رُوي: أنَّ الفَرَزْدَق حضَر جنازةً، فسألَه بعضُ الأئمَّة: يا فَرَزْدَق! ما أعددْتَ لهذه الحالةِ؟، فقال: شهادةُ أنْ لا إلهَ إلا الله، فقال: هذا العَمُود، فأَين الأَطْناب؟
ثم ذكر (ك): التَّرديد حينئذٍ في وجْه الاستِعارة، وأنواعَها مما لا يتعلَّق به حكمٌ، فحذَفناهُ.
* * *
٣ - بابُ أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، الآية [المؤمنون: ١].
(باب: أمور الإيمان)
أي: الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ عنده الأَعمال والأَقوال هي الإيمان، فالإضافة بيانيَّةٌ، أو الأمور التي للإيمان في تحقيق حقيقته، وتكميلِ ذاتِه، فالإضافة بمعنى اللام.
(وَقَوْلِ الله) فيه الوَجْهان السَّابقان، والإشعارةُ بآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾
стр. 177
إلى قوله فيها: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آمَنَ، أو: ولكنَّ ذا البِرِّ مَن آمَنَ، وقُرئ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ بالنَّصب على أنَّه خبرُ (ليس) قُدِّمَ.
والشاهد في الآية: أنَّه حصَر المُتقِين في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، أي: للشِّرْك على أَصحاب هذه الصِّفات والأعمال، فهُم المُوقنُون، أو المؤمنُون الكاملُون.
وأما آية: ﴿قَدْ أَفلَحَ﴾، أي: دخَل في الفَلاح، فحصر الإيمان الذي به الفلاح والنَّجاة في هذا الأعمال المذكورة.
قال (ط): أوَّل منازِل الإيمان هو التَّصديق، والاستكمال إنما هو بهذه الأُمور، فبوَّب البخاري أبوابَه على الاستكمال بقوله: (باب أُمور الإيمان)، (باب الجهاد)، (باب الصلاة من الإيمان).
* * *
٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبَو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ".
(م عو هـ).
(بِضْعٌ) في أكثَر الأُصول: (بِضْعةٌ)، وأوَّلهما مكسورٌ، والفتح لغةٌ قليلةٌ، ومعناها: القِطْعة، ثم استُعملا في العدَد ما بين الثلاثة
стр. 178
والعشرة على الصحيح، وقيل: من ثلاثٍ لتسعٍ.
(وَسِتُّونَ) في "مسلم": (وسَبْعُون)، وكذا في أبي داود، والتِّرمِذي، والنَّسائي بالجزْم، وصوَّبها (ع)، وإنْ رجَّح بعضهم (السِّتين) لأنَّها المتيقَّن.
قال (ن): رواية: (سَبْعون) زيادةٌ من ثقةٍ، فتُقبَل.
وردَّه (ك) بأنَّ زيادة الثِّقة أنْ يُزاد لفْظٌ في الرِّواية، وإنما هو اختلافُ روايتَين لا مُنافاةَ بينهما في المعنى؛ إذ ذِكْر الستِّين لا يَنفي أكثَر، أو أنَّه أخبَر بالستِّين، ولمَّا زيد أَخبَر بالسَّبعين، فكلاهما صوابٌ، وفي مسلم روايةٌ: (وسِتُّون، أو وسَبْعُون) على الشكِّ.
(شُعْبَةً) هي غُصن الشَّجرة، وفرعُ كلِّ أصلٍ، فشُبِّه الإيمان بشجرةٍ ذات أغصانٍ وشُعبٍ كما شُبِّه في حديث: "بُنيَ الإسلامُ" بخِباءٍ ذاتِ عَمَدٍ.
قال (خ): الإيمان يتشعَّب إلى أُمورٍ جِماعُها الطَّاعة، فلذلك تفاضَلَ الناسُ في درج الإيمان وإنْ استَوَوا في الأصل، فكان بَدْء الإيمان الشَّهادةُ دعاهُمُ النبيُّ ﷺ إليها، وكان مَن أجابَه إليها مؤمنًا، ثم نزلت الفَرائضُ، فخاطبَهم عند طلَبها بنحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وهذا الحُكم في اسم كلِّ أمرٍ ذي شُعَبٍ كالصلاة، فلو أنَّ رجلًا مرَّ بمسجدٍ فيه مَن افتتَح الصلاةَ، ومَن ركَع، ومَن سجَد، فإنَّه يقول: رأَيتُهم يُصلُّون مع اختلاف أَحوالهم، وتفاضُل أعمالهم.
стр. 179
ولذا قال التَّيْمِي: المراد أنَّ مَن وُجدتْ فيه هذه الخِصال، فهو مُؤمنٌ على سبيل الكمال، فإيمانُ كلِّ واحدٍ بقدْر ما يُوجد فيه منها.
واعلم أنَّ تفاصيل هذه الشُّعَب وأسمائها لا تكليفَ فيه، ولا يَقدح في الإيمان الجهْلُ بذلك، فلذلك بيَّن النبيُّ ﷺ أعلاها وأَدونَها، فعُلم أنَّ ما بينهما من الطَّاعات هو الباقي كما كلَّفَنا بالإيمان بملائكته وإنْ لم نعلَم أسماءَ الأكثَر، ولا أَعيانَهم.
قال (ن): بيَّن أعلاها، وهو لا إله إلا الله، فتبيَّن أنَّ التوحيد واجبٌ على كل مكلَّفٍ، ولا يصحُّ شيءٌ من الشُّعب إلا بعد صِحَّتها، وبيَّن أَدناها، وهو ما يُدفع به ضررُ المسلمين، فما بينهما تمام العدَد نُؤمن به وإنْ لم نَعلم أَعيانَ أفراده، كما نُؤمن بالملائكة وإنْ لم نَعرف أعيانَهم وأَسماءَهم، انتهى.
وخاضَ قومٌ مرَّةً في تَفاصيلها، فقال ابن حِبَّان: تتبَّعتُ معنى هذا الحديث مدةً، وعدَدتُ الطَّاعات، فإذا هي تَزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعتُ إلى السنَّة فعددت كل طاعةٍ عدَّها رسول الله ﷺ من الإيمان، فإذا هي تنقُص، فضمَمتُ ما في الكتاب والسنَّة، فإذا هي تسعةٌ وسبعون، لا تَزيد ولا تَنقص، فعلمتُ أنَّه المراد.
نعَمْ، قال البَيْضاوي: يحتمل أنَّ المراد بهذا العدد، وهو سبعٌ وسبعون التكثيرُ على حدٍّ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وذلك أنَّ لفْظ (السبْع والسَّبعين) يكون للتَّكثير كثيرًا؛ لاشتمال السَّبعة
стр. 180
على تقاسيم المُتَعَدِّد، فإنَّه ينقسم إلى فردٍ وزوج، وكلٌّ منهما أوَّلٌ ومركبٌ، وينقَسم إلى مُنطِقٍ وأَصَمَّ، والكلُّ في السَّبعة، فإذا أُريد المُبالغة جُعلت آحادها أعشارًا.
لكنْ مدار الخصال على أصلٍ واحدٍ، وهو تكميل النَّفس على وجهٍ يُصلح مَعاشه، ويحسِّن مَعاده، وذلك بأن يعتقد الحقَّ، ويستقيم في العمَل، وإليه أَشار ﷺ بقوله لسُفْيان الثَّقَفي حين سأله قَولًا جامعا: "قُلْ آمنْتُ باللهِ، ثم استَقِمْ".
وقال علي بن عِيْسى النَّحْوي: السَّبعة أكمَل الأعداد؛ لأن الستَّة أوَّلُ عددٍ تامٍّ، وهي مع الواحد سبعةٌ، فكانت كاملةً؛ إذ ليس بعد التَّمام سِوى الكمال، فلذلك سُمي الأَسَد سبُعًا لكمال قُوَّته، ثم السَّبعون غاية الغاية؛ إذِ الآحادُ غايتها العشَرات، وأما الستَّة، فلأنَّ العدد إما زائدٌ، وهو ما أَجزاؤه أكثَر منه كاثني عشَر، فإنَّ لها نِصْفًا، وثلثًا، وربعًا، وسدسًا، ونصف سدسٍ، ومجموعُ هذه الأجزاء أكثَر من اثني عشر، وإما ناقصٌ، وهو ما أَجزاؤه أقلُّ كالأربعة، لها نصفٌ وربعٌ، وإما تمامٌ، وهو ما أَجزاءه مثلُه كالستَّة، فإنَّ أجزاءَها نصفٌ، وثلثٌ، وسدسٌ.
فذَكَر التَّمام بجعل آحاده عشراتٍ مبالغةً؛ إما لكون الإيمان هذا العدَد في الواقع، أو لقَصْد التكثير مبالغةً.
وقال الطِّيْبِي: الأظهر أنَّ المعنى فيه التَّكثير، وأنَّ ذِكْر البِضْع للترقِّي؛ لأنَّ الشُّعَب لا نهايةَ لها لكثْرتها، إذ لو أُريد التعديد لم يُبهِم.
стр. 181
ثم ذكر (ك) تقْسيمًا لشُعب الإيمان نقْلًا عن غيره، وقال في آخِر الكلام: يمكِن تَعداد الشُّعب بأَضبَط مما ذكَروا، وأنقَح من التَّكرار بأَنْ يُقال: الشَّأْن لا يخلو من المَبدأ، والمَعاد، والمَعاش، وهي إما أن تتعلَّق بنفْس الرجل فقط، وتُسمَّى النَّفْسانيَّة، وإما بغيره من خاصَّته، وهم أَهل منزلته، وتُسمَّى المنزليَّة، وإما بغيره من عامة الناس، وتمسى بالبدَنيَّة، والنَّفسية إما باطنيَّةٌ، وإما ظاهريهةٌ، والظاهرية إما قوليَّةٌ، أو فِعليَّةٌ.
فالبَدَنيَّة إما أنْ تتعلَّق بذات الله تعالى، وهي تسعةٌ: الإيمان بوُجود الصانع، والتوحيد الذي هو أَصْل صِفات الجَلال، والصّفات السَّبعة المُسمَّاة بصِفات الإكرام، وهي: الحياة، والعِلْم، والإرادة، والقُدْرة، والسَّمْع، والبصَر، والكلام، وإما بفِعْل الله تعالى وحُكمه، وهي أربعةٌ: الإيمان بملائكته، وكتُبه، ورسُله، وحُدوث العالم.
والمَعاديَّة أُمهاتها ثمانيةٌ، وهي: البعث، والموقف، والحساب، والميزان، والصِّراط، والشَّفاعة، والجنة، والنار، وما يتعلَّق بهما.
والمنزليَّة كذلك ثمانيةٌ: التعفُّف عن السِّفاح، وعقْد النكاح، والقِيام بحُقوقه، والبِرُّ بالوالدَين، وتربية الأَولاد، وصِلَة الرَّحِم، وطاعة السادات، والإحسان إلى المَماليك.
والبدَنيَّة أُصولها أربعة عشَر: القِيام بالإِمارة، واتباع الجَماعة، ومُطاوعة أُولي الأَمر، والمُعاوَنة على البِرِّ، وإحياء مَعالم الدِّين، والأَمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنكر، وحِفْظ الدِّين بالقتْل والقِتال،
стр. 182
وحفْظ النَّفْس بالكفِّ عن الجِنايات، وإِقامة حُدود الجِراح، وحفْظ العقْل بالنَّهي عن المُسكِرات والمجنِّنات، وحفْظ المال بطلَب الحقوق وأدائها، وحفْظ الأنساب بإقامة حُدود الزِّنا، وحفْظ الأَعراض بحدِّ القَذْف والتَّعزير، ودفْع الضَّرر عن المسلمين.
والظَّاهريَّة القوليَّة خمسةٌ: التلفُّظ بالكلمة، وصِدْق اللَّهجة، وتلاوة القرآن، والتعلُّم، والتَّعليم للشَّرائع.
والظاهريَّة الفِعلية ماليَّةٌ، أو بدَنيَّةٌ، أو مركبةٌ منهما، عشرةٌ: الطَّهارة، وستْر العورة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام بأمر الجنائز، والصِّيام، والحج، والوفاء بالنُّذور، وتعظيم الأَيمان، وأداء الكفَّارات.
والباطنيَّة إما تخليةٌ عن الرَّذائل، وأُمهاتها ثمانيةٌ: حبُّ المال، وحبُّ الجاه، والحِقْد، والحسَد، والرياء، والنِّفاق، والعُجْب، وإما تحليةٌ بالفَضائل، وكُلِّياتها أحد عشر: التَّوبة، والخوف، والرجاء، والحياء، والشُّكر، والوَفاء، والصَّبر، والإخلاص، والمَحبَّة، والتوكُّل، والرِّضا بالقضاء.
وعُلِم هذا بالاستِقراء، فمثْل هذا الحصْر لا يكون عقليًّا بل استقرائيٌّ لا يُفيد إلا ظنًّا، والله أعلم.
(وَالْحَيَاءُ) -بالمَدِّ-: تغيُّر وانكِسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعاب به ويُذمُّ، وربما عُرِّف بأنَّه: انحصارُ النَّفْس خوفَ ارتكاب القَبائح، واشتقاقه من الحياة، يُقال: حَيِيَ الرجل: نقَصَتْ حياتُه، كنَسِيَ
стр. 183
الرجل: إذا اعتلَّ نسَاه، وهو عِرْقٌ في الفَخِذ، وحَشِيَ إذا اعتلَّ حَشاه، فكأنَّه لخَوفه المذمَّة تنتقصُ حياته وتضعُف، كذا قرَّره الزَّمَخْشَري.
وعكَس الوَاحِديُّ ذلك، فقال: استَحيَى الرجل: قَويتْ حياتُه لشِدَّة عِلْمه بمواقع العَيب والذَّمِّ، قال: والحَياة مِن قُوَّة الحِسِّ.
(شعبة مِنَ الإيمَانِ) لأنَّه يحجُز صاحبَه عن المعاصي؛ لأن الإيمان امتثالُ المأْمور، وترك ارتكاب المَنْهيِّ، وإنما أَفرده بالذّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي لسائر الشُّعَب.
قال (ن): وفي حديثِ في "الصحيح": "الحَياءُ مِنَ الإِيْمانِ"؛ أي: لأنَّه يكون تخلُّقًا واكتِسابًا، وقد يكُون غَريزةً لكن استعماله على قانون الشَّرع يحتاج لعلاجٍ ونيَّةِ، فكان من الإيمان، ولما سبق من كونه باعثًا على فعل الخير مانعًا من المعاصي، وفي رواية: (خير كله) فقد يستشكل بأن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق، فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن يجاب بأن ذلك ليس حياءً بل عجزًا، ومهانة وضعفًا، وتسميته حياءً مجاز مِن مَجاز المُشابَهة.
قيل: هذا الحديث نصٌّ إطْلاق اسم الإيمان الشَّرعي على الأعمال.
قال (ك): ليس نَصًّا؛ إذ معناه: شُعَب الإيمان بِضْعٌ، وكذا لأنَّ الإماطة غيرُ داخلةٍ في الإيمان والتَّصديق بل خارجةٌ عنه.
* * *
стр. 184
٤ - بابٌ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
(باب: من سلم المسلمون من لسانِه ويده)
يحتمل تنوينَ الباب، وإضافتَه، وسُكونَه كالوقف.
١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نهى اللَّهُ عَنْهُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ أبَو مُعَوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ داوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(م د س).
(الْمُسْلِمُ)؛ أي: الكامِل، وإلا لَزِمَ أنَّ من أتى بالأركان الخمسة، ولم يَسلَم المسلمون مِن لسانه ويده أنْ لا يكون مُسلِمًا، وقد نصَّ سِيْبَوَيْهِ في اسم الجنْس بأَل نحو: الرَّجل زيدٌ: بأنَّ المراد به الكامِل، وقال ابن جِنِّي: مِن عادة العرَب أن يُوقعوا على الشَّيء الذي يخصُّونَه بالمَدْح اسمَ الجِنْس، فلهذا سَمَّوا الكعبةَ البَيْتَ، أو يُقال: سلامة المسلمين خاصةٌ بالمسلم، ولا يَلزم من انتِفاء الخاصَّة انتفاءُ ما له
стр. 185
الخاصَّة، أو يقال: إنَّه كقولهم: النَّاس العرَب، قاله (خ).
فإنْ قيل: يلزم أنَّ من سلِم المسلمون منه يكون مُسلما كاملًا وإنْ لم يأْتِ بالأركان؛ قيل: هذا إنما هو للمُبالغة في ترْك الإيذاء، فجُعل نفْس الإسلام ادعاءً.
(مِنْ لِسَانه وَيَدهِ)؛ أي: مِن أَذى لسانه ويده، وخُصَّتا بذلك لأنَّه الغالب، وإلا فالأَذى قد يكون بغيرهما، أو أُطلق على الكلِّ عمَلَ اليدِ واللِّسان، فيُقال في كلِّ عمَلٍ: هذا مما عملتْه اليَدُ، وإنما قدَّم اللِّسان لأنَّ إيذاءه أكثَر وُقوعًا، وأسهل، وأشدُّ نِكايةً، كما قال ﷺ لحسَّان: "اهْجُ المُشركين، فإنَّه أَشقُّ عليهم مِن رَشْقِ النَّبْل"، وقال الشَّاعر:
جِراحاتُ السِّنانِ لها التِئَامٌ ... ولا يَلْتامُ ما جرَحَ اللِّسانُ
واعلم أنَّه يُستثنى من الإيذاء ما كان بحق كإقامة الحُدود والتَّعازير، أو ذلك عند التَّحقيق ليس إيذاءً بل إصلاح وطلَب سلامةٍ، وهو في المآل.
(وَالْمُهَاجِرُ) من الهَجْر، وهو التَّرْك، ومنه سُمي فاحشُ الكلام هُجْرًا، بضم الهاء؛ لأنَّه ينبغي أن يُهجَر، وغَلَب اسم المُهاجِر على مَن فارَقَ وطنَه وعشيرتَه، فأَعلمَهم ﷺ بأنَّهم يجبُ أنْ يهجُروا ما نهى الله عنه لتَكمُل هِجْرتهم.
ولفْظ رواية النَّسائي: (هَجَرَ ما حرَّمَ اللهُ عليهِ)، وكذا قال (خ):
стр. 186
إنَّه الذي جَمع إلى هَجْر وطنِه هَجْرَ ما نهى الله عنه، ولا يَتكلُوا على هِجْرة المدينة فقط.
وقيل: لمَّا شَقَّ فَواتُ الهِجْرة على بعضهم قيل المُهاجرُ (مَنْ هَجَرَ مَا نهى اللَّهُ عَنْهُ).
ويحتمل أنَّه قال ذلك بعد الفتْح، فإنَّه لا هجرةَ حينئذٍ إلا هجْرة المعاصي.
واعلم أنَّ الإسلام قد يُطلق على الأعمال الظاهرة؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، ويُطلق على اعتقاد القَلْب مع الأَعمال والإِخلاص لله تعالى في جميع ما قضَى وقدَّر، كما قال عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ [البقرة: ١٣١]، فيحتمل أنَّ المراد بالمُسلم هنا المُخلِص المُستسلِم لقضاء الله وقدَره، فكأنَّه قال: المُسلِم مَن أسلَم وجْهه لله، ورضِيَ بتقديره، لا يتعرَّض لأَحدٍ بإيذاءٍ.
(وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة)؛ أي: الضَّرير محمَّد بن خازِم، بمعجمةٍ، وصلَه إسحاق بن راهَوَيْهِ في "مسنده" عنه، ووصلَه ابن حِبَّان في "صحيحه".
(وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) وصلَه عُثمان بن أبي شَيبة في "مسنده" عنه.
وأَورد البُخاريُّ هذين التعليقَين للاستشهاد والمُتابعة لا للاستِدلال، وفيه دقيقةٌ: وهي أنَّ في طريق أَبي مُعاوية: (سمعتُ
стр. 187
عبد الله)، وفي طريق عبد الأَعلى: (عن عبد الله) (١)، فأَشعَر ذلك بالفَرْق بينهما.
* * *
٥ - بابٌ أيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟
(باب: أي الإسلام أفضل)
أي: بالرَّفْع سواءٌ نوَّنت: (باب)، أو سكَّنته أو أضفته إلى ما بعده، والمراد: أي: خصال الإسلام؛ لأن (أي) لا تضاف إلا لمُتَعَدِّدٍ.
وأيضًا فجَوابه يدلُّ على أنَّ السُّؤال عن خَصلةٍ منه لا عن نفْسه، وأَفْعل التَّفضيل هنا حُذفت صِلتُه، أي: أفْضل مِن غيره مِن الخِصال؛ إذ هو لا بُدَّ له من إضافةٍ، أو تعريفٍ باللام، أو صلةٍ بـ (مِنْ)، والمراد بالأَفْضل: الأَكثَر ثَوابًا.
١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الإسْلَامِ أفضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ".
(م ت س).
стр. 188
(قَالُوا) لفْظ روايةِ مسلم: (قلتُ)، والنَّسائي: (قُلنا)، ولابن حِبَّان أنَّه السائِل، وللطَّبَراني عن عُبيد بن عُمير، عن أبيه: أنَّه سأَل عن ذلك.
(أَيُّ الإسْلَامِ) قال أبو البَقاء: تقديره: أيُّ ذَوي الإسلامِ؟ فقال: (مَنْ سَلِمَ)، أو التقدير: خَصْلَةُ مَن سَلِمَ؛ ليُطابق الجوابُ السُّؤال.
وقال (ك): هو مُطابِقٌ وزيادةٌ من حيثُ المعنى؛ إذْ يُعلم منه أنَّ أفضليته باعتبار تلْك الخَصْلة كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢١٥] الآيةَ، أو أطلق الإسلامَ وأراد الصِّفَة، كما يُقال: العَدْل وُيراد: العادِل، كأنَّه قال: أيُّ المُسلمين خَيرٌ؟ كما جاءَ ذلك في روايةٍ.
* * *
٦ - باب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ
(باب إطعام الطعام من الإسلام)
برفْع (إطعام) مبتدأً، و (مِن الإسلام) خبَره؛ أي: مِن خِصال الإسلامِ.
وفي بعض النُّسَخ: (مِنَ الإِيمان) بدَل (مِن الإسلام)، وهو دليلٌ على القول باتحادِهما.
* * *
стр. 189
١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
(م س).
(أَنَّ رَجُلًا) قيل: هو أبو ذَرٍّ؛ إسناده كلُّهم مِصْريُّون، وهو عَزيزٌ، ويُزاد: أنَّهم كلَّهم أَجِلَّاء.
(خَيْرٌ) هو للتَّفضيل مثْل: أَفْضل، لكنْ أفضل بمعنى: كثْرة الثَّواب، وخيرٌ بمعنى: النَّفْع في مُقابلة الشَّر، فالأول راجعٌ للكمِّية، والثاني للكيفيَّة.
فإنْ قيل: لم لا قال في هذا كما في الباب قبلَه: (أَيُّ الإسلامِ أَفْضل)، ولا عبَّر هناك كما هنا؛ قيل: لأنَّ النبيَّ ﷺ صرَّح هنا بأنَّ الإطْعام من الإسلام، ولم يُصرِّح هناك بأنَّ سلامة المسلمين منه من الإسلام، فلذلك احتيج هناك لتأويلٍ، وأيضًا فلو قال هناك: السَّلامة منه مِن الإسلام، لم تُعلَم الأفضليَّة، فخالَف بين التَّرجمتين لذلك.
(تُطْعِمُ)؛ أي: إطعامٌ، على حَدِّ: تَسمَعُ بالمُعيديِّ، أي: سَماعُك.
قلتُ: وفي "شرح التسهيل" لابن مالك: إنَّ سبْك الفعل مصدرًا لا يحتاج لحرفٍ مصدريٍّ قبلَه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، أي: إِراءَتُكم، قال السُّهَيْلي: يحتمِل
стр. 190
إِطعام المجاويع، أو الضِّيافة، أو هما جميعا، وللضيافة في التحابُب والتآلُف أثرٌ عظيمٌ.
(وَتَقْرَأُ) بفتح المُثنَّاة والراء، وبضم التاء وكسر الراء، أي: تسلم على كل أحد، ولا تخصَّ بعضًا دون بعض كما قد يقع ذلك تكبرًا أو تهاونًا، أو تسلم مصانعة، بل يكون السلام عامًّا مراعاة لأخوة الإسلام، وتعظيمًا لشعائر الشريعة، وإذا كان خالصًا فلا يخص بأحد، ولا يمنع منه عداوة، نعم الكافر خارج من العموم إجماعًا.
فإن قيل: كيف جعل هنا الخير الإطعام، وإقراء السلام، وفي الحديث السابق الأفضل: السلامة من يده ولسانه، قيل: إن الجوابين في وقتين فكان الأفضل في كل منهما ما أجاب به إما باعتبار السامع أو بعض أهل المجلس، فقد يظهر من بعض قلة المراعاة ليده ولسانه وإيذاء المسلمين، ومن بعض إمساك عن الإطعام أو تكبر عن السلام، أو أن النبي ﷺ علم أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أن الأول يسأل عما يدفع المضار، والثاني عما يجلب المنافع، أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الإطعام يستلزم سلامة اليد، والسلام يستلزم سلامة اللسان.
وفي الحديث الحث على الجود والسخاء، ومكارم الأخلاق، وخفض الجناح للمسلمين والتواضع، وتآلف القلوب، ونحو ذلك، فاشتمل الحديث على نوعي المكارم؛ لأنَّها إما مالية، والإطعام إشارة إليها، وإما بدنية، والسلام إشارة إليها.
стр. 191
قال البَيْضاوي: الأُلفة إحدى فرائض الإسلام، وأركان الشَّريعة، ونظام شَمْل الدِّين.
وقال (خ): دلَّ حرف الجواب عن جملةِ خِصال الإسلام وأَعماله إلى ما يجب من حُقوق الآدميِّين على أنَّ المسألة إنما عَرضتْ من السَّائل عن حُقوقهم الواجبة عليهم، فجعَل خيرَ أَفعالها في المَثوبة إطعام الطَّعام الذي به قِوام الأَبدان، ثم ما يكون به قَضاء حُقوقهم من الأَقوال، فجعَل خيرَها إِفْشاء السَّلام.
* * *
٧ - بابٌ مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبَّ لِنَفْسِهِ
(باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
يحتمِل تقديمَه (من الإيمان) على (أنْ يُحبَّ) بخلاف قوله: حُبُّ الرَّسول من الإيمان، وإِطعام الطَّعام من الإيمان، ونحو ذلك؛ إما للاهتمام بذِكْره، أو الحصْرِ كأنَّه قال: ليست المَحبَّة المذكورة إلا مِن الإيمان تعظيمًا لشأنها، وتحريضا عليها.
وفاعل (يُحبَّ) مُضمرٌ في الفعلين، أو المكلَّف، أو المُؤمِن، أو الرَّجل.
١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قتادَةَ،
стр. 192
عَنْ أَنسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّم، قَالَ: حَدَّثَنَا قتَادَةُ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
(م ت س ق).
(لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ)؛ أي: إيمانًا كامِلًا، ولا يَلزم أنَّه يحصُل بذلك وإنْ لم يأْتِ بسائر الأركان؛ لأنَّه مبالغةٌ، كانَّ الركن الأَعظم منه هذه المَحبَّة نحو: "لا صَلاةَ إلا بطُهُورٍ"، أو هي مُستلزمةٌ لذلك، أو يَستلزم ذلك لصِدْقه في الجُملة، وهو عند حُصول سائر الأَركان؛ إذ لا عُموم للمَفهوم.
واعلم أنَّ في بعض الرِّوايات: (لا يُؤمِنُ عبْدٌ)، وفي بعضِها: (أَحَدٌ).
(حَتَّى يُحِبَّ) بالنَّصب بـ (أنْ) مضمرةٍ بعد (حتى)، وهي جارَّةٌ لا عاطفةٌ، ولا ابتدائيةٌ تدلُّ على مُخالفة ما بعدَها لما قبلَها.
(لأَخِيهِ)؛ أي: في الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
(مَا يُحِبُّ)؛ أي: في مثْل ما يُحبُّ؛ إذْ عينُه محالٌ؛ إذ لا يكون في مَحلَّين، والمراد: ما يحبُّ من الخَير كما جاء ذلك صَريحًا في روايةِ النَّسائي، وذلك الطَّاعات والمُباحات من الدُّنيا.
واللَّفْظ وإنْ كان ظاهره المِثْليَّة لكن حقيقته أنْ يحبَّ أنْ يكون
стр. 193
أَخوه أفْضلَ منه؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يحبُّ أنْ يكون أفْضل من غيره، فإذا أحبَّ لأخيه مثْلَ ذلك دخَلَ هو في جُملة المفضولين.
ثم قال ابن الصَّلاح: إنَّ هذا يُعدُّ من الصَّعب المُمتنِع، ولكنْ لا يُعدُّ بأنْ يحبَّ أنْ يحصل لأَخيه من جهةٍ أُخرى مثل ذلك من جِهةٍ لا يُزاحمه، ولا ينتقصُ عنه، وذلك سَهْل على القَلْب السَّليم.
واعلم أنَّ من الإيمان أيضًا أن يُبغض لأخيه ما يُبغض لنفْسه، ولكن تَركَه في الحديث إما اكتفاءً؛ لأنَّ حبَّ الشيء يَستلزم بُغْض نقيضه، أو لأنَّ الشَّخص لا يُبغض شيئًا لنفْسه، فلا يحتاج لذِكْره.
والمَحبَّة عرَّفها أكثَر المتكلمين: بالإِرادة، فقيل: فهي إما اعتقاد النَّفع، أو النَّفع، أو مَيل يَتبع ذلك، أو صفةٌ مخصِّصةٌ لأحد الطَّرفين بالوُقوع.
وقال (ن): أَصْل المحبة المَيْل إلى ما يُوافق المَحبوب، ثم الميْل قد يكون إلى ما يَستلذُّه بحواسِّه كحُسن الصُّورة، أو بعقْله كمحبه الفضْل والكمال، أو لإحسانه إليه، ودفْع المضارِّ.
وقال التَّيْمِي: دلَّك رسول ﷺ على مَعرفة الإيمان من نفْسك، فانظُر فإن اخترتَ لأَخيك في الإسلام ما تَختار لنَفْسك؛ فقد اتصفْتَ بصفة الإيمان، وإنْ فرَّقتَ بينك وبينه في إرادة الخير؛ فلستَ على حقيقة الإيمان، وإذا كان الإيمان مُشتقًّا مِن الأَمْن، فكأنَّه يُؤمِّن أَخاه من الضَّيم والشَّر، وإنما يصحُّ هذا إذا ساوى بينَه وبين نفْسه، فأمَّا إذا كان وُصول الشرِّ إلى أَخيه أَهون عليه من وُصوله إلى نفْسه، أو حصولُه
стр. 194
على الخير آثَرُ مِن حُصول أخيه عليه؛ فلم يُؤمِّنْه إيمانًا تامًّا.
(وَعَنْ حُسَيْنٍ)، قال (ك): إما عطْفٌ على مَعمُول (حدَّثنا)، فيكون تعليقًا لذلك عن الحُسين -قلتُ: وفيه بُعدٌ-، وإما عطفٌ على (شُعبة)، فيكون من تحديث مُسدَّد، عن يحيى، عن حُسين، أي: المعلِّم، أوردَه للمُتابَعة لكن باتصالِ بأوَّل السنَد، وفيه تحويلٌ، وإنما أُشير إلى ذلك في نسخته بكتابةِ (ح) التَّحويل، أو الحائل، أو الحَديث، كما سبَق في أول السند، وإما عطْفه على (قَتادة)، فكأنَّه قال: عن شُعبة، عن حُسين، عن قَتادة.
قلتُ: وهذا عجيبٌ؛ فإنَّه إذا عُطف على قَتادة يكون مُشاركًا له في أنَس، وكلامه آخِرًا يُناقض الأول، وبالجُملة فالصَّواب عطْفه على شُعبة.
قال: ولا يجوز عطْفه على يحيى؛ لأنَّ مُسدَّدًا لم يَسمع من الحُسين.
قلتُ: هذا ظاهرٌ لا يحتاج للتَّنْبيه عليه.
* * *
٨ - بابٌ حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ
(باب: حب الرسول ﷺ من الإيمان)
اللام في (الرسول) للعَهْد، وهو نبيُّنا محمد ﷺ ، وإنْ كان حُبُّ الرسُل كلِّهم من الإيمان؛ لقَرينة (حتى أَكونَ).
* * *
стр. 195
١٤ - حَدَّثَنَا أَبَو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يُؤْمِنُ أَحَدكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ".
الحديث الأول (س):
(بِيَدِهِ) هو مِن المُتشابِه، والأُمة فيه بين مُفوِّض عِلْمَه لله، والوقْف عندهم في الآية على: ﴿إِلا الله﴾، ومُؤوِّلٍ بما يَليق، ﴿وَاَلرَّسِخُونَ﴾ عندهم عطفٌ على فاعل: ﴿يعلم﴾ [آل عمران: ٧]، والأول أَسلَم، والثاني أَحكَم.
(أَحَبَّ) أَفْعل التَّفضيل بمعنى: المَفعول، وهو وإنْ كان كثيرًا على خِلاف القِياس.
(إِلَيْهِ) فصَل به بين أَفْعل ومَعموله؛ لأنَّه يتوسَّع في الظَّرْف ما لا يُتوسَّع في غيره.
(مِنْ وَالِدِهِ) يدخُل فيه الأُمُّ؛ لأنَّ الوالد مَن له ولَدٌ، أو ذُو ولَدٍ كـ (لابِنٌ) و (تامِرٌ).
قلتُ: الظَّاهر اتحاد القَولين، أو أنَّ ذلك من باب الاكتِفاء بأحَد الضدَّين نحو: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبَرْد، أو أنَّهما سواءٌ، فذِكْر أحدهما يُشعر بالآخَر.
(وَوَلَدِهِ) إنما لم يَذكُر نفْسَه، وإنْ كانت نفْسه أحبَّ إليه من كلِّ
стр. 196
شيءٍ، واقتصَر في هذه الرِّواية على الوالد والولَد؛ لكونهما أعزَّ خلْق اللهِ على الإنسان غالبًا، وربَّما كانا عنْده أعزَّ من نفْسه، وقد عُلم أنَّه يكون أحبَّ إليه من غيرهما من الخُلُق من بابٍ أَولى، فذِكْرهما تنبيهٌ وتمثيلٌ، وقد جاءَ في الرِّواية الثانية التَّعميم.
* * *
١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".
الحديث الثاني (م س ق):
يُوجد في بعض النُّسَخ فيه قبْل: (وَحَدَّثَنَا آدَمُ ح) للتَّحويل مِن إسنادٍ إلى إسنادٍ، وفي روايتي حديث أنسَ زيادةُ: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، أي: في الحديث الثاني مِن ذكر العُموم بعد الخُصوص.
فإنْ قيل: هل يدخُل في لفْظ (الناس) نفْسُه، أو يكون خارجًا للقَرينة العُرفيَّة؛ لأنَّ الذي يُطلق (الناس) إنما يُريد غيرَ نفْسه؛ قيل: نعَمْ، يدخُل، وما ذُكر ليس بمخصصًا لعُمومه.
فإنْ قيل: المَحبَّة أمرٌ طبيعيٌّ لا يدخُل تحت الاختِيار، فالتكليف بتحصيله تكليفٌ بما لا يُطاق؛ قيل: المراد الحبُّ الاختِياري المُستنِد للإيمان حتى يُؤثِرَ رِضاهُ على هوَى الوالدَين، وإنْ كان فيه هلاكهما،
стр. 197
فمحبَّةِ الرسول إرادةُ أفعالِ طاعته، وتركُ مخالفته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] الآيةَ.
قال (ط): المَحبَّة ثلاثةٌ: محبة إجلالٍ وإعظامٍ كمحبَّةِ الوالدَين، ومحبَّة شفَقةٍ ورحمةٍ كمحبة الأَولاد، ومحبَّة استحسانٍ واستلذاذٍ كمحبَّة سائر النَّاس، فجمَع النبيُّ ﷺ الأصنافَ الثلاثة، فمن استكمَل الإيمان عَلِمَ أنَّ حقَّ النبيِّ ﷺ آكدُ عليه من حقِّ والده، وولَده، والناس أجمعين؛ لأنَّ به يُستنقذ من النار، ويُهدى من الضلالة، أي: فالمعاني الثلاثة موجودةٌ فيه؛ لمَا جمَع بين جمال الظاهر والباطِن، وكمال أَنواع الفضائل، والإحسان لجميع المُسلمين بهدايتهم إلى الصِّراط المستقيم ودَوام النَّعيم.
قال (ع): ومن محبَّته ﷺ نصْر سُنَّته، والذَّبُّ عن شريعته، وتمنِّي حُضور حياته ببذْل ماله ونفْسه دُونه.
وفيه أنَّ حقيقة الإيمان لا تتمُّ إلا بذلك، ولا تصلح إلا بتحقيق إِعلاء قدْره ومنزلته على كلِّ والدٍ وولدٍ ومُحسِنٍ ومفضِل، ومَن لم يعتقد هذا فليس بمؤمنٍ.
قال (ن): فيه تلْميحٌ إلى قِصَّة النَّفْس الأَمَّارة بالسُّوء والمطمئنَّة، فإنَّ مَن رجَح جانب الأَمَّارة كان حُبُّ أهله وولده راجِحًا، ومن رجَح المطمئنَّة فبالعكس.
قال (ك): حاصله أنَّه يجب تَرجيح مُقتضى القوَّة العقليَّة على الشَّهوانيَّة ونحوها.
* * *
стр. 198
٩ - بابُ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ
(باب: حلاوة الإيمان)
مُراده: أنَّ الحلاوة أَمرٌ زائدٌ على أَصْل الإيمان، وهي ثَمرتُه، ولمَّا ذكَر قبله أنَّ حُبَّ الرسول من الإيمان أرَدفَه بما يُوجد من حلاوة ذلك الحاصِل.
١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ".
(م س).
(ثَلَاثٌ) سوَّغ الابتداء به إضافتُه إلى ثلاث خِصالٍ، أو أنَّه صفةٌ لمحذوفٍ، أي: خِصالٌ ثلاثٌ كما مثَّل ابن مالك، وذلك في "شرح التسهيل" بقولهم: ضعيفٌ عاذَ بقرملةٍ، أي: إنسانٌ ضعيفٌ التَجأ إلى قَرملةٍ، أي: شجرة ضعيفةٍ.
قال (ك): لكنَّ هذا يجوز أنْ يكون من باب: شَرٌّ أَهرَّ ذا نابٍ، وعلى هذين الخبرُ هو الجُملة بعدَها، وهي: (مَنْ كُنَّ فِيهِ) إلى آخره.
стр. 199
فـ (مَن) مبتدأٌ سواءٌ جعلت شرطيةً، أو موصولةً ضُمِّنتْ معنى الشَّرط، والخبر على الأوَّل مجموعُ الشَّرط والجزاء، أو الشَّرط فقط، على الخلاف في ذلك، وعلى الثاني: (وَجَدَ)؛ أي: أصابَ، (وكُنَّ) صِلَة الموصول، ويحتمل أن يكون ثلاثٌ موصوفَ الجملة بعدَه، والجواب: أَنْ يكونَ، وأمَّا على الأولين، فأَنْ يكون: بدَلٌ من (ثلاثٌ).
(حَلَاوَةَ الإيمَانِ) قال التَّيْمِي: أي: حُسنه، يُقال: حَلا الشَّيء في الفَمِ صار حُلْوًا، فإنْ حسُن في العين والقَلْب قيل: حَلا بعَيني، أي: حسُن.
(أَحَبَّ) إنما لم يقُل: أَحبَّا؛ لأنَّ أَفْعل التَّفضيل إذا وُصِل بـ (مِنْ) أُفرد دائمًا.
(مِمَّا سوَاهُمَا) إنما لم يقُل (ممن) ليُعمِّم.
وفيه دليلٌ على التَّثنية في مثْل ذلك، وأما قَول الخَطيب الذي قال: (ومَنْ يعصِهما)، [قال له النبي ﷺ ]: "بِئْسَ الخَطِيْبُ أَنتَ"، فلأَنَّ موضُوع الخُطَب الإيضاح، وأما هنا فالمُراد الإيجاز، ولهذا جاءَ في أبي داوُد: "ومَنْ يَعصِهِمَا فلا يَضُرُّ إلا نفْسَه"؛ لكونه في غير خُطبةٍ.
(الْمَرْءَ) مفعولُ (يُحبَّ)، وفاعله الضمير المستتر.
(لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) جملةٌ حاليةٌ إما من الفاعل، أو من المفعول.
قال (ك): أو كليهما، وفيه نظَرٌ.
стр. 200
(يَعُودَ فِي) القياس: يَعود إِلى، ولكنْ ضُمِّن معنى: الاستِقْرار، أي: يعُود مُستقِرًّا فيه.
وذكر الحلاوة مع أنَّها مِن وصْف الطَّعم على التَّشبيه، ووجْه الشَّبه الالتِذاذ ومَيل القَلْب، فذكَر المشبَّه، وأُضيف إليه ما هو من خواصِّ المشبَّه به ولَوازمه، وهو الحَلاوة، على سبيل التَّمثيل، ويُسمَّى استعارةً بالكناية.
وفي الحديث الإشارة إلى التَّحلِّي بأَنْواع الفَضائل من التَّعظيم لأمر الله تعالى، فيكون الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سِواهما، ثم الشَّفَقة على خلْق الله بإِخلاص محبَّتهم، ثم التَّخلِّي عن الرَّذائل، وهو كَراهة الكُفر، وسائر النَّقائص.
قال (ن): هذا حديثٌ عظيمٌ من أُصول الإسلام، ومعنى حلاوة الإيمان الاستِلذاذ بالطَّاعات، وتحمُّل المشاقِّ في الدِّين، وإيثار ذلك على أَغْراض الدُّنيا، ومحبَّة الله بفعل طاعته وتَرْك مُخالفته، وكذلك محبَّة الرَّسول.
وقال (ع): لا تصحُّ هذه الثَّلاثة من العبْد إلا إنْ قوي بالإيمان يقينُه، واطمأنَّت به نفسه، وانشرح له صَدْرُه، وخالطَ لحمَه ودمَه، فبذلك يجدُ حَلاوة الإيمان.
وقال مالكٌ: المَحبَّة في الله من آداب أَولياء الله.
وقال يحيى بن مُعاذ الرَّازي: حقيقة المَحبَّة أنْ لا تزيد بالبِرِّ، ولا تنقُص بالجَفاء.
стр. 201
وقال البَيْضاوي: المراد بالحُبِّ هنا الحُبُّ العقْلي، وهو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه، ويَستدعي اختيارَه وإنْ كان على خِلاف الهوى، أَلا ترى أنَّ المريض يَعاف الدَّواء، ويَنفِر عنه طبعُه، ولكن يميلُ إليه باختياره، ويَهوى تناوُلَه بمقتضى عقْله؛ لمَا يعلم أنَّ صلاحه فيه، فالمرء لا يُؤمِن إلا إذا تيقَّن أنَّ الشَّارع لا يَأْمُر ولا يَنهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاصُ آجِل، والعقل يقتضي تَرجيحَ جانبه، وكمالَه بأنْ تتمرَّن نفسُه بحيث يصير هواه تبَعًا لعقْله، ويَلتذَّ به، والشَّارع ﷺ عبَّر عن هذه الحالة بالحَلاوة؛ لأنَّها أَظهر اللَّذَّات المَحسوسة، وإنما جعَل هذه الأُمور الثلاثة عُنوانًا لكمال الإيمان المحصّل لتلك اللَّذَّة؛ لأنَّه لا يَتمُّ إيمان امرئٍ حتى يتمكَّن من نفْسه: أنَّ المنعِم باللَّذات هو الله، وما عَداه وسائطُ ليس لها ضرَرٌ ولا نفْعٌ، وأنَّ الرسول ﷺ هو العَطُوف الساعي في إصلاح شأْن النَّاس، فلا يُحبُّ ما سِواه إلا لكونه واسطة بينه وبينه، وأنْ يتيقَّن أنَّ جميع ما وُعد وأُوعد حقٌّ كأنَّه وقَع، ويتخيَّل أنَّ ما لابَسَ ذلك من مَجالِس الذِّكْر رياض الجنَّة، وأنَّ أَكْل مال اليتيم أكلُ النَّار، والعَود في الكُفر إلقاءٌ في النار.
ثم أجابَ عن جمعهما في ضمير: بأَنَّ المعتبَر هو المَجموع المركَّب من المحبَّتين لا كلُّ واحدة، فإنَّها وحدَها ضائعةٌ لاغيةٌ بخلاف أَمْر الخَطيب، فإنَّها إشعارٌ بأنَّ كلَّ واحدٍ من العِصيانيَن مستقلٌّ باستِلزام الغِواية؛ إذ العطْف في تقدير التَّكرار، والأَصل
стр. 202
استِقلال كلٍّ من المعطوفين في الحُكم.
قال (ك): وهذا أَحسَن جوابًا مما سَبَق.
* * *
١٠ - بابٌ عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنصَارِ
(باب: علامة الإيمان حب الأنصار)
١٧ - حَدَّثَنَا أَبو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الإيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ".
(م ت س).
(آيَةُ)؛ أي: علامة، فلذلك صرَّح به في الترجمة.
(حُبُّ الأَنْصَارِ)؛ أي: إرادةُ الخير لهم، والأنْصار جمع: نَصيرٍ كشَريف وأَشراف، أو جمع: ناصِر كصاحِب وأَصحاب، واللام للعَهْد، أي: أنْصار رسولِ الله ﷺ ، أي: الذين ابتدؤوه بالبَيعة على إعلاء توحيد الله وشَريعته من أهل المدينة، غَلَب عليهم هذا الاسم عُرفًا، فلذلك كان حبُّهم علامةَ الإيمان وإنْ كانوا آلافًا، لكنْ استُعمل فيهم جمع القِلَّة، وهو إِفْعال؛ لأنَّ اللام للعُموم، والتَّفْرقة إنما هي في النَكِرات.
стр. 203
(وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ) هذا وإنْ فُهم مما قبلَه؛ لأنَّه تَقتضيه لكنْ قصَد التَّصريح به تأكيدًا؛ لأنَّ المَقام يقتضي ذلك.
والنفاق إظهار الإيمان وإبْطان الكُفر، وإنما قابَل الإيمانَ بالنِّفاق، ولم يُقابله بالكُفر الذي هو ضِدُّه؛ لأنَّ الكلام في الذين ظاهرُهم الإيمان وباطنُهم الكُفر، فميَّزهم عن ذَوي الإيمان الحقيقي، فلم يقُل: وآية الكفر كذا؛ إذْ ليس هو بكافرٍ ظاهرًا.
فإنْ قيل: هل يقتضي الحديث أنَّ مَن لم يُحبَّهم لا يكون مُؤمنًا؟
قيل: لا، إِذْ لا يَلزم من عدَم العَلامة عدَم ما هي له؛ إذ المراد: كمال الإيمان.
فإنْ قيل: ظاهره أنَّ مَن أبغضَهم يكون مُنافقًا وإنْ كان مصدِّقًا بقلْبه؟
قيل: إذا كان بغضهم من حيث إنَّهم أنصار رسول الله ﷺ ؛ فلا يجتمع مع تصديق القَلْب.
واعلم أن التركيبَين فيهما الحصْر؛ لأنَّ المبتدأ والخبر فيهما مَعرفتان، وذلك يُفيد الحصر كما صرَّح به البَيانيون، إما حصْر المبتدأ في الخبر أو بالعكس، نحو: الضَّاحِك الكاتِب، وهو مِن القَصْر الادِّعائي تعظيمًا لحُبِّ الأنصار، كأنه لا علامةَ للإيمان إلا حبُّهم، أو ليس حبُّهم إلا علامتَه، ويُؤيِّده ما في "مسلم": "آيَةُ الإيمانِ حُبُّ الأَنْصارِ، وحُبُّ الأَنْصارِ آيةُ الإيمانِ".
стр. 204
قال (ن): معناه: أنَّ مَن عرف مَرتبة الأنصار، وما كان منهم مِن نُصرة دين الإسلام، والسَّعي في إظْهاره، وإِيواء المُسلمين، وقِيامهم بمُهمَّات دِين الإسلام حقَّ القِيام، وحُبِّهم النبيَّ ﷺ ، وحُبِّه إيَّاهم، ومعاداتهم سائرَ الناس؛ كان ذلك دليلَ صِحَّة إيمانه، وصِدقه في إسلامه؛ لسُروره بظهور الإسلام، ومَن أبغضَهم كان بضِدٍّ ذلك، فيُستدلُّ به على نفاقه، وفَساد سريرته.
* * *
١١ - بابٌ
(باب)
كذا بوَّب بالإطلاق، فيَحتمل أنْ يُريد مما تضمَّنه ما أورد فيه من الحديث: أنَّ المُبايعة ما تكون إلا على التوحيد؛ لأنَّه أساس الأصول الإيمانية، أو أنَّ تَرْك المنْهيَّات يدخُل في المُبايَعة التي هي شِعار الإيمان، أو القَصْد إلى بَيان أَحكام المؤمنين من الأَجْر والعِقاب، والعَفْو، أو لتعلُّقه بحبِّ الأنصار؛ لأنَّ النُّقباء كانوا منهم، ولمُبايعتهم أثَرٌ عظيمٌ في إعلاء كلمة الدِّين.
١٨ - حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أبو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ -وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاء لَيْلَةَ الْعَقَبةِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ -وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ-: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ
стр. 205
شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ". فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
(م ت س).
(شَهِدَ بَدْرًا) وكذا غيرُها من المَشاهد، وإنما ذَكر بَدْرًا لفَضْل غزوتها على سائر الغزَوات.
(النُّقَبَاء) جمع: نَقِيْب، وهو الناظِر على القَوم، وضَمينُهم، وعَريفهم، والمراد هنا: نُقباء الأَنْصار الذين تقدَّموا لبَيعة النبيِّ ﷺ على نُصرته ليلة العقَبة بمنَى، أي: وكانوا اثني عشَر رجلًا.
وذلك أنَّه ﷺ كان يَعرِض نفْسَه على قبائل العرَب كلَّ مَوسِم، فبينما هو عند العقَبَة إذ لَقِيَ رهْطًا من الخَزْرج، فدَعاهم إلى الله ، وعرَض عليهم الإِسلامَ، وكانوا يَسمعون من اليَهود أنَّ النبيَّ ﷺ قد أَظَلَّ زَمانُه، فقال بعضُهم لبعضٍ: إنَّه لَذَاكَ، فلا تَسبقنَّكُم اليهودُ إليه، فبايِعُوه لِمَا دعاكُم إليه، فلمَّا انصرفوا إلى بلادهم، وذكَروا ذلك فَشَا أَمرُه، فأَتَى في العام المُقبِل اثنا عشَر رجُلًا إلى المَوسِم من الأنْصار أَحدُهم عُبادة، فبايَعُوه عند العقَبَة -وهي بيعة العقَبَة الأُولى- بَيعةَ النِّساء المشار إليها في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ اَلمُؤمِنَاتُ يبُايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآيةَ، ثم
стр. 206
انصَرفوا، وجاء في العام القابِل إلى الحجِّ سبْعون، فواعدَهم ﷺ العقَبةَ أوسَط أيام التشريق.
قال كعْب بن مالكٍ: فلمَّا استثقَل الناسُ في النَّوم تسلَّلنا من فُرُشنا، فاجتمَعنا بالعقَبة، فإذا معَه عمُّه العماس لا غيرُ، فقال العبَّاس: يا مَعشَر الخَزْرج! إنَّ محمَّدًا منَّا حيثُ علمْتُم، وهو في مَنَعَةٍ ونُصرةٍ من قَومه وعَشيرته، وقد أَبى إلا الانقِطاع إليكم، فإنْ كنتُم وافِيْنَ بما وعدتُموه فأنتُم وما تحمَّلتُم، وإلا فاتركُوه في قومه، فتكلَّم رسول الله ﷺ داعيا إلى الله مُرَغِّبًا في الإسلام، تاليًا للقُرآن، فأَجبْناه بالإيمان، فقال: "إِنِّي أُبايعُكم على أنْ تَمنَعُوني مما منَعتُم به نساءكم وأَبناءكم"، فقُلنا: اُبسُطْ يدَك نبُايعْك عليه، فقال ﷺ : "أَخرِجُوا إليَّ مِنْكُم اثني عشَر نَقِيْبًا"، فأَخرجْنا، وكان عُبادة نقَيب بني عَوفٍ، فبايعوه.
وهذه بَيعة العقَبة الثانية، وبايَع ﷺ بيعةً ثالثةً: بَيعة الرِّضوان في الحُدَيْبِيَة، وعُبادةُ فيها، فبايعَه في الثَّلاث.
(وَحَوْلَهُ) بالنَّصب؛ لأنَّه ظرفٌ، وموضعه رفعٌ؛ لأنَّه خبر المبتدأ الذي بعدَه، ويُقال فيه أيضًا: حَوَالَيْه، بفتح اللام في الثلاث، أي: مُحيطون به.
(عِصَابَةٌ) -بكسر العين-: ما بين العشَرة إلى الأَربعين، لا واحدَ لها من لفْظها، وجمعها: عَصائب، ومادَّتها إما: العَصْب، وهو الشدُّ؛ لأنَّهم يشُدُّ بعضهم بعضًا، ومنه عِصَابة الرَّأْس، والعَصَب؛ لأنَّه
стр. 207
يشدُّ الأعضاءَ، وإما العَصْب بمعنى: الإحاطة، يُقال: عصَبه: إذا أحاطَ به.
والإشارة بذِكْر الرَّاوي ذلك إلى المُبالغة في ضبْط الحديث، وأنَّه عن تحقيقٍ وإتقانٍ، وكذا أنَّ الرَّاوي شَهِد بدرًا، وأنَّه أَحَد النُّقباء، كلُّه يُقوِّيه؛ فإنَّ الرواية تترجَّح عند المعارَضة بفضْل الراوي وشرَفه.
(بَايِعُوني) المُبايَعة هي المُعاقَدة والمُعاهَدة، شُبِّهت بعقود المال، لأن كلًّا يُعطي ما عنده بما عندَ الآخَر، فمِنْ عنْدِ النبيِّ ﷺ الثواب والخير الكثير، ومِنْ عندهم التِزام الطاعة.
وقد تُعرَّف بأنَّها عَقْدُ الإمامِ العَهْد بما يَأْمر الناس به.
(عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا) قدَّم التوحيد لأنَّه أصل الإيمان، وأساس الإسلام، وعمَّم المنْع بقوله: (شيئًا)؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّهي، والنَّهي كالنَّفي.
(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَاكمْ) غير الأولاد وإنْ حرُم قتْلُه بغير حق، إلا أنَّ ذِكْر الأولاد هنا خَرَج مَخرَج الغالب، فلا مَفهومَ له؛ لأنَّهم كانوا يقتُلون أولادهم خشيةَ الإملاق، بل هذا مفهومُ لقَبٍ، فلا حُجَّةَ فيه مطلقًا.
قال التَّيْمِي: ولأنَّ قتْل الأولاد كان أكثَر مِن قتْل غيرهم، وهو الوَأْد، وهو أشنَع القتْل، ولأنَّ قتْلهم فيه قَطيعة الرَّحِم أيضًا، فَصْرْفُ العِناية إليه أكثر.
(ببُهْتَانٍ) هو الكَذِب الذي يَبْهَتُ سامعَه، أي: يُدهشُه لفَظاعته،
стр. 208
يُقال: بَهتَه كذَبَ عليه بما يَبهتُه من شِدَّة نُكْره.
(يفْتَرُونه)؛ أي: تَختلقُونه.
(بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) ذكرتْ مع أنَّه لا مَدخَل لها في البَهْت؛ لأنَّ الجِنايات تُضاف إليها؛ لأنَّ بها المُباشَرة والسَّعي، وإنْ شاركَها بقية الأعضاء، أو أنَّ المعنى: لا تَبْهتوا الناسَ كِفاحًا يُشاهد بعضُكم بعضًا، كما يُقال: فعلتُ هذا بين يدَيه، أي: بحضْرته، قاله (خ).
وقال التَّيْمِي: إنَّه غير صوابٍ؛ لأنَّ معنى الحضْرة إنما يُعبر به بين اليدين لا بين الرجلَين؛ لأنَّ العرَب لا تقول: فعلتُ هذا بين أَرجُلهم، بل بين أيدِيهم.
وردَّه (ك) بأنَّ ذلك لو أَفرد الأَرجل، أما مع بين اليدَين فيجوز، ويكون تأْكيدًا.
قلتُ: وفيه نظَرٌ؛ لأن التأْكيد بما لا يُعهد فيه هذا المعنى بعيدٌ.
قال: ويحتمل ذِكْر ذلك معنى ثالثًا: وهو أنَّه كنَّى باليدَين والرجلين عن الذَّات؛ لأن مُعظَم الأفعال بهما، والمعنى: لا تأْتوا ببُهتانٍ من قِبَل أنفُسكم.
قال: ولهذا يُقال في عِتاب شخصٍ على القول: ذلك بما كسَبتْ يداكَ.
ورابعًا: وهو أنَّ البُهتان ناشئٌ عما يختلقُه القَلْب الذي هو بين الأَيدي والأَرجل، ثم يُبرزه بلسانه.
стр. 209
وبالجُملة فالمراد بذلك: قَذْف المُحصَن ونحوه مِن الكذِب على الناس، ورميهم بالعَظائم، وبما يَلحقهم به العارُ والفَضيحةُ، فكنَّى بذلك عن الوَقاحة، وخَرْق جِلْباب الحياء كدأْب السِّفْلة من الناس، ولذلك وقَع الإطْناب فيه بذِكْر البُهتان والافتراء مع أنَّهما بمعنًى واحدٍ، وذِكْرُ أنَّه بين الأَيدي والأرجل زيادةٌ في تقرير قُبحه وبشاعته.
(فِي مَعْرُوفٍ)؛ أي: ما يَحسُن، وهو ما لم يَنْهَ الشارع عنه، أو باشتِهاره في الشرع.
وقال الزَّجَّاج: هو المأْمور به، وقيل: الطَّاعة.
قال في "النِّهاية": هو اسمٌ جامعٌ لكل ما عُرف من طاعة الله تعالى، والإحسان إلى الناس، وما نَدَب الشَّرع إليه من حَسَنٍ، ونهى عنه من قَبيحٍ.
وقال (ن): يحتمِل: ولا تعصُوني ولا أَحدًا وَلِيَ عليكُم من أَتباعي إذا أَمركُم بالمعروف، فيكون التَّقييد بالمعروف عائدًا إلى الأتْباع، ولهذا قال: ولا تَعصُوا، ولم يقُل: تَعصُوني، ويحتمل أنَّه أراد نفْسَه فقط، ولكن قيَّده بالمعروف تَطْييبًا لنُفوسهم؛ لأنَّه ﷺ لا يأْمر إلا بالمعروف.
وقال الزَّمَخْشَري: في الآية أنَّه ﷺ وإنْ كان لا يأْمر إلا بالمعروف إلا أنَّه نبَّه على أنَّ طاعة المَخلُوق في معصيةِ الخالق جديرةٌ بغاية التَّوَقِّي والاجتِناب.
стр. 210
واعلم أنَّ في هذه المُبايَعة ذِكْر العَقائد، فإنَّ التوحيد أساسُها، والأَعمال ترْك المَعاصي، فتَشمَل مُخالفة الأوامر كما تشمل فِعْلَ المناهي، أو أنَّ ذلك في بَدْء الشَّرع، ولم تكُن جاءت الأَوامر.
قلتُ: ولا يخفى فَساد هذا، أو يُقال: بدأَ بالمنهيَّات لأنَّ التخلِّي عن الرَّذائل مقدَّمٌ على التحلِّي بالفَضائل، وإنما لم يَستوعِب المنهيَّات كأَكْل مال اليَتيم ونحوه؛ لأنَّ ذلك لم يحرم حينئذٍ، أو ذكر البعضَ ليُقاس الباقي، أو للاهتمام بالمذكور.
قلتُ: هذا أصلَح من الجوابَين.
(وَفَى) بالتخفيف وبالتشديد؛ أي: ثبَتَ على ما بايَع عليه.
(فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) لا يُؤخَذ من لفْظ (الأَجْر)، ولفْظ (على) استِحقاقُ العبْد على عمَله أَجرًا، ولا أنَّه يجب له على الله شيءٌ -كما يقُول المعتزلة- بل الأَجْر من فضْل الله تعالى عليه، فسُمِّي أَجرًا باعتِبار المُماثلة صُورةً، فقد قامت الأَدلةُ عقْلًا ونقْلًا أنَّ العبد لا يجب له على الله شيءٌ، بل وآخِر هذا الحديث يدلُّ عليه، وهو قوله ﷺ : (فهُوَ إِلى اللهِ)، فإنَّه يدلُّ على أنَّه لا يجب عليه عِقاب العاصِي، ولا يجب عليه ثَواب المُطيع؛ إذْ لا قائلَ بالفَرْق.
(مِنْ ذَلِكَ)، (مِن) فيه للتبعيض.
(شَيْئًا) نكرةٌ في سِياق الشَّرط، فتعمُّ.
وفي الحديث إشارةٌ إلى أنَّ الأجر إنما يُنال بالوَفاء بالجميع،
стр. 211
والعِقاب يُنال بأيِّ شيءٍ تُرك منه، وأما عُموم (مَن أصابَ) لمَا سبَق من الشِّرك وغيرِه؛ فمخصوصٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وبالإجماع، أو أن ذلك إشارةٌ إلى غير الشِّرك، فإنَّ العُقوبة لا تسقُط عنه في الآخِرة، ولو قُتل في الدُّنيا، ولا يقبل العفْو بدليل ما سبَق.
ووجْه تخصيص الإشارة بغيره: أنَّ قَرينة (فسَتَره) تدلُّ عليه؛ لأنَّ الكُفر عمَلٌ قلبيٌّ مُقابلٌ للإيمان، وهو التَّصديق القَلْبي، فتعيَّن أنْ يكون هذا في الفِعْل الذي يُمكن إخفاؤُه وإظهاره.
وقال الطِّيْبِي: قالوا: المراد منه المؤمنون خاصةً؛ لعطْفه على (فمَن وَفَى)، وهو خاصٌّ بهم لقوله: (منكم)، والتَّقدير في الثاني: ومَن أصابَ منكم أيُّها المؤمنون مِن ذلك شيئًا، فعُوقب في الدُّنيا -أي: أُقيمَ عليه الحدُّ- لا يُعاقب عليه في الآخِرة، وبأَنَّ الفاء في قوله: (فمَن) الثانية لترتيب ما بعدَها على ما قبلَها، والضمير في (منكم) للعِصابة المَعهودة، فكيف يخصَّص الشِّرك بالغير؟ فالصَّحيح أنَّ المراد بالشِّرك الرِّياء؛ لأنَّه الشِّركُ الخفِيِّ، قال تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، ويدلُّ عليه تنكير (شيئًا)؛ أي: شركًا أيًّا ما كان.
قال (ك): عُرْفُ الشَّرعِ يقتضي أنَّ لفْظ (الشِّرك) عند الإطلاق يُطلق على مقابل التوحيد سيَّما في أوائل البِعْثة، وكثْرة عبَدة الأصنام.
(فَهُوَ كفَّارَةٌ)؛ أي: فالعِقاب، أي: الحدُّ كفارةٌ له، يُسقِط عنه
стр. 212
الإثم حتى لا يُعاقبه في الآخِرة، وقد ذهَب أكثَر الفُقهاء إلى أنَّ الحُدود كفَّارات؛ لظاهر هذا الحديث، ومنهم من توقَّف لحديث أبي هريرة: أنَّه ﷺ قال: "لا أَدْرِي الحُدودُ كَفَّارةٌ أَم لا".
والجواب: يحتمِل أنَّ ذلك قبْل حديث عُبادة، لم يكُن عَلِم، ثم عَلِم، قاله (ن) في "شرح مسلم".
(إِلَى اللَّهِ)؛ أي: فمُفوَّضٌ إلى الله، إنْ شاء عفا عنه، وأدخله الجنة، وإنْ شاء عاقبَه، ثم أدخلَه النار.
وفي ذلك رَدٌّ على المعتزلة في قولهم: إنَّ صاحب الكبيرة إذا ماتَ بغير توبةٍ لا يُعفَى عنه، وأنَّه إذا تاب يجب أنْ يُعفَى عنه.
قال الطِّيْبِي: وفيه إشارةٌ أيضًا إلى أنَّه لا يجوز الشَّهادة بالجنة أو بالنار إلا بنصٍّ كالشَّهادة بالجنة للعشَرة ولغيرهم.
واعلم أنَّ مُطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ؛ فإنَّ فيه التَّنبيه على المعنى المستحَقِّ به هذه المَنْزلة، وهو السَّبْق للإسلام، ولأوَّل مبايعةِ فيه.
* * *
١٢ - بابٌ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ
(باب من الدين الفرار من الفتن)
تعبيره بقوله: (الدِّين) مع أنَّ الكتاب معقودٌ للإيمان يُشعر بأنَّ معناهما واحدٌ.
стр. 213
قال الطِّيْبِي: كذا اصطَلحوا على ترادُف الإيمان والإسلام والدِّين، ولا مُشاحَّةَ في الاصطلاح.
وفي إسناد حديث الباب لطيفةٌ، وهي: أنَّهم كلَّهم مَدَنيُّون.
* * *
١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْحِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الْفِتَنِ".
(د ت ق).
(يُوشِكُ) بضم أوَّله وكسر المعجَمة، وفتحُها لُغةٌ رديَّةٌ، وماضيه: أَوشَكَ، ويجوز في خبره (أنْ) وتَركها، ويُقال أيضًا: أَوشَك أنْ يجيءَ زيدٌ.
(يَتْبَعُ) بياءٍ مفتوحةٍ ومُثنَّاةٍ مشدَّدةٍ، وجاء تسكينُها.
قال ابن مالك: يجوز في كلٍّ من: (خير) و (غنَم) أنْ يكون اسمَ (كان) وخبرَها، ويجوز رفعُهما على الابتداء والخبر، أي: ويكون اسمُ (كان) ضميرَ الشَّأْن.
وقال (ك): نصبُ (خير) هو الأكثر، ولا يضرُّ كون (غنَم) نكرةً، فإنَّه موصوفٌ بجملةِ (يَتبَعُ).
(شَعَفَ) بمعجمةٍ، ثم مهملةٍ مفتوحتَين: رُؤوس الجِبال وأَعاليها،
стр. 214
واحدُه: شَعَفَة، كأَكَمَة وأَكَم، ويُروى: (شَعَاف)، كآكام، قالَه ابن السِّيْد، ويُروى: (شُعَبَ) بضم أوَّله، ومُوحَّدةٍ في آخره، جمع: شُعبة، وهي: طرَف الجبَل، وفي بعض النُّسَخ: (يَتبَعُ بها) بزيادة (بها)، والضمير للغنَم.
(وَمَوَاقعَ الْقَطْرِ)؛ يعني: الأَودية، والصَّحارى.
وذكر الغنَم لمَا فيها من السَّكينة والبَركة، وقد رعاها الأَنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولأنَّهَا سَهْلة الانقِياد، وخَفيفة المؤونة، كثيرة النَّفع.
وذكر هذه المواضع؛ لما فيها من الخَلْوة؛ لأنَّها أسلَم غالبًا من الكَدَر.
(يَفِرُّ بِدِينِهِ)؛ أي: يكون ذلك لسَلامة الدِّين لا لأمرٍ دُنيويٍّ؛ لكثْرة العلَف، وقلَّة أطماع الناس فيه، ونحو ذلك.
فلما كان فيه الجمْع بين الرِّفق والرِّبح، وصِيانة الدِّين كان خيرَ الأموال التي يعتني بها المسلم.
وجملة (يَفِرُّ بدِينه) حالٌ إما مِن ضمير (يَتبَع)، أو من (المسلم)، وجاز مِن المضاف إليه تَنْزيلًا للمُضاف، وهو (مالِ)، بمنزلة جزئه، على حَدِّ قوله تعالى: (مِلَّةَ إبرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥].
وفي الحديث: إخباره ﷺ بهذا، وقد وَقَع، فهو من المُعجِزات، ومدْح العُزلة عند الفتْنة، وخَوفِ الوُقوع في المعصية من المُخالطة إلا أنْ يكون له قُدرةٌ على إزالة الفِتْنة، فيجب عَيْنًا أو كفايةً إزالتُها، وإنما
стр. 215
هذا عند عدَم ذلك، وربَّما كانت الخلْطة مطلوبةً شرعًا كالجمُعة، والجَماعات، والاجتِماع في وُقوف عرَفات، ونحو ذلك؛ ولهذا لا يُنقَل اللَّقيط من بلَدٍ إلى باديةٍ، أو قريةٍ بخلاف العَكْس فيهما، بل مذهب الشافعي والأكثَرين في هذه الحالة أنَّ الخلْطة أفضَل، واكتِساب الفَوائد، وشُهود شعائر الإسلام، وتكثير سَواد المسلمين، وإِيصال الخير لهم بعِيادة المرضَى، وتَشييع الجنائز، وإفْشاء السلام، والأَمر بالمعروف، والتعاوُن على البرِّ والتقوى، وإعانة المُحتاج وغير ذلك.
وقيل: العُزْلة أفضَل؛ لما فيه من السَّلامة المُحقَّقة لكنْ يُشترط توفير ما يَلزمه من العبادات.
قال (ن): المُختار تفضيل الخِلْطة لمن لا يَغلب على ظنِّه الوُقوع في معصيةٍ.
قال (ك): المُختار في عَهْدنا تفضيل الانعِزال، فيندُر خلوُّ المَحافِل عن المعاصي.
واعلم أنَّ (ن) قال: إنَّ في مُطابقة الحديث للترجمة نظَرًا؛ لأنَّ الحديث في صِيانة الدِّين، والترجمة كون ذلك مِن الدِّين.
وأجاب (ك) بأنَّ (مِن) في قوله: (مِن الدِّين) ابتدائيةٌ، أي: الفِرار من الفِتن مَنشؤه الدِّين، والحديث يدلُّ عليه؛ لأن الباء للسَّببيَّة، ثم التقرير ظاهرٌ.
* * *