن يقتدي بإمامٍ فيُفارقُه، ويقتدي بآخر، وإنشاءُ القدوة في أثناء الصَّلاة، وجوازُ المرَض على الأنبياء لتكثير الأجر، ولتَسلِيَةِ النَّاس بهم، ولئلَّا يُفتتن النَّاس بهم، فيعبدونَهم، ومُعاودة وليِّ الأمر على وجْهِ العَرْض والمُشاورة فيما يظهر لهم أنَّه مصلحةٌ، وجوازُ الاستِخلاف، وفضْل أبي بكر وترجيحه على سائر الصَّحابة، وأنَّه أحقُّ بالخلافة، واتباع صوت المُكبِّر، وصحَّة صلاة المُسمِع والسَّامع، ولا حاجةَ لإذْن الإمام، والالتفات في الصَّلاة، وملازمة الأدَب مع الكبار، وخرْق الإمام الصَّفَّ للحاجة، واقتداءُ المُصلِّي بمن يُحرِم بعده، لأنَّه ﷺ إنَّما أحرَم بعد إحرام أبي بكر، وصلاةُ القائم خلْف القاعد خلافًا للمالكيَّة، وفيه الحُجَّة على أحمد في أنَّ الإمام إذا صلَّى قاعدًا يُصلُّون خلْفه قعودًا؛ لأنَّ هذا آخر عهده ﷺ .
* * *
стр. 1500
٦٦٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَناَ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرني عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَينَ رَجُلَينِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
الحديث الثَّاني:
(ثقل)؛ أي: اشتَدَّ مرَضه، وركَدت أعضاؤه عن خِفَّة الحرَكات.
(فأذن) مبنيٌّ للمفعول من الإذْن، وفي بعضها: (أَذَّنَ) بتشديد النُّون والبناء للفاعل.
(لم تسم)؛ أي: تُسَمِّ لما سيأتي لا لعداوةٍ ولا احتقارٍ.
قال (ن): وثبت أيضًا أنَّه جاء بين رجلَين أحدهما: أُسامة، وأنَّ الفضْل بن العبَّاس كان آخذًا بيده الكريمة، ووجْهُ الجمْعِ أنهم كانوا يَتناوبون، والعبَّاس ملازم للأخْذ باليد إكرامًا باختصاصه بذلك لما له من السِّنِّ والعُمومة وغيرها، ولذلك اقتصرت عائشة على ذكره دون الآخر؛ لعدَم ملازمة غيره، وفيه فضل عائشة على سائر زوجاته، وأنَّ القَسْم كان واجبًا عليه.
* * *
стр. 1501
٤٠ - بابُ الرُّخْصَةِ فِي الْمَطَرِ والعلة أَنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ
(باب الرُّخْصة في المطَر)، (رحله) هو سكَن الرَّجل، وما لَه من أثاث.
٦٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ: "أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ".
الحديث الأَوَّل:
(ثم قال) سبَق في (باب الكلام في الأذان) الجمع بين هذا وبين رواية قوله: (في أثناء الأذان).
(كان يأمر) يحتمل القَول في الأثناء، وبعد الفَرَاغ، وجْهُ استدلالِ ابن عُمر من أمْر النبيِّ ﷺ عند المطَر والبَرْد قِياسُ الرّيح على المطَر بجامع المَشَقَّة، ويدلُّك أنَّ كُلًّا من المطَر ومن الرّيح والبَرد كافٍ في العُذر عن الجماعة، ولا يشترط التعدد.
* * *
٦٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ
стр. 1502
وَهُوَ أَعْمَى، وَأنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَناَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أين تُحِبُّ أَنْ أُصلّيَ؟ "، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبيتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
الحديث الثَّاني:
سبق شرحه في (باب المَساجِد في البُيوت).
(إنها) الضَّمير للقصة.
(تكون) تامَّةٌ تكتفي بمرفوعها.
(اتخذه) بالرفْع، والجزم.
(الظلمة والسيل؛ وأنا رجلٌ ضريرٌ) ذكْرُه الثَّلاثةَ -وإنْ كان كلُّ واحدِ يكفي في عُذْر تَرك الجماعة- بيانُ كثْرة موانعه، وأنَّه حريصٌ على الجماعة لا يكتفي منها بالبعض.
ومعنى ضرير البصر: ناقصُه، مأخوذٌ من الضَّرر، كما في الرِّواية الأُخرى: (وفي بَصَري بعض الشَّيء)، قال ابن عبد البَر: ثم عَمِيَ بعد ذلك. يقال للنَّاقص: ضَرير البصر، فإذا عمي أُطلق عليه ضَريرٌ من غير تقييدٍ بالبصَر خلافًا لما يُوهمه كلام الرَّافعي في "شرح المسند"، وسبق هناك أن (مكانًا) نصب بالظَّرفيَّة، وإن كان محدودًا لتَوغُّله في الإبهام، فأشبه (خلفًا)، وقد قالوا: (هو منِّي مكانَ كذا) بالنَّصْب على الظَّرفيَّة، وإنه يجوز نصبه على إسقاط الخافِض، وهما الوجهان في: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ
стр. 1503
مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]، و (أن أتخذ)، يجوز جزمه ورفعه كما في: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ [مريم: ٥ - ٦].
وفيه إمامة الأَعمَى، والتِماس دُخول الأكابر منْزِل الأصاغر، واتخاذ مَوضعٍ معينٍ من البيت مسجدًا، وغير ذلك.
نعم، الاستدلال به على تَرْك الجماعة بالعُذر فيه نظَرٌ، فإنَّما هو لتَرْكها في المَسجِد لا مُطلقًا.
قال (ط): موضع الدَّليل أنَّه استأذنَه على الانفراد وغيره، وإلا لقَال لا يَصحُّ لك في مصلاك حتَّى تصلِّي فيه جماعةً.
* * *
٤١ - بابٌ هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضرَ، وَهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَطَرِ ؟
(باب هل يُصلِّي الإمام بمن حَضَر)
٦٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الحَجَبي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله ابْنَ الْحَارِثِ، قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغ، فَأمَرَ الْمُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: قُلِ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَكَأنَّهُمْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ: كَأنَّكمْ
стр. 1504
أَنْكَرْتُمْ هَذَا؟ إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْر مِنَي -يَعْنِي: النَّبِيّ ﷺ إِنَّهَا عَزْمَةٌ، وَإنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ.
الحديث الأَوَّل:
(الحَجَبي) بفتح المُهمَلة، والجيم: نِسبَة لحِجَابةِ الكعبة، وسبَق في (باب: الكلام في الأذان) شرح الحديث.
(للصلاة) بالنَّصْب؛ أي: الزَمُوها، وبالرَّفْع، أي: رخصة في الرحال.
(عزمة)؛ أي: الجمعة لازمةٌ لا تَرخيصَ فيها.
(أُحرجكم) بضَمِّ الهمزة من الحرَج، وهو الإثْم، والتَّحريج: التَّضييق، وفي بعضها: (أخْرِجَكُم) بالخاء المُعجَمَة.
* * *
وَعَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَاصمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الحَارثِ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُم، فتجيؤُنَ تَدُوسُونَ الطينَ إِلَى رُكبِكُم.
الثاني:
(أُؤثمَكُم) مضارع آثَمَهُ بالمد أوقعه في الإثم، وفي بعضها: (أُؤَثِّمَكُم)، بالتشديد من التفعيل.
(فتجيئُون) في بعضها بحذف النُّون، وفي بعضها بحذف عين الفعل.
стр. 1505
(تَدُوسُون)؛ أي: تطؤون، ويجوز النَّصْب عطفًا على آخر حكم.
قال (ش): وسبق الجمْع بين قوله: بعدَ الفَراغ، وفي أثنائه.
* * *
٦٦٩ - حَدَّثنَا مُسلمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، قَالَ: حَدَّثَنا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَألَتُ أَبَا سَعيِدٍ الخُدريَّ فَقَالَ: جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخلِ، فَأقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءَ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أثرَ الطّينِ فِي جَبْهَتِهَ.
الثَّالث:
(يحيى)؛ أي: ابن أبي كَثِيْر.
(سألت) بُيِّن في (باب الاعتكاف) المسؤول عنه، فقال: هل سمعتَ النبيَّ ﷺ يذكُر ليلةَ القَدْر؟ قال: نعم، وسرَد تمام الحديث.
(سال السقف) مجازٌ كـ: سَالَ الوادي، ووجْهُ دلالة الحديث على صَدْر التَّرجَمة: أنَّ العادة أن يوم المطَر يتخلَّف بعض النَّاس عن الجماعة، فتكونُ صلاة الإمام بِمَنْ حضَر فقَط، وإنْ صحَّ أنَّ هذا كان يوم جمُعة، فدلالته على الجُزء الأخير من التَّرجَمة ظاهرٌ، ولا يلزم أنَّ كلَّ حديثٍ يدلُّ على كلِّ جُزءٍ، بل الوَفاء بالكلِّ للكلِّ.
* * *
стр. 1506
٦٧٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا يَقُولُ: قَالَ رَجل مِنَ الأَنْصَارِ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ، وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَصَنَعَ لِلنَّبِي ﷺ طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلهِ، فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا وَنَضَحَ طَرَفَ الْحَصِيرِ، صَلَّى عَلَيْهِ ركعَتَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الْجَارُودِ لأَنسٍ: أكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟، قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّاهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ.
الرابع:
(معك) الخطاب للنبي ﷺ .
(ضخمًا)؛ أي: غليظًا.
(رجل) اسمه: عبد الحَمِيْد بن المُنْذِر بن الجَارُود العَبْدي، ومن طريقه أخرج ابن ماجه بعضَ هذا الحديث عن أنس.
(الجَارُود) بالجيم، وضم الرَّاء، وإهمال الدَّال.
ووجْهُ مطابقتِه للتَّرجمة: أنَّه ﷺ كان يُصلّي بسائر الحاضِرين عند غَيبة الرجل الضخم، أو ثبت عند البُخاري أنَّه صلى الرَّكعتَين بالجماعة مع الحاضرين في الدَّار.
وفيه تَرْك الجماعة لعُذْر، ودعوة الأكابر للطَّعام، ونَدبيَّة صلاة الضُّحى.
* * *
أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُا بِالْعَشَاءَ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وإنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإمَامِ.
٦٧٤ - وَقَالَ زُهَيْرٌ وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبةَ، عَنْ ناَفِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَانَ أَحَدكمْ عَلَى الطعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ".
رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ، وَوَهْبٌ مَدِينيٌّ.
الأحاديث الأربعة:
قال (ن): فيها كراهة الصَّلاة بحضرة الطَّعام الذي يُريد أكلَه لمَا فيه من اشتغال القلْب، وذهاب كمال الخُشوع، أي: إذا وَسِعَ الوقت، فإنْ ضاقَ الوقت بحيث لو أكلَ لخرج الوقت لم يُؤخِّر، وفيه وجْهٌ؛ لأنَّه يفوِّت الخشوع المقصود من الصَّلاة.
قال البَغَويُّ: يقدم الطَّعامَ إذا اشتدَّ تَوَقَانُه، ووَسِع الوقت؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يحتَزُّ من كتِف شاةٍ، فدُعِيَ إلى الصَّلاة، فألْقاها، وقام يُصلِّي، ورُوي مرفوعًا: "لا تُؤخَّرُ الصَّلاةُ لطَعامٍ ولا لغَيرِه".
(تعجلوا) بفتح التَّاء، والجيم المُثنَّاة فوقُ، وفي بعضها بضَمِّ أوَّله، وكسر الجيم، من الإِعْجال.
(فابدءوا) جمعَه بعد (أحَدِكم)، وهو مفردٌ نكرةٌ في إثباتٍ، قال
стр. 1509
الطِّيْبي: نظَرًا إلى (كُمْ) من قوله: (أَحَدكُم)، ثم قال: (ولا تعجل) بالإفراد نظَرًا إلى لفظ (أحد).
قلتُ: النَّكرة في الشَّرط تعمُّ، فيحتمل أنَّ الجمع لأجل عُموم (أحد).
(الطَّعام) أعمُّ من العَشاء، فيشمل جميع الصَّلوات.
قال (ن): فيه دليلٌ على امتداد وقْت المَغرب، وأَكْلِ حاجتِه بكمالها من الطَّعام.
* * *
стр. 1510
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الرابع]